Verse. 3062 (AR)

٢٦ - ٱلشُّعَرَاء

26 - Ash-Shu'ara (AR)

وَاِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِيْنَ۝۱۳۰ۚ
Waitha batashtum batashtum jabbareena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذا بطشتم» بضرب أو قتل «بطشتم جبارين» من غير رأفة.

130

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذَا بَطَشْتُمْ } بضرب أو قتل {بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ } من غير رأفة.

ابن عبد السلام

تفسير : {جَبَّارِينَ} أقوياء "ع" أو بضرب السياط، أو القتل بالسيف في غير حق، أو القتل على الغضب.

الخازن

تفسير : {وإذا بطشتم} أي وإذا أخذتم وسطوتم {بطشتم جبارين} أي قتلاً بالسيف وضرباً بالسوط والجبار الذي يضرب ويقتل على الغضب، وهو مذموم في وصف البشر {فاتقوا الله وأطيعون} فيه زيادة زجر عن حب الدنيا والشرف والتفاخر {واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون} أي أعطاكم من الخير ما تعلمون ثم ذكر ما أعطاهم فقال {أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون} فيه التنبيه على نعمة الله تعالى عليهم {إني أخاف عليكم} قال ابن عباس إن عصيتموني {عذاب يوم عظيم} فكان جوابهم أن {قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين} أي أنهم أظهروا قلة اكتراثهم بكلامه، واستخفافهم بما أورده من المواعظ والوعظ كلام يلين القلب يذكر الوعد والوعيد {إن هذا إلا خلق الأولين} قرىء بفتح الخاء أي اختلاق الأولين وكذبهم وقرىء خلق بضم الخاء، واللام أي عادة الأولين من قبلنا أنهم يعيشون ما عاشوا ثم يموتون ولا بعث ولا حساب وقولهم {وما نحن بمعذبين} أين أنهم أظهروا بذلك تقوية نفوسهم فيما تمسكوا به من إنكارهم المعاد {فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم} قوله تعالى {كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتتركون فيما ها هنا آمنين} أي في الدنيا من العذاب {في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها} أي ثمرها الذي يطلع منها {هضيم} قال ابن عباس: لطيف وعنه يانع نضيج وقيل: هو اللين الرخو. وقيل: متهشم يتفتت إذا مس. وقيل: الهضيم هو الذي دخل بعضه في بعض من النضج أو النعومة وقيل هو المدرك {وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين} وقرىء فرهين قيل: الفاره الحاذق بنحتها والفره قال ابن عباس: الأشر والبطر وقيل: معناه متجبرين فرحين معجبين بصنعكم {فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين} قال ابن عباس: أي المشركين وقيل يعني التسعة الذين عقروا الناقة {الذين يفسدون في الأرض} أي بالمعاصي {ولا يصلحون} أي لا يطعيون الله فيما أمرهم {قالوا إنما أنت من المسحرين} أي المسحورين المخدوعين وقال ابن عباس: من المخلوقين المعللين بالطعام والشراب {ما أنت إلا بشر مثلنا} والمعنى أنت بشر مثلنا ولست بملك {فأت بآية} يعني على صحة ما تقول {إن كنت من الصادقين} يعني أنك رسول إلينا {قال هذه ناقة لها شرب} أي حظ من الماء {ولكم شرب يوم معلوم}.

البقاعي

تفسير : ولما بين أن عملهم عمل من لا يخاف الموت، أتبعه ما يدل على أنهم لا يظنون الجزاء فقال: {وإذا بطشتم} أي بأحد، أخذتموه أخذ سطوة في عقوبة {بطشتم جبارين*} أي غير مبالين بشيء من قتل أو غيره؛ قال البغوي: والجبار الذي يضرب ويقتل على الغضب. ولما خوفهم لهذا الإنكار عقاب الجبار، تسبب عنه أن قال: {فاتقوا الله} أي الذي له جميع صفات الجلال والإكرام {وأطيعون*}. ولما كان ادكار الإحسان موجباً للإذعان، قال مرغباً في الزيادة ومرهباً من الحرمان: {واتقوا الذي أمدكم} أي جعل لكم مدداً، وهو إتباع الشيء بما يقويه على الانتظام {بما تعلمون*} أي ليس فيه نوع خفاء حتى تعذروا في الغفلة عن تقييده بالشكر. ولما أجمل، فصل ليكون أكمل، فقال: {أمدكم بأنعام} أي تعينكم على الأعمال وتأكلون منها وتبيعون. ولما قدم ما يقيم الأود، أتبعه قوله: {وبنين*} أي يعينونكم على ما تريدون عند العجز. ثم أتبعه ما يحصل كمال العيش فقال: {وجنات} أي بساتين ملتفة الأشجار بحيث تستر داخلها، وأشار إلى دوام الريّ بقوله: {وعيون*}. ولما كانوا في إعراضهم كأنهم يقولون: ما الذي تبقيه منه؟ قال: {إني أخاف عليكم} أي لأنكم قومي يسوءني ما يسوءكم - إن تماديتم على المعصية {عذاب يوم عظيم*} وتعظيم اليوم أبلغ من تعظيم العذاب {قالوا} راضين بما عندهم من داء الإعجاب، الموقع في كل ما عاب، {سواء علينا أوعظت} أي خوفت وحذرت وكنت علامة زمانك في ذلك بأن تقول منه ما لم يقدر أحد على مثله، دل على ذلك قوله: {أم لم تكن من الواعظين*} أي متأهلاً لشيء من رتبة الراسخين في الوعظ، معدوداً في عدادهم، مذكوراً فيما بينهم، فهو أبلغ من "أم لم تعظ" أو "تكن واعظاً، والوعظ - كما قال البغوي: كلام يلين القلب بذكر الوعد والوعيد. والمعنى أن الأمر مستوٍ في الحالتين في أنا لا نطيعك في شيء؛ ثم عللوا ذلك بقولهم: {إن} أي ما {هذا} أي الذي جئتنا به {إلا خلق} بفتح الخاء وإسكان اللام في قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي {الأولين*} أي كذبهم، أو ما هذا الذي نحن فيه إلا عادة الأولين في حياة ناس وموت آخرين، وعافية قوم وبلاء آخرين، وعليه تدل قراءة الباقين بضم الخاء واللام {وما نحن بمعذبين*} لأنا أهل قوة وشجاعة ونجدة وبراعة. ولما تضمن هذا التكذيب، سبب عنه قوله: {فكذبوه} ثم سبب عنه قوله: {فأهلكناهم} أي بالريح بما لنا من العظمة التي لا تذكر عندها عظمتهم، والقوة التي بها كانت قوتهم {إن في ذلك} أي الإهلاك في كل قرن للعاصين والإنجاء للطائعين {لآية} أي عظيمة لمن بعدهم على أنه سبحانه فاعل ذلك وحده بسبب أنه يحق الحق ويبطل الباطل، وأنه مع أوليائه ومن كان معه لا يذل وعلى أعدائه ومن كان عليه لا يعز {وما كان أكثرهم} أي أكثر من كان بعدهم {مؤمنين*} فلا تحزن أنت على من أعرض عن الإيمان {وإن ربك} أي المحسن إليك بإرسالك وغيره من النعم {لهو العزيز} في انتقامه {الرحيم*} في إنعامه وإكرامه وإحسانه، مع عصيانه وكفرانه، وإرسال المنذرين وتأييدهم بالآيات المعجزة لبيان الطريق الأقوم، والمنهج الأسلم، فلا يهلك إلا بعد الإعذار بأبلغ الإنذار؛ ثم دل على ذلك لمن قد ينسى إذ كان الإنسان مجبولاً على النسيان بقوله: {كذبت ثمود} وهو أهل الحجر {المرسلين*} وأشار إلى زيادة التسلية بمفاجأتهم بالتكذيب من غير تأمل ولا توقف بقوله: {إذ} أي حين {قال لهم أخوهم} أي الذي يعرفون صدقه وأمانته، وشفقته وصيانته {صالح} وأشار إلى تلطفه بهم بقوله على سبيل العرض {ألا تتقون*} ثم علل ذلك بقوله: {إني لكم رسول} أي من الله، فلذلك عرضت عليكم هذا لأني مأمور بذلك، وإلا لم أعرضه عليكم {أمين*} لا شيء من الخيانة عندي، بل أنصح لكم في إبلاغ جميع ما أرسلت به إليكم من خالقكم، الذي لا أحد أرحم بكم منه.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذا بطشتم} بسوط او سيف والبطش تناول الشىء بصولة او قهر وغلبة {بطشتم} حال كونكم {جبارين} متسلطين ظالمين بلا رأفة ولا قصد تأديب ولانظر فى العاقبة فاما بالحق والعدل فالبطش جائز والجبار الذى يضرب ويقتل على الغضب

الجنابذي

تفسير : لا مؤدّبين يعنى انّكم جمعتم بين الافراط فى القوّة الشّهويّة والافراط فى القوّة الغضبيّة.

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِذَا بَطَشْتُم} أي: بالمؤمنين {بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} أي: قتّالين، تعْدُون عليهم. هود يقوله لهم؛ أي: أسرفتم في العقوبة. {فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ وَاتَّقُوا الذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ} ثم أخبرهم بالذي أمدّهم به فقال: {أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}. {قَالُوا سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوْعَظتَّ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الوَاعِظِينَ} أي: أو لم تعظنا {إِن هذَا} أي: الذي جئتنا به {إِلاَّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ} أي: تخلُّقهم للكذب. وقال بعضهم: إن هذا إلا خَلق الأولين، أي: هكذا كان الناس قبلنا، يعيشون ما عاشوا ثم يموتون ولا بعث عليهم ولا حساب. يعني هكذا كان الخَلق قبلنا ونحن مثلهم. وبعضهم يقول: خلق الأولين: دين الأولين، يعنون ما هم عليه من الشرك. {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} أي: لا نبعث ولا نعذّب.

اطفيش

تفسير : {وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} اذا أردتم الضرب ضربتم وأنتم ظالمون أو ضربتم غاشمين بلا رأفة ولا رحمة ولا قصد تأديب ولا نظر في العواقب يضربون بالسيف وغيره قال بعضهم الجبار الذي يقتل ويضرب على الغضب، وعن الحسن تبادرون بتعجيل العذاب لا تتثبتون متفكرين في العواقب وقال الشيخ هود المراد بطشتم بالمؤمنين.

الالوسي

تفسير : {وَإِذَا بَطَشْتُمْ } أي أردتم البطش بسوط أو سيف {بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ } مسلطين غاشمين بلا رأفة ولا قصد تأديب ولا نظر في العاقبة. وأول الشرط بما ذكر ليصح التسبب وتقييد الجزاء بالحال لا يصححه لأن المطلق ليس سبباً للمقيد، وقيل: لا يضر الاتحاد لقصد المبالغة، وقيل: الجزائية باعتبار الإعلام والإخبار وهو كما ترى. ونظير الآية قوله:شعر : متى تبعثوها تبعثوها دميمة تفسير : ودل توبيخه عليه السلام إياهم بما ذكر على استيلاء حب / الدنيا والكبر على قلوبهم حتى أخرجهم ذلك عن حد العبودية.

د. أسعد حومد

تفسير : (130) - ويَصِفُهُمْ نَبِيُّهُم بِالقَسْوَةِ، والغِلْظَةِ، وَالجَبَرُوتِ، فَيَقُولُ لهمْ: إنَّهُمْ حِينَما ينْتَقِمُونَ وَيضْرِبُون، فإنَّهُم يفْعلونَ ذَلِكَ بقَسْوَةٍ بَالِغَةٍ، كَما يَفْعَلُ الجبَّارُونَ الأقْوِياءُ الذينَ لا يَخَافُونَ اللهَ تَعالى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والبَطْش: الأخْذُ بشدة وبعنف، يقول تعالى: {أية : إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيد}تفسير : [البروج: 12] ويقول: {أية : أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ}تفسير : [القمر: 42]. لأن الأَخْذ يأخذ صُوراً متعددة: تأخذه بلين وبعطف وشفقة، أو تأخذه بعنف. ثم يزيدهم صفة أخرى تؤكد بَطْشهم {بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} [الشعراء: 130]. لأنك قد تأخذ عدوك بعنف، لكن بعد ذلك يرقُّ له قلبك، فترحم ذِلَّته لك، فتُهوِّن عليه وترحمه، لكن هؤلاء جبارون لا ترقّ قلوبهم. وهذه الصفات الثلاثة السابقة لقوم هود: {أية : أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ}تفسير : [الشعراء: 128-130]. هذه الصفات تخدم صفة التعالي، وتسعى إلى الوصول إليه وكأنهم يريدون صفة العُلُو التي تُقرِّبهم من الألوهية؛ لأنه لا أحدَ أعلى من الحق سبحانه، ثم يريدون أيضاً استدامة هذه الصفة واستبقاء الألوهية: {أية : لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ}تفسير : [الشعراء: 129]. وفي صفة البَطش الشديد والجبارية يريدون التفرُّد على الغير، والقرآن يقول: {أية : تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً ..}تفسير : [القصص: 83]. فإنْ كنتَ تريد أداء الخدمة المنوطة بك في الحياة، فعليك أنْ تؤديها، لا للتّعالي؛ لأن حينئذ ستأخذ حظك من العُلُو والغَلَبة في دار الدنيا وتنتهي المسألة، أمّا إنْ فعلتَ وفي بالك ربُّك، وفي بالك أنْ تُيسِّر للناس مصالح الحياة، فإنك تُرقَّي عملك وتُثمِّره، ويظل لك أجره، طالما وجد العمل ينتفع الناس به إلى أنْ تقوم الساعة، وهذا أعظم تصعيد لعمل الإنسان. ولم يفعل قوم عاد شيئاً من هذا، إنما طلبوا العُلُو في الأرض، وبطشوا فيها جبارين، لكن أيتركهم ربهم عز وجل يستمرون على هذه الحال؟ إن من رحمة الله تعالى بعباده أنْ يُذكِّرهم كلما نَسُوا، ويُوقظهم كلما غفلوا، فيرسل لهم الرسل المتوالين؛ لأن الناس كثيراً ما تغفل عن العهد القديم الذي أخذوه على أنفسهم: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ}تفسير : [الأعراف: 172-173]. وقلنا: إن الحق - تبارك وتعالى - يضع المناعة في خليفته في الأرض، ويعطيه المنهج الذي يصلحه، لكنه قد يغفل عن هذا المنهج أو تغلبه نفسه، فينحرف عنه، والإنسان بطبيعته يحمل مناعةً من الحق ضد الباطل وضد الشر، فإنْ فسدَتْ فيه هذه المناعة فعلى الآخر أن يُذكِّره ويُوقظ فيه دواعي الخير. ومن هنا كان قوله تعالى: {أية : وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ}تفسير : [العصر: 3]. فإنْ وجدتَ أخاك على باطل فخُذْ بيده إلى الحق. ومعنى {أية : وَتَوَاصَوْاْ ..}تفسير : [العصر: 3] أي: تبادلوا التوصية، فكل منكم عُرْضة للغفلة، وعُرْضة للانحراف عن المنهج، فإنْ غفلتُ أنا توصيني، وإنْ غفلتَ أنت أوصيك، وهذه المناعة ليست في الذات الآن، إنما في المجتمع المؤمن، فمنْ رأى فيه اعوجاجاً قوَّمه. لكن ما الحال إنْ فسدت المناعة في الفرد وفسدَتْ في المجتمع، فصار الناس لا يعرفون معروفاً، ولا يُنكِرون منكراً، كما قال تعالى عن بني إسرائيل: {أية : كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ..}تفسير : [المائدة: 79]. وعندها لا بد أن يرسل رب العزة سبحانه برسول جديد، ومعجزة جديدة تُوقِظ الناس، وتعيدهم إلى جادة ربهم. ومن شرف أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى جعل المناعة في ذات نفوسها، فجعلهم الله توابين، إنْ فعل أحدهم الذنب تاب ورجع، وإنْ لم يرجع وتمادى رَدَّه المجتمع الإيماني وذكَّره. وهذه الصفة ملازمة لهذه الأمة إلى قيام الساعة، كما ورد في الحديث: "حديث : الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة ". تفسير : لذلك لن يأتي فيها رسول بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن المناعة ملازمة لها في الذات، وفي النفس اللوامة، وفي المجتمع الإيماني الذي لا يُعدم فيه الخير أبداً. لذلك يقول سبحانه: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ..}تفسير : [آل عمران: 110]. وهذه صفة تفردتْ بها هذه الأمة عن باقي الأمم؛ لذلك يقول هود - عليه السلام - مُذكّراً لقومه ومُوقِظاً لهم: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ...}.