٢٦ - ٱلشُّعَرَاء
26 - Ash-Shu'ara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
141
Tafseer
الرازي
تفسير : القصة الخامسة ـ قصة صالح عليه السلام اعلم أن صالحاً عليه السلام خاطب قومه بأمور: أحدها: قوله: {أَتُتْرَكُونَ فِيمَا هَـٰهُنَا ءامِنِينَ } أي أتظنون أنكم تتركون في دياركم آمنين وتطمعون في ذلك وأن لا دار للمجازاة. وقوله: {فِيمَا هَـٰهُنَا ءامِنِينَ } في الذي استقر في هذا المكان من النعيم، ثم فسره بقوله: {فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ } وهذا أيضاً إجمال ثم تفصيل، فإن قيل: لم قال {وَنَخْلٍ } بعد قوله: {فِي جَنَّـٰتِ } والجنة تتناول النخل جوابه من وجهين: الأول: أنه خص النخل بإفراده بعد دخوله في جملة سائر الشجر تنبيهاً على فضله على سائر الأشجار والثاني: أن يراد بالجنات غيرها من الشجر، لأن اللفظ يصلح لذلك، ثم يعطف عليها النخل، والطلع هو الذي يطلع من النخلة كنصل السيف في جوفه شماريخ، والهضيم اللطيف أيضاً من قولهم: كشح هضيم، وقيل الهضيم اللين النضيج كأنه قال: ونخل قد أرطب ثمره وثانيها: قوله تعالى: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً فَـٰرِهِينَ } قرأ الحسن {وَتَنْحِتُونَ } بفتح الحاء، وقرىء {فَـٰرِهِينَ } و {فَـرِهِينَ } والفراهة الكيس والنشاط، فقوله: {فَـٰرِهِينَ } حال من الناحيتين. واعلم أن ظاهر هذه الآيات يدل على أن الغالب على قوم هود هو اللذات الحالية، وهي طلب الاستعلاء والبقاء والتفرد والتجبر، والغالب على قوم صالح هو اللذات الحسية، وهي طلب المأكول والمشروب والمساكن الطيبة الحصينة وثالثها: قوله تعالى: {وَلاَ تُطِيعُواْ أَمْرَ ٱلْمُسْرِفِينَ } وهذا إشارة إلى أنه يجب الاكتفاء من الدنيا بقدر الكفاف، ولا يجوز التوسع في طلبها والاستكثار من لذاتها وشهواتها، فإن قيل ما فائدة قوله: {وَلاَ يُصْلِحُونَ } جوابه: فائدته بيان أن فسادهم فساد خالص ليس معه شيء من الصلاح، كما يكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح، ثم إن القوم أجابوه من وجهين: أحدهما: قولهم: {إِنَّمَا أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ } وفيه وجوه: أحدها: المسحر هو الذي سحر كثيراً حتى غلب على عقله وثانيها: {مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ } أي من له سحر، وكل دابة تأكل فهي مسحرة، والسحر أعلى البطن، وعن الفراء المسحر من له جوف، أراد أنك تأكل الطعام وتشرب الشراب وثالثها: عن المؤرج المسحر هو المخلوق بلغة بجيلة وثانيهما: قولهم: {مَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا فَأْتِ بِـئَايَةٍ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } وهذا يحتمل أمرين: الأول: أنك بشر مثلنا فكيف تكون نبياً؟ وهذا بمنزلة ما كانوا يذكرون في الأنبياء أنهم لو كانوا صادقين، لكانوا من جنس الملائكة الثاني: أن يكون مرادهم إنك بشر مثلنا، فلا بد لنا في إثبات نبوتك من الدليل، فقال صالح عليه السلام: {هَـٰذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ } وقرىء بالضم، روي أنهم قالوا: نريد ناقة عشراء تخرج من هذه الصخرة فتلد سقباً، فقعد صالح يتفكر، فقال له جبريل عليه السلام: صل ركعتين وسل ربك الناقة، ففعل فخرجت الناقة وبركت بين أيديهم وحصل لها سقب مثلها في العظم، ووصاهم صالح عليه السلام بأمرين: الأول: قوله: {لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } قال قتادة: إذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، وشربهم في اليوم الذي لا تشرب هي والثاني: قوله: {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء } أي بضرب أو عقر أو غيرهما {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ } عظم اليوم لحلول العذاب فيه، ووصف اليوم به أبلغ من وصف العذاب، لأن الوقت إذا عظم بسببه كان موقعه من العظم أشد، ثم إن الله تعالى حكى عنهم أنهم عقروها. روي أن (مصدعاً) ألجأها إلى مضيق (في شعب) فرماها بسهم (فأصاب رجلها) فسقطت، ثم ضربها قدار، فإن قيل لم أخذهم العذاب وقد ندموا جوابه من وجهين: الأول: أنه لم يكن ندمهم ندم التائبين، لكن ندم الخائفين من العذاب العاجل الثاني: أن الندم وإن كان ندم التائبين، ولكن كان ذلك في غير وقت التوبة، بل عند معاينة العذاب، وقال تعالى: { أية : وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَـٰتِ } تفسير : [النساء: 18] الآية. واللام في العذاب إشارة إلى عذاب يوم عظيم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ } ذكر قصة صالح وقومه وهم ثمود؛ وكانوا يسكنون الحِجْر كما تقدّم في «الحجر» وهي ذوات نخل وزروع ومياه. {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَآ آمِنِينَ } يعني في الدنيا آمنين من الموت والعذاب. قال ابن عباس: كانوا معمَّرين لا يبقى البنيان مع أعمارهم. ودلّ على هذا قوله: {أية : وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}تفسير : [هود: 61] فقرّعهم صالح ووبخّهم وقال: أتظنون أنكم باقون في الدنيا بلا موت {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ }. الزمخشري: فإن قلت لم قال: {ونَخْلٍ} بعد قوله: {وَجَنَّاتٍ} والجنات تتناول النخل أوّل شيء كما يتناول النَّعم الإبل كذلك من بين الأزواج حتى إنهم ليذكرون الجنة ولا يقصدون إلا النخل كما يذكرون النَّعم ولا يريدون إلا الإبل قال زهير:شعر : كَأَنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَي مُقَتَّلَةٍ من النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقاً تفسير : يعني النخل؛ والنخلة السَّحُوق البعيدة الطول. قلت: فيه وجهان؛ أحدهما: أن يخص النخل بإفراده بعد دخوله في جملة سائر الشجر تنبيهاً على انفراده عنها بفضله عنها. والثاني: أن يريد بالجنات غيرها من الشجر؛ لأن اللفظ يصلح لذلك ثم يعطف عليها النخل. والطلعة هي التي تطلع من النخلة كنصل السيف؛ في جوفه شماريخ القِنوِ، والقِنو اسم للخارج من الجذع كما هو بعرجونه وشماريخه. و{هَضِيمٌ} قال ابن عباس: لطيف ما دام في كُفُرّاه. والهضيم اللطيف الدقيق؛ ومنه قول امرىء القيس:شعر : عَلـيَّ هَضـيـمَ الكَـشْـحِ رَيَّـا المُخَـلْخَـلِ تفسير : الجوهري: ويقال للطلع هَضيم ما لم يخرج من كُفُرّاه؛ لدخول بعضه في بعض. والهضيم من النساء اللطيفة الكشحين. ونحوه حكى الهروي؛ قال: هو المنضم في وعائه قبل أن يظهر؛ ومنه رجل هضيم الجنبين أي منضمهما؛ هذا قول أهل اللغة. وحكى الماوردي وغيره في ذلك اثنى عشر قولاً: أحدها: أنه الرطب اللين؛ قاله عكرمة. الثاني: هو المذنِّب من الرطب؛ قاله سعيد بن جبير. قال النحاس: وروى أبو إسحاق عن يزيد ـ هو ابن أبي زياد كوفي ويزيد بن أبي مريم شامي ـ {وَنَخْلٌ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} قال: منه ما قد أرطب ومنه مذنِّب. الثالث: أنه الذي ليس فيه نوى؛ قاله الحسن. الرابع: أنه المتهشم المتفتت إذا مس تفتت؛ قاله مجاهد. وقال أبو العالية: يتهشم في الفم. الخامس: هو الذي قد ضمر بركوب بعضه بعضاً؛ قاله الضحاك ومقاتل. السادس: أنه المتلاصق بعضه ببعض؛ قاله أبو صخر. السابع: أنه الطلع حين يتفرق ويخضر؛ قاله الضحاك أيضاً. الثامن: أنه اليانع النضيج؛ قاله ابن عباس. التاسع: أنه المكتنز قبل أن ينشق عنه القشر؛ حكاه ابن شجرة؛ قال:شعر : كأنّ حَمولةً تُجْلَى عليهِ هَضِيمٌ ما يُحسُّ له شُقُوقُ تفسير : العاشر: أنه الرخو؛ قاله الحسن. الحادي عشر: أنه الرخص اللطيف أوّل ما يخرج وهو الطلع النَّضِيدُ؛ قاله الهروي. الثاني عشر: أنه البَرْنِيّ؛ قاله ابن الأعرابي؛ فعيل بمعنى فاعل أي هنيء مريء من انهضام الطعام. والطلع اسم مشتق من الطلوع وهو الظهور؛ ومنه طلوع الشمس والقمر والنبات. قوله تعالى: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ } النَّحت النَّجر والبَرْي؛ نحته ينحِته (بالكسر) نحتاً إذا براه والنُّحَاتة البُرَاية. والمِنْحَت ما ينحت به. وفي (وَالصَّافَاتِ) قال: {أية : أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ}تفسير : [الصافات: 95]. وكانوا ينحتونها من الجبال لما طالت أعمارهم وتهدّم بناؤهم من المدر. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع: {فَرِهِينَ} بغير ألف. الباقون: {فَارِهِينَ} بألف وهما بمعنى واحد في قول أبي عبيدة وغيره؛ مثل: {أية : عِظَاماً نَّخِرَةً} تفسير : [النازعات: 11] و{نَاخرَة}. وحكاه قطرب. وحكى فَرُهَ يفرُه فهو فاره وفَرِهَ يفرَه فرِهٌ وفاره إذا كان نشيطاً. وهو نصب على الحال. وفرق بينهما قوم فقالوا: {فَارِهِينَ} حاذقين بنحتها؛ قاله أبو عبيدة؛ وروي عن ابن عباس وأبي صالح وغيرهما. وقال عبد الله بن شدّاد: {فَارِهِينَ} متجبرين. وروي عن ابن عباس أيضاً أن معنى: {فَرِهِينَ} بغير ألف أشرين بطرين؛ وقاله مجاهد. وروي عنه شرهين. الضحاك: كيِّسين. قتادة: معجبين؛ قاله الكلبي؛ وعنه: ناعمين. وعنه أيضاً آمنين؛ وهو قول الحسن. وقيل: متخيرين؛ قاله الكلبي والسدي. ومنه قول الشاعر:شعر : إلى فَرِهٍ يماجد كلَّ أمرٍ قصدتُ له لأختبر الطِّباعَا تفسير : وقيل: متعجبين؛ قاله خُصيف. وقال ابن زيد: أقوياء. وقيل: فرهين فرحين؛ قاله الأخفش. والعرب تعاقب بين الهاء والحاء؛ تقول: مدهته ومدحته؛ فالفرِه الأشِر الفرِح ثم الفرح بمعنى المَرح مذموم؛ قال الله تعالى: {أية : وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً} تفسير : [الإسراء:37] وقال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ}تفسير : [القصص:76]. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلاَ تُطِيعُوۤاْ أَمْرَ ٱلْمُسْرِفِينَ } قيل: المراد الذين عقروا الناقة. وقيل: التسعة الرهط الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. قال السّدي وغيره: أوحى الله تعالى إلى صالح: إن قومك سيعقرون ناقتك؛ فقال لهم ذلك، فقالوا: ما كنا لنفعل. فقال لهم صالح: إنه سيولد في شهركم هذا غلام يعقرها ويكون هلاككم على يديه؛ فقالوا: لا يولد في هذا الشهر ذكر إلا قتلناه. فولد لتسعة منهم من ذلك الشهر فذبحوا أبناءهم، ثم ولد للعاشر فأبى أن يذبح ابنه وكان لم يولد له قبل ذلك. وكان ابن العاشر أزرق أحمر فنبت نباتاً سريعاً؛ وكان إذا مر بالتسعة فرأوه قالوا: لو كان أبناؤنا أحياء لكانوا مثل هذا. وغضب التسعة على صالح؛ لأنه كان سبب قتلهم أبناءهم فتعصبوا وتقاسموا بالله لنبيتنه وأهله. قالوا: نخرج إلى سفر فترى الناس سفرنا فنكون في غار، حتى إذا كان الليل وخرج صالح إلى مسجده أتيناه فقتلناه، ثم قلنا ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون؛ فيصدّقوننا ويعلمون أنا قد خرجنا إلى سفر. وكان صالح لا ينام معهم في القرية وكان يأوي إلى مسجده، فإذا أصبح أتاهم فوعظهم، فلما دخلوا الغار أرادوا أن يخرجوا فسقط عليهم الغار فقتلهم، فرأى ذلك ناس ممن كان قد اطلع على ذلك، فصاحوا في القرية: يا عباد اللهٰ أما رضي صالح أن أمر بقتل أولادهم حتى قتلهم؛ فأجمع أهل القرية على قتل الناقة. وقال ابن إسحاق: إنما اجتمع التسعة على سبّ صالح بعد عقرهم الناقة وإنذارهم بالعذاب على ما يأتي بيانه في سورة «النمل» إن شاء الله تعالى. {قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ } هو من السحر في قول مجاهد وقتادة على ما قال المهدوي. أي أصبت بالسحر فبطل عقلك؛ لأنك بشر مثلنا فلم تدّع الرسالة دوننا. وقيل: من المعلَّلين بالطعام والشراب؛ قاله ابن عباس والكلبي وقتادة ومجاهد أيضاً فيما ذكر الثعلبي. وهو على هذا القول من السَّحر وهو الرئة أي بشر لك سَحْر أي رئة تأكل وتشرب مثلنا كما قال (لبيد):شعر : فإن تسألينا فِيمَ نحن فإنَّنَا عصافيرُ من هذا الأنام المُسَحَّرِ تفسير : وقال (امرؤ القيس):شعر : ونُسْـحَـرُ بـالـطَّـعـام وبـالشَّـرَابِ تفسير : {فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} في قولك. {قَالَ هَـٰذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } قال ابن عباس: قالوا إن كنت صادقاً فادع الله يخرج لنا من هذا الجبل ناقة حمراء عشراء فتضع ونحن ننظر، وترد هذا الماء فتشرب وتغدو علينا بمثله لبنا. فدعا الله وفعل الله ذلك فـ{ـقَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ} أي حظ (من الماء)؛ أي لكم شرب يوم ولها شرب يوم؛ فكانت إذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله أوّل النهار وتسقيهم اللبن آخر النهار، وإذا كان يوم شربهم كان لأنفسهم ومواشيهم وأرضهم، ليس لهم في يوم ورودها أن يشربوا من شربها شيئاً، ولا لها أن تشرب في يومهم من مائهم شيئاً. قال الفراء: الشِّرب الحظ من الماء. قال النحاس: فأما المصدر فيقال فيه شرِب شَرْباً وشُرباً وشِرباً وأكثرها المضمومة؛ لأن المكسورة والمفتوحة يشتركان مع شيء آخر فيكون الشِّرْب الحظ من الماء، ويكون الشَّرْب جمع شارب كما قال:شعر : فقـلـتُ للشَّـرْب فـي دُرْنَـا وقـد ثَـمِلُـوا تفسير : إلا أن أبا عمرو بن العلاء والكسائي يختاران الشَّرب بالفتح في المصدر، ويحتجان برواية بعض العلماء أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنها أيام أكل وشَرْب»تفسير : . {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ} لا يجوز إظهار التضعيف هاهنا؛ لأنهما حرفان متحرّكان من جنس واحد. {فَيَأْخُذَكُمْ} جواب النهي، ولا يجوز حذف الفاء منه، والجزم كما جاء في الأمر إلا شيئاً روي عن الكسائي أنه يجيزه. {فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْ نَادِمِينَ } أي على عقرها لما أيقنوا بالعذاب. وذلك أنه أنظرهم ثلاثاً فظهرت عليهم العلامة في كل يوم، وندموا ولم ينفعهم الندم عند معاينة العذاب. وقيل: لم ينفعهم الندم لأنهم لم يتوبوا، بل طلبوا صالحاً عليه السلام ليقتلوه لما أيقنوا بالعذاب. وقيل: كانت ندامتهم على ترك الولد إذ لم يقتلوه معها. وهو بعيد. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً} إلى آخره تقدّم. ويقال: إنه ما آمن به من تلك الأمم إلا ألفان وثمانمائة رجل وامرأة. وقيل: كانوا أربعة آلاف. وقال كعب: كان قوم صالح اثنى عشر ألف قبيل كل قبيل نحو اثنى عشر ألفا من سوى النساء والذرّية، ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات.
ابن كثير
تفسير : وهذا إخبار من الله عز وجل عن عبده ورسوله صالح عليه السلام: أنه بعثه إلى قومه ثمود، وكانوا عرباً يسكنون مدينة الحِجْر التي بين وداي القرى وبلاد الشام، ومساكنهم معروفة مشهورة، وقد قدمنا في سورة الأعراف الأحاديث المروية في مرور رسول الله صلى الله عليه وسلمبهم حين أراد غزو الشام، فوصل إلى تبوك، ثم عاد إلى المدينة ليتأهب لذلك، وكانوا بعد عاد وقبل الخليل عليه السلام. فدعاهم نبيهم صالح إلى الله عز وجل أن يعبدوه وحده لا شريك له، وأن يطيعوه فيما بلغهم من الرسالة، فأبوا عليه وكذبوه وخالفوه، وأخبرهم أنه لا يبتغي بدعوتهم أجراً منهم، وإنما يطلب ثواب ذلك من الله عز وجل، ثم ذكرهم آلاء الله علهيم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ }.
ابن عطية
تفسير : {ثمود} قبيلة عربية وتصرف على مقصد الحي أو القبيلة، وقرأ بالوجهين، الجمهور بغير صرف وابن وثاب وغيره بالصرف، و {صالح} أخوهم في النسب والأنبياء من العرب أربعة هود وصالح وشعيب ومحمد عليهم السلام، وإسماعيل عليه السلام عربي اللسان سرياني النسب وهو أبو العرب الموجودين اليوم، وقوله {أتتركون في ما هاهنا} تخويف لهم بمعنى أتطمعون أن تقروا في النعم على معاصيكم، و "الهضيم" معناه اللين الرطب و"الطلع" الكفرى وهو عنقود التمر قبل أن يخرج من الكم في أول نباته فكأن الإشارة إلى أن طلعها يثمر ويرطب، قال ابن عباس إذا أينع وبلغ فهو {هضيم} وقال الزهري "الهضيم" الرخص اللطيف أول ما يخرج، وقال الزجاج هو فيما قيل الذي رطبه بغير نوى، وقال الضحاك "الهضيم" معناه المنضد بعضه على بعض. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وقرأ الجمهور "تنحِتون" بكسر الحاء، وقرأ عيسى بفتحها، وذكر أنها لغة قال أبو عمرو وهي قراءة الحسن وأبي حيوة، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم وابن عامر "فارهين" وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو "فرهين"، وقرأ مجاهد "متفرهين" على وزن متفعلين، واللفظة مأخوذة من الفراهة وهي جودة منظر الشيء وخبرته وقوته وكماله في نوعه فمعنى الآية كيسين متهممين قاله ابن عباس، وقال مجاهد شرهين. وقال ابن زيد أقوياء وقال أبو عمرو بن العلاء آشرين بطرين، وذهب عبد الله بن شداد إلى أنه بمعنى مستفرهين أي مبالغين في استجادة الفاره من كل ما تصنعونه وتشتهونه، وقوله {ولا تطيعوا أمر المسرفين} خاطب به جمهور قومه وعنى، بـ {المسرفين} كبراءهم وأعلام الكفر والإضلال فيهم، وقولهم {من المسحرين} فيه تأويلان: أحدهما مأخوذ من السَّحر بكسر السين أي قد سحرت فأنت لذلك مخبول لا تنطق بقويم، والثاني أنه مأخوذ من السِّحر بفتح السين وهي الرئة وبسببها يقال انفتح سحره. وقيل السحر قصبة الرئة بما يتعلق بها من كبد وغيره، أي أنت ابن آدم لا يصح أن تكون رسولاً عن الله، وما بعده في الآية يقوي هذا التأويل ومن اللفظة قول لبيد: [الطويل] شعر : فإن تسألينا فيم نحن فإننا عصافير من هذا الأنام المسحر تفسير : ويقال للاغتداء التسحير ومنه قول امرىء القيس: شعر : "ونسحر بالطعام وبالشراب" تفسير : ثم اقترحوا عليه "آية" وروي أنهم اقترحوا خروج ناقة من جبل من جبالهم، وقصتها في هذه الآية وجيزة وقد مضت مستوعبة، فلما خرجت الناقة {قال} لهم {هذه ناقة لها شرب}، وهو الحظ من الماء، وقرأ ابن أبي عبلة "لها شُرب ولكم شُرب" بضم الشين فيهما، وقد تقدم قصص ورود الناقة، و"السوء" عقرها، وتوعدهم عليه بعذاب ظاهر أمره أنه أراد في الدنيا وكذلك استمر الوجود، ونسب "عقرها" إلى جميعهم مع اختصاص قدار الأحمر بعقرها من حيث اتفقوا على ذلك رأياً وتدبيراً، وقوله {فأصبحوا نادمين} لما ظهر لهم تغيير ألوانهم حسبما كان صالح أخبرهم ندموا، ورأوا أن الأمر على ما أخبر به حتى نزل بهم العذاب، وكانت صيحة خمدت لها أبدانهم وانشقت قلوبهم وماتوا عن آخرهم وصبت عليهم حجارة خلال ذلك.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ} تقدم نظيره. وقُوله: {أَتُتْرَكُونَ (فِي مَا هَاهُنَآ} أي: أتظنون أنكم تتركون) في دياركم "آمِنِينَ" وتطعمون في أنه لا دار (للمجازاة). وقوله: {فِي مَا هَاهُنَآ} أي: في الذي استقر في هذا المكان من النعيم، ثم فسَّره (بقوله: {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}). قوله: "فِي جَنَّاتٍ" بدل في "فِي ما ههُنَا" بإعادة العامل، فصّل بعدما أجمل كما في القصة قبلها، و "ما" موصولة وظرف المكان صلتها. قوله: "وَنَخْل" يجوز أن يكون من باب ذكر الخاص بعد العام، لأن الجنات تشمل النخل، ويجوز أن يكون تكريراً للشيء الواحد بلفظ آخر، فإنهم يطلقون الجنة ولا يريدون إلا النخيل، قال زهير: شعر : 3919 - كَـأَنَّ عَيْنَـيَّ فِـي غَـرْبَـيْ مُقَتَّلَـةٍ مِـنَ النَّوَاضِـحِِ تَسْقِـي جَنَّـةً سُحُقَـا تفسير : و "سُحُقاً": جمع سَحُوق، ولا يوصف به إلا النخيل. وقيل: المراد بـ"الجَنَّات" غيرها من الشجر، لأن اللفظ يصلح لذلك، ثم يعطف عليها النخل. والطلع الكفرى وهو: عنقود التمر قبل خروجه من الكم. وقال الزمخشري: الطلع: هو الذي يطلع من النخلة كنصل السيف في جوفه شماريخ القنو والقنو: هو اسم للخارج من الجذع كما هو بِعُرْجُونه، و "الهضيم": قال ابن عباس: هو اللطيف، ومنه قولهم: كشح هضيم. وروى عطية عنه: يانع. وقال عكرمة: اللين. وقيل: المتراكب. قال الضحاك ومقاتل: قد ركب بعضه بعضاً حتى هضم بعضه بعضاً، أي: كسره. وقال أهل المعاني: هو المنضم بعضه إلى بعض في وعائه قبل أن يظهر. وقال الأزهري: الهضيم: هو الداخل بعضه في بعض من النضج والنعامة. وقيل: هضيم، أي: هاضم يهضم الطعام، وكل هذا للطافته. قوله: "وَتَنْحَتُونَ". العامة على الخطاب وكسر الحاء. والحسن وعيسى وأبو حيوة بفتحها. وعن الحسن أيضاً: "تَنْحَاتُونَ" بألف للإشباع. وعنه وعن أبي حيوة "يَنْحِتُونَ" بالياء من تحت، وتقدم ذلك كله في الأعراف. قوله: "فَارِهِينَ". قرأ الكوفيون وابن ذكوان: "فارهين" بالألف، كما قرءوا: "حَاذِرُونَ" بها. والباقون: "فَرِهِينَ" بدون ألف، كما قرءوا: "حَذِرُونَ" بدونها. والفراهة: النشاط والقوة. وقيل: الحذق، يقال دابة فاره، ولا يقال: فارهة، وقد فره يفره فراهة و "فارهين" حال من الناحتين. فصل من قرأ: "فرهين" قال ابن عباس: أشِرين بطرين. وقال عكرمة: (ناعمين). وقال مجاهد: شرهين. وقال قتادة: معجبين بصنيعكم. وقال السدي: متجبرين. وقال الأخفش: فرحين، والعرب تعاقب بين الحاء والهاء مثل: مدحته ومدهته. وقال الضحاك: كيسين. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَلاَ تُطِيعُوۤاْ أَمْرَ ٱلْمُسْرِفِينَ}. قال ابن عباس: المشركين. وقال مقاتل: هم التسعة الذين عقروا الناقة (وهم الَّذِينَ) يُفْسِدُونَ فِي الأَرْض بالمعاصي "ولا يُصْلِحُونَ" أي: ولا يطيعون الله فيما أمرهم به. فإن قيل: ما فائدة قوله: "ولا يُصْلِحُونَ" مع قوله: {يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ}؟ فالجواب: أن فسادهم خالص ليس معه شيء من الصلاح كما يكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح. ثم إن القوم أجابوه بقولهم: {إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ}. قال مجاهد وقتادة: من المسحورين: من المخدوعين، أي: ممن سحر مرة بعد مرة. وروى أبو صالح عن ابن عباس: أي: من المخلوقين المعللين بالطعام والشراب. قال المؤرج: المسحَّر: المخلوق بلغة بجيلة يريد: أنك تأكل الطعام والشراب، أي: لست بملك، بل أنت بشر مثلنا. والمعنى: "من المسحرين" أي: ممن له سحر، وكل دابة تأكل فهي سحرة، والسحر: أعلى البطن. وعن الفراء: المسحَّر: من له جوف، أراد: وإنك تأكل الطعام والشراب {مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} فكيف تكون نبياً؟ "فَأْتِ بِآيَةٍ" على صحة ما تقول {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} أنك رسول الله إلينا. فقال صالح: {هَـٰذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ} يجوز أن يكون الوصف وحده الجار والمجرور، وهو قوله: ("لَهَا شِرْبٌ") و "شِرْبٌ" فاعل به لاعتماده. ويجوز أن يكون "لَهَا شِرْبٌ" صفة لـ "ناقة". وقرأ ابن أبي عبلة: "شُرْبٌ" بالضم فيهما. والشِّرْب - بالكسر - النصيب من الماء كالسِّقي، وبالضم: المصدر. فصل روي أنهم قالوا: نريد ناقة عشراء تخرج من الصخرة فتلد سقباً. فتفكر صالح، فقال له جبريل - عليه السلام - صلِّ ركعتين، وسل ربك الناقة. ففعل، فخرجت الناقة، وبركت بين أيديهم، وحصل سقب مثلها في العظم، ثم قال لهم صالح: {هَـٰذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ} حظ ونصيب من الماء {وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ}. قال قتادة: كانت يوم شربها تشرب ماءهم كلهم وشربهم في اليوم الذي لاَ تشرب هي. {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ} بعقر أو ضرب أو غيرهما {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ} روي أن مسطعاً ألجأها إلى مضيق فرماها بسهم، فسقطت، ثم ضربها قدار. {فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْ نَادِمِينَ} على عقرها. فإن قيل: لم أخذهم العذاب وقد ندموا؟ فالجواب: أن ندمهم كان عند معاينة العذاب حين لا ينفع الندم. وقيل: لم يكن ندمهم ندم (التائبين، لكن ندم) (الخائفين) من العقاب العاجل. {فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ونخل طلعها هضيم} قال: معشب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له أخبرني عن قوله عز وجل {طلعها هضيم} قال: منضم بعضه إلى بعض قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول امرئ القيس: شعر : دار لبيضاء العوارض طفلة مهضومة الكشحين ريا المعصم تفسير : وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن يزيد بن أبي زياد {ونخل طلعها هضيم} قال: هو الرطب وفي لفظ قال: المذنب الذي قد رطب بعضه. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {طلعها هضيم} قال: لين. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن {طلعها هضيم} قال: الرخو. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك قال الـ {هضيم} إذا بلغ البسر في عذوقه فعظم. فذلك الهضم. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد {طلعها هضيم} قال: يتهشم تهشماً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {طلعها هضيم} قال: الطلعة إذا مسستها تناثرت. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن {طلعها هضيم} قال: ليس فيه نوى. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة قال الـ {هضيم} الرطب اللين. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {وتنحتون} بكسر الحاء {الجبال بيوتاً فارهين} بالألف. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {فرهين} قال: حاذقين. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله {فرهين} قال: حاذقين بنحتها. وأخرج عبد بن حميد عن معاوية بن قرة {فرهين} قال: حاذقين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {فرهين} قال: أشرين. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {فرهين} قال: شرهين. وأخرج عبد بن حميد عن عطية في قوله {فارهين} قال: متجبرين. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن عبد الله بن شداد في قوله {فارهين} قال: يتجبرون. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {فرهين} قال: معجبين بصنعكم. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {ولا تطيعوا أمر المسرفين} قال: هم المشركون وفي قوله {إنما أنت من المسحرين} قال: هم الساحرون. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {إنما أنت من المسحرين} قال: المسحورين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والخطيب وابن عساكر من طرق عن ابن عباس في قوله {إنما أنت من المسحرين} قال: من المخلوقين ثم أنشد قول لبيد بن ربيعة: شعر : إن تسألينا فيم نحن فإننا عصافير من هذا الأنام المسحر تفسير : وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء عن أبي صالح ومجاهد في قوله {من المسحرين} قالا: من المخدوعين. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {إنما أنت من المسحرين} مثقلة وقال: المسحر: السوقة الذي ليس بملك. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس؛ أن صالحاً بعثه الله إلى قومه فآمنوا به، ثم إنه لما مات كفر قومه ورجعوا عن الإِسلام، فاحيا الله لهم صالحاً وبعثه إليهم فقال: أنا صالح فقالوا: قد مات صالح، إن كنت صالحاً {فأت بآية إن كنت من الصادقين} فبعث الله الناقة فعقروها وكفروا فاهلكوا، وعاقرها رجل نساج يقال له قدار بن سالف. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال {هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم} قال: كانت إذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، فإذا كان يوم شربهم كان لأنفسهم ومواشيهم وأرضهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إذا كان يومها أصدرتهم لبناً ما شاؤوا.
اسماعيل حقي
تفسير : {كذبت ثمود} انث باعتبار القبيلة وهو اسم جدهم الاعلى وهو ثمود ابن عبيد بن عوص بن عاد بن آرم بن سام بن نوح وقد ذكر غير هذا فى اول المجلس السابق فارجع {المرسلين} يعنى صالحا ومن قبله من المرسلين او اياه وحده والجمع باعتبار ان تكذيب واحد من الرسل فى حكم تكذيب الجميع لاتفاقهم على التوحيد واصول الشرائع ثم بين الوقت الممتد للتكذيب المستمر
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {كَذَّبَتْ ثمودُ المرسَلين إذ قال لهم أخوهم}؛ نسباً، {صالحٌ ألا تتقون} الله تعالى، فتوحدونه، {إني لكم رسولٌ أمين}: مشهور فيكم بالأمانة، {فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على ربِّ العالمين أَتُتْركون فيما ها هنا آمنين} أي: أتطمعون أن تتركوا فيما ها هنا من النعمة والتَّرَفُّهِ، آمنين من عقاب الله وعذابه، وأنتم على كفركم وشرككم، كلا، والله لنختبرنكم ببعث الرسول، فإن كفرتم عاجلتكم بالعقوبة. ثم فسّر ما هم فيه من النعمة بقوله: {في جناتٍ وعيونٍ وزروعٍ ونخلٍ} هو دخل فيما قبله، وخصه بالذكر؛ شرفاً له. أو: في جنات بلا نخل، {طَلْعُهَا هَضِيمٌ}، والطلع: عنقود التمر في أول نباته، باقياً في غلافه. والهضيم: اللطيف اللين؛ للطف الثمر، أو: لأن النخل أنثى وطلع الأنثى ألطف، أو: لنضجه، كأنه: قيل: ونخل قد أرطب ثمره. قال ابن عباس: إذا أينع فهو هضيم. وقال أيضاً: هضيم: طيب، وقال الزجاج: هو الذي رطبه بغير نوى، أو: دَانٍ من الأرض، قريب التناول. {وتَنْحِتُون} أي: تنقبون {من الجبال بيوتاً فارِهين}؛ حال من الواو، أي: حاذقين، أو: ناشطين، أو: أقوياء، وقيل: أَشِرينَ بَطِرِينَ. قيل: كانوا في زمن الشتاء يسكنون الجبال، وفي زمن الربيع والصيف ينزلون بمواشيهم إلى الريف ومكان الخصب. {فاتقوا الله وأطيعون ولا تُطيعوا أمرَ المسرفين}؛ الكافرين المجاوزين الحد في الكفر والطغيان، أي: لا تنقادوا لأمرهم، ولا تتبعوا رأيهم، وهم {الذين يُفسدون في الأرض} بالإسراف بالكفر والمعاصي، {ولا يُصلحُونَ} بالإيمان والطاعة. والمعنى: أن فسادهم خالص، لا يشوبه شيء من الصلاح، كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح. {قََاُلوا إِنَّما أَنتَ مِنَ الْمُسَحِّرِينَ}؛ الذين سُحِرُووا، حتى غَلَبَ على عقلهم السحرُ {وما أنت إلا بشرٌ مثلنا فأتِ بآيةٍ إن كنت من الصادقين} في دعوى الرسالة، {قال هذه ناقةٌ}، قالها بعدما أخرجها الله تعالى من الصخرة بدعائه عليه السلام، {لها شِرْبٌ}؛ نصيب من الماء، فلا تُزاحموها فيه، {ولكم شِرْبُ يومٍ مَعْلومٍ} لا تزاحمكم فيه. رُوي أنهم قالوا: نُريد ناقة عُشَرَاءَ، تخرج من هذه الصخرة، فتلد سَقْباً - والسقب: ولد الناقة - فقعد صالح يتفكر، فقال له جبريل عليه السلام: صَلِّ ركعتين، وسَلْ رَبَّك الناقة، ففعل، فخرجت الناقة، ونتجت سقباً مثلها في العِظم، وصدرها ستون ذراعاً - أي: طولها - وإذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، وإذا كان يوم شربهم لا تشرب فيه. {ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ}؛ بضرب، أو عقر، أو غير ذلك، {فيأخذَكم عذابُ يومٍ عظيم}، وصف اليوم بالعظم؛ لعظم ما يحل فيه، وهو أبلغ من تعظيم العذاب، {فعقروها} عَقَرَها "قَدَّار"، وأسند العقر إلى جميعهم؛ لأنهم راضون به. رُوي أن عاقرها قال: لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين. وكانوا يدخلون على المرأة في خدرها، فيقولون: أترضين بعقر الناقة؟ فتقول: نعم، وكذلك صبيانهم، {فأصبحوا نادمين} على عقرها؛ خوفاً من نزول العذاب بهم، لا ندم توبة؛ لأنهم طلبوا صالحاً ليقتلوه لَمَّا أيقنوا بالعذاب، وندموا حين لا ينفع الندم، وذلك حين مُعَايَنَةِ العذاب. {فأخذهم العذابُ} أي: صيحة جبريل، فتقطعت قلوبهم، {فأصبحوا في ديارهم جاثمين}: ميتين، صغيرهم وكبيرهم، {إنّ في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين}. رُوي أنه أسلم منهم ألفان وثلاثمائة رجل وامرأة. وقيل: كانوا أربعة آلاف، وقال كعب: كان قوم صالح اثني عشر ألفاً، من سوى النساء والذرية. ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات. قاله القرطبي: قيل: في نفي الإيمان عن أكثرهم إيماءٌ إلى أنه لو آمن أكثرهم أو: شطرهم لما أُخذوا بالعذاب، وأن قريشاً إنما عُصموا من تعجيل العذاب ببركة من آمن منهم. وعلى أن (كان) زائدةٌ يكون الضمير لقريش، كما تقدم. {وإن ربك لهو العزيز الرحيم}. الإشارة: قوله: {أَتُتركون فيما ها هنا آمنين}؛ أنكر عليهم ركونهم إلى الدنيا وزخارفها الغرارة، واطمئنانهم إليها، وهو غرور وحمق؛ إذ الدنيا كسحابة الصيف، تظل ساعة ثم ترتحل، فالدنيا عرض حائل، وظل آفل، فالكيِّس من أعرض عنها، وتوجه بكليته إلى مولاه، صبر قليلاً وربح كثيراً، والأحمق من وقع في شبكتها، حتى اختطفته منيته، وفي الحديث: "حديث : الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لا دَارَ لَهُ، ومالُ من لا مَالَ له، لَهَا يجمعُ من لا عقل له، وعليها يُعادي من لا علم عنده ". تفسير : ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ...}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير وابو عمرو {فرهين} بغير الف. الباقون {فارهين} بألف. حكى الله تعالى عن قوم صالح، وهم {ثمود} أنهم كذبوا المرسلين، ولم يصدقوهم فيما دعوهم اليه من توحيد الله وخلع الانداد وترك عبادة الاصنام، حتى قال لهم أخوهم في النسب صالح، وهو النبي المبعوث اليهم {ألا تتقون} الله باجتناب معصيته وترك عبادة من سواه {إني لكم رسول أمين} فالامين هو الذي استودع الشيء على من أمن منه الخيانة، فالرسول بهذه الصفة، لأنه يؤدي الرسالة، كما حملها من غير تغيير لها، ولا زيادة، ولا نقصان. ثم أمرهم فقال {فاتقوا} عقاب {الله} باجتناب معاصيه {وأطيعون} فيما ادعوكم اليه، ولست اسألكم على ما ادعوكم اليه اجراً فيصرفكم عن القبول لانه ليس أجري وثوابي في ذلك إلا على رب العالمين الذي خلق الخلق. ثم قال لهم يا قوم {أتتركون فيما هاهنا آمنين} منكراً عليهم، فان ما هم فيه من النعم لا تبقى عليهم، وانها تزول عنهم وأن أمنهم سيؤل إلى الخوف. والامن سكون النفس إلى السلامة، وهو نقيض الخوف. وقد يكون أمناً مع العلم بالسلامة. ومع الظن القوي. ثم عدد نعمهم التي كانوا فيها، فقال انتم {في جنات} وهي البساتين التي يسترها الشجر {وعيون} جارية {وزروع} وهو جمع زرع وهو نبات من الحب الذي يبذر في الارض: زرعه أي بذره في الارض كما يزرع البذر فالبذر المبدد في الارض على وجه مخصوص يسمى زرعاً {ونخل طلعها هضيم} فالهضيم اللطيف في جسمه، ومنه هضيم الحشا أي لطيف الحشا، ومنه هضمه حقه: إذا ما نقصه، لأنه لطف جسمه ينقصه، ومنه هضم الطعام إذا لطف واستحال إلى مشاكلة البدن. وقال ابن عباس: معنى {هضيم} أي قد بلغ واينع. وقال الضحاك: ضمر يزكون بعضه بعضاً. وقال عكرمة: هو الرطب اللين، وقال مجاهد: هو الذي اذا مس تفتت. وقال أبو عبيدة والزجاج، والفراء: هو المتداخل بعضه في بعض. وقوله {وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين} قال ابن عباس: معناه حاذقين وقال ابن عباس ايضاً (فرهين) أشرين بطرين. وقال الضحاك: معناه عليين. وقال ابن زيد: الفره القوي. وقيل: هو الفرح المرح، كما قال الشاعر: شعر : لا أستكين إذا ما ازمة أزمت ولن تراني بخير فاره اللبب تفسير : أي مرح اللبب. وقيل: فاره وفره مثل حاذق وحذق. والفاره النافذ في الصنعة بين الفراهة كحاذق بين الحذق، وعبد فاره نافذ في الأمور. ثم قال لهم {فاتقوا الله} في ترك عبادته والاشراك به واجتنبوا معاصيه {وأطيعون} فيما أدعوكم اليه.
اطفيش
تفسير : قبيلة سميت باسم أبيها، اسم عربى لم يصرف للعلمية وتأنيث القبيلة، لا عجمى كما قال بعض، والثمد فى لغة العرب قلة الماء بلا مادة، أو ما يبقى فى الجليد، أو ما يظهر شتاء ويفقد صيفاً.
سيد قطب
تفسير : إنها ذات الدعوة بألفاظها يدعوها كل رسول. ويوحد القرآن عن قصد حكاية العبارة التي يلقيها كل رسول على قومه للدلالة على وحدة الرسالة جوهراً ومنهجاً، في أصلها الواحد الذي تقوم عليه، وهو الإيمان بالله وتقواه، وطاعة الرسول الآتي من عند الله. ثم يزيد ما هو من شأن ثمود خاصة، وما تقتضيه طبيعة الموقف وطبيعة الظروف. إذ يذكرهم أخوهم صالح بما هم فيه من نعمة ـ (وقد كانوا يسكنون بالحجر بين الشام والحجاز، وقد مر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بدورهم المدمرة مع صحابته في غزوة تبوك) ـ ويخوفهم سلب هذه النعمة، كما يخوفهم ما بعد المتاع من حساب على ما كان من تصرفهم فيه: {أتتركون فيما ها هنا آمنين. في جنات وعيون. وزورع ونخل طلعها هضيم. وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين؟}. وإنهم ليعيشون بين هذا المتاع الذي يصوره لهم أخوهم صالح. ولكنهم يعيشون في غفلة عنه لا يفكرون فيمن وهبهم إياه؛ ولا يتدبرون منشأه ومأتاه، ولا يشكرون المنعم الذي أعطاهم هذا النعيم. فيأخذ رسولهم في تصوير هذا المتاع لهم ليتدبروه ويعرفوا قيمته، ويخافوا زواله. وفيما قاله لهم لمسات توقظ القلوب الغافية، وتنبه فيها الحرص والخوف: {أتتركون فيما ها هنا آمنين؟} أتظنون أنكم متروكون لهذا الذي أنتم فيه من دعة ورخاء ومتعة ونعمة.. وسائر ما يتضمنه هذا الإجمال من تفخيم وتضخيم.. أتتركون في هذا كله آمنين لا يروعكم فوت، ولا يزعجكم سلب، ولا يفزعكم تغيير؟ أتتركون في هذا كله من جنات وعيون، وزروع متنوعات، ونخل جيدة الطلع، سهلة الهضم حتى كأن جناها مهضوم لا يحتاج إلى جهد في البطون! وتتركون في البيوت تنحتونها في الصخور بمهارة وبراعة، وفي أناقة وفراهة؟ وبعد أن يلمس قلوبهم هذه اللمسات الموقظة يناديهم إلى التقوى، وإلى الطاعة، وإلى مخالفة الملأ الجائرين البعيدين عن الحق والقصد، الميالين إلى الفساد والشر. {فاتقوا الله وأطيعون. ولا تطيعوا أمر المسرفين. الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون}.. ولكن هذه اللمسات وهذه النداءات لا تصل إلى تلك القلوب الجاسية الجافية، فلا تصغي لها ولا تلين: {قالوا: إنما أنت من المسحرين. ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين}.. إنما أنت ممن سحرت عقولهم فهو يهرفون بما لا يعرفون! كأنما الدعوة إلى الله لا يدعوها إلا مجنون! {ما أنت إلا بشر مثلنا}.. وتلك هي الشبهة التي ظلت تخايل للبشرية كلما جاءها رسول. فقد كان تصور البشرية القاصر للرسول عجيباً دائماً؛ وما كانت تدرك حكمة الله في أن يكون الرسول بشراً، وما كانت تدرك كذلك تكريم هذا الجنس البشري باختيار الرسل منه ليكونوا رواد البشرية المتصلين بمصدر الهدى والنور. وكانت البشرية تتصور الرسول خلقاً آخر غير البشر. أو هكذا ينبغي أن يكون؛ ما دام يأتي إليها بخبر السماء، وخبر الغيب، وخبر العالم المحجوب عن البشر.. ذلك أنها ما كانت تدرك سر هذا الإنسان الذي كرمه الله به، وهو أنه موهوب القدرة على الاتصال بالملأ الأعلى وهو على هذه الأرض مقيم. يأكل وينام ويتزوج ويمشي في الأسواق. ويعالج ما يعالجه سائر البشر من المشاعر والنوازع، وهو متصل بذلك السر العظيم. وكانت البشرية جيلاً بعد جيل تطلب خارقة معجزة من الرسول تدل على أنه حقاً مرسل من الله: {فأت بآية إن كنت من الصادقين}.. وهكذا طلبت ثمود تلك الخارقة، فاستجاب الله لعبده صالح، وأعطاه هذه الخارقة في صورة ناقة؛ لا نخوض في وصفها كما خاض المفسرون القدامى، لأنه ليس لدينا سند صحيح نعتمد عليه في هذا الوصف. فنكتفي بأنها كانت خارقة كما طلبت ثمود. {قال: هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم. ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم}.. لقد جاءهم بالناقة، على شرط أن يكون الماء الذي يستقون منه يوماً للناقة ويوماً لهم، لا يجورون عليها في يومها، ولا تجور عليهم في يومهم، ولا يختلط شرابها بشرابهم، كما لا يختلط يومها بيومهم. ولقد حذرهم أن ينالوها بسوء على الإطلاق، وإلا أخذهم عذاب يوم عظيم. فماذا فعلت الآية الخارقة بالقوم المتعنتين؟ إنها لم تسكب الإيمان في القلوب الجافة؛ ولم تطلع النور في الأرواح المظلمة. على الرغم من قهرها لهم وتحديهم بها. وإنهم لم يحفظوا عهدهم، ولم يوفوا بشرطهم: {فعقروها فأصبحوا نادمين}. والعقر: النحر. والذين عقروها منهم هم الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. ولقد حذرهم منهم صالح وأنذرهم فلم يخشوا النذير. ومن ثم كتبت خطيئتها على الجميع، وكان الجميع مؤاخذين بهذا الإثم العظيم. ولقد ندم القوم على الفعلة، ولكن بعد فوات الأوان وتصديق النذير: {فأخذهم العذاب}.. ولا يفصل نوعه هنا للمسارعة والتعجيل! ثم يجيء التعقيب: {إِن في ذلك لآية وما كان أكثرم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم}..
ابن عاشور
تفسير : موقع هذه الجملة استئناف تَعداد وتكرير كما تقدم في قوله: {أية : كذبت عاد المرسلين}تفسير : [الشعراء: 123]. والكلام على هذه الآيات مثلُ الكلام على نظيرها في قصة قوم نوح، وثمود قد كذّبوا المرسلين لأنهم كذبوا صالحاً وكذبوا هوداً لأن صالحاً وعظهم بعاد في قوله: {أية : واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد} تفسير : في سورة الأعراف (74) وبتكذيبهم كذبوا بنوح أيضاً، لأن هوداً ذَكَّر قومه بمصير قوم نوح في آية {أية : واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح}تفسير : [الأعراف: 69]. وتقدم ذكر ثمود وصالح عند قوله تعالى: {أية : وإلى ثمود أخاهم صالحاً} تفسير : في سورة الأعراف (73)، وكان صالح معروفاً بالأمانة لأنه لا يرسل رسول إلا وهو معروف بالفضائل {أية : الله أعلم حيث يجعل رسالاته}تفسير : [الأنعام: 124] وقد دل على هذا المعنى قولهم {أية : إنما أنت من المسحَّرين}تفسير : [الشعراء: 153] المقتضي تغيير حاله عما كان عليه وهو ما حكاه الله عن قومه {أية : قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجواً قبل هذا} تفسير : في سورة هود (62). وحذف ياء المتكلم من {أطيعون} هو مثل نظائره المتقدمة آنفاً.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: كذبت ثمود المرسلين: أي كذبت قبيلة ثمود نبيّها صالحاً. فيما ها هنا آمنين: أي من الخيرات والنعم غير خائفين من أحد. طلعها هضيم: أي طلع النخلة ليّن ناعم ما دام في كُفرَّاهُ أي غطاؤه الذي عليه. وتنحتون من الجبال بيوتاً: أي تنْجُرون بآلات النحت الصخور في الجبل وتتخذون منها بيوتاً. فرهين: أي حذقين من جهة وبطرين متكبرين مغترين بصنيعكم من جهة أخرى. وأطيعون: أي فيما أمرتكم به. المسرفين: أي في الشر والفساد بالكفر والعناد. الذين يفسدون في الأرض: أي بارتكاب الذنوب العظام فيها. ولا يصلحون فيها: أي بفعل الطاعات والقربات. معنى الآيات: هذا بداية قصص نبي الله صالح عليه السلام قال تعالى {كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي جحدت قبيلة ثمود ما جاءها به رسولها صالح، {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ} في النسب لا في الدين إذ هو مؤمن وهم كافرون {أَلا تَتَّقُونَ} أي يحضهم على التقوى ويأمرهم بها لأن فيها نجاتهم والمراد من التقوى اتقاء عذاب الله بالإِيمان به وتوحيده وطاعته وطاعة رسوله وقوله {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} يعلمهم بأنه مرسل من قبل الله تعالى إليهم أمين على رسالة الله وما تحمله من العلم والبيان والهدى إليهم. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} كرر الأمر بالتقوى وبطاعته إذ هما معظم رسالته ومَتَى حقّقها المرسل إليهم اهتدوا وأفلحوا {وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} أبعد تهمة المادة لما قد يقال أنه يريد مالاً فأخبرهم في صراحة أنه لا يطلب على إبلاغهم دعوة ربهم أجراً من أحد إلا من الله رب العالمين إذ هو الذي يثيب ويجزي العاملين له وفي دائرة طاعته وقوله فيما أخبر تعالى به عنه {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَآ} بين أيديكم من الخيرات {آمِنِينَ} غير خائفين، وبين ما أشار إليه بقوله فيما ها هنا فقال {فِي جَنَّاتٍ} أي بساتين ومزارع بمدائنهم وهي إلى الآن قائمة {وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} أي لين ناعم ما دام في كفراه أي غلافه {وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً} لما خولكم الله من قوة ومعرفة بفن النحت حتى أصبحتم تتخذون من الجبال الصم بيوتاً تسكنونها شتاء فتقيكم البرد. وقوله {فَارِهِينَ} هذا حال من قوله {وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً} ومعنى {فَارِهِينَ} حذقين فن النحت وبطرين متكبرين مغترين بقوتكم وصناعتكم، إذاً {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} يا قوم بترك الشرك والمعاصي {وَأَطِيعُونِ} فيما آمركم به وأنهاكم عنه وأدعوكم إليه {وَلاَ تُطِيعُوۤاْ أَمْرَ ٱلْمُسْرِفِينَ} أي على أنفسهم بارتكاب الكبائر وغشيان الذنوب. {ٱلَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ} أي بمعاصي الله ورسوله فيها {وَلاَ يُصْلِحُونَ} أي جمعوا بين الفساد والإِفساد، وترك الصلاة والإِصلاح. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- دعوة الرسل واحدة ولذا التكذيب برسول يعتبر تكذيباً بكل الرسل. 2- الأمانة شعار كل الرسل والدعاة الصادقين الصالحين في كل الأمم والعصور. 3- مشروعية التذكير بالنعم ليذكر المنعم فيُحب ويُطاع. 4- التحذير من طاعة المسرفين في الذنوب والمعاصي لوخامة عاقبة طاعتهم. 5- تقرير أن الفساد في الأرض يكون بارتكاب المعاصي فيها.
القطان
تفسير : طلعُها هضيم: الطلع: اول ما يطلع من الثمر في اول تكوينه. هضيم: ناضج لين. تنحتون: تحفرون البيوت في الصخر، وهو موجود الى الآن في مداين صالح. فارهين: نشطين فرحين. من المسحَّرين: الذين سُحروا حتى ذهبت عقولهم. شِرب: نصيب. عقروها: ذبحوها. وقبل ان يذبحوا الناقة كانوا يقطعون قوائمها، وهذا هو العقر. تقدمت قصة صالح مع قومه في سورة الأعراف وفي سورة هود. وكانوا يسكنون بالحِجر وهي المحلّة التي تسمى الآن "مداين صالح" في شمال الحجاز. وكذّب قوم ثمود نبيّهم صالحا، اذ قال صالح لقومه يا قومي: الا تخشَون ربك؟ إني رسول منه اليكم، فاحذَروا الله وأطيعوني، ولا أيد منكم اجرا، فأجري على الله رب العالمين. اتظنّون انكم تُتْركون في دياركم آمنين، وانتم على ما أنتم عليه من الكفر والظلم؟ وترتعون في جناتٍ وعيون وزرع ونخلٍ ثمرُها يانعٌ لطيف، وتنحتون من الجبال بيوتا مترفين نشيطين؟ خافوا الله وأطيعوني أنا، ولا تطيعوا الّذين اسرفوا على أنفسِهم بالشِرك واتباع الهوى، فهم يفسدون في الارض ولا يصلحون. قالوا: ما انتَ إلا من المسحورين، وما انت الا رجل مثلنا فأتِ بمعجزة ان كنت من الصادقين. قال: ان معجزتي هذه الناقة، لها نصيبٌ من الماء في يومٍ لها ولكم نصيب مثلُه في يوم آخر. اتركوها ولا تمسّوها بسوء فيعذّبكم الله عذابا شديدا. فعقروها ثم ندموا على ما فعلوا خوفاً من العذاب. فأخذهم العذابُ، وجاءتهم صيحة عظيمة فأصبحوا في ديارهم جاثمين. إن في ذكر قصتهم لدلالةً على قدرة الله على اهلاك الكافرين، وما كان اكثر قومك ايها الرسول بمؤمنين. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}. قراءات: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: فَرِهين بدون الف، وقرأ الباقون: فارهين: بالف بعد الفاء.
د. أسعد حومد
تفسير : (141) - يُخبِرُ اللهُ تَعالَى أَنَّهُ أرْسَلَ عَبْدَهُ صَالِحاً رَسُولاً إلى قَوْمِهِ ثَمودَ، وَكَانُوا عَرَباً يَسْكُنُونَ الحِجْرَ، بينَ وَادِي القُرى وبِلادِ الشَّامِ، ومَسَاكِنُهُمْ مَعْرُوفةٌ باسْمِ مَدَائِنِ صَالِحٍ، وَكَانُوا بَعْدَ عادٍ، وَقَبْلَ إبراهيمَ عليهِ السلامُ، فدَعَاهُمْ نَبيُّهُمْ صَالِحٌ إلى عِبادةِ اللهِ تعالَى وَحْدَه لا شَريكَ لَهُ فَكَذَّبُوهُ، وبِذَلكَ يَكُونُون قَدْ كَذَّبُوا جَميعَ الرُّسُلِ لاتِّحَادِ رِسَالاتِ الرُّسُلِ في أصُولِها وغَايَاتِها.
الثعلبي
تفسير : {كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَآ} أي في الدنيا {آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا} ثمرها {هَضِيمٌ}. قال ابن عباس: لطيف مادام في كفراه، ومنه قيل: هضيم الكشح إذا كان لطيفاً، وهضمَ الطعام إذا لطف واستحال على شكله، عطيّة عنه: يانع نضيج، قتادة وعكرمة: الرطب الليّن، الحسن: رخو. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شبنة قال: حدّثنا ابن ماهان قال: حدّثنا الطنافسي قال: حدّثنا وكيع عن سلام عن أبي إسحاق عن أبي العلاء، طلعها هضيم قال: مذنّب، مجاهد: متهشم متفتت وذلك حين يطلع يفيض عليه فيهضمه، وهو مادام رطباً فهو هضيم فإذا يبس فهو هشيم، أبو العالية: يهشهش في الفم. الضحاك ومقاتل: متراكم ركب بعضه بعضاً حتى هضم بعضه بعضاً، وأصله من الكسر. {وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ} قرأ أهل الشام والكوفة فارهين بالألف، وهي قراءة أصحاب عبد الله واختيار أبي عبيد أي حاذقين بتخيّرها. وقال عطيّة وعبد الله بن شداد: متخيرين لمواضع نحتها، وقرأ الباقون: فرهين بغير ألف وهو اختيار أبي حاتم. واختلفوا في معناه فقال ابن عباس: أشرين، الضحّاك: كيّسين، قتادة: معجبين بصنعكم، مجاهد: شرهين، عكرمة: ناعمين، السدّي: متحيرين، ابن زيد: أقوياء، الكسائي: بطرين، أبو عبيدة: فرحين، الأخفش: فرحين، والعرب تعاقب بين الحاء والهاء مثل: مدحته ومدهته، ويجوز أن يكون فرهين وفارهين بمعنى واحد مثل قوله {أية : عِظَاماً نَّخِرَةً}تفسير : [النازعات: 11] وناخرة، ونحوها. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلاَ تُطِيعُوۤاْ أَمْرَ ٱلْمُسْرِفِينَ} المشركين {ٱلَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ * قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ} أي المسحورين المخدوعين عن مجاهد وقتادة. وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: من المعلّلين بالطعام والشراب، وأنشد الكلبي قول لبيد: شعر : فإنْ تسألينا فيم نحن فإننّا عصافير من هذا الأنام المسحّر تفسير : وقال آخر: شعر : ويسحر بالطعام وبالشراب تفسير : أي يعلّل ويخدع، وهو على هذين القولين من السِّحر بكسر السين. وقال بعضهم: من السَّحر بفتح السين أي أصحاب الرؤية، يدلّ عليه قوله {مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ} على صحة ما يقول {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ * قَالَ هَـٰذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ} حظ ونصيب من الماء {وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ * وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ} بعقر {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ * فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْ نَادِمِينَ} على عقرها حين رأوا العذاب. {فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن ذكر طرفاً من قصة إبراهيم وموسى ونوح وهود عليهم السلام ذكر قصة ثمود قوم صالح عليه السلام، وقد تكررتْ هذه اللقطات في عدة مواضع من كتاب الله؛ ذلك لأن القرآن في علاجه لا يعالج أمةً واحدة في بيئة واحدة بخُلق واحد، إنما يعالج عالماً مختلف البيئات ومختلف الداءات ومختلف المواهب والميول. فلا بُدَّ أن يجمع الله له الرسل كلهم، ليأخذ من كل واحد منهم لقطة؛ لأنه سيكون منهجاً للناس جميعاً في كُلِّ زمان وفي كُلِّ مكان، أمّا هؤلاء الرسل الذين جمعهم الله في سياق واحد فلم يكونوا للناس كافة، إنما كل واحد منهم لأمة بعينها، ولقابل واحد في زمن مخصوص، ومكان مخصوص. لقد بُعث محمد صلى الله عليه وسلم ليكون رسولاً يجمع الدنيا كلها على نظام واحد، وخُلق واحد، ومنهج واحد، مع تباين بيئاتهم، وتباين داءاتهم ومواهبهم. إذن: لا بُدَّ أن يذكر الحق - تبارك وتعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم طرفاً من سيرة كل نبي سبقه. لذلك قال سبحانه: {أية : وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ..}تفسير : [هود: 120]. ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكُنْ في حاجة لأن يُثبِّت الله فؤاده مرة واحدة، إنما كلّما تعرّض لموقف احتاج إلى تثبيت، فيُثّبته الله، يقول له: تذكّر ما كان من أمر إبراهيم، وما كان من أمر نوح وهود ... إلخ فكان تكرار القصص لتكرار التثبيت، فالقصة في القرآن وإنْ كانت في مجموعها مكررة، إنما لقطاتها مختلفة تؤدي كُلٌّ منها معنى لا تؤديه الأخرى. وهنا يقول سبحانه كما قال عن الأمم السابقة: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 141] لأن الرسل جميعاً إنما جاءوا بعقيدة واحدة، لا يختلف فيها رسول عن الآخر، وصدروا من مصدر واحد، هو الحق تبارك وتعالى، ولا يختلف الرسل إلا في المسائل الاجتماعية والبيئية التي تناسب كلاً منهم. لذلك يقول تعالى: {أية : إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ ..}تفسير : [النساء: 163]. وقال تعالى: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ ..}تفسير : [الشورى: 13]. ثم يقول الحق سبحانه: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ } . إلى آخر القصة { كَذَّبَتْ ثَمُودُ } القبيلة المعروفة في مدائن الحجر { الْمُرْسَلِينَ } كذبوا صالحا عليه السلام، الذي جاء بالتوحيد، الذي دعت إليه المرسلون، فكان تكذيبهم له تكذيبا للجميع. { إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ } في النسب، برفق ولين: { أَلا تَتَّقُونَ } الله تعالى، وتدعون الشرك والمعاصي. { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ } من الله ربكم، أرسلني إليكم، لطفا بكم ورحمة، فتلقوا رحمته بالقبول، وقابلوها بالإذعان، { أَمِينٌ } تعرفون ذلك مني، وذلك يوجب عليكم أن تؤمنوا بي، وبما جئت به. { وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ } فتقولون: يمنعنا من اتباعك، أنك تريد أخذ أموالنا، { إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ } أي: لا أطلب الثواب إلا منه. { أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ } أي نضيد كثير أي أتحسبون أنكم تتركون في هذه الخيرات والنعم سدى تتنعمون وتتمتعون كما تتمتع الأنعام وتتركون سدى لا تؤمرون ولا تنهون وتستعينون بهذه النعم على معاصي الله. { وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ } أي بلغت بكم الفراهة والحذق إلى أن اتخذتم بيوتا من الجبال الصم الصلاب. { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ } الذين تجاوزوا الحد. { الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ } أي الذين وصفهم ودأبهم الإفساد في الأرض بعمل المعاصي والدعوة إليها إفسادا لا إصلاح فيه وهذا أضر ما يكون لأنه شر محض وكأن أناسا عندهم مستعدون لمعارضة نبيهم موضعون في الدعوة لسبيل الغي فنهاهم صالح عن الاغترار بهم ولعلهم الذين قال الله فيهم {أية : وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ } تفسير : فلم يفد فيهم هذا النهي والوعظ شيئا فقالوا لصالح { إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ } أي قد سحرت فأنت تهذي بما لا معنى له. { مَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا } فأي فضيلة فقتنا بها حتى تدعونا إلى اتباعك؟ { فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } هذا مع أن مجرد اعتبار حالته وحالة ما دعا إليه من أكبر الآيات البينات على صحة ما جاء به وصدقه ولكنهم من قسوتهم سألوا آيات الاقتراح التي في الغالب لا يفلح من طلبها لكون طلبه مبنيا على التعنت لا على الاسترشاد. فقال صالح { هَذِهِ نَاقَةُ } تخرج من صخرة صماء ملساء ترونها وتشاهدونها بأجمعكم { لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ } أي تشرب ماء البئر يوما وأنتم تشربون لبنها ثم تصدر عنكم اليوم الآخر وتشربون أنتم ماء البئر. { وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ } بعقر أو غيره { فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ } فخرجت واستمرت عندهم بتلك الحال فلم يؤمنوا واستمروا على طغيانهم. { فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ * فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ } وهي صيحة نزلت عليهم، فدمرتهم أجمعين، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً } على صدق ما جاءت به رسلنا، وبطلان قول معارضيهم، { وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):