Verse. 3060 (AR)

٢٦ - ٱلشُّعَرَاء

26 - Ash-Shu'ara (AR)

اَتَبْنُوْنَ بِكُلِّ رِيْــعٍ اٰيَۃً تَعْبَثُوْنَ۝۱۲۸ۙ
Atabnoona bikulli reeAAin ayatan taAAbathoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أتبنون بكل ريع» مكان مرتفع «آية» بنا علما للمارة «تعبثون» ممن يمر بكم وتسخرون منهم والجملة حال من ضمير تبنون.

128

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَتَبْنُونَ بِكُلّ رِيعٍ } مكان مرتفع {ءَايَةً } بناء علماً للمارّة {تَعْبَثُونَ } بمن يمرّ بكم وتسخرون منهم؟ والجملة حال من ضمير تبنون.

ابن عبد السلام

تفسير : {رِيعٍ} طريق، أو الثنية الصغيرة، أو السوق، أو الفج بين الجبلين، أو الجبال، أو المكان المشرف من الأرض "ع" {ءَايَةً} بنياناً، أو أعلاماً "ع" أو أبراج الحمام. {تَعْبَثُونَ} باللهو واللعب، أو عبث العشارين بأموال من يمرُّ بهم.

الثعالبي

تفسير : وقول هود عليه السلام لقومه: {أَتَبْنُونَ} هو على جهة التوبيخ، والرِّيعُ: المرتفع من الأرض وله في كلام العرب شواهد، وعَبَّرَ المفسرون عن الريع بعبارات، وجملة ذلك أنَّهُ المكان المشرف، وهو الذي يتنافس البشر في مبانيه، والآية: البنيان؛ قال ابن عباس: آية علم. وقال مجاهد: أبراج الحمام، وقيل: القصور الطوال، والمصانع جمع مصنع وهو ما صُنِعَ وَأُتْقِنَ في بنيانه من قصر مَشِيدٍ ونحوه، قال البخاريُّ: كل بناء مصنعة، انتهى. وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} أي: كأنكم تخلدون وكذا نقله البخاريُّ عن ابن عباس غيرَ مسند، انتهى. والبطشُ: الأخذ بسرعة، والجبار: المُتَكَبِّرُ، ثم ذكَّرهم عليه السلام بأياد اللّه تعالى فيما منحهم، وحَذَّرهم من عذابه، فكانت مراجعتهم أنْ سووا بين وعظه وتركه الوعظ، وقرأ نافع وغيره: «خُلُقُ الأَوَّلِينَ» - بضم اللام - فالإشارة بهذا إلى دينهم، أي ما هذا الذي نحن عليه إلاَّ خُلُقُ الناس وعادتهم، وقرأ ابن كثير وغيره: «خُلْقُ» بسكون اللام، فيحتمل المعنى: ما هذا الذي تزعمه إلا أخلاق الأولين من الكَذَبَةِ؛ فأنت على منهاجهم، وروى عَلْقَمَةُ عن ابن مسعود,: إلاَّ اختلاق الأَوَّلِينَ.

اسماعيل حقي

تفسير : {اتبنون} الهمزة للاستفهام الانكارى. والمعنى بالفارسية [آي بنا ميكنيد] {بكل ريع} [بهرموضعى بكند] والريع بكسر الراء وفتحها جمع ريعة وهو المكان المرتفع ومنه استعير ريع الارض للزيادة والارتفاع الحاصل منها {آية} بناء عاليا متميزا عن سائر الابنية حال كونكم {تعبثون} ببنائه فان بناء مالا ضرورة فيه وما كان فوق الحاجة عبث ـ حديث : روى ـ ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج فرأى قبة مشرفة فقال "ماهذه" قال له اصحابه هذه لرجل من الانصار فمكث وحملها فى نفسه حتى اذا جاء صاحبها رسول الله فسلم فى الناس اعرض عنه وصنع به ذلك مرارا حتى عرف الرجل الغضب فيه والاعراض عنه فشكا ذلك الى اصحابه فقال والله انى لانكر نظر رسول الله ماادرى ما حدث فىّ ما صنعت قالوا خرج رسول الله فرأى قبتك فقال لمن هذه فاخبرناه فرجع الى قبته فسواها بالارض فخرج النبى عليه السلام ذات يوم فلم ير القبة فقال "مافعلت القبة التى كانت ههنا" قالوا شكا الينا صاحبها اعراضك عنه فاخبرناه فهدمها فقال "ان كل بناء يبنى وبال على صاحبه يوم القيامة الا مالا بد منه"تفسير : هذا ماعليه الامام الراغب وصاحب كشف الاسرار وغيرهما. وقال فى الجلالين ونحوه {آية} يعنى ابنية الحمام وبروجها: وبالفارسية [كبوترخانها] انكر هود عليهم اتخاذهم بروج الحمام عبثا ولعبهم بها كالصبيان. قال فى نصاب الاحتساب من اللعب الذى يحتسب بسببه اللعب بالحمام. قال محمد السفلة من يلعب بالحمام ويقامر. وفى شرح القهستانى ولا بأس بحبس الطيور والدجاج فى بيته ولكن يعلفها وهو خير من ارسالها فى السكك. واما امساك الحمامات فى برجها فمكروه اذا اضر بالناس. وقال ابن مقاتل يجب على صاحبها ان يحفظها ويعلفها انتهى. وفى التتار خانية ولايجوز حبس البلبل والطوطى والقمرى ونحوها فى القفص اى اذا كان الحبس لاجل اللهو واللعب. واما اذا كان لاجل الانتفاع كحبس الدجاج والبط والاوز ونحوها لتسمن او لئلا تضر بالجيران فهو جائز وكذا حبس سباع الطيور لاجل الاصطياد. وفى فتاوىء قارىء الهداية هل يجوز حبس الطيور المغردة وهل يجوز اعتاقها وهل فى ذلك ثواب وهل يجوز قتل الوطاويط لتلويثها حصير المسجد بخرئها الفاحش اجاب يجوز حبسها للاستئناس بها. واما اعتاقها فليس فيه ثواب وقتل المؤذى من الدواب يجوز انهى وفى الحديث "حديث : لاتحضر الملائكة شيئا من الملاهى سوى النضال والرهان"تفسير : اى المسابقة بالرمى والفرس والابل والارجل. وقال بعضهم فى الآية تعبثون بمن مرّ بكم لانهم كانوا يبنون الغرف فى الاماكن العالية ليشرفوا على المارة فيسخرون منهم ويعبثون بهم. وذهب بعض من عدّ من اجلاء المفسرين الى ان المعنى {آية} الا علامة للمارة تعبثون ببنائها فانهم كانوا يبنون اعلاما طوالا لاهتداء المارة فعد ذلك عبثا لاستغنائهم عنها بالنجوم. قال سعدى المفتى فيه بحث اذ لانجوم بالنهار وقد يحدث فى الليل مايستر النجوم من الغيوم انتهى. يقول الفقير وايضا ان تلك الاعلام اذا كانت لزيادة الانتفاع بها كالاميال بين بغداد ومكة مثلا كيف تكون عبثا فالاهتداء بالنهار اما بالاعلام واما بشم التراب كما سبق فى الجلد الاول

اطفيش

تفسير : {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ} في كل. {رِيعٍ} مكان مرتفع وقيل المكان الذي يتنافس الناس في البناء فيه وقيل الطريق ونسب لابن عباس وقال مجاهد ما بين الجبلين والصحيح الأول وهو رواية عن ابن عباس ومنه قولهم كم ريع أرضك أي ارتفاعها وقرىء بفتح الراء. {آيَةً} بنيانا عاليا علامة وكانوا يهتدون بالنجوم في أسفارهم فذلك البناء عبث كما قال الله. {تَعْبَثُونَ} لاستغنائهم عنه بالنجوم وهو قول ابن عباس وقال مجاهد بروج الحمام يلعبون بالحمام فذلك العبث وقيل بنيان يجتمعون اليه للعبث والسخرية بالمارة والسابلة وقيل قصور طوال يفتخرون بها والجملة حال من ضمير تبنون مقارنة لأن البناء عبث من حيث انه لم يكن لصفة أو مقدرة باعتبار أن المراد بالعبث عبثهم بالحمام، أو بالمارة والسابلة.

اطفيش

تفسير : {أتَبْنونَ بكلِّ ريعٍ} مكان مرتفع جبل أو أرض، كما روى عن ابن عباس، وريع النبات ارتفاعه بالنمو، وهذا اولى من أنه طريق بين الجبيلين كما هو رواية أخرى عنه، ومن أنه الطريق مطلقاً، ومن انه عين ماء {آيةً} علماً دالا على الطرق، مع انه لا يحتاجون إليها، بل بنوا للفخر، وإن احتاجوا فقد زادوا على الحاجة، أو بنو ليشرفوا على من يمر من غيرهم من سائر الناس الصغار الأجسام، ليسخروا بهم، أو بروج الحمام، أو بيت العشار ليأخذ العشر من أموال المارين، ولا يتبادر مع هذا العبث المذكور، او قصراً مشيداً كذلك، كأنه علم أى جبل {تعْبثُون} ببنائها، والجملة حال.

الالوسي

تفسير : {أَتَبْنُونَ بِكُلّ رِيعٍ } أي طريق كما روي عن ابن عباس وقتادة. وأخرج ابن جرير وجماعة عن مجاهد أن الريع الفج بين الجبلين. وعن أبـي صخر أنه الجبل والمكان / المرتفع عن الأرض. وعن عطاء أنه عين الماء. والأكثرون على أنه المكان المرتفع وهو رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ومنه ريع النبات وهو ارتفاعه بالزيادة والنماء. وقرأ ابن أبـي عبلة {ريع} بفتح الراء. {ءايَةً } أي علماً كما روي عن الحبر رضي الله تعالى عنه، وقيل: قصراً عالياً مشيداً كأنه علم وإليه ذهب النقاش وغيره واستظهره ابن المنير؛ ويمكن حمل ما روي عن الحبر عليه وحينئذٍ فقوله تعالى: {تَعْبَثُونَ } على معنى تعبثون ببنائها لما أنهم لم يكونوا محتاجين إليها وإنما بنوها للفخر بها. والعبث ما لا فائدة فيه حقيقة أو حكماً، وقد ذم رفع البناء لغير غرض شرعي في شريعتنا أيضاً، وقيل: إن عبثهم في ذلك من حيث أنهم بنوها ليهتدوا بها في أسفارهم والنجوم تغني عنها. واعترض بأن الحاجة تدعو لذلك لغيم مطبق أو ما يجري مجراه. وأجيب بأن الغيم نادر لا سيما في ديار العرب مع أنه لو احتيج إليها لم يحتج إلى أن تجعل في كل ريع فيكون بناؤها كذلك عبثاً. وقال الفاضل اليمني: إن أماكنها المرتفعة تغني عنها فهي عبث، وقيل: كانوا يبنون ذلك ليشرفوا على المارة والسابلة فيسخروا منهم ويعبثوا بهم: وروي ذلك عن الكلبـي والضحاك، وعن مجاهد وابن جبير أن الآية برج الحمام كانوا يبنون البروج في كل ريع ليلعبوا بالحمام ويلهوا به، وقيل: بيت العشار يبنونه بكل رأس طريق فيجلسون فيه ليعشروا مال من يمر بهم. وله نظير في بلادنا اليوم، ولا مستعان إلا بالله العلي العظيم. والجملة في موضع الحال وهي حال مقدرة على بعض الأقوال.

ابن عاشور

تفسير : رأى من قومه تمحّضاً للشغل بأمور دنياهم، وإعراضاً عن الفكر في الآخرة والعمل لها والنظرِ في العاقبة، وإشراكاً مع الله في إلهيته، وانصرافاً عن عبادة الله وحده الذي خلقهم وأَعْمَرهم في الأرض وزادهم قوة على الأمم، فانصرفت همّاتهم إلى التعاظم والتفاخر واللهو واللعب. وكانت عاد قد بلغوا مبلغاً عظيماً من البَأس وعظم السلطان والتغلب على البلاد مما أثار قولهم: {أية : مَن أشدُّ منَّا قوةً}تفسير : [فصلت: 15] فقد كانت قبائل العرب تصِف الشيء العظيم في نوعه بأنه «عَادي» وكانوا أهل رأي سديد ورجاحة أحلام، قال ودَّاك بن ثُمَيْل المازني:شعر : وأحلامُ عاد لا يخاف جلِيسهم ولو نطقَ العُوَّار غَرْبَ لِسان تفسير : وقال النابغة يمدح غسان:شعر : أحلامُ عاد وأجساد مطهرة من المَعَقَّة والآفات والأثَم تفسير : فطال عليهم الأمد، وتفننوا في إرضاء الهوى، وأقبلوا على الملذّات واشتد الغرور بأنفسهم فأضاعوا الجانب الأهم للإنسان وهو جانب الدين وزكاء النفس، وأهملوا أن يقصدوا من أعمالهم المقاصد النافعة ونية إرضاء الله على أعمالهم لحب الرئاسة والسمعة، فعبدوا الأصنام، واستخفوا بجانب الله تعالى، واستحمقوا الناصحين، وأرسل الله إليهم هوداً ففاتحهم بالتوبيخ على ما فُتِنوا بالإعجاب به وبذمه إذ ألهاهم التنافس فيه عن معرفة الله فنبذُوا اتّباع الشرائع وكذَّبوا الرسول. فمِن سابِق أعمال عاد أنهم كانوا بَنوا في طرق أسفارهم أعلاماً ومنارات تدل على الطريق كيلا يضِلّ السائرون في تلك الرمال المتنقلة التي لا تبقى فيها آثار السائرين واحتفروا وشيّدوا مصانع للمياه وهي الصهاريج تَجمع ماء المطر في الشتاء ليشرب منها المسافرون وينتفع بها الحاضرون في زمن قلة الأمطار، وبنوْا حصوناً وقصوراً على أشراف من الأرض، وهذا من الأعمال النافعة في ذاتها لأن فيها حفظ الناس من الهلاك في الفيافي بِضلال الطرق، ومن الهلكة عطشاً إذا فقدوا الماء وقت الحاجة إليه، فمتى أريد بها رضى الله تعالى بنفع عبيده كانت جديرةً بالثناء عاجلاً والثواب آجلاً. فأما إذا أهمل إرضاء الله تعالى بها واتُّخِذت للرياء والغرور بالعظمة وكانوا مُعرضين عن التوحيد وعن عبادة الله انقلبت عظمة دنيويةً محْضة لا ينظر فيها إلى جانب النفع ولا تحث الناس على الاقتداء في تأسيس أمثالها وقصاراها التمدح بما وجدوه منها. فصار وجودها شبيهاً بالعبث لأنها خلت عن روح المقاصد الحسنة فلا عبرة عند الله بها لأن الله خلق هذا العالم ليكون مظهر عبادته وطاعته. وكانوا أيضاً في الإعراض عن الآخرة والاقتصار على التزود للحياة الدنيا بمنزلة من يحسبون أنفسهم خالدين في الدنيا. والأعمال إذا خلت عن مراعاة المقاصد التي ترضي الله تعالى اختلفت مشارب عامليها طرائق قِدَداً على اختلاف الهمم واجتلاب المصالح الخاصة، فلذلك أنكرها عليهم رسولهم بالاستفهام الإنكاري على سنة المواعظ فإنها تُبنَى على مراعاة ما في الأعمال من الضر الراجح على النفع، فلا يلفت الواعظ إلى ما عسى أن يكون في الأعمال من مرجوح إذا كان ذلك النفع مرغوباً للناس، فإن باعث الرغبة المنْبَثَّ في الناس مغننٍ عن ترغيبهم فيه، وتصدي الواعظ لذلك فضول وخروج عن المقصد بتحذيرهم أو تحريضهم فيما عدا ذلك، إذا كان الباعث على الخير مفقوداً أو ضئيلاً. وقد كان هذا المقام مقام موعظة كما دلّ عليه قوله تعالى عنهم {أية : قالوا سواءٌ علينا أوعَظت أم لم تكن من الواعظين}تفسير : [الشعراء: 136]. ومقام الموعظة أوسع من مقام تغيير المنكر، فموعظة هود عليه السلام متوجهة إلى ما في نفوسهم من الأدواء الروحية، وليس في موعظته أمر بتغيير ما بنَوه من العلامات ولا ما اتخذوه من المصانع. ولما صار أثر البناء شاغلاً عن المقصد النافع للحياة في الآخرة نُزّل فعلهم المفضي إلى العبث منزلة الفعل الذي أريد منه العبث عند الشروع فيه فأنكر عليهم البناءُ بإدخال همزة الإنكار على فعل {تبنون}، وقُيّد بجملة: {تعبثون} التي هي في موضع الحال من فاعل {تبنون}، مع أنهم لما بنوا ذلك ما أرادوا بفعلهم عبثاً، فمناط الإنكار من الاستفهام الإنكاري هو البناء المقيّد بالعبث، لأن الحكم إذا دخل على مقيّد بقيْد انصرف إلى ذلك القيد. وكذلك المعطوف على الفعل المستفهَم عنه وهو جملة: {وتتخذون مصانع} هو داخل في حيّز الإنكار ومقيَّد بجملة الحال المقيَّد بها المعطوفُ عليه بناءً على أن الحال المتوسطة بين الجملتين ترجع إلى كلتيهما على رأي كثير من علماء أصول الفقه لا سيما إذا قامت القرينة على ذلك. وقد اختلفت أقوال المفسّرين في تعيين البناء والآيات والمصانع كما سيأتي. وفي بعض ما قالوه ما هو متمحّض للّهو والعبث والفساد، وفي بعضه ما الأصل فيه الإباحة، وفي بعضه ما هو صلاح ونفع كما سيأتي. وموقع جملة: {أتبنون} في موضع بدل الاشتمال لجملة: {أية : ألا تتقون}تفسير : [الشعراء: 124] فإن مضمونها مما يشتمل عليه عدم التقوى الذي تسلط عليه الإنكار وهو في معنى النفي. والرِّيع بكسر الراء: الشَّرف، أي المكان المرتفع، كذا عن ابن عباس، والطريقُ والفج بين الجبلين، كذا قال مجاهد وقتادة. والآية: العلامة الدالة على الطريق، وتطلق الآية على المصنوع المعجِب لأنه يكون علامة على إتقان صانعه أو عظمة صاحبه. و(كل) مستعمل في الكثرة، أي في الأرياع المشرفة على الطرق المسلوكة، والعبث: العمل الذي لا فائدة نفع فيه. والمصانع: جمع مَصنع وأصله مَفعَل مشتق من صَنَع فهو مصدر ميمي وُصف به للمبالغة، فقيل: هو الجابية المحفورة في الأرض. وروي عن قتادة: مبنية بالجير يخزن بها الماء ويُسمّى صهريجاً وماجِلاً، وقيل: قصور وهو عن مجاهد. وكانت بلاد عاد ما بين عُمان وحضرموت شرقاً وغَرباً ومتغلغلة في الشمال إلى الرمال وهي الأحقاق. وجملة: {لعلكم تخلدون} مستأنفة. و(لعل) للترجي، وهو طلب المتكلم شيئاً مستقْرب الحصول، والكلام تهكّم بهم، أي أرجو لكم الخلود بسبب تلك المصانع. وقيل: جعلت عاد بنايات على المرتفعات على الطرق يعبثون فيها ويسخرون بالمارة. وقد يفسر هذا القول بأن الأمة في حال انحطاطها حولت ما كان موضوعاً للمصالح إلى مفاسد فعمدوا إلى ما كان مبنياً لقصد تيسير السير والأمن على السابلة من الضلال في الفيافي المهلكة فجعلوه مكامن لَهو وسخرية، كما اتخذت بعض أديرة النصارى في بلاد العرب مجالس خمر، وكما أدركنا الصهاريج التي في قرطاجنة كانت خَزَّاناً لمياه زغوان المنسابة إليها على الحنايا فرأيناها مكامِن للّصوص ومخازن للدواب إلى أول هذا القرن سنة 1303 هــــ. وقيل: إن المصانع قصور عظيمة اتّخذوها فيكون الإنكار عليهم متوجهاً إلى الإسراف في الإنفاق على أبنية راسخة مكينة كأنها تمنعهم من الموت، فيكون الكلام مسوقاً مساق الموعظة من التوغّل في الترف والتعاظم. هذا ما استخلصناه من كلمات انتثرت في أقوال عن المفسرين وهي تدل على حيرة من خلال كلامهم في توجيه إنكار هود على قومه عملَيْن كانا معدودين في النافع من أعمال الأمم، وأحسب أن قد أزلنا تلك الحيرة. وقوله: {وإذا بطشتم بطشتم جبارين} أعقب به موعظتهم على اللهو واللعب والحرص على الدنيا بأن وعظهم على الشدة على الخلق في العقوبة، وهذا من عدم التوازن في العقول فهم يبنون العلامات لإرشاد السابلة ويصطنعون المصانع لإغاثة العطاش فكيف يُلاقي هذا التفكير تفكيراً بالإفراط في الشدة على الناس في البطش بهم، أي عقوبتهم. والبطش: الضرب عند الغضب بسوط أو سيف، وتقدم في قوله: {أية : أم لهم أيدٍ يبطِشون بها} تفسير : في آخر الأعراف (195). و{جبارين} حال من ضمير {بطشتم} وهو جمع جبّار، والجبار: الشديد في غير الحق، فالمعنى: إذا بطشتم كان بطشكم في حالة التجبر، أي الإفراط في الأذى وهو ظلم، قال تعالى: {أية : إن تريد إلاّ أن تكون جبّاراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين}تفسير : [القصص: 19]. وشأن العقاب أن يكون له حَد مناسب للذنب المعاقب عليه بلا إفراط ولا تفريط، فالإفراط في البطش استخفاف بحقوق الخلق. وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : صنفان من أهل النار لم أرهما: قومٌ معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات....»تفسير : الحديث. ووقع فعل {بطشتم} الثاني جواباً لــــ{إذا} وهو مرادف لفعل شرطها، لحصول الاختلاف بين فعل الشرط وفعل الجواب بالعموم والخصوص كما تقدم في قوله تعالى: {أية : وإذا مرّوا باللّغو مرّوا كراماً} تفسير : في سورة الفرقان (72) وإنما يقصد مثل هذا النظم لإفادة الاهتمام بالفعل إذ يحصل من تكريره تأكيد مدلوله.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَةً} (128) - كانَ قومُ عادٍ جَبَّارينَ في غَايةِ القُوةِ وشِدَّةِ البَطْشِ، وَكَانَتْ لَهُمْ وَفْرَةٌ في الأموالِ والزُّرُوعِ والمِيَاهِ والأَبْنَاءِ، وَمَعَ ذلكَ كانُوا يَعْبُدُونَ غيرَ اللهِ مَعَهُ، فَبَعَثَ اللهُ إِليهمْ هُوداً، وهُو رَجُلٌ منهُم، رَسُولاً ونَذِيراً فَدَعَاهُمْ إلى اللهِ، وَحَذَّرهُمْ نِقَمَهُ وَعَذَابَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: أَتَبْنُونَ في كُلِّ مُرْتَفَعِ منَ الأَرضِ (رِيْعٍ) بِنَاءٍ ضَخْماً مُحْكَماً للعَبَثِ والتَّفَاخُرِ والدَّلاَلَةِ على الغِنَى والقُوَّةِ؟ لِذلِكَ أنْكَرَ علَيْهِمْ نَبيُّهُم الاشْتِغَالَ فيما لا يُجْدِي في الدُّنيا والآخِرَةِ. رِيْعٍ - مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ - أَوْ طَرِيقٍ. آيةً - بِنَاءً شَامِخاً كَالعَلَم فِي الارْتِفَاعِ. تَعْبَثُونَ - بِبِنَائِها أَوْ بمَنْ يَمُرُّ بِهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهذه خصوصية من خصوصيات قوم هود، والرِّيع: هو المكان المرتفع، لذلك بعض الناس يقولون: كم رِيع بنائك؟ يعني: ارتفاعه كم متراً، فكأن الارتفاع يُثمِّن البقعة، ويُطلق الريع على الارتفاع في كل شيء. وكلمة {آيَةً ..} [الشعراء: 128] بعد {أَتَبْنُونَ ..} [الشعراء: 128] تعني: القصور العالية التي تعتبر آيةً في الإبداع وجمال العمارة والزخرفة والفخامة والاتساع والرِّفْعة في العُلُو. وقال {تَعْبَثُونَ} [الشعراء: 128] لأنهم لن يخلُدوا في هذه القصور، ومع ذلك يُشيِّدونها لتبقى أجيالاً من بعدهم، فعدّ هذا عبثاً منهم؛ لأن الإنسان يكفيه أقلّ بناء ليأويه فترة حياته. أو {تَعْبَثُونَ} [الشعراء: 128] لأنهم كانوا يجلسون في شُرفات هذه القصور يصدُّون الناس، ويصرفونهم عن هود وسماع كلامه ودعوته التي تَلْفِتهم إلى منهج الحق. ونحن لم نَرَ حضارة عاد، ولم نَرَ آثارهم، كما رأينا مثلاً آثار الفراعنة في مصر؛ لأن حضارة عاد طمرتْها الرمال، وكانوا بالجزيرة العربية في منطقة تُسمَّى الآن بالرَّبْع الخالي؛ لأنها منطقة من الرمال الناعمة التي يصعب السير أو المعيشة بها، لكن لكي نعرف هذه الحضارة نقرأ قوله تعالى في سورة الفجر: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ}تفسير : [الفجر: 6-8]. وما دامت لم يُخلَق مثلها في البلاد، فهي أعظم من حضارة الفراعنة التي نشاهدها الآن، ويفد إليها الناس من كل أنحاء العالم ليشاهدوا الأهرام مثلاً، وقد بنيت لتكون مجرد مقابر، ومع تقدُّم العلم في عصر الحضارة والتكنولوجيا، ما زال هذا البناء مُحيِّراً للعلماء، لم يستطيعوا حتى الآن معرفةَ الكثير من أسراره. ومن هذه الأسرار التي اهتدَوْا إليها حديثاً كيفية بناء أحجار الأهرام دون ملاط مع ضخامتها، وقد توصَّلوا إلى أنها بُنيَتْ بطريقة تفريغ الهواء مما بين الأحجار، وهذه النظرية تستطيع ملاحظتها حين تضع كوباً مُبلّلاً بالماء على المنضدة مثلاً، ثم تتركه فترةً حتى يتبخر الماء من تحته، فإذا أردتَ أن ترفعه من مكانه تجده قد لصق بالمنضدة. وليس عجيباً أنْ تختفي حضارةٌ، كانت أعظم حضارات الدنيا تحت طبقات الرمال، فالرمال حين تثور تبتلع كل ما أمامها، حتى إنها طمرتْ قبيلة كاملة بجِمالها ورجالها، وهذه هبة واحدة، فما بالك بثورة الرمال، وما تسفوه الريح طوال آلاف السنين؟ وأنا واثق من أنهم إذا ما نبشوا هذه الرمال وأزاحوها لوجدوا تحتها أرضاً خصبة وآثاراً عظيمة، كما نرى الاكتشافات الأثرية الآن كلها تحت الأرض، وفي فيينا أثناء حفر أحد خطوط المجاري هناك وجدوا آثاراً لقصور ملوك سابقين. وطالما أن الله تعالى قال عن عاد: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ} [الشعراء: 128] فلا بُدَّ أن هناك قصوراً ومبانيَ مطمورة تحت هذه الرمال.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ} معناه بِكلِّ مُرتفعٍ من الأَرضِ. وقالَ: الطَّريقُ.

همام الصنعاني

تفسير : 2120- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ}: [الآية: 128]، قال: بكل طَرِيقٍ.