Verse. 3020 (AR)

٢٦ - ٱلشُّعَرَاء

26 - Ash-Shu'ara (AR)

يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَّلَا بَنُوْنَ۝۸۸ۙ
Yawma la yanfaAAu malun wala banoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

قال تعالى فيه: «يوم لا ينفع مال ولا بنون» أحدا

88

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : قال تعالى فيه: {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ } أحداً.

ابن عطية

تفسير : {يوم} بدل من الأولى في قوله {أية : يوم يبعثون} تفسير : [الشعراء: 87] والمعنى يوم لا ينفع إعلاق بالدنيا ومحاسنها فقصد من ذلك العظم والأكثر لأن المال والبنين هي زينة الحياة الدنيا، وقوله {بقلب سليم} معناه خالص من الشرك والمعاصي، وعلق الدنيا المتروكة وإن كانت مباحة كالمال والبنين، قال سفيان هو الذي يلقى ربه وليس في قلبه شيء غيره. قال القاضي أبو محمد : وهذا يقتضي عموم اللفظة، ولكن السليم من الشرك هو الأهم، وقال الجنيد بقلب لديغ من خشية الله والسليم اللديغ، {وأزلفت} معناه قربت، و"الغاوون" التي برزت لهم الجحيم هم المشركون بدلالة أنهم خوطبوا في أمر الأصنام، والقول لهم {أي ما كنتم تعبدون من دون الله} هو على جهة التقريع والتوبيخ والتوقيف على عدم نصرتهم نحوه، وقرأ الأعمش "فبرزت" بالفاء والجمهور بالواو، وقرأ مالك بن دينار "وبرَزَت" بفتح الراء والزاي ورفع "الجحيمُ"، ثم أخبر عن حال يوم القيامة من أن الأصنام تكبكب في النار أي تلقى كبة واحدة ووصل بها ضمير من يعقل من حيث ذكرت بعبادة، وكانت يسند إليها فعل من يعقل، وقيل الضمير في قوله {هم} للكفار، و {الغاوون} الشياطين، و"كبكب" مضاعف من كب هذا قول الجمهور وهو الصحيح لأن معناها واحد، والتضعيف في الفعل بين مثل صر وصرصر وغير ذلك، و {الغاوون} الكفرة الذين شملتهم الغواية، و {جنود إبليس} نسله وكل من يتبعه لأنهم جند له وأعوان.

البقاعي

تفسير : ولما نبه على أن المقصود هو الآخرة، صرح بالتزهيد في الدنيا بتحقير أجل ما فيها فقال: {يوم لا ينفع} أي أحداً {مال} أي يفتدي به أو يبذله لشافع أو ناصر مقاهر {ولا بنون*} ينتصر بهم أو يعتضد فكيف بغيرهم {إلا من أتى الله} أي الملك الأعظم الذي له الغنى المطلق في هذا الموطن {بقلب سليم*} أي عن مرض غيّره عن الفطرة الأولى التي فطره الله عليها، وهي الإسلام الذي رأسه التوحيد، والاستقامة على فعل الخير، وحفظ طريق السنة كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ليس فيها من جدعاء فإن {المال والبنون} ينفعانه بما تصرف فيهما من خير، والاستثناء مفرغ، والظاهر أن قوله {وأزلفت} أي قربت بأيسر وجه حال من واو "يبعثون" {الجنة للمتقين*} وعرف أهل الموقف أنها لهم خاصة تعجيلاً لسرورهم وزيادة في شرفهم {وبرزت} أي كشفت كشفاً عظيماً سهلاً {الجحيم} أي النار الشديدة التأجج، وأصلها نار عظيمة في مهواة بعضها فوق بعض {للغاوين*} أي الضالين الهالكين بحيث عرف أهل الموقف أنها لهم {وقيل لهم} تبكيتاً وتنديماً وتوبيخاً، وأبهم القائل ليصلح لكل أحد، تحقيراً لهم، ولأن المنكىء نفس القول لا كونه من معين: {أين ما كنتم} بتسلك الأخلاق التي هي كالجبلات {تعبدون*} أي في الدنيا على سبيل التجديد والاستمرار. وحقر معبوداتهم بقوله: {من دون} أي من أدنى رتبة من رتب {الله} أي الملك الذي لا كفوء له، وكنتم تزعمون أنهم يشفعون لكم ويقونكم شر هذا اليوم {هل ينصرونكم} فيمنعون عنكم ما برز لكم {أو ينتصرون*} أي هم بالدفع عن أنفسهم. ولما تسبب عن هذا التبريز والقول إظهار قدرته تعالى وعجزهم بقذفهم فيها قال: {فكبكبوا} أي الأصنام ونحوها، قلبوا وصرعوا ورموا، قلباً عظيماً مكرراً سريعاً من كل من أمره الله بقلبهم بعد هذا السؤال، إظهاراً لعجزهم بالفعل حتى عن الجواب قبل الجواب {فيها} أي في مهواة الجحيم قلباً عنيفاً مضاعفاً كثيراً بعضهم في أثر بعض {هم} أي الأصنام وما شابهها مما عبد من الشاطين ونحوهم {والغاوون*} أي الذي ضلوا بهم {وجنود إبليس} من شياطين الإنس والجن {أجمعون*}. ولما علم بهذا أنهم لم يتمكنوا من قول في جواب استفامهم توبيخاً، وكان من المعلوم أن الإنسان مطبوع على أن يقول في كل شيء ينوبه ما يثيره له إدراكه مما يرى أنه يبرد من غلته، وينفع من علته، تشوف السامع إلى معرفة قولهم بعد الكبكبة، فأشير إلى ذلك بقوله: {قالوا} أي العبدة {وهم فيها} أي الجحيم {يختصمون} أي مع المعبودات: {تالله} أي الذي له جميع الكمال {إن كنا لفي ضلال مبين*} أي ظاهر جداً لمن كان له قلب {إذ} أي حين {نسويكم} في الرتبة {برب العالمين*} أي الذين فطرهم ودبرهم حتى عبدناكم {وما أضلنا} أي ذلك الضلال المبين عن الطريق البين {إلا المجرمون*} أي العريقون في صفة الإجرام، المقتضي لقطع كل ما ينبغي أن يوصل {فما} أي فتسبب عن ذلك أنه ما {لنا} اليوم؛ وزادوا في تعميم النفي بزيادة الجارّ فقالوا: {من شافعين*} يكونون سبباً لإدخالنا الجنة، لأنا صرفنا ما كان يجب علينا لذي الأمر إلى من لا أمر له؛ ولعله لم يفرد الشافع لأنهم دخلوا في الشفاعة العظمى.

القشيري

تفسير : قيل: "القلب السليم" اللديغ. وقيل هو الذي سَلِمَ من الضلالة ثم من البِدعة ثم من الغفلة ثم من الغيبة ثم من الحجبة ثم من المُضاجعة ثم من المساكنة ثم من الملاحظة. هذه كلها آفاتٌ، والأكابرُ سَلِمُوا منها، والأصاغرُ امتُحِنُوا بها. ويقال: "القلب السليم" الذي سَلِمَ من إرادة نَفْسِه.

البقلي

تفسير : {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} يوم لا ينفع الاشتغال بغيرك بل ينقع من اتاك بقلب سقيم بمحبتك مملو من شوقك محترق بنيران عشقك خال غيرك من العرش الى الثرى رقيق بلزوم انوار كشف جمالك له لطيف فى تقلب سنا ذاتك وصفاتك بنعت المحبة والمعرفة وايضا بقلب طاهر عن الادناس وعن الهواجس والوسواس بين سبحانه فى هذه الأيات مقام خليله بين يديه من المراتب الشريفة والحالات الرفيعة الاشارة الاولى بقوله الَّذى خلقنى الى محض وحدانية الحق وكمال قدرته الازلية بنعت نفى الانداد والاضاد واشار فى قوله فهو يهدين الى قطع الاسباب والاكتساب فى النبوة والولاية والخلة بل اشارة الى الاصطفائية السابقة واشار فى قوله هو يطعمنى ويسقين الى مقام التوكل والرضا والتسليم والتفويض وقطع الاسباب والاعمال اليه بالكلية والاعراض عما سواه وهكذا الاشارة فى قوله واذا مرضت فهو يشفين رفع الرجوع الى غيره والسكون الى التداوى المعالجة بشئ فهو كمال التسليم واشار بقوله الذى يميتنى ثم يحين انه مشاهد سوابق القدر بنعت الرضا بالحكم والقصا واشار بقوله والذى اطمع ان يغفر لى خطيئتى الى مقام حسن اليقين وحسن الرجا وخالص العبودية واشار بقوله ولا تخر فى الى مقام الاجلال والتعظيم والخوف والخشية والهيبة واشار بقوله الامن اتى الله بقلب سليم الى التخلق بخلق الله والاتصاف بصفته اذ لم يكن القلب سليما بلا عيب الا اذا كان متصفا بطهارة قدس الحق عن النظر الى الخلق واستعمل حسن الادب فى كمال خلقه ومعرفته فى وصف الحق سبحانه بمكنيات الفاظ حيث قال الذى وهذا من غلبة حرمة الحق عليه وتمكنيه فى الصحو بعد سكرة فى البداية وجرأته حين غلب عليه سكر المحبة حيث خاطب الحق بتصريح القول فى المواجهة بقوله ارنى كيف تحيى الموتى ورب اجعلنى وهذا ربى والدليل على ذلك قول الواسطى قال اما اسغرق ابراهيم فى الخلقة احتشم من ذكر خليله بالتصريح فرجع الى الصفات جعل يقول الذى ولم يصرح بل كنى والكناية فيها تصريح ولما كان فى ابتداء مقاماته تلوين لم يستغرق فى الخلة جعل الصرح ويقول ربى ربى قال بعضهم الذى خلقنى لعبوديته يهدينى الى قرب وقال بعضهم الذى خلقنى لدعوة خلقه سيهدينى الى أداب خلته قال الاستاذ اى تهدينى الى ----- وجودى فليس لى خبر عنى وقال النهر جورى الذى يطعمنى حلاوة ذكره ويسقينى كاس محبته وقال الجريرى الذى ---- فى حضرته وسقينى هو الذى يظهر على ربكات ذلك المطعم وللشرب وفى ذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم حديث : انى ابيت عند ربى يطعمنى ويسقينى تفسير : وقال ابن عطا اذ امرضنى رؤية الاغيار فان شفائى الرجوع الى مشاهدة الملك الجبار وقال جعفر انا مرضت برؤية افعالى واحوالى شفائى بتذكار الفضل والكرم وقال ذو النون اذا امرضنى مقاساة الخلق شفائى مشاهدة الحق وقال ابن عطا الذى يميتنى عنه ثم يحينى به وقال ابو عثمان يميتنى بخوفه ويحينى برجائه وقال الواسطى الذى يميتنى بالاستناد ويحينى بالتجلى وقال الجنيد الذى يميتنى بالافتقار اليه ثم يحينى بالاستفناء به وقال ابو عثمان اخرج سواله على حد الادب لم يحكم على ربه بالمغفرة ولكنه قال والذى اطمع طمع العبيد فى مواليهم وان لم يكونوا يستحقون عليهم شيئا اذا العبد لا يستحق على مولاه شيئا وما ياتيه ياتيه من فضل مولاه وقال ابن عطا فى قوله رب هب لى حكما اى شكر ما خصصتنى به من مقام الخلدة قال الراضين عنك فى جميع الاحوال وقال واجعل لى لسان صدق فى الاخرين اى اطلق لسان امه محمد صلى الله عليه وسلم بالثناء علىَّ الشهادة لى فانك قد جعلتهم شهداء مقبولين قال سهل ارزقنى الثناء فى جميع الامم والملل وقال فارس فى قوله ولا تخزنى لا تقطع حجتى عند المسالة لا تفضحنى بالمناقشة ولا تحشمنى بالحياء عند مواقعة الجزاء قال ابن عطا لا تشغلنى بالخلة عنك وافض على انوار حرمتك لئلا اغيب عن مشاهدتك برؤية شيء سواك وقال فى قوله الا من اتى الله بقلب سليم قال قلب خال من الاشتغال بشيء سواى مولاه سلم له الطريق اليه ويعرج على شئ سواه وقال الواسطى سلم من سواء القضاء وسئل عن القلب السليم قال سلم عن الاعراض عن الله وقال الجنيد السليم الذى لا يكون فيه الا حُبّه وقال ابن عطا السليم لا يشوبه شئ من أفات الكون وسئل بعضهم لم ينال سلامة الصدر قال الوقوف على حد اليقين.

اسماعيل حقي

تفسير : {يوم لاينفع مال ولابنون} بدل من يوم يبعثون ومفعول الفعل محذوف والتقدير لا ينفع مال احدا وان كان مصروفا فى الدنيا الى وجوه البر والخيرات لا ينفع بنون فردا وان كانوا صلحاء مستأهلين للشفاعة جدا

الهواري

تفسير : قوله: {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} اي: من الشرك. قوله: {وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} أي: وأدنيت الجنة للمتقين {وَبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ} أي: أظهرت الجحيم، أي: النار، للغاوين، أي: الضالين، والغاوون ها هنا الضالّون المشركون. {وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ} أي: الشياطين الذين دعوهم إلى عبادة ما عبدوا من دون الله. {هَلْ يَنصُرُونَكُمْ} أي: هل يمنعونكم من عذاب الله. {أَوْ يَنتَصِرُونَ} أي: أو يمتنعون من عذاب الله. قال: {فَكُبْكِبُوا فِيهَا} أي: فقذفوا فيها، يعني المشركين {هُمْ وَالْغَاوُونَ} أي: الشياطين قال: {وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ} أي: من المشركين والمنافقين، وهم جميع جنود إبليس. {قَالُوا} يعني المشركين خاصة للشياطين {وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ} أي: المشركون والشياطين. وخصومتهم تَبَرُّؤُ بعضهم من بعض وَلَعْن بعضهم بعضاً.

اطفيش

تفسير : {يَوْمَ} بدل من يوم. {لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} أي لا ينفع ذلك إلا من مات وقلبه سالم من الشرك والنفاق والأضرار وسائر المعاصي بأن يموت تائبا، فـ (من) مفعول ينفع الاستثناء مفرغ أي أنما ينفع ذلك سلم قلبه معه بأن انفق ماله في حقويه وعلم أولاده الشريعة رجاء لما عند الله ويشفعوا له يوم القيامة فان من هذا حاله قد انتفع بماله وبنيه في الدنيا وله ثواب على ذلك في الآخرة ومن لم تكن حاله ذلك فما له وولده وبال عليه لأنه قد عصى الله في أولاده وماله فكائنة قيل إلا من أتى الله بقلب سليم من فتنة المال والبنين ولك أن تجعل المال والبنين بمعنى الغني كأنه قيل يوم لا ينفع غني إلا غني من أتى الله بقلب سليم لأن غنى الدين سلامة القلب، كما أن غنى الدنيا المال والبنون فيكون الاستثناء تاما لذكر المستثنى منه وهو المال والبنون لكن المستثنى محذوف كما رأيت وناب عنه المضاف اليه أو يقدر إلا مال من أتى الله بقلب سليم وبنوه ويجوز أن يكون الكلام على طريقة قولك مال زيد وبنوه سلامة قلبه تريد اثبات سلامة قلبه وانها هي التي يريد ويغتبط لا المال والبنون سواء كان له المال والبنون أم لا هذا يطابق الآية لأنها تعم من له مال وبنون ومن لم يكن له ذلك لا من له ذلك فقط حتى يكون المراد نفي المال والبنين واثبات السلام بدلا عن ذلك، كما قال جار الله ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعا على تقدير مضاف أي لكن حال من أتى الله بقلب سليم تنفعه حاله أو لكن سلامة من أتى الله بقلب سليم تنفعه، ويجوز عندي لا عند جار الله أن لا يقدر مضاف أي لكن من أتى الله بقلب سليم ينفعه ماله وبنوه أو سلامة قلبه وعن سعيد بن المسيب القلب السليم هو الصحيح وقلب المؤمن واما قلب المشرك والمنافق فمريض وقيل سليم من البدعة وقيل الذي سلم وسلم وأسلم وسالم وقال الجنيد سليم بمعنى لديغ لدغته خشية الله وهو من بدع التفاسير.

اطفيش

تفسير : {يَوْم} بدل من يوم، وذلك من كلام ابراهيم الى "من المؤمنين" لاتصال الكلام بعضه ببعض، وإذا نصبنا يوم بمحذوف مثل اذكر يوم، أو يكون ذلك يوم كان من كلام الله عز وجل {لا ينْفَع مالٌ ولا بنَونَ} وغيرهم لا ينفع من باب أولى، أو يريد بالمال والبنين جميع منافع الدنيا تعبباً عن الكل بالبعض، الذى هو معظمه، كما قيل أيضاً: أراد بالبنين جميع الأعوان.

الالوسي

تفسير : {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ } بدل من {أية : يَوْمِ يُبْعَثُونَ } تفسير : [الشعراء: 87] جىء به تأكيداً لتهويل ذلك اليوم وتمهيداً لما يعقبه من الاستثناء وهو إلى قوله تعالى: {أية : إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً } تفسير : [الشعراء: 103] الخ من كلام إبراهيم عليه السلام، وابن عطية بعد أن أعرب الظرف بدلاً من الظرف الأول قال: إن هذه الآيات عندي منقطعة عن كلام إبراهيم عليه السلام وهي إخبار من الله عز وجل تتعلق بصفة ذلك اليوم الذي طلب إبراهيم أن لا يخزيه الله تعالى فيه، ولا يخفى عدم صحة ذلك مع البدلية، والمراد بالبنون معناه المتبادر، وقيل: المراد بهم جميع الأعوان، وقيل: المعنى يوم لا ينفع شيء من محاسن الدنيا وزينتها، واقتصر على ذكر المال والبنين لأنهما معظم المحاسن والزينة.

د. أسعد حومد

تفسير : (88) - وفي يَومِ القِيامةِ، يومَ يُبْعَثُ الخَلائِقُ، لا يَقِي المَرءَ منْ عذابِ اللهِ مالُهُ، ولوِ افْتَدَى بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَباً، ولا يَنْفَعُهُ بنُوهُ، ولا أحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ.

الثعلبي

تفسير : {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}خالص من الشرك والشك، فأمّا الذنوب فليس يسلم منها أحد هذا قول أكثر المفسّرين. وقال سعيد بن المسيّب: القلب السليم هو الصحيح، وهو قلب المؤمن لأنّ قلب الكافر والمنافق مريض، قال الله سبحانه {أية : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ}تفسير : [البقرة: 10]. وقال أبو عثمان النيسابوري: هو القلب الخالي من البدعة، المطمئن على السنّة. وقال الحسين بن الفضل: سليم من آفة المال والبنين. وقال الجنيد: السليم في اللغة اللديغ فمعناه: كاللّديغ من خوف الله. {وَأُزْلِفَتِ} وقُرّبت {ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ وَبُرِّزَتِ} وأُظهرت {ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ} للكافرين {وَقِيلَ لَهُمْ} يوم القيامة {أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ} لأنفسهم {فَكُبْكِبُواْ فِيهَا}. قال ابن عباس: جمعوا، مجاهد: ذهبوا، مقاتل: قذفوا، وأصله كببوا فكررت الكاف فيه مثل قولك: تهنهني وريح صرصر ونحوهما. {هُمْ وَٱلْغَاوُونَ} يعني الشياطين، عن قتادة ومقاتل، الكلبي: كَفَرة الجن. {وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ} وهم أتباعه ومن أطاعهُ من الجن والإنس قالوا للشياطين والمعبودين {تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُم} نعدلكم {بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} فنعبدكم من دونه {وَمَآ أَضَلَّنَآ} أي دعانا إلى الضلال وأمرنا به {إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ} يعني الشياطين، عن مقاتل، والكلبي: أوّلونا الذين اقتدينا بهم، أبو العاليه وعكرمة: يعني إبليس وابن آدم القاتل؛ لأنه أوّل مَن سنَّ القتال وأنواع المعاصي. {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ} قريب ينفعنا ويشفع لنا، وذلك حين يشفع الملائكة والنبيّون والمؤمنون. أخبرني الحسين بن محمد الفنجوي قال: حدّثنا محمد بن الحسين بن علي اليقطيني قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يزيد العقيلي قال: حدّثنا صفوان بن صالح قال: حدّثنا الوليد بن مسلم قال: حدّثنا من سمع أبا الزبير يقول: أشهد لسمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إنَّ الرجل ليقول في الجنة: ربّ ما فعل صديقي فلان وصديقه في الحميم؟ فيقول الله سبحانه: أخرجوا له صديقه الى الجنة فيقول مَنْ بقي {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ} . تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبة قال: حدّثنا سمعان بن أبي مسعود قال: حدّثنا المضّاء بن الجارود قال: حدّثنا صالح المرّي عن الحسن قال: ما اجتمع ملأ على ذكر الله تعالى فيهم عبد من أهل الجنة إلاّ شفّعه الله فيهم وإنّ أهل الإيمان شفعاء بعضهم في بعض، وهم عند الله شافعون مشفّعون. {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} رجعة الى الدنيا تمنّوا حين لم ينفعهم {فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله: {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ} [الشعراء: 88] فأتى بالمسألة التي تشغل الناس جميعاً، فكل إنسان يريد أن يكون غنياً صاحب مال وأولاد وعِزْوة، ومَنْ حُرِم واحدة منهما حَزِن وألم أشدّ الألم. والحق تبارك وتعالى يقول: {أية : ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ..}تفسير : [الكهف: 46]. ويقول سبحانه: {أية : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ ..}تفسير : [آل عمران: 14]. نعم، هي زينة الحياة الدنيا، ومعنى الزينة: الحُسْن غير الذاتي، فالحُسْن قد يكون ذاتياً في الجوهر كالمرأة التي تكون جميلة بطبيعتها التي خلقها الله عليها، دون أنْ تتكلّف الجمال، أو الزينة الظاهرة من مساحيق أو ذهب أو خلافه، لذلك سمَّوْها في اللغة (الغانية) وهي التي استغنْت بجمالها الطبيعي الذاتي عن أنْ تتزّين بأيِّ شيء آخر. وقوله: {إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 89] يعني: مع أن المال والبنين زينة الحياة الدنيا، فهذا لا يمنع نفعهما لصاحبهما إنْ أحسن التصرُّف في ماله، فأنفقه في الخير، وأحسن تربية أولاده التربية الصالحة، لكن هذه أيضاً لا تصفو له ولا تستقيم إلا إذا {أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 89]. يعني: توفّر له الإخلاص في هذا كله، وإلاَّ فالرياء يُحبط العمل، ويجعله هباءً منثوراً، إنْ كنتَ تفعل الخير في الدنيا ولا تؤمن بالله ولا تُنزهه سبحانه عن الشريك، فلن ينفعك عملك، ولن يكون لك منه نصيب في ثواب الآخرة. كما قال تعالى: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً}تفسير : [الفرقان: 23]. وفي الحديث القدسي: "حديث : ... فعلت ليقال وقد قيل ... ". تفسير : فعلتَ ليُقام لك حفل تكريم وقد أقيم لك، فعلتَ لتأخذ نيشاناً وقد أخذتَه، فعلتَ ليُكتب اسمك على باب المسجد وقد كُتِب، إذن: انتهت المسألة. فقوله تعالى: {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ} [الشعراء: 88] لا ينفي نفع المال والبنين، فهي نافعة شريطة أنْ تأتي اللهَ بقلب سليم، والسلامة هنا تعني: أن يظلَ الشيء على حاله وعلى صلاحه الذي خلقه الله عليه لا يصيبه عطب في ذاته، فيؤدي مهمته كما ينبغي. فكأن السلامة تُوجد أولاً، ونحن الذين نُفسِد هذه السلامة. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ}تفسير : [البقرة: 11-12]. لذلك لو تأمّل الناس فيما يُتعبهم في الحياة لوجدوا أنه ثمرة إفسادهم في الكون المنظم الذي خلقه الله على مقتضى حكمته تعالى، بدليل أن كل حركة في الكون لا يتدخل فيها الإنسان تراها مُستقيمة منتظمة لا تتخلف، فإنْ تدخَّل الإنسان وُجِد الفساد ووُجِد الظلم للغير، حتى للنبات وللجماد وللحيوان، وقد نهانا الشارع الحكيم عن هذا كله. هذا إنْ تدخّل الإنسان في الكون على غير مقتضى منهج ربه، فإنْ تدخَّل على هَدْى من منهج الله استقامتْ الأمور وتحققتْ السلامة. ألا ترى قوله تعالى في سورة الرحمن: {أية : ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ}تفسير : [الرحمن: 5-7]. لذلك تجد كل شيء في الكون موزوناً بقدر وبحكمة: الشمس والقمر والنجوم والهواء والماء .. الخ وكل عناصر الكون هذه تسير مستقيمة في منظومة الكون المتكاملة، لماذا؟ لأنه لا دَخْلَ للإنسان فيها. فمعنى القلب السليم: القلب الذي لا يعمُر إلا بما أراد الله أنْ يعمُرَ به، وقد ورد في الحديث القدسي: "حديث : ما وسعتني أرضي ولا سمائي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن ". تفسير : إذن: لا تزحم قلبك بما يَشْغَله من أمور الدنيا، واجعله خالياً لله مُنْشغلاً به، فهذه هي سلامة القلب؛ لأن القلب مفطور على هذا، مطبوع عليه .. ساعة خلقه الله خلقه صافياً سليماً من المشاغل؛ لذلك يقول سبحانه: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ ..}تفسير : [النحل: 78] لماذا؟ {أية : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}تفسير : [النحل: 78]. إذن: لا تأخذ المال والبنين منفصليْن عن سلامة القلب؛ لأن ربك يقول: {أية : وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً}تفسير : [الكهف: 46]. وفي آية: {أية : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ ..}تفسير : [آل عمران: 14] ختمها الحق سبحانه بقوله: {أية : ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ}تفسير : [آل عمران: 14]. ومن سلامة القلب أن يخلو من الشرك، وأن يخلو من النفاق؛ لأن المنافق يؤمن بلسانه، ولا يؤمن بقلبه، فقلبه لا يوافق لسانه؛ لذلك هو غير سليم القلب، فكان أشد إثماً من الكافر، وجعله الله في الدَّرْك الأسفل من النار. المنافق أشد تعذيباً من الكافر؛ لأن الكافر مع كُفْره هو منطقيّ مع نفسه، حيث كفر بقلبه وبلسانه، ونطق بما يعتقده، أما المنافق فقد غشَّنا وحُسِب علينا ظاهراً، ومنهم مَنْ كان يصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف الأول، وهو في حقيقة الأمر من الطابور الخامس داخل صفوف المسلمين. وكذلك الرياء ينافي سلامة القلب، فالمرائي يعمل للناس ولا يعمل لله، ونعجب حين نرى مَنْ يُقدِّم الجميل رياءً وسُمْعة، ثم يتهم مَنْ أسدى إليه الجميل بأنه ناكر للجميل، نقول له: لماذا تتهمه وقد سبقته فأنكرتَ جميل الله، حيث لم تجعله على بالك حين فعلتَ الخير. إذن: فهذا جزاؤك جزاءً وفاقاً، لأنك ما فعلتَ الخير لله، إنما فعلته للعبد فانتظر منه الجزاء. وصَفْقَة المرائي خاسرة، وتجارته بائرة؛ لأنه حين يعطي رياءً يستفيد منه الآخذ ويخرج هو صُفْر اليدين، كما قال سبحانه: {أية : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً ..}تفسير : [البقرة: 264]. وبعد ذلك ترى الناس تكره المرائي، ويُنكرون جميله في بناء مسجد أو مستشفى أو مدرسة مثلاً، ولو عمل ذلك لله لأبقى الله ذِكْره بين الناس، فحفظوا جميله، وأَثنَوْا عليه بالخير. حديث : ويُرْوى أن السيدة فاطمة الزهراء دخل عليها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدها تجلو درهماً في يدها، فلما سألها عنه قالت: لأنّي قد نويتُ أنْ أتصدّق به، فقال لها: تصدَّقي به وهو على حاله، فقالت: أنا أعلم أنه يقع في يد الله قبل أن يقع في يد الفقير، والله طيب لا يقبل إلا طيباً . تفسير : ثم يذكر الحق - تبارك وتعالى - نتيجة سلامة القلب وثمرة الإخلاص في العلم، فيقول: {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ...}.