٢٦ - ٱلشُّعَرَاء
26 - Ash-Shu'ara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
78
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى عنه أنه استثنى رب العالمين، حكى عنه أيضاً ما وصفه به مما يستحق العبادة لأجله، ثم حكى عنه ما سأله عنه، أما الأوصاف فأربعة: أولها: قوله: {ٱلَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ }. واعلم أنه سبحانه أثنى على نفسه بهذين الأمرين في قوله: { أية : ٱلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ } تفسير : [الأعلى: 2، 3] واعلم أن الخلق والهداية بهما يحصل جميع المنافع لكل من يصح الانتفاع عليه، فلنتكلم في الإنسان فنقول إنه مخلوق، فمنهم من قال هو من عالم الخلق والجسمانيات، ومن قال هو من عالم الأمر الروحانيات، وتركيب البدن الذي هو من عالم الخلق مقدم على إعطاء القلب الذي هو من عالم الأمر على ما أخبر عنه سبحانه في قوله: { أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى } تفسير : [ص: 72] فالتسوية إشارة إلى تعديل المزاج وتركيب الأمشاج، ونفخ الروح إشارة إلى اللطيفة الربانية النورانية التي هي من عالم الأمر، وأيضاً قال: { أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مّن طِينٍ } تفسير : [المؤمنون: 12] ولما تمم مراتب تغيرات الأجسام قال: { أية : ثم أنشأناه خلقاً آخر } تفسير : [المؤمنون: 14] وذلك إشارة إلى الروح الذي هو من عالم الملائكة، ولا شك أن الهداية إنما تحصل من الروح، فقد ظهر بهذه الآيات أن الخلق مقدم على الهداية. أما تحقيقه بحسب المباحث الحقيقية، فهو أن بدن الإنسان إنما يتولد عند امتزاج المني بدم الطمث، وهما إنما يتولدان من الأغذية المتولدة من تركب العناصر الأربعة وتفاعلها، فإذا امتزج المني بالدم فلا يزال ما فيها من الحار والبارد والرطب واليابس متفاعلاً، وما في كل واحد منها من القوى كاسراً سورة كيفية الآخر، فحينئذ يحصل من تفاعلهما كيفية متوسطة تستحر بالقياس إلى البارد وتستبرد بالقياس إلى الحار، وكذا القول في الرطب واليابس، وحينئذ يحصل الاستعداد لقبول قوى مدبرة لذلك المركب فبعضها قوى نباتية وهي التي تجذب الغذاء، ثم تمسكه ثم تهضمه ثم تدفع الفضلة المؤذية، ثم تقيم تلك الأجزاء بدل ما تحلل منها، ثم تزيد في جوهر الأعضاء طولاً وعرضاً، ثم يفضل عن تلك المواد فضلة يمكن أن يتولد عنها مثل ذلك، ومنها قوى حيوانية بعضها مدركة كالحواس الخمس والخيال والحفظ والذكر، وبعضها فاعلة: إما آمرة كالشهوة والغضب أو مأمورة كالقوى المركوزة في العضلات، ومنها قوى إنسانية وهي إما مدركة أو عاملة، والقوى المدركة هي القوى القوية على إدراك حقائق الأشياء الروحانية والجسمانية والعلوية والسفلية، ثم إنك إذا فتشت عن كل واحدة من مركبات هذا العالم الجسماني، ومفرداتها وجدت لها أشياء تلائمها وتكمل حالها وأشياء تنافرها وتفسد حالها، ووجدت فيها قوى جذابة للملائم دفاعة للمنافي، فقد ظهر أن صلاح الحال في هذه الأشياء لا يتم إلا بالخلق والهداية. أما الخلق فبتصييره موجوداً بعد أن كان معدوماً، وأما الهداية فبتلك القوى الجذابة للمنافع والدفاعة للمضار فثبت أن قوله: {خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ } كلمة جامعة حاوية لجميع المنافع في الدنيا والدين، ثم ههنا دقيقة وهو أنه قال: {خَلَقَنِى } فذكره بلفظ الماضي وقال: {يَهْدِينِ } ذكره بلفظ المستقبل، والسبب في ذلك أن خلق الذات لا يتجدد في الدنيا، بل لما وقع بقي إلى الأمد المعلوم. أما هدايته تعالى فهي مما يتكرر كل حين وأوان سواء كان ذلك هداية في المنافع الدنيوية، وذلك بأن تحكم الحواس بتمييز المنافع عن المضار أو في المنافع الدينية وذلك بأن يحكم العقل بتمييز الحق عن الباطل والخير عن الشر، فبين بذلك أنه سبحانه هو الذي خلقه بسائر ما تكامل به خلقه في الماضي دفعة واحدة، وأنه يهديه إلى مصالح الدين والدنيا بضروب الهدايات في كل لحظة ولمحة وثانيها: قوله: {وَٱلَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ } وقد دخل فيه كل ما يتصل بمنافع الرزق، وذلك لأنه سبحانه إذا خلق له الطعام وملكه، فلو لم يكن معه ما يتمكن به من أكله والاغتذاء به نحو الشهوة والقوة والتمييز لم تكمل هذه النعمة، وذكر الطعام والشراب ونبه بذكرهما على ما عداهما وثالثها: قوله: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } وفيه سؤال وهو أنه لم قال: {مَرْضَـٰتِ } دون أمرضني؟ وجوابه من وجوه: الأول: أن كثيراً من أسباب المرض يحدث بتفريط من الإنسان في مطاعمه ومشاربه وغير ذلك، ومن ثم قالت الحكماء: لو قيل لأكثر الموتى ما سبب آجالكم؟ لقالوا التخم الثاني: أن المرض إنما يحدث باستيلاء بعض الأخلاط على بعض، وذلك الاستيلاء إنما يحصل بسبب ما بينها من التنافر الطبيعي. أما الصحة فهي إنما تحصل عند بقاء الأخلاط على اعتدالها وبقاؤها على اعتدالها، إنما يكون بسبب قاهر يقهرها على الاجتماع، وعودها إلى الصحة إنما يكون أيضاً بسبب قاهر يقهرها على العود إلى الاجتماع والاعتدال بعد أن كانت بطباعها مشتاقة إلى التفرق والنزاع، فلهذا السبب أضاف الشفاء إليه سبحانه وتعالى، وما أضاف المرض إليه وثالثها: وهو أن الشفاء محبوب وهو من أصول النعم، والمرض مكروه وليس من النعم، وكان مقصود إبراهيم عليه السلام تعديد النعم، ولما لم يكن المرض من النعم لا جرم لم يضفه إليه تعالى، فإن نقضته بالإماتة فجوابه: أن الموت ليس بضرر، لأن شرط كونه ضرراً وقوع الإحساس به، وحال حصول الموت لا يقع الإحساس به، إنما الضرر في مقدماته وذلك هو عين المرض، وأيضاً فلأنك قد عرفت أن الأرواح إذا كملت في العلوم والأخلاق كان بقاؤها في هذه الأجساد عين الضرر وخلاصتها عنها عين السعادة بخلاف المرض ورابعها: قوله: {وَٱلَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ } والمراد منه الإماتة في الدنيا والتخلص عن آفاتها وعقوباتها، والمراد من الإحياء المجازاة وخامسها: قوله: {وَٱلَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ ٱلدِينِ } فهو إشارة إلى ما هو مطلوب كل عاقل من الخلاص عن العذاب والفوز بالثواب. واعلم أن إبراهيم عليه السلام جمع في هذه الألفاظ جميع نعم الله تعالى من أول الخلق إلى آخر الأبد في الدار الآخرة، ثم ههنا أسئلة: السؤال الأول: لم قال: {وَٱلَّذِى أَطْمَعُ } والطمع عبارة عن الظن والرجاء، وإنه عليه السلام كان قاطعاً بذلك؟ جوابه: أن هذا الكلام لا يستقيم إلا على مذهبنا، حيث قلنا إنه لا يجب على الله لأحد شيء، وأنه يحسن منه كل شيء ولا اعتراض لأحد عليه في فعله، وأجاب الجبائي عنه من وجهين: الأول: أن قوله: {وَٱلَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى } أراد به سائر المؤمنين لأنهم الذين يطمعون ولا يقطعون به الثاني: المراد من الطمع اليقين، وهو مروي عن الحسن وأجاب صاحب «الكشاف»: بأنه إنما ذكره على هذا الوجه تعليماً منه لأمته كيفية الدعاء. واعلم أن هذه الوجوه ضعيفة، أما الأول: فلأن الله تعالى حكى عنه الثناء أولاً والدعاء ثانياً ومن أول المدح إلى آخر الدعاء كلام إبراهيم عليه السلام فجعل الشيء الواحد وهو قوله: {وَٱلَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ ٱلدِينِ } كلام غيره مما يبطل نظم الكلام ويفسده، وأما الثاني: وهو أن الطمع هو اليقين فهذا على خلاف اللغة، وأما الثالث: وهو أن الغرض منه تعليم الأمة فباطل أيضاً لأن حاصله يرجع إلى أنه كذب على نفسه لغرض تعليم الأمة، وهو باطل قطعاً. السؤال الثاني: لم أسند إلى نفسه الخطيئة مع أن الأنبياء منزعون عن الخطايا قطعاً؟، وفي جوابه ثلاثة وجوه: أحدها: أنه محمول على كذب إبراهيم عليه السلام في قوله: { أية : فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ } تفسير : [الأنبياء: 63] وقوله: { أية : إِنّى سَقِيمٌ } تفسير : [الصافات: 89] وقوله لسارة: (إنها أختي) وهو ضعيف لأن نسبة الكذب إليه غير جائزة وثانيها: أنه ذكره على سبيل التواضع وهضم النفس وهذا ضعيف لأنه إن كان صادقاً في هذا التواضع فقد لزم الإشكال، وإن كان كاذباً فحينئذ يرجع حاصل الجواب إلى إلحاق المعصية به لأجل تنزيهه عن المعصية وثالثها: وهو الجواب الصحيح أن يحمل ذلك على ترك الأولى، وقد يسمى ذلك خطأ فإن من ملك جوهرة وأمكنه أن يبيعها بألف ألف دينار فإن باعها بدينار، قيل إنه أخطأ، وترك الأولى على الأنبياء جائز. السؤال الثالث: لم علق مغفرة الخطيئة بيوم الدين، وإنما تغفر في الدنيا؟ جوابه: لأن أثرها يظهر يوم الدين وهو الآن خفي لا يعلم. السؤال الرابع: ما فائدة (لي) في قوله: {يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى }؟ وجوابه من وجوه: أحدها: أن الأب إذا عفا عن ولده والسيد عن عبده والزوج عن زوجته فذلك في أكثر الأمر إنما يكون طلباً للثواب وهرباً عن العقاب أو طلباً لحسن الثناء والمحمدة أو دفعاً للألم الحاصل من الرقة الجنسية وإذا كان كذلك لم يكن المقصود من ذلك العفو رعاية جانب المعفو عنه بل رعاية جانب نفسه، إما لتحصيل ما ينبغي أو لدفع ما لا ينبغي، أما الإله سبحانه فإنه كامل لذاته فيستحيل أن تحدث له صفات كمال لم تكن أو يزول عنه نقصان كان، وإذا كان كذلك لم يكن عفوه إلا رعاية لجانب المعفو عنه فقوله: {وَٱلَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى } يعني هو الذي إذا غفر كان غفرانه لي ولأجلي لا لأجل أمر عائد إليه ألبتة وثانيها: كأنه قال خلقتني لا لي فإنك حين خلقتني ما كنت موجوداً وإذا لم أكن موجوداً استحال تحصيل شيء لأجلي ثم مع هذا فأنت خلقتني، أما لو عفوت كان ذلك العفو لأجلي، فلما خلقتني أولاً مع أني كنت محتاجاً إلى ذلك الخلق فلأن تغفر لي وتعفو عني حال ما أكون في أشد الحاجة إلى العفو والمغفرة كان أولى وثالثها: أن إبراهيم عليه السلام كان لشدة استغراقه في بحر المعرفة شديد الفرار عن الالتفات إلى الوسائط، ولذلك لما قال له جبريل عليه السلام: «ألك حاجة؟ قال أما إليك فلا» فههنا قال: {أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ ٱلدِينِ } أي لمجرد عبوديتي لك واحتياجي إليك تغفر لي خطيئتي لا أن تغفرها لي بواسطة شفاعة شافع.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ } أي يرشدني إلى الدين. {وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ } أي يرزقني. ودخول {هو} تنبيه على أن غيره لا يُطعم ولا يسَقي؛ كما تقول: زيد هو الذي فعل كذا؛ أي لم يفعله غيره. {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } قال: {مَرِضْتُ} رعاية للأدب وإلا فالمرض والشفاء من الله عز وجل جميعاً. ونظيره قول فتى موسى: {أية : وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ} تفسير : [الكهف: 63]. {وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ } يريد البعث وكانوا ينسبون الموت إلى الأسباب؛ فبيّن أن الله هو الذي يميت ويحيي. وكله بغير ياء: {يهدين} {يشفين} لأن الحذف في رؤوس الآي حسن لتتفق كلها. وقرأ ابن أبي إسحاق على جلالته ومحله من العربية هذه كلها بالياء؛ لأن الياء اسم وإنما دخلت النون لعلة. فإن قيل: فهذه صفة تجمع الخلق فكيف جعلها إبراهيم دليلاً على هدايته ولم يهتد بها غيره؟ قيل: إنما ذكرها احتجاجا على وجوب الطاعة؛ لأن من أنعم وجب أن يطاع ولا يعصى ليلتزم غيره من الطاعة ما قد التزمها؛ وهذا إلزام صحيح. قلت: وتجوّز بعض أهل الإرشارات في غوامض المعاني فعدل عن ظاهر ما ذكرناه إلى ما تدفعه بدائه العقول من أنه ليس المراد من إبراهيم. فقال: {وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ } أي يطعمني لذة الإيمان ويسقين حلاوة القبول. ولهم في قوله: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } وجهان: أحدهما: إذا مرضت بمخالفته شفاني برحمته. الثاني: إذا مرضت بمقاساة الخلق، شفاني بمشاهدة الحق. وقال جعفر بن محمد الصادق: إذا مرضت بالذنوب شفاني بالتوبة. وتأولوا قوله: {وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ } على ثلاثة أوجه: فالذي يميتني بالمعاصي يحييني بالطاعات. الثاني: يميتني بالخوف يحييني بالرجاء. الثالث: يميتني بالطمع ويحييني بالقناعة. وقول رابع: يميتني بالعدل ويحييني بالفضل. وقول خامس: يميتني بالفراق ويحييني بالتلاق. وقول سادس: يميتني بالجهل ويحييني بالعقل؛ إلى غير ذلك مما ليس يشيء منه مراد من الآية؛ فإن هذه التأويلات الغامضة، والأمور الباطنة، إنما تكون لمن حذق وعرف الحق، وأما من كان في عمى عن الحق ولا يعرف الحق فكيف ترمز له الأمور الباطنة، وتترك الأمور الظاهرة؟ هذا محال. والله أعلم. قوله تعالى: {وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ } {أَطَمْعُ} أي أرجو. وقيل: هو بمعنى اليقين في حقه، وبمعنى الرجاء في حق المؤمنين سواه. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق {خَطَايَايَ} وقال: ليست خطيئة واحدة. قال النحاس: خطيئة بمعنى خطايا معروف في كلام العرب، وقد أجمعوا على التوحيد في قوله عز وجل: {أية : فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ} تفسير : [الملك: 11] ومعناه بذنوبهم. وكذا {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} تفسير : [البقرة: 43] معناه الصلوات، وكذا {خَطِيئَتِي} إن كانت خطايا. والله أعلم. قال مجاهد: يعني بخطيئته قوله: {أية : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا}تفسير : [الأنبياء: 63] وقوله: {أية : إِنِّي سَقِيمٌ} تفسير : [الصافات: 89] وقوله: إن سارة أخته. زاد الحسن وقوله للكوكب: {هَذَا رَبِّي} وقد مضى بيان هذا مستوفى. وقال الزجاج: الأنبياء بشر فيجوز أن تقع منهم الخطيئة؛ نعم لا تجوز عليهم الكبائر لأنهم معصومون عنها. {يَوْمَ ٱلدِّينِ} يوم الجزاء حيث يجازى العباد بأعمالهم. وهذا من إبراهيم إظهار للعبودية وإن كان يعلم أنه مغفور له. وفي صحيح مسلم عن عائشة؛ قلت يا رسول الله: ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: «حديث : لا ينفعه إنه لم يقل يوماً {رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْم الدِّينِ}.
ابن كثير
تفسير : يعني: لا أعبد إلا الذي يفعل هذه الأشياء {ٱلَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ} أي: هو الخالق الذي قدر قدراً، وهدى الخلائق إليه، فكل يجري على ما قدر له، وهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء {وَٱلَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ} أي: هو خالقي ورازقي بما سخر ويسر من الأسباب السماوية والأرضية، فساق المزن، وأنزل الماء وأحيا به الأرض، وأخرج به من كل الثمرات رزقاً للعباد، وأنزل الماء عذباً زلالاً يسقيه مما خلق أنعاماً وأناسي كثيراً. وقوله: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} أسند المرض إلى نفسه، وإن كان عن قدر الله وقضائه وخلقه، ولكن أضافه إلى نفسه أدباً، كما قال تعالى آمراً للمصلي أن يقول: {أية : ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الفاتحة: 6] إلى آخر السورة، فأسند الإنعام والهداية إلى الله تعالى، والغضب حذف فاعله أدباً، وأسند الضلال إلى العبيد، كما قالت الجن: {أية : وَأَنَّا لاَ نَدْرِىۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً} تفسير : [الجن: 10] وكذا قال إبراهيم: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} أي: إذا وقعت في مرض، فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه، {وَٱلَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ} أي: هو الذي يحيي ويميت، لا يقدر على ذلك أحد سواه، فإنه هو الذي يبدىء ويعيد {وَٱلَّذِىۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيۤئَتِى يَوْمَ ٱلدِّينِ} أي: لا يقدر على غفران الذنوب في الدنيا والآخرة إلا هو، ومن يغفر الذنوب إلا الله؟ وهو الفعال لما يشاء.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ } إلى الدين.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} فيه وجهان: أحدهما: الي خلقني بنعمته فهو يهدين لطاعته. الثاني: الذي خلقني لطاعته فهو يهديني لجنته، فإن قيل فهذه صفة لجميع الخلق فكيف جعلها إبراهيم عل هدايته ولم يهتد بها غيره؟ قيل: إنما ذكرها احتجاجاً على وجوب الطاعة، لأن من أنعم وجب أن يطاع ولا يُعصى ليلتزم غيره من الطاعة ما قد التزمها، وهذا إلزام صحيح ثم فصل ذلك بتعديد نعمه عليه وعليهم فقال: {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينَ وَإِذَا مَرِضَتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} وهذا احتجاجاً عليهم لموافقتهم له ثم قال: {وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يَحْيِينِ} وهذا قوله استدلالاً ولم يقله احتجاجاً، لأنهم خالفوه فيه، فبين لهم أن ما وافقوه عليه موجب لما خالفوه فيه. وتجوز بعض المتعمقة في غوامض المعاني فعدل بذلك عن ظاهره إلى ما تدفعه بداهة العقول فتأول {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} أي يطعمني لذة الإيمان ويسقيني حلاوة القبول. وفي قوله: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} وجهان: أحدهما: إذا مرضت بمخالفته شفاني برحمته. الثاني: مرضت بمقاساة الخلق شفاني بمشاهدة الحق. وتأولوا قوله: {وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} على ثلاثة أوجه: أحدها: والذي يميتني بالمعاصي ويحييني بالطاعات. الثاني: يميتني بالخوف ويحييني بالرجاء. الثالث: يميتني بالطمع ويحييني بالقناعة. وهذه تأويلات تخرج عن حكم الاحتمال إلى جهة الاستطراف، فلذلك ذكرناها وإن كان حذفها من كتابنا أوْلى.
ابن عطية
تفسير : أتى إبراهيم عليه السلام في هذه الأوصاف التي وصف الله عز وجل بها بالصفات التي المتصف بها يستحق الألوهية وهي الأوصاف الفعلية التي تخص البشر، ومنها يجب أن يفهم ربه عز وجل وهذا حسن الأدب في العبارة، والكل من عند الله تعالى، وقوله {يطعمني ويسقين} تعديد للنعمة في الرزق، وقال أبو بكر الوراق في كتاب الثعلبي يطعمني بلا طعام ويسقيني بلا شراب، كما قال النبي عليه السلام "إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقين، وأسند إبراهيم المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله عز وجل. وهذا حسن الأدب في العبارة والكل من عند الله تعالى، وهذا كقول الخضر عليه السلام: فأردت أن أعيبها. وقال جعفر الصادق إذا مرضت بالذنوب شفاني بالتوبة، وقرأ الجمهور هذه الأفعال "يهدين" بغير ياء، وقرأ نافع وابن أبي إسحاق "يهدين"، وكذلك ما بعده وأوقف عليه السلام نفسه على الطمع في المغفرة وهذا دليل على شدة خوفه مع منزلته وخلته، وقوله {خطيئتي}، ذهب فيه أكثر المفسرين إلى أنه أراد كذباته الثلاث، قوله هي أختي في شأن سارة، وقوله {أية : إني سقيم} تفسير : [الصافات: 89]، وقوله {أية : بل فعله كبيرهم} تفسير : [الأنبياء: 63]، وقالت فرقة أراد بــ"الخطيئة" اسم الجنس فدعا في كل أمره من غير تعيين. قال القاضي أبو محمد: وهذا أظهر عندي لأن تلك الثلاث قد خرجها كثير من العلماء على المعارض، وهي وإن كانت كذبات بحكم قول النبي صلى الله عليه وسلم لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، وبحكم ما في حديث الشفاعة من قوله في شأن إبراهيم نفسي نفسي فهي في مصالح وعون شرع وحق، وقرأ الجمهور "خطيئتي" بالإفراد، وقرأ الحسن "خطاياي" بالجمع، و"الحكم" الذي دعا فيه إبراهيم هو الحكمة والنبوة، ودعاء إبراهيم في مثل هذا هو في معنى التثبيت والدوام، و"لسان الصدق" في الآخرين هو الثناء وخلد المكانة بإجماع من المفسرين، وكذلك أجاب الله دعوته، فكل ملة تتمسك به وتعظمه وهو على الحنيفية التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، قال مكي وقيل معنى سؤاله أن يكون من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق فأجيبت الدعوة في محمد صلى الله عليه وسلم. قال القاضي أبو محمد: وهذا معنى حسن إلا أن لفظ الآية لا يعطيه إلا بتحكم على اللفظ، واستغفاره لأبيه في هذه الآية هو قبل أن تبين له بموته على الكفر أنه عدو لله، أي محتوم عليه وهو عن الموعدة المذكورة في غير هذه الآية، وفي قراءة أبي بن كعب "واغفر لي ولأبوي إنهما كانا من الضالين".
ابن عبد السلام
تفسير : {خَلَقَنِى} بنعمته {فَهْوَ يَهْدِينِ} لطاعته، أو خلقني لطاعته فهو يهدين لجنته.
ابن عادل
تفسير : واعلم أن إبراهيم - عليه السلام - لما استثنى رب العالمين وصفه بما يستحق العبادة لأجله بأوصاف: أحدها: قوله {ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ}، وذلك لأن الله تعالى أثنى على نفسه بهذين الأمرين في قوله: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ}تفسير : [الأعلى: 2-3]. وقال: "خَلَقَنِي" بلفظ الماضي، لأن خلق الذات لا يتجدد في الدنيا، بل لما وقع بقي إلى الأمد المعلوم. وقال: "فَهُوَ يَهْدِيْن" بلفظ المستقبل، لأن الهداية مما تتكرر كل حين وأوان، سواء كانت تلك الهداية من المنافع الدنياوية بتمييز النافع عن الضار، أو من المنافع الدينية بتمييز الحق عن الباطل والخير عن الشر. قوله: {وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ}. يجوز أن يكون مبتدأ وخبره محذوف وكذلك ما بعده، ويجوز أن تكون أوصافاً لـ "الَّذِي خَلَقَنِي" ودخول الواو جائز، وقد تقدم تحقيقه في أول البقرة كقوله: شعر : 3911 - إلَى المَلِك القَرْمِ وَابنِ الهَمَامِ وَلَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ تفسير : وأثبت ابن أبي إسحاق - وتروى عن عاصم أيضاً - ياء المتكلم في: "يَسْقِينِ، ويَشْفِينِ، ويُحْيِينِ". فصل المعنى: يرزقني ويغذوني بالطعام والشراب، ونبه بذكر الطعام والشراب على ما عداهما. قوله: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} أضاف المرض إلى نفسه، وإن كان المَرض والشفاء كله من الله استعمالاً لحُسن الأدب كما قال الخضر: {أية : فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا}تفسير : [الكهف: 79]، وقال: {أية : فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا}تفسير : [الكهف: 82]. وأجاب ابن الخطيب بأجوبة أخر، منها: أن أكثر أسباب المرض تحدث بتفريط الإنسان في مطاعمه ومشاربه وغير ذلك، ومن ثم قال الحكماء: لو قيل لأكثر الموتى: ما سبب آجالكم؟ لقالوا: التخَم. ومنها: أن الشفاء محبوب، وهو من أصول النعم، والمرض مكروه وليس من النعم وكان مقصود إبراهيم - عليه السلام - تعديد النعم، ولما لم يكن المرض من النعم لا جرم لم يضفه إلى الله، فإن نقضته بالأمانة فجوابه: أن الموت ليس بضرر، لأن شرط كونه ضرراً وقوع الإحساس به، وحال حصول الموت لا يحصل الإحساس به، إنما الضرر في مقدماته، وذلك هو عين المرض، ولأن الأرواح إذا كملت في العلوم والأخلاق كان بقاؤها في هذه الأجساد عين الضرر، وخلاصتها عنها عين السعادة (بخلاف المرض). قوله: {وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ}. والمراد منه: الإماتة في الدنيا والتخلص عن آفاتها، والمراد من الإحياء: المجازاة، ولذلك أدخل "ثُمَّ" ههنا للتراخي، أي يميتني ويحيين في الآخرة. قوله: {وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ} قرأ العامة: "خَطِيئَتِي" بالإفراد. والحسن: "خَطَايَايَ" جمع تكسير. فإن قيل: لم يقال: "والَّذِي أَطْمَعُ" والطمع عبارة عن الظن والرجاء، وهو عليه السلام كان قاطعاً بذلك؟ فالجواب: هذا الكلام يستقيم على مذهب أهل السنة، حيث قالوا: لا يجب على الله لأحد شيء، وأن يحسن منه كل شيء، ولا اعتراض لأحد عليه في فعله. وأجاب الجبائي عنه من وجهين: الأول: أن قوله: {وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي} أراد به سائر المؤمنين، لأنهم الذين يطمعون ولا يقطعون به. والثاني: المراد من الطمع: اليقين، وهو المروي عن الحسن. وأجاب الزمخشري بأنه إنما ذكره على هذا الوجه تعليماً لأمته كيفية الدعاء. قال ابن الخطيب: وهذه وجوه ضعيفة، أما الأول فإن الله تعالى حكى الثناء أولاً والمدح ثانياً، ومن أول المدح إلى آخر الدعاء كلام إبراهيم - عليه السلام - فجعل الشيء الواحد وهو كقوله: {وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ} كلام غيره ممّا يبطل نظم الكلام ويفسده. وأما قوله: إن الطمع هو اليقين (فهذا) على خلاف اللغة. وأما الثالث وهو أن المراد تعليم الأمة فباطل أيضاً، لأن حاصله يرجع إلى أنه كذب على نفسه لغرض تعليم الأمة، وإنه باطل أيضاً. فإن قيل: لم أسند إلى نفسه الخطيئة مع أن الأنبياء منزهون عن الخطايا؟ فالجواب من وجوه: أحدها: قال مجاهد: هي قوله: {أية : إِنِّي سَقِيمٌ}تفسير : [الصافات: 89] وقوله: {أية : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ}تفسير : [الأنبياء: 63] وقوله لسارة: "هذه أختي" وزاد الحسن قوله للكوكب: {أية : هَـٰذَا رَبِّي}تفسير : [الأنعام: 76]. قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف، لأن نسبة الكذب إليه غير جائز. وثانيها: أنه ذكره على سبيل التواضع وهضم النفس. قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف، لأنه إن كان صادقاً في هذا التواضع فقد لزم الإشكال، وإن كان كاذباً فحينئذ يرجع حاصل الجواب إلى إلحاق المعصية به، وهو منزه عن المعصية. وقال: وثالثها، وهو الجواب الصحيح: أن يحمل ذلك على ترك الأولى، وقد يسمى ذلك خطأ، فإن من ملك جوهرة أمكنه أن يبيعها بألف ألف دينار، فباعها بدينار، وقيل: إنه أخطأ، وترك الأولى على الأنبياء جائز. فإن قيل: ما فائدة قوله: "يَغْفِرَ لِي"؟ فالجواب من وجوه: الأول: أن الأب إذا عفا عن ولده، والسيد عن عبده، والزوج عن زوجته فإنما يكون ذلك طلباً للثواب، أو لحسن الثناء والمحمدة، أو دفعاً للألم الحاصل من الرقة الجنسية، وإذا كان كذلك لم يكن عفوه إلا رعاية جانب نفسه، إما لتحصيل ما ينبغي، أو لدفع ما لا ينبغي، وأما الإله سبحانه فإنه كامل بذاته فيستحيل أن تحدث له صفات كمال لم تكن، أو يزول عنه نقصان كان، وإذا كان كذلك لم يكن عفوه إلا رعاية لجانب المعفو عنه. فقوله: "يَغْفِر لِي" معناه: أن غفرانه لي ولأجلي، لا لأجل أمر عائد إليه ألبتة. وثانيها: كأنه قال: خلقتني لا لي، فإنك حين خلقتني لم أكن موجوداً، فإذا عفوت كان ذلك العفو لأجلي، فلما خلقتني أولاً مع أني ما كنت محتاجاً إلى ذلك الخلق، فلأن تغفر لي وتعفو عني حال ما أكون في أشد الحاجة إلى العفو والمغفرة كان أولى. وثالثها: أن إبراهيم - عليه السلام - كان مع شدة استغراقه في المعرفة شديد الفرار عن الوسائط، ولذلك لما قال له جبريل: "ألك حاجة؟" قال: "أما إليك فلا" فهاهنا قال: {أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي} أي: بمجرد عبوديتي واحتياجي إليك تغفر لي خطيئتي، لا أن تغفرها بواسطة شفاعة شافع، فإن قيل: لم علق غفران الخطيئة بيوم الدين وإنما تغفر في الدنيا؟ فالجواب: لأن أثرها يظهر يوم الدين، وهو الآن خفي لا يعلم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: كان يقال أول نعمة الله على عبده حين خلقه. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} قال: قوله{أية : إني سقيم}تفسير : [الصافات: 29] وقوله {أية : بل فعله كبيرهم هذا} تفسير : [الأنبياء: 63] وقوله لسارة: إنها أختي. حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {وألحقني بالصالحين} يعني أهل الجنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} قال: يؤمن بإبراهيم كل ملة. وأخرج ابن أبي الدنيا في الذكر، وابن مردويه من طريق الحسن عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : إذا توضأ العبد لصلاة مكتوبة فاسبغ الوضوء ثم خرج من باب داره يريد المسجد، فقال حين يخرج: بسم الله الذي خلقني فهو يهدين. هداه الله للصواب - ولفظ ابن مردويه: لصواب الأعمال - والذي هو يطعمني ويسقين. أطعمه الله من طعام الجنة، وسقاه من شراب الجنة، وإذا مرضت فهو يشفين. شفاه الله وجعل مرضه كفارة لذنوبه، والذي يميتني ثم يحيين. أحياه الله حياة السعداء، وأماته ميتة الشهداء، والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين. غفر الله خطاياه كلها وإن كانت أكثر من زبد البحر، رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين. وهب الله له حكماً وألحقه بصالح من مضى وصالح من بقي، واجعل لي لسان صدق في الآخرين. كتب في ورقة بيضاء أن فلان بن فلان من الصادقين، ثم وفقه الله بعد ذلك للصدق، واجعلني من ورثة جنة النعيم. جعل الله له القصور والمنازل في الجنة"تفسير : وكان الحسن يزيد فيه - واغفر لوالدي كما ربياني صغيراً. وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه حديث : عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله أن ابن جدعان كان يقري الضيف، ويصل الرحم، ويفعل ويفعل. أينفعه ذلك؟ قال: لا. إنه لم يقل يوماً قط: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين .
التستري
تفسير : قوله: {ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ}[78] قال: الذي خلقني لعبوديته يهديني إلى قربه.
السلمي
تفسير : قال الواسطى رحمه الله: لما استغرق بهم فى الخلة احتشم من ذكر خليله بالتصريح فرجع إلى الصفات فجعل يقول النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يصرح بذكره والكناية فيها تصريح، ولما كان فى ابتداء مقاماته وأوائل جذبه لم يستغرق فى الخلة جعل يصيح ويقول: "ربِّ. ربِّ" قال بعضهم: الذى خلقنى لعبوديته يهدينى الى قربه. وقال بعض المتأخرين: الذى استعبدنى واستخدمنى سهل على ذلك وتهديه الى ما يرضيه عنى. قال بعضهم: الذى خلقنى لدعوة خلقه سيهدينى الى آداب خلته. وقال الجنيد رحمه الله: إن الله خلق الأشياء فى الظاهر بالأشياء ما خلا القلب فإن علاقته بالله خصها لنفسه ولخزانته وموضع سره فى أرضه كذلك قال إبراهيم عليه السلام: {ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ}.
القشيري
تفسير : كان مهتدياً، ولكنه يقصد بالهداية التي ذَكَرها فيما يستقبله من الوقت، أي: يهديني إليه به، فإنِّي مَحْقٌ في وجوده وليس لي خَبَرٌ عنِّي! والقوم حين يكونون مستغرقين في نفوسهم لا يهتدون من نفوسهم إلى معبودهم، فيهديهم عنهم إلى ربهم، ويصيرون في نهايتهم مستهلكين في وجوده، فانين عن أوصافهم، وتصير معارِفُهم - التي كانت لهم - واهيةً ضعيفةً، فيهديهم إليه.
البقلي
تفسير : الذى خلقنى بخلقه فهو يهدينى بنفسه الى نفسه وعرفنى بصفاته ذاته وبذاته صفاته.
اسماعيل حقي
تفسير : {الذى خلقنى} [از عدم بوجود آورد] صفة رب العالمين {فهو} وحده {يهدين} يرشدنى الى صلاح الدارين بهدايته المتصلة من الخلق ونفخ الروح متجدد على الاستمرار كما ينبىء عنه فاء العطف التعقيبى وصيغة المضارع وذلك ان مبدأ الهداية بالنسبة الى الانسان هداية الجنين الى امتصاص دم الحيض من الرحم ومنتهاها الهداية الى طريق الجنة والتنعم بلذائذها واشار قوله {فهو يهدين} الى قطع الاسباب والاكتساب فى النبوة والولاية والخلة بل اشار الى الاصطفاء الازلى وذلك ان جميع المقامات اختصاصية عطائية غير نسبية حاصلة للعين الثابتة من الفيض الاقدس وظهوره بالتدريج بحصول شرائطه واسبابه يوهم المحجوب فيظن انه كسبى بالتعمل وليس كذلك فى الحقيقة: قال الحافظ شعر : قومى بجهد وجد نهادند وصل دوست قومى دكر حواله بتقدير ميكنند
الهواري
تفسير : قال: {الذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} أي: الذي خلقني وهداني هو الذي يطعمني ويسقيني. {وَإِذَا مَرِضتُّ فَهُوَ يَشْفِينِ}، {وَالذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} يعني البعث. {وَالذِي أَطْمَعُ} وهذا طمع اليقين {أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} أي: يوم يدين الله الناس فيه بأعمالهم في تفسير بعضهم. وقال مجاهد: يوم الحساب، وهو واحد. وقوله: {خَطِيئَتِي} يعني قوله: (أية : إِنِّي سَقِيمٌ) تفسير : [الصافات: 89] وقوله: (أية : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذَا) تفسير : [الأنبياء: 63]، وقوله لسارّة: إن سألوك فقولي إنك أختي. ذكروه بإسناد عن النبي عليه السلام. قوله: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً} أي: ثبتني على النبوّة {وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} أي: أهل الجنة. {وَاجْعَل لِّي لِسَان صِدْقٍ فِي الأَخِرِينَ}. فليس من أهل دين إلا وهم يتولّونه ويحبّونه، وهي مثل قوله: (أية : وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الأَخِرِينَ) تفسير : [الصافات: 108] أي: أبقينا عليه الثناء الحسن في الآخرين. قوله: {وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ} وهو اسم من أسماء الجنة. {وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّآلِّينَ} قال إبراهيم هذا في حياة أبيه، وكان طمع أن يؤمن، فلما تبيّن له أنه من أهل النار لم يدع له. قوله: {وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ} ذكر الحسن قال: إن أبا إبراهيم يأخذ بحجزة إبراهيم يوم القيامة فيقول إبراهيم: يا رب، وعدتني ألا تخزني. فبينما هو كذلك أفلتت يده فلم يره إلا وهو يهوي في النار كأنه ضِبْعان أمدر، فأعرض بوجهه، وأمسك بأنفه فقال: ربّ، ليس بأبي. ذكروا عن قيس بن عبادة قال: بينما الناس على باب الجسر، يعني جسر جهنم، إذ جاء رجل، وهو أحد عباد الله الصالحين - وذكر الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هو أبو إبراهيم - قال قيس بن عباد: وهذا آخذ بيد أبيه فيقول: رب أبي، وقد وعدتني ألا تخزني. قال: فلا يزال كذلك حتى يحوّله في صورة ضِبعان أمدر، فيرسله فيقول: ربِّ، ليس بأبي.
اطفيش
تفسير : {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} هداية دنيوية وأخروية متصلة الى موتي بل إلى يوم الدين لا تنقطع أولها امتصاص دم الحيض إذ كنت جنبا ولا يخفى أنه يهديه لجواب يوم العرض وبوصله الى التلذذ في الجنة الدائمة والذي نعت لرب فالفاء استئنافية أو عاطفه، ولم يقل فهداني لتقدم الخلق واستمرار الهداية وكان العطف بالفاء لاتصال الهداية بنفخ الروح فيه ويجوز كون الذي مبتدأ وهو يهديني خبره وزيدت الفاء فيه كما زيدت في قولك زئد فقائم وإلا فهذا الموصول ليس للعموم.
اطفيش
تفسير : {الَّذى خَلَقنى} الخ نعت لرب، أى رب العالمين كلهم، المتصف بالخلق والهداية والاطعام والسقى، وشفاء المرضى، والأمانة والاحياء، وغفران الذنب للتائب، والأصنام لا تقدر على ذلك ولا أقل {فهُو يَهْدين} لمصالحى الدينية والدنيوية، وأول ذلك مص الجنين دم الحيض فى الأرحام على القول بالمص، وهو المشهور، وقيل ينموا به بلا مص ولا اختيار.
الالوسي
تفسير : {ٱلَّذِى خَلَقَنِى } صفة لرب العالمين. ووصفه تعالى بذلك وبما عطف عليه مع اندراج الكل تحت ربوبيته تعالى للعالمين زيادة في الإيضاح في مقام الإرشاد، وقيل: تصريحاً بالنعم الخاصة به عليه السلام وتفصيلاً لها لكونها أدخل في اقتضاء تخصيص العبادة به تعالى وقصر الالتجاء في جلب المنافع الدينية والدنيوية ودفع المضار العاجلة والآجلة عليه تعالى. {فَهُوَ يَهْدِينِ } عطف على الصلة أي فهو يهديني وحده جل شأنه إلى كل ما يهمني ويصلحني من أمور المعاش والمعاد هداية متصلة بحين الخلق ونفخ الروح متجددة على الاستمرار كما ينبـىء عنه الفاء وصيغة المضارع فإنه تعالى يهدي كل ما خلقه لما خلق له هداية متدرجة من مبتدأ إيجاده إلى منتهى أجله يتمكن بها من جلب منافعه ودفع مضاره إما طبعاً وإما اختياراً مبدؤها بالنسبة إلى الإنسان هداية الجنين لامتصاص دم الطمث في المشهور ومنتهاها الهداية إلى طريق الجنة والتنعم بنعيمها المقيم. وجوز الحوفي وغيره كون الموصول مبتدأ وجملة {هُوَ يَهْدِيَنِى } خبره ودخلت الفاء في خبره لتضمنه معنى الشرط نحو الذي يأتيني فله درهم. وتعقبه أبو حيان بأن الفاء إنما يؤتى بها في خبر الموصول لتضمنه معنى الشرط إذا كان عاماً وهنا لا يتخيل فيه العموم فليس ما نحن فيه نظير المثال وأيضاً الفعل الذي هو خلق مما لا يمكن فيه تجدد بالنسبة إلى إبراهيم عليه السلام فلعل ذلك على مذهب الأخفش من جواز زيادة الفاء في الخبر مطلقاً نحو زيد فاضربه، وأجيب بأن اشتراط / العموم غير مسلم كما فصله الرضي وإنما هو أغلبـي، وبأن مطلق الخلق مما يمكن فيه التجدد وهو ممكن الإرادة وإن ظهر في صورة المخصوص وتسبب الخلق للهداية بمقتضى الحكمة، وقيل: إنه سبب للإخبار بها لتحققها وليس بشيء ويلزم على الإعراب المذكور أن يكون الموصول في قوله سبحانه:
ابن عاشور
تفسير : الأظهر أن الموصول في موضع نعت لــــ{أية : ربّ العالمين}تفسير : [الشعراء: 77] وأنّ {فهو يهدين} عطف على الصلة مفرع عليه لأنه إذا كان هو الخالق فهو الأولى بتدبير مخلوقاته دون أن يتولاّها غيره. ويجوز أن يكون الموصول مبتدأ مستأنفاً به ويكون {فهو يهدين} خبراً عن {الذي}. وزيدت الفاء في الخبر لمشابهة الموصول للشرط. وعلى الاحتمالين ففي الموصولية إيماء إلى وجه بناء الخبر وهو الاستدراك بالاستثناء الذي في قوله: {أية : إلا رب العالمين}تفسير : [الشعراء: 77]، أي ذلك هو الذي أُخلصُ له لأنه خلقني كقوله في الآية الأخرى: {أية : إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض}تفسير : [الأنعام: 79]. وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله: {فهو يهدين} دون أن يقول: فيهدين، لتخصيصه بأنه متولي الهداية دون غيره لأن المقام لإبطال اعتقادهم تصرف أصنامهم بالقصر الإضافي، وهو قصر قلب. وليس الضمير ضمير فصل لأن ضمير الفصل لا يقع بعد العاطف. والتعبير بالمضارع في قوله: {يهدين} لأن الهداية متجددة له. وجعل فعل الهداية مفرّعاً بالفاء على فعل الخلق لأنه معاقب له لأن الهداية بهذا المعنى من مقتضى الخلق لأنها ناشئة عن خلق العقل كما قال تعالى: {أية : الذي أعطى كلَّ شيء خلقه ثم هدى}تفسير : [طه: 50]. والمراد بالهداية الدلالة على طرق العلم كما في قوله تعالى: {أية : وهديناه النجدين}تفسير : [البلد: 10] فيكون المعنى: الذي خلقني جسداً وعقلاً. ومن الهداية المذكورة دفع وساوس الباطل عن العقل حتى يكون إعمال النظر معصوماً من الخطأ. والقول في تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله: {والذي هو يطعمني ويسقين}، وقوله: {فهو يشفين} كالقول في سابقهما للرد على زعمهم أن الأصنام تقدر لهم تيسير ما يأكلون وما يشربون وبها برؤهم إذا مرضوا، وليسا بضميري فصل أيضاً. وعطف {إذا مَرضت} على {يطعمني ويسقينِ} لأنه لم يكن حين قال ذلك مريضاً فإن {إذا} تخلص الفعل بعدها للمستقبل، أي إذا طرأ عليّ مرض. وفي إسناده فعل المرض إلى نفسه تأدب مع الله راعى فيه الإسناد إلى الأسباب الظاهرة في مقام الأدب، فأسند إحداث المرض إلى ذاته ولأنه المتسبب فيه، فأما قوله: {والذي يميتني ثم يحيين} فلم يأت فيه بما يقتضي الحصر لأنهم لم يكونوا يزعمون أن الأصنام تميت بل عمل الأصنام قاصر على الإعانة أو الإعاقة في أعمال الناس في حياتهم. فأما الموت فهو من فعل الدهر والطبيعة إن كانوا دهريين وإن كانوا يعلمون أن الخلق والإحياء والإماتة ليست من شؤون الأصنام وأنها من فعل الله تعالى كما يعتقد المشركون من العرب فظاهر. وتكرير اسم المَوصول في المواضع الثلاثة مع أن مقتضى الظاهر أن تعطف الصلتان على الصلة الأولى للاهتمام بصاحب تلك الصلات الثلاث لأنها نعت عظيم لله تعالى فحقيق أن يجعل مستقلاً بدلالته. وأطلق على رجاء المغفرة لفظ الطمع تواضعاً لله تعالى ومباعدة لنفسه عن هاجس استحقاقه المغفرة وإنما طمع في ذلك لوعد الله بذلك. والخطيئة: الذنب. يقال: خَطِىء إذا أذنب. وتقدم في قوله تعالى: {أية : نغفر لكم خطاياكم} تفسير : في البقرة (58). والمقصود في لسان الشرائع: مخالفة ما أمر به الشرع. وإذ قد كان إبراهيم حينئذ نبيئاً والأنبياء معصومون من الذنوب كبيرها وصغيرها فالخطيئة منهم هي مخالفة مقتضى المقام النبوي. والمغفرة: العفو عن الخطايا، وإنما قيده {بيوم الدين} لأنه اليوم الذي يظهر فيه أثر العفو، فأما صدور العفو من الله لِمثل إبراهيم عليه السلام ففي الدنيا، وقد يغفر خطايا بعض الخاطئين يوم القيامة بعد الشفاعة. ويوم الدين: هو يوم الجزاء، وهذا الكلام خبر يتضمن تعريضاً بالدعاء. وقد أشار في هذه النعوت إلى ما هو من تصرفات الله في العالم الحِسي بحيث لا يخفى عن أحد قصداً لاقتصاص إيمان المشركين إن راموا الاهتداء. وفي تلك النعوت إشارة إلى أنها مهيئات للكمال النفساني فقد جمعت كلمات إبراهيم عليه السلام مع دلالتها على انفراد الله بالتصرف في تلك الأفعال التي هي أصل أطوار الخَلْق الجسماني دلالة أخرى على جميع أصول النعم من أول الخَلْق إلى الخَلْق الثاني وهو البعث، فذكر خَلق الجسد وخَلق العقل وإعطاءَ ما به بقاء المخلوق وهو الغذاء والماء، وما يعتري المرء من اختلال المزاج وشفائه، وذكر الموت الذي هو خاتمة الحياة الأولى، وأعقبه بذكر الحياة الثانية للإشارة إلى أن الموت حالة لا يظهر كونها نعمة إلا بغوص فكر ولكن وراءه حياة هي نعمة لا محالة لمن شاء أن تكون له نعمةً. وحذفت ياآت المتكلم من {يهدين، ويسقين، ويشفين، ويحيين} لأجل التخفيف ورعاية الفاصلة لأنها يوقف عليها، وفواصل هذه السورة أكثرها بالنون الساكنة، وقد تقدم ذلك في قوله: {أية : فأخاف أن يقتلون}تفسير : [الشعراء: 14] في قصة موسى المتقدمة.
د. أسعد حومد
تفسير : (78) - وهُوَ تَعَالَى الذيْ خَلَقَنِي، وخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ، وهُوَ الذِي هَدَى الخَلائِقَ إِلَيْهِ، فَكُلٌّ يجرِي عَلى ما قُدِّرَ لَهُ، وهُو الذيْ يَهْدِينِي إلى كلِّ ما يُوصلُني إِلى السَّعَادَةِ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كأن الحق - تبارك وتعالى - يقول لهم: يا أغبياء، اعلموا أن للعبادة أسباباً وحيثيات. ويوضح إبراهيم عليه السلام حيثيات عبادة ربه - عزَّ وجل - فيقول: {ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} [الشعراء: 78] أي: خلقني من عدم، وأمدَّني من عُدْم، وجعل لي قانون صيانة يحفظ حياتي، ويضمن سلامتي حين كلَّفني بشرعه: افعل كذا ولا تفعل كذا، وهو سبحانه لا ينتفع بشيء من هذا، بل النفع يعود علينا نحن، وهل فعلتْ الأصنام لكم شيئاً من هذا؟ إذن: فهو وحده المستحق للعبادة. وقوله سبحانه {فَهُوَ يَهْدِينِ} [الشعراء: 78] أي: بقانون الصيانة الذي يشبه (الكتالوج) الذي يجعله البشر لصناعتهم؛ ليضمنوا سلامتها وأدائها لمهمتها على أكمل وجه، ولا بُدَّ أن يحدِّد لها المهمة قبل أنْ يَشرَع في صناعتها، وهل رأينا آلةَ صنعها صاحبها، ثم قال لنا: انظروا في أيِّ شيء تستخدم هذه، (بوتاجاز) أو ثلاجة مثلاً؟ فإذا ما حدث خلل في هذه الآلة، فعليك بالنظر في هذا (الكتالوج) أو أن تذهب بها إلى المهندس المختص بها؛ لذلك إذا أردتَ أن تأخذ قانون صيانتك، فلا تأخذه إلا من صانعك وخالقك - عز وجل - ولا يجوز أن يخلق الله تعالى وتضع أنت لخِلْقة الله قانون صيانتها، فهذا مِثْل: أن تقول للجزار مثلاً: اعمل لي قانون صيانة (التلفزيون). ثم يذكر بعد ذلك مُقوِّمات استبقاء الحياة، فيقول: {وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 79-80]. ونقف هنا عند الضمير المنفصل (هو) الذي جاء للتوكيد، والتوكيد لا يأتي ابتداءً، إنما يكون على درجات الإنكار، وقد أكّد الحق - تبارك وتعالى - نسبة الهداية والإطعام والسُّقْيا والشفاء إليه تعالى؛ لأن هذه المسائل الأربع قد يدعيها غيره تعالى، وقد يظن البعض أن الطبيب هو الشافي أو أن الأب مثلاً هو الرازق؛ لأنه الجالب له والمناول. والهداية قد يدّعيها واضعوا القوانين من البشر، وقد رأينا الشيوعية والرأسمالية والوجودية والبعثية وغيرها، وكلها تدّعي أنها لصالح البشر، وأنها طريق هدايتهم؛ لذلك أكد الله تعالى لنفسه هذه المسألة {ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} [الشعراء: 78] فالهداية لا تكون إلا من الله، وفي شِرْعته تعالى. وقد تسأل في قوله تعالى: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80] ولماذا نذهب إلى الطبيب إذن؟ نقول: الطبيب يعالج، وهو سبب للشفاء، أمّا الشفاء فمن الله، بدليل أن الطبيب ربما يمرض، ويعجز هو عن شفاء نفسه، وقد يعطي المريض حقنة ويكون فيها حَتْفه. وحين نُعرب: {مَرِضْتُ ..} [الشعراء: 80] نقول: مرض فعل ماضٍ والتاء فاعل، فهل أنا الذي فعلتُ المرض؟ وهذا مِثْل أن نقول: مات فلان، ففلان فاعل مع أنه لم يحدث الموت؛ لذلك يجب أن نتنبه إلى أن الفاعل يعني مَنْ فعل الفعل، أو اتصف به، والفاعل هنا لم يفعل الفعل وإنما اتصف به. وقال {مَرِضْتُ ..} [الشعراء: 80] تأدباً مع الله تعالى، فلم يقل: أمرضني ونسب المرض الظاهر إلى نفسه. أما في المسائل التي لا يدَّعيها أحد، فتأتي بالفعل دون توكيد، كما في الآية بعدها: {وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):