٢٦ - ٱلشُّعَرَاء
26 - Ash-Shu'ara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
63
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى عن موسى عليه السلام قوله: { أية : إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ } تفسير : [الشعراء: 62] بين تعالى بعده كيف هداه ونجاه، وأهلك أعداءه بذلك التدبير الجامع لنعم الدين والدنيا، فقال: {فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى أَنِ ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ } ولا شبهة في أن المراد فضرب فانفلق لأنه كالمعلوم من الكلام إذ لا يجوز أن ينفلق من غير ضرب ومع ذلك يأمره بالضرب لأنه كالعبث ولأنه تعالى جعله من معجزاته التي ظهرت بالعصا ولأن انفلاقه بضربه أعظم في النعمة عليه، وأقوى لعلمهم أن ذلك إنما حصل لمكان موسى عليه السلام، واختلفوا في البحر، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن موسى عليه السلام لما انتهى إلى البحر مع بني إسرائيل أمرهم أن يخوضوا البحر فامتنعوا إلا يوشع بن نون فإنه ضرب دابته وخاض في البحر حتى عبر ثم رجع إليهم فأبوا أن يخوضوا فقال موسى للبحر انفرق لي فقال ما أمرت بذلك ولا يعبر عن العصاة، فقال موسى يا رب قد أبى البحر أن ينفرق، فقيل له اضرب بعصاك البحر فضربه فانفرق فكان كل فرق كالطود العظيم أي كالجبل العظيم وصار فيه اثنا عشر طريقاً لكل سبط منهم طريق فقال كل سبط قتل أصحابنا فعند ذلك دعا موسى عليه السلام ربه فجعلها مناظر كهيئة الطبقات حتى نظر بعضهم إلى بعض على أرض يابسة، وعن عطاء بن السائب أن جبريل عليه السلام كان بين بني إسرائيل وبين آل فرعون وكان يقول لبني إسرائيل ليلحق آخركم بأولكم، ويستقبل القبط فيقول رويدكم ليلحق آخركم، وروي أن موسى عليه السلام قال عند ذلك: « حديث : يا من كان قبل كل شيء والمكون لكل شيء والكائن بعد كل شيء » تفسير : . فأما قوله: {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ } فالفرق الجزء المنفرق منه، وقرىء (كل فلق) والمعنى واحد والطود الجبل المتطاول أي المرتفع في السماء وهو معجز من وجوه: أحدها: أن تفرق ذلك الماء معجز وثانيها: أن اجتماع ذلك الماء فوق كل طرف منه حتى صار كالجبل من المعجزات أيضاً لأنه كان لا يمتنع في الماء الذي أزيل بذلك التفريق أن يبدده الله تعالى حتى يصير كأنه لم يكن فلما جمع على الطرفين صار مؤكداً لهذا الإعجاز وثالثها: أنه إن ثبت ما روي في الخبر أنه تعالى أرسل على فرعون وقومه من الرياح والظلمة ما حيرهم فاحتبسوا القدر الذي يتكامل معه عبور بني إسرائيل فهو معجز ثالث ورابعها: أن جعل الله في تلك الجدران المائية كوى ينظر منها بعضهم إلى بعض فهو معجز رابع وخامسها: أن أبقى الله تعالى تلك المسالك حتى قرب منها آل فرعون وطمعوا أن يتخلصوا من البحر كما تخلص قوم موسى عليه السلام فهو معجز خامس. أما قوله تعالى: {وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلأَخَرِينَ } ففيه بحثان: البحث الأول: قال ابن عباس وابن جريج وقتادة والسدي {وَأَزْلَفْنَا } أي وقربنا ثم أي حيث انفلق البحر للآخرين قوم فرعون ثم فيه ثلاثة أوجه: أحدها: قربناهم من بني إسرائيل وثانيها: قربنا بعضهم من بعض وجمعناهم حتى لا ينجو منهم أحد وثالثها: قدمناهم إلى البحر ومن الناس من قال: {وَأَزْلَفْنَا } أي حبسنا فرعون وقومه عند طلبهم موسى عليه السلام بأن أظلمنا عليهم الدنيا بسحابة وقفت عليهم فوقفوا حيارى، وقرىء {وأزلقنا} بالقاف أي أزللنا أقدامهم والمعنى أذهبنا عزهم ويحتمل أن يجعل الله طريقهم في البحر على خلاف ما جعله لبني إسرائيل يبساً وأزلقهم. البحث الثاني: أنه تعالى أضاف ذلك الإزلاف إلى نفسه مع أن اجتماعهم هنالك في طلب موسى كفر أجاب الجبائي عنه من وجهين: الأول: أن قوم فرعون تبعوا بني إسرائيل وبنو إسرائيل إنما فعلوا ذلك بأمر الله تعالى فلما كان مسيرهم بتدبيره وهؤلاء تبعوا ذلك أضافه إلى نفسه توسعاً وهذا كما يتعب أحدنا في طلب غلام له فيجوز أن يقول أتعبني الغلام لما حدث ذلك فعله الثاني: قيل: {ٱلْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلأَخَرِينَ } أي أزلفناهم إلى الموت لأجل أنهم في ذلك الوقت قربوا من أجلهم وأنشد: شعر : وكل يوم مضى أو ليلة سلفت فيها النفوس إلى الآجال تزدلف تفسير : وأجاب الكعبي عنه من وجهين: الأول: أنه تعالى لما حلم عنهم، وترك البحر لهم يبساً وطمعوا في عبوره جازت الإضافة كالرجل يسفه عليه صاحبه مراراً فيحلم عنه، فإذا تمادى في غيه وأراه قدرته عليه قال له أنا أحوجتك إلى هذا وصيرتك إليه بحلمي، لا يريد بذلك أنه أراد ما فعل الثاني: يحتمل أنه أزلفهم أي جمعهم ليغرقهم عند ذلك ولكي لا يصلوا إلى موسى وقومه والجواب: عن الأول أن الذي فعله بنو إسرائيل هل له أثر في استجلاب داعية قوم فرعون إلى الذهاب خلفهم أوليس له أثر فيه فإن كان الأول فقد حصل المقصود لأن لفعل الله تعالى أثراً في حصول الداعية المستلزمة لذلك الإزلاف، وإن لم يكن له فيه أثر ألبتة فقد زال التعلق فوجب أن لا تحسن الإضافة، وأما إذا تعب أحدنا في طلب غلام له، فإنما يجوز أن يقول أتعبني ذلك الغلام لما أن فعل ذلك الغلام صار كالمؤثر في حصول ذلك التعب لأنه متى فعل ذلك الفعل فالظاهر أنه يصير معلوماً للسيد، ومتى علمه صار علمه داعياً له إلى ذلك التعب ومؤثراً فيه فصحت الإضافة. وبالجملة فعندنا القادر لا يمكنه الفعل إلا بالداعي فالداعي مؤثر في صيرورة القادر مؤثراً في ذلك الفعل فلا جرم حسنت الإضافة والجواب: عن الثاني وهو أنه أزلفهم ليغرقهم فهو أنه تعالى ما أزلفهم بل هم بأنفسهم ازدلفوا ثم حصل الغرق بعده، فكيف يجوز إضافة هذا الإزلاف إلى الله تعالى؟ أما على قولنا فإنه جائز لأنه تعالى هو الذي خلق الداعية المستعقبة لذلك الازدلاف والجواب: عن الثالث وهو أن حلمه تعالى عنهم وحملهم على ذلك، فنقول ذلك الحلم هل له أثر في استجلاب هذه الداعية أم لا؟ وباقي التقرير كما تقدم والجواب: عن الرابع هو بعينه الجواب عن الثاني، والله أعلم. أما قوله تعالى: {وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلأَخَرِينَ } فالمعنى أنه تعالى جعل البحر يبساً في حق موسى وقومه حتى خرجوا منه وأغرق فرعون وقومه لأنه لما تكامل دخولهم البحر انطبق الماء عليهم فغرقوا في ذلك الماء. أما قوله تعالى: {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً } فالمعنى أن الذي حدث في البحر آية عجيبة من الآيات العظام الدالة على قدرته لأن أحداً من البشر لا يقدر عليه وعلى حكمته من حيث وقع ما كان مصلحة في الدين والدنيا، وعلى صدق موسى عليه السلام من حيث كان معجزة له، وعلى اعتبار المعتبرين به أبداً فيصير تحذيراً من الإقدام على مخالفة أمر الله تعالى وأمر رسوله، ويكون فيه اعتبار لمحمد صلى الله عليه وسلم، فإنه قال عقيب ذلك: {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ } وفي ذلك تسلية له فقد كان يغتم بتكذيب قومه مع ظهور المعجزات عليه فنبهه الله تعالى بهذا الذكر على أن له أسوة بموسى وغيره، فإن الذي ظهر على موسى من هذه المعجزات العظام التي تبهر العقول لم يمنع من أن أكثرهم كذبوه وكفروا به مع مشاهدتهم لما شاهدوه في البحر وغيره. فكذلك أنت يا محمد لا تعجب من تكذيب أكثرهم لك واصبر على إيذائهم فلعلهم أن يصلحوا ويكون في هذا الصبر تأكيد الحجة عليهم. وأما قوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ } فتعلقه بما قبله أن القوم مع مشاهدة هذه الآية الباهرة كفروا، ثم إنه تعالى كان عزيزاً قادراً على أن يهلكهم، ثم إنه تعالى ما أهلكهم بل أفاض عليهم أنواع رحمته فدل ذلك على كمال رحمته وسعة جوده وفضله.
المحلي و السيوطي
تفسير : قال تعالى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى أَنِ ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ } فضربه {فَٱنفَلَقَ } فانشق اثني عشر فرقاً {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ } الجبل الضخم بينها مسالك سلكوها لم يبتلَّ منها سرج الراكب ولا لِبْدُهُ.
ابن عطية
تفسير : لما عظم البلاء على بني إسرائيل أمر الله موسى أن يضرب البحر بعصاه، وذلك لأنه عز وجل أراد أن تكون الآية متصلة بموسى ومتعلقة بفعل فعله وإلا فضرب العصا ليس بفالق للبحر ولا معين على ذلك بذاته إلا بما اقترن به من قدرة الله واختراعه، ولا انفلق البحر صار فيه اثنا عشر طريقاً على عدد أسباط بني إسرائيل، ووقف الماء ساكناً كالجبل العظيم، وروي عن ابن جريج والسدي وغيرهما أن بني إسرائيل ظن كل فريق منهم أن الباقي قد غرق، فأمر الله الماء فصار كالشراجب والطيقان وراء بعضهم بعضاً فتأنسوا {وأزلفنا} معناه قربنا، وقرأ ابن عباس عن أبي بن كعب "وأزلقنا" بالقاف ونسبها أو الفتح إلى عبد الله بن الحارث، وقرأ أبو حيوة والحسن "زلفنا" بغير ألف وذلك أن فرعون لما وصل إلى البحر وقد دخل بنو إسرائيل قيل إنه صمم ومخرق، بأن قال لي انفرق، فدخل على ذلك، وقيل بل كع وهم بتدبير الانصراف فعرض جبريل على فرس وديق فمضى وراءه حصان فرعون، فدخل على نحو هذا وتبعه الناس، وروي أن الله تعالى جعل ملائكة تسوق قومه حتى حصولهم في البحر، ثم إن موسى وقومه خرجوا إلى البر من تلك الطرق ولما أحسوا باتباع فرعون وقومه فزعوا من أن يخرج وراءهم، فهم موسى بخلط البحر فحينئذ قيل له، اترك البحر رهواً، ولما تكامل جند فرعون وهو مقدمهم بالخروج انطبق عليهم البحر وغرقوا، ودخل موسى عليه السلام البحر بالطول. وخرج في الضفة التي دخل منها بعد مسافة وكان بين موضع دخوله وموضع خروجه أوعار وجبال ولا تسلك إلا على تخليق الأيام، وكان ذلك في يوم عاشوراء، وقال النقاش البحر الذي انفلق لموسى نهر النيل بين إيلة ومصر. قال القاضي أبو محمد : وهذا مردود إن شاء الله، وقوله تعالى: {إن في ذلك} تنبيه على موضع العبرة، وقوله {وإن ربك لهو العزيز الرحيم} أي عز في نقمته من الكفار ورحم المؤمنين من كل أمة وقد مضى كثير مما يلزم من قصة موسى عليه السلام.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَانفَلَقَ} اثني عشر طريقاً لكل سبط طريق عرض كل طريق فرسخان وكان ذلك ضحوة النهار يوم الاثنين عاشر المحرم بعد أربع ساعات من النهار. والبحر بحر النيل ما بين أيلة ومصر، وقطعوه في ساعتين فصار ست ساعات {كَالطَّوْدِ} كالجبل.
ابن عادل
تفسير : قوله: [{فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ}. لما قال موسى: {أية : إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 62] بين تعالى كيف هداه ونجّاه وأهلك أعداءه، فقال]: {فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ} ولا بد قبله من جملة محذوفة، أي: فضرب فانفلق. وزعم ابن عصفور ان المحذوف إنما هو: "ضرب" وفاء: "انفلق". وأن الفاء الموجودة هي فاء "فَضَرَبَ" فأبقى من كل فعل ما يدلّ على المحذوف، أبقى الفاء من "فَضَرَبَ" ليدلّ على "ضَرَبَ" وأبقى "انْفَلَقَ" ليدل على الفاء المتصلة به. قوله: {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ} اختلف القراء في ترقيق راء "فرق" فروي عن ورش الترقيق لأجل القاف. وقرىء: "فِلْق" بلام بدل الراء، لموافقة "فانفلق" والطود: الجبل العظيم المتطاول في السماء. فصل قال ابن جريج: لما انتهى موسى إلى البحر هاجت الريح والبحر يرمي بموج كالجبال قال يوشع: يا مكلم الله، أين أمرت؟ فقد غشينا فرعون والبحر أمامنا، فقال موسى: ها هنا. فخاض يوشع الماء وجاز البحر ما يواري حافر دابته الماء، وقال الذي يكتم إيمانه: يا مكلم الله، أين أمرت؟ قال: هاهنا. فكبح فرسه بلجامه حتى طار الزبد من شدقيه، ثم أقحمه البحر فارتسب في الماء، وصنع القوم مثل ذلك، فلم يقدروا، فجعل موسى لا يدري كيف يصنع، فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر، فضربه فانفلق، فإذا الرجل واقف على فرسه لا يبتلّ سرجه ولا لبده، وهذا معجز عظيم من وجوه: أحدها: أن تفرق ذلك الماء معجز. وثانيها: ثبت في الخبر أنه تعالى أرسل على فرعون وقومه من الرياح والظلمة ما حيرهم، فاحتبسوا القدر الذي يتكامل معه عدد بني إسرائيل، وهذا معجز ثالث. ورابعها: أن جعل الله في تلك الجدران المائية كوى ينظر بعضهم إلى بعض، وهذا معجز رابع. وخامسها: أن بقّى الله تعالى تلك المسالك حتى قرب آل فرعون فطمعوا أن يتخلّصوا من البحر كما تخلّص موسى - عليه السلام - فهو معجز خامس. قوله: "وَأَزْلَفْنَا" أي: قربنا من النجاة، و "ثَمَّ" ظرف مكان بعيد، و "الآخرِينَ" هم موسى وأصحابه. وقرأ الحسن وأبو حيوة: "وَزَلَفْنَا" ثلاثياً. وقال أبو عبيدة: أَزْلَفْنَا: جمعنا، ومنه: ليلة المزدلفة، أي: ليلة الجمع. وفي القصة أن جبريل كان بين بني إسرائيل وقوم فرعون، وكان يسوق بني إسرائيل ويقول: ليلحق آخركم بأولكم، ويستقبل القبط، ويقول: رويدكم لكي يلحق آخركم. وقرأ أبيّ وابن عباس وعبد الله بن الحارث بالقاف، أي: أزللنا، والمراد بـ"الآخرين" جعله لبني إسرائيل يبساً فيزلقهم فيه. قوله: {وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ}. والمعنى: أنه تعالى جعل البحر يبساً في حق موسى، حتى خرجوا عنه، وأغرق فرعون ومن معه، لأنه لما تكامل دخولهم في البحر انطبق الماء عليهم فغرقوا. قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً} أي: إن في الذي حدث في البحر آية عجيبة من الآيات العظام الدالة على قدرة الله تعالى؛ لأن أحداً من البشر لا يقدر عليه وعلى حكمته، وكون وقوعه مصلحة في الدين والدنيا، وعلى صدق موسى لكونه معجزة له، وعلى التحذير عن مخالفة أمر الله ورسوله، وفيه تسلية للنبي - عليه السلام - لأنه قد يغتم بتكذيب قومه مع ظهور المعجزات عليه، فنبهه الله تعالى بهذا الذكر على أن له أسوة بموسى وغيره. ثم قال: {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ} أي: من أهل مصر. قيل: لم يكن من أهل مصر إلا آسية امرأة فرعون وحزقيل المؤمن، ومريم بنت ناموشا التي دلت على عظام يوسف - (عليه السلام) - "وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ العَزِيزُ" في الانتقام من أعدائه "الرَّحيمُ" بعباده، لأنه تعالى أفاض عليهم أصناف نعمه، وكان قادراً على أن يهلكهم، فدل على كمال رحمته وسعة جوده وفضله.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {كالطود} قال: كالجبل. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله {كالطود} قال: كالجبل. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال {الطود} الجبل. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {وأزلفنا ثم الآخرين} قال: هم قوم فرعون قربهم الله حتى أغرقهم في البحر. وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : ألا أعلمك الكلمات التي قالهن موسى حين انفلق البحر؟ قلت: بلى. قال: اللهم لك الحمد وإليك المتكل وبك المستغاث وأنت المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله" تفسير : قال ابن مسعود: فما تركتهن منذ سمعتهن من النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام: أن موسى لما انتهى إلى البحر قال: يا من كان قبل كل شيء، والمكوّن لكل شيء، والكائن بعد كل شيء، اجعل لنا مخرجاً. فأوحى الله إليه {أن اضرب بعصاك البحر}. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كان البحر ساكناً لا يتحرك فلما كان ليلة ضربه موسى بالعصا صار يمد ويجزر. وأخرج ابن أبي حاتم عن قيس بن عباد قال: لما انتهى موسى ببني إسرائيل إلى البحر قالت بنو إسرائيل لموسى: أين ما وعدتنا؟ هذا البحر بين أيدينا، وهذا فرعون وجنوده قد دهمنا من خلفنا. فقال موسى للبحر: انفرق أبا خالد فقال: لن أفرق لك يا موسى انا أقدم منك وأشد خلقاً فنودي {أن اضرب بعصاك البحر} . وأخرج أبو العباس محمد بن إسحاق السراج في تاريخه وابن عبد البر في التمهيد من طريق يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: كتب صاحب الروم إلى معاوية يسأله عن أفضل الكلام ما هو؟ والثاني. والثالث. والرابع. وعن أكرم الخلق على الله، وأكرم الأنبياء على الله، وعن أربعة من الخلق لم يركضوا في رحم، وعن قبر سار بصاحبه، وعن المجرة، وعن القوس، وعن مكان طلعت فيه الشمس لم تطلع قبله ولا بعده، فلما قرأ معاوية الكتاب قال: أخزاه الله وما علمي ما ههنا! فقيل له: اكتب إلى ابن عباس فسله. فكتب إليه يسأله. فكتب إليه ابن عباس: إن أفضل الكلام لا إله إلا الله كلمة الاخلاص لا يقبل عمل إلا بها، والتي تليها سبحان الله وبحمده أحب الكلام إلى الله، والتي تليها الحمد لله كلمة الشكر، والتي تليها الله أكبر فاتحة الصلوات والركوع والسجود، وأكرم الخلق على الله آدم عليه السلام، وأكرم اماء الله مريم. وأما الأربعة التي لم يركضوا في رحم فآدم، وحوّاء، والكبش الذي فدى به إسماعيل، وعصا موسى حيث ألقاها فصار ثعباناً مبيناً. وأما القبر الذي سار بصاحبه فالحوت حين التقم يونس، وأما المجرة فباب السماء، وأما القوس فإنها أمان لأهل الأرض من الغرق بعد قوم نوح، وأما المكان الذي طلعت فيه الشمس لم تطلع قبله ولا بعده، فالمكان الذي انفرج من البحر لبني إسرائيل. فلما قرأ عليه الكتاب أرسل به إلى صاحب الروم فقال: لقد علمت أن معاوية لم يكن له بهذا علم، وما أصاب هذا إلا رجل من أهل بيت النبوة. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: جاء موسى إلى فرعون وعليه جبة من صوف، ومعه عصا فضحك فرعون. فألقى عصاه، فانطلقت نحوه كأنها عنق بختي فيها أمثال الرماح تهتز. فجعل فرعون يتأخر وهو على سريره فقال فرعون: خذها واسلم. فعادت كما كانت وعاد فرعون كافراً. فأمر موسى أن يسير إلى البحر، فسار بهم في ستمائة ألف، فلما أتى البحر أمر البحر إذا ضربه موسى بعصاه أن ينفرج له، فضرب موسى بعصاه البحر فانفلق منه اثنا عشر طريقاً، لكل سبط منهم طريق، وجعل لهم فيها أمثال الكوى ينظر بعضهم إلى بعض. واقبل فرعون في ثمانمائة ألف حتى أشرف على البحر. فلما رآه هابه وهو على حصان له، وعرض له ملك وهو على فرس له أنثى، فلم يملك فرعون فرسه حتى أقحمه وخرج آخر بني إسرائيل، وولج أصحاب فرعون حتى إذا صاروا في البحر فاطبق عليهم، فغرق فرعون بأصحابه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أوحى الله إلى موسى: أن اسر بعبادي ليلاً إنكم متبعون. فأسرى موسى ببني إسرائيل ليلاً، فاتبعهم فرعون في ألف ألف حصان سوى الاناث، وكان موسى في ستمائة ألف، فلما عاينهم فرعون قال {أية : إن هؤلاء لشرذمة قليلون، وإنهم لنا لغائظون، وإنا لجميع حاذرون}تفسير : [الشعراء: 54 - 56] فاسرى موسى ببني إسرائيل حتى هجموا على البحر فالتفتوا فإذا هم برهج دواب فرعون فقالوا: يا موسى {أية : أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا}تفسير : [الأعراف: 129] هذا البحر أمامنا، وهذا فرعون قد رهقنا بمن معه قال: {أية : عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون}تفسير : [الأعراف: 129] فأوحى الله إلى موسى: أن اضرب بعصاك البحر، وأوحى إلى البحر: أن اسمع لموسى وأطع إذا ضربك. فثاب البحر له أفكل يعني رعدة لا يدري من أي جوانبه يضرب. فقال يوشع لموسى: بماذا أمرت؟ قال: أمرت أن أضرب البحر. قال: فاضربه: فضرب موسى البحر بعصاه فانفلق فكان فيه اثنا عشر طريق كل طريق كالطود العظيم، فكان لكل سبط فيهم طريق يأخذون فيه، فلما أخذوا في الطريق قال بعضهم لبعض: ما لنا لا نرى أصحابنا؟ فقالوا لموسى: إن أصحابنا لا نراهم؟ قال: سيروا فانهم على طريق مثل طريقكم قالوا: لن نؤمن حتى نراهم قال موسى: اللهم أعني على أخلاقكم السيئة. فأوحى الله إليه: أن قل بعصاك هكذا وأومأ بيده يديرها على البحر. قال موسى بعصاه على الحيطان هكذا فصار فيها كوات ينظر بعضهم إلى بعض، فساروا حتى خرجوا من البحر. فلما جاز آخر قوم موسى هجم فرعون على البحر هو وأصحابه، وكان فرعون على فرس أدهم حصان، فلما هجم على البحر هاب الحصان أن يقتحم في البحر، فتمثل له جبريل على فرس أنثى، فلما رآها الحصان اقتحم خلفها، وقيل لموسى {أية : واترك البحر رهوا}تفسير : [الدخان: 24] قال: طرقاً على حاله. ودخل فرعون وقومه في البحر، فلما دخل آخر قوم فرعون وجاز آخر قوم موسى أطبق البحر على فرعون وقومه فأغرقوا. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه أن موسى حين أسرى ببني إسرائيل بلغ فرعون فأمر بشاة فذبحت، ثم قال: لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط. فانطلق موسى حتى انتهى إلى البحر فقال له: انفرق. فقال له البحر: لقد استكثرت يا موسى وهل انفرقت لأحد من ولد آدم؟ ومع موسى رجل على حصان له فقال أين أمرت يا نبي الله بهؤلاء؟ قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه. فاقتحم فرسه فسبح به ثم خرج فقال: أين أمرت يا نبي الله؟ قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه. قال: ما كذبت ولا كذبت. فأوحى الله إلى موسى: أن اضرب بعصاك البحر، فضربه موسى بعصاه فانفلق فكان فيه اثنا عشر طريقاً، لكل سبط طريق يتراءون، فلما خرج أصحاب موسى وتتام أصحاب فرعون التقى البحر عليهم فأغرقهم. وأخرج عبد بن حميد والفريابي وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن أبي موسى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن موسى لما أراد أن يسير ببني إسرائيل أضل الطريق فقال لبني إسرائيل: ما هذا؟ فقال له علماء بني إسرائيل: أن يوسف لما حضره الموت أخذ علينا موثقاً أن لا نخرج من مصر حتى ننقل تابوته معنا فقال لهم موسى: أيكم يدري أين قبره؟ فقالوا: ما يعلم أحد مكان قبره إلا عجوز لبني إسرائيل. فأرسل إليها موسى فقال: دلينا على قبر يوسف، فقالت: لا والله حتى تعطيني حكمي قال: وما حكمك؟ قالت: أن أكون معك في الجنة. فكأنه ثقل عليه ذلك فقيل له: اعطها حكمها. فانطلقت بهم إلى بحيرة مشقشقة ماء فقالت لهم: انضبوا عنها الماء ففعلوا قالت: احفروا. فحفروا فاستخرجوا قبر يوسف، فلما احتملوه إذا الطريق مثل ضوء النهار ". تفسير : وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر عن سماك بن حرب؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لما أسرى موسى ببني إسرائيل غشيتهم غمامة حالت بينهم وبين الطريق أن يبصروه. وقيل لموسى: لن تعبر إلا ومعك عظام يوسف قال: وأين موضعها؟ قالوا: ابنته عجوز كبيرة ذاهبة البصر تركناها في الديار. فرجع موسى فلما سمعت حسه قالت: موسى؟ قال: موسى. قالت: ما وراءك؟ قال: أمرت أن أحمل عظام يوسف. قالت: ما كنتم لتعبروا إلا وأنا معكم قال: دليني على عظام يوسف قالت: لا أفعل إلا أن تعطيني ما سألتك قال: فلك ما سألت قالت: خذ بيدي. فأخذ بيدها فانتهت به إلى عمود على شاطىء النيل في أصله سكة من حديد موتدة فيها سلسلة فقالت: انا دفناه من ذلك الجانب. فأخصب ذلك الجانب وأجدب ذا الجانب، فحولناه إلى هذا الجانب فاخصب هذا الجانب وأجدب ذاك، فلما رأينا ذلك جمعنا عظامه فجعلناها في صندوق من حديد، وألقيناه في وسط النيل فأخصب الجانبان جميعاً. فحمل الصندوق على رقبته وأخذ بيدها فألحقها بالعسكر وقال لها: سلي ما شئت قالت: فإني أسألك أن أكون أنا وأنت في درجة واحدة في الجنة، ويرد علي بصري وشبابي حتى أكون شابة كما كنت. قال: فلك ذلك ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال: أوصى يوسف عليه السلام إن جاء نبي من بعدي فقولوا له: يخرج عظامي من هذه القرية. فلما كان من أمر موسى ما كان يوم فرعون فمر بالقرية التي فيها قبر يوسف، فسأل عن قبره فلم يجد أحد يخبره فقيل له: ههنا عجوز بقيت من قوم يوسف. فجاءها موسى عليه السلام فقال لها: تدليني على قبر يوسف؟ فقالت: لا أفعل حتى تعطيني ما اشترط عليك. فأوحى الله إلى موسى: أن أعطها شرطها قال لها: وما تريدين؟ قالت: أكون زوجتك في الجنة. فاعطاها فدلته على قبره. فحفر موسى القبر ثم بسط رداءه وأخرج عظام يوسف فجعله في وسط ثوبه، ثم لف الثوب بالعظام فحمله على يمينه فقال له الملك الذي على يمينه: الحمل يحمل على اليمين! قال: صدقت هو على الشمال وإنما فعلت ذلك كرامة ليوسف. وأخرج ابن عبد الحكم من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان يوسف عليه السلام قد عهد عند موته أن يخرجوا بعظامه معهم من مصر. قال: فتجهز القوم وخرجوا فتحيروا فقال لهم موسى: إنما تحيركم هذا من أجل عظام يوسف فمن يدلني عليها؟ فقالت عجوز يقال لها شارح ابنة آي بن يعقوب: أنا رأيت عمي يوسف حين دفن فما تجعل لي إن دللتك عليه؟ قال: حكمك. فدلته عليه فأخذ عظام يوسف، ثم قال: احتكمي قالت: أكون معك حيث كنت في الجنة. وأخرج ابن عبد الحكم من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. أن الله أوحى إلى موسى: أن أسر بعبادي. وكان بنو إسرائيل استعاروا من قوم فرعون حلياً وثياباً. إن لنا عيداً نخرج إليه فخرج بهم موسى ليلاً وهم ستمائة ألف وثلاثة آلاف ونيف. فذلك قول فرعون {إن هؤلاء لشرذمة قليلون} وخرج فرعون ومقدمته خمسمائة ألف سوى الجنبين والقلب، فلما انتهى موسى إلى البحر أقبل يوشع بن نون على فرسه، فمشى على الماء، واقتحم غيره بخيولهم فوثبوا في الماء، وخرج فرعون في طلبهم حين أصبح وبعدما طلعت الشمس، فذلك قوله {فأتبعوهم مشرقين، فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون} فدعا موسى ربه فغشيتهم ضبابة حالت بينهم وبينه وقيل له: اضرب بعصاك البحر. ففعل {فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم} يعني الجبل. فانفلق منه اثنا عشر طريقاً فقالوا: انا نخاف أن توحل فيه الخيل. فدعا موسى ربه فهبت عليهم الصبا فجف، فقالوا: انا نخاف أن يغرق منا ولا نشعر، فقال بعصاه فنقب الماء فجعل بينهم كوى حتى يرى بعضهم بعضاً، ثم دخلوا حتى جاوزوا البحر. وأقبل فرعون حتى انتهى إلى الموضع الذي عبر منه موسى وطرقه على حالها فقال له أدلاؤه: إن موسى قد سحر البحر حتى صار كما ترى، وهو قوله {أية : واترك البحر رهواً} تفسير : [الدخان: 24] يعني كما هو. فحذ ههنا حتى نلحقهم وهو مسيرة ثلاثة أيام في البحر. وكان فرعون يومئذ على حصان، فأقبل جبريل على فرس أنثى في ثلاثة وثلاثين من الملائكة، ففرقوا الناس وتقدم جبريل فسار بين يدي فرعون وتبعه فرعون، وصاحت الملائكة في الناس: الحقوا الملك. حتى إذا دخل آخرهم ولم يخرج أولهم؛ التقى البحر عليهم فغرقوا. فسمع بنو إسرائيل وجبة البحر حين التقى فقالوا: ما هذا؟ قال موسى: غرق فرعون وأصحابه. فرجعوا ينظرون فألقاهم البحر على الساحل. وأخرج ابن عبد الحكم وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه قال: كان جبريل بين الناس. بين بني إسرائيل وبين آل فرعون فيقول: رويدكم ليلحقكم آخركم. فقالت بنو إسرائيل: ما رأينا سائقاً أحسن سياقاً من هذا. وقال آل فرعون: ما رأينا وازعاً أحسن زعة من هذا. فلما انتهى موسى وبنو إسرائيل إلى البحر قال مؤمن آل فرعون. يا نبي الله أين أمرت؟ هذا البحر أمامك وقد غشينا آل فرعون فقال: أمرت بالبحر. فاقتحم مؤمن آل فرعون فرسه فرده التيار، فجعل موسى لا يدري كيف يصنع، وكان الله قد أوحى إلى البحر: أن أطع موسى وآية ذلك إذا ضربك بعصا، فأوحى الله إلى موسى: أن اضرب بعصاك البحر، فضربه {فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم} فدخل بنو إسرائيل واتبعهم آل فرعون، فلما خرج آخر بني إسرائيل ودخل آخر آل فرعون أطبق الله عليهم البحر. وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: نزل جبريل يوم غرق فرعون وعليه عمامة سوداء. وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق عن أبي الدرداء قال "جعل النبي صلى الله عليه وسلم يصفق بيديه، ويعجب من بني إسرائيل وتعنتهم لما حضروا البحر، وحضرهم عدوهم. جاؤوا موسى فقالوا: قد حضرنا العدوّ فماذا أمرت؟ قال: أن أنزل ههنا، فاما أن يفتح لي ربي ويهزمهم، وأما أن يفرق لي هذا البحر. فضربه فتأطط كما تتأطط الفرش، ثم ضربه الثانية فانصدع فقال: هذا من سلطان ربي. فاجازوا البحر فلم يسمع بقوم أعظم ذنباً، ولا أسرع توبة منهم".
اسماعيل حقي
تفسير : {فاوحينا الى موسى ان} ياموسى {اضرب بعصاك البحر} هو بحر القلزم وسمى البحر بحرا لاستبحاره اى اتساعه وانبساطه. وبحر القلزم طرف من بحر فارس والقلزم يضم القاف وسكون اللام وضم الزاى بليدة كانت على ساحل البحر من جهة مصر وبينها وبين مصر نحو ثلاثة ايام وقد خربت ويعرف اليوم موضعها بالسويس تجاه عجرود منزل ينزله الحاج المتوجه من مصر الى مكة وبالقرب منها غرق فرعون وبحر القلزم بحر مظلم وحش لاخير فيه ظاهرا وباطنا وعلى ساحل هذا البحر مدينة مدين وهى خراب وبها البئر التى سقى موسى عليه السلام منها غنم شعيب وهى معطلة الآن. قال الكاشفى [موسى عليه السلام برلب دريا آمد وعصا بروى زد وكفت يااباخاله مارا راه ده] {فانفلق} الفاء فصيحة اى فضرب فانفلق ماء البحر اى انشق فصار اثنى عشر فرقا بعدد الاسباط بينهن مسالك {فكان كل فرق} اى كل جزء تفرق منه وتقطع. قال فى المفردات الفرق يقارب الفلق لكن الفلق يقال اعتبارا بالانشقاق والفرق يقال اعتبارا بالانفصال والفرق القطعة المنفصلة وكل فرق بالتفخيم والترقيق لكل القراء والتفخيم اولى {كالطود العظيم} كالجبل المرتفع فى السماء الثابت فى مقره. قال الراغب الطود الجبل العظيم ووصفه بالعظم لكونه فيما بين الاطواد عظيما لا لكونه عظيما فيما بين سائر الجبال فدخلوا فى شعابها كل سبط فى شعب منها. قال الكاشفى [وفى الحال بادى درتك دريا وزيد وكل خشك شده وهر سبطى ازراهى بدريا در آمدند] كما قال تعالى {أية : فاضرب لهم طريقا فى البحر يبسا }
الجنابذي
تفسير : {فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ} وهو نهر النّيل فضرب البحر {فَٱنفَلَقَ} فانشقّ البحر اثنى عشر طريقاً بين كلّ طريق وطريق ماء كالجبل مشبّك بحيث يرى كلّ فريقٍ صاحبيهم {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ} اى كلّ قطعةٍ من البحر يفرق بها بين طريقٍ وطريقٍ {كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ} كالجبل العظيم، والفرق بكسر اسم لما انفرق كما انّ الفرق بالفتح مصدر.
اطفيش
تفسير : {فَأَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ البَحْرَ} بحر القلزم أو بحر النيل أو بحرا من وراء مصر يقال له أساف أقوال فضرب. {فَانفَلَقَ} انشق اثنتي عشرة فلقة من الماء بين الفلق مسالك ويجوز أن يقدر فان ضربت بها فقد انفجرت. {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ} قطعة من الماء وقريء (كل فلق) باللام. {كَالطُّوْدِ العَظِيمِ} كالجبل العظيم المنطاد في السماء.
اطفيش
تفسير : {فأوحينا إلى مُوسى أن اضْربْ بعَصَاك البَحْر} القلزم لا أسافا بحرا وراء مصر فيما قيل، ولا النيل على الصحيح، وهذا الايحاء الكريم كان بعد وصول موسى عليه السلام البحر، قال مؤمن آل فرعون: يا رسول الله أين أمرت وهذا البحر أمامنا، وفرعون وراءنا؟ فقال: أمرت بالبحر، فاقتحم البحر، وكذا فعل آخرون فغشيهم الماء ولم يضرهم، ولما انفلق البحر حصلوا فى طريق ولم يتلوا بالماء هم ولا أفراسهم، وما عليها، والمشهور أن ذلك للمؤمن ويوشع، ولم يقدر أفراس غيرهم على الاقتحام، وكذا يوشع قال ما قال مؤمن آل فرعون، وقيل أجرى فرسه على الماء، ولم يبلهم الماء. وروى أنه لما انتهى موسى عليه السلام الى البحر، وقيل عند الانفلاق، قال اللهم لك الحمد وإليك المشتكى، وإليك المستغاث، وأنت المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، وعن محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام: أن موسى لما انتهى الى البحر قال: يا من كان قبل كل شىء، والمكون لكل شىء، والكائن بعد كل شىء، اجعل لنا مخرجا، فأوحى الله إليه: {أن اضرب بعصاك البحر}. وروى أن الله عز وجل أوحى الى موسى أن اجمع أهل كل أربعة فى بيت واذبحوا أولاد الضأن، واضربوا بدمائها على أبوابكم، فانى سامر الملائكة بقتل أبكار آل فرعون من أنفسهم، وآمرهم أن لا يدخلوا بيتا على بابه دم، واخبزوا فطيرا فانه أسرع، وأسر الى البحر فانه يأتيك امرى، وقالوا لقوم فرعون لنا فى هذه الليلة عيد، فاستعاروا حليهم، فذهبوا به، فقال فرعون قتلوا ابكارنا وأخذوا أموالنا. {فانْفَلق} مضرب فانفلق بعد أن قال له بأمر الله له: انفلق يا أبا خالد، ويحكى أنه قال انفلق يا أبا خالد، فقال: لا أنفلق لك يا موسى، أنا أقدم منك خلقا، وأعظم، فأوحى الله إليه: {أن اضرب بعصاك البحر} فضرب فانفلق، ويقال عن ابن مسعود انه قال: لقد تعاظمت يا موسى، وهل انفرقت لآدمى، فأوحى الله تعالى: {أن اضرب} الخ، وعن أبى الدرداء، عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنه ضربه فصات، ثم ضربه فانفلق وذلك ثلاث"تفسير : وقيل: ضربه اثنتي عشرة عدد الطرق فيه للاسباط، وذلك يحتاج الى تصحيح، والمشهور لظاهر القرآن أنه ضربه مرة. {فكانَ كُلُّ فرقٍ} كل ماء متجامد منفصل عن الآخر، وجملة الفرق ثلاثة عشر {كالطَّود} الجبل {العَظِيم} فى كل فرق كوات يتراءى منها بنوا إسرائيل مؤانسة، وكانت الطرق بين الأطواد مقوسة، فيرجعون فى الأرض التى دخلوا منها، وهى غير نافذة الى البر خلف البحر، وهذا هو الظاهر، وإلا طالت المسافة جداً، واحتاجوا الى الرجوع فى السفر الى أرض الشام، وهى أرض واحدة، لم يفرق بينهما بحر والشمس فى أرض الطرق، وهى أرض طلعت فيه الشمس مرة واحدة.
الالوسي
تفسير : {فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى أَنِ ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ } هو القلزم على الصحيح، وقيل: بحر من وراء مصر يقال له اساف، وقيل: النيل، والظاهر أن هذا الإيحاء كان بعد القول المذكور ولم يكن مأموراً بالضرب يوم الأمر بالإسراء، فقد أخرج ابن عبد الحكم عن مجاهد أنه لما انتهى موسى عليه السلام وبنو إسرائيل إلى البحر قال مؤمن آل فرعون: يا نبـي الله أين أمرت فإن البحر أمامك وقد غشينا آل فرعون فقال: أمرت بالبحر فاقتحم مؤمن آل فرعون فرسه فرده التيار فجعل موسى عليه السلام لا يدري كيف يصنع وكان الله تعالى قد أوحى إلى البحر أن أطع موسى وآية ذلك إذا ضربك بعصاه فأوحى الله تعالى إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر. وأخرج أيضاً من طريق الكلبـي عن أبـي صالح عن ابن عباس أن موسى لما انتهى إلى البحر أقبل يوشع بن نون على فرسه فمشى على الماء واقتحم غيره خيولهم فرسوا في الماء، وقال أصحاب موسى: {أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ }تفسير : [الشعراء: 61] فدعا موسى ربه فغشيتهم ضبابة حالت بينهم وبينه؛ وقيل له: اضرب بعصاك البحر؛ وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن ابن عباس أن الله تعالى أوحى إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر وأوحى إلى البحر أن اسمع لموسى وأطع / إذا ضربك فبات البحر له أفكل أي رعدة لا يدرى من أي جوانبه يضربه، وأخرج ابن أبـي حاتم عن محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام أن موسى عليه السلام لما انتهى إلى البحر قال: يا من كان قبل كل شيء والمكون لكل شيء والكائن بعد كل شيء اجعل لنا مخرجاً فأوحى الله تعالى إليه أن أضرب بعصاك البحر. حديث : وروي أنه عليه السلام قال: اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وإليك المستغاث وأنت المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيمتفسير : ، وفي «الدر المنثور» من رواية ابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعاً ما يدل على أنه عليه السلام قال ذلك حين الانفلاق. {فَٱنفَلَقَ } أي فضربه فانفلق فالفاء فصيحة، وزعم ابن عصفور في مثل هذا التركيب أن المحذوف هو ضرب، وفاء انفلق والفاء الموجودة هي فاء ضرب وهذا أشبه شيء بلغى العصافير وكأنه كان سكران حين قاله، وفي هذا الحذف إشارة إلى سرعة امتثاله عليه السلام، وإنما أمر عليه السلام بالضرب فضرب وترتب الانفلاق عليه إعظاماً لموسى عليه السلام بجعل هذه الآية العظيمة مترتبة على فعله ولو شاء عز وجل لفلقه بدون ضربه بالعصا، ويروى أنه لم ينفلق حتى كناه بأبـي خالد فقال انفلق أبا خالد: وكان بأمر الله تعالى إياه بذلك، وعن قيس بن عباد أنه عليه السلام حين جاءه قال له: انفلق أبا خالد فقال: لن أنفلق لك يا موسى أنا أقدم منك وأشد خلقاً فنودي عند ذلك اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق، وفي رواية ابن مسعود أنه عليه السلام حين انتهى إليه قال: انفرق فقال له: لقد استكبرت يا موسى وهل انفرقت لأحد من ولد آدم فأوحى الله تعالى إليه أن أضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق، وفي حديث أخرجه الخطيب في «المتفق والمفترق» عن أبـي الدرداء مرفوعاً أنه عليه السلام ضربه فتأطط كما يتأطط العرش ثم ضربه الثانية فمثل ذلك ثم ضربه الثالثة فانصدع وهذا صريح في أن الضرب كان ثلاثاً، وقيل: ضربه مرة واحدة فانفلق، وقيل: ضربه اثنتي عشرة مرة فانفلق في كل مرة عن مسلك لسبط. وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن جبير أنه قال: كان البحر ساكناً لا يتحرك فلما كان ليلة ضربه موسى بالعصا صار يمد ويجزر ولا أظن لهذا صحة، والظاهر أن المد والجزر كانا قبل أن يخلق الله تعالى موسى عليه السلام ولا ينبغي لعاقل اعتقاد غيره، ومثل هذا عندي كثير من الأخبار السابقة، والأسلم الاقتصار على ما قص الله تعالى من أنه أوحى سبحانه إلى موسى أن أضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق. {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ } أي كالجبل المنيف الثابت في مقره، وظاهر الآية أن الطود مطلق الجبل، وقال في «الصحاح» الطود الجبل العظيم. والمراد بالفرق قطعة من الماء ارتفعت فصار ما تحتها كالسرداب على ما ذكره بعض الأجلة، وحينئذ لا إشكال في قول من قال: إن الفروق اثنا عشرة والمسالك كذلك بعدة أسباط بني إسرائيل وقد سلك كل سبط منهم في مسلك منها، والمشهور أن الفرق قطعة انفصلت من الماء عما يقابلها وحينئذ لا يتأتى ذلك القول بل لا بد عليه على ما قيل من كون الفروق ثلاثة عشر حتى يحصل في خلالها اثنا عشر مسلكاً بعدد الأسباط، وقيل: إذا كانت الفروق اثني عشر فلا بد أن تكون المسالك ثلاثة عشر لأن الفرق الأول والثاني عشر لا بد أن يكون منفصلين عما يحاذيهما من البحر فيكون بين كل منهما وبين ما يحاذيه من البحر مسلك وإن لم يكن كسائر المسالك بين فرقين إذ لو اتصلا لم يميزا عنه ولم يتحقق حينئذ اثنا عشر فرقاً بل أقل، ولا بعد في أن يختار كون الفروق اثني عشر والمسالك ثلاثة عشر بجعل الفرق الأول والثاني عشر منفصلين عما يحاذيهما من البحر بين كل / منهما وبينه مسلك، ويقال: إن كل سبط من الأسباط الإثني عشر سلك في مسلك وسلك في الثالث عشر من آمن بموسى عليه السلام من القبط انتهى. وأورد عليه أنه لم يذكر في الآثار أن المسالك ثلاثة عشر وإنما المذكور فيها أنها اثنا عشر ومن ادعى لك فعليه البيان، والأبعد عن القيل والقال ما تقدم عن بعض الأجلة وأثر قدرة الله تعالى عليه أعظم، وخلق الداعية إلى سلوك ذلك في قلوب الداخلين لا سيما قوم فرعون أغرب وكذا الاحتياج إلى الكوى أظهر. فقد روي أن بني إسرائيل قالوا: نخاف أن يغرق بعضنا ولا نشعر فجعل الله تعالى بينهم كوى حتى يرى بعضهم بعضاً، نعم قيل عليه: إن في بعض الآثار ما يأباه، فقد أخرج أبو العباس محمد بن إسحاق السراج في «تاريخه». وابن عبد البر في «التمهيد» من طريق يوسف بن مهران عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن صاحب الردم كتب إلى معاوية يسأله عن أشياء منها مكان طلعت فيه الشمس لم تطلع قبل ولا بعد فيه فلم يعلم معاوية جواب ذلك فكتب يسأل ابن عباس فأجاب عن كل إلى أن قال: وأما المكان الذي طلعت فيه الشمس لم تطلع قبل ولا بعد فيه فالمكان الذي انفلق من البحر لبني إسرائيل فإن كون الفرق مقبباً كالسرداب مانع من طلوع الشمس وشروقها على الأرض من غير واسطة كما هو الظاهر من السؤال. وأجيب بأنه بعد تسليم صحة الخبر لا إباء لجواز شروق الشمس على أرض الفرق المقبب من غير واسطة من جهة المدخل والمخرج أو شروقها على أرض البحر قبل التقبيب ولم يتعرض المفسرون هنا فيما وقفت عليه لكيفية الانفلاق، وقد رأيت فيما ينسب إلى «كليات أبـي البقاء» أنه قد ورد أن بني إسرائيل لما دخلوا البحر خرجوا من الجانب الذي دخلوا منه وحينئذ لا يتأتى ذلك على كون الانفلاق خطياً وإنما يتأتى على كونه قوسياً ثم إنه ذكر في عدة الفروق والمسالك كلاماً ظاهره الاختلال، وقد تصدى بعض الفضلاء لشرحه وتوجيهه بما لا يخلو عن تعسف، وحاصل ما ذكره ذلك البعض مع زيادة ما أنه يحتمل إذا كان انفلاق البحر إلى اثني عشر فرقاً أن يكون الفرق الأول والثاني عشر متصلين بالبر الشطي بأن يكون الماء الواقع حذاء كل منهما من جهة البر مرتفعاً ومنضماً إلى كل ومعدود من أجزائه بحيث يصير الماء المرتفع المنضم والفرق الأصلي المنضم إليه فرقاً واحداً متصلاً طرفه بالبر من غير فصل بينه وبينه بشيء. وأورد عليه أنه يلزم عليه أن تكون المسالك أحد عشر فيحتاج إلى سلوك سبطين معاً أو متعاقباً في مسلك واحد أوسع من سائر المسالك أو مساو له ولا خفاء في أنه خلاف الظاهر والمأثور، وأيضاً يلزم أن يكون كل من الفرقين الأول والثاني عشر أعظم غلظاً من كل من البواقي لما سمعت من الانضمام والظاهر تساويها فيه، وأيضاً يلزم خروج الماء الملاصق للبر عما الأصل فيه من غير داع إليه ويحتمل أن يكون الماء الواقع حذاء كل من الأول والثاني عشر من جهة البر مرتفعاً بمعنى ذاهباً ويكون الفرقان المذكوران متصلين بالبر باعتبار أنهما متصلان بالمسلكين الظاهرين من تحت الماء الذاهب المتصلين بالبر. ويرد عليه بعض ما ورد على سابقه وبقاء سبط من بني إسرائيل أو سبطين بلا حاجب لهم عن فرعون وجنوده من الماء. ويحتم أن يكونا منفصلين عن البر بأن يبقى الماء المتصل به على حاله بحراً من غير ارتفاع وحينئذ يحتمل أن تكون المسالك ثلاثة عشر باعتبار انكشاف الأرض بين الفرق الأول والبحر الباقي على حاله المتصل / بالبر فيكون هذا المسلك خارج الطود الأول وانكشافها بين الفرق الثاني عشر والبحر الباقي على حاله المتصل بالبر من الجانب الآخر فيكون هذا المسلك خارج الفرق الثاني عشر، وعلى هذا الاحتمال يلزم تعطل أحد المسالك أو التزام سلوك من آمن من القبط فقط فيه، ويحتمل أن تكون المسالك اثني عشر كالفروق بأن يكون الانكشاف بين الفرق الأول والبحر الباقي على حالة المتصل بالبر من جهة فرعون وجنوده فقط أو يكون الانكشاف بين الفرق الثاني عشر والبحر الباقي على حاله من الجانب الآخر فقط، وهذا بعيد لعظم هذا القوس المنكشف جداً وطول زمان قطعه، فالظاهر وقوع احتمال كون الانكشاف بين الفرق الأول والبحر الباقي على حاله من جهة فرعون، وبالجملة احتمال انفصال الفرقين الأول والأخير وكون الانكشاف بين الأول والبحر مما يلي فرعون دون الأخير والبحر مما يلي الجانب الآخر واتحاد المسالك والفروق في كون كل اثني عشر هو الأقرب للوقوع اهـ. ولا يخفى أنه يلزم عليه أن لا يكون جميع المسالك في خلال الفروق فإن لم يتعين القول بكون جميعها فيه إذ ليس في الآثار أكثر من كون المسالك اثني عشر مسلكاً فلا بأس به، وإن استحسنت ما تقدم عن بعض الأجلة في المراد بالفرق فاعتبره على تقدير كون الانفلاق قوسياً أيضاً، ثم إن ما ذكر من كون الخروج من جهة الدخول لم أره في غير ما ينسب إلى «كليات أبـي البقاء» وهو أوفق بالقول برجوع موسى عليه السلام وقومه إلى مصر بعد الخروج من البحر وإغراق فرعون وجنوده فيه وتوقف ذلك على كون الانفلاق قوسياً لأنه لو كان خطياً يلزم أن يكون الرجوع في طريق الدخول وهو ظاهر البطلان لأن الأعداء في أثرهم، واحتمال أن تكون المسالك الخطية ثلاثة عشر وأن بني إسرائيل سلكوا اثني عشر منها واتبعهم فيها فرعون وجنوده وخرجوا قبل أن يصلوا إليهم ودخلوا جميعاً في المسلك الثالث عشر من الجانب المخالف لجانب دخولهم متوجهين فيه إلى جانب دخولهم فلم يخرجوا حتى صار جميع أعدائهم في تلك المسالك الاثني عشر التي اتبعوهم فيها فخرجوا وغشي أعداءهم من اليم ما غشيهم لا يخفى ما فيه، والقول بالعود إلى مصر مع القول بأن الانفلاق كان خطياً يتوقف على هذا أو على الانفلاق مرة أخرى أو على العبور بالسفن أو سلوك طريق إلى مصر غير الطريق الذي سلكوه خارجين منها إلى البحر. والظاهر أنه لم يكن شيء من ذلك، ولا بأس على ما قيل بالقول بكون الانفلاق قوسياً سواء قلنا بالرجوع إلى مصر أم لا، وما يقال عليه من أنه يلزم حينئذ أن تكون مداخل تلك المسالك ومخارجها في جانب فرعون وجنوده وذلك مما يوجب خوف بني إسرائيل من الدخول لاحتمال أن يدخل عليهم أعداؤهم من الطرف الآخر الذي هو محل الخروج فيلاقوهم في الطريق على طرف الثمام كما لا يخفى على ذوي الأفهام. وجوز على القول بأن الانفلاق كان قوسياً أن يكون دخول موسى عليه السلام وقومه من أحد طرفي القوس ودخول فرعون وجنوده من الطرف الآخر ليلاقوا موسى عليه السلام وقومه حتى إذا كمل الجمعان دخولاً رجع موسى عليه السلام وقومه القهقرى حتى إذا خرجوا جميعاً أغرق الله تعالى فرعون وجنوده أو حتى إذا كمل جمع موسى عليه السلام دخولاً وبان لهم أول الداخلين لملاقاتهم رجعوا القهقرى حتى إذا خرجوا جميعاً وقد كمل جمع فرعون دخولاً أهلك الله تعالى عدوهم فغشيه من اليم ما غشيه وهو كما ترى. / والذي ذهب إليه أهل الكتاب أن الانفلاق كان خطياً وأن المسالك اثني عشر مسلكاً لكل سبط مسلك ولا تقبيب هناك وأنه قد فتحت لهم كوى ليرى القريب قريبه ويرى الرجل من سبط زوجته من سبط آخر وأنهم خرجوا من الجهة المقابلة لجهة دخولهم وتوجهوا إلى أرض الشام، وليس في كتابنا ما هو نص في تكذيبه بل في الأخبار ما يشهد بصحة بعضه، واتحاد الفروق والمسالك في العدد يحتاج إلى نقل صحيح يثبته، والآية هنا لا تدل على أكثر من تعدد الفروق والله تعالى أعلم، وحكى يعقوب عن بعض القراء أنه قرأ {كل فلق} باللام بدل الراء، قال الراغب: الفرق يقارب الفلق لكن الفلق يقال اعتباراً بالانشقاق والفرق يقال اعتباراً بالانفصال، ومنه الفرقة للجماعة المنفردة من الناس.
د. أسعد حومد
تفسير : (63) - فأمرَ اللهُ تَعالى مُوسى بأنْ يَضربَ البحرَ بِعَصَاهُ فَضَرَبَهُ فانْفَلَقَ البحرُ بإذنِ اللهِ تَعالى، فكانَ كلُّ جَانِبٍ منَ الماءِ كالجَبَلِ العَظِيمِ. (وقال ابنُ عَبَّاسٍ: أصْبَحَتِ الفَتْحَةُ التي انشَقَّ عنها الماءُ كالفَجِّ العَظِيم بينَ جَبَلَيْنِ). فانْفَلَقَ - انْشَقَّ اثْنَيْ عَشَرَ فِرْقاً. فِرقٍ - قِطْعَةٍ منَ البَحرِ مُرْتَفِعَةٍ. كَالطَّودِ العَظيمِ - كَالجَبلِ المرتفعِ في السَّماءِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ذلك لأن البحر هو عائقهم من أمامهم، والبحر مياه لها قانونها الخاص من الاستطراق والسيولة، فلما ضرب موسى بعصاه البحر انفلق وانحصر الماء على الجانبين، كل فِرْقٍ - أي: كل جانب - كالطودْ يعني الجبل العظيم. لكن بعد أن صار الماء إلى ضِدِّه وتجمّد كالجبل، وصنع بين الجبلين طريقاً، أليس في قاع البحر بعد انحسار الماء طين ورواسب وأوحال وطمي يغوص فيها الإنسان؟ إننا نشاهد الإنسان لا يكاد يستطيع أن ينقل قدماً إذا سار في وحل إلى ركبتيه مثلاً، فما بالك بوحْل البحر؟ لذلك قال له ربه: {أية : لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىٰ}تفسير : [طه: 77]. فالذي جعل الماء جبلاً، سيجعل لك الطريق يابساً. والحق - تبارك وتعالى - لم يُبيِّن لنا في انفلاق البحر، إلى كَمْ فلقة انفلق، لكن العلماء يقولون: إنه انفلق إلى اثنتي عشرة فلقة بعدد الأسباط، بحيث يمر كل سَبْط من طريق. وفي لقطة أخرى من القصة أراد موسى - عليه السلام - أنْ يضرب البحر مرة أخرى ليعود إلى طبيعته، فيسُدُّ الطريق في وجه فرعون وجنوده على حَدِّ تفكيره كبشر، لكن الحق - تبارك وتعالى - نهاه عن ذلك: {أية : فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ * وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ}تفسير : [الدخان: 23-24]. اتركه على حاله ليُغري الطريق اليابس فرعون وجنوده، لذلك قال سبحانه: {وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ} فالطَّودُ: الجَبلُ.
الجيلاني
تفسير : فصبر إلى أن قرب العدو، ووصل موسى على شاطئ البحر مضطراً مضرباً {فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ} بأن قلنا له: {أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ} فضربه على الفور {فَٱنفَلَقَ} البحر، وافترق فرقاً وقُطع قطعاً كثيرة {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ} بعد انفلاقه وانقطاعه {كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ} [الشعراء: 63] أي: كالجبل الراسي المرتفع نحو السماء، الثابت في مقره بلا حركة وذهاب، وانفرج بين الفلق فرجاً وسيعة فدخل على الفور موسى وقومه في الشعوب والفرج، كل سبط بشعب. {وَ} بعدما دخلوا في شعاب البحر المنغلق {أَزْلَفْنَا} وقربنا {ثَمَّ ٱلآخَرِينَ} [الشعراء: 64] أي: فرعون وقومه، وهم أيضاً وصلوا على شاطئ البحر فرأوهم في شعابه على العبور، فاقتحموا أثرهم مطمعين النجاة مثلهم. {وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ} [الشعراء: 65] بأن حفظنا البحر على انغلاقه إلى أن عبروا سالمين من تلك الفررج. {ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ} [الشعراء: 66] أي: فرعون وقومه جميعاً بعدما دخلوا في تلك الفرج بإطباق البحر، وإفناء انفلاقه وافتراقه، واتصاله على الوجه الذي كان عليه. {إِنَّ فِي ذَلِكَ} الإنجاء والإغراق {لآيَةً} دالة على كمال قدرة الله، ومتانة حكمته بالنسبة إلى ذوي البصائر والاعتبار، المشمرين ذيل الغناية والاهتمام نحو التفكر والتدبر في آثار أوصاف الفاعل المختار {وَ} لكن {مَا كَانَ أَكْثَرُهُم} أي: ما أكثر الناس المجبولين على فطرة الاستدلال والاعتبار {مُّؤْمِنِينَ} [الشعراء: 67] بالله وتوحيده وأسمائه حتى يتأملوا في آثار صفاته؛ ليستدلوا على ذاته. {وَإِنَّ رَبَّكَ} يا أكمل الرسل {لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالب على أمره، القادر المتقدر على إجراء أحكامه وإنفاذ قضائه {ٱلرَّحِيمُ} [الشعراء: 68] لخُلَّص عباده الموفَّقين من عنده للوصول إلى مبدئهم ومعادهم. {وَٱتْلُ} يا أكمل الرسل {عَلَيْهِمْ} أي: على مكذبي قريش ومعانديهم {نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ} [الشعراء: 69] أي: قصة جدك الخليل - صلوات الرحمن عليه - مع قومه. وقت {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ} سائلاص لهم عن حقيقة ما يعبدون من الآلهة؛ ليريهم أن الأصنام لا تستحق العبادة والانقياد: {مَا تَعْبُدُونَ} [الشعراء: 70] ولأي شيء تنقادون وتطيعون؟!. {قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} [الشعراء: 71] أي: يدوم عكوفنا إياها وإطاعتنا لها. {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ} ويجيبون دعوتكم {إِذْ تَدْعُونَ} [الشعراء: 72] إليها في السراء والضرء؟! {أَوْ يَنفَعُونَكُمْ} ويثيبونكم؛ جزاءً لطاعتكم وعبادتكم {أَوْ يَضُرُّونَ} [الشعراء: 73] لكم إن أعرضتم وانصرفتم عن عبادتهم؟!. {قَالُواْ} مستغربين عن مسئولاته؛ يعني: نحن لا نرجو منهم أمثال هذه الصفات؛ إذ هم جمادات لا تتأتى منهم أفعال ذوي الحياة والشعور {بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا} وأسلافنا {كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [الشعراء: 74] اي: يعبدون لها، ويعكفون عليها خاشعين متذللين ونحن على أثرهم نعبدهم ونتذلل لهم؛ تقليداً لآبائنا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):