٢٦ - ٱلشُّعَرَاء
26 - Ash-Shu'ara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
45
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَٰهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ } بحذف إحدى التاءين من الأصل تبتلع {مَا يَأْفِكُونَ } يقلبونه بتمويههم فيخيلون حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى.
ابن عطية
تفسير : تقدم في غير هذه السورة ما ذكر الناس في عظم الحية حين ألقى موسى عصاه، وفي هذه الآيات متروك كثير يدل عليه الظاهر، وقد ذكر في مواضع أخر وهي خوف موسى من ظهور سحرهم واسترهابهم للناس وتخييلهم في حبالهم وعصيهم أنها تسعى بقصد، ثم إن الحية التي خلق الله في العصا التقمت لك الحبال والعصي عن آخرها وأعدمها الله تعالى في جوفها وعادت العصا إلى حالها حين أخذ موسى بالفرجة التي في رأسها فأدخل يده في فمها فعادت عصا بإذن الله عز وجل. وقرأ جمهور القراء "تَلَقّف" بفتح التاء خفيفة واللام وشدّ القاف، وقرأ حفص عن عاصم "تلْقَف" بسكون اللام وتخفيف القاف، وروى البزي وفليح عن ابن كثير شد التاء وفتح اللام وشد القاف، ويلزم على هذه القراءة إذا ابتدأ أن يجلب همزة الوصل وهمزة الوصل لا تدخل على الأفعال المضارعة كما لا تدخل على أسماء الفاعلين، وقوله {ما يأفكون}، أي ما يكذبون معه وبسببه في قولهم إنها معارضة لموسى ونوع من فعله، والإفك الكذب، ثم إن السحرة لما رأوا العصا، خالية من صناعة السحر ورأوا فيها بعد من أمر الله ما أيقنوا أنه ليس في قوة بشر أذعنوا ورأوا أن الغنيمة هي الإيمان والتمسك بأمر الله عز وجل فسجدوا كلهم لله عز وجل مقرين بوحدانيته وقدرته، ووصلوا إيمانهم بسبب موسى وهارون، وصرحوا بأن ذلك على أيديهما لأن قولهم "رب العالمين" مغن فلم يكرروا البيان في قولهم {رب موسى وهارون} إلا لما ذكرناه فلما رأى فرعون وملؤه إيمان السحرة وقامت الحجة بإيمان أهل علمهم ومظنة نصرتهم وقع فرعون في الورطة العظمى، فرجع إلى السحرة بهذه الحجة الأخرى، فوقفهم موبخاً على إيمانهم بموسى قبل إذنه، وفي هذه اللفظة مقاربة عظيمة وبعض إذعان لأن محتملاتها أنهم لو طلبوا إذنه في ذلك أذن، ثم توعدهم بقطع الأيدي والأرجل {من خلاف} والصلب في جذوع النخل فقالوا له {لا ضير} أي لا يضرنا ذلك مع انقلابنا إلى مغفرة الله ورضوانه. وروي أنه أنفذ فيهم ذلك الوعيد وصلبهم على النيل، قال ابن عباس أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء، وقولهم {أن كنا أول المؤمنين} يريدون من القبط وصنيفتهم وإلا فقد كانت بنو إسرائيل آمنت، وقرأ الناس "أن كنا" بفتح الألف، وقرأ أبان بن تغلب "إن" بكسر الألف بمعنى أن طمعهم إنما هو بهذا الشرط.
البقاعي
تفسير : ولما قدم إضمار اسم موسى عليه السلام في الإلقاء الأول لأن الكلام كان معه، فلم يكن إلباس في أنه الفاعل. وكان الكلام هنا في السحرة، وختموا بذكر فرعون وعزته، صرح باسم موسى عليه الصلاة والسلام لنفي اللبس فقال: {فألقى} أي فتسبب عن صنع السحرة وتعقبه أن ألقى {موسى} وقابل جماعة ما ألقوه بمفرد ما ألقى، لأنه أدل على المعجزة، فقالك {عصاه} أي التي جعلناها آية له، وتسبب عن إلقائه قوله: {فإذا هي تلقف} أي تبتلع في الحال بسرعة ونهمة {ما يأفكون*} أي يصرفونه عن وجهه وحقيقته التي هي الجمادية بحيلهم وتخييلهم إلى ظن أنه حيات تسعى {فألقي} أي عقب فعلها من غير تلبث {السحرة ساجدين*} أي فسجدوا بسرعة عظيمة حتى كأن ملقياً ألقاهم بغير اختيارهم من قوة إسراعهم، علماً منهم بأن هذا من عند الله، فأمسوا أتقياء بررة، بعد ما جاؤوا في صبح ذلك اليوم سحرة. ولما كان كأنه قيل: هذا فعلهم، فما كان قولهم؟ قيل: {قالوا آمنا برب العالمين*} أي الذي دعا إليه موسى عليه السلام أو ما تكلم؛ ثم خصوه كشفاً لتلبيس فرعون بما لا يحتمل غيره فقالوا بياناً: {رب} ولم يدع داع هنا إلى العدول عن الأصل، فقال عبارة عن كلامهم: {موسى وهارون*} أي اللذين أحسنا إلينا بالتنبيه عليه، والهداية إليه، وصدقهما بما أجرى على أيديهما. ولما خاف فرعون اتباع الناس لهم، لما يرون مما هالهم من أمرهم، وكان قد تقدم ما يعرف أن المنكر عليهم فرعون نفسه، قال تعالى مخبراً عنه: {قال} من غير ذكر الفاعل - أي فرعون - لعدم اللبس، ومقصود السورة غير مقتض للتصريح كما في الأعراف بل ملائم للإعراض عنه والإراحه منه، منكراً مبادراً موهماً لأنه إنما يعاقب على المبادرة بغير إذن، لا على نفس الفعل، وأنه ما غرضه إلا التثبت ليؤخر بهذا التخييل الناس عن المبادرة بالإيمان إلى وقت ما {آمنتم له} أي لموسى عليه السلام، أفرده بالضمير لأنه الأصل في هذه الرساله، وحقيقة الكلام: أوقعتم التصديق بما أخبر به عن الله لأجله إعظاماً له بذلك {قبل أن ءاذن لكم} أي في الإيمان؛ ثم علل فعلهم بما يقتضي أنه عن مكر وخداع، لا عن حسن اتباع، فقال: {إنه} أي موسى عليه السلام {لكبيركم}. ولما كان هذا مشعراً بنسبته له إلى السحر، وأنه أعلم منهم به، فلذلك غلبهم، أوضحه بقوله: {الذي علمكم السحر} فتواعدتم معه على هذا الفعل، لتنزعوا الملك من أربابه، هذا وكل من سمعه يعلم كذبة قطعاً، فإن موسى عليه السلام ما ربي إلا في بيته، واستمرّ حتى فر منهم إلى مدين، لا يعلم سحراً، ولا ألم بساحر، ولا سافر إلا إلى مدين، ثم لم يرجع إلا داعياً إلى الله، ولكن الكذب غالب على قطر مصر، وأهلها اسرع شيء سماعاً له وانقياداً به. ولما أوقف السامعين بما خيلهم به من هذا الباطل المعلوم البطلان لكل ذي بصيرة، أكد المنع بالتهديد فقال: {فلسوف تعلمون*} أي ما أفعل بكم، أي فتسبب عما فعلتم أني أعاقبكم عقوبة محققة عظيمة، وأتى بأداة التنفيس خشية من أن لا يقدر عليهم فيعلم الجميع عجزه فيؤمنوا، مع ما فيها في الحقيقة على السحرة من التأكيد في الوعيد الذي لم يؤثر عندهم في جنب ما أشهدهم الله من الآية التي مكنتهم في مقام الخضوع؛ ثم فسر ما أبهم بقوله: {لأقطعن} بصيغة التفعيل لكثرة القطع والمقطوعين {أيديكم وأرجلكم} ثم بين كيفية تقطيعها فقال: {من خلاف} وزاد في التهويل فقال: {ولأُصلبنكم أجمعين*} ثم استأنف تعالى حكاية جوابهم بقوله: {قالوا}. ولما كان قد تقدم هنا أنهم أثبتوا له عزة توجب مزيد الخوف منه، حسن قولهم: {لا ضير} أي لا ضرر أصلاً علينا تحصل به المكنة منا فيما هددتنا به، بل لنا في الصبر عليه إن وقع أعظم الجزاء من الله، ورد النفي الشامل في هذه السورة إيذاناً بأنه لم يقدر فرعون على عذابهم، تحقيقاً لما في أول القصة من الإشارة إلى ذلك بـ {كلا} و {مستمعون} فإن الإمكان من تابعي موسى عليه السلام يؤذيه ويضيق صدره، ولما يأتي من القصص من صريح العبارة في قوله {أنتما ومن اتبعكما الغالبون}. ثم عللوا ذلك بقولهم: {إنا} أي بفعلك ذلك فينا إن قدرك الله عليه {إلى ربنا} أي المحسن إلينا وحده {منقلبون*} أي ولا بد لنا من الموت، فلنكن على ما حكم به ربنا من الحالات، وإنما حكمك على هذا الجسد ساعة من نهار، ثم لا حكم على الروح إلا الله الذي هو جدير بأن يثيبنا على ذلك نعيم الأبد. وذلك معنى قولهم معللين ما قبله: {إنا نطمع أن يغفر} اي يستر ستراً بليغاً {لنا ربنا} الذي أحسن إلينا بالهداية {خطايانا} أي التي قدمناها على كثرتها؛ ثم عللوا طمعهم مع كثرة الخطايا بقولهم: {أن كنا} أي كوناً هو لنا كالجبلة {أول المؤمنين*} أي من أهل هذا المشهد، وعبروا بالطمع إشارة إلى أن جميع أسباب السعادة منه تعالى، فكأنه لا سبب منهم أصلاً.
ابو السعود
تفسير : {فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَـٰهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ} أي تبتلعُ بسرعةٍ. وقُرىء تلقَّفُ بحذفِ إحدى التاءينِ من تَتَلقَّفُ {مَا يَأْفِكُونَ} أي ما يقلبونَهُ من وجهه وصورتِه بتمويههم وتزويدِهم فيخيِّلُون حبالَهم وعصيَّهم أنَّها حيَّاتٌ تسعى أو إفكهم تسميةً للمأفوكِ به مبالغةً. {فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَـٰجِدِينَ} أي أثرَ ما شاهَدوا وذلك من غيرِ تلعثمٍ وتردُّدٍ غير متمالكينَ كأنَّ مُلقياً ألقاهُم لعلمِهم بأنَّ مثلَ ذلك خارجٌ عن حدودِ السِّحرِ وأنه أمرٌ إلهيٌّ قد ظهر على يدهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لتصديقه، وفيه دليلٌ على أنَّه قصارَى ما ينتهِي إليه هممُ السَّحرةِ هو التَّمويهُ والتَّزويرُ وتخيـيلُ شيءٍ لا حقيقةَ له. {قَالُواْ ءامَنَّا بِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} بدلُ اشتمالٍ من أُلقي أو حالٌ بإضمارِ قَدْ وقوله تعالى: {رَبّ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ} بدلٌ من ربِّ العالمين للتَّوضيحِ ودفعِ توهم إرادةِ فرعونَ حيثُ كان قومُه الجَهَلةُ يسمُّونَهُ بذلك وللإشعارِ بأنَّ الموجبَ لإيمانِهم به تعالى ما أجراهُ على أيديهما من المُعجزةِ القاهرةِ. {قَالَ} أي فرعونُ للسَّحرة {ءامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لَكُم} أي بغيرِ أنْ آذنَ لكُم في قولِه تعالى: { أية : لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَـٰتُ رَبّى} تفسير : [سورة الكهف: الآية 109] لا أن الإذن منه ممكنٌ أو متوقَّعٌ {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسّحْرَ} فتواطأتُم على ما فعلتم أو علَّمكم شيئاً دُونَ شيءٍ فلذلك غلبَكم أرادَ بذلك التَّلبـيس على قومِه كيلا يعتقدُوا أنَّهم آمنُوا عن بصيرةٍ وظهورِ حقَ وقُرىء أأمنتُم بهمزتينِ {فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} أي وبالَ ما فعلتُم وقوله: {لأقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ وَلأصَلّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} بـيانٌ لما أوعدهم به. {قَالُواْ} أي السَّحرةُ {لاَ ضَيْرَ} لا ضررَ فيه علينا وقولُه تعالى: {إِنَّا إِلَىٰ رَبّنَا مُنقَلِبُونَ} تعليلٌ لعدم الضَّيرِ أي لا ضيرَ في ذلك بل لنا فيه نفعٌ عظيمٌ لما يحصلُ لنا في الصَّبرِ عليه لوجهِ الله تعالى من تكفيرِ الخَطَايا والثَّوابِ العظيم، أو لا ضيرَ علينا فيما تتوعَّدنا به من القتلِ أنه لا بُدَّ لنا من الانقلابِ إلى رَّبنا بسببِ من أسبابِ الموتِ، والقتلُ أهونُها وأرجاها. وقولُه تعالى: {إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَـٰيَـٰنَا أَن كُنَّا} أي لأن كنا {أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي من أتباعِ فرعونَ أو من أهل المشهدِ تعليل ثانٍ لنفي الضَّيرِ أي لا ضيرَ علينا في قتلِك إنَّا نطمعُ أنْ يغفرَ لنا ربُّنا خطايانا لكونِنا أوَّلَ المُؤمنين. وقُرىء إِنْ كُنَّا على الشَّرطِ لهضمِ النَّفسِ وعدم الثَّقةِ بالخاتمة أو على طريقةِ قول المُدلِّ بأمرِه كقول العاملِ لمستأجرٍ أخَّر أجرتَه إنْ كنتُ عملتُ لك فوفِّني حقِّي.
اسماعيل حقي
تفسير : {فالقى موسى عصاه} بالامر الآلهى {فاذا هى} [بس آن عصا ازدها شده] {تلقف} تبتلع بسرعة من لقفه كسمعه تناوله بسرعة كما فى القاموس {مايأفكون} [انجه تزوير مى ساختند وبصورت مار بخلق مى نمودند] اى ما يقلبونه والمأخوذ عند بعض اكابر المكاشفين صور الحيات من حبال السحرة وعصيهم حتى بدت للناس حبالا وعصيا كما فى فى نفس الامر كما يبطل الخصم بالحق حجة خصمه فيظهر بطلانها لانفس الحبال والعصى كما عند الجمهور والا لدخل على السحرة الشبهة فى عصا موسى والتبس عليهم الامر فكانوا لم يؤمنوا وكان الذى جاء موسى حنيئذ من قبيل ماجاءت به السحرة الا انه اقوى منهم سحرا وانه يدل على ماقلنا قوله تعالى {تلقف ما يأفكون} وتلقف ماصنعوا وما افكوا الحبال وماصنعوا العصى بسحرهم وانما افكوا وصنعوا فى اعين الناظرين صوت الحيات وهى التى تلقفته عصا موسى ذكره الامام الشعرانى فى الكبريت الاحمر
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {فألقى موسى عصاه} من يده، {فإِذا هي تلقفُ} أي: تبتلع بسرعة {ما يأفكون}: ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بسحرهم، ويزورونه، فيُخيِّلون في حبالهم وعصيّهم أنها حيات تسعى، {فأُلقي السحرةُ ساجدين} لما شاهدوا ذلك من غير تلعْثم ولا تردد، غير متمالكين لأنفسهم؛ لعلمهم بأن ذلك خارج عن حدود السحر، وأنه أمر إلهي، يدل على تصديق موسى عليه السلام. وعَبَّر عن الخرور بالإلقاء بطريق المشاكلة؛ لقوله: {ألقو ما أنتم ملقون}، فألقى، فلما خروا سجوداً، {قالوا آمنا بربِّ العالمين}، قال عكرمة: أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء. هـ. {ربِّ موسى وهارون}: عطف بيان، أو: بدل من {رب العالمين}. فدفع توهم إرادة فرعون؛ لأنه كان يدعي الربوبية، فأرادوا أن يعزلوه منها. وقيل: إن فرعون لما سمع منهم: {آمنا برب العالمين}، قال: إياي عنيتم؟ قالوا: {ربِّ موسى وهارون}. {قال آمنتم له قبل أنْ آذنَ لكم} أي: بغير إذن لكم، كما في قوله تعالى: {أية : قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي} تفسير : [الكهف: 109]، لا أن الإذن منه ممكن أو متوقع، {إنه لكبيرُكم الذي علّمكم السحرَ} فتواطأتم على ما فعلتم؛ مكراً وحيلة. أراد بذلك التلبيس على قومه؛ لئلا يعتقدوا أنهم آمنوا على بصيرة وظهور حق. ثم هَدَّدَهُم بقوله: {لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ}، يداً من جهة ورجلاً من أخرى، أو: من أجل خلافٍ ظهر منكم، {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} قيل: إنه فعل ذلك، ورُوي عن ابن عباس وغيره، وقيل: إنه لم يقدر على ذلك، لقوله تعالى: {أية : أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَالِبُونَ}تفسير : [القصص: 35]. {قالوا} أي: السحرة: {لا ضَيْرَ} أي: لا ضرر علينا في ذلك، فحذف خبر "لا"، {إِنَّا إِلَى رَبِّنَا} الذي عرفناه وواليناه {منقلبون} لا إليك، فيُكرم مثوانا ويُكفر خطايانا، أو: لا ضرر علينا توعدتنا به؛ إذ لا بد لنا من الانقلاب إلى ربنا بالموت، فلأن يكون في ذاته وسبب دينه أولى، قال الورتجبي: لَمَّا عاينوا مشاهدة الحق سَهُلَ عليهم البلاء، لا سيما أنهم يطمعون أن يصلوا إليه، بنعت الرضا والغفران. هـ. ولذلك قالوا: {إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا} أي: لأن كنا {أَوَّلَ المؤمنين} من أهل المشهد، أو: من أَتْبَاعِ فرعون. الإشارة: من شأن خواص الملك ألا يفعلوا شيئاً إلا بإذنٍ من ملكهم، ولذلك أنكر فرعونُ على السحرة المبادرة إلى الإيمان قبل إذنه، وبه أخذت الصوفية الكبار والفقراء مع أشياخهم، فلا يفعلون فعلاً حتى يستأذنوا فيه الحق تعالى والمشايخ، وللإذن سر كبير، لا يفهمه إلا من ذاق سره. وتقدم بقية الإشارة في سورة الأعراف. والله تعالى أعلم. ثم ذكر خورج موسى من مصر وتوجهه نحو البحر، فقال: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ...}
الهواري
تفسير : {فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأفِكُونَ} أي: تسترط حبالهم وعصيّهم. لما ألقوا حبالهم وعصيَّهم خُيِّل إلى موسى أن حبالهم وعصيّهم حيات كما كانت عصا موسى. فألقى موسى عصاه فإذا هي أعظم من حياتهم. ثم رَقَوا فازدادت حبالهم وعصيهم عِظماً في أعين الناس. فجعلت عصا موسى تعظم وهم يرقون، حتى أنفدوا سحرهم فلم يبق منه شيء؛ وعظمت عصا موسى حتى سدّت الأفق. ثم فتحت فاهاً فابتلعت ما ألقوا. ثم أخذ موسى عصاه بيده فإذا حبالهم وعصيهم قد ذهبت. فهو قوله: {فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإذَا هِيَ تَلَقَفُ مَا يَأفِكُونَ}. {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا ءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُ} أي: أصدقتموه {قَبْلَ أَن ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ} أي: كبيركم في السِّحر ورأسُكم {فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ}. {قَالُوا لاَ ضَيْرَ إِنَّآ إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَآ أَن كُنَّآ} أي: بأن كنا {أَوَّلَ المُؤمِنِينَ} من السحرة. [قال بعضهم: أول المؤمنين من بني إسرائيل لما جاء به موسى]. قال بعضهم: كانوا أول النهار سَحَرة وآخره شهداء. قوله: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي} أي: ليلاً. وقد قال في آية أخرى: (أية : فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً) تفسير : [الدخان: 23]. قال مجاهد: إن موسى وبني إسرائيل لما خرجوا تلك الليلة كسف القمر، وأظلمت الأرض. قال: {إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ} أي يتبعكم فرعون و قومه. {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي المَدَآئِنِ حَاشِرِينَ إِنَّ هَؤُلآءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ}. قال بعضهم: ذكر لنا أن بني إسرائيل الذين قطع بهم موسى البحر كانوا ستمائة ألف مقاتل، بني عشرين سنة فصاعداً. وقال الحسن: سوى الحشم. وقال بعضهم: كان مقدمة فرعون على ألف ألف حصان ومائتي ألف حصان. وقال بعضهم: ذكر لنا أن جميع جنوده كانوا أربعين ألف ألف.
اطفيش
تفسير : {فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأفِكُونَ} أي تسرط حبالهم وعصيهم التي تخيّلوا بها كأنها حيات روي أنهم ألقوا فعظمت عصاه موسى بقدر ما القوا ثم رقوا فازدادت حبالهم وعصيهم عظما في أعين الناس فجعلت العصاة تعظم فكانت مثل الجبال والعصي فرقوا حتى نفد سحرهم وعظمت عصاة موسى حتى سدت الأفق ثم فتحت فاها فابتلعت ما القوا ثم أخذ موسى عصاه بيده فاذا حبالهم قد ذهبت والعصاة صغيرة كما هي قبل والتلقف الابتلاع والاصل تلقف وقرأ حفص تتلقف بالتخفيف والإفك قلت الشيء عن وجهه خيلوا الخيال والعصي كأنها حيات وما موصول اسمي ويجوز أن تكون موصولا حرفيا فيكون سمى تلك الأشياء إفكا مبالغة كقولك زيد عدل وبكر صوم. وروي أنهم قالوا إن بك ما جاء به موسى سحرا فلن تغلب وإن بك من عند الله فلن يخفى علينا ولما تلقفت علموا أنه من الله فآمنوا كما قال الله غفر لله لنا.
اطفيش
تفسير : {فألقَى مُوسى عَصاهُ فإذا هى تلقف} تأخذ بسرعة، وهذا الأخذ بلع {ما يأفكُون} ما يصرفونه فى ظاهر النظر، عن حاله بالسحر، وهو على حاله الأولى فى نفس الأمر، إذ خيلت عصيهم وحبالهم كأنها حيات كبار وطوال على قدرها، وكأنها تسعى.
الالوسي
تفسير : {فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَـٰهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ } أي تبتلع بسرعة، وأصل التلقف الأخذ بسرعة. وقرأ أكثر السبعة {تلقف} بفتح اللام والتشديد والأصل تتلقف فحذفت إحدى التاءين. والتعبير بالمضارع لاستحضار السورة والدلالة على الاستمرار {مَا يَأْفِكُونَ } أي الذي يقلبونه من حاله الأول وصورته بتمويههم وتزويرهم فيخيلون حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى. فما موصولة حذف عائدها للفاصلة، وجوز أن تكون مصدرية أي تلقف أفكهم تسمية للمأفوك به مبالغة.
ابن عاشور
تفسير : تقدم قريب منه في سورة الأعراف وفي سورة طه.
د. أسعد حومد
تفسير : (45) - فألقَى مُوسى عَصَاهُ فانْقَلَبَتْ ثُعْبَاناً عَظِيماً أخَذَ يُطَارِدُ حِبَالَ السَّحَرةِ، وعِصَيَّهُمْ، ويَبتلعُها، حتّى أتَى عَليْها جَميعاً، وقَدْ حَدَثَ كلُّ ذلِكَ أمامَ فرعونَ ومَلِئِه وجُندِهِ وأهلِ مَمْلِكَتهِ. ما يأفِكُون - ما يَكْذِبُون، ويُمَوِّهُونَ بِهِ على النَّاسِ. تَلْقَفُ - تَبْتَلِعُ بسرعةٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ولم يَأْت إلقاء موسى عليه السلام لعصاه مباشرة بعد أن ألقى السحرة، إنما هنا أحداث ذُكِرتْ في آيات أخرى، وفي لقطات أخرى للقصة، يقول تعالى: {أية : فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ}تفسير : [طه: 66]. {أية : فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ * قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوۤاْ إِنَّمَا صَنَعُواْ ..}تفسير : [طه: 67ـ69]. هكذا كانت الصورة، فلما خاف موسى ثبَّته ربه، وأيّده بالحق وبالحجة، وتابعه فيما يفعل لحظةً بلحظة؛ ليوجهه وليُعدِّل سلوكه، ويشدّ على قلبه، وما كان الحق - تبارك وتعالى - ليرسله ثم يتخلى عنه، وقد قال له ربه قبل ذلك: {أية : وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ}تفسير : [طه: 39] وقال: {أية : إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ}تفسير : [طه: 46] فالحق سبحانه يعطي نبيه موسى الأوامر، ويعطيه الحجة لتنفيذها، ثم يتابعه بعنايته ورعايته. ومن ذلك قوله تعالى لنبيه نوح: {أية : وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ..}تفسير : [هود: 37]. فحينما تجمع هذه اللقطات تجدها تستوعب الحدث، ويُكمّل بعضها بعضاً، وهذا يظنه البعض تكراراً، وليس هو كذلك. إذن: جاء إلقاء موسى لعصاه بعد توجيه جديد من الله أثناء المعركة: {أية : وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ ..}تفسير : [طه: 69] وهنا: {فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} [الشعراء: 45] ومعنى {تَلْقَفُ ..} [الشعراء: 45] تبتلع وتلتهم في سرعة وقوة، أما السرعة واختصار الزمن والقوة، فتدل على الأخذ بشدة وعُنْف، وفي هذا دليل على أنه خاض المعركة بقوة، فلم تضعف قوته لما رأى من ألاعيب السَّحَرة. ومعنى {مَا يَأْفِكُونَ} [الشعراء: 45] من الإفك يعني: قلْب الحقائق؛ لذلك سَمَّوْا الكذب إفْكاً؛ لأنه يقلب الحقيقة ويُغير الواقع. ومنها {أية : وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ}تفسير : [النجم: 53] وهي القرى الظالمة التي أهلكها الله، فجعل عاليها سافلها. وسبق أن أوضحنا أن الكذب وقَلْب الحقائق يأتي من أنك حين تتكلم، فللكلام نِسَبٌ ثلاث: نسبة في الذِّهْن، ونسبة على اللسان، ونسبة في الواقع. فإنْ طابقتْ النسبةُ الكلامية الواقع، فأنت صادق، وإنْ خالفتْه فأنت كاذب. وسَمَّى ما يفعله السحرة إفكاً؛ لأنهم يُغيِّرون الحقيقة، ويُخيِّلون للناس غيرها.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {تَلْقَفُ} معناه تَلْتَهِمُ وتَبلعُ. {مَا يَأْفِكُونَ} معناهُ يَفترون ويسحَرَون.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):