٢٦ - ٱلشُّعَرَاء
26 - Ash-Shu'ara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
123
Tafseer
الرازي
تفسير : القصة الرابعة ـ قصة هود عليه السلام اعلم أن فاتحة هذه القصة وفاتحة قصة نوح عليه السلام واحدة فلا فائدة في إعادة التفسير ثم إنه تعالى ذكر الأمور التي تكلم فيها هود عليه السلام معهم وهي ثلاثة: فأولها: قوله: {أَتَبْنُونَ بِكُلّ رِيعٍ ءايَةً تَعْبَثُونَ } قرىء {بِكُلّ رِيعٍ } بالكسر والفتح وهو المكان المرتفع، ومنه قوله كم ريع أرضك وهو ارتفاعها، والآية العلم، ثم فيه وجوه: أحدها: عن ابن عباس أنهم كانوا يبنون بكل ريع علماً يعبئون فيه بمن يمر في الطريق إلى هود عليه السلام والثاني: أنهم كانوا يبنون في الأماكن المرتفعة ليعرف بذلك غناهم تفاخراً فنهوا عنه ونسبوا إلى العبث والثالث: أنهم كانوا ممن يهتدون بالنجوم في أسفارهم فاتخذوا في طريقهم أعلاماً طوالاً فكان ذلك عبثاً لأنهم كانوا مستغنين عنها بالنجوم الرابع: بنوا بكل ريع بروج الحمام وثانيها: قوله: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ } المصانع مآخذ الماء، وقيل القصور المشيدة والحصون {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ } ترجون الخلد في الدنيا أو يشبه حالكم حال من يخلد، وفي مصحف أبي: (كأنكم)، وقرىء (تخلدون) بضم التاء مخففاً ومشدداً، واعلم أن الأول إنما صار مذموماً لدلالته إما على السرف، أو على الخيلاء، والثاني: إنما صار مذموماً لدلالته على الأمل الطويل والغفلة عن أن الدنيا دار ممر لا دار مقر وثالثها: قوله: {وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ } بين أنهم مع ذلك السرف والحرص فإن معاملتهم مع غيرهم معاملة الجبارين، وقد بينا في غير هذا الموضع أن هذا الوصف في العباد ذم وإن كان في وصف الله تعالى مدحاً فكأن من يقدم على الغير لا على طريق الحق ولكن على طريق الاستعلاء يوصف بأن بطشه بطش جبار، وحاصل الأمر في هذه الأمور الثلاثة أن اتخاذ الأبنية العالية، يدل على حب العلو، واتخاذ المصانع يدل على حب البقاء، والجبارية تدل على حب التفرد بالعلو، فيرجع الحاصل إلى أنهم أحبوا العلو وبقاء العلو والتفرد بالعلو وهذه صفات الإلهية، وهي ممتنعة الحصول للعبد، فدل ذلك على أن حب الدنيا قد استولى عليهم بحيث استغرقوا فيه وخرجوا عن حد العبودية وحاموا حول ادعاء الربوبية، وكل ذلك ينبه على أن حب الدنيا رأس كل خطيئة وعنوان كل كفر ومعصية، ثم لما ذكر هود عليه السلام هذه الأشياء قال: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ } زيادة في دعائهم إلى الآخرة وزجراً لهم عن حب الدنيا والاشتغال بالسرف والحرص والتجبر، ثم وصل بهذا الوعظ ما يؤكد القبول وهو التنبيه على نعم الله تعالى عليهم بالإجمال أولاً ثم التفصيل ثانياً فأيقظهم عن سنة غفلتهم عنها حيث قال: {أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ } ثم فصلها من بعد بقوله: {أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَـٰمٍ وَبَنِينَ وَجَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } فبلغ في دعائهم بالوعظ والترغيب والتخويف والبيان النهاية فكان جوابهم {سَوَاء عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مّنَ ٱلْوٰعِظِينَ } أظهروا قلة اكتراثهم بكلامه، واستخفافهم بما أورده فإن قيل لو قال أوعظت أم لم تعظ كان أخصر والمعنى واحد جوابه: ليس المعنى بواحد (وبينهما فرق) لأن المراد سواء علينا أفعلت هذا الفعل الذي هو الوعظ أم لم تكن أصلاً من أهله (ومباشرته)، فهو أبلغ في قلة اعتدادهم بوعظه من قولك أم لم تعظ، ثم احتجوا على قلة اكتراثهم بكلامه بقولهم: {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ } فمن قرأ {خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ } بالفتح فمعناه أن ما جئت به اختلاق الأولين، وتخرصهم كما قالوا { أية : أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } تفسير : [الأنعام: 25] أو ما خلقنا هذا إلا خلق القرون الخالية نحيا كحياتهم ونموت كمماتهم ولا بعث ولا حساب، ومن قرأ {خُلِقَ } بضمتين وبواحدة، فمعناه ما هذا الذي نحن عليه من الدين إلا خلق الأولين وعادتهم كانوا به يدينون ونحن بهم مقتدون أو ما هذا الذي نحن عليه من الحياة والموت إلا عادة لم يزل عليها الناس في قديم الدهر، أو ما هذا الذي جئت به من الكذب إلا عادة الأولين كانوا يلفقون مثله ويسطرونه، ثم قالوا: {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } أظهروا بذلك تقوية نفوسهم فيما تمسكوا به من إنكار المعاد، فعند هذا بين الله تعالى أنه أهلكهم، وقد سبق شرح كيفية الهلاك في سائر السور، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ } التأنيث بمعنى القبيلة والجماعة. وتكذيبهم المرسلين كما تقدّم. {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } بيّن المعنى وقد تقدّم. قوله تعالى: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ } الرّيع ما ارتفع من الأرض في قول ابن عباس وغيره، جمع رِيعة. وكم ريع أرضك أي كم ارتفاعها. وقال قتادة: الرّيع الطريق. وهو قول الضحاك والكلبي ومقاتل والسدي. وقاله ابن عباس أيضاً. ومنه قول المسيب بن عَلَس:شعر : في الآلِ يَخفِضُها ويَرفَعُها رِيعٌ يَلُوحُ كأَنَّه سَحْلُ تفسير : شبّه الطريق بثوب أبيض. النحاس: ومعروف في اللغة أن يقال لما ارتفع من الأرض ريعٌ وللطريق ريعٌ. قال الشاعر:شعر : طراقُ الخَوَافِي مشرق فَوْقَ رِيعَةٍ نَدَى ليلِهِ في ريشه يَتَرَقرقُ تفسير : وقال عمارة: الريع الجبل الواحد رِيعة والجمع رِياع. وقال مجاهد: هو الفجّ بين الجبلين. وعنه الثنّية الصغيرة. وعنه: المنظرة. وقال عكرمة ومقاتل: كانوا يهتدون بالنجوم إذا سافروا، فبنوا على الطريق أمثالاً طوالاً ليهتدوا بها: يدل عليه قوله تعالى: {آيَةً} أي علامة. وعن مجاهد: الريع بنيان الحَمَام دليله {تَعْبَثُونَ} أي تلعبون؛ أي تبنون بكل مكان مرتفع آية علَما تلعبون بها على معنى أبنية الحمام وبروجها. وقيل: تعبثون بمن يمرّ في الطريق. أي تبنون بكل موضع مرتفع لتشرفوا على السابلة فتسخروا منهم. وقال الكلبي: إنه عبث العشّارين بأموال من يمر بهم؛ ذكره الماوردي. وقال ابن الأعرابي: الريع الصومعة، والرّيع البرج من الحمام يكون في الصحراء. والرّيع التلُّ العالي. وفي الرّيع لغتان؛ كسر الراء وفتحها وجمعها أرياع؛ ذكره الثعلبي. قوله تعالى: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ} أي منازل؛ قاله الكلبي. وقيل: حُصُونا مشيدة؛ قاله ابن عباس ومجاهد. ومنه قول الشاعر:شعر : تَرَكْنَا ديارَهُم مِنهم قِفَاراً وهَدَّمْنا المصانعَ وَالْبُرُوجَا تفسير : وقيل: قصوراً مشيدة؛ وقاله مجاهد أيضاً. وعنه؛ بروج الحمام؛ وقاله السدي. قلت: وفيه بعدٌ عن مجاهد؛ لأنه تقدّم عنه في الريع أنه بنيان الحمام فيكون تكراراً في الكلام. وقال قتادة: مآجِل للماء تحت الأرض. وكذا قال الزجاج: إنها مصانع الماء، واحدتها مُصْنَعَةٌ ومَصْنَعٌ. ومنه قول لَبِيد:شعر : بَلِينا وما تَبْلَى النجومُ الطوالعُ وتبقَى الجبالُ بَعْدَنا والمصَانِعُ تفسير : الجوهري: المصنَعة كالحوض يجتمع فيها ماء المطر، وكذلك المصنُعة بضم النون. والمصانع الحصون. وقال أبو عبيدة: يقال لكل بناء مصنعة. حكاه المهدوي. وقال عبد الرزاق: المصانع عندنا بلغة اليمن القصور العادية. {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} أي كي تخلدوا. وقيل: لعل استفهام بمعنى التوبيخ أي فهل {تَخْلُدُونَ} كقولك: لعلك تشتمني أي هل تشتمني. روي معناه عن ابن زيد. وقال الفراء: كيما تخلدون لا تتفكرون في الموت. وقال ابن عباس وقتادة: كأنكم خالدون باقون فيها. وفي بعض القراءات «كَأَنَّكُمْ تُخَلَّدُون» ذكره النحاس. وحكى قتادة: أنها كانت في بعض القراءات {كأنكم خالدِون}. قوله تعالى: {وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ } البطش السطوة والأخذ بالعنف. وقد بَطَش به يبطُش ويبطِش بطشاً. وباطشه مباطشة. وقال ابن عباس ومجاهد: البطش العسف قتلاً بالسيف وضرباً بالسوط. ومعنى ذلك فعلتم ذلك ظلماً. وقال مجاهد أيضاً: هو ضرب بالسياط؛ ورواه مالك ابن أنس عن نافع عن ابن عمر فيما ذكر ابن العربي. وقيل: هو القتل بالسيف في غير حق. حكاه يحيـى بن سَلاّم. وقال الكلبي والحسن: هو القتل على الغضب من غير تثبت. وكله يرجع إلى قول ابن عباس. وقيل: إنه المؤاخذة على العمد والخطأ من غير عفو ولا إبقاء. قال ابن العربي: ويؤيد ما قال مالك قول الله تعالى عن موسى: {أية : فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِٱلَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يٰمُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [القصص: 19] وذلك أن موسى عليه السلام لم يسل عليه سيفاً ولا طعنه برمح، وإنما وكزه وكانت منيّته في وكزته. والبطش يكون باليد وأقله الوكز والدفع، ويليه السوط والعصا، ويليه الحديد، والكل مذموم إلا بحق. والآية نزلت خبراً عمن تقدّم من الأمم، ووعظاً من الله عز وجل لنا في مجانبة ذلك الفعل الذي ذمهم به وأنكره عليهم. قلت: وهذه الأوصاف المذمومة قد صارت في كثير من هذه الأمة، لا سيما بالديار المصرية منذ وليتها البحرية؛ فيبطشون بالناس بالسوط والعصا في غير حق. وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن ذلك يكون. كما في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : صِنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سِياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عارياتَ مميلاتٌ مائلاتٌ رؤوسهُنّ كأسْنِمة البُخْت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحَها وإنّ ريحها ليُوجَد من مسيرة كذا وكذا»تفسير : . وخرج أبو داود من حديث ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إذا تبايعتم بالعِينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلّط الله عليكم ذلاّ لا ينزِعه حتى ترجعوا إلى دينكم»تفسير : . {جَبَّارِينَ} قتّالين. والجبار القتال في غير حق. وكذلك قوله تعالى: {أية : إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [القصص: 19] قاله الهروي. وقيل: الجبار المتسلّط العاتي؛ ومنه قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ}تفسير : [قۤ: 45] أي بمسلَّط. وقال الشاعر:شعر : سَلَبْنَا من الجَبَّار بالسّيف مُلْكَهُ عَشِيًّا وأطرافُ الرِّمَاحِ شَوَارِعُ تفسير : قوله تعالى: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ } تقدّم. {وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِيۤ أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ } أي من الخيرات؛ ثم فسرها بقوله: {أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } أي سخر ذلك لكم وتفضل بها عليكم، فهو الذي يجب أن يعبد ويشكر ولا يكفر. {إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } إن كفرتم به وأصررتم على ذلك. {قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ ٱلْوَاعِظِينَ } كل ذلك عندنا سواء لا نسمع منك ولا نلوي على ما تقوله. وروى العباس عن أبي عمرو وبِشْر عن الكسائي: «أَوَعَظتَّ» مدغمة الظاء في التاء وهو بعيد؛ لأن الظاء حرف إطباق إنما يدغم فيما قرب منه جداً وكان مثلَه ومخرجَه. {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ } أي دينهم؛ عن ابن عباس وغيره. وقال الفرّاء: عادة الأوّلين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: {خَلْقُ الأَوّلِينَ}. الباقون {خُلُقُ}. قال الهروي: وقوله عز وجل: {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ } أي اختلاقهم وكذبهم، ومن قرأ: {خُلُقُ الأَوّلِينَ} فمعناه عادتهم، والعرب تقول: حدّثنا فلان بأحاديث الخَلْق أي بالخرافات والأحاديث المفتعلة. وقال ابن الأعرابي: الخلقُ الدين والخلقُ الطبع والخلقُ المروءة. قال النحاس: {خُلُقُ الأَوَّلِينَ} عند الفراء يعني عادة الأولين. وحكى لنا محمد بن الوليد عن محمد بن يزيد قال: {خُلُقُ الأَوَّلِينَ} مذهبهم وما جرى عليه أمرهم؛ قال أبو جعفر: والقولان متقاربان، ومنه الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلُقاً» تفسير : أي أحسنهم مذهباً وعادة وما يجري عليه الأمر في طاعة الله عز وجل، ولا يجوز أن يكون من كان حسن الخلق فاجراً فاضلاً، ولا أن يكون أكمل إيماناً من السيّىء الخلق الذي ليس بفاجر. قال أبو جعفر: حكي لنا عن محمد بن يزيد أن معنى {خَلْقُ الأَوّلِينَ} تكذيبهم وتخرصهم غير أنه كان يميل إلى القراءة الأولى؛ لأن فيها مدح آبائهم، وأكثر ما جاء القرآن في صفتهم مدحهم لآبائهم، وقولهم: {أية : إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ}تفسير : [الزخرف: 23]. وعن أبي قِلاَبَة: أنه قرأ {خُلْق} بضم الخاء وإسكان اللام تخفيف {خُلُقُ}. ورواها ابن جبير عن أصحاب نافع عن نافع. وقد قيل: إن معنى {خُلُقُ الأَوَّلِينَ} دين الأولين. ومنه قوله تعالى: {أية : فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ} تفسير : [النساء: 119] أي دين الله. و«خُلُقُ الأَوّلِينَ» عادة الأولين: حياة ثم موت ولا بعث. وقيل: ما هذا الذي أنكرت علينا من البنيان والبطش إلا عادة من قبلنا فنحن نقتدي بهم {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } على ما نفعل. وقيل؛ المعنى خلق أجسام الأوّلين؛ أي ما خلقنا إلا كخلق الأوّلين الذين خلقوا قبلنا وماتوا، ولم ينزل بهم شيء مما تحذرنا به من العذاب. {فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ} أي بريح صرصر عاتية على ما يأتي في «الحاقة». {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ} قال بعضهم: أسلم معه ثلثمائة ألف ومؤون وهلك باقيهم. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ }.
ابن كثير
تفسير : وهذا إخبار من الله تعالى عن عبده ورسوله هود عليه السلام، أنه دعا قومه عاداً، وكان قومه يسكنون الأحقاف، وهي جبال الرمل قريباً من حضرموت، من جهة بلاد اليمن، وكان زمانهم بعد قوم نوح، كما قال في سورة الأعراف: {أية : وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِى ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً} تفسير : [الأعراف: 69] وذلك أنهم كانوا في غاية من قوة التركيب والقوة والبطش الشديد، والطول المديد، والأرزاق الدارة، والأموال والجنات والأنهار، والأبناء والزروع والثمار، وكانوا مع ذلك يعبدون غير الله معه، فبعث الله هوداً إليهم رجلاً منهم رسولاً وبشيراً ونذيراً، فدعاهم إلى الله وحده، وحذرهم نقمته وعذابه في مخالفته وبطشه، فقال لهم كما قال نوح لقومه إلى أن قال: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةً تَعْبَثُونَ} اختلف المفسرون في الريع بما حاصله: أنه المكان المرتفع عند جواد الطرق المشهورة، يبنون هناك بنياناً محكماً هائلاً باهراً، ولهذا قال: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةً} أي: معلماً بناء مشهوراً {تَعْبَثُونَ} أي: وإنما تفعلون ذلك عبثاً، لا للاحتياج إليه، بل لمجرد اللعب واللهو وإظهار القوة، ولهذا أنكر عليه نبيهم عليهم السلام ذلك؛ لأنه تضييع للزمان، وإتعاب للأبدان في غير فائدة، واشتغال بما لا يجدي في الدنيا، ولا في الآخرة، ولهذا قال: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} قال مجاهد: والمصانع: البروج المشيدة، والبنيان المخلد، وفي رواية عنه: بروج الحمام. وقال قتادة: هي مأخذ الماء. قال قتادة: وقرأ بعض الكوفيين: (وتتخذون مصانع كأنكم خالدون). وفي القراءة المشهورة: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} أي: لكي تقيموا فيها أبداً، وذلك ليس بحاصل لكم، بل زائل عنكم، كما زال عمن كان قبلكم. وروى ابن أبي حاتم رحمه الله: حدثنا أبي، حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا الوليد، حدثنا ابن عجلان، حدثني عون بن عبد الله بن عتبة: أن أبا الدرداء رضي الله عنه لما رأى ما أحدث المسلمون في الغوطة من البنيان ونصب الشجر، قام في مسجدهم فنادى: يا أهل دمشق فاجتمعوا إليه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ألا تستحيون، ألا تستحيون، تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تسكنون، وتأملون ما لا تدركون، إنه قد كانت قبلكم قرون يجمعون فيوعون، ويبنون فيوثقون، ويأملون فيطيلون، فأصبح أملهم غروراً، وأصبح جمعهم بوراً، وأصبحت مساكنهم قبوراً، ألا إن عاداً ملكت ما بين عدن وعمان خيلاً وركاباً، فمن يشتري مني ميراث عاد بدرهمين؟. وقوله: {وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} أي: يصفهم بالقوة والغلظة والجبروت، {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} أي: اعبدوا ربكم، وأطيعوا رسولكم ثم شرع يذكرهم نعم الله عليهم، فقال: {وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِىۤ أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَـٰمٍ وَبَنِينَ وَجَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ إِنِّىۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي: إن كذبتم وخالفتم، فدعاهم إلى الله بالترغيب والترهيب، فما نفع فيهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ }.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {أَتَبْنُونَ بَكُلِّ رِيعٍ} فيه ستة تأويلات: أحدها: أن الريع الطريق، قاله السدي، ومنه قول المسيب بن علي: شعر : في الآل يخفضها ويرفعها ريع يلوح كأنه سحل تفسير : السحل: الثوب الأبيض، شبه الطريق به. الثاني:أنه الثنية الصغيرة، قاله مجاهد. الثالث: أنه السوق، حكاه الكلبي. الرابع: أنه الفج بين الجبلين، قاله مجاهد. الخامس: أنه الجبال، قاله أبو صخر. السادس: أنه المكان المشرف من الأرض، قاله ابن عباس، قال ذو الرمة: شعر : طِراق الخوافي مشرق فوق ريعهِ ندى ليله في ريشه يترقرق تفسير : {ءَايةٍ تَعْبَثُونَ} في آية ثلاثة أوجه: أحدها: البنيان، قاله مجاهد. الثاني: الأعلام، قاله ابن عباس. الثالث: أبراج الحمام، حكاه ابن أبي نجيح. وفي العبث قولان: أحدها: اللهو واللعب، قاله عطية. الثاني: أنه عبث العشّارين بأموال من يمر بهم، قاله الكلبي. قوله تعالى: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ} فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: القصور المشيدة، قاله مجاهد، ومنه قول الشاعر: شعر : تركنا ديارهم منهم قفاراً وهَدّمنا المصانع والبُروجا تفسير : الثاني: أنها مآجل الماء تحت الأرض، قاله قتادة، ومنه قول لبيد : شعر : بَلينا وما تبلى النجوم الطوالع وتبقى الجبال بعدنا والمصانع تفسير : الثالث: أنها بروج الحمام، قاله السدي. {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} أي كأنكم تخلدون باتخاذكم هذه الأبينة، وحكى قتادة: أنها في بعض القراءات: كأنكم خالدون. قوله تعالى: {وَإذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أقوياء، قاله ابن عباس. الثاني: هو ضرب السياط، قاله مجاهد. الثالث: هو القتل بالسيف في غير حق، حكاه يحيى بن سلام. وقال الكبي: هو القتل على الغضب. ويحتمل رابعاً: أنه المؤاخذة على العمد والخطأ من غير عفو ولا إبقاء.
ابن عطية
تفسير : {عاد} قبيلة، وانصرف للخفية، وقيل هو اسم أبيهم وخاطبهم {هود} عليه السلام بمثل مخاطبة سائر الرسل، ثم كلمهم فيما انفردوا به من الأفعال التي اقتضتها أحوالهم فقال {أتبنون} على جهة التوبيخ، "والريع" المرتفع من الأرض، ومنه قول المسيب ابن عباس يصف ظعناً: [الكامل] شعر : في الآل يخفضها ويرفعها ريع يلوح كأنَّه سحل تفسير : والسحل الثوب الأبيض ومنه قول ذي الرمة: [الطويل] شعر : طراق الخوافي مشرق فوق ريعة ندى ليله في ريشه يترقرق تفسير : ومنه قول الأعشى: [المتقارب] شعر : وبهماء قفر تجاوزتها إذا خب في ريعها آلها تفسير : ويقال "رِيع" بكسر الراء ويقال "رَيع" بفتحها، وبها قرأ ابن أبي عبلة وعبر بعض المفسرين عن الريع بالطريق وبعضهم بالفج وبعضهم بالثنية الصغيرة. قال القاضي أبو محمد: وجملة ذلك أنه المكان المشرف وهو الذي يتنافس البشر في مبانيه، و "الآية"، البنيان، قال ابن عباس آية علم، قال مجاهد أبراج الحمام، قال النقاش وغيره القصور الطوال، و "المصانع" جمع مصنع وهو ما صنع وأتقن في بنائه من قصر مشيد ونحوه، قال قتادة هي ما خد للماء، وقوله {لعلكم تخلدون} إما أن يريد على أملكم ورجائكم، وإما أن يريد الاستفهام على معنى التوبيخ والهزء بهم، وقرأ الجمهور "تَخلُدون" بفتح التاء وضم اللام، وقرأ قتادة "تُخلَدون" بضم التاء وفتح اللام يقال خلد الشيء وأخلده غيره وقرأ أبي وعلقمة "لعلكم تُخلَّدون" بضم التاء وفتح الخاء وفتح اللام وشدّها، وروي عن أبي، "كأنكم تخلدون" وروي عن ابن مسعود "كي تخلدون"، و"البطش" الأخذ بسرعة وقوة، و "الجبار" المتكبر، ومنه قولهم نخلة جبارة إذا كانت لا تدرك علواً. ومنه قوله عليه السلام في المرأة التي أبت أن تتنحى عن طريقه "إنها جبارة"، ومنه الجبروت فالمعنى أنكم كفار الغضب، لكم السطوات المفرطة، والبوادر من غير تثبت، ثم ذكرهم عليه السلام بأيادي الله قبلهم فيما منحهم من الأنعام والذرية والجنات والمياه المطردة فيها، ثم خوفهم عذاب الله تعالى في الدنيا فكانت مراجعتهم أن سووا بين وعظه وتركه الوعظ، وقرأ ابن محيصن "أوعت" بإدغام الظاء في التاء، ثم قالوا {إن هذا إلا خلق الأولين}، واختلفت القراءة في ذلك، فقرأ نافع وعاصم وحمزة وابن عامر "خلُق" بضم اللام فالإشارة بهذا إلى دينهم وعبادتهم وتخرقهم في المصانع، أي هذا الذي نحن عليه خلق الناس وعادتهم وما بعد ذلك بعث ولا تعذيب كما تزعم أنت، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي وأبو قلابة "خُلْق الأولين" بضم الخاء وسكون اللام ورواها الأصمعي عن نافع، وقرأ أبو جعفر وأبو عمرو "وخَلْق الأولين" بفتح الخاء وسكون اللام وهي قراءة ابن مسعود وعلقمة والحسن، وهذا يحتمل وجهين: أحدهما وما هذا الذي تزعمه إلا اختلاق الأولين من الكذبة قبلك وكذبهم فأنت على منهاجهم، والثاني أن يريدوا وما هذه البنية التي نحن عليها إلا البنية التي عليها الأولون حياة وموت وما ثم بعث ولا تعذيب، وكل معنى مما ذكرته تحتمله كل قراءة، وروى علقمة عن ابن مسعود "إلا اختلاق الأولين" وباقي الآية قد مضى تفسيره.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {أوعظت} مدغماً: عباس ونصير {خلق الأولين} بفتح الخاء وسكون اللام: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد وعليّ {كذبت ثمود} مثل {أية : بعدت ثمود}تفسير : [هود: 95] {فارهين} بالألف: ابن عامر وعاصم وحمزة وعليّ وخلف. الوقوف: {المرسلين} ه {تتقون} ه {أمين} ه {وأطيعون} ه {أجر} ه {العالمين} ه {تعبثون} ه لا {تخلدون} ه ج {جبارين} ه {وأطيعون} ه ج {تعلمون} ه ج {وبنين} ه لا {وعيون} ه ج {عظيم} ه ط {الواعظين} ه لا للحتراز عن الابتداء بمقولهم {الأولين} ه لا لذلك {بمعذبين} ه ج {فأهلكناهم} ط {لآية} ط {مؤمنين} ه {الرحيم} ه {المرسلين} ه ط {تتقون} ه {أمين} ه لا {وأطيعون} ه {أجر} ه {العالمين} ه {آمنين} ه لا لتعلق الظرف {وعيون} ه لا {هضيم} ه {فارهين} ه ج للآية مع العطف {وأطيعون} ه ج لذلك {المسرفين} ه لا لأن {الذين} صفتهم {ولا يصلحون} ه {المسحرين} ه ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول {مثلنا} ز {من الصادقين} ه {معلوم} ه ج {عظيم} ه {نادمين} ه لا {العذاب} ط {لآية} ط {مؤمنين} ه {الرحيم} ه {المرسلين} ه لا {ألا تتقون} ه ج {أمين} ه لا {وأطيعون} ه ج {أجر} ج {العالمين} ه ط {من العالمين} ه لا للعطف {من أزواجكم} ه {عادون} ط {المخرجين} ه {القالين} ه {يعملون} ه {أجميعن} ه {الغابرين} ه {الآخرين} ه ج {مطر المنذرين} ه {لآية} ط {مؤمنين} ه {الرحيم} ه. التفسير: القصة الرابعة قصة هود ولنذكر من تفسيرها ما هو غير مكرر. الريع بالكسر وقرئ بالفتح المكان المرتفع ومنه الغلة لارتفاعها. والآية العلم وفي هذا البناء وجوه: فعن ابن عباس أنهم كانوا يبنون بكل موضع مرتفع علماً يعبثون فيه بمن يمر بالطريق إلى هود. وقيل: كانوا يبنون ذلك ليعرف به فخرهم وغناهم فنهوا عنه ونسبوا إلى العبث وقيل: كانوا يقتنون الحمام قاله مجاهد. والمصانع مآخذ الماء. وقيل: القصور المشيدة والحصون. ومعنى {لعلكم تخلدون} ترجون الخلود في الدنيا أو ظلماً وعلواً فوصفوا بكونهم إذ ذاك جبارين. وقيل: الجبار الذي يقتل ويضرب على الغضب. وعن الحسن: اراد أنهم يبادرون العذاب من غير تفكر في العواقب. والحاصل أن اتخاذ الأبنية الرفيعة يدل على حب العلوّ، واتخاذ المصانع يدل على حب البقاء، والبطش الشديد يدل على حب التفرد بالعلوّ فكأنهم أحبوا العلوّ وبقاء العلوّ والتفرد بالعلوّ وكل هذه لمن له الصفات الإلهية لا العبدية. ثم بالغ في تنبيههم على نعم الله حيث أجملها بقوله {واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون} إيقاظاً لهم عن سنة الغفلة مستشهداً بعلمهم ثم فصلها بقوله {أمدكم بأنعام} عليها تدور معايشكم {وبنين} بهم يتم أمر حفظها والقيام بها {وجنات} يحصل بها التفكه والتنزه {وعيون} بمائها يكمل النماء. ثم ختم الكلام بتخويفهم تنبيهاً على أنه كما قدر أن يتفضل عليهم بهذه النعم الجسام فهو قادر على العذاب فيكون فيه مزيد حث على التقوى وكمال تنفر عن العصيان. ثم شرع في حكاية جواب القوم وأنهم قالوا: إن وعظه وعدم وعظه بالنسبة إليهم سيان. وإنما لم يقل "أوعظت أم لم تعظ" مع كونه أخصر لأن المراد سواء علينا افعلت هذا الفعل الذي هو الوعظ أو لم تكن من مباشريه وذويه راساً وهذا أبلغ في قلة اعتدادهم بوعظه. منقرأ {خلق الأولين} بفتح الخاء فمعناه أن هذا إلا اختلاق الأولين وأكاذيبهم، أو ما هذا إلا خلق الأقدمين نحيا ونموت ولا بعث ولا جزاء. والقراءة الأخرى معناها لسنا نحن إلا على دين الأولين من آبائنا، أو ليس ما نحن عليه من الحياة والموت إلا عادة جارية لا خرق لها، أو ما هذا الذي جئت به من تلفيق الأكاذيب. إلا عادة مستمرة من المتنبين. ثم أكدوا إنكارهم المعاد بقولهم {وما نحن بمعذبين} فأظهروا بذلك جلادتهم وقوة نفوسهم فأخبر الله تعالى عن إهلاكهم وقد سبقت كيفية ذلك مراراً. القصة الخامسة قصة صالح. قال جار الله: الهمزة في {أتتركون} يجوز أن تكون للإنكار اي لا تتركون مخلدين في الأمن والراحة ولكل نعمة زوال، ويجوز أن تكون للتقرير أي قد تركتم في أسباب الأمن والفراغ، أجمل أولاً بقوله {فيما ههنا} أي في الذي استقر في هذا المكان من النعيم، ثم فسره بقوله {في جنات وعيون} وذكر النخل بعد ذكر الجنات إما تخصيص للجنات بغير النخل، وإما تخصيص للنخل بالذكر تنبيهاً على فضله ومزيته. وطلع النخلة ما يبدو منها كنصل السيف وقد مر في "الأنعام". والهضيم اللطيف الضامر من قولهم "كشح هضيم" أراد أنه وهب لهم أجود النخل وألطفه كالبرني مثلاً. وقيل: وصف نخيلهم بالحمل الكثير فإنه إذا كثر الحمل هضم أي لطف. وقيل: الهضيم اللين النضيج كأنه قال: ونخل قد ارطب ثمره. والفراهة الكيس والنشاط ومنه "خيل فرهة" و {فارهين} حال من الناحتين. قال علماء المعاني: جعل الأمر مطاعاً مجاز حكمي وإنما المطاع بالحقيقة هو الآمر. وفي قوله {ولا يصلحون} إشارة إلى أن إفسادهم في الأرض غير مقترن بالإصلاح راساً. والمسحر الذي سحر كثيراً حتى غلب على عقله. وقيل: هو من السحر الرئة. أرادوا أنه بشر ذو سحر وهو ضعيف لأنه يلزم التكرار بقوله: {ما أنت إلا بشر مثلنا} إلا أن يقال: إنه بيان. والشرب النصيب من الماء كالسقي للحظ من السقي. وقرئ بالضم عن قتادة إذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله ولهم شرب يوم لا تشرب فيه الماء. سؤال: لم أخذهم العذاب وقد ندموا والندم توبة؟ جوابه كان ندمهم ندم خوف من العقاب العاجل أو ندموا ندم توبة في غير أوانها وذلك عند عيان العذاب. وقيل: ندموا على ترك عقر ولدها وفيه بعد. واللام في العذاب إشارة إلى عذاب يوم عظيم. القصة السادسة: قصة لوط: أنكر على قومه إتيانهم الذكور من الناس لا الإناث على كثرتهن، أو أنكر عليهم كونهم مختصين من العالمين بهذه الفاحشة. فقوله: {من العالمين} يعود على الأول إلى المأتي، وعلى الثاني إلى الآتي. والعالمون على هذا كل ما ينكح من الحيوان ولا شيء من الحيوان يرتكب هذه الفعلة إلا الإنسان. قوله {من أزواجكم} إما بيان لما خلق وإما للتبعيض فيراد بما خلق العضو المباح منهن فلعلهم كانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم. والعادي المتجاوز الحد في ظلم اي {بل أنتم قوم عادون} في جميع المعاصي وهذه واحدة منها، أو بل أنتم قوم أحقاء بأن تنسبوا إلى العدوان حيث فعلتم هذه الجريمة العظيمة. {قالوا لئن لم تنته يا لوط} عن نهينا {لتكونن} من جملة من أخرجناه من بلدنا ولعلهم كانوا يطردون من خالف أراد أنه كامل في قلاهم عصبية للدين، أو أنه معدود في زمرة مبغضيهم كما تقول: فلان من العلماء. فيكون أبلغ من قولك "هو عالم". ثم طلب النجاة من عقوبة عملهم أو سأل العصمة عن مثل عملهم ولقد عصمهم الله {إلا عجوزاً} رضيت بفعلهم وأعانت على ذلك وكانت من أهله بحث الزواج وإن لم تشاركهم في الإيمان. ومعنى {في الغابرين} إلا عجوزاص مقدراً غبورها أي بقاؤها في الهلاك. واللام في {المنذرين} للجنس لتصلح الفاء علة فعل الذم والمخصوص محذوف أي ساء مطر جنس المنذرين مطر أولئك المعهودين والله أعلم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ} الآية. الكلام في فاتحة هذه القصة كالكلام في فاتحة قصة نوح. وقوله: "تَعْبَثُون" جملة حالية من فاعل "تبنون". والرِّيعْ - بكسر الراء وفتحها -: جمع "رِيْعَة" وهو في اللغة: المكان المرتفع، قال ذو الرمّة. شعر : 3916 - طِـرَاقُ الخَـوَافِي مُشْـرِقٌ فَـوْقَ رِيْعَـةٍ نَـدَى لَيْـلِـهِ فِـي ريْشِـهِ يَتَـرَقْرَقُ تفسير : وقال أبو عبيدة: وهو الطريق، وأنشد للمسيَّب بن علس يصف ظعناً: شعر : 3917 - فِي الآلِ يَخْفِضُهَا وَيَرفَعُهَا رِيْعٌ يَلُوْحُ كَأَنَّهُ سَحْلُ تفسير : والرَّيع - بالفتح -: ما يحصل من الخراج. فصل قال الوالبي عن ابن عباس: الرَّيْع: كل شرف. وقال الضحاك ومقاتل: بكل طريق وهو رواية العوفي عن ابن عباس. وعن مجاهد قال: هو الفج بين جبلين وعنه أيضاً أنه المنظر. و "الآية": العَلَم. قال ابن عباس: كانوا يبنون بكل ريع علماً يعبثون فيه بمن يمر في الطريق إلى هود - عليه السلام -. وقيل: كانوا يبنون في الأماكن المرتفعة ليعرف بذلك غناهم، فنهُوا عنه، ونسبوا إلى العبث. وقال سعيد بن جبير ومجاهد: هي بروج الحمام، لأنهم كانوا يلعبون بالحمام. قوله: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} قال مجاهد: قصوراً مُشَيَّدة. وقال الكلبي: هي الحصون. وقال قتادة: مآخذ المآء يعني: الحياض, واحدتها مَصْنَعة. "لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُون". العامة على تخفيفه مبنياً للفاعل. وقتادة: بالتشديد مبنياً للمفعول، ومنه قور امرىء القيس: شعر : 3918 - وَهَـلْ يَنْعَمَـنْ إِلاَّ سَعِيْـدٌ مُخَلَّـدٌ قَلِيْـلُ الهُمُـوْم مَـا يَبيْـتُ بِـأَوْجَـال تفسير : و "لَعَل" هنا على بابها. وقيل: للتعليل. ويؤيده قراءة عبد الله: "كَيْ تَخْلِدُون". وقيل: للاستفهام، قاله زيد بن عليّ، وبه قال الكوفيون. وقيل: معناه التشبيه، أي: كأنكم تخلدون. ويؤيده ما في حرف أبيّ: "كَأَنَّكم تُخلدون" بضم التاء مخففاً ومشدداً. وقرىء: "كأَنَّكُم خَالِدُونَ" ولم يعلم من نص عليها أنها تكون للتشبيه. والمعنى: كأنكم تبقون فيها خالدين. قوله: "وَإِذَا بَطَشْتُم" أي: وإذا أردتم، وإنما احتجنا إلى تقدير الإرادة لئلا يتحد الشرط والجزاء، و "جَبَّارِين" حال. واعلم أن اتخاذ الأبنية العالية يدل على حب الدنيا، واتخاذ المصانع يدل على حب البقاء، والجبارية تدل على حب التفرد بالعلو، وهذه صفات الإِلهية وهي ممتنعة الحصول للعبد ولما ذكر هود هذه الأشياء قال: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} زيادة في دعائهم إلى الآخرة، وزجراً لهم عن حب الدنيا والاشتغال بالسرف والتجبر، ثم وصل هذا الوعظ بما يؤكد القبول بأن نبههم على نعم الله تعالى عليهم فقال: {وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِيۤ أَمَدَّكُمْ [بِمَا تَعْلَمُونَ} أي: أعطاكم من الخير ما تعلمون، ثم فصل ذلك الإعطاء فقال]: {أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} أي: بساتين وأنهار، {إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ}. قال ابن عباس: "إِن عَصَيْتُمُوني" عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم. قوله: "أَمَدَّكُم بأَنْعَام" فيه وجهان: أحدهما: أن الجملة الثانية بيان للأولى وتفسير لها. والثاني: أن "بأنعام" بدل من قوله: "بِمَا تَعْلَمُون" بإعادة العامل، كقوله: {أية : ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً}تفسير : [يس: 20-21]. قال أبو حيان: والأكثرون لا يجعلون هذا بدلاً وإنما يجعلونه تكريراً، وإنما يجعلون بدلاً بإعادة العامل إذا كان حرف جر من غير إعادة متعلقه نحو: "مَرَرْتُ بزيد بأخيك" ولا يقولون: "مررت بزيد مررت بأخيك" على البدل. قوله: {أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ ٱلْوَاعِظِينَ} معادلة لقوله: "أَوَعَظْتَ". وإنما أتى بالمعادل كذا دون قوله: "أم لم تعظ" لتواخي الفواصل. وأبدى له الزمخشري معنى فقال: وبينهما فرق، لأن المعنى: سواء علينا أفلعت هذا الفعل الذي هو الوعظ أم لم تكن أصلاً من أهله ومباشريه، فهو أبلغ في قلة اعتدادهم بوعظه من قولك: "أم لم تعظ". وقرأ العامة: "أَوَعَظْتَ" بإظهار الظاء قبل التاء. وروي عن أبي عمرو والكسائي وعاصم، وبها قرأ الأعمش وابن محيصن بالإدغام. وهي ضعيفة، لأن الظاء أقوى، ولا يدغم الأقوى في الأضعف، على أنه قد جاء من هذا في القرآن العزيز أشياء متواترة يجب قبولها نحو: "زُحْزِحَ عَنْ" و "لَئِنْ بَسَطْتَ". فصل لما وعظهم ورغبهم وخوفهم أجابوه بقولهم: "سَوَاءٌ عَلَيْنَا" أي: مستو عندنا أوعظت أم لم تكن من الواعظين أظهروا قلة أكتراثهم بكلامه، ثم قالوا: {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ}. قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بفتح الخاء وسكون اللام، أي: اختلاق الأولين وكذبهم، كقوله: "وَتَخْلُقُونَ إفْكاً" والباقون بضمتين. فقيل: معناهما: الاختلاق، وهو الكذب. وكذا قرأ ابن مسعود. وقيل: عادة الأولين من قبلنا حياة وموت هو خلق الأولين وعادتهم. وروى الأصمعي عن نافع، وبها قرأ أبو قلابة ضم الخاء وسكون اللام، وهي تخفيف المضمومة. ثم قالوا: {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} أظهروا بذلك تقوية نفوسهم فيما تمسكوا به من إنكار المعاد، فعند هذا بين الله تعالى أنه أهلكهم، وقد سبق بيان كيفية الهلاك.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {أتبنون بكل ريع} قال: طريق {آية} قال: علماً {تعبثون} قال: تلعبون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {أتبنون بكل ريع} قال: شرف. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {أتبنون بكل ريع} قال: طريق. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صخر قال {الريع} ما استقبل الطريق بين الجبال والظراب. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {أتبنون بكل ريع} قال: بكل فج بين جبلين {آية} قال: بنيانا {وتتخذون مصانع} قال: بروج الحمام. وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله {تعبثون} قال: تلعبون. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {وتتخذون مصانع} قال: قصوراً مشيدة وبنياناً مخلداً. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة {وتتخذون مصانع} قال: مآخذ للماء قال: وكان في بعض القراءة {وتتخذون مصانع كأنكم خالدون} . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {لعلكم تخلدون} قال: كأنكم تخلدون. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وإذا بطشتم بطشتم جبارين} قال: بالسوط والسيف. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {بطشتم جبارين} قال: أقوياء. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {بطشتم جبارين} قال: أقوياء. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {إن هذا إلا خلق الأولين} قال: دين الأولين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {إن هذا إلا خلق الأولين} قال: أساطير الأولين. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن ابن مسعود أنه كان يقرأ {إن هذا إلا خلق الأولين} يقول شيء اختلقوه وفي لفظ يقول {اختلاق الأولين} . وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {إن هذا إلا خلق الأوّلين} قال: كذبهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن علقمة {إن هذا إلا خلق الأولين} قال: اختلاقهم. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {إن هذا إلا خلق الأولين} مرفوعة الخاء مثقلة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {إن هذا إلا خلق الأولين} قال: قالوا: هكذا خلقت الأولون، وهكذا كان الناس يعيشون ما عاشوا، ثم يموتون ولا بعث عليهم ولا حساب {وما نحن بمعذبين} أي إنما نحن مثل الأولين نعيش كما عاشوا ثم نموت لا حساب ولا عذاب علينا ولا بعث.
اسماعيل حقي
تفسير : {كذبت عاد المرسلين} انث عاد باعتبار القبيلة وهو اسم ابيهم الاقصى [مقاتل:كفت عاد وثمود ابن عم يكديكر بودند عاد قوم هود بودند وثمود قوم صالح وميان مهلك عاد ومهلك ثمود بانصد سال بود قومى كفتند ازاهل تاريخ كه عاد وثمود دو برادر بودند ازفرزندان ارم بن سام ابن نوح وسام بن نوح را بنج بسر بود ارم وارفحشه وعالم واليفر والاسود وارم مهينه فرزندان بود واورا هفت بسر بود عاد وثمود وصحار وطنم وجديس وجاسم ووبار مسكن عاد وفرزندان وى يمن بود ومسكن ثمود وفرزندان وى ميان حجاز وشام بود ومسكن طنم عمان وبحران ومسكن جديس زمين تهامه ومسكن صحار مابين الطائف الى جبال طى ومسكن جاسم مابين الحرم الى سفوان ومسكن بار زمينى است كه آنرا وبار كويند بنام وى باز خوانند اينان همه زبان ولغت عربى داشتتد] وقد انقرضوا عن آخرهم فلم يبق لهم نسل
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {كذبتْ عادٌ المرسلين}، وهي قبيلة، ولذلك أنَّث الفعل، وفي الأصل: اسم رجل، هو أبو القبيلة. {إذ قال لهم أخوهم}؛ نسباً، {هودٌ أَلاَ تتقون إني لكم رسول أمين}، وقد مر تفسيره، {فاتقوا الله} في تكذيب الرسول الأمين، {وأطيعونِ} فيما آمركم به وأنهاكم عنه، {وما أسألكم عليه من أجرٍ إن أَجْرِيَ إلا على رَبِّ العاَمينَ}، وتصدير القصص بتكذيب الرسل والأمر بالطاعة؛ للدلالة على أن مبنى البعثة هو الدعاء إلى معرفة الحق، والطاعة فيما يقرب المدعو إلى الثواب، ويُبعده من العقاب، وأنَّ الأنبياء - عليهم السلام - مُجْمِعون على ذلك، وإن اختلفوا في فروع الشرائع، المختلفة باختلاف الأزمنة والأعصار، وأنهم منزهون عن المطامع الدنيئة، والأغراض الدنيوية بالكلية. ثم وبَّخهم بقوله: {أتَبْنونَ بكل رِيعٍ}: مكان مرتفع، ومنه: ريع الأرض؛ لارتفاعها، وفيه لغتان: كسر الراء وفتحها. {آيةً}؛ علَماً للمارة، كانوا يصعدونه ويسخرون بمن يمر بهم. وقيل: كانوا يسافرون ولا يهتدون إلا بالنجوم، فبنوا على الطريق أعلاماً ليهتدوا بها؛ عبثاً، وقيل: برج حمام، دليله: {تَعْبَثُون} أي: تلعبون ببنائها، أو: بمن يمر بهم على الأول، {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ}، مآخذ الماء، أو قصوراً مشيدة، أو حصوناً، وهو جمع مصنع، والمصنع: كل ماصنع وأتقن في بنيانه، {لعلكم تَخْلُدُونَ} أي: راجين الخلود في الدنيا، عاملين عمل من يرجو ذلك، أو كأنكم تخلدون. {وإذا بطشتم} بسوط او سيف، أو أخذتم أحداً لعقوبة {بطشتم جبارين}؛ مسلطين، قاسية قلوبكم، بلا رأفة ولا رقة، ولا قصد تأديب، ولا نظراً للعواقب. والجبار الذي يضرب أو يقتل على الغضب. {فاتقوا الله} في البطش، {وأطيعونِ} فيما أدعوكم إليه؛ فإنه أنفع لكم، {وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ} من ألوان النعماء وأصناف الآلاء. ثم فصّلها بقوله: {أمدَّكم بأنعامٍ وبنين}؛ فإن التفصيل بعد الإجمال أدخل في القلب. وقرن البنين بالأنعام؛ لأنهم يعينونهم على حفظها والقيام بها. {وجناتٍ}؛ بساتين {وعيونٍ}: أنهار خلال الجنات، {إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} إن عصيتموني، أو: إن لم تقوموا بشكرها؛ فإن كفران النعم مستتبع للعذاب، كما أن شكرها مستلزم لزيادتها، قال تعالى: {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} تفسير : [إبراهيم: 7]. {قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ}؛ فإنّا لن نرعوي عما نحن عليه، ولا نقبل كلامك ودعوتك، وعظت أو سكت. ولم يقل: أم لم تعظ؛ لرؤوس الآي. {إنْ هَذَا إِلا خُلق الأولين} بضم اللام، أي: ما هذا الذي نحن عليه؛ من ألاَّ بعث ولا حساب، إلا عادة الأولين وطبيعتهم واعتقادهم، أو: ما هذا الذي نحن عليه؛ من الموت والحياة إلا عادة قديمة، لم يزل الناس عليها، ولا شيء بعدها، أو: ما هذا الذي أنكرت علينا؛ من البنيان والبطش، إلا عادة مَنْ قَبْلَنَا، فنحن نقتدي بهم، وما نُعَذَّبُ على ذلك. وبسكون اللام، أي: ما هذا الذي خوفتنا به {إلا خَلْق الأولين} أي: اختلاقهم وكذبهم، أو: ما خَلْقُنا هذا إلا كخلْقهم، نحيا كما حيوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا حساب، {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} على ما نحن عليه من الأعمال. {فَكَذَّبُوهُ} أي: أصروا على تكذيبه، {فأهلكناهم} بسبب ذلك بربح صَرْصَرٍ، تقدم في الأعراف كيفيته، {إنّ في ذلك لآيةً وما كان أكْثَرُهُمْ} أي: قوم هود {مؤمنين}؛ ما أسلم معه ثلاثمائة ألف... وأهلك باقيهم. قاله المحشي الفاسي. وقيل: وما أَكْثَرُ قَوْمِكَ بمؤمنين بهذا، على أن {كان}: صلة. {وإن ربك لهو العزيزُ الرَّحِيمُ}؛ العزيز بالانتقام من أعدائه، الرحيم بالانتصار لأوليائه. الإشارة: أنكر هود عليه السلام على قومه أمرين مذمومين، وهما من صفة أهل البُعد عن الله؛ الأول؛ التطاول في البنيان، والزيادة على الحاجة، وهي ما يُكن من البرد، ويقي من الحر، من غير تمويه ولا تزويق، والزيادةُ على الحاجة في البنيان من علامة الرغبة في الدنيا، وهو من شأن الجهال رعاء الشاه، كما في الحديث، وفي خبر أخر: "حديث : إذاعلا العبد البناء فوق ستة أذْرُعٍ ناداه ملك: إلى أين يا أفْسَقَ الفاسِقينَ؟ ". تفسير : والثاني: التجبر على عباد الله، والعنف معهم، من غير رحمة ولا رقة، وهو من قساوة القلب، والقلب القاسي بعيد من الله، وفي الخبر عن عيسى عليه السلام: (لا تُكثِرُوا الكلام بغير ذكر الله، فتقسو قلوبكم؛ فإن القلبَ القاسِيَ بعيدٌ من الله، ولكن لا تشعرون). وفي الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تنظُرُوا إلى عيوب الناس كأنكم أربابٌ، وانظروا إلى عيوبكم كأنكم عَبِيدٌ، فإنما الناس مُبْتَلى ومُعَافىً، فارحموا أهل البلاء وسلو الله العافية"تفسير : . وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ...}
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى عن عاد - وقيل: هم قبيلة - انهم كذبوا من أرسلهم الله حين قال لهم أخوهم هود. قال الحسن: كان أخاهم من النسب دون الدين {ألا تتقون} الله باجتناب معاصيه إلى قوله {رب العالمين} وقد فسرنا نظائره. وقوله {تبنون بكل ريع آية} فالبناء وضع ساف على ساف إلى حيث ينتهي. والريع الارتفاع من الارض، وجمعه آرياع وريعة قال ذو الرمة: شعر : طراق الخوافي مشرق فوق ريعة ندى ليلة في ريشه يترقرق تفسير : ومنه الريع في الطعام، وهي الزيادة والنماء قال الاعشى: شعر : وبهما قفر تجاوزتها إذا خبّ في ريعها أألها تفسير : وفيه لغتان - فتح الراء، وكسرها - بمعنى المكان المرتفع، قال الفراء فيه لغتان (ريع، وراع) مثل زير، وزار قال أبو عبيدة هو الطريق بين الجبلين في ارتفاع. وقيل: هو الفج الواسع، وقال قتادة: معناه بكل آية طريق أي علامة {تعبثون} تلعبون، في قول ابن عباس. وقوله {وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون} قال المؤرج: لعلكم تخلدون: كأنكم تخلدون - بلغة قريش - وقال الفراء: معناه كيما تخلدون. قال مجاهد: المصانع أراد بها حصوناً مشيدة. وقال قتادة: مآخذ للماء، وهو جمع مصنع، ويقال مصنعة لكل بناء. وقيل: إنهم كانوا يبنون بالمكان المرتفع البناء العالي، ليدلوا بذلك على أنفسهم، وزيادة قوتهم وليفاخروا بذلك غيرهم من الناس، وكانوا جاوزوا في ايجاد المصانع إلى الاسواق فنهوا عن ذلك، وقال الزجاج: المصانع المباني {لعلكم تخلدون} معناه تفعلون ذلك لكي تبقوا فيها مؤبدين {وإذا بطشتم بطشتم جبارين} فالبطش العسف قتلا بالسيف وضرباً بالسوط - في قول ابن عباس - والجبار العالي على غيره بعظم سلطانه، وهو في صفة الله تعالى مدح، وفي صفة غيره ذم، فاذا قيل للعبد جبار فمعناه انه يتكلف الجبرية. والجبار في النحل ما فات اليد، وقال الحسن: بطش الجبرية هو المبارزة من غير ثبت ولا توقف، فذمهم الله بذلك، ونهاهم هود فقال {اتقوا الله} باجتناب معاصيه و "اطيعوني" فيما أدعوكم اليه، ولم يكن هذا القول تكراراً من هود لأنه متعلق بغير ما تعلق به الأول، لان الأول معناه، فاتقوا الله في تكذيب الرسل، واطيعوني فيما أدعوكم اليه من اخلاص عبادته، والثاني فاتقوا الله في ترك معاصيه في بطش الجبارين وعمل اللاهين واطيعوني في ذلك الأمر الذي دعوتكم اليه.
اطفيش
تفسير : {كَذَّبَتْ عَادٌ} التأنيث إما اعتبار المضاف محذوف أي قبيلة عاد، وعاد اسم أبيها وتسمية لها بإسم أبيها. {المُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونَ، وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ} مثل الأول وصدرت القصص بذلك إعلاما باتفاق الأنبياء في ذلك وإن اختلفت شرائعهم وإن المقصود ببعث الرسل الدعاء إلى الله وأن غرضهم ثواب الله لا غرض دنيوي.
اطفيش
تفسير : {كذَّبَتْ عادٌ} قبيلة سميت باسم أبيها، ومثل هذا كثير فى القبيلة العظيمة {المرْسَلِينَ} الرسل الذين أرسلوا لهدايتهم.
الالوسي
تفسير : بيد أن تأنيث الفعل هنا باعتبار أن المراد بعاد القبيلة وهو اسم أبيهم الأقصى، وكثيراً ما يعبر عن القبيلة إذا كانت عظيمة بالأب وقد يعبر عنها ببني أو بآل مضافاً إليه فيقال: بنو فلان أو آل فلان، وكذا الكلام في قوله سبحانه: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ...}.
سيد قطب
تفسير : وقوم هود كانوا يسكنون الأحقاف، وهي جبال رملية قرب حضرموت من ناحية اليمن. وقد جاءوا بعد قوم نوح، وكانوا ممن زاغت قلوبهم بعد فترة من الطوفان الذي طهر وجه الأرض من العصاة. وقد وردت هذه القصة في الأعراف مفصلة وفي هود، كما وردت في سورة "المؤمنون" بدون ذكر اسم هود وعاد. وهي تعرض هنا مختصرة بين طرفيها: طرف دعوة هود لقومه، وطرف العاقبة التي انتهى إليها المكذبون منهم. وتبدأ كما بدأت قصة قوم نوح: {كذبت عاد المرسلين. إذ قال لهم أخوهم هود: ألا تتقون؟ إني لكم رسول أمين. فاتقوا الله وأطيعون. وما أسألكم عليه من أجر، إن أجري إلا على رب العالمين}.. فهي الكلمة الواحدة يقولها كل رسول: دعوة إلى تقوى الله وطاعة رسوله. وإعلان للزهد فيما لدى القوم من عرض الحياة، وترفع قيم الأرض الزائلة، وتطلع إلى ما عند الله من أجر كريم. ثم يزيد ما هو خاص بحال القوم وتصرفاتهم، فينكر عليهم الترف في البنيان لمجرد التباهي بالمقدرة، والإعلان عن الثراء، والتكاثر والاستطالة في البناء؛ كما ينكر غرورهم بما يقدرون عليه من أمر هذه الدنيا، وما يسخرونه فيها من القوى، وغفلتهم عن تقوى الله ورقابته: {أتبنون بكل ريع آلهة تعبثون، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون؟}.. والريع المرتفع من الأرض. والظاهر أنهم كانوا يبنون فوق المرتفعات بنياناً يبدو للناظر من بعد كأنه علامة. وأن القصد من ذلك كان هو التفاخر والتطاول بالمقدرة والمهارة. ومن ثم سماه عبثاً. ولو كان لهداية المارة، ومعرفة الاتجاه ما قال لهم: {تعبثون}.. فهو توجيه إلى أن ينفق الجهد، وتنفق البراعة، وينفق المال فيما هو ضروري ونافع، لا في الترف والزينة ومجرد إظهار البراعة والمهارة. ويبدو كذلك من قوله: {وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون} أن عاداً كانت قد بلغت من الحضارة الصناعية مبلغاً يذكر؛ حتى لتتخذ المصانع لنحت الجبال وبناء القصور، وتشييد العلامات على المرتفعات؛ وحتى ليجول في خاطر القوم أن هذه المصانع وما ينشؤونه بوساطتها من البيان كافية لحمايتهم من الموت، ووقايتهم من مؤثرات الجو ومن غارات الأعداء. ويمضي هود في استنكار ما عليه قومه: {وإذا بطشتم بطشتم جبارين}.. فهم عتاة غلاظ، يتجبرون حين يبطشون؛ ولا يتحرجون من القسوة في البطش. شأن المتجبرين المعتزين بالقوة المادية التي يملكون. وهنا يردهم إلى تقوى الله وطاعة رسوله، لينهنه من هذه الغلظة الباطشة المتجبرة: {فاتقوا الله وأطيعون}.. ويذكرهم نعمة الله عليهم بما يستمتعون به ويتطاولون ويتجبرون، وكان الأجدر بهم أن يتذركوا فيشكروا، ويخشوا أن يسلبهم ما أعطاهم، وأن يعاقبهم على ما أسرفوا في العبث والبطش والبطر الذميم! {واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون. أمدكم بأنعام وبنين. وجنات وعيون. إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم}.. وهكذا يذكرهم بالمنعم والنعمة على وجه الإجمال أولاً: {أمدكم بما تعلمون}. وهو حاضر بين أيديهم، يعلمونه ويعرفونه ويعيشون فيه، ثم يفصل بعض التفصيل: {أمدكم بأنعام وبنين، وجنات وعيون} وهي النعم المعهودة في ذلك العهد؛ وهي نعمة في كل عهد.. ثم يخوفهم عذاب يوم عظيم. في صورة الإشفاق عليهم من ذلك العذاب. فهو أخوهم، وهو واحد منهم، وهو حريص ألا يحل بهم عذاب ذلك اليوم الذي لا شك فيه. ولكن هذه التذكرة وهذا التخويف، لا يصلان إلى تلك القلوب الجاسية الفظة الغليظة. فإذا الإصرار والعناد والاستهتار. {قالوا: سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين}.. فما يعنينا أن تعظ أو ألا تكون أصلاً من الواعظين! وهو تعبير فيه استهانة واستهتار وجفوة. يتبعه ما يشي بالجمود والتحجر والاعتماد على التقليد! {إِن هذا إلا خلق الأولين.. وما نحن بمعذبين}.. فحجتهم فيما هم عليه، وفيما يستنكره عليهم هود، أنه خلق الأولين ونهجهم. وهم يسيرون على نهج الأولين! ثم إنهم لينفون احتمال العذاب على خلق الأولين! {وما نحن بمعذبين}! ولا يستطرد السياق هنا في تفصيل ما ثار بينهم وبين رسولهم من جدل؛ فيمضي قدماً إلى النهاية: {فكذبوه فأهلكناهم}.. وفي كلمتين اثنتين ينتهي الأمر؛ ويطوى قوم عاد الجبارون؛ وتطوى مصانعهم التي يتخذون؛ ويطوى ما كانوا فيه من نعيم، من أنعام وبنين وجنات وعيون! وكم من أمة بعد عاد ظلت تفكر على هذا النحو، وتغتر هذا الغرور، وتبعد عن الله كلما تقدمت في الحضارة؛ وتحسب أن الإنسان قد أصبح في غنية عن الله! وهي تنتج من أسباب الدمار لغيرها، والوقاية لنفسها، ما تحسبه واقياً لها من أعدائها.. ثم تصبح وتمسي فإذا العذاب يصب عليها من فوقها ومن تحتها. عن أي طريق. {إِن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم}..
ابن عاشور
تفسير : جملة مستأنفة استئناف تعداد لأخبار التسلية للرسول وتكرير الموعظة للمكذبين بعد جملة: {أية : كذبت قوم نوح المرسلين}تفسير : [الشعراء: 105]. والقول في هذه الآيات كالقول في نظيرتها في أول قصة نوح سواء، سِوى أن قوله تعالى: {كذبت عاد المرسلين} يفيد أنهم كذبوا رسولهم هوداً وكذبوا رسالة نوح لأن هوداً وعظهم بمصير قوم نوح في آية: {أية : واذكروا إذ جعَلَكم خلفاءَ من بعد قوم نوح}تفسير : في سورة الأعراف (69). واقتران فعل {كذبت} بتاء التأنيث لان اسم عاد علَم على أمة فهو مُؤَوّل بمعنى الأمة. والقول في {ألاَ تتقون} مثل القول في نظيره المتقدم في قصة قوم نوح. وقوله: {إني لكم رسول أمين} هو كقول نوح لقومه، فإن الرسول لا يبعث إلا وقد كان معروفاً بالأمانة وحسن الخلق قبل الرسالة. ويدل لكون هود قد كان كذلك في قومه قولُ قومه له {أية : إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} تفسير : في سورة هود (54) الدال على أنهم زعموا أن تغير حاله عما كان معروفاً به من قبل بسبب سوء اعتقاده في آلهتهم. وتفريع فاتقوا الله وأطيعون} عليه كما تقدم في قصة نوح. وحذف ياء {وأطيعون} للفاصلة كحذفها في قصة نوح وإبراهيم آنفاً. وتقدم ذكر عاد وهود عند قوله تعالى: {أية : وإلى عاد أخاهم هوداً} تفسير : في سورة الأعراف (65).
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: كذبت عاد: عاد اسم أبي القبيلة وسميت القبيلة به. أخوهم هود: أخوهم في النسب. فاتقوا الله: أي خافوا عقابه فلا تشركوا به شيئاً. أتبنون بكل ريع: أي مكان عال مرتفع. آية: أي قصراً مشيداً عالياً مرتفعاً. تعبثون: أي ببنيانكم حيث تبنون ما لا تسكنون. وتتخذون مصانع: أي حصوناً منيعة وقصوراً رفيعة. لعلكم تخلدون: أي كأنكم تأملون الخلود في الأرض وترجونه. وإذا بطشتم: أي أخذتم أحداً سطوتم عليه بعنف وشدة. جبارين: أي عتاة متسلطين. معنى الآيات: هذه بداية قصص هود عليه السلام يقول تعالى {كَذَّبَتْ عَادٌ} أي قبيلة عاد {ٱلْمُرْسَلِينَ} أي رسول الله هوداً، {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ} أي ألا تتقون عقاب الله بترككم الشرك والمعاصي بمعنى اتقوا الله ربكم فلا تشركوا به، وقوله {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} يخبرهم بأنه رسول الله إليهم يبلغهم عن الله أمره ونهيه وأنه أمين على ذلك فلا يزيد ولا ينقص فيما أمره ربه بإبلاغه إليهم، وعليه {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} أي بوصفي رسول الله إليكم فإن طاعتي واجبة عليكم حتى أبلغكم ما أرسلت به إليكم. وقوله {وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} أي على إبلاغ رسالتي إليكم من أجر أي من أي أجر كان. ولو قل {إِنْ أَجْرِيَ} أي ما أجري إلا على رب العالمين سبحانه وتعالى إذ هو الذي أرسلني وكلفني فهو الذي أرجو أن يثييني على حمل رسالتي إليكم وإبلاغها إيّاكم. وعليه فاتقوا الله إي خافوا عقابه بترك الشرك به والمعاصي وأطيعوني بقبول ما أبلغكم به لتكملوا وتسعدوا. وقوله: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ} ينكر هود على قومه إنهماكهم في الدنيا وانشغالهم بما لا يعني وإعراضهم عما يعنيهم فيقول لهم كالمنكر عليهم أتبنون بكل ريع أي مكان عال مرتفع آية أي قصراً مشيداً في ارتفاعه وعلوه. تعبثون حيث لا تسكنون فيما تبنون فهو لمجرد اللهو والعبث وقوله {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ} وهي مبان عالية كالحصون أو خزانات الماء أو الحصون {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} أي كيما تخلدون، وما أنتم بخالدين، وإنما مقامكم فيها قليل. وقوله {وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} أي إذا سطوتم على أحد تسطون عليه سطو العتاة الجبارين فتأخذون بعنف وشدة بلا رحمة ولا رفق {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} يا قوم فخافوا عقابه وأليم عذابه، {وَأَطِيعُونِ} فيما أدعوكم إليه وأبلغكموه عن ربي فإن ذلك خير لكم من الإِعراض والتمادي في الباطل. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الأمر بالتقوى من النصح للمأمور بها، لأن النجاة والفوز لا يتمان للعبد إلا عليها. 2- الرسل أمناء على ما يحملون وما يبلغون الناس. 3- حرمة أخذ الأجرة على بيان الشرع والدعوة إلى ذلك. 4- ينبغي للعبد أن لا يسرف فيبني ما لا يسكن ويدخر ما لا يأكل. 5- استنكار العنف والشدة في الأخذ وعند المؤاخذة.
القطان
تفسير : عاد: قبيلة. رِيع: بكسر الراء وفتحها: المكان المرتفع. آية: قصرا عاليا. تعبثون: تفعلون ما لا فائدة فيه. مصانع: قصورا وحصونا منيعة. لعلكم تخلدون: كأنكم خالدون في هذه الدنيا. بطشتم: اخذتم بالعنف. جبارين: متسلطين بلا رأفة ولا شفقة. أمدّكم: سخر لكم. الوعظ: الكلام اللين بذكر الوعد والوعيد. خلق الأولين: عاداتهم التي كانوا عليها. تقدمت قصة عادٍ في سورة الأعراف مفصَّلة، وفي سورة هود، وفي سورة المؤمنون بدون ذكر اسم هود وعاد. وتُعرَض هنا مختصرةً، وتبدأ كما بدأت قصة نوح وقومه. {كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ}. اذ قال هود لقومه: ألا تخافون الله وتحسبون حساباً لبطشِهِ؟ إني لكم رسولٌ أمين. وأكرر لكم القول أنِ اتقوا الله وأطيعوني فيما أبلّغكم من عند الله، وما أريد منكم أجرا، انّ أجريَ على الله رب العالمين. أتشيدون بكل مكانٍ مرتفع من الأرض بناءً شامخا تتفاخرون به وتعبثون فيه بالفسق والفجور! وتتخذون القصورَ المشيدة والحصونَ المنيعة كأنكم خالدون في هذه الدنيا! وإذا أخذتُم قوماً في حربٍ أخذتموهم بعنف الجبابرة دون شفقة او رحمة! اتقوا الله الذي أمدّكم بالأنعام والاولاد وجناتٍ تحيط بها العيون، فأنا اخاف عليكم عذاب يوم القيامة. قالوا: إننا لدعوتك مكذّبون، سواء علينا أوعظتَنا ام لم تعِظنا. نحن لن نطيع امرك، لأننا نتّبع أخلاق آبائنا وما كانوا يعملون، وما نحن بمعذَّبين عليها كما تنذرنا به. فكذّبوه، فأهلكناهم. ان في ذلك لآيةً يتناقلها الناس، وما اكثر الذين تتلو عليهم يا محمد نبأ عاد بمؤمنين. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}. قراءات قرأ ابن كثير وابو عمرو والكسائي: ان هذا الا خُلْق الأولين بضمّ الخاء وسكون اللام وقرأ الباقون: خَلَق بفتح الخاء واللام.
د. أسعد حومد
تفسير : (123) - يُخْبِرُ اللهُ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ رَسُولَهُ هُوداً إلى قَوْمِ عَادٍ - وكَانُوا يَسْكُنُونَ الأحْقَافَ وهِيَ تِلاَلٌ رَمْلِيَّةٌ قُرْبَ حَضْرَمَوْتَ - وكَانُوا بعدَ قومِ نُوحٍ - فَدَعَاهُمْ هُودٌ إلى عِبادَةِ اللهِ تَعَالى وَحْدَه لا شَرِيكَ لَهُ، والإِقلاَعِ عَنْ عبادةِ الأَصْنَامِ والأَوْثَانِ فكذَّبُوهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقال هنا أيضاً {ٱلْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 123] لأن تكذيب رسول واحد تكذيبٌ لكل الرسل؛ لأنهم جميعاً جاءوا بقواعد وأصول واحدة في العقائد وفي الأخلاق. وعاد: اسم للقبيلة، وكانت القبائل تُنسَب إلى الأب الأكبر فيها، ولصاحب الشهرة والنباهة بين قومه، فعاد هو أبو هذه القبيلة، وقد يُطلَق عليهم بنو فلان أو آل فلان، ثم يذكر لنا قصتهم، ومتى كان منهم هذا التكذيب: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ ...}.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ قال سبحانه مخبراً عن أحوال المكذبين أيضاً: {كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 123] جمعه على الوجه الذي ذُكر في تكذيب نوح، وإنما أنث باعتبار القبيلة وعاد اسم ابيهم. وقت {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ} حين رأى منهم ما هو من أمارات الكفر والفسوق عن مقتضى الاستقامة الموضوعة بينهم بوضع إلهي: {أَلاَ تَتَّقُونَ} [الشعراء: 124] من بأس الله أيها المفرطون المسرفون، ولا تحذرون عن قهره وانتقامه أيها الجاهلون. {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الشعراء: 125] مرسل إليكم من عنده؛ لأبلغكم ما أُرسلت به من قبل الحق من الأوامر والنواهي المصلحة لأحوالكم، المبعدة عن غضب الله إياكم وقهره. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} الغالب القادر على أنواع الانتقامات {وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: 126] فيما أمرت لكم بوحي الله وإلهام من الأمور المهذبة لأخلاقكم. {وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الشعراء: 127]. من جملة تربيته: إرسال الرسل على المنحرفين عن سبيل الاستقامة من المنصرفين عن طريق توحيده {أَتَبْنُونَ} وتعمرون أيها المسرفون المستكبرون {بِكُلِّ رِيعٍ} تلال مرتفعة من الأرض {آيَةً} تستدلون بها في سلوككم نحو مقاصدكم ومناهجكم، مع أن النجوم الزهرات؛ إنما خُلقت لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر، وأنتم بوضعكم هذه الآيات والعلامات {تَعْبَثُونَ} [الشعراء: 128] وترتكبون فعلاً لا فائدة لكم فيها أصلاً. {وَ} أيضاً من جملة كبركم وخيلائكم: إنكم {تَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ} أي: منابع الماء والقوانيت، أو قصوراً عاليات وأبنية شامخات مجصصه مشيدة {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} [الشعراء: 129] وتؤملون الخلود في دار الابتلاء والغرور؛ لذلك تحكمون بناءكم وتشيدونها. {وَ} من كماف استكباركم وتجبركم {إِذَا بَطَشْتُمْ} وأخذتم أحداً بجريمة صدرت عنه {بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} [الشعراء: 130] متجبرين متكبرين، خارجين عن مقتضى الحد الإلهي؛ الموضوع للتأديب والتعزير. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} المنتقم الغيور ألاَّ يأخذكم على أمثال هذا الاجتراء على عباده والظلم عليها {وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: 131] في نصحي وتذكيري؛ لتنجوا من سخط الله وعضبه. {وَ} بالجملة: {ٱتَّقُواْ} القادر العليم الحكيم {ٱلَّذِيۤ أَمَدَّكُمْ} ونصركم {بِمَا تَعْلَمُونَ} [الشعراء: 132] من أنواع النعم، وأصناف الكرم الفائضة عليكم. ثمَّ فصَّل بعضاً منها تنصيصاً عليهم، فقال: {أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ} تستمدون بها أكلاً وحملاً وركوباً {وَبَنِينَ} [الشعراء: 133] تظاهرون بهم وتفاخرون. {وَجَنَّاتٍ} منتزهات ملتفة بأنواع الأشجار والكروم {وَعُيُونٍ} [الشعراء: 134] جاريات تجري بين جناتكم منها أنهار المياه. {إِنِّيۤ} من كمال عطفي ومرحمتي {أَخَافُ عَلَيْكُمْ} من كمال تعنتكم واستكباركم {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء: 135] أي: نزول عذاب الله وأنواع عقوباته فيه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ } إلى آخر القصة. أي: كذبت القبيلة المسماة عادا، رسولهم هودا، وتكذيبهم له تكذيب لغيره، لاتفاق الدعوة. { إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ } في النسب { هُودُ } بلطف وحسن خطاب: { أَلا تَتَّقُونَ } الله، فتتركون الشرك وعبادة غيره. { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } أي: أرسلني الله إليكم، رحمة بكم، واعتناء بكم، وأنا أمين، تعرفون ذلك مني، رتب على ذلك قوله: { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ }. أي: أدوا حق الله تعالى، وهو التقوى، وأدوا حقي، بطاعتي فيما آمركم به، وأنهاكم عنه، فهذا موجب، لأن تتبعوني وتطيعوني وليس ثَمَّ مانع يمنعكم من الإيمان، فلست أسألكم على تبليغي إياكم، ونصحي لكم، أجرا، حتى تستثقلوا ذلك المغرم. { إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ } الذي رباهم بنعمه، وأدرَّ عليهم فضله وكرمه، خصوصا ما ربَّى به أولياءه وأنبياءه. { أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ } أي: مدخل بين الجبال { آيَةً } أي: علامة { تَعْبَثُونَ } أي: تفعلون ذلك عبثا لغير فائدة تعود بمصالح دينكم ودنياكم. { وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ } أي: بركا ومجابي للحياة { لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ } والحال أنه لا سبيل إلى الخلود لأحد. { وَإِذَا بَطَشْتُمْ } بالخلق { بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ } قتلا وضربا، وأخذ أموال. وكان الله تعالى قد أعطاهم قوة عظيمة، وكان الواجب عليهم أن يستعينوا بقوتهم على طاعة الله، ولكنهم فخروا، واستكبروا، وقالوا: {أية : مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً } تفسير : واستعملوا قوتهم في معاصي الله، وفي العبث والسفه، فلذلك نهاهم نبيهم عن ذلك. { فَاتَّقُوا اللَّهَ } واتركوا شرككم وبطركم { وَأَطِيعُونِ } حيث علمتم أني رسول الله إليكم، أمين ناصح. { وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ } أي: أعطاكم { بِمَا تَعْلَمُونَ } أي: أمدكم بما لا يجهل ولا ينكر من الإنعام. { أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ } من إبل وبقر وغنم { وَبَنِينَ } أي: وكثرة نسل، كثر أموالكم، وكثر أولادكم، خصوصا الذكور، أفضل القسمين. هذا تذكيرهم بالنعم، ثم ذكرهم حلول عذاب الله فقال: { إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ }. أي: إني - من شفقتي عليكم وبري بكم - أخاف أن ينزل بكم عذاب يوم عظيم، إذا نزل لا يرد، إن استمريتم على كفركم وبغيكم. فقالوا معاندين للحق مكذبين لنبيهم: { سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ } أي: الجميع على حد سواء، وهذا غاية العتو، فإن قوما بلغت بهم الحال إلى أن صارت مواعظ الله، التي تذيب الجبال الصم الصلاب، وتتصدع لها أفئدة أولي الألباب، وجودها وعدمها -عندهم- على حد سواء، لقوم انتهى ظلمهم، واشتد شقاؤهم، وانقطع الرجاء من هدايتهم، ولهذا قالوا: { إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ }. أي: هذه الأحوال والنعم، ونحو ذلك، عادة الأولين، تارة يستغنون، وتارة يفتقرون، وهذه أحوال الدهر، لا أن هذه محن ومنح من الله تعالى، وابتلاء لعباده. { وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } وهذا إنكار منهم للبعث، أو تنزل مع نبيهم وتهكم به، إننا على فرض أننا نبعث، فإننا كما أدرَّت علينا النعم في الدنيا، كذلك لا تزال مستمرة علينا إذا بعثنا. { فَكَذَّبُوهُ } أي: صار التكذيب سجية لهم وخلقا، لا يردعهم عنه رادع، { فَأَهْلَكْنَاهُمْ } {أية : بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ }. تفسير : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً } على صدق نبينا هود عليه السلام وصحة ما جاء به وبطلان ما عليه قومه من الشرك والجبروت { وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ } مع وجود الآيات المقتضية للإيمان. { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ } الذي أهلك بقوته قوم هود على قوتهم وبطشهم. { الرَّحِيمُ } بنبيه هود حيث نجاه ومن معه من المؤمنين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):