Verse. 3015 (AR)

٢٦ - ٱلشُّعَرَاء

26 - Ash-Shu'ara (AR)

رَبِّ ہَبْ لِيْ حُكْمًا وَّاَلْـحِقْنِيْ بِالصّٰلِحِيْنَ۝۸۳ۙ
Rabbi hab lee hukman waalhiqnee bialssaliheena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«رب هب لي حكما» علما «وألحقني بالصالحين» النبيين.

83

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الله تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام ثناءه على الله تعالى ذكر بعد ذلك دعاءه ومسألته وذلك تنبيه على أن تقديم الثناء على الدعاء من المهمات وتحقيق الكلام فيه أن هذه الأرواح البشرية من جنس الملائكة فكلما كان اشتغالها بمعرفة الله تعالى ومحبته والانجذاب إلى عالم الروحانيات أشد كانت مشاكلتها للملائكة أتم، فكانت أقوى على التصرف في أجسام هذا العالم، وكلما كان اشتغالها بلذات هذا العالم واستغراقها في ظلمات هذه الجسمانيات أشد كانت مشاكلتها للبهائم أشد فكانت أكثر عجزاً وضعفاً وأقل تأثيراً في هذا العالم، فمن أراد أن يشتغل بالدعاء يجب أن يقدم عليه ثناء الله تعالى وذكر عظمته وكبريائه حتى أنه بسبب ذلك الذكر يصير مستغرقاً في معرفة الله ومحبته ويصير قريب المشاكلة من الملائكة فتحصل له بسبب تلك المشاكلة قوة إلهية سماوية فيصير مبدأ لحدوث ذلك الشيء الذي هو المطلوب بالدعاء فهذا هو الكشف عن ماهية الدعاء وظهر أن تقديم الثناء على الدعاء من الواجبات وطهر به تحقيق قوله عليه السلام حكاية عن الله تعالى: « حديث : من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين » تفسير : فإن قال قائل: لم لم يقتصر إبراهيم عليه السلام على الثناء، لا سيما ويروى عنه أيضاً أنه قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي؟ فالجواب: أنه عليه السلام إنما ذكر ذلك حين كان مشتغلاً بدعوة الخلق إلى الحق ألا ترى أنه قال: { أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الشعراء: 77] ثم ذكر الثناء، ثم ذكر الدعاء لأن الشارع لا بد له من تعليم الشرع، فأما حين ما خلا بنفسه، ولم يكن غرضه تعليم الشرع كان يقتصر على قوله: حسبي من سؤالي علمه بحالي. البحث الثاني: في الأمور التي طلبها في الدعاء وهي مطاليب: المطلوب الأول: قوله: {رَبّ هَبْ لِى حُكْماً وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ }، ولقد أجابه الله تعالى حيث قال: { أية : وَإِنَّهُ فِى ٱلأَخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [البقرة: 130] وفيه مطالب: أحدها: أنه لا يجوز تفسير الحكم بالنبوة لأن النبوة كانت حاصلة فلو طلب النبوة لكانت النبوة المطلوبة، أما عين النبوة الحاصلة أو غيرها، والأول محال لأن تحصيل الحاصل محال، والثاني محال لأنه يمتنع أن يكون الشخص الواحد نبياً مرتين، بل المراد من الحكم ما هو كمال القوة النظرية، وذلك بإدراك الحق ومن قوله {وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ } كمال القوة العملية، وذلك بأن يكون عاملاً بالخير فإن كمال الإنسان أن يعرف الحق لذاته، والخير لأجل العمل به، وإنما قدم قوله: {رَبّ هَبْ لِى حُكْماً } على قوله: {وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ } لما أن القوة النظرية مقدمة على القوة العملية بالشرف وبالذات، وأيضاً فإنه يمكنه أن يعلم الحق وإن لم يعلم بالخير وعكسه غير ممكن، ولأن العلم صفة الروح والعمل صفة البدن، ولما كان الروح أشرف من البدن كان العلم أفضل من العمل، وإنما فسرنا معرفة الأشياء بالحكم وذلك لأن الإنسان لا يعرف حقائق الأشياء إلا إذا استحضر في ذهنه صور الماهيات، ثم نسب بعضها إلى بعض بالنفي أو بالإثبات، وتلك النسبة وهي الحكم، ثم إن كانت النسب الذهنية مطابقة للنسب الخارجية كانت النسب الذهنية ممتنعة التغير فكانت مستحكمة قوية، فمثل هذا الإدراك يسمى حكمة حكماً، وهو المراد من قوله عليه السلام: « حديث : أرنا الأشياء كما هي » تفسير : وأما الصلاح فهو كون القوة العاقلة متوسطة بين رذيلتي الإفراط والتفريط، وذلك لأن الإفراط في أحد الجانبين تفريط في الجانب الآخر وبالعكس فالصلاح لا يحصل إلا بالاعتدال، ولما كان الاعتدال الحقيقي شيئاً واحداً لا يقبل القسمة ألبتة والأفكار البشرية في هذا العالم قاصرة على إدراك أمثال هذه الأشياء، لا جرم لا ينفك البشر عن الخروج عن ذلك الحد وإن قل، إلا أن خروج المقربين عنه يكون في القلة بحيث لا يحس به وخروج العصاة عنه يكون متفاحشاً جداً فقد ظهر من هذا تحقيق ما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين، وظهر احتياج إبراهيم عليه السلام إلى أن يقول: {وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ }. المطلب الثاني: لما ثبت أن المراد من الحكم العلم، ثبت أنه عليه السلام طلب من الله أن يعطيه العلم بالله تعالى وبصفاته، وهذا يدل على أن معرفة الله تعالى لا تحصل في قلب العبد إلا بخلق الله تعالى، وقوله: {وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ } يدل على أن كون العبد صالحاً ليس إلا بخلق الله تعالى وحمل هذه الأشياء على الألطاف بعيد، لأن عند الخصم كل ما في قدرة الله تعالى من الألطاف فقد فعله فلو صرفنا الدعاء إليه لكان ذلك طلباً لتحصيل الحاصل وهو فاسد. المطلب الثالث: أن الحكم المطلوب في الدعاء إما أن يكون هو العلم بالله أو بغيره والثاني باطل، لأن الإنسان حال كونه مستحضراً للعلم بشيء لا يمكنه أن يكون مستحضراً للعلم بشيء آخر فلو كان المطلوب بهذا الدعاء العلم بغير الله تعالى، والعلم بغير الله تعالى شاغل عن الاستغراق في العلم بالله كان هذا السؤال طلباً لما يشغله عن الاستغراق في العلم بالله تعالى، وذلك غير جائز لأنه لا كمال فوق ذلك الاستغراق فإذن المطلوب بهذا الدعاء هو العلم بالله، ثم إن ذلك العلم إما أن يكون هو العلم بالله تعالى الذي هو شرط صحة الإيمان أو غيره، والأول باطل لأنه لما وجب أن يكون حاصلاً لكل المؤمنين فكيف لا يكون حاصلاً عند إبراهيم عليه السلام، وإذا كان حاصلاً عنده امتنع طلب تحصيله، فثبت أن المطلوب بهذا الدعاء درجات في معرفة الله تعالى أزيد من العلم بوجوده وبأنه ليس بمتحيز ولا حال في المتحيز وبأنه عالم قادر حي، وما ذاك إلا الوقوف على صفات الجلال أو الوقوف على حقيقة الذات أو ظهور نور تلك المعرفة في القلب. ثم هناك أحوال لا يعبر عنها المقال ولا يشرحها الخيال، ومن أراد أن يصل إليها فليكن من الواصلين إلى العين، دون السامعين للأثر. المطلوب الثاني: قوله: {وَٱجْعَل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى ٱلأَخِرِينَ } وفيه ثلاث تأويلات: التأويل الأول: أنه عليه السلام ابتدأ بطلب ما هو الكمال الذاتي للإنسان في الدنيا والآخرة وهو طلب الحكم الذي هو العلم، ثم طلب بعده كمالات الدنيا وبعد ذلك طلب كمالات الآخرة، فأما كمالات الدنيا فبعضها داخلية وبعضها خارجية، أما الداخلية فهي الخلق الظاهر والخلق الباطن والخلق الظاهر أشد جسمانية والخلق الباطن أشد روحانية، فترك إبراهيم عليه السلام الأمر الجسماني وهو الخلق الظاهر وطلب الأمر الروحاني وهو الخلق الباطن، وهو المراد بقوله: {وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ } وأما الخارجية فهي المال والجاه، والمال أشد جسمانية والجاه أشد روحانية فترك إبراهيم عليه السلام الأمر الجسماني وهو المال وطلب الأمر الروحاني وهو الجاه والذكر الجميل الباقي على وجه الدهر، وهو المراد بقوله: {وَٱجْعَل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى ٱلأَخِرِينَ } قال ابن عباس رضي الله عنهما وقد أعطاه ذلك بقوله: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلأَخِرِينَ } فإن قيل وأي غرض له في أن يثني عليه ويمدح؟ جوابه من وجهين: الأول: وهو على لسان الحكمة أن الأرواح البشرية قد بينا أنها مؤثرة في الجملة إلا أن بعضها قد يكون ضعيفاً فيعجز عن التأثير فإذا اجتمعت طائفة منها فربما قوي مجموعها على ما عجزت الآحاد عنه، وهذا المعنى مشاهد في المؤثرات الجسمانية، إذا ثبت هذا فالإنسان الواحد إذا كان بحيث يثني عليه الجمع العظيم ويمدحونه ويعظمونه، فربما صار انصراف هممهم عند الاجتماع إليه سبباً لحصول زيادة كمال له الثاني: وهو على لسان الكمال أن من صار ممدوحاً فيما بين الناس بسبب ما عنده من الفضائل، فإنه يصير ذلك المدح وتلك الشهرة داعياً لغيره إلى اكتساب مثل تلك الفضائل. التأويل الثاني: أنه سأل ربه أن يجعل من ذريته في آخر الزمان من يكون داعياً إلى الله تعالى، وذلك هو محمد صلى الله عليه وسلم فالمراد من قوله: {وَٱجْعَل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى ٱلأَخِرِينَ } بعثة محمد صلى الله عليه وسلم. التأويل الثالث: قال بعضهم المراد اتفاق أهل الأديان على حبه، ثم إن الله تعالى أعطاه ذلك لأنك لا ترى أهل دين إلا ويتوالون إبراهيم عليه السلام، وقدح بعضهم فيه بأنه لا تقوى الرغبة في مدح الكافر وجوابه: أنه ليس المقصود مدح الكافر من حيث هو كافر، بل المقصود أن يكون ممدوح كل إنسان ومحبوب كل قلب. المطلوب الثالث: قوله: {وَٱجْعَلْنِى مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ } اعلم أنه لما طلب سعادة الدنيا طلب بعدها سعادة الآخرة وهي جنة النعيم، وشبهها بما يورث لأنه الذي يغتنم في الدنيا، فشبه غنيمة الآخرة بغنيمة الدنيا. المطلوب الرابع: قوله: {وَٱغْفِرْ لأَبِى إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّالّينَ } واعلم أنه لما فرغ من طلب السعادات الدنيوية والأخروية لنفسه طلبها لأشد الناس التصاقاً به وهو أبوه فقال: {وَٱغْفِرْ لأَبِى } ثم فيه وجوه: الأول: أن المغفرة مشروطة بالإسلام وطلب المشروط متضمن لطلب الشرط فقوله: {وَٱغْفِرْ لأَبِى } يرجع حاصله إلى أنه دعاء لأبيه بالإسلام الثاني: أن أباه وعده الإسلام كما قال تعالى: { أية : وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرٰهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ } تفسير : [التوبة: 114] فدعا له لهذا الشرط ولا يمتنع الدعاء للكافر على هذا الشرط { أية : فَلَمَّا تَبَيَّنَ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ } تفسير : [التوبة: 114] وهذا ضعيف لأن الدعاء بهذا الشرط جائز للكافر فلو كان دعاؤه مشروطاً لما منعه الله عنه الثالث: أن أباه قال له إنه على دينه باطناً وعلى دين نمروذ ظاهراً تقية وخوفاً، فدعا له لاعتقاده أن الأمر كذلك فلما تبين له خلاف ذلك تبرأ منه، لذلك قال في دعائه: {إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّالّينَ } فلولا اعتقاده فيه أنه في الحال ليس بضال لما قال ذلك. المطلوب الخامس: قوله: {وَلاَ تُخْزِنِى يَوْمَ يُبْعَثُونَ } قال صاحب «الكشاف»: الإخزاء من الخزي وهو الهوان، أو من الخزاية وهي الحياء وههنا أبحاث: أحدها: أن قوله: {وَلاَ تُخْزِنِى } يدل على أنه لا يجب على الله تعالى شيء على ما بيناه في قوله: { أية : وَٱلَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ ٱلدِينِ } تفسير : [الشعراء: 82]. وثانيها: أن لقائل أن يقول لما قال أولاً: {وَٱجْعَلْنِى مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ } ومتى حصلت الجنة، امتنع حصول الخزي، فكيف قال بعده: {وَلاَ تُخْزِنِى يَوْمَ يُبْعَثُونَ } وأيضاً فقد قال تعالى: { أية : إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوء عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [النحل: 27] فما كان نصيب الكفار فقط فكيف يخافه المعصوم؟ جوابه: كما أن حسنات الأبرار سيئات المقربين فكذا درجات الأبرار دركات المقربين وخزي كل واحد بما يليق به. وثالثها: قال صاحب «الكشاف»: في (يبعثون) ضمير العباد لأنه معلوم أو ضمير الضالين. أما قوله: {إِلاَّ مَنْ أَتى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } فاعلم أنه تعالى أكرمه بهذا الوصف حيث قال: { أية : وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرٰهِيمَ * إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } تفسير : [الصافات: 83، 84]. ثم في هذا الاستثناء وجوه: أحدها: أنه إذا قيل لك: هل لزيد مال وبنون؟ فتقول ماله وبنوه سلامة قلبه، تريد نفي المال والبنين عنه وإثبات سلامة القلب له بدلاً عن ذلك، فكذا في هذه الآية وثانيها: أن نحمل الكلام على المعنى ونجعل المال والبنين في معنى الغنى كأنه قيل يوم لا ينفع غنى إلا غنى من أتى الله بقلب سليم لأن غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه كما أن غناه في دنياه بماله وبنيه وثالثها: أن نجعل (من) مفعولاً لينفع أي لا ينفع مال ولا بنون إلا رجلاً سلم قلبه مع ماله حيث أنفقه في طاعة الله تعالى، ومع بنيه حيث أرشدهم إلى الدين، ويجوز على هذا {إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } من فتنة المال والبنين، أما السليم ففي ثلاثة أوجه: الأول: وهو الأصح أن المراد منه سلامة القلب عن الجهل والأخلاق الرذيلة، وذلك لأنه كما أن صحة البدن وسلامته عبارة عن حصول ما ينبغي من المزاج والتركيب والاتصال ومرضه عبارة عن زوال أحد تلك الأمور فكذلك سلامة القلب عبارة عن حصول ما ينبغي له وهو العلم والخلق الفاضل ومرضه عبارة عن زوال أحدهما فقوله: {إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } أن يكون خالياً عن العقائد الفاسدة والميل إلى شهوات الدنيا ولذاتها فإن قيل فظاهر هذه الآية يقتضي أن من سلم قلبه كان ناجياً وأنه لا حاجة فيه إلى سلامة اللسان واليد جوابه: أن القلب مؤثر واللسان والجوارح تبع فلو كان القلب سليماً لكانا سليمين لا محالة، وحيث لم يسلما ثبت عدم سلامة القلب التأويل الثاني: أن السليم هو اللديغ من خشية الله تعالى التأويل الثالث: أن السليم هو الذي سلم وأسلم وسالم واستسلم، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ } {حُكْماً} معرفة بك وبحدودك وأحكامك؛ قاله ابن عباس. وقال مقاتل: فهماً وعلماً؛ وهو راجع إلى الأوّل. وقال الكلبي: نبوّة ورسالة إلى الخلق. {وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} أي بالنبيين من قبلي في الدرجة. وقال ابن عباس: بأهل الجنة؛ وهو تأكيد قوله: {هَبْ لِي حكماً}. قوله تعالى: {وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ } قال ابن عباس: هو اجتماع الأمم عليه. وقال مجاهد: هو الثناء الحسن. قال ابن عطية: هو الثناء وخلد المكانة بإجماع المفسرين؛ وكذلك أجاب الله دعوته، وكل أمة تتمسك به وتعظمه، وهو على الحنيفية التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم. وقال مكي: وقيل معناه سؤاله أن يكون من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق؛ فأجيبت الدعوة في محمد صلى الله عليه وسلم، قال ابن عطية: وهذا معنى حسن إلا أن لفظ الآية لا يعطيه إلا بتحكم على اللفظ. وقال القشيري: أراد الدعاء الحسن إلى قيام الساعة؛ فإن زيادة الثواب مطلوبة في حق كل أحد. قلت: وقد فعل الله ذلك إذ ليس أحد يصلي على النبيّ صلى الله عليه وسلم إلا وهو يصلي على إبراهيم وخاصة في الصلوات، وعلى المنابر التي هي أفضل الحالات وأفضل الدرجات. والصلاة دعاء بالرحمة: والمراد باللسان القول، وأصله جارحة الكلام. قال القتبي: وموضع اللسان موضع القول على الاستعارة، وقد تكني العرب بها عن الكلمة. قال الأعشى:شعر : إِنِّي أتَتْنِي لسانٌ لا أُسَرُّ بِها مِن عَلْوُ لا عجَبٌ منها ولا سَخَرُ تفسير : قال الجوهري: يروى مِن عَلو بضم الواو وفتحها وكسرها. أي أتاني خبر من أعلى، والتأنيث للكلمة. وكان قد أتاه خبر مقتل أخيه المنتشر. روى أشهب عن مالك قال قال الله عز وجل: {وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ } لا بأس أن يحب الرجل أن يثنى عليه صالحاً ويرى في عمل الصالحين، إذا قصد به وجه الله تعالى؛ وقد قال الله تعالى: {أية : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي}تفسير : [طه: 39] وقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً} تفسير : [مريم: 96] أي حبا في قلوب عباده وثناء حسنا، فنبّه تعالى بقوله: {وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ } على استحباب اكتساب ما يورث الذكر الجميل. الليث بن سليمان: إذ هي الحياة الثانية. قيل:شعر : قد مات قومٌ وهُمْ في النّاس أحْيَاءُ تفسير : قال ابن العربي: قال المحققون من شيوخ الزهد في هذا دليل على الترغيب في العمل الصالح الذي يكسب الثناء الحسن، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث»تفسير : (الحديث) وفي رواية إنه كذلك في الغرس والزرع وكذلك فيمن مات مرابطاً يكتب له عمله إلى يوم القيامة. وقد بيناه في آخر «آل عمران» والحمد لله. قوله تعالى: {وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ } دعاء بالجنة وبمن يرثها، وهو يرد قول بعضهم: لا أسأل جنة ولا ناراً. قوله تعالى: {وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ } كان أبوه وعده في الظاهر أن يؤمن به فاستغفر له لهذا، فلما بان أنه لا يفي بما قال تبرأ منه. وقد تقدّم هذا المعنى. {إِنَّه كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ} أي المشركين. {وكان} زائدة. {وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ} أي لا تفضحني على رؤوس الأشهاد، أو لا تعذبني يوم القيامة. وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن إبراهيم يرى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة» تفسير : والغبرة هي القترة. وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يلقى إبراهيم أباه فيقول يا رب إنك وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون فيقول الله تعالى إني حرمت الجنة على الكافرين»تفسير : انفرد بهما البخاري رحمه الله. قوله تعالى: {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ } {يَوْمَ} بدل من {يوم} الأوّل. أي يوم لا ينفع مال ولا بنون أحداً. والمراد بقوله: {وَلاَ بَنُونَ} الأعوان؛ لأن الابن إذا لم ينفع فغيره متى ينفع؟ وقيل: ذكر البنين لأنه جرى ذكر والد إبراهيم، أي لم ينفعه إبراهيم. {إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } هو استثناء من الكافرين؛ أي لا ينفعه ماله ولا بنوه. وقيل: هو استثناء من غير الجنس، أي لكن {مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} ينفعه لسلامة قلبه. وخص القلب بالذكر؛ لأنه الذي إذا سلم سلمت الجوارح، وإذا فسد فسدت سائر الجوارح. وقد تقدّم في أوّل «البقرة». واختلف في القلب السليم فقيل: من الشك والشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد؛ قاله قتادة وابن زيد وأكثر المفسرين. وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم الصحيح هو قلب المؤمن؛ لأن قلب الكافر والمنافق مريض؛ قال الله تعالى: {أية : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} تفسير : [البقرة: 10] وقال أبو عثمان السيَّاري: هو القلب الخالي عن البدعة المطمئن إلى السنة. وقال الحسن: سليم من آفة المال والبنين. وقال الجنيد: السليم في اللغة اللديغ؛ فمعناه أنه قلب كاللديغ من خوف الله. وقال الضحاك: السليم الخالص. قلت: وهذا القول يجمع شتات الأقوال بعمومه وهو حسن، أي الخالص من الأوصاف الذميمة، والمتصف بالأوصاف الجميلة؛ والله أعلم. وقد روي عن عروة أنه قال: يا بنيّ لا تكونوا لعّانين فإن إبراهيم لم يلعن شيئاً قط، قال الله تعالى: {إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} وقال محمد بن سيرين: القلب السليم أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة قائمة، وأن الله يبعث من في القبور. وفي «صحيح مسلم» من حديث أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يدخل الجنَة أقوامٌ أفئدتهم مثل أفئدة الطير» تفسير : يريد ـ والله أعلم ـ أنها مثلها في أنها خالية من كل ذنب، سليمة من كل عيب، لا خبرة لهم بأمور الدنيا؛ كما روى أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أكثر أهل الجنة البُلْهُ»تفسير : وهو حديث صحيح. أي البُلْه عن معاصي الله. قال الأزهري: الأبله هنا هو الذي طبع على الخير وهو غافل عن الشر لا يعرفه. وقال القتبي: البله هم الذين غلبت عليهم سلامة الصدور وحسن الظن بالناس.

ابن كثير

تفسير : وهذا سؤال من إبراهيم عليه السلام أن يؤتيه ربه حكماً. قال ابن عباس: وهو العلم. وقال عكرمة: هو اللب، وقال مجاهد: هو القرآن. وقال السدي: هو النبوة. وقوله: {وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ} أي: اجعلني مع الصالحين في الدنيا والآخرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عند الاحتضار: «حديث : اللهم في الرفيق الأعلى» تفسير : قالها ثلاثاً. وفي الحديث في الدعاء: «حديث : اللهم أحينا مسلمين، وأمتنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مبدلين» تفسير : وقوله: {وَٱجْعَل لِّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى ٱلأَخِرِينَ} أي: واجعل لي ذكراً جميلاً بعدي أذكر به ويقتدى بي في الخير، كما قال تعالى: {أية : وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلأَخِرِينَ سَلَـٰمٌ عَلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ } تفسير : [الصافات: 108 ــــ 110]. قال مجاهد وقتادة: {وَٱجْعَل لِّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى ٱلأَخِرِينَ} يعني: الثناء الحسن. قال مجاهد: وهو كقوله تعالى: {أية : وَءاتَيْنَـٰهُ فِى ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً} تفسير : [النحل: 122] الآية، وكقوله: {أية : 1649وَءَاتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِى ٱلْدُّنْيَا} تفسير : [العنكبوت: 27] الآية، قال ليث بن أبي سليم: كل ملة تحبه وتتولاه، وكذا قال عكرمة. وقوله تعالى: {وَٱجْعَلْنِى مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ} أي: أنعم عليّ في الدنيا ببقاء الذكر الجميل بعدي، وفي الآخرة بأن تجعلني من ورثة جنة النعيم. وقوله: {وَٱغْفِرْ لأَِبِىۤ} الآية، كقوله: {أية : رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِى وَلِوَالِدَىَّ} تفسير : [إبراهيم: 41] وهذا مما رجع عنه إبراهيم عليه السلام، كما قال تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَٰهِيمَ لأَِبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ} تفسير : ــــ إلى قوله ــــ {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} تفسير : [التوبة: 114] وقد قطع الله تعالى الإلحاق في استغفاره لأبيه فقال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ} ــــ إلى قوله ــــ {وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ}. وقوله: {وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ} أي: أجرني من الخزي يوم القيامة يوم يبعث الخلائق أولهم وآخرهم. وقال البخاري عند هذه الآية: قال إبراهيم بن طهمان عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يلقى إبراهيم يوم القيامة أباه عليه الغبرة والقترة»تفسير : . وفي رواية أخرى: حدثنا إسماعيل، حدثنا أخي عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب إنك وعدتني أنك لا تخزني يوم يبعثون، فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين» تفسير : هكذا رواه عند هذه الآية. وفي أحاديث الأنبياء بهذا الإسناد بعينه منفرداً به، ولفظه: «حديث : يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصيني، فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد، فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: يا إبراهيم انظر تحت رجلك، فينظر، فإذا هو بذيخ متلطخ، فيؤخذ بقوائمه، فيلقى في النار» تفسير : ورواه أبو عبد الرحمن النسائي في التفسير من "سننه الكبير". وقوله: {وَلاَ تُخْزِنِى يَوْمَ يُبْعَثُونَ} أخبرنا أحمد بن حفص بن عبد الله، حدثني أبي، حدثني إبراهيم بن طهمان عن محمد بن عبد الرحمن، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة، وقال له: قد نهيتك عن هذا فعصيتني، قال: لكني اليوم لا أعصيك واحدة، قال: يا رب وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، فإن أخزيت أباه، فقد أخزيت الأبعد. قال: يا إبراهيم إني حرمتها على الكافرين، فأخذ منه. قال: يا إبراهيم أين أبوك؟ قال: أنت أخذته مني، قال: انظر أسفل منك، فنظر، فإذا ذيخ يتمرغ في نتنه، فأخذ بقوائمه فألقي في النار»تفسير : وهذا إسناد غريب، وفيه نكارة، والذيخ هو الذكر من الضباع، كأنه حول آزر إلى صورة ذيخ متلطخ بعذرته، فيلقى في النار كذلك، وقد رواه البزار بإسناده من حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه غرابة، ورواه أيضاً من حديث قتادة عن جعفر بن عبد الغافر عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. وقوله: {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ} أي: لا يقي المرء من عذاب الله ماله، ولو افتدى بملء الأرض ذهباً {وَلاَ بَنُونَ} أي: ولو افتدى بمن على الأرض جميعاً، ولا ينفع يومئذ إلا الإيمان بالله وإخلاص الدين له، والتبري من الشرك وأهله، ولهذا قال: {إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} أي: سالم من الدنس والشرك. قال ابن سيرين: القلب السليم أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وقال ابن عباس: {إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} القلب السليم: أن يشهد أن لا إله إلا الله. وقال مجاهد والحسن وغيرهما: {بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} يعني: من الشرك. وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم هو القلب الصحيح، وهو قلب المؤمن، لأن قلب المنافق مريض، قال الله تعالى: {أية : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} تفسير : [البقرة: 10]. قال أبو عثمان النيسابوري: هو القلب السالم من البدعة، المطمئن إلى السنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {رَبّ هَبْ لِى حُكْماً } علما {وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّٰلِحِينَ } النبيين.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنه اللب، قاله عكرمة. الثاني: العلم، قاله ابن عباس. الثالث: القرآن، قاله مجاهد. الرابع: النبوة، قاله السدي. ويحتمل خامساً: أنه إصابة الحق في الحكم. {وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} قال عبد الرحمن بن زيد: مع الأنبياء والمؤمنين. ويحتمل وجهين: أحدهما: بالصالحين من أصفيائك في الدنيا. الثاني: بجزاء الصالحين في الآخرة ومجاورتهم في الجنة. قوله تعالى: {وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ثناء حسناً في الأمم كلها، قاله مجاهد، وقتادة، وجعله لساناً لأنه يكون باللسان. الثاني: أن يؤمن به أهل كل ملة، قاله ليث بن أبي سليم. الثالث: أن يجعل من ولده من يقول بالحق بعده، قاله علي بن عيسى. ويحتمل رابعاً: أن يكون مصدقاً في جمع الملل وقد أجيب إليه. قوله تعالى: {وَاغْفِرْ لأَبِي} الآية. في أبيه قولان: أحدهما: أنه كان يسر الإيمان ويظهر الكفر فعلى هذا يصح الاستغفار له. الثاني: وهو الأظهر أنه كان كافراً في الظاهر والباطن. فعلى هذا في استغفاره له قولان: أحدهما: أنه سأل أن يغفر له في الدنيا ولا يعاقبه فيها. والثاني: أنه سأل أن يغفر له سيئاته التي عليه والتي تسقط بعفوه. قوله تعالى: {بِقَلْبٍ} فيه خمسة أوجه: أحدها: سليم من الشك، قاله مجاهد. الثاني: سليم من الشرك، قاله الحسن، وابن زيد. الثالث: من المعاصي، لأنه إذا سلم القلب سلمت الجوارح. الرابع: أنه الخالص، قاله الضحاك. الخامس: أنه الناصح في خلقه، قاله عبد الرحمن بن أبي حاتم. ويحتمل سادساً: سليم القلب من الخوف في القيامة لما تقدم من البشرى عند المعاينة.

ابن عبد السلام

تفسير : {حُكْماً} لُبّاً، أو علماً، أو نبوة، أو القرآن {بِالصَّالِحِينَ} الأنبياء والمؤمنين.

النسفي

تفسير : {رَبّ هَبْ لِى حُكْماً } حكمة أو حكماً بين الناس بالحق أو نبوة لأن النبي عليه السلام ذو حكمة وذو حكم بين عباد الله {وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ } أي الأنبياء ولقد أجابه حيث قال {أية : وَإِنَّهُ فِى ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [البقرة:30] {وَٱجْعَل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى ٱلآخِرِينَ } أي ثناء حسناً وذكراً جميلاً في الأمم التي تجيء بعدي فأعطي ذلك فكل أهل دين يتولونه ويثنون عليه، ووضع اللسان موضع القول لأن القول يكون به. {وَٱجْعَلْنِى مِن } يتعلق بمحذوف أي وارثاً من {وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ } أي من الباقين فيها {وَٱغْفِرْ لأبِى } اجعله أهل المغفرة بإعطاء الإسلام وكان وعده الإسلام يوم فارقه {إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّالّينَ } الكافرين {وَلاَ تُخْزِنِى } الإخزاء من الخزي وهو الهوان أو من الخزاية وهو الحياء وهذا نحو الاستغفار كما بينا {يَوْمِ يُبْعَثُونَ } الضمير فيه للعباد لأنه معلوم، أو للضالين وأن يجعل من جملة الاستغفار لأبيه أي ولا تخزني في يوم يبعث الضالون وأبي فيهم {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ } هو بدل من يوم الأول {وَلاَ بَنُونَ } أحداً {إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } عن الكفر والنفاق وقلب الكافر والمنافق مريض لقوله تعالى: {أية : فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ }تفسير : [البقرة: 10] أي إن المال إذا صرف في وجوه البر وبنوه صالحون فإنه ينتفع به وبهم سليم القلب، أو جعل المال والبنون في معنى الغني كأنه قيل: يوم لا ينفع غنى إلا غنى من أتى الله بقلب سليم لأن غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه كما أن غناه في دنياه بماله وبنيه. وقد جعل {من} مفعولاً لـــــ {ينفع} أي لا ينفع مال ولا بنون إلا رجلاً سلم قلبه مع ماله حيث أنفقه في طاعة الله، ومع بنيه حيث أرشدهم إلى الدين وعلمهم الشرائع. ويجوز على هذا إلا من أتى الله بقلب سليم من فتنة المال والبنين. وقد صوب الجليل استثاء الخليل إكراماً له ثم جعله صفة له في قوله: {أية : وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرٰهِيمَ إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ }تفسير : [الصافات:84] وما أحسن ما رتب عليه السلام كلامه مع المشركين حيث سألهم أولاً عما يعبدون سؤال مقرر لا مستفهم، ثم أقبل على آلهتهم فأبطل أمرها بأنها لا تضر ولا تنفع ولا تسمع وعلى تقليدهم آباءهم الأقدمين فأخرجه من أن يكون شبهة فضلاً عن أن يكون حجة، ثم صور المسألة في نفسه دونهم حتى تخلّص منها إلى ذكر الله تعالى فعظم شأنه وعدد نعمته من حين إنشائه إلى وقت وفاته مع ما يرجّي في الآخرة من رحمته، ثم أتبع ذلك أن دعا بدعوات المخلصين وابتهل إليه ابتهال الأوابين، ثم وصله بذكر يوم القيامة وثواب الله وعقابه وما يدفع إليه المشركون يومئذ من الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال وتمني الكرة إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا.

الثعالبي

تفسير : وقوله: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً}: أي حكمةً ونبوَّةً، ودعاؤه في مثل هذا هو في معنى التثبيت والدوام، ولسان الصِّدْق: هو الثَّنَاءُ الحَسَنُ، واستغفاره لأبيه في هذه الآية هو قبل أنْ يَتَبَيَّنَ له أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ. وقوله: {بِقَلْبٍ سَلِيم} معناه: خالص من الشرك والمعاصي وعلق الدنيا المتروكة، وإنْ كانت مباحة؛ كالمال والبنين؛ قال سفيان هو الذي يَلْقَى رَبَّهُ وليس في قلبه شيء غيره. قال * ع *: وهذا يقتضي عموم اللفظة، ولكنَّ السليم من الشرك هو الأَهَمُّ، وقال الجُنَيْدُ: بقلب لدِيغٍ من خشية اللّه، والسُّلِيمُ: اللديغ. * ص *: {إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ} الظاهر أَنَّهُ استثناءٌ منقطع، أي: لكن مَنْ أتَى اللّه بقلب سليم، نفعته سلامةُ قلبه، انتهى. {وَأُزْلِفَتِ} معناه: قَرُبَتْ، والغاوون الذين بُرِّزَتْ لهم الجحيم هم: المشركون، ثم أخبر سبحانه عن حال يوم القيامة من أَنَّ الأصنامُ تُكَبْكَبُ في النار، أي: تُلْقَى كَبَّةً واحدة. وقال * ص *: {فَكُبْكِبُواْ}، أي: قُلبَ بَعْضُهُم على بعض، وحروفه كلها أصول عند جمهور البصريين، وذهب الزَّجَّاج وابن عطية وغيرهما إلى أَنَّه مضاعف الباء من «كَبَّ». وقال غيرهما: وجعل التَكْرِيرَ من اللفظ دليلاً على التكرير في المعنى، وذهب الكوفيون إلى: أَنَّ أصلَه «كَبَبَ» والكاف بدلٌ من الباء الثانية، انتهى. والغاوون: الكفرة الذين شملتهم الغواية وجنود إبليس: نَسْلُهُ وكل مَنْ يتبعه؛ لأَنَّهم جند له وأعوان، ثم وصف تعالى أَنَّ أهل النار يختصمون فيها ويتلاومون قائلين لأَصنامهم: {تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}: في أنْ نعبدكم ونجعلكم سواءً مع اللّه الذي هو رب العالمين، ثم عطفوا يَرُدُّون الملامة على غيرهم، أي: ما أضلَّنا إلاَّ كُبَراؤُنا وأهلُ الجرم والجراءة، ثم قالوا على جِهةِ التلهف والتأسف حين رأوا شفاعة الملائكة والأنبياء والعلماء نافعةً في أهل الإيمان عموماً، وشفاعةَ الصَّدِيقِ في صديقه خصوصا {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ}, والحميم: الولي والقريب الذي يَخُصُّكَ أمرَه وتخصه أمرك، وحامَّة الرجل خاصَّتُه، وباقي الآية بَيِّنٌ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ}. لما حكى عن إبراهيم عليه السلام - ثناءه على الله - ذكر بعد ذلك دعاءه ومسألته، وذلك تنبيه على أن تقديم الثناء على الدعاء من المهمات. فإن قيل: لِمَ لَمْ يقتصر إبراهيم على الثناء ولا سيما يروى عنه أنه قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي؟ فالجواب: أنه عليه السلام إنما ذكر ذلك حين اشتغاله بدعوة الخلق إلى الحق لأنه قال: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء: 77] ثم ذكر الثناء، ثم ذكر الدعاء لأن الشارع لا بد له من تعليم الشرع، فأما حين (ما) خلا بنفسه ولم يكن غرضه تعلم الشرع اقتصر على قوله: "حسبي من سؤالي علمه بحالي" واعلم أن قوله: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ} أجابه الله تعالى بقوله {أية : وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ}تفسير : [البقرة: 130]. والمراد بـ"الحكم": إدراك الحق والعلم، لأن النبوة كانت حاصلة له، وتحصيل الحاصل محال، وهذا قول مقاتل. وقال ابن عباس: معرفة حدود الله وأحكامه. وقال الكلبي: النبوّة "وَأَلْحِقْنِي بالصَّالِحِينَ" من قبلي من النبيين في المنزلة والدرجة. قوله: {وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ}. أي: ثناء حسناً، وذكراً جميلاً، وقبولاً عاماً في الأمم التي تجيء بعدي. قال ابن عباس: أعطاه الله بقوله: {أية : وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ}تفسير : [الصافات: 108] فأهل الأديان يتولونه ويثنون عليه. قال القتيبي: وضع اللسان موضع القول على الاستعارة، لأن القول يكون به. وقيل: المراد منه: أن يجعل في ذريته في آخر الزمان من يكون داعياً إلى الله تعالى وذلك هو محمد - عليه السلام - فالمراد من قوله: {وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ} بعثه محمد - صلى الله عليه وسلم -. قوله: {وَٱجْعَلْنِي (مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ}) "مِنْ وَرَثَةِ" إما أن يكون مفعولاً ثانياً، أي: مستقراً أو كائناً من ورثة. وإما أن يكون صفة لمحذوف هو المفعول الثاني، أي: وارثاً من ورثة. واعلم أنه لما طلب سعادة الدنيا طلب بعدها سعادة الآخرة، وهي جنة النعيم، وشبهها بما يورث لأنه الذي يغتنم في الدنيا، فشبه غنيمة الآخرة بغنيمة الدنيا. قوله: {وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ}. لما فرغ من طلب السعادت الدنيوية والأخروية لنفسه طلبها لأشد الناس التصاقاً به، وهو أبوه، وفيه وجهان: الأول: أن المغفرة مشروط بالإسلام، وطلب المشروط متضمن لطلب الشرط، فقوله "واغْفِر لأَبِي" كأنه دعاء له بالإسلام. الثاني: أن أباه وعده بالإسلام لقوله: {أية : وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ}تفسير : [التوبة: 114] فدعا له قبل أن يتبين له (أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّه)، كما سبق في سورة التوبة. وقيل: إن أباه قال له: إنه على دينه باطناً وعلى دين نمروذ ظاهراً تقيَّة وخوفاً، فدعا له لاعتقاده أن الأمر كذلك، فلما تبين له خلاف ذلك تبرأ منه ولذلك قال في دعائه: {إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ} فلولا اعتقاده فيه أنه في الحال ليس بضال لما قال ذلك. قوله: {وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ}. (قال الزمخشري): الإخزاء من الخزي، وهو الهوان، ومن الخزاية، وهي الحياء. وهذه الآية تدل على أنه لا يجب على الله شيء كما تقدم في قوله: {وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ}. فإن قيل: لما قال أولاً: {وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ} كان كافياً عن قوله: {وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ}. وأيضاً فقد قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوۤءَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [النحل: 27] فما كان نصيب الكفار فقط كيف يخافه المعصوم؟ فالجواب: أن حسنات الأبرار سيئات المقربين، فكذا درجات الأبرار خزي المقربين، وخزي كل واحد بما يليق به. قال الزمخشري: في (يبعثون) ضمير العباد لأنه معلوم، أو ضمير الضالين. قوله: {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ...} الآية. {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ} بدل من "يوم" قبله وجعل ابن عطية هذا من كلام الله تعالى إلى آخر الآيات مع إعرابه {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ} بدلا من {يَوْمَ يُبَعَثُون}. وردّه أبو حيان بأن العامل في البدل هو العامل في المبدل منه آو آخر مثله مقدر. وعلى كلا هذين القولين لا يصح لاختلاف المتكلمين. واعلم أن الله تعالى قد أكرمه بهذا الوصف حيث قال: {أية : وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}تفسير : [الصافات: 83-84]. قوله: {إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ} فيه أوجه: أحدها: أنه منقطع، أي {مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} فإنه ينفعه ذلك. وقال الزمخشري: ولا بد مع ذلك من تقدير المضاف، وهو الحال المراد بها سلامة القلب، وليست من جنس المال والبنين حتى يؤول المعنى إلى أن البنين والمال لا ينفعان، وإنما ينفع سلامة القلب، ولو لم يقدر المضاف لم يتحصل للاستثناء معنى. قال أبو حيان: ولا ضرورة تدعو إلى حذف المضاف كما ذكر. قال شهاب الدين: إنما قدر المضاف ليتوهم دخول المستثنى في المستثنى منه لأنه متى لم يتوهم ذلك لم يقع الاستثناء، ولهذا منعوا: صَهَلَتِ الخَيْلُ إلاَّ الإِبِلَ. إلاَّ بتأويل. الثاني: أنه مفعول به لقوله: "لاَ يَنْفَعُ" أي: لا ينفع المال والبنون إلا هذا الشخص فإنه ينفعه ماله المصروف في وجوه البِرِّ وبنوه الصلحاء، لأنه علَّمهم وأحسن إليهم. الثالث: أنه بدل من المفعول المحذوف، أو مستثنى منه، (إذ التقدير: لا ينفع مال ولا بنون أحداً من الناس إلا من كانت هذه صفته، والمستثنى منه) يحذف كقوله شعر : 3912 - وَلَــمْ يَنْــجُ إِلاَّ جَفْــنُ سَيْــفٍ وَمِئْــزَرا تفسير : أي: ولم ينج بشيء. الرابع: أنه بدل من فاعل "يَنْفَعُ" فيكون مرفوعاً. قال أبو البقاء: وغلب من يعقل فيكون التقدير: إلاّ مالُ من، أو بنون من فإنه ينفع نفسه وغيره بالشفاعة. قال شهاب الدين: وأبو البقاء خلط وجهاً بوجه، وذلك أنه إذا أردنا أن نجعله بدلاً من فاعل "يَنْفَعُ" قلنا: فيه طريقتان: إحداهما: طريقة التغليب، أي: غلَّبنا البنين على المال، فاستثنى من البنين فكأنه قيل: لا ينفع البنون إلا من أتى من البنين بقلب سليم فإنه ينفع نفسه بصلاحه وغيره بالشفاعة. والطريقة الثانية: أن نقدر مضافاً محذوفاً قيل "من" أي: إلاّ مال من، أو بنو من، فصارت الأوجه خمسة. ووجه الزمخشري اتصال الاستثناء بوجهين: أحدهما: إلا حالة {مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} وهو من قوله: شعر : 3913 - تَحِيَّــةُ بَيْنِهِــمْ ضَــرْبٌ وَجِيــعُ تفسير : وما ثوابه إلا السيف، ومثاله أن يقال: هل لزيدٍ مالٌ وبنون؟ فيقال: مالُه وبنُوه سلامة قلبِهِ، يريد نَفْيَ المالِ والبنين عنه، وإثبات سلامة قلبه بدلاً عن ذلك. والثاني: قال: وإن شئت حملت الكلام على المعنى وجعلت المال والبنين في معنى الغنى، كأنه قيل: يوم لا ينفع غنى إلا من أتى الله، لأن غنى الرجل في دينه بسلامه قلبه، كما أن غناه في دنياه بماله وبنيه. فصل وفي "السليم" ثلاثة أوجه: قال ابن الخطيب: أصحها: أن المراد منه سلامه النفس عن الجهل والأخلاق الرذيلة. وقيل: السليم: الخالص من الشرك والشك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد، وهذا قول أكثر المفسرين. وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم هو الصحيح، وهو قلب المؤمن، لأن قلب الكافر والمنافق مريض، قال الله تعالى: {أية : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ}تفسير : [البقرة: 10]. وقيل: السليم: هو اللديغ من خشية الله. وقيل: السليم: هو الذي سَلَّم وأَسْلَم وسَالَم واسْتَسْلَم.

ابو السعود

تفسير : {رَبّ هَبْ لِى حُكْماً} بعد ما ذكر عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لهم فنونَ الألطافِ الفائضةِ عليه من الله عزَّ وجلَّ من مبدأِ خلقِه إلى يومِ بعثهِ حمله ذلك على مُناجاتِه تعالى ودعائِه لربط العتيدِ وجلبِ المزيدِ والحكم الحكمة التي هي الكمالُ في العلم والعملِ بحيثُ يتمكَّنُ به من خلافةِ الحقِّ ورياسة الخلقِ {وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ} ووفقنِي من العُلومِ والأعمالِ والمَلَكاتِ لما يُرشحني للانتظامِ في زُمرةِ الكاملينَ الرَّاسخينَ في الصَّلاحِ المنزَّهينَ عن كبائرِ الذُّنوبِ وصغائِرها أو اجمعْ بـيني وبـينَهُم في الجنَّة ولقد أجابَه تعالى حيثُ قال: { أية : وَإِنَّهُ فِي ٱلأَخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} تفسير : [سورة البقرة: الآية 130] {وَٱجْعَل لّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلأَخِرِينَ} أي جاهاً وحسنَ صيت في الدُّنيا بحيثُ يبقى أثرُه إلى يومِ الدِّين ولذلك لا ترى أمةً من الأُمم إلا وهي محبَّةٌ له ومثنيةٌ عليه. أو صادقاً من ذُرِّيتي يجددُ أصلَ ديني ويدعُو النَّاسَ إلى ما كنتُ أدعُوهم إليهِ من التَّوحيدِ وهو النبـيُّ صلى الله عليه وسلم ولذلك قال عليه الصَّلاةُ السَّلامُ: أنا دعوةُ أبـي إبراهيمَ. {وَٱجْعَلْنِى} في الآخرةِ {مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ} وقد مرَّ معنى الوراثة في سورةِ مريمَ. {وَٱغْفِرْ لأِبِى} بالهدايةِ والتَّوفيقِ للإيمان كما يلوحُ به تعليلُه بقوله: {إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّالّينَ} أي طريقَ الحقَّ وقد مرَّ تحقيقُ المقام في تفسير سورة التَّوبةِ وسورة مريمَ بما لا مزيدَ عليه. {وَلاَ تُخْزِنِى} بمعاتبتي على ما فرّطتُ أو بنقصِ رُتبتي عن بعض الورَّاثِ أو بتعذيبـي لخفاءِ العاقبةِ وجوازِ التَّعذيبِ عقلاً، كلُّ ذلك مبنيٌّ على هضمِ النَّفسِ منه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أو بتعذيبِ والدِي أو ببعثهِ من عدادِ الضَّالين بعدمِ توفيقِه للإيمانِ وهو من الخِزيِ بمعنى الهوانِ أو من الخزايةِ بمعنى الحياءِ. {يَوْمِ يُبْعَثُونَ} أي النَّاسُ كافَّةً والإضمار قبل الذكرِ لما في عُموم البعثِ من الشُّهرة الفاشيةِ المغنيةِ عنه وتخصيصه بالضَّالِّين مما يخلُّ بتهويلِ اليوم. {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ} بدلٌ من يومَ يبعثُون جِيء به تأكيداً للتَّهويلِ وتمهيداً لما يعقبُه من الاستثناءِ من أعمِّ المفاعيلِ أي لا ينفعُ مالٌ وإن كان مصرُوفاً في الدُّنيا إلى وجوهِ البرِّ والخيراتِ، ولا بنون، وإن كانُوا صُلحاءَ مستأهلينَ للشَّفاعةِ أحداً.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً} [الآية: 83]. قال ابن عطاء: هب لى شكر ما خصصتنى به من مقام الخلة بالصالحين. قال: قال: الراضين عنك فى جميع الأحوال.

القشيري

تفسير : {هَبْ لِي حُكْماً}: على نفسي، فإنَّ مَنْ لا حُكْمَ له على نفسه لا حُكْمَ له على غيره. {وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ}: فأقومَ بِحقِّكَ دونَ الرجوع إلى طلب الاستقلال بشيءٍ دون حقك.

البقلي

تفسير : اى هب لى معرفة كاملة بجلال عزتك والهمنى غرائب حكمك والحقنى بمن وتحدك وافردك عن غيرك فى تجريد توحيك من المرسلين والنبين والعارفين.

اسماعيل حقي

تفسير : {رب} [اى برورد كار من] {هب لى حكما} اى كمالا فى العلم والعمل استعد به لخلافة الحق ورياسة الخلق فان من يعلم شيئا ولا يأتى من العمل بما يناسب علمه لا يقال له حكيم ولا لعلمه حكم وحكمة {والحقنى بالصالحين} ووفقنى من العلوم والاعمال والاخلاق لما ينظمنى فى زمرة الكاملين الراسخين فى الصلاح المتنزهين عن كبائر الذنوب وصغائرها واجمع بينى وبينهم فى الجنة فقد اجابه تعالى حيث قال {أية : وانه فى الآخرة لمن الصالحين}تفسير : وباقى الكلام هنا سبق فى اواخر سورة الكهف

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: حاكياً عن خليله إبراهيم عليه السلام: {ربِّ هبْ لي حُكماً} أي: حكمة، أو حُكماً بين الناس، أو نبوة؛ لأن النبي ذو حُكم بين عباد الله. {وألحِقْني بالصالحين} أي: الأنبياء، الذين صلحوا لحمل أعباء النبوة والرسالة، وصلحت سرائرهم للحضرة، ولقد أجابه بقوله: {وإنه في الآخرة لمن الصالحين}. {واجعل لي لسانَ صدقٍ في الآخرين} أي: ثناءً حسناً، وذكراً جميلاً في الأمم التي تجيء بعدي، فأُعطي ذلك، فكل أهل دين يتولونه ويثنون عليه، ووضَعَ اللسانَ موضعَ القول؛ لأن القول يكون به. أو: واجعلني على طريق قويم، وحال مُرضي، يُقتدى بي فيهما، ويُحمد أثري بعد موتي، كما قيل: شعر : مَوْتُ التقِيِّ حَيَاةٌ لا فناء لها قد مات قومٌ وهم في الناس أَحْيَاءُ تفسير : وقد تحقق له جميع ذلك، وخصوصاً في هذه الأمة، حتى أنه مذكور ومقرون في كل صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: سأل أن يجعله صالحاً، بحيث إذا أثنى عليه من بعده لم يكن كاذباً. وقيل: سأل الإمامة في التوحيد والدين، وقد أجيب بقوله: {أية : إِنّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً}تفسير : [البقرة: 124]. {وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ} أي: اجعلني وارثاً من ورثة جنة النعيم، أي: الباقين فيها، {واغفرْ لأبي}، أي: اجعله أهلاً للمغفرة، بإعطاء الإسلام؛ {إنه كان من الضالين}: الكافرين، أو: اغفر له على حاله. وكان قبل النهي. {ولا تُخزني يوم يُبعثون} أي: لا تُهنِّي يوم يبعثون. الضمير للعباد؛ لأنه معلوم، أو: للضالين، أي: لا تخزني في أبي يوم البعث، وهذا من جملة الاستغفار لأبيه، وكان قبل النهي عنه، أي: لا تُهِنِّي، {يوم لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ}، أي: لا ينفع فيه مال، وإن كان مصروفاً في وجوه البر، ولا بنون، وإن كانوا صُلحاء متأهلين للشفاعة، {إلا من أتى الله بقلبٍ سليمٍ} من الكفر والنفاق؛ فإنه ينفعه ماله المصروف في طاعة الله، ويشفع فيه بنوه، إن تأهلوا للشفاعة، بأن أَدَّبَهُمْ ودرَّجهم إلى اكتساب الكمالات والفضائل. وقال ابنُ المسيَبِ: القلب السليم هو قلب المؤمن؛ فإن قلب الكافر والمنافق مريض؛ قال الله تعالى: {أية : فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} تفسير : [البقرة: 10]. وقال أبو عثمان: هو القلب الخالي من البدعة، المطمئن على السنة. وقال الحسن بن الفضل: سليم من آفات المال، والبنين والله تعالى أعلم. الإشارة: قد استعمل إبراهيم عليه السلام الأدب، الذي هو عمدة الصوفية، حيث قدّم الثناء قبل الطلب، وهو مأخوذ من ترتيب فاتحة الكتاب. وقوله تعالى: {ربِّ هبْ لي حُكماً}: قال القشيري: أي: على نفسي أولاً، فإن من لا حُكْم له على نَفْسِه لا حُكْمَ له على غيره، {وألحقني بالصالحين}؛ بالقيام بحقك، دون الرجوع إلى طلب الاستقلال لنفسي دون حقك. هـ. ومما اصطلحت عليه الصوفية أن الصالحين: من صلحت ظواهرهم، وتطهرت قلوبهم من الأمراض. وفوقهم الأولياء، وهم من كُشف عنهم الحجاب، وأفضوا إلى الشهود والعيان، وفوقهم درجة النبوة والرسالة، فقول الخليل {وألحقني بالصالحين}، وكذلك قال الصدِّيق، هو تنزل وتواضع؛ ليعرف جلالة قدر الصالحين، فما بالك بمن فوقهم! فهو كقول نبينا صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهُمَّ أحينِي مِسْكيناً، وأمِتْنِي مِسْكيناً, واحْشُرني في زُمْرة المسَاكين" تفسير : . أي: اجعل المساكين هم قرابتي، المحدقون بي في المحشر، فقد عَرَّف صلى الله عليه وسلم بفضيلة المساكين، وعظَّم جاههم، بطلبه أن يكونوا في كفالته، لا أنه في كفالتهم، وكذلك الخليل والصدِّيق، عَرَّفا بفضيلة الصالحين من أهل الإسلام، أو أنهما طلبا اللحوق بهم. وقوله تعالى: {واجعل لي لسانَ صدْقٍ في الآخرين}؛ كل من اخلص وجهه لله، وتخلصت سريرته مما سوى الله، وكان إبراهيمياً حنيفياً، جعل الله له لسان صدق فيمن يأتي بعده، وحسن الثناء عليه في حياته وبعد مماته، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أحب الله عبداً نادى جبريل: إن الله يُحب فلاناً فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السموات: إن الله يحب فلاناً فأحِبُّوه، فيحبُّه أهل السماء، ثم يُوضَع له القَبُول في الأرض" تفسير : . أو كما قال صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {واغفر لأبي...} إلخ. قال القشيري: هذا عند العلماء: إنما قاله قبل يأسه من إيمانه، وعن أهل الإشارة: ذكره في وقت غَلَبَةِ البَسْط، وتجاوز ذلك عنه، وليس إجابةُ العبد واجبةً عليه في كل شيء، وأكثر ما فيه: أنه لا يجيبه في ذلك، ثم لهم أسوة في ذكر أمثال هذا الخطاب، وهذا لا يهتدي إليه كلُّ أحدٍ. هـ. قال المحشي: وينظر لما قاله العلماء، وبه الفتوى، قوله: {أية : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ}تفسير : [التوبة: 114]، وينظر للسان الإشارة شفاعته له يوم القيامة، وتكلمه فيه بقوله: (وأيُّ خِزْيٍ أعظم من كون أبي في النار...) الحديث، وكذا قوله: {أية : وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [إبراهيم: 36]، وجاء ذلك من استغراقه في بحر الرحمة، على سعة العلم، ومثله استغفار نبينا صلى الله عليه وسلم لابن أُبَيّ، وصلاته عليه، وانظر الطيبي في آية: {أية : وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً}تفسير : [غافر: 7]. هـ. وقوله تعالى: {إلا من أتى الله بقلب سليم}، أظهر ما قيل في القلب السليم: أنه السالم من الشكوك والأوهام، والخواطر الردية، ومن الأمراض القلبية، ولا يتحقق له هذا إلا بصحبة شيخ كامل، يُخرجه من الأوصاف البشرية، إلى الأوصاف الروحانية، ويحققه بالحضرة القدسية، وإلا بقي مريضاً، حتى يلقى الله بقلب سقيم. وفي الإحياء: السعادة منوطة بسلامة القلب من عوارض الدنيا، والجودُ بالمال من عوارض الدنيا، فشرط القلب أن يكون سليماً بينهما، أي: لا يكون ملتفتاً إلى المال، ولا يكون حريصاً على إمساكه, ولا حريصاً على إنفاقه؛ فإن الحريصَ على الإنفاق مصروفُ القلب إلى الإنفاق، كما أن الحريص على الإمساك مصروف القلب إلى الإمساك. وكان كمال القلب أن يصفو من الوصفين جميعاً. وقال الداراني: القلب السليم هو الذي ليس فيه غير الله تعالى. هـ. وقال الجنيد رضي الله عنه: السليم في اللغة: اللديغ، فمعناه: كاللديغ من خوف الله تعالى. هـ. وبالله التوفيق. ثم ذكر هول ذلك اليوم، فقال: {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ...}

الجنابذي

تفسير : {رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً} الحكم القضاء النّافذ والحكومة بين النّاس والامارة عليهم والدّقّة فى العلم والعمل وفى كلّ واحد منهما والكلّ مناسب ههنا والمقصود الرّسالة الكاملة او الحكم الباطنىّ الّذى هو من آثار الولاية {وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ} بمن كانوا صالحين صلاحاً مطلقاً فانّ الكافر ما لم يبطل استعداده لقبول الاسلام صالح بحسب فطرته واستعداده للاسلام، والمسلم صالح بحسب استعداده لقبول الايمان، والمؤمن صالح للعروج على درجات الايمان الى الفناء فى الله، والفانى صالح للرّجوع والبقاء بالله، والباقى صالح للنّبوّة، والنّبىّ صالح للرّسالة، والرّسول صالح لان يكون من اولى العزم، وصاحب العزم صالح للخلّة والامامة بالمعنى الّذى ليس فوقه درجة، والامام صالح للخاتميّة والجامعيّة بين الكثرة والوحدة كما ينبغى فقال (ع) ألحقنى دون ادخلنى واتى بالصّالحين من غير تقييدٍ للاشارة الى التمكّن فى الصّلاح المطلق وهو صلاح الصّالح الّذى صار بالفعل من جميع الجهات ولم يبق فيه قوّة واستعداد فلا حاجة الى تأويل فى هذا الدّعاء.

اطفيش

تفسير : {رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً}: علما وقيل كمال العلم استعانة على خلافة الحق ورياسة الخلق فإن الرئيس يحتاج لذلك ولا سيما أن كان المقصود برياسة أمر الآخرة وقيل الحكمة وهي من لوازم كمال العلم وقيل الحكم بين الناس وقيل النبوة وقيل العلم والفهم. قال ابن عباس: معرفة حدود الله وأحكامه والمراد في هذا المقام الزيادة من ذلك او التثبيت عليه وعن بعضهم المراد بالمقام كله الاحتجاج انما يستحق الألوهية من يفعل هذه الأفعال. {وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} النبيين أي ثبتني على النبوة حتى أكون مثلهم لا يفوتونني بشيء في الطاعة والمنزلة وقيل {رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً} معناه: ثبتني على النبوة {وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} معناه الحقني بأهل الجنة.

اطفيش

تفسير : {ربِّ هَبْ لى حُكْماً} علماً بالخير للعمل به، وبالشر ليتركه، وزيادة فى الاحتجاج على التوحيد، وقيل: النبوة فان حصلت قبل فالمراد كمالها، والثبات عليها، وهذا الدعاء بأوجهه ربط للموجود، وطلب للمزيد {وألْحِقْنى بالصَّالحين} الراسخين فى قوة العمل، وأخره عن العلم لأن العمل بلا علم باطل، والعلم صفة الروح، والقلب والعمل صفة الجوارح، وهما أفضل منها، أو الحكم فى المعاش والالحاق بالصالحين فيما يتعلق بالدين او الحكم رياسة الخلق، والالحاق التوفيق للعدل بين الناس، مع القيام بحقوق الله، أو الحكم كما فى العلم، والعمل والالحاق إلحاق برتبهم فى الجنة، وفيه أن هذا فرع دخول الجنة، وهو مطلوب بعد فى قوله: "أية : واجعلنى من ورثة جنة النعيم"تفسير : [الشعراء: 85] فلو كان ذلك مراداً لذكر بعده لا قبله.

الالوسي

تفسير : {رَبّ هَبْ لِى حُكْماً } لما ذكر لهم من صفاته عز وجل مما يدل على كمال لطفه تعالى به ما ذكر حمله ذلك على مناجاته تعالى ودعائه لربط العتيد وجلب المزيد. والمراد بالحكم على ما اختاره الإمام الحكمة التي هي كمال القوة العلمية بأن يكون عالماً بالخير لأجل العمل به. وقيل: الأولى أن يفسر بكمال العلم المتعلق بالذات والصفات وسائر شؤنه عز وجل وأحكامه التي يتعبد بها. وقيل: هي النبوة. ورد بأنها كانت حاصلة له عليه السلام، فالمطلوب إما عين الحاصل وهو محال ضرورة امتناع تحصيل الحاصل أو غيره وهو محال أيضاً لأن الشخص الواحد لا يكون نبياً مرتين. وأجيب بمنع كونها حاصلة وقت الدعاء سلمنا ذلك إلا أنه لا محذور لجواز أن يكون المراد طلب كمالها ويكون بمزيد القرب والوقوف على الأسرار الإلهية والأنبياء عليهم السلام متفاوتون في ذلك. وجوز أن يكون المراد طلب الثبات ولا يجب على الله تعالى شيء. والمراد بقوله: {وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ } طلب كمال القوة العملية بأن يكون موفقاً لأعمال ترشحه للانتظام في زمرة الكاملين الراسخين في الصلاح المنزهين عن كبائر الذنوب وصغائرها. وقدم الدعاء الأول على الثاني لأن القوة العلمية مقدمة على القوة العملية لأنه يمكن أن يعلم الحق وإن لم يعمل به وعكسه غير ممكن. ولأن العلم صفة الروح والعمل صفة البدن فكما أن الروح أشرف من البدن كذلك العلم أشرف من العمل. وقيل: المراد بالحكم الحكمة التي هي الكمال في العلم والعمل. والمراد بقوله: {وَأَلْحِقْنِى } الخ طلب الكمال في العمل. وذكره بعد ذلك تخصيص بعد تعميم اعتناء بالعمل من حيث إنه النتيجة والثمرة للعلم. وقيل: المراد بالأول ما يتعلق بالمعاش وبالثاني ما يتعلق بالمعاد. وقيل: المراد بالحكم رياسة الخلق وبالإلحاق بالصالحين التوفيق للعدل فيما بينهم مع القيام بحقوقه تعالى. وقيل: المراد بهذا الجمع بينه عليه السلام وبين الصالحين في الجنة. وأنت تعلم أنه لا يحسن بعد هذا الدعاء طلبه أن يكون من ورثة جنة النعيم. والأولى عندي أن يفسر الحكم بالحكمة بمعنى الكمال في العلم والعمل والإلحاق بالصالحين بجعل منزلته كمنزلتهم عنده عز وجل والمراد بطلب ذلك أن يكون علمه وعمله مقبولين إذ ما لم يقبلا لا يلحق صاحبهما بالصالحين ولا تجعل منزلته كمنزلتهم. وكأنه لذلك عدل عن قول: رب هب لي حكماً وصلاحاً أو رب هب لي حكماً واجعلني من الصالحين إلى ما في النظم الكريم فتأمل ولا تغفل.

ابن عاشور

تفسير : لما كان آخر مقاله في الدعوة إلى الدين الحق متضمناً دعَاء بطلب المغفرة تخلص منه إلى الدعاء بما فيه جمع الكمال النفساني بالرسالة وتبليغ دعوة الخلق إلى الله فإن الحجة التي قام بها في قومه بوحي من الله كما قال تعالى: {أية : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه}تفسير : [الأنعام: 83] فكان حينئذ في حال قرب من الله. وجهر بذلك في ذلك الجمع لأنه عقب الانتهاء من أقدس واجب وهو الدعوة إلى الدين، فهو ابتهال أرجى للقبول كالدعاء عقب الصلوات وعند إفطار الصائم ودعاء يوم عرفة والدعاء عند الزحف، وكلها فراغ من عبادات. ونظير ذلك دعاؤه عند الانتهاء من بناء أساس الكعبة المحكي في قوله تعالى: {أية : وإذ يَرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل}تفسير : [البقرة: 127] إلى قوله: {أية : ربّنا واجعلنا مسلمين لك إلى إنك أنت العزيز الحكيم}تفسير : [البقرة: 129] وابتدأ بنفسه في أعمال هذا الدين كما قال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: {أية : وأنا أول المؤمنين}تفسير : [الأعراف: 143]، وكما أمر رسوله محمد صلى الله عليه وسلم إذ قال: {أية : وأمرتُ لأن أكون أول المسلمين}تفسير : [الزمر: 12]. وللأوليات في الفضائل مرتبة مرغوبة، قال سعد بن أبي وقاص «أنا أول من رمَى بسهم في سبيل الله». وبضد ذلك أوليات المساوىء ففي الحديث: «حديث : ما من نفس تُقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كِفلٌ من دمها ذلك لأنه أول من سَنّ القتل»تفسير : . وقد قابل إبراهيم في دعائه النعم الخمس التي أنعم الله بها عليه المذكورة في قوله: {أية : الذي خلقني فهو يهدين}تفسير : [الشعراء: 78] إلى قوله: {أية : يوم الدين}تفسير : [الشعراء: 82] الراجعة إلى مواهب حسية بسؤال خمس نعم راجعة إلى الكمال النفساني كما أومأ إليه قوله: {إلا من أتى الله بقلب سليم} وأقحم بين طِلْباته سؤاله المغفرة لأبيه لأن ذلك داخل في قوله: {ولا تخزني يوم يبعثون}. فابتداء دعائه بأن يعطى حُكْماً. والحكم: هو الحكمة والنبوءة، قال تعالى عن يوسف: {أية : آتيناه حكماً وعلماً}تفسير : [القصص: 14] أي النبوءة، وقد كان إبراهيم حين دعا نبيئاً فلذلك كان السؤال طلباً للازدياد لأن مراتب الكمال لا حدّ لها بأن يُعطى الرسالة مع النبوءة أو يعطى شريعة مع الرسالة، أو سأل الدوام على ذلك. ثم ارتقى فطلب إلحاقه بالصالحين. ولفظ الصالحين يعم جميع الصالحين من الأنبياء والمرسلين، فيكون قد سأل بلوغ درجات الرسل أولي العزم نوح وهود وصالح والشهداء والصالحين فجعل الصالحين آخراً لأنه يعم، فكان تذييلاً. ثم سأل بقاء ذكر له حسن في الأمم والأجيال الآتية من بعده. وهذا يتضمن سؤال الدوام والختام على الكمال وطلب نشر الثناء عليه وهذا ما تتغذى به الروح من بعد موته لأن الثناء عليه يستعدي دعاء الناس له والصلاة عليه والتسليم جزاء على ما عرفوه من زكاء نفسه. وقد جعل الله في ذريته أنبياء ورسلاً يذكرونه وتذكره الأمم التابعة لهم ويُخلد ذكره في الكُتب. قال ابن العربي: «قال مالك: لا بأس أن يحب الرجل أن يُثنى عليه صالحاً ويُرى في عمل الصالحين إذا قصد به وجه الله وهو الثناء الصالح»، وقد قال الله تعالى: {أية : وألقيت عليك محبة مني}تفسير : [طه: 39]، وهي رواية أشهب عن مالك رحمه الله. وقد تقدم الكلام على هذا مشبعاً عند قوله تعالى: {أية : والذين يقولون ربّنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً}تفسير : في سورة الفرقان (74). واللسان مراد به الكلام من إطلاق اسم الآلة على ما يتقوم بها. واللام في قوله: {لي} تقتضي أن الذكر الحسن لأجله فهو ذكره بخير. وإضافة {لسان} إلى {صدق} من إضافة الموصوف إلى الصفة، ففيه مبالغة الوصف بالمصدر، أي لساناً صادقاً. والصدق هنا كناية عن المحبوب المرغوب فيه لأنه يرغب في تحققه ووقوعه في نفس الأمر. وسأل أن يكون من المستحقين الجنة خالداً فاستعير اسم الورثة إلى أهل الاستحقاق لأن الوارث ينتقل إليه ملك الشيء الموروث بمجرد موت المالك السابق. ولما لم يكن للجنة مالكون تعين أن يكون الوارثون المستحقين من وقت تبَوُّؤ أهل الجنة الجنة، قال تعالى: {أية : أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون}تفسير : [المؤمنون: 10، 11]. وسأل المغفرة لأبيه قبل سؤال أن لا يخزيه الله يوم القيامة لأنه أراد أن لا يلحقه يومئذ شيء ينكسر منه خاطره وقد اجتهد في العمل المبلّغ لذلك واستعان الله على ذلك وما بقيت له حزازة إلا حزازة كفر أبيه فسأل المغفرة له لأنه إذا جيء بأبيه مع الضالّين لحقه انكسار ولو كان قد استجيب له بقية دعواته، فكان هذا آخر شيء تخوف منه لحاق مهانة نفسية من جهة أصله لا من جهة ذاته. وفي الحديث أنه يؤتى بأبي إبراهيم يوم القيامة في صورة ذيح (أي ضبَع ذكر) فيلقَى في النار فلا يشعر به أهل الموقف فذلك إجابة قوله: {ولا تخزني يوم يبعثون} أي قطعاً لما فيه شائبة الخزي. وتقدم الكلام على معنى الخزي عند تفسير قوله تعالى: {أية : إلاّ خِزي في الحياة الدنيا}تفسير : في سورة البقرة (85). وقوله: {أية : إنك من تُدخل النار فقد أخزيتَه} تفسير : في آل عمران (192). وضمير {يبعثون} راجع إلى العباد المعلوم من المقام. وجملة: {إنه كان من الضالين} تعليل لطلب المغفرة لأبيه فيه إيماء إلى أنه سأل له مغفرة خاصة وهي مغفرة أكبر الذنوب أعني الإشراك بالله، وهو سؤال اقتضاه مقام الخُلّة وقد كان أبوه حياً حينئذ لقوله في الآية الأخرى: {أية : قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حَفيّاً}تفسير : [مريم: 47]. ولعلّ إبراهيم علم من حال أبيه أنه لا يرجى إيمانه بما جاء به ابنه؛ أو أن الله أوحى إليه بذلك ما ترشد إليه آية {أية : وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبيّن له أنه عدوّ لله تبرأ منه}تفسير : [التوبة: 114]. ويجوز أنه لم يتقرر في شرع إبراهيم حينئذ حرمان المشركين من المغفرة فيكون ذلك من معنى قوله تعالى: {أية : فلما تبيّن له أنه عدوّ لله تبرأ منه}تفسير : [التوبة: 114]. ويجوز أن يكون طلبُ الغفران له كناية عن سبب الغفران وهو هدايته إلى الإيمان. و{يوم لا ينفع مال} الخ يظهر أنه من كلام إبراهيم عليه السلام فيكون {يوم لا ينفع} بدلاً من {يوم يبعثون} قصد به إظهار أن الالتجاء في ذلك اليوم إلى الله وحده ولا عون فيه بما اعتاده الناس في الدنيا من أسباب الدفع عن أنفسهم. واستظهر ابن عطية: أن الآيات التي أولها {يوم لا ينفع مال ولا بنون} يريد إلى قوله: {أية : فنكون من المؤمنين}تفسير : [الشعراء: 102] منقطعة عن كلام إبراهيم عليه السلام وهي إخبار من الله تعالى صفة لليوم الذي وقف إبراهيم عنده في دعائه أن لا يُخْزى فيه اهــــ. وهو استظهار رشيق فيكون: {يوم لا ينفع مال} استئنافاً خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: هو يوم لا ينفع مال ولا بنون. وفتحة {يومَ} فتحة بناء لأن (يوم) ظرف أضيف إلى فعل معرب فيجوز إعرابه ويجوز بناؤه على الفتح، فهو كقوله تعالى: {أية : هذا يومَ ينفع الصادقين صدقُهم}تفسير : [المائدة: 119]. ويظهر على هذا الوجه أن يكون المراد بــــ{من أتى الله بقلب سليم} الإشارةُ إلى إبراهيم عليه السلام لأن الله تعالى وصفه بمثل هذا في آية سورة الصافات (83، 84) في قوله: {أية : وإن من شِيعَتِه}تفسير : (أي شيعة نوح) لإبراهيمَ إذ جاء ربَّه بقلب سليم. وفيه أيضاً تذكير قومه بأن أصنامهم لا تغني عنهم شيئاً، ونفي نفع المال صادق بنفي وجود المال يومئذ من باب «على لاحب لا يهتدى بمناره»، أي لا منارَ له فيهتَدى به، وهو استعمال عربي إذا قامت عليه القرينة. ومن عبارات عِلم المنطق «السَّالبةُ تصدُق بنفي الموضوع». والاقتصار على المال والبنين في نفي النافعين جرى على غالب أحوال القبائل في دفاع أحد عن نفسه بأن يدافع إما بفدية وإما بنجدة (وهي النصر)، فالمال وسيلة الفدية، والبنون أحق من ينصرون أباهم، ويعتبر ذلك النصر عندهم عهداً يجب الوفاء به. قال قيس ابن الخَطِيم:شعر : ثأَرتُ عَدِيًّا والخطيمَ ولم أُضِع وَلاية أشياخ جُعلت إزاءَها تفسير : واقتضى ذلك أن انتفاء نفع ما عدا المال والبنين من وسائل الدفاع حاصل بالأوْلى بحكم دلالة الاقتضاء المستندة إلى العُرف. فالكلام من قبيل الاكتفاء، كأنه قيل: يوم لا ينفع مال ولا بنون ولا شيء آخر. وقوله: {إلا من أتى الله بقلب سليم} استثناء من مفعول {ينفع}، أي إلاّ منفوعاً أتى الله بقلب سليم. هذا معنى الآية وهو مفهوم للسامعين فلذلك لم يؤثَر عن أحد من سلف المفسرين عدّ هذه الآية من متشابه المعنى وإنما أعضل على خلفهم طريق استخلاص هذا المعنى المجمل من تفاصيل أجزاء تركيب الكلام. وذكر صاحب «الكشاف» احتمالات لا يسلم شيء منها من تقدير حذفٍ، فَبِنَا أن نفصِّل وجه استفادة هذا المعنى من نظم الآية بوجه يكون أليق بتركيبها دون تكلف. فاعلم أن فعل {ينفع} رافع لفاعل ومتعدّ إلى مفعول، فهو بحقِّ تعدِّيه إلى المفعول يقتضي مفعولاً، كما يصلح لأنْ تعلّقَ به متعلقات بحروف تعدية، أي حروف جر، وإن أول متعلقاته خطوراً بالذهن متعلق سبب الفعل، فيعلم أن قوله: {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} يشير إلى فاعِل {ينفع} ومفعولِه وسببِه الذي يحصل به، فقوله: {بقلب سليم} هو المتعلق بفعل {أتى الله} لأن فاعل الإتيان إلى الله هو المنفوع فهو في المعنى مفعول فعل {ينفع} والمتعلِّق بأحد فعلَيْه وهو فعل {أتى} الذي هو فاعلُه متعلِّق في المعنى بفعله الآخر وهو {ينفع} الذي {من أتى الله} مفعولُه. فعلم أن تقدير الكلام: يوم لا ينفع نافعٌ أو شيءٌ، أو نحو ذلك مما يفيد عموم نفي النافع، حسبما دل عليه {مَال و بنون} من عموم الأشياء كما قررنا. وحذف مفعول {ينفع} لقصد العموم كحذفه في قوله تعالى: {أية : والله يدعوا إلى دار السلام}تفسير : [يونس: 25] أي يدعو كل أحد، فتحصل أن التقدير: يوم لا ينفع أحداً شيء يأتي به للدفع عن نفسه. والمستثنى وهو {من أتى الله بقلب سليم} متعيّن لأن يكون استثناء من مفعول {ينفع} وليس مستثنى من فاعل {ينفع} لأن من أتى الله بقلب سليم يومئذ هو منفوع لا نافع فليس مستثنى من صريح أحدِ الاسمين السابقين قبلَه، ولا مما دلّ عليه الاسمان من المعنى الأعمّ الذي قدرناه بمعنى: «ولا غيرهما»، فتمحض أن يكون هذا المستثنى مخرَجاً من عموم مفعول {ينفع}. وتقديره: إلا أحداً أتى الله بقلب سليم، أي فهو منفوع، واستثناؤه من مفعول فعل {ينفع} يضطرنا إلى وجوب تقدير نافعه فاعلَ فعل {ينفع}، أي فإنه نفعه شيء نافع. ويُبيِّن إجماله متعلق فعل {ينفع} وهو {بقلب سليم} إذ كان القلب السليم سبب النفع فهو أحد أفراد الفاعل العام المقدر بلفظ «شيء» كما تقدم آنفاً. فالخلاصة أن الذي يأتي الله يومئذ بقلب سليم هو منفوع بدلالة الاستثناء وهو نافع (أي نافع نفسه) بدلالة المجرور المتعلِّق بفعل {أتى}، فإن القلب السليم قلبُ ذلك الشخص المنفوع فصار ذلك الشخص نافعاً ومنفوعاً باختلاف الاعتبار، وهو ضرب من التجريد. وقريب من وقوع الفاعل مفعولاً في باب ظن في قولهم: خلتُني ورأيْتُني، فجُعل القلب السليم سبباً يحصل به النفع، ولهذا فالاستثناء متصل مفرَّغ عن المفعول. وقد حصل من نسج الكلام على هذا المنوال إيجازٌ مغنٍ أضعاف من الجمل المطوية. وجَعْلُ الاستثناء منقطعاً لا يدفع الإشكال. والقلب: الإدراك الباطني. والسليم: الموصوف بقوة السلامة، والمراد بها هنا السلامة المعنوية المجازية، أي الخلوص من عقائد الشرك مما يرجع إلى معنى الزكاء النفسي. وضدُّه المريض مرضاً مجازياً قال تعالى: {أية : في قلوبهم مَرض}تفسير : [البقرة: 10]. والاقتصار على السليم هنا لأن السلامة باعث الأعمال الصالحة الظاهرية وإنما تثبت للقلوب هذه السلامة في الدنيا باعتبار الخاتمة فيأتون بها سالمة يوم القيامة بين يدي ربّهم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: رب هب لي حكماً: أي يا رب أعطني من فضلك حكماً أي علماً نافعاً وارزقني العمل به. وألحقني بالصالحين: لأعمل عملهم في الدنيا وأكون معهم في الدار الآخرة. واجعل لي لسان صدق في الآخرين: أي اجعل لي ذكراً حسناً أذكر به فيمن يأتي بعدي. واغفر لأبي: كان هذا منه قبل أن يتبين له أنه عدو لله. ولا تخزني يوم يبعثون: أي لا تفضحني. بقلب سليم: أي من الشرك والنفاق. وأزلفت الجنة: أي أدنيت وقربت للمتقين. وبرزت الجحيم للغاوين: أي أظهرت وجليت للغاوين. هل ينصرونكم: أي بِدَفْع العذاب عنكم. معنى الآيات: هذا آخر قصص إبراهيم وخاتمته لما ذكر إبراهيم قومه ووعظهم رفع يديه إلى ربه يسأله ويتضرع إليه فقال {رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً} أي علماً نافعاً يمنعني من فعل ما يسخطك عني ويدفعني إلى فعل ما يرضيك عني، {وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ} في أعمالهم الخيرية في الدنيا وبمرافقتهم في الجنة. {وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ} أي اجعل لي ذكراً حسناً أذكر به فيمن يأتي من عبادك المؤمنين، {وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ} الذين يرثونها بالإِيمان والتقوى بعد فضلك عليهم ورحمتك بهم، {وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ} أي الجاهلين بك وبمحابك ومكارهك فما عبدوك ولا تقربوا إليك. وكان هذا من إبراهيم قبل العلم بأن أباه عدو لله حيث سبق له ذلك أزلاً، إذ قد تبرأ منه بعد أن علم ذلك وقوله {وَلاَ تُخْزِنِي} أي لا تذلني {يَوْمَ يُبْعَثُونَ} أي من قبورهم للحساب والجزاء على أعمالهم {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ} وهو يوم القيامة {إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} أي لكن من أتى الله أي جاءه يوم القيامة وقلبه سليم من الشرك والنفاق فهذا ينفعه عمله الصالح لخلوه مما يحبطه وهو الشرك والكفر الظاهر والباطن وقوله تعالى {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ} أي قربت وأدنيت للمتقين الله ربهم فلم يشركوا به في عبادته ولم يجاهروا بمعاصيه، {وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ} أي أظهرت وارتفعت {لِلْغَاوِينَ} أي أهل الغواية والضلالة في الدنيا من المشركين والمسرفين في الإِجرام والشر والفساد {وَقِيلَ لَهُمْ} أي سئلوا في عرصات القيامة {أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}؟ أروناهم {هَلْ يَنصُرُونَكُمْ} مما أنتم فيه فيدفعون عنكم العذاب، {أَوْ يَنتَصِرُونَ} لأنفسهم فيدفعون عنها العذاب إن كانوا من أهل النار لأنهم رضوا بأن يعبدوا ودعوا الناس إلى عبادتهم كالشياطين والمجرمين من الإِنس والجن. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان أن الجنة تورث ويذكر تعالى سبب إرثها وهو التقوى في قوله {أية : تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً} تفسير : [مريم: 63]. 2- مشروعية الاستغفار للوالدين إن ماتا على التوحيد. 3- بطلان الانتفاع يوم القيامة بغير الإِيمان والعمل الصالح بعد فضل الله ورحمته. 4- الترغيب في التقوى والتحذير من الغواية.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِٱلصَّالِحِينَ} (83) - ثُمَّ دَعَا إبراهيمُ رَبَّهُ أنْ يُؤْتِيَهُ عِلْمَاً ورَأْياً سَدِيداً (حُكْماً - وقِيلَ بلِْ المرادُ بِالحُكْمِ هُنا النُّبوةُ) وأن يُوفِّقَهُ إلى العَمَلِ في طَاعَةِ ربِّهِ لِيَكُونَ منْ زُمْرَةِ المُقَرَّبينَ إليهِ، المُطِيعِينَ لَهُ، المُؤْهَّلِينَ لِحَمْلِ رَسَالَتِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نلحظ أنه لم يدْعُ بشيء من الدنيا، ومعنى {حُكْماً ..} [الشعراء: 83] فرق بين الحكم والحكمة: الحكمة أن تضع الشيء في موضعه، أما الحكم فأنْ تعلم الخير أولاً، ثم تعمل بما علمت ثانياً. وقال في دعائه: {هَبْ لِي ..} [الشعراء: 83] لأن الهبة عطاء دون مقابل، فكأنه قال: يا رب أنا لا أستحق، فاجعلها لي هِبةَ من عندك {وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ} [الشعراء: 83] أي: ألحقني بهم في العمل والأُسْوة لأنالَ بعدها الجزاء، وليس المراد: ألحقني بهم في الجزاء، إنما في العمل. وقد أجابه الله تعالى في هذه الدعوة، فقال سبحانه: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..}تفسير : [الأنعام: 75]. والملكوت: المخلوقات غير المحسّة، أطلعه الله عليها؛ لأنه عمل بما علم من الملك المحسّ، وكذلك قال: {أية : وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ}تفسير : [البقرة: 130] فأجابه في الدعوة الأخرى.