Verse. 3128 (AR)

٢٦ - ٱلشُّعَرَاء

26 - Ash-Shu'ara (AR)

وَاِنَّہٗ لَفِيْ زُبُرِ الْاَوَّلِيْنَ۝۱۹۶
Wainnahu lafee zuburi alawwaleena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإنه» ذكر القرآن المنزل على محمد «لفي زُبُر» كتب «الأولين» كالتوراة والإنجيل.

196

Tafseer

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: وإن ذكر هذا القرآن والتنويه به لموجود في كتب الأولين المأثورة عن أنبيائهم الذين بشروا به في قديم الدهر وحديثه، كما أخذ الله عليهم الميثاق بذلك حتى قام آخرهم خطيباً في ملئه بالبشارة بأحمد {أية : وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِى إِسْرَٰءِيلَ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى ٱسْمُهُ أَحْمَدُ} تفسير : [الصف: 6] والزبر ههنا هي الكتب، وهي جمع زبور، وكذلك الزبور، وهو كتاب داود، وقال الله تعالى: {أية : وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِى ٱلزُّبُرِ }تفسير : [القمر: 52] أي: مكتوب عليهم في صحف الملائكة، ثم قال تعالى: {أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ ءَايَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِىۤ إِسْرَآءِيلَ} أي: أو ليس يكفيهم من الشاهد الصادق على ذلك أن العلماء من بني إسرائيل يجدون ذكر هذا القرآن في كتبهم التي يدرسونها؟ والمراد العدول منهم الذين يعترفون بما في أيديهم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ومبعثه وأمته؛ كما أخبر بذلك من آمن منهم، كعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، عمن أدركه منهم، ومن شاكلهم، قال الله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلأُمِّىَّ} تفسير : [الأعراف: 157] الآية. ثم قال تعالى مخبراً عن شدة كفر قريش وعنادهم لهذا القرآن: أنه لو نزل على رجل من الأعاجم ممن لا يدري من العربية كلمة، وأنزل عليه هذا الكتاب ببيانه وفصاحته، لا يؤمنون به، ولهذا قال: {وَلَوْ نَزَّلْنَـٰهُ عَلَىٰ بَعْضِ ٱلأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ} كما أخبر عنهم في الآية الأخرى: {أية : وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا} تفسير : [الحجر: 14 ــــ 15] الآية، وقال تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ} تفسير : [الأنعام: 111] الآية، وقال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [يونس: 96] الآية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِنَّهُ } أي ذكر القرآن المنزل على محمد {لَفِى زُبُرِ } كتب {ٱلأَوَّلِينَ } كالتوراة والإِنجيل.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ} يعني كتب الأولين من التوراة والإنجيل وغيرها من الكتب. وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن المراد به ذكر القرآن في زبر الأولين، قاله قتادة. الثاني: بعث محمد صلى الله عليه وسلم في زبر الأولين، قاله السدي. الثالث: ذكر دينك وصفة أمتك في زبر الأولين، قاله الضحاك.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَإِنَّهُ} ذكر القرآن، أو ذكر محمد صلى الله عليه وسلم وصفته، أو ذكر دينه وصفة أمته. {لَفِى زُبُرِ الأَوَّلِينَ} التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب.

النسفي

تفسير : {وَإِنَّهُ} وإن القرآن {لَفِى زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ } يعني ذكره مثبت في سائر الكتب السماوية. وقيل: إن معانيه فيها، وفيه دليل على أن القرآن قرآن إذا ترجم بغير العربية فيكون دليلاً على جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة. {أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ ءايَةً } {ولم تكن لهم آيةٌ} شامي، جعلت آية اسم «كان» وخبره {أَن يَعْلَمَهُ } أي القرآن لوجود ذكره في التوراة. وقيل: في {تكن} ضمير القصة و{آية} خبر مقدم والمبتدأ {أن يعلمه} والجملة خبر «كان». وقيل: «كان» تامة والفاعل {آية} و{أن يعلمه} بدل منها أو خبر مبتدأ محذوف أي أولم تحصل لهم آية. وغيره {يكن} بالتذكير و{آية} بالنصب على أنها خبره و{أن يعلمه} هو الاسم وتقديره: أولم يكن لهم علم علماء بني إسرائيل {عُلماءُ بَنِى إِسْرٰءيلَ } كعبد الله بن سلام وغيره قال الله تعالى: {أية : وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُواْ ءامَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّنَا إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ }تفسير : [القصص: 53] وخط في المصحف علماؤا بواو قبل الألف {وَلَوْ نَزَّلْنَـٰهُ عَلَىٰ بَعْضِ ٱلأَعْجَمِينَ } جمع أعجم وهو الذي لا يفصح وكذلك الأعجمي إلا أن فيه لزيادة يا ء النسبة زيادة تأكيد، ولما كان من يتكلم بلسان غير لسانهم لا يفقهون كلامه قالوا له أعجم وأعجمي شبهوه بمن لا يفصح ولا يبين، والعجمي الذي من جنس العجم أفصح أولم يفصح. وقرأ الحسن {الأعجميين} وقيل: الأعجمين تخفيف الأعجميين كما قالوا الأشعرون أي الأشعريون بحذف يا ء النسبة ولولا هذا التقدير لم يجز أن يجمع جمع السلامة لأن مؤنثه عجماء

القشيري

تفسير : جميعُ ما في هذا الاكتاب من الأخبار والقصص، وما في صفةِ الله من استحقاق جلاله - موافِقٌ لمِا في الكتب المُنَزَّلة من قِبَلِ الله قَبْلَه، فمهما عارضوه فإنه كما قال جلَّ شأنه: {أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ}تفسير : [فصلت: 42]. ثم أخبر أنه لو نَزَّل هذا الكتابَ بغير لسانهم وبلغةٍ غير لغتهم لم يهتدوا إلى ذلك، ولَقَالوا: لو كان بلساننا لعرفناه ولآمَنَّا به، فأزاح عنهم العِلَّةَ، وأكّد عليهم الحُجَّة. ثم أخبر عن صادق عِلْمِه بهم، وسابِق حَكْمِه بالشقاوة عليهم، وهو أنهم لا يؤمنون به حتى يَرَوْا العذابَ في القيامة، حين لا ينفعهم الإيمانُ ولا الندامةُ.

اسماعيل حقي

تفسير : {وانه} اى وان ذكر القرآن لاعينه {لفى زبر الاولين} واحدها زبور بمعنى الكتاب مثل رسل ورسول اى لفى الكتب المتقدمة. يعنى ان الله تعالى اخبر فى كتبهم عن القرآن وانزاله على النبى المبعوث فى آخر الزمان

الجنابذي

تفسير : {وَإِنَّهُ} اى القرآن باوصافه او بمعانيه واحكامه او قرآن ولاية علىٍّ (ع) {لَفِي زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ} اى كتبهم.

اطفيش

تفسير : {وَإِنَّهُ} أي القرآن أي معناه. {لَفِى زُبُرِ الأَوَّلِينَ} كتبهم المنزله كصحف ابراهيم وموسى وداود وعيسى وبذلك احتج أبو حنيفة على جواز قراءة القرآن بالفارسية ولو في الصلاة ويقول انما ترجم به قرآن وهو فاسد ولا حجة له في الآية لجواز أن يكون المراد إن ذكر القرآن لفي زبر الأولين بل هذا أولى فإن القرآن هو الجامع لمعاني الكتب سلمنا أن المراد أن معناه في الزبر لكن لا نسلم أن الألفاظ التي ببعض معناه تسمى قرآنا وانما يسمى قرآنا بألفاظه هذه فان الصحيح انه نزل بهذه الألفاظ وبها كتب في اللوح وزعم بعضهم انه نزل بالمعنى لا باللفظ وعبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الألفاظ واستدل بقوله على قلبك ولا دليل فيه وقيل نزل باللفظ غير هذه الألفاظ وعبر عنه بها وقيل الضمير لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أي أنه بصفاته مذكور فيها وهو ضعيف وكذا الخلاف في ضميري يكن وهاء أن يعلمه فقيل هما للقرآن وقيل لرسول الله.

الالوسي

تفسير : أي وإن ذكر القرآن لفي الكتاب المتقدمة على أن الضمير للقرآن والكلام على حذف مضاف وهذا كما يقال: إن فلاناً في دفتر الأمير. وقيل: المراد وإن معناه لفي الكتب المتقدمة وهو باعتبار الأغلب فإن التوحيد وسائر ما يتعلق بالذات والصفات وكثيراً من المواعظ والقصص مسطور في الكتب السابقة فلا يضر أن منه ما ليس في ذلك بحسب الظن الغالب كقصة الإفك وما كان في نكاح امرأة زيد وما تضمنه صدر سورة التحريم وغير ذلك. واشتهر عن الإمام أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه جوز قراءة القرآن بالفارسية والتركية والهندية وغير ذلك من اللغات مطلقاً استدلالاً بهذه الآية. وفي رواية / تخصيص الجواز بالفارسية لأنها أشرف اللغات بعد العربية لخبر لسان «أهل الجنة العربـي والفارسي الدري». وفي رواية أخرى أنها إنما تجوز بالفارسية إذا كان ثناء كسورة الإخلاص أما إذا كان غيره فلا تجوز. وفي أخرى أنها إنما تجوز بالفارسية في الصلاة إذا كان المصلي عاجزاً عن العربية وكان المقروء ذكراً وتنزيهاً أما القراءة بها في غير الصلاة أو في الصلاة وكان القاريء يحسن العربية أو في الصلاة وكان القارىء عاجزاً عن العربية لكن كان المقروء من القصص والأوامر والنواهي فإنها لا تجوز، وذكر أن هذا قول صاحبيه. وكان رضي الله تعالى عنه قد ذهب إلى خلافه ثم رجع عنه إليه. وقد صحح رجوعه عن القول بجواز القراءة بغير العربية مطلقاً جمع من الثقات المحققين. وللعلامة حسن الشرنبلالي رسالة في تحقيق هذه المسألة سماها «النفحة القدسية في أحكام قراءة القرآن وكتابته بالفارسية» فمن أراد التحقيق فليرجع إليها. وكان رجوع الإمام عليه الرحمة عما اشتهر عنه لضعف الاستدلال بهذه الآية عليه كما لا يخفى على المتأمل. وفي «الكشف» أن القرآن كان هو المنزل للإعجاز إلى آخر ما يذكر في معناه فلا شك أن الترجمة ليست بقرآن وإن كان هو المعنى القائم بصاحبه فلا شك أنه غير ممكن القراءة، فإن قيل: هو المعنى المعبر عنه بأي لغة كان قلنا لا شك في اختلاف الأسامي باختلاف اللغات وكما لا يسمى القرآن بالتوراة لا يسمى التوراة بالقرآن فالأسماء لخصوص العبارات فيها مدخل لا أنها لمجرد المعنى المشترك اهـ، وفيه بحث فإن قوله تعالى: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءاناً أعْجَمِيّاً } تفسير : [فصلت: 44] يستلزم تسميته قرآناً أيضاً لو كان أعجمياً فليس لخصوص العبارة العربية مدخل في تسميته قرآناً، والحق أن قرآناً المنكر لم يعهد فيه نقل عن المعنى اللغوي فيتناول كل مقروء، أما القرآن باللام فالمفهوم منه العربـي في عرف الشرع فلخصوص العبارة مدخل في التسمية نظراً إليه، وقد جاء كذلك في الآية الدالة على وجوب القراءة أعني قوله سبحانه: {أية : فَٱقْرَءواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءانِ } تفسير : [المزمل: 20] وبذلك تم المقصود، وجعل {من} فيه للتبعيض وإرادة المعنى من هذا البعض لا يخفى ما فيه، وقيل: ضمير {إِنَّهُ } عائد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بواضح. وقرأ الأعمش {زبر} بسكون الباء.

ابن عاشور

تفسير : عطف على {أية : وإنه لتنزيل رب العالمين}تفسير : [الشعراء: 192]، والضمير للقرآن كضمير {وإنه لتنزيل رب العالمين}. وهذا تنويه آخر بالقرآن بأنه تصدقه كتب الأنبياء الأولين بموافقتها لما فيه وخاصة في أخباره عن الأمم وأنبيائها. وقوله: {في زبر الأولين} أي كتب الرسل السالفين، أي أن القرآن كائن في كتب الأنبياء السالفين مثل التوراة والإنجيل والزبور، وكتب الأنبياء التي نعلمها إجمالاً. ومعلوم أن ضمير القرآن لا يراد به ذات القرآن، أي ألفاظه المنزلة على النبي صلى الله عليه وسلم إذ ليست سور القرآن وآياته مسطورة في زبر الأولين بلفظها كله فتعين أن يكون الضمير للقرآن باعتبار اسمه ووصفه الخاص أو باعتبار معانيه. فأما الاعتبار الأوّل فالضمير مؤول بالعَود إلى اسم القرآن كقوله تعالى: {أية : الرسول النبي الأمّي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل}تفسير : [الأعراف: 157]، أي يجدون اسمه ووصفه الذي يُعيِّنه. فالمعنى أن ذكر القرآن وارد في كتب الأولين، أي جاءت بشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم وأنه رسول يجيء بكتاب. ففي سفر التثنية من كتب موسى عليه السلام في الإصحاح الثامن عشر قول موسى: «قال لي الرب: أقيم لهم نبيئاً من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به» إذ لا شك أن إخوة بني إسرائيل هم العرب كما ورد في سفر التكوين في الإصحاح السادس عشر عند ذكر الحمل بإسماعيل «وأمام جميع إخوته يسكن» أي لا يسكن معهم ولكن قُبالتهم. ولم يأت نبي بوحي مثل موسى بشرع كشرع موسى غير محمد صلى الله عليه وسلم وكلام الله المجعول في فمه هو القرآن الموحَى به إليه وهو يتلوه. وفي إنجيل متَّى الإصحاح الرابع والعشرين قال عيسى عليه السلام: «ويقومُ أنبياء كذَبةٌ كثيرون ويُضلون كثيراً.... ولكن الذي يَصبر إلى المنتهَى (أي يدوم إلى آخر الدهر أي دينه إذ لا خلود للأشخاص) فهذا يخلص ويكْرَز (أي يدعو) ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة (أي الأرض المأهولة) شهادةً لجميع الأمم (رسالة عامة) ثم يأتي المنتهى (أي نهاية العالم)». فالبشارة هي الوحي وهو القرآن وهو الكتاب الذي دعا جميع الأمم، قال تعالى: {أية : كتاب أنزلناه إليك لتُخرج الناسَ من الظلمات إلى النور}تفسير : [إبراهيم: 1] وقال: {أية : ولقد صرّفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل}تفسير : [الإسراء: 89]. وفي إنجيل يوحنا قول المسيح الإصحاح الرابع عشر: «وأنا أطلب من الأب فيعطيكم مُعَزياً (أي رسولاً) آخرَ ليمكث معكم إلى الأبد (هذا هو دوام الشريعة) روحُ الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله (إشارة إلى تكذيب المكذبين) لأنه لا يراه ولا يعرفه». ثم قال: «وأما المعزي الروحُ القدس الذي سيُرسله الأبُ باسمي (أي بوصف الرسالة) فهو يُعلمكم كلَّ شيء ويذكركم بكل ما قلتُه لكم (وهذا التعليم لكل شيء هو القرآن ما فرطنا في الكتاب من شيء)». وأما الاعتبار الثاني فالضمير مؤوّل بمعنى مسماه كقولهم: عندي درهم ونصفه، أي نصف مسمى درهم فكما يطلق اسم الشيء على معناه نحو {أية : إليه يصعد الكلم الطيب}تفسير : [فاطر: 10] وقوله: {أية : واذكر في الكتاب إبراهيم}تفسير : [مريم: 41] أي أحواله، كذلك يطلق ضمير الاسم على معناه، فالمعنَى: أن ما جاء به القرآن موجود في كتب الأولين. وهذا كقول الإنجيل آنفاً «ويذكّركم بكل ما قلته لكم»، ولا تجد شيئاً من كلام المسيح عليه السلام المسطور في الأناجيل غير المحرف عنه إلا وهو مذكور في القرآن، فيكون الضمير باعتبار بعضه كقوله: {أية : شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً}تفسير : [الشورى: 13] الآية. والمقصود: أن ذلك آية على صدق أنه من عند الله. وهذا معنى كون القرآن مصدِّقاً لما بين يديه. وقوله: {أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل} تنويه ثالث بالقرآن وحجة على التنويه الثاني به الذي هو شهادة كتب الأنبياء له بالصدق، بأن علماء بني إسرائيل يعلمون ما في القرآن مما يختص بعلمهم، فباعتبار كون هذه الجملة تنويهاً آخر بالقرآن عطفت على الجملة التي قبلها ولولا ذلك لكان مقتضى كونها حجة على صدق القرآن أن لا تعطف. وفعل: {يعلمه} شامل للعلم بصفة القرآن، أي تحقق صدق الصفات الموصوف بها من جاء به، وشامل للعلم بما يتضمنه ما في كتبهم. وضمير {أن يعلمه} عائد إلى القرآن على تقدير: أن يعلم ذكره. ويجوز أن يعود على الحكم المذكور في قوله: {وإنه لفي زبر الأولين}.

د. أسعد حومد

تفسير : (196) - وقدْ وردَ ذِكْرُ هذَا القُرآنِ والتَّنْويهُ بهِ في كُتُب الأُوَّلينَ المَأْثُورَةِ عن أَنبيَائِهِم الَّذِينَ بَشَّرُوا بهِ في سَالِفِ الأيامِ، كَمَا أخَذَ اللهُ الميثاقَ عليْهِمْ بأنْ يُؤْمِنُوا بِهِ. (الزُّبُرُ - الكُتُبُ ومثْلُه قولُهُ تعالى {أية : وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ} تفسير : أيْ إِنَّهُ مُسَجَّلٌ في صُحُفِ المَلاَئِكَةِ). زُبُرِ الأولينَ - كُتُبِ الأنْبِيَاءِ السَّابِقينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الضمير في {وَإِنَّهُ ..} [الشعراء: 196] يصح أنْ يعود على القرآن كسابقه، ويصح أنْ يعود على رسول الله، ومعنى {زُبُرِ ..} [الشعراء: 196] جمع زبور يعني: مكتوب مسطور، ولو أن العقول التي عارضتْ رسول الله، وأنكرتْ عليه رسالته، وأنكرتْ عليه معجزته فَطِنوا إلى الرسالات السابقة عليه مباشرة، وهي: اليهودية والنَصرانية في التوراة والإنجيل لوجبَ عليهم أنْ يُصدِّقوه؛ لأنه مذكور في كتب الأولين. كما قال سبحانه في موضع آخر: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ}تفسير : [الأعلى: 18-19]. فالمبادىء العامة من العقائد والأخلاق والعدل الإلهي وقصص الأنبياء كلها أمور ثابتة في كل الكتب وعند جميع الأنبياء، ولا يتغير إلا الأحكام من كتاب لآخر، لتناسب العصر والأوان الذي جاءتْ فيه. وحين تقرأ قوله تعالى: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ ..}تفسير : [الشورى: 13]. تقول: ولماذا - إذن - نزل القرآن؟ ولماذا لم يَقُل وصَّينا به محمداً؟ قالوا: لأن الأحكام ستتغير؛ لتناسب كل العصور التي نزل القرآن لهدايتها، ولكل الأماكن، ولتناسب عمومية الإسلام. لذلك رُوِي عن عبد الله بن سلام وآخر اسمه ابن يامين، وكانوا من أهل الكتاب، وشهد كلاهما أنه رأى ذكر محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة، وفي الإنجيل. والقرآن يقول عنهم: {أية : يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ..}تفسير : [البقرة: 146]. ولما سمعها ابن سلام قال: ربنا تساهل معنا في هذه المسألة، فوالله إني لأعرفه كمعرفتي لولدي، ومعرفتي لمحمد أشد. ويقول تعالى في هذا المعنى: {أية : ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ ..}تفسير : [الأعراف: 157]. ويقول سبحانه على لسان عيسى عليه السلام حين يقف خطيباً في قومه: {أية : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ ..}تفسير : [الصف: 6]. إذن: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ} [الشعراء: 196] أي: محمد صلى الله عليه وسلم أو هو القرآن الكريم، فكلاهما صحيح؛ لأن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم موجودة في هذه الكتب، أو القرآن في عموم مبادئه في العقائد والأخلاق والبعث وسير الأنبياء. فكان الواجب على الذين جاءهم القرآن أنْ يؤمنوا به، خاصة وأن رسول الله كان أمياً لم يجلس إلى معلم، وتاريخه في ذلك معروف لهم، حيث لم يسبق له أن قرأ أو كتب شيئاً. والقرآن يؤكد هذه المسألة، فيقول تعالى مخاطباً نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم: {أية : وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ}تفسير : [العنكبوت: 48]. {أية : وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}تفسير : [القصص: 45]. {أية : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ ..}تفسير : [القصص: 44]. {أية : وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ..}تفسير : [آل عمران: 44]. فكل هذه الآيات وغيرها دليل على أنه صلى الله عليه وسلم لا عِِْلمَ له بها إلا بواسطة الوَحْي المباشر في القرآن الكريم، وكان على القوم أن يؤمنوا به أول ما سمعوه. ثم يقول الحق سبحانه: {أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ ...}.