٢٦ - ٱلشُّعَرَاء
26 - Ash-Shu'ara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
29
Tafseer
ابن كثير
تفسير : لما قامت الحجة على فرعون بالبيان والعقل، عدل إلى أن يقهر موسى بيده وسلطانه، وظن أنه ليس وراء هذا المقام مقال، فقال: {لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِى لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ} فعند ذلك قال موسى: {أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىءٍ مُّبِينٍ} أي: ببرهان قاطع واضح {قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ فَأَلْقَىٰ عَصَـٰهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } أي: ظاهر واضح في غاية الجلاء والوضوح والعظمة، ذات قوائم، وفم كبير، وشكل هائل مزعج، {وَنَزَعَ يَدَهُ} أي: من جبيه، {فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّـٰظِرِينَ} أي: تتلألأ كقطعة من القمر، فبادر فرعون بشقاوته إلى التكذيب والعناد، فقال للملإ حوله: {إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ عَلِيمٌ} أي: فاضل بارع في السحر، فروَّج عليهم فرعون أن هذا من قبيل السحر، لا من قبيل المعجزة، ثم هيجهم وحرضهم على مخالفته والكفر به، فقال: {يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ} الآية، أي: أراد أن يذهب بقلوب الناس معه بسبب هذا، فيكثر أعوانه وأنصاره وأتباعه، ويغلبكم على دولتكم، فيأخذ البلاد منكم، فأشيروا علي فيه ماذا أصنع به؟ {قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَٱبْعَثْ فِى ٱلْمَدَآئِنِ حَـٰشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ } أي: أخره وأخاه حتى تجمع له من مدائن مملكتك وأقاليم دولتك كل سحار عليم يقابلونه، ويأتون بنظير ما جاء به، فتغلبه أنت، وتكون لك النصرة والتأييد، فأجابهم إلى ذلك. وكان هذا من تسخير الله تعالى لهم في ذلك؛ ليجتمع الناس في صعيد واحد، وتظهر آيات الله وحججه وبراهينه على الناس في النهار جهرة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ } فرعون لموسى {لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَٰهَاً غَيْرِى لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ } كان سجنه شديداً يحبس الشخص في مكان تحت الأرض وحده لا يبصر ولا يسمع فيه أحداً.
ابن عطية
تفسير : لما انقطع فرعون في الحجة رجع إلى الاستعلاء، والتغلب، وهذه أبين علامات الانقطاع، فتوعّد موسى عليه السلام بالسجن حين أعياه خطابه، وفي توعده بالسجن ضعف لأنه خارت طباعه معه، وكان فيما روي يفزع منه فزعاً شديداً حتى كان لا يمسك بوله، وروي أن سجنه كان أشد من القتل في مطبق لا ينطلق منه أبداً فكان مخوفاً. قال القاضي أبو محمد : وهذه نزعة دار النبود إلى اليوم، وكان عند موسى عليه السلام من أمر الله تعالى ما لا يفزعه توعد فرعون فقال له موسى على جهة اللطف به والطمع في إيمانه {أولو جئتك بشيء مبين} يتضح لك معه صدقي، أفكنت تسجنني، فلما سمع فرعون ذلك طمع أن يجد أثناءه موضع معارضة فقال له {فأت به إن كنت من الصادقين} {فألقى} موسى عصاه من يده وكانت من عصي الجنة وكانت عصى آدم عليه السلام، ويروى أنها كانت من غير ورقة الريحان، وكانت عند شعيب عليه السلام في جملة عصي الأنبياء فأعطاها لموسى عليه السلام عند رعايته له الغنم على صورة قد تقدم ذكرها دلت على نبوة موسى وكان لها في رأسها شعبتان فثم كان فم الحية وغير ذلك من قصص هذه، ونزع يده من جيبه فإذا هي تتلألأ كأنها قطعة من الشمس، فلما رأى فرعون ذلك هاله ولم يكن له فيه مدفع غير أنه فزع إلى رميه بالسحر، وطمع، لعلو علم السحر في ذلك الوقت وكثرته، أن يكون فيه سبب لمقاومة موسى فأوهم قومه وأتباعه أن موسى عليه السلام ساحر، ثم استشارهم في أمره وأغراهم به في قوله {يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره} فأشاروا عليه بتأخير أمره وأمر أخيه وجمع السحرة لمقاومته، وروي أنهم أشاروا بسجنه وهو كان الإرجاء عندهم، و"الإرجاء" التأخير ولم يشيروا بقتله لأن حجته نيرة وضلالتهم في ربوبية فرعون مبينة فخشوا الفتنة وطمعوا أن يغلب بحجة تقنع العوام، و"الحاشر" الجامع، وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم "بكل سحار"، وهو بناء المبالغة وقرأ عاصم أيضاً والأعمش "بكل ساحر".
النسفي
تفسير : {قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِى } أي غيري إلهاً {لأجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ } أي لأجعلنك واحداً ممن عرفت حالهم في سجوني، وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه فيطرحه في هوة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق فرداً لا يبصر فيها ولا يسمع، فكان ذلك أشد من القتل. ولو قيل لأسجننك لم يؤد هذا المعنى وإن كان أخصر {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ } الواو للحال دخلت عليها همزة الاستفهام أي أتفعل بي ذلك ولو جئتك {بِشَىء مُّبِينٍ } أي جائياً بالمعجزة {قَالَ فَأْتِ بِهِ } بالذي يبين صدقك {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } أن لك بينة وجواب الشرط مقدر أي فأحضره {فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } ظاهر الثعبانية لا شيء يشبه الثعبان كما تكون الأشياء المزورة بالشعوذة والسحر. روي أن العصا ارتفعت في السماء قدر ميل ثم انحطت مقبلة إلى فرعون وجعلت تقول: يا موسى مرني بما شئت. ويقول فرعون: أسألك بالذي أرسلك إلا أخذتها، فأخذها فعادت عصا. {وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَاء لِلنَّـٰظِرِينَ } فيه دليل على أن بياضها كان شيئاً يجتمع النظارة على النظر إليه لخروجه عن العادة وكان بياضها نورياً. روي أن فرعون لما أبصر الآية الأولى قال: فهل غيرها فأخرج يده فقال لفرعون ما هذه؟ قال فرعون: يدك، فأدخلها في إبطه ثم نزعها ولها شعاع يكاد يغشي الأبصار ويسد الأفق {قَالَ } أي فرعون {لِلْمَلإِ حَوْلَهُ } هو منصوب نصبين نصب في اللفظ والعامل فيه ما يقدر في الظرف، ونصب في المحل وهو النصب على الحال من الملأ أي كائنين حوله والعامل فيه قال {إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ عَلِيمٌ } بالسحر. ثم أغوى قومه على موسى بقوله
ابو السعود
تفسير : {قَالَ} لما سمع اللَّعينُ منه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ تلك المقالاتِ المبنيةَ على أساسِ الحِكَمِ البالغةِ وشاهدَ شدَّةَ حزمِه وقوَّةَ عزمِه على تمشية أمرِه وأنَّه ممَّن لا يُجارىٰ في حلبةِ المحاورةِ ضربَ صَفحاً عن المُقاولةِ بالإنصافِ ونَأَى بجانبه إلى عُدْوةِ الجورِ والاعتسافِ فقال مُظهراً لما كانَ يُضمره عند السُّؤال والجوابِ: {لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِى لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ} لم يقتنْع منه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بتركِ دعَوى الرِّسالةِ وعدمِ التَّعرض له حتَّى كلَّفه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يتَّخذَه إلهاً لغايةِ عُتوِّه وغُلوِّه فما فيه من دَعْوى الأُلوهيَّةِ وهذا صريحٌ في أنَّ تعجُّبَه وتعجيبَه من الجوابِ الأوَّلِ ونسبَتُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الجنُونِ في الجوابِ الثَّاني كان لنسبته عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ الرُّبوبَّـيةَ إلى غيرِه، وأما ما قيلَ مِنْ أنَّ سؤالَه كان عن حقيقةِ المُرْسِل وتعجُّبه من جوابِه كان لعدمِ مُطابقتِه له لكونِه يذكرُ أحوالَه فلا يُساعده النَّظم الكريمُ ولا حال فرعونَ ولا مقالُه. واللامُ في المسجونينَ للعهدِ أي لأجعلنَّك ممَّن عرفتَ أحوالَهم في شجونِي حيثُ كان يطرحُهم في هُوَّةٍ عميقة حتَّى يموتُوا ولذلك لم يقُل لأسجنَّنك. {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيء مُّبِينٍ} أي أتفعلُ بـي ذلك ولو جئتُك بشيء مبـينٍ أي موضِّحٍ لصدقِ دعواي يريد به المعجزةَ فإنَّها جامعةٌ بـين الدِّلالةِ على وجودِ الصَّانعِ وحكمتِه وبـين الدِّلالةِ على صدقِ دَعْوى مَن ظهرتْ على يدِه والتَّعبـيرُ عنها بالشَّيءِ للتَّهويلِ قالوا الواوُ في أولو جئتُك للحالِ دخلتْ عليها همزةُ الاستفهامِ أي جائياً بشيء مبـينٍ وقد سلفَ منَّا مراراً أنَّها للعطفِ وأنَّ كلمةَ لَوْ ليستْ لانتفاءِ الشَّيءِ في الزَّمانِ الماضِي لانتفاء غيرِه فيه فلا يُلاحظ لها جوابٌ قد حُذف تعويلاً على دلالةِ ما قبلها عليه ملاحظة قصديَّة إلا عند القصدِ إلى بـيانِ الإعرابِ على القواعدِ الصِّناعيَّةِ بل هي لبـيان تحقُّقِ ما يُفيده الكلامُ السَّابقُ من الحكم الموجب أو المنفيِّ على كل حالٍ مفروض من الأحوالِ المقارنةِ له على الإجمال بإدخالِها على أبعدِها منه وأشدِّها منافاةً له ليظهر بثبوتهِ أو انتفائِه معه ثبوتُه وانتفاؤُه مَعَ ما عداهُ من الأحوال بطريق الأولويةِ لما أنَّ الشَّيءَ متى تحقَّقَ مع المنافي القويَّ فلأنْ يتحقَّقَ مع غيره أولى ولذلك لا يذكر معه شيءٌ من سائرِ الأحوالِ ويكتفي عنه بذكر العاطف للجُملة على نظرِتها المقابلة لها الشَّاملة لجيمع الأحوالُ المُغايرة لها عند تعدُّدها ليظهر ما ذكر من تحقُّق الحكم على جميع الأحوال فإنَّك إذا قلتَ فلانٌ جوادٌ يعطي ولو كان فقيراً تُريد بـيانَ تحقُّقِ الإعطاءِ منه على كلِّ حالٍ من أحوالِه المفروضةِ فتعلق الحكم بأبعدِها منه ليظهر بتحقُّقهِ معه تحقُّقه معَ ما عداهُ من الأحوالِ التي لا مُنافاة بـينها وبـينَ الحكم بطريقِ الأولويَّةِ المُصحِّحةِ للاكتفاء بذكرِ العاطفِ عن تفصيلِها كأنَّك قلتَ فلانٌ جوادٌ يُعطي لو لم يكنْ فَقيراً ولو كان فَقيراً أي يُعطى حالَ كونِه فقيراً، فالحالُ في الحقيقةِ كلتا الجملتينِ المُتعاطفتين لا المذكورةُ على أنَّ الواوُ للحالِ وتصديرُ المجيءِ بما ذُكر من كلمة لَوْ دون أنْ ليس لبـيانِ استبعادِه في نفسه بل بالنِّسبة إلى فرعونَ والمعنى أتفعلُ بـي ذلك حالَ عدمِ مجيئي بشيءٍ مُبـينٍ وحال مجيئي به.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} فرعون من غاية تمرده وميلا الى العقوبة كما يفعله الجبابرة وعدولا الى التهديد عن المحاجة بعد الانقطاع وهكذا ديدن المعاند المحجوب وغيظا على نسبة الربوبية الى غيره ولعله كان دهريا اعتقد انمن ملك قطرا وتولى امره بقوة طالعه استحق العبادة من اهله. وقال بعضهم كان الملعون مشبها ولذلك قال وما رب العالمين اى أى شىء هو فنوقعه فى الخيال {لئن اتخذت الها غيرى لاجعلنك من المسجونين} اللام للعهد اى لاجعلنك من الذين عرفت احوالهم فى سجونى فانه كان يطرحهم فى هوة عميقة حتى يموتوا ولذلك لم يقل لأسجنك. قال الكاشفى [هرآينه كردانيم ترا از زندانيان آورده اندكه سجن فرعون ازقتل بدتربود زيرا كه زندانيانرا در حفره عميق مى انداختند كه در آنجاهيج نمى ديدند ونمى شنيدند وبيرون نمى آوردند الا مرده]. وفيه اشارة الى سجن حب الدنيا فان القلب اذا كان متوجها الى الله وطلبه معرضا عن النفس وشهواتها فلا استيلاء للنفس عليه الا بشبكة حب الجاه والرياسة فانه آخر ما يخرج عن رؤس الصديقين شعر : باشد اهل آخرت را حب جاه همجو يوسف را دران شهراه جاه
الجنابذي
تفسير : {قَالَ} تهديداً له {لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ} قيل هدّده بأسوء العقوبة لانّه كان له هُوَّة عميقة لا يسجن فيها احدٌ الاّ يموت فيها، ولمّا رأى موسى (ع) تهديده.
اطفيش
تفسير : {قَالَ} فرعون {لَئِنِ أتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ} المعهودين عندك المخلدين في السجن. وكان سجنه أشد من القتل لأنه حفر في الأرض بعيد العمق، يكون للمسجون فيه وحده، لا يسمع ولا يبصر حتى يموت.
الالوسي
تفسير : {قَالَ } ضارباً صفحاً عن المقاولة إلى التهديد كما هو ديدن المحجوج العنيد: {لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِى لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ } وفيه مبالغة في رده عن دعوى الرسالة حيث أراد منه ما أراد ولم يقنع منه عليه السلام بترك دعواها وعدم التعرض له، وفيه أيضاً عتو آخر حيث أوهم أن موسى عليه السلام متخذ له إلهاً في ذلك الوقت وأن اتخاذه غيره الهاً بعد مشكوك، وبالغ في الإبعاد على تقدير وقوع ذلك حيث أكد الفعل بما أكد وعدل عن لأسجننك الأخصر لذلك أيضاً فإن أل في (المسجونين) للعهد فكأنه قال: لأجعلنك ممن عرفت أحوالهم في سجوني، وكان عليه اللعنة يطرحهم في هوة عميقة قيل: عمقها خمسمائة ذراع وفيها حيات وعقارب حتى يموتوا. هذا وقال بعضهم: السؤال هنا وفي سورة طه عن الوصف والقصة واحدة والمجلس واحد واختلاف العبارات فيها لاقتضاء كل مقام ما عبر به فيه ويلتزم القول بأن الواقع هو القدر المشترك بين جميع تلك العبارات، وبهذا ينحل اشكال اختلاف العبارات مع دعوى اتحاد القصة والمجلس لكن تعيين القدر المشترك الذي يصح أن يعبر عنه بكل من تلك العبارات يحتاج إلى نظر دقيق مع مزيد لطف وتوفيق. ثم إن العلماء اختلفوا في أن اللعين هل كان يعلم أن للعالم رباً هو الله عز وجل أو لا؟ فقال بعضهم: كان يعلم ذلك بدليل {أية : لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } تفسير : [الإسراء: 102] ومنهم من استدل بطلبه شرح الماهية زعماً منه أن فيه الاعتراف بأصل الوجود وذكروا أن ادعاءه الألوهية وقوله: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ } تفسير : [النازعات: 24] إنما كان ارهاباً لقومه الذين استخفهم ولم يكن ذلك عن اعتقاد وكيف يعتقد أنه رب العالم وهو يعلم بالضرورة أنه وجد بعد أن لم يكن ومضى على العالم ألوف من السنين وهو ليس فيه ولم يكن له إلا ملك مصر ولذا قال شعيب لموسى عليهما السلام: لما جاءه في مدين {أية : لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [القصص: 25]. وقال بعضهم: إنه كان جاهلاً بالله تعالى ومع ذلك لا يعتقد في نفسه أنه خالق السماوات والأرض وما فيهما بل كان دهرياً نافياً للصانع سبحانه معتقداً وجوب الوجود بالذات للأفلاك وإن حركاتها أسباب لحصول الحوادث ويعتقد أن من ملك قطراً وتولى أمره لقوة طالعة استحق العبادة من أهله وكان رباً لهم ولهذا خصص ألوهيته وربوبيته ولم يعمهما حيث قال: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي} تفسير : [القصص: 38] {أية : وَأَنَاْ رَبُّكُمْ ٱلأَعْلَىٰ }تفسير : [النازعات: 24]، وجوز أن يكون / من الحلولية القائلين بحلول الرب سبحانه وتعالى في بعض الذوات ويكون معتقداً حلوله عز وجل فيه ولذلك سمى نفسه إلهاً، وقيل: كان يدعي الألوهية لنفسه ولغيره وهو ما كان يعبده من دون الله عز وجل كما يدل عليه ظاهر قوله تعالى: {أية : وَيَذَرَكَ وَءالِهَتَكَ }تفسير : [الأعراف: 127] وهو وكذا ما قبله بعيد. والذي يغلب على الظن ويقتضيه أكثر الظواهر أن اللعين كان يعرف الله عز وجل وأنه سبحانه هو خالق العالم إلا أنه غلبت عليه شقوته وغرته دولته فاظهر لقومه خلاف علمه فأذعن منهم له من كثر جهله ونزر عقله، ولا يبعد أن يكون في الناس من يذعن بمثل هذه الخرافات ولا يعرف أنها مخالفة للبديهيات، وقد نقل لي من أثق به أن رجلين من أهل نجد قبل ظهور أمر الوهابـي فيما بينهم بينما هما في مزرعة لهما إذ مر بهما طائر طويل الرجلين لم يعهدا مثله في تلك الأرض فنزل بالقرب منهما فقال أحدهما للآخر: ما هذا؟ فقال له: لا ترفع صوتك هذا ربنا فقال له معتقداً صدق ذلك الهذيان: سبحانه ما أطول كراعيه وأعظم جناحيه، وأما من له عقل منهم ولا يخفى عليه بطلان مثل ذلك فيحتمل أن يكون قد وافق ظاهراً لمزيد خوفه من فرعون أو مزيد رغبته بما عنده من الدنيا كما نشاهد كثيراً من العقلاء وفسقة العلماء وافقوا جبابرة الملوك في أباطيلهم العلمية والعملية حبا للدنيا الدنية أو خوفاً مما يتوهمونه من البلية، ويحتمل أن يكون قد اعتقد ذلك حقيقة بضرب من التوجيه وإن كان فاسداً كزعم الحلول ونحوه، والمنكر على القائل أنا الحق والقائل ما في الجبة إلا الله يزعم أن معتقدي صدقهما كمعتقدي صدق فوعون في قوله: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ }تفسير : [النازعات: 24] وسؤال اللعين لموسى عليه السلام حكاية لما وقع في عبارته بقوله: {أية : وَمَا رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [الشعراء: 23] كان لإنكاره لظاهر أن يكون للعالمين رب سواه، وجواب موسى عليه السلام له لم يكن إلا لابطال ما يدعيه ظاهراً وإرشاد قومه إلى ما هو الحق الحقيق بالقبول ولذا لم يقصر الخطاب في الأجوبة عليه، والتعجيب المفهوم من قوله: {أية : أَلاَ تَسْتَمِعُونَ } تفسير : [الشعراء: 25] لزعمه ظاهراً أنه عليه السلام ادعى خلاف أمر محقق وهي ربوبية نفسه، ولما داخله من خوف إذعان قومه لما قاله موسى عليه السلام ما داخله بالغ في صرفهم عن قبول الحق بقوله: {أية : إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } تفسير : [الشعراء: 27] ولما رأى أن ذلك لم يفد في دفع موسى عليه السلام عن إظهار الحق وإبطال ما كان يظهره من الباطل ذب عن دعواه الباطلة بالتهديد وتشديد الوعيد فقال: {لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِى لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ } ولعل أجوبته عليه السلام مشيرة إلى إبطال اعتقاد نحو الحلول بأن فيه الترجيح بلا مرجح وبأنه يستلزم المربوبية لما فيه من التغير، وبعد هذا القول عندي قول بعضهم: إنه عليه اللعنة كان دهرياً إلى آخره ما سمعته آنفاً، والتعجيب لزعمه حقيقة أنه عليه السلام ادعى خلاف أمر محقق وهو ربوبية نفسه عليه اللعنة والله تعالى أعلم، ولما رأى عليه السلام فظاظة فرعون: {قَالَ أَوَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَىء مُّبِينٍ}.
ابن عاشور
تفسير : لمّا لم يجد فرعون لحجاجه نجاحاً ورأى شدة شكيمة موسى في الحق عدل عن الحجاج إلى التخويف ليقطع دعوة موسى من أصلها. وهذا شأن من قهرته الحجة، وفيه كبرياء أن ينصرف عن الجدل إلى التهديد. واللام في قوله: {لئن اتخذت إلٰهاً} موطئة للقسم. والمعنى أن فرعون أكد وعيده بما يساوي اليمين المجملة التي تؤذن بها اللام الموطئة في اللغة العربية كأن يكون فرعون قال: عليَّ يمين، أو بالأيمان، أو أقسم. وفعل {اتخذت} للاستمرار، أي أصررت على أن لك إلهاً أرسلك وأن تبقى جاحداً للإله فرعون، وكان فرعون معدوداً إلهاً للأمة لأنه يمثل الآلهة وهو القائم بإبلاغ مرادها في الأمة، فهو الواسطة بينها وبين الأمة. ومعنى: {لأجعلنك من المسجونين} لأسجننك، فسلك فيه طريقة الإطناب لأنه أنسب بمقام التهديد لأنه يفيد معنى لأجعلنك واحداً ممن عرفتَ أنهم في سِجني، فالمقصود تذكير موسى بهول السجن. وقد تقدم أن مثل هذا التركيب يفيد تمكن الخبر من المخبَر عنه عند قوله تعالى: {أية : قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} تفسير : في سورة البقرة (67). وقد كان السجن عندهم قطعاً للمسجون عن التصرف بلا نهاية، فكان لا يدري متى يخرج منه قال تعالى: {أية : فأنساه الشيطان ذكرَ ربه فلبِث في السجن بضعَ سنين}تفسير : [يوسف: 42].
د. أسعد حومد
تفسير : {لَئِنِ} (29) - فلما شعرَ فرعونُ أنهُ غُلِبَ وانْقَطَعَتْ حُجَّّتُهُ، عَدَلَ إِلَى اسْتِعْمَال جاهِهِ وقوةِ سُلْطَانِهِ، واعْتَقَدَ أنَّ ذَلكَ نافِعُهُ، ونافِذٌ في مُوسى وأخِيه فقال لمُوسى: إذا عَبَدْتَ إلَهاً غَيْرِي فَسَأَسْجُنُكَ، وأنتَ تَعْرِفُ سُوْءَ حَالِ مَنْ يَدْخُلُ في سِجْنِي.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهذا من فرعون إفلاس في الحجة، ولو كان عنده رَدٌّ لما يقوله موسى لردّ عليه، ولَقرع الحجة بالحجة، لكنه تقوَّى على خَصْمه بأن هدده بالسجن والإبعاد، وكان المسجون عندهم يظل في السجن حتى الموت. ولم يُراع فرعون في هذه المسألة الناس من حوله، أن يكتشفوا هذا الإفلاس، وهذا الحمق في رَدِّه. ويُؤخِّر موسى عليه السلام ما معه من الآيات، ويستمر في الجدل وإظهار الحجة: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ ...}.
الجيلاني
تفسير : وبعدما جهلهم موسى وشدد عليهم، وسفههم {قَالَ} فرعون مستكبراً مستعلياً مهدداً: {لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ} وعبدت يا موسى {إِلَـٰهَاً غَيْرِي} على مقتضى زعمك {لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ} [الشعراء: 29] المعهودين عندك أنهم لا مخلص لهم عن سجني حتى يموتوا فيه، فإنه كان يطرح المخالفين في هوة عميقة يموتون فيها. وبعدما سمع موسى تهديده وعتوه {قَالَ} مستفهماً على سبيل التعجيز والغلبة: {أَ} تفف ما هددتني به {وَلَوْ جِئْتُكَ} أيها الطاغي المتجبر {بِشَيءٍ} أي: بمعجزةٍ {مُّبِينٍ} [الشعراء: 30] ظ اهر الدلالة على صدقي في دعواي. {قَالَ} فرعون مستحيياً عن الناس، مستبعداً نفسه عن العجز: {فَأْتِ بِهِ} أي: بالذي ادعيت من المعجزة {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} [الشعراء: 31] في الدعوى. {فَأَلْقَىٰ} موسى {عَصَاهُ} على الفور {فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} [الشعراء: 32] ظاهر ثعبانيته، عظيم بحيث لا يُشتبه على أحدٍ أمره. {وَ} بعدما ألقى عصاه {نَزَعَ يَدَهُ} أي: أخرجها من جيبه؛ ليثبت مدعاه بشاهدين {فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ} محيرة مفرقة للأبصار من غاية شعاعها ولمعانها {لِلنَّاظِرِينَ} [الشعراء: 33] إليها، مدهشة لقلوبهم إلى حيث تاهوا وتحيروا من تشعشعها. فلما رأها فرعون {قَالَ} بعدما أوجس في نفسه خيفة {لِلْمَلإِ} الذين يجلسون {حَوْلَهُ} مستغرباً من أمره، مستعجباً: {إِنَّ هَـٰذَا} المدعي {لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} [الشعراء: 34] ماهر في علم السحر، بالغ نهايته. {يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ} المألوفة {بِسِحْرِهِ} هذا وكمال فيه {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} [الشعراء: 35] في أمره أيها الأشراف. انظر أيها المتأمل الناظر إلى كمال قدرة الله وسطوع حججه الغالبة البالغة، كيف تأثر منها فرعون المتكبر المتجبر الطاغي، مع كمال عتوه واستعلائه، إلى حيث اضطر إلى المشورة مع الناس في أمر موسى ودفعه، مع أنه ادَّعى الألوهية لنفسه. وبعدما سمع الأشراف قوله {قَالُوۤاْ} له: مقتضى شأنك وجلالك ألاَّ تتسارع إلى قتلهما؛ لئلا تُنسب إلى العجز الإلزام منهما ومن حجتهما، بل {أَرْجِهْ} واحبس موسى {وَأَخَاهُ} هارون، وأخِّر قتلهما زماناً {وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ} شرِطة {حَاشِرِينَ} [الشعراء: 36] جامعين. حتى {يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ} مبالغ في السحر {عَلِيمٍ} [الشعراء: 37] فائق منه، بالغ نهايته. فبعث شرطة إلى الأقطار بعدما وكلَّل عليهما وكلاء يحبسونهما {فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ} المهرة في هذا الفن {لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} [الشعراء: 38] أي: لوقت عُيِّن لجمعهم في يوم الزينة، وهو وقتي الضحى. {وَقِيلَ لِلنَّاسِ} أي: نودي عليهم في الطرق والسلك: {هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ} [الشعراء: 39] لموعد يوم معلوم؛ حتى تشاهدوا حال موسى وهارون وغلبة السحرة عليهما، وإبطال ما أتيا به من السحر. {لَعَلَّنَا} بأجمعنا {نَتَّبِعُ ٱلسَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ ٱلْغَالِبِينَ} [الشعراء: 40] إياهما.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):