Verse. 3145 (AR)

٢٦ - ٱلشُّعَرَاء

26 - Ash-Shu'ara (AR)

فَلَا تَدْعُ مَعَ اللہِ اِلٰـہًا اٰخَرَ فَتَكُوْنَ مِنَ الْمُعَذَّبِيْنَ۝۲۱۳ۚ
Fala tadAAu maAAa Allahi ilahan akhara fatakoona mina almuAAaththabeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين» إن فعلت ذلك الذي دعوك إليه.

213

Tafseer

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى آمراً بعبادته وحده لا شريك له، ومخبراً أن من أشرك به، عذبه. ثم قال تعالى آمراً لرسوله صلى الله عليه وسلم أن ينذر عشيرته الأقربين، أي: الأدنين إليه، وأنه لا يخلص أحداً منهم إلا إيمانه بربه عز وجل، وأمره أن يلين جانبه لمن اتبعه من عباد الله المؤمنين، ومن عصاه من خلق الله، كائناً من كان فليتبرأ منه، ولهذا قال تعالى: {فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّى بَرِىۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} وهذه النذارة الخاصة لا تنافي العامة، بل هي فرد من أجزائها؛ كما قال تعالى: {أية : لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} تفسير : [يس: 6]، وقال تعالى: {أية : لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا} تفسير : [الشورى: 7] وقال تعالى: {أية : وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ} تفسير : [الأنعام: 51]، وقال تعالى: {أية : لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً} تفسير : [مريم: 97]، وقال تعالى: {أية : لأُِنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} تفسير : [الأنعام: 19]، كما قال تعالى: {أية : وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ} تفسير : [هود: 17]. وفي "صحيح مسلم": «حديث : والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة؛ يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي، إلا دخل النار» تفسير : وقد وردت أحاديث كثيرة في نزول هذه الآية الكريمة فلنذكرها: (الحديث الأول) قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما أنزل الله عز وجل: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} أتى النبي صلى الله عليه وسلم الصفا، فصعد عليه ثم نادى: «حديث : يا صباحاه» تفسير : فاجتمع الناس إليه، بين رجل يجيء إليه، وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني لؤي، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الجبل، تريد أن تغير عليكم، صدقتموني؟» تفسير : قالوا: نعم. قال: «حديث : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» تفسير : فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم، أما دعوتنا إلا لهذا؟ وأنزل الله: {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} تفسير : [المسد: 1]، ورواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن الأعمش به. (الحديث الثاني) قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت: لما نزلت: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : يا فاطمة بنة محمد، يا صفية بنة عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئاً، سلوني من مالي ما شئتم» تفسير : انفرد بإخراجه مسلم. (الحديث الثالث) قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، حدثنا عبد الملك بن عمير عن موسى بن طلحة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً، فعم وخص، فقال: «حديث : يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني والله لا أملك لكم من الله شيئاً، إلا أن لكم رحماً سأبلها ببلالها»تفسير : . ورواه مسلم والترمذي من حديث عبد الملك بن عمير به. وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه، ورواه النسائي من حديث موسى بن طلحة مرسلاً، ولم يذكر فيه أبا هريرة، والموصول هو الصحيح، وأخرجاه في "الصحيحين" من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا محمد، يعني: ابن إسحاق، عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يا بني عبد المطلب اشتروا أنفسكم من الله، يا صفية عمة رسول الله ويا فاطمة بنت رسول الله اشتريا أنفسكما من الله، فإني لا أغني عنكما من الله شيئاً، سلاني من مالي ما شئتما» تفسير : تفرد به من هذا الوجه، وتفرد به أيضاً عن معاوية عن زائدة، عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، ورواه أيضاً عن حسن: حدثنا ابن لهيعة عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعاً، وقال أبو يعلى: حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا همام بن إسماعيل عن موسى بن وردان عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم«حديث : يا بني قصي، يا بني هاشم، يا بني عبد مناف، أنا النذير، والموت المغير، والساعة الموعد».تفسير : (الحديث الرابع) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد التيمي عن أبي عثمان عن قبيصة بن مخارق وزهير بن عمرو، قالا: لما نزلت: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم رضمة من جبل، على أعلاها حجر، فجعل ينادي: «حديث : يا بني عبد مناف، إنما أنا نذير، وإنما مثلي ومثلكم كرجل رأى العدو، فذهب يربأ أهله يخشى أن يسبقوه، فجعل ينادي ويهتف: يا صباحاه» تفسير : ورواه مسلم والنسائي من حديث سليمان بن طرخان التيمي عن أبي عثمان عبد الرحمن بن مُلّ النهدي، عن قبيصة وزهير بن عمرو الهلالي به. (الحديث الخامس) قال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شريك عن الأعمش عن المنهال عن عباد بن عبد الله الأسدي عن علي رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} جمع النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بيته، فاجتمع ثلاثون، فأكلوا وشربوا، قال: وقال لهم: «حديث : من يضمن عني ديني ومواعيدي، ويكون معي في الجنة، ويكون خليفتي في أهلي؟» تفسير : فقال رجل لم يسمه شريك: يا رسول الله أنت كنت بحراً، من يقوم بهذا؟ قال: ثم قال الآخر ــــ ثلاثاً ــــ قال: فعرض ذلك على أهل بيته، فقال علي: أنا. (طريق أخرى بأبسط من هذا السياق) قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا عثمان بن المغيرة عن أبي صادق عن ربيعة بن ماجد عن علي رضي الله عنه قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ أو دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ بني عبد المطلب، وهم رهط، وكلهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق، فصنع لهم مداً من طعام، فأكلوا حتى شبعوا، وبقي الطعام كما هو كأنه لم يمس، ثم دعا بعُسّ فشربوا حتى رووا، وبقي الشراب كأنه لم يمس، أو لم يشرب، وقال: «حديث : يابني عبد المطلب، إني بعثت إليكم خاصة، وإلى الناس عامة، فقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي؟» تفسير : قال: فلم يقم إليه أحد، قال: فقمت إليه، وكنت أصغر القوم، قال: فقال: «حديث : اجلس» تفسير : ثم قال ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه، فيقول لي: «حديث : اجلس»تفسير : حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي. (طريق أخرى أغرب وأبسط من هذا السياق بزيادات أخر) قال الحافظ أبو بكر البيهقي في "دلائل النبوة": أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال: حدثني من سمع عبد الله بن الحارث بن نوفل، واستكتمني اسمه، عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : عرفت أني إن بادأتُ بها قومي، رأيت منهم ما أكره، فصمت، فجاءني جبريل عليه السلام فقال: يا محمد إنك إن لم تفعل ما أمرت به، عذبك ربك» تفسير : قال علي رضي الله عنه: فدعاني، فقال: «حديث : يا علي إن الله تعالى قد أمرني أنذر عشيرتي الأقربين، فعرفت أني إن بادأتهم بذلك، رأيت منهم ما أكره، فصمت عن ذلك، ثم جاءني جبريل فقال: يا محمد إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك، فاصنع لنا يا علي شاة على صاع من طعام، وأعد لنا عس لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب» تفسير : ففعلت، فاجتمعوا إليه، وهم يومئذ أربعون رجلاً، يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب الكافر الخبيث، فقدمت إليهم تلك الجفنة، فأخذ منها رسول الله صلى الله عليه وسلم حِذْيَة فشقها بأسنانه، ثم رمى بها في نواحيها، وقال: «حديث : كلوا بسم الله» تفسير : فأكل القوم حتى نهلوا عنه ما يرى إلا آثار أصابعهم، والله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : اسقهم يا علي» تفسير : فجئت بذلك القعب، فشربوا منه حتى نهلوا جميعاً، وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم، بدره أبو لهب إلى الكلام، فقال: لَهَدّ ما سحركم صاحبكم، فتفرقوا، ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما كان من الغد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يا علي عد لنا بمثل الذي كنت صنعت بالأمس من الطعام والشراب، فإن هذا الرجل قد بدرني إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم» تفسير : ففعلت، ثم جمعتهم له، فصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صنع بالأمس، فأكلوا حتى نهلوا عنه، وايم الله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : اسقهم يا علي» تفسير : فجئت بذلك القعب، فشربوا منه حتى نهلوا جميعاً، وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم، بدره أبو لهب بالكلام، فقال: لَهَدّ ما سحركم صاحبكم، فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما كان من الغد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يا علي عد لنا بمثل الذي كنت صنعت لنا بالأمس من الطعام والشراب، فإن هذا الرجل قد بدرني إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم» تفسير : ففعلت ثم جمعتهم له، فصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صنع بالأمس، فأكلوا حتى نهلوا، ثم سقيتهم من ذلك القعب حتى نهلوا عنه، وايم الله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها، ويشرب مثلها، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شاباً من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة» تفسير : قال أحمد بن عبد الجبار: بلغني أن ابن إسحاق إنما سمعه من عبد الغفار بن القاسم بن أبي مريم عن المنهال عن عمرو عن عبد الله بن الحارث. وقد رواه أبو جعفر بن جرير عن ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق، عن عبد الغفار بن القاسم بن أبي مريم عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب فذكر مثله، وزاد بعد قوله: «حديث : إني جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي وكذا وكذا؟» تفسير : قال: فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت ــــ وإني لأحدثهم سناً، وأرمصهم عيناً، وأعظمهم بطناً، وأحمشهم ساقاً ــــ: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي ثم قال: «حديث : إن هذا أخي، وكذا وكذا، فاسمعوا له وأطيعوا» تفسير : قال: ثم قام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع. تفرد بهذا السياق عبد الغفار بن القاسم أبي مريم، وهو متروك كذاب شيعي، اتهمه علي بن المديني وغيره بوضع الحديث، وضعفه الآئمة رحمهم الله. (طريق أخرى) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، أخبرنا الحسين بن عيسى بن ميسرة الحارثي، حدثنا عبد الله بن عبد القدوس عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث قال: قال علي رضي الله عنه: لما نزلت هذه الآية: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : اصنع لي رجل شاة بصاع من طعام، وإناء لبناً» تفسير : قال: ففعلت، ثم قال: «حديث : ادع بني هاشم» تفسير : قال: فدعوتهم، وإنهم يومئذٍ أربعون غير رجل، أو أربعون ورجل، قال: وفيهم عشرة كلهم يأكل الجذعة بإدامها، قال: فلما أتوا بالقصعة، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذروتها، ثم قال: «حديث : كلوا»تفسير : ، فأكلوا حتى شبعوا، وهي على هيئتها، لم يرزؤوا منها إلا اليسير، قال: ثم أتيتهم بالإناء فشربوا حتى رووا، قال: وفضل فضل، فلما فرغوا، أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتكلم، فبدروه الكلام، فقالوا: ما رأينا كاليوم في السحر. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «حديث : اصنع لي رجل شاة بصاع من طعام» تفسير : فصنعت، قال: فدعاهم، فلما أكلوا وشربوا، قال: فبدروه فقالوا مثل مقالتهم الأولى، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال لي: «حديث : اصنع لي رجل شاة بصاع طعام» تفسير : فصنعت، قال: فجمعتهم، فلما أكلوا وشربوا، بدرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلام، فقال: «حديث : أيكم يقضي عني دَيْني، ويكون خليفتي في أهلي؟» تفسير : قال: فسكتوا، وسكت العباس خشية أن يحيط ذلك بماله، قال: وسكت أنا؛ لسن العباس. ثم قالها مرة أخرى، فسكت العباس، فلما رأيت ذلك، قلت: أنا يا رسول الله فقال: أنت قال: وإني يومئذٍ لأسوأهم هيئة، وإني لأعمش العينين، ضخم البطن، خمش الساقين، فهذه طرق متعددة لهذا الحديث عن علي رضي الله عنه، ومعنى سؤاله صلى الله عليه وسلم لأعمامه وأولادهم أن يقضوا عنه دينه، ويخلفوه في أهله، يعني: إن قتل في سبيل الله، كأنه خشي إذا قام بأعباء الإنذار أن يقتل، فلما أنزل الله تعالى: {أية : يَـٰۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [المائدة: 67] فعند ذلك أمن، وكان أولاً يحرس حتى نزلت هذه الآية: {أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [المائدة: 67] ولم يكن أحد في بني هاشم إذ ذاك أشد إيماناً وإيقاناً وتصديقاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم من علي رضي الله عنه، ولهذا بدرهم إلى التزام ما طلب منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم كان بعد هذا ــــ والله أعلم ــــ دعاؤه الناس جهرة على الصفا، وإنذراه لبطون قريش عموماً وخصوصاً، حتى سمى من سمى من أعمامه وعماته وبناته؛ لينبه بالأدنى على الأعلى، أي: إنما أنا نذير، والله يهدي من يشاء إلى صرط مستقيم. وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الواحد الدمشقي من طريق عمرو بن سمرة، عن محمد بن سوقة عن عبد الواحد الدمشقي قال: رأيت أبا الدرداء رضي الله عنه يحدث الناس ويفتيهم، وولده إلى جنبه، وأهل بيته جلوس في جانب المسجد يتحدثون، فقيل له: ما بال الناس يرغبون فيما عندك من العلم، وأهل بيتك جلوس لاهين؟ فقال: لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : أزهد الناس في الدنيا الأنبياء، وأشدهم عليهم الأقربون» تفسير : وذلك فيما أنزل الله عز وجل، قال تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} ــــ إلى قوله ــــ {فَإِن ْعَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّى بَرِىۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ}. وقوله تعالى: {وَتَوكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ} أي في جميع أمورك؛ فإنه مؤيدك وحافظك، وناصرك ومظفرك ومعلي كلمتك. وقوله تعالى: {ٱلَّذِى يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} أي: هو معتن بك كما قال تعالى: {أية : وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} تفسير : [الطور: 48] قال ابن عباس: {ٱلَّذِى يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} يعني: إلى الصلاة. وقال عكرمة: يرى قيامه وركوعه وسجوده. وقال الحسن: {ٱلَّذِى يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} إذا صليت وحدك، وقال الضحاك: {ٱلَّذِى يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} أي: من فراشك أو مجلسك. وقال قتادة: {ٱلَّذِى يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} قائماً وجالساً وعلى حالاتك. وقوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ} قال قتادة: {ٱلَّذِى يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ} قال: في الصلاة يراك وحدك، ويراك في الجمع، وهذا قول عكرمة وعطاء الخراساني والحسن البصري. وقال مجاهد: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى من خلفه كما يرى من أمامه، ويشهد لهذا ما صح في الحديث: «حديث : سووا صفوفكم فإني أراكم من وراء ظهري» تفسير : وروى البزار وابن أبي حاتم من طريقين عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: يعني تقلبه من صلب نبي إلى صلب نبي حتى أخرجه نبياً. وقوله تعالى: {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} أي: السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وسكناتهم، كما قال تعالى: {أية : وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} تفسير : [يونس: 61] الآية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهاً ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْمُعَذَّبِينَ } إن فعلت ذلك الذي دَعوْك إليه.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} فيه أربعة أوجه: أحدها: حين تقوم في الصلاة، قاله ابن عباس. الثاني: حين تقوم من فراشك ومجلسك، قاله الضحاك. الثالث: يعني قائماً وجالساً وعلى حالاتك كلها، قاله قتادة. الرابع: يعني حين تخلو، قاله الحسن، ويكون القيام عبارة عن الخلوة لوصوله إليها بالقيام عن ضدها. قوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} فيه ستة تأويلات: أحدها: من نبي إلى نبي حتى أخرجك نبياً، قاله ابن عباس. الثاني: يرى تقلبك في صلاتك وركوعك وسجودك، حكاه ابن جرير. الثالث: أنك ترى تقلبك في صلاتك من خلفك كما ترى بعينك من قدامك، قاله مجاهد. الرابع: معناه وتصرفك في الناس، قاله الحسن لتقلبه في أحواله وفي أفعاله. الخامس: تقلب ذكرك وصفتك على ألسنة الأنبياء من قبلك. السادس: أن معنى قوله {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} إذا صليت منفرداً {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} إذا صليت في الجماعة، قاله قتادة. ويحتمل سابعاً: الذي يراك حين تقوم لجهاد المشركين، {وَتَقَلُّبَكَ في السَّاجِدِينَ} فيما تريد به المسلمين وتشرعه من أحكام الدين.

اسماعيل حقي

تفسير : {فلا تدع مع الله الها آخر} اذا عرفت يا محمد حال الكفار فلا تعبد معه تعالى الها آخر {فتكون} [بس باشى اكر برستش ميكنى] {من المعذبين} خوطب به النبى عليه السلام مع ظهور استحالة وقوع المنهى عنه لانه معصوم تهيجا لعزيمته وحثا على ازدياد الاخلاص ولطفا بسائر المكلفين ببيان ان الاشراك من القبيح والسوء بحيث ينهى عنه من لايمكن صدوره منه فكيف بمن عداه وان من كان اكرم الخلق عليه اذا عذب على تقدير اتخاذ اله آخر فغيره اولى. وفى الخبر ان الله تعالى اوحى الى نبى من انبياء بنى اسرائيل يقال له ارميا بان يخبر قومه بان يرجعوا عن المعصية فانهم ان لم يرجعوا اهلكتهم فقال ارميا يارب انهم اولاد انبيائك اولاد ابراهيم واسحاق ويعقوب أفتهلكهم بذنوبهم قال الله تعالى انى انما اكرمت انبيائى لانهم اطاعونى ولو انهم عصونى لعذبتهم وان كان ابراهيم خليلى. قال فى التأويلات النجمية يشير الى ان عبادة غير الله من الدنيا والآخرة وطلبه بتوجه القلب اليه عمارة عذاب الله وهو البعد من الله ومن يطلب يكن عذابه اشد فكل طالب شىء يكون قريبا اليه بعيدا عما سواه فطالب الدنيا قريب من الدنيا بعيد عن الآخرة وطالب الآخرة قريب من الآخرة بعيد عن الله ولذا قال ابو سعيد الخراز قدس سره حسنات والابرار سيآت المقربين فالابرار اهل الجنة وحسانتهم طلب الجنة والمقربون اهل الله وحسناتهم طلب الله حده لا شريك له

الجنابذي

تفسير : {فَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ} يعنى اذا كان القرآن من الله من غير شراكةٍ لغيره، او اذا كان ولاية علىٍّ (ع) من الله فلا تدع مع الله او مع علىّ (ع) {إِلَـٰهاً} اى معبوداً او ذا ولاية {آخَرَ} وهذا على: ايّاك اعنى واسمعى يا جارة {فَتَكُونَ مِنَ ٱلْمُعَذَّبِينَ} مثل بنى اميّة الّذين عدلوا عن علىٍّ (ع) الى غيره فحتم لهم عذابٌ اليمٌ.

اطفيش

تفسير : {فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ} قد علم انه لا يدعو غير الله ولكنه نهاه عن دعاء غيره ليزيد في الاخلاص ولطفا بسائر المكلفين وقد علم الله أيضا من يدعو غيره منهم ومن لا يدعو وخاطبهم بخطابه على سبيل التعريض كذا ظهر لي ثم رأيت أن ابن عباس قال: يحذر الله بذلك غيره.

اطفيش

تفسير : يا محمد فان الحق معك فى التوحيد، والقرآن من الله حق، وخلاف ذلك باطل لا يؤثر فيك.

الالوسي

تفسير : خوطب به النبـي صلى الله عليه وسلم مع استحالة صدور المنهي عنه عليه الصلاة والسلام تهييجاً وحثاً لازدياد الإخلاص فهو كناية عن أخلص في التوحيد حتى لا ترى معه عز وجل سواه. وفيه لطف لسائر المكلفين ببيان أن الإشراك من القبح والسوء بحيث ينهى عنه من لم يمكن صدوره عنه فكيف بمن عداه. وكأن الفاء فصيحة أي إذا علمت ما ذكر فلا تدع مع الله إلهاً آخر.

ابن عاشور

تفسير : لما وجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: {أية : نَزَل به الروح الأمين على قلبك}تفسير : [الشعراء: 193، 194] إلى هنا، في آيات أشادت بنزول القرآن من عند الله تعالى وحققت صدقه بأنه مذكور في كتب الأنبياء السالفين وشهد به علماء بني إسرائيل، وأنحى على المشركين بإبطال ما ألصقوه بالقرآن من بهتانهم، لا جرم اقتضى ذلك ثبوت ما جاء به القرآن. وأصل ذلك هو إبطال دين الشرك الذي تقلدته قريش وغيرها وناضلت عليه بالأكاذيب؛ فناسب أن يتفرع عليه النهي عن الإشراك بالله والتحذير منه. فقوله: {فلا تدع مع الله إلٰهاً آخر} خطاب لغير معيّن فيعمّ كل من يسمع هذا الكلام، ويجوز أن يكون الخطاب موجهاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنه المبلغ عن الله تعالى فللاهتمام بهذا النهي وقع توجيهه إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع تحقق أنه منته عن ذلك، فتعين أن يكون النهي للذين هم متلبسون بالإشراك، ونظير هذا قوله تعالى: {أية : ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت لَيَحْبَطَنَّ عملُك ولتكونَنّ من الخاسرين}تفسير : [الزمر: 65]. والمقصود من مثل ذلك الخطاب غيره ممن يبلغه الخطاب. فالمعنى: فلا تدعوا مع الله إلهاً آخر فتكونوا من المعذبين. وفي هذا تعريض بالمشركين أنهم سيعذبون للعلم بأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه غير مشركين.

الشنقيطي

تفسير : قد أوضحنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً} تفسير : [الإسراء: 22] بالدليل القرآني أن النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب بمثل هذا الخطاب، والمراد التشريع لأمته مع بعض الشواهد العربية، وقوله هنا {فَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ} الآية. جاء معناه في آيات كثيرة كقوله: {لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً} وقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً} تفسير : [الإسراء: 39]، وقوله تعالى: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} تفسير : [الزمر: 65] إلى غير ذلك من الآيات.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: فلا تدع مع الله إلهاً آخر: أي لا تعبد مع الله إلهاً آخر، لأن الدعاء هو العبادة. وأنذر عشيرتك الأقربين: وهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب. واخفض جناحك: أي ألن جانبك. فإن عصوك: أي أبوا قبول دعوتك إلى التوحيد، ورفضوا ما تدعوهم إليه. فقل إني بريء مما تعملون: أي من عبادة غير الله سبحانه وتعالى. الذي يراك حين تقوم: أي إلى الصلاة فتصلي متهجداً بالليل وحدك. وتقلبك في الساجدين: أي ويرى تقلبك مع المصلين راكعاً ساجداً قائماً. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في طلب هداية قريش قوم محمد صلى الله عليه وسلم فقوله تعالى {فَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْمُعَذَّبِينَ} فيه إيحاء وإشارة واضحة بأنه تعريض بالمشركين الذين يدعون آلهة أصناماً وهي دعوة توقظهم من نومتهم إنه إذا كان رسول الله ينهى عن عبادة غير الله وإلا يعذب مع المعذبين فغيره من باب أولى فَكَأن الكلام جرى على حد إياك أعني واسمعي يا جارة!! وقوله تعالى {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} أمر من الله لرسوله أن يخص أولاً بإنذاره قرابته لأنهم أولى بطلب النجاة لهم من العذاب، وقد امتثل الرسول أمر ربه فقد ورد في الصحاح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم لما أنزل عليه {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} قال "حديث : يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله (يعني بالإِيمان والعمل الصالح بعد التخلي عن الشرك والمعاصي) فإِني لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله أي من عذابه شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً ". تفسير : وقوله تعالى {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أمره أن يلين جانبه للمؤمنين وأن يعطف عليهم ويُطايبهم ليرسخ الإِيمان في قلوبهم ويسلموا من غائلة الردة فيما لو عوملوا بالقسوة والشدة وهم في بداية الطريق إلى الله تعالى وقوله تعالى {فَإِنْ عَصَوْكَ} أي من أمرت بدعوتهم إلى توحيد الله وعبادته وخلع الأنداد والتخلي عن عبادتها {فَقُلْ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} أي من عبادة غير الله تعالى وغير راضٍ بذلك منكم ولا موافق عليه لأنه شرك حرام وباطل مذموم. وقوله تعالى {وَتَوكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ} أي الغالب القاهر الذي لا يمانع في شيء يريده الرحيم بالمؤمنين من عباده، والأمر بالتوكل هنا ضروري لأنه أمره بالبراءة من الشرك المشركين وهي حال تقتضي عداوته والكيد له بل ومحاربته ومن هنا وجب التوكل على الله والاعتماد عليه، وإلا فلا طاقة له بحرب قوم وهو فرد واحد وقوله {ٱلَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} أي في صلاتك وحدك {وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّاجِدِينَ} أي ويرى تقلبك قائماً وراكعاً وساجداً مع المصلين من المؤمنين. بمعنى أنه معك يسمع ويرى فتوكل عليه ولا تخف غيره وامض في دعوتك ومفاصلتك للمشركين. وقوله {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} تقرير لتلك المعية الخاصة إذ السميع لكل صوت والعليم بكل حركة وسكون يحق للعبد التوكل عليه وتفويض الأمر إليه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير التوحيد، وحرمة دعاء غير الله تعالى من سائر مخلوقاته لأنه الشرك الحرام. 2- من مات يدعو غير الله فهو معذب لا محالة مع المعذبين. 3- تقرير قاعدة البدء بالأقارب في كل شيء لأنهم ألصق بقريبهم من غيرهم. 4- مشروعية لين الجانب والتواضع للمؤمنين لا سيما الحديثو عهد بالإِسلام. 5- وجوب البراءة من الشرك وأهله. 6- وجوب التوكل على الله والقيام بما أوجبه الله تعالى. 7- فضل قيام الليل وصلاة الجماعة لما يحصل للعبد من معية الله تعالى.

القطان

تفسير : فلا تدعُ مع الله الها آخر: لا تعبد غير الله. واخفضْ جناحك: ترفّق بمن اتبعك من المؤمنين، وكن ليِّناً معهم. وتقلُّبك في الساجدين: يراك مع المصلين حين تصلّي. أخلِص العبادة لله وحده، ولا تشرك به سواه، كما يدعوك قومك، فإن فعلت ذلك كنتَ من المعذَّبين وانذر أقرب الناس اليك من عشريتك. روى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: "حديث : لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا، وأتى "الصَّفا" فصعد عليه ثم نادى: يا صباحاه، فاجتمع الناس إِليه، فقال: يا بني عبدِ المطّلب، يا بني فِهر، يا بني لؤي، أَرأيتم لو أخبرتكم ان خيلاً بسفح هذا الجبل تريد أَن تغير عليكم صدقتموني؟ قالوا: نعم، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أَبو لهب: تباً لك سائر اليوم، أَما دعوتنا إِلا لهذا؟ فأنزل الله تعالى: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} . تفسير : {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} ألنْ جانبك، وترفّق مع المؤمنين. {فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} فإن عصاك من انذرتَهم من العشيرة وغيرهم فلا ضير عليك، وقد أديت ما أُمرت به، وقل لهم اني بريء منكم ومن شِرككم بالله. وتوكل على الله وفوِّض جميع امورك اليه، وهو الذي يراك حين تقوم للعبادة، ويراك وانت تصلّي بين المصلين، انه هو السميع لدعائك وذكرك، العليم بنيّتك وعملك انت وجميع العباد واقوالهم وأفعالهم.

د. أسعد حومد

تفسير : (213) - يَأْمُرُ اللهُ تَعالى عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ بعبادَتِهِ وحْدَه لا شريكَ لهُ، ويُخْبِرُهُمْ أنَّهُ مَنْ أشرَكَ باللهِ عَذَّبَهُ. وجَاءَ الخِطَابُ للرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم والمَقْصُودُ بِهِ أُمَّتَهُ لأنَّ الرَّسُولَ معصومٌ من ذَلِك.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : خاطب الحق - تبارك وتعالى - نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله: {فَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ ..} [الشعراء: 213] فهل كان صلى الله عليه وسلم مظنة أن يدعو مع الله إلهاً آخر؟ قالوا: لا، إنما المراد ابتداء توجيه، وابتداء تكليف، كأنه يقول له: اجعل عندك مبدءًا، أنك لا تتخذ مع الله إلهاً آخر، لا أن الرسول اتخذ إلهاً، فجاء الوحي لينهاه، إنما هو بداية تشريع وتكليف، وإذا كان العظيم المرسَل صلى الله عليه وسلم يتوعده الله إنْ أراد أن يتخذ إلهاً آخر، فما بالك بمَنْ هو دونه؟ فساعَة يسمع الناس هذا الخطاب مُوجّهاً إلى النبي المرسَل إليهم، فلا بُدَّ أنْ يصغوا إليه، ويحذروا ما فيه من تحذير، كما لو وجَّه رئيس الدولة أمراً إلى رئيس الوزراء مثلاً - ولله المثل الأعلى - وحذَّره من عاقبة مخالفته، فلا شكَّ أن مَنْ دونه من الموظفين سيكون أطوع منه لهذا الأمر.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : ينهى تعالى رسوله أصلا وأمته أسوة له في ذلك، عن دعاء غير الله، من جميع المخلوقين، وأن ذلك موجب للعذاب الدائم، والعقاب السرمدي، لكونه شركاً، {أية : وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ } تفسير : والنهي عن الشيء، أمر بضده، فالنهي عن الشرك، أمر بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، محبة، وخوفا، ورجاء، وذلا وإنابة إليه في جميع الأوقات. ولما أمره بما فيه كمال نفسه، أمره بتكميل غيره فقال: { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ }. الذين هم أقرب الناس إليك، وأحقهم بإحسانك الديني والدنيوي، وهذا لا ينافي أمره بإنذار جميع الناس، كما إذا أمر الإنسان بعموم الإحسان، ثم قيل له " أحسن إلى قرابتك " فيكون هذا خصوصا دالا على التأكيد، وزيادة الحق، فامتثل صلى الله عليه وسلم، هذا الأمر الإلهي، فدعا سائر بطون قريش، فعمم وخصص، وذكرهم ووعظهم، ولم يُبْق صلى الله عليه وسلم من مقدوره شيئا، من نصحهم، وهدايتهم، إلا فعله، فاهتدى من اهتدى، وأعرض من أعرض. { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } بلين جانبك، ولطف خطابك لهم، وتوددك، وتحببك إليهم، وحسن خلقك والإحسان التام بهم، وقد فعل صلى الله عليه وسلم، ذلك كما قال تعالى: {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ } تفسير : فهذه أخلاقه صلى الله عليه وسلم، أكمل الأخلاق، التي يحصل بها من المصالح العظيمة، ودفع المضار، ما هو مشاهد، فهل يليق بمؤمن بالله ورسوله، ويدعي اتباعه والاقتداء به، أن يكون كلا على المسلمين، شرس الأخلاق، شديد الشكيمة عليهم ، غليظ القلب، فظ القول، فظيعه؟ [و] إن رأى منهم معصية، أو سوء أدب، هجرهم، ومقتهم، وأبغضهم، لا لين عنده، ولا أدب لديه، ولا توفيق، قد حصل من هذه المعاملة، من المفاسد، وتعطيل المصالح ما حصل، ومع ذلك تجده محتقرا لمن اتصف بصفات الرسول الكريم، وقد رماه بالنفاق والمداهنة، وقد كمَّل نفسه ورفعها، وأعجب بعمله، فهل هذا إلا من جهله، وتزيين الشيطان وخدعه له، ولهذا قال الله لرسوله: { فَإِنْ عَصَوْكَ } في أمر من الأمور، فلا تتبرأ منهم، ولا تترك معاملتهم، بخفض الجناح، ولين الجانب، بل تبرأ من عملهم، فعظهم عليه وانصحهم، وابذل قدرتك في ردهم عنه، وتوبتهم منه، وهذا لدفع احتراز وهم من يتوهم، أن قوله { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ } للمؤمنين، يقتضي الرضاء بجميع ما يصدر منهم، ما داموا مؤمنين، فدفع هذا بهذا والله أعلم.