Verse. 3022 (AR)

٢٦ - ٱلشُّعَرَاء

26 - Ash-Shu'ara (AR)

وَاُزْلِفَتِ الْجَنَّۃُ لِلْمُتَّقِيْنَ۝۹۰ۙ
Waozlifati aljannatu lilmuttaqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأُزلفت الجنة» قربت «للمتقين» فيرونها.

90

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن إبراهيم عليه السلام ذكر في وصف هذا اليوم أموراً: أحدها: قوله: {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ } والمعنى أن الجنة قد تكون قريبة من موقف السعداء ينظرون إليها ويفرحون بأنهم المحشورون إليها والنار تكون بارزة مكشوفة للأشقياء بمرأى منهم يتحسرون على أنهم المسوقون إليها قال الله تعالى في صفة أهل الثواب { أية : وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ } تفسير : [ق: 31] وقال في صفة أهل العقاب: { أية : فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [الملك: 27] وإنما يفعل الله تعالى ذلك ليكون سروراً معجلاً للمؤمنين وغماً عظيماً للكافرين ثانيها: قوله: {وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ } إلى قوله: {وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ } والمعنى أين آلهتكم هل ينفعونكم بنصرتهم لكم أو هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لأنهم وآلهتهم وقود النار وهو قوله: {فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ } أي الآلهة وعبدتهم الذين برزت لهم الجحيم، والكبكبة تكرير الكب جعل التكرير في اللفظ دليلاً على التكرير في المعنى كأنه إذا ألقي في جهنم ينكب مرة بعد مرة حتى يستقر في قعرها {وَجُنُودُ إِبْلِيسَ } متبعوه من عصاة الإنس والجن وثالثها: قوله: {قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوّيكُمْ بِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }. واعلم أن ظاهر ذلك أن من عبد خاصم المعبود وخاطبه بهذا الكلام، فليس يخلو حال الأصنام من وجهين إما أن يخلقها الله تعالى في الآخرة جماداً يعذب بها أهل النار فحينئذ لا يصح أن تخاطب ويجب حمل قولهم: {إِذْ نُسَوّيكُمْ بِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } على أنه ليس بخطاب لهم أو يقال إنه تعالى يحييها في النار، وذلك أيضاً غير جائز لأنه لا ذنب لها بأن عبدها غيرها. فالأقرب أنهم ذكروا ذلك لما رأوا صورها على وجه الاعتراف بالخطأ العظيم وعلى وجه الندامة لا على سبيل المخاطبة، والذي يحمل على أنه خطاب في الحقيقة قولهم: {وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ } وأرادوا بذلك من دعاهم إلى عبادة الأصنام من الجن والإنس وهو كقولهم: { أية : رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ } تفسير : [الأحزاب: 67] فأما قولهم: {فَمَا لَنَا مِن شَـٰفِعِينَ } كما نرى المؤمنين لهم شفعاء من الملائكة والنبيين {وَلاَ صَدِيقٍ } كما نرى لهم أصدقاء لأنه لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون، وأما أهل النار فبينهم التعادي والتباغض قال تعالى: { أية : ٱلأَخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ } تفسير : [الزخرف: 67] أو {فَمَا لَنَا مِن شَـٰفِعِينَ * وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ} [الشعراء: 100، 101] من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء لأنهم كانوا يعتقدون في أصنامهم أنهم شفعاؤهم عند الله تعالى، وكان لهم أصدقاء من شياطين الإنس، أو أرادوا أنهم إن وقعوا في مهلكة علموا أن الشفعاء والأصدقاء لا ينفعونهم ولا يدفعون عنهم، فقصدوا بنفيهم نفي ما تعلق بهم من النفع، لأن مالا ينفع فحكمه حكم المعدوم، والحميم من الاحتمام وهو الاهتمام وهو الذي يهمه ما يهمك، أو من الحامة بمعنى الخاصة وهو الصديق الخالص، وإنما جمع الشفعاء ووحد الصديق لكثرة الشفعاء في العادة وقلة الصديق، فإن الرجل الممتحن بإرهاق الظالم قد ينهض جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته رحمة له، وأما الصديق وهو الصادق في ودادك، فأعز من بيض الأنوق، ويجوز أن يريد بالصديق الجمع ثم حكى تعالى عنهم قولهم: {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } وأنهم تمنوا الرجعة إلى الدنيا، ولو في مثل هذا الوضع في معنى التمني كأنه قيل فليت لنا كرة، وذلك لما بين معنى لو وليت من التلاقي في التقدير، ويجوز أن تكون على أصلها ويحذف الجواب وهو لفعلنا كيت وكيت. قال الجبائي: إن قولهم {فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } ليس بخبر عن إيمانهم لكنه خبر عن عزمهم لأنه لو كان خبراً عن إيمانهم لوجب أن يكون صدقاً، لأن الكذب لا يقع من أهل الآخرة، وقد أخبر الله تعالى بخلاف ذلك في قوله: { أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } تفسير : [الأنعام: 28] وقد تقدم في سورة الأنعام بيان فساد هذا الكلام. ثم بين سبحانه أن فيما ذكره من قصة إبراهيم عليه السلام لآية لمن يريد أن يستدل بذلك ثم قال: {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ } والأكثرون من المفسرين حملوه على قوم إبراهيم ثم بين تعالى أن مع كل هذه الدلائل فأكثر قومه لم يؤمنوا به فيكون هذا تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم، فيما يجده من تكذيب قومه. فأما قوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ } فمعناه أنه قادر على تعجيل الانتقام لكنه رحيم بالإمهال لكي يؤمنوا.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ } أي قربت وأدنيت ليدخلوها. وقال الزجاج: قرب دخولهم إياها. {وَبُرِّزَتِ} أي أظهرت {ٱلْجَحِيمُ} يعني جهنم. {لِلْغَاوِينَ } أي الكافرين الذين ضلوا عن الهدى. أي تظهر جهنم لأهلها قبل أن يدخلوها حتى يستشعروا الروع والحزن، كما يستشعر أهل الجنة الفرح لعلمهم أنهم يدخلون الجنة. {وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} من الأصنام والأنداد {هَلْ يَنصُرُونَكُمْ} من عذاب الله {أَوْ يَنتَصِرُونَ} لأنفسهم. وهذا كله توبيخ. {فَكُبْكِبُواْ فِيهَا} أي قلبوا على رؤوسهم. وقيل: دهوروا وألقي بعضهم على بعض. وقيل: جمعوا. مأخوذ من الكَبْكَبَة وهي الجماعة؛ قاله الهرويّ. وقال النحاس: هو مشتق من كَوْكَبِ الشيءِ أي معظمه. والجماعة من الخيل كَوْكَبٌ وكَبْكَبة. وقال ابن عباس: جمعوا فطرحوا في النار. وقال مجاهد: دهوروا. وقال مقاتل: قذفوا. والمعنى واحد. تقول: دهورت الشيء إذا جمعته ثم قذفته في مَهْوَاة. يقال: هو يدهور اللقم إذا كبرها. ويقال: في الدعاء كَبَّ الله عدوّ المسلمين ولا يقال أكبه. وكبكبه، أي كبه وقلبه. ومنه قوله تعالى: {فَكُبْكِبُواْ فِيهَا} والأصل كُبِّبوا فأبدل من الباء الوسطى كاف استثقالاً لاجتماع الباءات. قال السدي: الضمير في {كُبْكِبُوا} لمشركي العرب {وَٱلْغَاوُونَ } الآلهة. {وَجُنُودُ إِبْلِيسَ} من كان من ذريته. وقيل: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام فاتبعه. وقال قتادة والكلبي ومقاتل: {الْغَاوُونَ} هم الشياطين وقيل: إنما تلقى الأصنام في النار وهي حديد ونحاس ليعذب بها غيرهم. {قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ } يعني الإنس والشياطين والغاوين والمعبودين اختصموا حينئذٍ. {تَٱللَّهِ} حلفوا بالله {إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي في خسار وتبار وحيرة عن الحق بينة إذا اتخذنا مع الله آلهة فعبدناها كما يعبد؛ وهذا معنى قوله: {إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أي في العبادة وأنتم لا تستطيعون الآن نصرنا ولا نصر أنفسكم. {وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ } يعني الشياطين الذين زينوا لنا عبادة الأصنام. وقيل: أسلافنا الذين قلدناهم. قال أبو العالية وعكرمة: {الْمُجْرِمُونَ} إبليس وابن آدم القاتل هما أوّل من سنّ الكفر والقتل وأنواع المعاصي. {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ } أي شفعاء يشفعون لنا من الملائكة والنبيين والمؤمنين. {وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ } أي صديق مشفق؛ وكان عليّ رضي الله عنه يقول: عليكم بالإخوان فإنهم عدّة الدنيا وعدّة الآخرة؛ ألا تسمع إلى قول أهل النار: {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ }. الزمخشري: وجمع الشافع لكثرة الشافعين ووحد الصديق لقلته؛ ألا ترى أن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم مضت جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته؛ رحمة له وحسبة وإن لم تسبق له بأكثرهم معرفة؛ وأما الصديق فهو الصادق في ودادك الذي يهمه ما يهمك فأعز من بيض الأُنُوق؛ وعن بعض الحكماء أنه سئل عن الصديق فقال: اسم لا معنى له. ويجوز أن يريد بالصديق الجمع والحميم القريب والخاص؛ ومنه حامّة الرجل أي أقرباؤه. وأصل هذا من الحميم وهو الماء الحار؛ ومنه الحَمّام والحُمّى؛ فحامّة الرجل الذين يحرقهم ما أحرقه؛ يقال: هم حُزانته أي يحزنهم ما يحزنه. ويقال: حَمّ الشيُء وأَحَمَّ إذا قرب، ومنه الحُمّى؛ لأنها تقرب من الأجل. وقال علي بن عيسى: إنما سمي القريب حميماً؛ لأنه يَحْمَى لغضب صاحبه، فجعله مأخوذاً من الحميّة. وقال قتادة: يذهب الله عز وجل يوم القيامة مودّة الصديق ورقة الحميم. ويجوز «وَلاَ صَدِيقٌ حَمِيمٌ» بالرفع على موضع {مِن شَافِعينَ}؛ لأن {مِن شَافِعِينَ} في موضع رفع. وجمع صديق أصدِقاء وصُدَقاء وصِداق. ولا يقال صُدُق للفرق بين النعت وغيره. وحكى الكوفيون: أنه يقال في جمعه صُدْقان. النحاس: وهذا بعيد؛ لأن هذا جمع ما ليس بنعت نحو رغِيف ورُغفان. وحكوا أيضاً صديق وأصادِق. وأفاعل إنما هو جمع أَفْعَل إذا لم يكن نعتاً نحو أشجع وأشاجع. ويقال: صديق للواحد والجماعة وللمرأة؛ قال الشاعر:شعر : نَصَبْنَ الهوَى ثم ارتمين قلوبَنا بأعْيُنِ أعْدَاءٍ وهُنّ صَدِيق تفسير : ويقال: فلان صُدَيّقِي أي أخص أصدقائي، وإما يُصَغّر على جهة المدح؛ كقول حُباب ابن المنذر: «أنا جُذَيْلُها المحكَّك، وعُذَيْقُها المرَجَّب) ذكره الجوهري. النحاس: وجمع حميم أحِمَّاء وأَحِمَّة وكرهوا أفعِلاء للتضعيف. {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} {أنّ} في موضع رفع، المعنى ولو وقع لنا رجوع إلى الدنيا لآمنا حتى يكون لنا شفعاء. تمنوا حين لا ينفعهم التمني. وإنما قالوا ذلك حين شفع الملائكة والمؤمنون. قال جابر بن عبد الله قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الرجل ليقول في الجنة ما فعل فلان وصديقه في الجحيم فلا يزال يشفع له حتى يشفعه الله فيه فإذا نجا قال المشركون: {مَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ}»تفسير : . وقال الحسن: ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبدٌ من أهل الجنة إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض وهم عند الله شافعون مشفَّعون. وقال كعب: إن الرجلين كانا صديقين في الدنيا، فيمُرّ أحدهما بصاحبه وهو يُجر إلى النار، فيقول له أخوه: والله ما بقي لي إلا حسنة واحدة أنجو بها، خذها أنت يا أخي فتنجو بها مما أرى، وأبقى أنا وإياك من أصحاب الأعراف. قال: فيأمر الله بهما جميعاً فيدخلان الجنة. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ } تقدّم والحمد لله.

ابن كثير

تفسير : {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ} أي: قربت وأدنيت من أهلها مزخرفة مزينة لناظريها، وهم المتقون الذين رغبوا فيها على ما في الدنيا، وعملوا لها في الدنيا، {وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ} أي: أظهرت وكشف عنها، وبدت منها عنق، فزفرت زفرة بلغت منها القلوب الحناجر، وقيل لأهلها تقريعاً وتوبيخاً: {أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ} أي: ليست الآلهة التي عبدتموها من دون الله من تلك الأصنام والأنداد تغني عنكم اليوم شيئاً، ولا تدفع عن أنفسها، فإنكم وإياها اليوم حصب جهنم أنتم لها واردون. وقوله: {فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ} قال مجاهد: يعني: قد هووا فيها. وقال غيره: كبِّبوا فيها، والكاف مكررة؛ كما يقال: صرصر، والمراد أنه ألقي بعضهم على بعض؛ من الكفار وقادتهم الذين دعوهم إلى الشرك {وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ} أي: ألقوا فيها عن آخرهم {قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي: يقول الضعفاء للذين استكبروا: إنا كنا لكم تبعاً، فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار؟ ويقولون وقد عادوا على أنفسهم بالملامة: {تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي: نجعل أمركم مطاعاً كما يطاع أمر رب العالمين، وعبدناكم مع رب العالمين، {وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ} أي: ما دعانا إلى ذلك إلا المجرمون {فَمَا لَنَا مِن شَـٰفِعِينَ} قال بعضهم: يعني من الملائكة: كما يقولون: {أية : فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ} تفسير : [الأعراف: 53] وكذا قالوا: {فَمَا لَنَا مِن شَـٰفِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ} أي: قريب. قال قتادة: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحاً نفع، وأن الحميم إذا كان صالحاً شفع {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} وذلك أنهم يتمنون أن يردوا إلى دار الدنيا ليعملوا بطاعة ربهم فيما يزعمون، والله تعالى يعلم أنهم لو ردَّهم إلى دار الدنيا، لعادوا لما نهوا عنه، وإنهم لكاذبون، وقد أخبر الله تعالى عن تخاصم أهل النار في سورة (صۤ) ثم قال تعالى: {أية : إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ} تفسير : [ص: 64] ثم قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ} أي: إن في محاجة إبراهيم لقومه وإقامة الحجج عليهم في التوحيد لآية، أي: لدلالة واضحة جلية على أن لا إله إلا الله، {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ } قُرِّبَتْ {لّلْمُتَّقِينَ } فيرونها.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُم وَالْغَاوُونَ} فيها أربعة أوجه: أحدها: معناه جمعوا فيها النار، قاله ابن عباس. الثاني: طرحوا فيها على وجوههم، قاله ابن زيد، وقطرب. الثالث: نكسوا فيها على رؤؤسهم، قاله السدي، وابن قتيبة. الرابع: قلب بعضهم على بعض، قاله اليزيدي، قال الشاعر: شعر : يقول لهم رسول الله لما قذفناهم كباكب في القَليب تفسير : {هُم وَالْغَاوُونَ} يعني الآلهة التي يعبدون. وفي الغاوين قولان: أحدهما: المشركون، قاله ابن عباس. الثاني: الشياطين، قاله قتادة. {وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ} فيهم قولان: أحدهما: أنهم أعوانه من الجن. الثاني: أتباعه من الإنس. قوله تعالى: {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ} فيهم قولان: أحدهما: الملائكة. الثاني: من الناس. {وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ} فيه وجهان: أحدهما: أنه الشقيق: قاله مجاهد. الثاني: القريب النسيب، يقال حم الشيء إذا قرب ومنه الحمى لأنها تقرب الأجل، قال قيس بن ذريح: شعر : لعل لبنى اليوم حُمّ لقاؤها وببعض بلاء إِنَّ ما حُمَّ واقِعُ تفسير : وقال ابن عيسى: إنما سمي القريب حميماً لأنه يحمى بغضب صاحبه، فجعله مأخوذاً من الحمية، وقال قتادة: يذهب الله يومئذٍ مودة الصديق، ورقة الحميم.

النسفي

تفسير : {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ } أي قربت عطف جملة على جملة أي تزلف من موقف السعداء فينظرون إليها {وَبُرّزَتِ ٱلْجَحِيمُ } أي أظهرت حتى يكاد يأخذهم لهبها {لِلْغَاوِينَ } للكافرين {وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ } يوبخون على إشراكهم فيقال لهم أين آلهتكم هل ينفعونكم بنصرتهم لكم، أو هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لأنهم وآلهتهم وقود النار

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} أي: أن الجنة تكون قريبة من موقف السعداء ينظرون إليها ويفرحون بأنهم المحشورون إليها. {وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ} أي: أُظْهِرَت. وقرأ مالك بن دينار: "وبَرَزت" بفتح الباء والراء خفيفة مبنياً للفاعل مسنداً لـ "الجحيم"، فلذلك رفع، والمراد بـ "الغاوين" الكافرون. {وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ}: يمنعونكم من العذاب بنصرتهم، أو ينفعون أنفسهم بانتصارهم. قوله: "فَكُبْكِبُوا" أي: أُلْقوا وَقُلِبَ بعضهم على بعض. قال الزمخشري: الكَبْكَبَة. تَكرِير الكبِّ، جعل التكرير في اللفظ دليلاً على التكرير في المعنى. وقال ابن عطية نحواً منه، قال: وهو الصحيح، لأن تكرير الفعل بَيِّنٌ نحو: صَرَّ وَصَرْصَرَ، وهذا هو مذهب الزجاج. وفي مثل هذا البناء ثلاثة مذاهب: أحدها: هذا. والثاني: وهو مذهب البصريين أن الحروف كلها أصول. والثالث: وهو قول الكوفيين: أن الثالث مبدل من مثل الثاني: فأصل "كَبْكَبَ": كَبَّبَ، بثلاث باءات، ومثله "لَمْلَمَ، وَكَفْكَفَ"، هذا إذا صح المعنى بسقوط الثالث، فأما إذا لم يصح المعنى بسقوطه كانت كلها أصولاً من غير خلاف نحو: "سِمْسِم، وخِمْخِم". وواو "كُبْكِبُوا" قيل: للأَصنام، إجراء لها مجرى العقلاء. وقيل: (لعابديها). فصل قال ابن عباس: جمعوا. وقال مجاهد: دُهْوِرُوا. وقال مقاتل: قذفوا وقال الزجاج: طُرِحَ بعضُهم على (بعض). وقال القتيبي: أُلْقُوا على رؤوسهم {هُمْ والغَاوُوْن} يعني: الشياطين، قاله قتادة ومقاتل. وقال الكلبي: كَفَرَةُ الجن. {وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ} أتباعه من الجن والإنس. وقيل: ذريته. قوله: {وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ} جملة حالية معترضة بين القول ومعموله ومعمول الجملة القسمية. قوله: {إِن كُنَّا لَفِي}. مذهب البصريين: أن "إن" مخففة، واللام فارقة. ومذهب الكوفيين: أن "إن" نافية، واللام بمعنى "إلا". فصل المعنى: قال الغاوون للشياطين والمعبودين {وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ} مع المعبودين، ويجادل بعضهم بعضا: {تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} يذكرون ذلك حين يروا صورها على وجه الاعتراف (بالخطأ العظيم وعلى) وجه الندامة لا على وجه المخاطبة، لأنها جماد لا تخاطب، وأيضاً فلا ذَنْبَ لها بأن عَبَدها غيرها. ومما يدل على أن ذلك ليس بخطاب لها في الحقيقة قولهم: {وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ} قوله: "إِذْ نُسَوِّيكُمْ". "إِذْ" منصوب إمَّا بـ "مُبِينٍ", وإما بمحذوف, أي: ضلَلْنَا في وقت تَسْوِيتنا لَكُم بالله في العبادة. ويجوز على ضعف أن يكون معمولاً لـ "ضَلاَلٍ" والمعنى عليه إلا أن ضعفه صِنَاعِيّ وهو أن المصدر الموصوف لا يعمل بعد وصفه. فصل "نُسَوِّيكُمْ" نَعْدِلُكُم "بِربِّ العَالَمِينَ" فنعبدكم, "وَمَا أَضَلَّنَا": دعانا إلى الضلال "إِلاَّ المُجْرِمُونَ". قال مقاتل: يعني الشياطين. وقال الكلبي: إلا أولونا الذين اقتدينا (بهم). قوله: {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ} أي: من يشفع لنا؟ كما نرى المؤمنين لهم شفعاء من الملائكة والنبيين والمؤمنين, "وَلاَ صَدِيقٍ" وهو الصادق في المودة بشرط الدين. قال جابر بن عبد الله: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "حديث : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَقُولُ فِي الجَنَّةِ: ما فَعَلَ صَدِيقي فُلان؟ وصَديقُه في الجحيم, فَيَقُولُ الله تعالى: أخْرِجُوا لَهُ صَدِيقَهُ إلى الجَنَّة. فيقول مَنْ بَقِيَ: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ ". تفسير : قال الحسن: "استكثروا من الأصدقاء المؤمنين, فإن لهم شفاعة يوم القيامة" والحميم: القريب, من قولهم: حامة فلان, أي: خاصته. وقال الزمخشري: الحميم: من الاحتمام, وهو الاهتمام أو من الحامة وهي الخاصة, وهو الصديق الخالص والنفي هنا يحتمل نفي الصديق من أصله, أو نفي صفته فقط, فهو من باب: شعر : 3914 - عَلَـى لاَحِــبٍ لاَ يُهْتَـــدَى بِمَنَـــارِهِ تفسير : و "الصديق" يحتمل أن يكون مفرداً وأن يكون مستعملاً للجمع, كما يستعمل العَدو لَهُ, فيقال: هم صديق, وهم عدو, وقد تقدم. وإنما جمع " الشافعين" ووحَّد "الصديق" لكثرة الشفعاء في العادة وقله الصديق. قوله: {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} لَوْ يجوز أن تكون المُشرَبَة معنى التمني, فلا جواب لها على المشهور, ويكون نصب "فَنَكُونَ" جواباً للتمني الذي أَفْهَمتهُ "لَوْ" ويجوز أن تكون على بابها, وجوابها محذوف, أي: لوَجَدْنا شفعاء وأصدقاء, أو لعملنا صالحاً وعلى هذا فنصب الفعل بـ "أن" مضمرة عطفاً على "كرة" أي: لو أنَّ لَنَا كَرَّةً (فكوناً) كقولها: شعر : 3915 - لَلُبْسُ عَبَــاءَةٍ وَتَقَــرَّ عَيْنِــي تفسير : فصل قال الجبائي: قولهم: {فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} ليس بخبر عن إيمانهم, لكنه خبر عن عزمهم, لأنه لو كان خبراً عن إيمانهم لوجب أن يكون صدقاً, لأن الكذب لا يقع من أهل الآخرة, وقد أخبر الله تعالى بخلاف ذلك في قوله: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} تفسير : [الأنعام: 28] وقد تقدم في سور الأنعام بيان فساد هذا الكلام. قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً} أي: فيما ذكره من قصة إبراهيم - عليه السلام - لآية لمن يريد أن يستدل بذلك ثم قال: {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ} حمله أكثر المفسرين على (قوم إبراهيم, ثم بين تعالى أن مع كل هذه الدلائل فأكثر قومه لم يؤمنوا به, فيكون هذا تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما يجده) من تكذيب قومه. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} أي: أنه قادر على تعجيل الانتقام لكنه رحيم بالإمهال لكي يؤمنوا.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك ‏ {‏وأزلفت الجنة للمتقين‏} ‏ قال‏:‏ قربت لأهلها‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن نبيح ابن امرأة كعب قال‏:‏ تزلف الجنة، ثم تزخرف، ثم ينظر إليها من خلق الله؛‏ من مسلم أو يهودي أو نصراني إلا رجلان‏:‏ رجلاً قتل مؤمناً متعمداً، أو رجلاً قتل معاهداً متعمدا‏ً.‏

القشيري

تفسير : {وَأُزْلِفَتِ}: أي قُرِّبَتْ وأُدْنِيَتْ في الوقت، فإنَّ ما هو آتٍ قريبٌ، وبالعين أُحْضِرَتْ. وكما تُجَرُّ النارُ إلى المحشر بالسلاسل فلا يَبْعُد إدناءُ الجنة من المتقين. {وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ} أُظْهِرَتْ؛ فتؤكَّدُ الحُجَّةُ على أرباب الجحود، ويُعْرَضُونَ على النار، وتُعْرَضُ عليهم منازلُ الأشرار، فَيُكَبْكَبُونَ فيها أجمعين، ويأخذون يُقِرُّونَ بذنوبهم، ومن جملتها ما أخبر أنهم يقولون:- {تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ...}.

اسماعيل حقي

تفسير : {وازلفت الجنة للمتقين} عطف على لاينفع وصيغة الماضى لتحقق وقوعه كما ان صيغة المضارع فى المعطوف عليه للدلالة على استمرار انتفاع النفع ودوامه اى قربت الجنة للمتقين عن الكفر والمعاصى بحيث يشاهدونها من الموقف ويقفون على مافيها من فنون المحاسن فيفرحون بانهم المحشورون اليها. وفى البحر اى قربت لانهم تبعدوا عنها لتقربهم الى الله تعالى

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (وأُزلفت): عطف على (ينفع)، وصيغة الماضي فيها وفيما بعدها؛ لتحقق الوقوع. يقول الحق جل جلاله، في شأن اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون: {وأُزلفتِ} أي: قُّربت {الجنةُ للمتقين}، أي: تزلف من موقف السعداء، فينظرون إليها، {وبُرِّزتِ الجحيمُ}: أُظهرت، حتى يكاد يأخذهم لهبها، {للغاوين}: للكافرين، {وقيلَ لهم أينَ ما كنتم تعبدون من دون الله هل يَنْصُرونكم} بدفع العذاب عنكم، {أو ينتصرون} بدفعه عن أنفسهم، يوبّخون على إشراكهم، فيقال لهم: أين آلهتكم التي عبدتموها، هل ينفعونكم اليوم بنصرتهم لكم؟ أو: هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لها؟ كلا، بل هم وآلهتهم وَقُودُ النار، كما قوله تعالى: {فكُبْكِبُوا فيها} أي: أُلقوا في الجحيم على وجوههم، مرة بعد أخرى، إلى أن يستقروا في قعرها. وفي القاموس: كبّه: قَلَبَهُ وصرعه، كأكبه وكبكبه. هـ. أي: صُرِعُوا؛ منكبين في الجحيم على وجوههم، {هم} أي: آلهتهم {والغاوون} أي: الذين كانوا يعبدونهم. وفي تأخير ذكرهم عن ذكر آلهتهم رمز إلى أنهم مُؤَخِّرُونَ عنها في الكبكبة؛ ليشاهدوا سوء حالها، فيزدادوا غماً على غم، {وجنودُ إبليسَ} أي: يكبكبون معهم {أجمعون}، وهو شياطينه الذين كانوا يقوونهم ويوسوسونهم، ويُسَوِّلُونَ لهم ما هم عليه من عبادة الأصنام، وسائر فنون الكفر والمعاصي، أو:متبعوه من عصاة الجن والإنس؛ ليجتمعوا في العذاب، حسبما كانوا مجتمعين فيما يوجبه. {قالوا} أي: العبدة {وهم فيها يختصمون} أي: قالوا معترفين بخطئهم في انهماكهم في الضلالة؛ متحسرين، والحال: أنهم في الجحيم بصدد الاختصام مع من معهم من المذكورين, فيجوز أن يُنطق الله الأصنامَ, حتى يصح منها التخاصم والتقاول، ويجوز أن يجري ذلك بين العصاة والشياطين. قالوا: {تالله إنْ كُنَّا لفي ضَلاَل مُبِين} أي: إن الشأن كنا في ضلال واضح، لا خفاء فيه، {إذ نسويكم}؛ نَعْدِلُكُم {بربِّ العالمين} فنعبدُكم معه، أي: تالله لقد كنا في ضلال فاحش وقت تسْويتنا إياكم أيها الأصنام، في استحقاق العبادة، برب العالمين، الذي أنتم أدنى مخلوقاته، وأذلهم وأعجزهم، {وما أضَلَّنا إلا المجرمون} أي: رؤساؤهم، الذين أضلوهم، وإبليس وجنوده، ومن سنَّ الشرك. وليس المراد قصر الإضلال على المجرمين دون من عداهم، بل قصر ضلالهم على كونه بسبب إضلالهم، من غير أن يستقلوا به، وهذا كقولهم: {أية : رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ} تفسير : [الأحزاب: 67]. وعن السُّدِّي: هم الأولون الذين اقتدوا بهم. وأيّا ما كان ففيه التعريض للذين قالوا: {بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون}. ثم قالوا: {فما لنا من شافعين} كما للمؤمنين من الملائكة والأنبياء - عليهم السلام - وغيرهم ممن أُهِّلَ للشفاعة. {ولا صديقٍ حميم} كما لهم أصدقاء؛ إذ لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون، وأما الكفار فبينهم التعادي كما يأتي في الآية. أو: ما لنا من شافعين، ولا صديق من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن أصنامهم تشفع لهم عند الله، وكان له أصدقاء من شياطين الإنس، فلم ينفعهم شيء من ذلك. وجمع الشفعاء ووحّد الصديق؛ لكثرة الشفعاء. وأما الصديق، وهو الصادق في ودادك، الذي يهمه ما أهمك، ويسره ما أسرك، فقليل، وسئل حكيم عن الصديق، فقال: (اسم لا معنى له)، أي: لا وجود له، والبركة لا تنقطع. قال القشيري: في الخبر: يجيء يوم القيامة عَبْدٌ فيُحاسَبُ، فتستوي حسناتُه وسيئاته، ويحتاج إلى حسنة واحدة يرْضى عنه خصومه، فيقول الله سبحانه له: عبدي يقيت لك حسنةٌ، إن كانت أَدْخَلْتُك الجنةََ، انْظُرْ، وتَطَلَّبْ من الناس لعلَّ أحداً يهبها لَكَ. فيأتي الصفين، فيطلب من أبيه، ثم من أمه، ثم من أصحابه، فلا يجيبه أحدٌ إلا بقوله: أنا اليومَ فقيرٌ إلى حسنةٍ واحدة، فيرجع إلى مكانه، فيسأله الحقُّ - سبحانه: ما جئتَ به؟ فيقول: يا ربِّ لم يُعْطِني أحد حسنةً، فيقول الله تعالى: عبدي... ألم يكن لك صديق؟ فيتذكر العبدُ، ويقول فلان كان صديقاً لي فيك، فيأتيه ويدل الحق عليه، فيكلِّمه، فيقول: بل لي عباداتٌ كثيرة، فإن قَبِلَها الله مني فقد وهبتُها لك، فيُسَرُّ ويجيء إلى موضعه، فيخبر بذلك ربَّه تعالى, فيقول قد قَبِلتُها منه, ولم أنقص من حقِّه شيئاً, وقد غفرت لك وله - فهذا معناه. هـ. ونقل القرطبي عن الحسن قال: ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة، إلا شفَّعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض، وهم عند الله شافعون مشفعون. هـ. ثم قالوا: {فلو أن لنا كرةً} أي: رجعة إلى الدنيا {فنكون من المؤمنين}، وجواب {لو} التَّمْنِيَةِ: محذوف، أي: لفعلنا كيت وكيت؛ إذ "لو"، في مثل هذا، للتمني، أي: فليت لنا كرة فنكون من المؤمنين. {إن في ذلك} أي: فيما ذكر من الأنباء العجيبة؛ كقصة إبراهيم مع قومه، وما ترتب على ذلك من الوعد والوعيد، {لآيةً} عظيمة، موجبة للزجر عن عبادة الأصنام، لا سيما لأهل مكة، الذين يدَّعون أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام، أو: إن في ذكر نبأه، وتلاوته عليهم، على ما هو عليه، من غير أن تسمعه من أحد، لآية عظيمة دالة على أن ما نتلوه عليهم وحْيٌ صادق، نازل من جهته تعالى، موجبة للإيمان به، {وَمَا كَانَ أَكْثَرهُمُ مُّؤْمِنِينَ} أي: وما أكثر هؤلاء، الذين تتلو عليهم هذه الأنباء، مؤمنين، بل هم مُصِرُّون على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. ولا يحسن رجوعه لقوم إبراهيم، على أن {كان} أصلية؛ لأنه لم يؤمن من قومه إلا لوط فقط. {وإِن ربك لهو العزيزُ الرحيمُ} أي: هو القادر على تعجيل العقوبة لقومك، ولكنه يمهلهم بحلمه ورحمته؛ ليؤمن بعض منهم أو من ذريتهم. وبالله التوفيق. الإشارة: وأُزلفت جنة المعارف للمتقين السِّوى، وبرزت جحيم القطيعة للغاوين، المتبعين الهوى. وفي الحِكَم: "لا يُخَافُ أن تلتبس الطرقُ عليك، إنما يُخَافُ من غلبة الهوى عليك" وقيل لأهل الهوى: أين ما كنتم تعبدون من دون الله، من الحاملين لكم على البقاء مع الحظوظ والشهوات، هل ينصروكم أو ينتصرون؟ فكُبكبوا في الحضيض الأسفل، هم والغاوون لهم، الذين منعوهم من الدخول في حضرة الأولياء، وجنود إبليس أجمعون. قالوا - وهم في غم الحجاب ونار القطيهة يختصمون -: تالله إن كنا لفي ضلال مبين، إذ نسويكم برب العالمين في المحبة والميل، وما أضلنا إلا المجرمون، الذين حكموا بقطع التربية على الدوام، وسدوا الباب في وجوه الرجال، فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم، يشفع لنا حتى نلتحق بالمقربين. هيات لا يكون اللحوق بهم إلا بالدخول معهم، في مقام المجاهدة في دار الدنيا، ثم يتمنون الرجوع؛ ليُصدِّقوا بهم، وينخرطوا في سلكهم، فلا يجدون له سبيلاً. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة نوح عليه السلام، فقال: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ...}

الطوسي

تفسير : معنى {وأزلفت الجنة للمتقين} قربت لهم ليدخلوها {وبرزت الجحيم للغاوين} أي أظهرت الجحيم للعاملين بالغواية وتركهم الرشاد، يقال: برز يبرز بروزاً، وأبرزه إبرازاً، وبرزه تبريزاً، وبارزه مبارزة، وتبارزا تبارزاً. وفى رؤية الانسان آلات العذاب التي أعدت لهم عذاب عظيم، وألم جسيم للقلب فبروز الجحيم للغاوين بهذه الصفة. و (الغاوي) العامل بما يوجب الخيبة من الثواب: غوى الرجل يغوى غياً وغواية، وأغواه غيره إغواء، واستغواه استغواء واصله الخيبة قال الشاعر: شعر : فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغيّ لائماً تفسير : ثم اخبر أنه يقال لهم، يعني للغاوين على وجه التوبيخ لهم والتقريع {أين ما كنتم تعبدون من دون الله} وإنما وبخوا بلفظ الاستفهام، لانه لا جواب لهم عن ذلك إلا بما فيه فضيحتهم، كقولك اينما كنت تعبد من دون الله؟! لا يخلصك من عقابه {هل ينصرونكم} ويدفعون عنكم العقاب في هذا اليوم {أو ينتصرون} لكم إذا عوقبتم!، فمن عبدها، فهو الغاوي في عبادته، لا يملك رفع الضرر عن نفسه، ولا عن عابده مع أنه لا حق به. ثم قال {فكبكبوا فيها} ومعناه كبوا إلا انه ضوعف، كما قال {أية : بريح صرصر} تفسير : أي صر. وقيل: جمعوا بطرح بعضهم على بعض - عن ابن عباس - وقال مجاهد: هووا {هم والغاون} أي وكب الغاون معهم، وكب معهم {جنود إبليس} أي من اتبعه من ولده، وولد آدم. وقال ابو عبيدة (كبكبوا) معناه طرحوا فيها بعضهم على بعض جماعة جماعة. وقال المبرد: نكسوا فيها من قولهم: كبه الله لوجهه.

الجنابذي

تفسير : حال بتقدير قد او عطف على جملة يبعثون، والاتيان بالماضى للاشعار بتحقّق وقوعه.

اطفيش

تفسير : {وَأُزْلِفَتْ الجَنَّةُ} قربت. {لِلْمُتَّقِينَ} فيرونها ويفتخرون بأنهم المحشورون اليها ويغتبطونها.

اطفيش

تفسير : {وأزْلِفَتِ} قربت {الجنَّة للمتَّقِين} عطف على يبعثون أو لا ينفع والمتقون من مات غير مصر، وإزلافها تقريبها من مكانها الى المتقين، والله قادر أو انكشف عنها بتقوية أبصارهم، فيروها من المحشر، وهى فوق السماء السابعة.

الالوسي

تفسير : عطف على {أية : لاَّ ينفَعُ } تفسير : [الشعراء: 88] وصيغة الماضي فيه وفيما بعده من الجمل المنتظمة معه في سلك العطف للدلالة على تحقق الوقوع وتقرره كما أن صيغة المضارع في المعطوف عليه للدلالة على الاستمرار وهو متوجه إلى النفع فيدل الكلام على استمرار انتفاء النفع واستمراره حسبما يقتضيه مقام التهويل أي قربت الجنة للمتقين عن الكفر، وقيل: عنه وعن سائر المعاصي بحيث يشاهدونها من الموقف ويقفون على ما فيها من فنون المحاسن فيبتهجون بأنهم المحشورون إليها.

ابن عاشور

تفسير : الظاهر أن الواو في قوله: {وأزلفت الجنة للمتقين} واوُ الحال، والعامل فيها {أية : لا ينفع مال}تفسير : [الشعراء: 88]، أي يوم عدم نفع من عدا من أتى الله بقلب سليم وقد أزلفت الجنة للمتقين. والخروج إلى تصوير هذه الأحوال شيء اقتضاه مقام الدعوة إلى الإيمان بالرغبة والرهبة لأنه ابتدأ الدعوة بإلقاء السؤال على قومه فيما يعبدون إيقاظاً لبصائرهم، ثم أعقب ذلك بإبطال إلهية أصنامهم. والاستدلال على عدم استئهالها الإلهية بدليل التأمل، وهو أنها فاقدة السمع والبصر وعاجزة عن النفع والضر، ثم طال دليل التقليد الذي نحا إليه قومه لما عجزوا عن تأييد دينهم بالنظر. فلما نهضت الحجة على بطلان إلهية أصنامهم انتصب لبيان الإله الحق رب العالمين، الذي له صفات التصرف في الأجسام والأرواح، تصرف المنعم المتوحّد بشتّى التصرف إلى أن يأتي تصرفه بالإحياء المؤبد وأنه الذي نطمع في تجاوزه عنه يوم البعث فليعلموا أنهم إن استغفروا الله عما سلف منهم مِن كُفْر فإن الله يغفر لهم، وأنهم إن لم يقلعوا عن الشرك لا ينفعهم شيء يوم البعث، ثم صور لهم عاقبة حَالَي التقوى والغواية بذكر دار إجزاء الخير ودار إجزاء الشر. ولما كان قومه مستمرين على الشرك ولم يكن يومئذ أحد مؤمناً غيره وغير زوجه وغير لوط ابن أخيه كان المقام بذكر الترهيب أجدر، فلذلك أطنب في وصف حال الضالّين يوم البعث وسوءِ مصيرهم حيث يندمون على ما فرطوا في الدنيا من الإيمان والطاعة ويتمنون أن يعودوا إلى الدنيا ليتداركوا الإيمان ولات ساعة مَندم. والإزلاف: التقريب. وقد تقدم في قوله: {أية : وأزلفنا ثَمّ الآخرين} تفسير : في هذه السورة (64). والمعنى: أن المتقين يجدون الجنة حاضرة فلا يتجشمون مشقة السوْق إليها. واللام في {للمتقين} لام التعدية. و{برزت} مبالغة في أُبرزت لأن التضعيف فيه مبالغة ليست في التعدية بالهمزة، ونظيره قوله تعالى: {أية : وبُرّزت الجحيم لمن يرى} تفسير : في سورة النازعات (36). والمراد بــــ{الغاوين} الموصوفون بالغواية، أي ضلال الرأي. وذكْر ما يقال للغاوين للإنحاء عليهم وإظهار حقارة أصنامهم، فقيل لهم {أين ما كنتم تعبدون} وفي الاقتصار على ذكر هذا دون غيره مما يخاطبون به يومئذ مناسبة لمقام طلب الإقلاع عن عبادة تلك الأصنام. وأسند فعل القول إلى غير معلوم لأن الغرض تعلق بمعرفة القول لا بمعرفة القائل، فالقائل الملائكة بإذن من الله تعالى لأن المشركين أحقر من أن يوجه الله إليهم خطابه مباشرة. والاستفهام في قوله: {أين ما كنتم تعبدون} استفهام عن تعيين مكان الأصنام إن لم تكن حاضرة، أو عن عملها إن كانت حاضرة في ذلك الموقف، تنزيلاً لعدم جدواها فيما كانوا يأملونه منها منزلةَ العدم تهكّماً وتوبيخاً وتوقيفاً على الخطأ. والاستفهام في {هل ينصرونكم} كذلك مع الإنكار أن تكون الأصنام نصراء. والانتصار طلب النصير. وكتب {أينما} في المصاحف موصولة نون (أين) بميم (ما) والمتعارف في الرسم القياسي أن مثله يكتب مفصولاً لأن (ما) هنا اسم موصول وليست المزيدة بعد (أين) التي تصير (أين) بزيادتها اسم شرط لعموم الأمكنة، ورسم المصحف سنة متبعة. و{أو} للتخيير في التوبيخ والتخطئة، أي هل أخطأتم في رجاء نصرها إياكم، أو في الأقل هل تستطيع نَصر أنفسها وذلك حين يلقى بالأصنام في النار بمرأى من عبدتها ولذلك قال: {فكبكبوا فيها}، أي كبكبت الأصنام في جهنم. ومعنى {كُبكِبوا} كُبُّوا فيها كَباً بعد كَبَ فإنَّ {كبكبوا} مضاعف كُبُّوا بالتكرير وتكرير اللفظ مفيد تكرير المعنى مثل: كفكَف الدمعَ، ونظيره في الأسماء: جيش لَمْلَم، أي كثير، مبالغة في اللَّم، وذلك لأن له فعلاً مرادفاً له مشتملاً على حروفه ولا تضعيف فيه فكان التضعيف في مرادفه لأجل الدلالة على الزيادة في معنى الفعل. وضمائر {ينصرونكم و ينتصرون و كُبكبوا} عائدة إلى {ما كنتم تعبدون} بتنزيلها منزلة العقلاء. وجنود إبليس: هم أولياؤه وأصناف أهل الضلالات التي هي من وسوسة إبليس. وتقدم الكلام على إبليس في سورة البقرة.

القطان

تفسير : أُزلفت: قربت. وبُرّزت: بضم الباء وتشديد الراء المكسورة: جُعلت ظاهرة. الغاوين: الضالين عن طريق الحق. كبكبوا: ألقوا على وجوههم مرة بعد اخرى. نسوّيكم: نجعلكم مساوين له في استحقاق العبادة. ولا صديق حميم: ولا صديق خالص الود. فلو ان لنا كرّة: لو ان لنا رجعة ثانية الى الدنيا. وقُرّبت الجنةُ وهيئت للسعداء الذين أطاعوا الله وآمنوا برسُله واتبعوا دينه، كما أُظهِرت جهنّم للضالين الجاحدين، وقيل لهم: أين آلهتكم التي كنتم تعبدونها من دون الله؟ هل يستطيعون إنقاذكم او ينتصرون لأنفسهم؟ انكم وإياهم جميعاً في النار. ثم أُلقوا في الجحيم على وجوههم. فلما احتشدوا جميعاً في جهنّم أخذوا يتخاصمون مع أربابهم، فقالوا لهم: واللهِ إنّا كنا في الدنيا ضالّين باتّباعكم حين أطعناكم وسوّيناكم برب العالمين. وما اضلَّنا الا المجرمون من أعوانكم.... ونحن ليس لنا اليومَ من يشفع فينا ويُخرجنا من هذه النار، ولا صديقَ يحمينا منها! يا ليتنا نعودُ الى الدنيا فنؤمن بالله ونكفر بكم. ان فيما ذكِر من نبأ ابراهيم لعظةً وعبرة لمن أراد ان يتعظ ويعتبر، وما كان اكثرُ قومِك يا محمد من المؤمنينَ، {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}

د. أسعد حومد

تفسير : (90) - وأُدْنِيَتِ الجَنَّةُ وقُرِّبَتْ منَ السُّعَداءِ المُتَّقِين، حَتى أصْبَحَتْ مِنْهُمْ بِمَرْأَى البصَرِ وهيَ مُزَيَّنَةٌ مُزَخْرَفَةٌ لِيَفْرَحُوا بِرُؤْيَتِها، وهؤلاءِ المُتقونَ هُمُ الذينَ رَغِبُوا فيها، وعَمِلوُا لَها، واعْتَقَدُوا أنَّهُمْ سَيُحْشَر ُون إليْها. أُزْلِفَتِ الجَنَّةُ - قُرِّبَتْ لِتُصْبِحَ بِمَرأَى العَيْنِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {وَأُزْلِفَتِ ..} [الشعراء: 90] يعني: قرِّبت، لكن كيف تقرب منهم وهم بداخلها؟ قالوا: تُقرَّب منهم قبل أن يدخلوها، وهم ما زالوا في شدة الموقف وهول القيامة والحساب، فتُقرَّب منهم الجنة ليطمئنوا بها، ويهون عليهم هذا الموقف الصعب. وفي آية أخرى: {أية : وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ}تفسير : [ق: 31] يعني: يروْنها عياناً، ويعرفون أنها النعيم الذي ينتظرهم، وسوف يباشرونه عن قريب، كما لو دُعِيْتَ إلى مائدة أحد العظماء، وقد أُعدَّتْ على أتمَّ وجه، فإن من النعيم أن تمر بها وتشاهد ما عليها من أطايب الطعام قبل أن يحين وقت الاجتماع عليه.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ} معناه قُرِّبتْ.

الأندلسي

تفسير : {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ} قربت لينظروا إليها ويغتبطوا بحشرهم إليها. {وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ} أظهرت وكشفت بحيث كانت بمرأى منهم وجيء ذلك كله بلفظ الماضي في أتى وأزلفت وبرزت لتحقق وقوع ذلك وإن كان لم يقع والضمير في فكبكبوا عائد على الأصنام أجريت مجرى من يعقل من حيث ذكرت بعبادة وأسند إليها فعل من يعقل * والغاوون هم الكفرة الذين شملتهم الغواية. {وَجُنُودُ إِبْلِيسَ} قبيله وكل من تبعه فهو جند له وعون والخطاب في إذ نسويكم للأصنام على جهة الإِعتراف والإِقرار بالحق. {وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ} أي أصحاب الجرائم والمعاصي العظام والجرأة وهم ساداتهم وذوو المكانة في الدنيا والاستتباع كقولهم أطعنا سادتنا وكبراءنا الآية والظاهر أن لو أشربت معنى التمني وفتكون الجواب كأنه قيل يا ليت لنا كرة فنكون وقيل هي الخالصة للدلالة لما كان سيقع لوقوع غيره فيكون قوله فنكون معطوفاً على كرة أي فنكون من المؤمنين وجواب لو محذوف أي لكان لنا شفعاء وأصدقاء أو لخلصتا من العذاب والإِشارة بقوله ان في ذلك إلى قصة إبراهيم ومحاورته لقومه. {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم} أي أكثر قوم إبراهيم بين تعالى أن أكثر قومه لم يؤمنوا مع ظهور هذه الدلائل التي استدل بها إبراهيم عليه السلام وفي ذلك مسلاة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في تكذيب قومه إياه عليه الصلاة والسلام. {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ} الآية تقدم الكلام على قوم نوح. {أَلاَ تَتَّقُونَ} لما عرض عليهم تقوى الله برفق انتقل من العرض إلى الأمر فقال: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} في نصحي لكم وفيما دعوتكم إليه من توحيد الله وإقراره بالعبادة فشرع أشرافهم في تنقيص متبعيه وأن الحامل على انتفاء إيمانهم له كونه اتبعه الأرذلون وقوله: {وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ} جملة حالية أي كيف نؤمن وقد اتبعك أراذلنا فنتساوى معهم في اتباعك وكذا فعلت قريش في شأن عمار وصهيب والضعفاء أكثر استجابة من الرؤساء لأن أذهانهم ليست مملوءة بزخارف الدنيا فهم أدرك للحق وأقبل لهم من الرؤساء وقرىء وابتاعك جمع تابع كصاحب وأصحاب. {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} هذا مشعر بأنهم طلبوا منه ذلك فأجابهم بذلك كما طلب رؤساء قريش من رسول الله صلى الله أن يطرد من آمن من الضعفاء فنزلت ولا تطرد الذين يدعون ربهم إي لا أطردهم عني لاتباع شهواتكم والطمع في إيمانكم ولما اعتلوا في ترك إيمانهم بإِيمان من هو دونهم دل ذلك على أنه لم تثلج صدورهم للإِيمان إذ اتباع الحق لا يأنف منه أحد لوجود الشركة فيه أخذوا في التهديد والوعيد. {قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ} عن تقبيح ما نحن عليه وادعائك الرسالة من الله تعالى. {لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ} أي بالحجارة وقيل بالشتم وأيس إذ ذاك من فلاحهم فنادى ربه وهو أعلم بحاله. {إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ} فدعائي ليس لأجل أنهم آذوني ولكن لأجل دينك. {فَٱفْتَحْ} أي فاحكم ودعا لنفسه ولمن آمن به بالنجاة وفي ذلك إشعار بحلول العذاب بقومه أي ونجني مما يحل بهم والمشحون المملوء بما ينبغي له من قدر ما يحمل يقال شحنها عليهم خيلاً ورجالاً. {ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ} أي بعد نجاة نوح والمؤمنين. {كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ} الآية وكان أخاهم من النسب وكان تاجراً جميلاً أشبه الخلق بآدم عليه السلام عاش أربعمائة سنة وأربعاً وستين سنة وبينه وبين ثمود مائة سنة وكانت منازل عاد ما بين عمان إلى حضرموت أمرع البلاد فجعلها الله جبالاً ورمالاً أمرهم أولاً بما أمر به نوح قومه ثم نعى عليهم من سوء أعمالهم مع كفرهم فقال: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ} والريع بكسر الراء وفتحها جمع ريعة وهو المكان المرتفع وقال أبو عبيدة الريع أيضاً الطريق * والمصانع جمع مصنعة قيل وهي البناء على الماء ولما خوفهم عذاب الله وعقابه كان من جوابهم أن قالوا: {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ} وعظك وعدمه وجعلوا قوله وعظاً إذ لم يعتقدوا صحة ما جاء به وأنه كاذب فيما ادعاه وقولهم ذلك على سبيل الاستخفاف وعدم المبالاة بما خوفهم به. {كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ} الآية. {أَتُتْرَكُونَ} يجوز أن يكون إنكاراً لأن يتركوا مخلدين في نعيم لا يزولون عنه وأن يكون تذكيراً بالنعمة في تخلية الله إياهم وما يتبعون فيه من الجناة وغير ذلك مع الأمن والدعة والنخل والهضيم قال ابن عباس: إذا أينع وبلغ * من الجبال أي مغارات ليحفظوا أموالهم. {فَارِهِينَ} قال قتادة: آمنين وقيل غير ذلك * ومثلنا أي في الأكل والشرب وغير ذلك من صفات البشر فلا اختصاص لك بالرياسة. {فَأْتِ بِآيَةٍ} أي بعلامة على صحة دعواك وفي الكلام حذف تقديره قال آتي بها قالوا ما هي قال هذه ناقة * روي أنهم اقترحوا عليه ناقة عشراء تخرج من هذه الصخرة تلد سبقاً فقعد صالح يتفكر فقال له جبريل عليه السلام صل ركعتين وسل ربك بالناقة ففعل فخرجت الناقة وبركت بين أيديهم ونتجت سبقاً مثلها في العظم وتقدّم في الأعراف طرف من قصة ثمود والناقة والشرب النضيب المشروب من الماء نحو السقي وظاهر هذا العذاب أنه في الدنيا وكان وقع ووصف بالعظم لحلول العذاب فيه ونسب العقر إلى جميعهم لكونهم راضين بذلك حتى روي أنهم استرضوا المرأة في خدرها والصبيان فرضوا جميعاً. {فَأَصْبَحُواْ نَادِمِينَ} لا ندم توبة بل ندم خوف أن يحل بهم العذاب عاجلاً وذلك عند معاينة العذاب وذلك في غير وقت التوبة أصبحوا وقد تغيرت ألوانهم حسبما كان أخبرهم به صالح عليه السلام وكان العذاب صيحة خمدت لها أبدانهم وانشقت قلوبهم وماتوا عن آخرهم وصب عليهم حجارة خلال ذلك وأل في أخذهم العذاب للعهد في العذاب السابق أي عذاب ذلك اليوم العظيم. {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ} الآية. {أَتَأْتُونَ} إستفهام إنكار وتقريع وتوبيخ والذكر أن جمع ذكر مقابل الأنثى والإِتيان كناية عن وطء الرجال وقد سماه تعالى بالفاحشة. {مِنَ ٱلْعَالَمِينَ} وهو مخصوص بذكر أن بني آدم وقيل مخصوص بالغرباء. {وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ} ظاهر في كونهم لا يأتون النساء اما البتة وإما غلبة. {مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ} يدل على الإِباحة بشرطها. {مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ} أي من الإِناث. {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} أي متجاوزون الحد في الظلم وهو إضراب بمعنى الإِنتقال من شىء إلى شىء ولما نهاهم عن هذا الفعل القبيح توعدوه بالإِخراج وهو النفي من بلده الذي نشأ فيه أي لئن لم تنته عن دعواك النبوة وعن الإِنكار علينا فيما نأتيه من الذكر ان لننفينك كما نفينا من نهانا قبلك. {قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ} أي للفاحشة التي أنتم تعملونها ولعملكم متعلق بالقالين قال أبو عبد الله الرازي القلى البغض الشديد كأنه بغض فقلى الفؤاد والكبد "انتهى" ولا يكون قلى بمعنى أبغض وقلى من الشيّ والطبخ من مادة واحدة لاختلاف التركيب فمادة قلى من الشي من ذوات الواو وتقول قلوت اللحم فهو مقلو ومادة قلى من البغض من ذوات الياء قليت الرجل فهو مقلي ولست بمقلي الخلال ولا قال ولما توعدوه بالإِخراج أخبرهم ببغض عملهم ثم دعا ربه فقال: {رَبِّ نَّجِنِي وَأَهْلِي} أي من عقوبة ما يعملون من المعاصي * ولما كانت زوجته مندرجة في الأصل وكان ظاهر دعائه دخولها في النتيجة وكانت كافرة استثنيت في قوله: {فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ} وفي الغابرين صفة أي من الباقين من لداتها وأهل بيتها ونجاته عليه السلام ان أمره بالرحلة ليلاً وكانت امرأته كافرة تعين عليه قومه فأصابها حجر فهلكت فيمن هلك قال قتادة: أمطر الله تعالى على شذاذ القوم حجارة من السماء فهلكوا وقال مقاتل خسف الله بقوم لوط وأرسل الحجارة على من كان خارجاً من القرية ولم يكن فيها مؤمن إلا بيت لوط عليه السلام. {كَذَّبَ أَصْحَابُ لْئَيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ} روي في الحديث أن شعيباً أخا مدين أرسل إليهم وإلى أصحاب الأيكة أمرهم بإِيفاء الكيل وهو الواجب ونهاهم عن الإِخسار وهو التطفيف ولم يذكر الزيادة على الواجب لأن النفوس قد تشح بذلك فمن فعله فقد أحسن ومن تركه فلا حرج وتقدم تفسير القسطاس في سورة الإِسراء. {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ} تقدم الكلام عليها ولما تقدم أمره عليه السلام بتقوى الله إياهم أمرهم ثانياً بتقوى من أوجدهم وأوجد من قبلهم تنبيهاً على أن من أوجدهم قادر أن يعدمهم ويهلكهم وعطف عليهم. {وَٱلْجِبِلَّةَ} إيذاناً بذلك فكأنه قيل مصيركم إلى ما صار إليه أولوكم فاتقوا الله الذي تصيرون إليه والجبلة الخلق وقيل الخلق المتجمد الغليظ مأخوذ من الجبل ثم طلبوا منه إسقاط كسف من السماء عليهم وليس له ذلك فالمعنى إن كنت صادقاً فادع الذي أرسلك أن يسقط علينا كسفنا أي قطعة ودل طلبهم ذلك على التصميم على الجحود والتكذيب ولما طلبوا منه ما طلبوا أحال علم ذلك إلى الله تعالى وأنه هو العالم بأعمالكم وما تستوجبون عليها من العقاب فهو يعاقبكم بما يشاء. {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ} وهو نحو مما اقترحوا ولم يذكر الله تعالى كيفية عذاب الظلة وروي في حديثها اختلاف كثير فروي أنه حبس عنهم الريح سبعاً فابتلوا بحر عظيم يأخذ بأنفاسهم لا ينفعهم ظل ولا ماء فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية فأظلتهم سحابة وجدوا لها برداً ونسيماً فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم ناراً فأحرقتهم وكرر ما كرر في أوائل هذه القصص تنبيهاً على أن طريقة الأنبياء واحدة لا اختلاف فيها وهي الدعاء إلى توحيد الله تعالى وعبادته ورفض ما سواه وأنهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو ما جاءت به الرسل عليهم السلام قبله وتلك عادة الأنبياء.