٢٦ - ٱلشُّعَرَاء
26 - Ash-Shu'ara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
217
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَتَوَكَّلْ } بالواو والفاء {عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ } الله أي فوِّض إليه جميع أمورك.
ابن عطية
تفسير : قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر وشيبة "فتوكل" بالفاء وكذلك في مصاحف أهل المدينة والشام، والجمهور بالواو وكذلك في سائر المصاحف، وأمره الله تعالى بالتوكل عليه في كل أمره، ثم جاء بالصفات التي تؤنس المتوكل وهي العزة والرحمة المذكورتان في أواخر قصص الأمم المذكورة في هذه السورة. وضمنها نصر كل نبي على الكفرة والتهمم بأمره والنظر إليه، وقوله {الذي يراك حين تقوم}، {يراك} عبارة عن الإدراك، وظاهر الآية أراد قيام الصلاة، ويحتمل أن يريد سائر التصرفات وهو تأويل مجاهد وقتادة، وقوله {في الساجدين} قيل يريد أهل الصلاة أي صلاتك مع المصلين، قاله ابن عباس وعكرمة. وغيرهما، وقال أيضاً مجاهد يريد تقلبك أي تقليبك عينك وأبصارك الساجدين حين تراهم من وراء ظهرك. قال القاضي أبو محمد: وهذا معنى أجنبي هنا، وقال ابن عباس أيضاً وقتادة أراد تقلبك في المؤمنين فعبر عنهم بـ {الساجدين}، وقال ابن جبير أراد الأنبياء أي تقلبك كما تقلب غيرك من الأنبياء، وقوله تعالى: {هل أنبئكم} معناه قل لهم يا محمد هل أخبركم {على من تنزل الشياطين} وهذا استفهام توقيف وتقرير، و"الأفاك" الكذاب، و "الأثيم" الآثم. ويريد الكهنة لأنهم كانوا يتلقون من الشياطين الكلمة الواحدة التي سمعت من السماء، فيخلطون معها مائة كذبة، فإذا صدقت تلك الكلمة كانت سبب ضلالة لمن سمعها، وقوله {يلقون} يعني الشياطين، ويقتضي ذلك أن الشيطان المسترق أيضاً كان يكذب إلى ما سمع هذا في الأكثر، ويحتمل الضمير في {يلقون} أي يكون للكهنة فإفكهم وحالهم التي تقتضي نفي كلامهم عن كلام كتاب الله عقب ذلك بذكر {الشعراء} وحالهم لينبه على بعد كلامهم من كلام القرآن، إذ قال في القرآن بعض الكفرة إنه شعر، وهذه الكناية هي عن شعراء الجاهلية، حكى النقاش عن السدي أنها في ابن الزبعرى وأبي سفيان بن الحارث وهبيرة بن أبي وهب ومسافع الجمحي وأبي عزة وأمية بن أبي الصلت. قال القاضي أبو محمد: والأولان ممن تاب رضي الله عنهما، ويدخل في الآية كل شاعر مخلط يهجو ويمدح شهوة ويقذف المحصنات ويقول الزور، وقرأ نافع "يتْبعهم" بسكون التاء وهي قراءة أبي عبد الرحمن والحسن بخلاف عنه، وقرأ الباقون بشد التاء وكسر الباء، واختلف الناس في قوله {الغاوون}، فقال ابن عباس هم الرواة وقال ابن عباس أيضاً هم المستحسنون لأشعارهم المصاحبون لهم، وقال عكرمة هم الرعاع الذي يتبعون الشاعر ويتغنمون إنشاده وهذا أرجح الأقوال، وقال مجاهد وقتادة {الغاوون} الشياطين، وقوله {في كل واد يهيمون} عبارة عن تخليطهم وخوضهم في كل فن من غث الكلام وباطله وتحسينهم القبيح وتقبيحهم الحسن قاله ابن عباس وغيره، وقوله، {وأنهم يقولون ما لا يفعلون}، ذكر لتعاطيهم وتعمقهم في مجاز الكلام حتى يؤول إلى الكذب، وفي هذا اللفظ عذر لبعضهم أحياناً فإنه يروى أن النعمان بن عدي لما ولاه عمر بن الخطاب ميسان وقال لزوجته الشعر المشهور عزله عمر فاحتج عليه بقوله تعالى: {وأنهم يقولون ما لا يفعلون} فدرأ عنه عمر الحد في الخمر، وروى جابر ابن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حديث : من مشى سبع خطوات في شعر كتب من الغاوين تفسير : ذكره أسد بن موسى وذكره النقاش.
السلمي
تفسير : قال الجنيد رحمه الله: التوكل أن تقبل بالكلية على ربك وتعرض بالكلية عما دونه بالكلية فإن إليه حاجتك فى الدارين. سمعت عبد الله الرازى يقول: سمعت أبا عثمان يقول: التوكل مشتق من أصله، وأصله أن الله وكيل على كل شىء والوكيل هو الله، وهو الكافى فى جميع خلقه، فالتوكل هو الاكتفاء بالله مع الاعتماد عليه، والاستغناء به عن جميع خلقه لأن من سواه محتاج إليه، وهو الغنى الذى لم يزل، ولا يزال غنيًا. سمعت أبا عمر بن مطر يقول: سمعت أبا بكر البردعى يقول: سمعت النهرجورى يقول: المتوكل على الحقيقة، والصحة قد رفع مؤنته عن جميع الخلق فلا يشكو ما به ولا يذم من منعه، ولا يرى المنع والعطاء إلا من قبل الله. قال الجنيد رحمه الله: علامة التوكل انقطاع المطامع. قال أبو يزيد رحمه الله: التوكل كلما لحظته وجدته. وقال: التوكل قلت: عاش بلا علاقة. وقال: التوكل أن تفنى تدبيرك، فى تدبيره، وترضى بالله وكيلاً مدبرًا. قال الواسطى رحمه الله: فى قوله: {ٱلَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} [الآية: 128]. قال: أثبت الراوية فى حال الفقد والوجود لتعلم أنك لم تغب عن ملاحظات القدرة. سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت الكتانى يقول التوكل فى الظاهر، والأصل اتباع العلم، وفى الباطن والحقيقة استعمال اليقين. سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت أبا الحسين الرازى يقول: التوكل مقرون مع الإيمان، وكل إنسان توكله على قدر إيمانه فمن أراد التوكل فعليه بحفظ إيمانه مع إقامة النفس على أحكامه، ويستعمل الصبر، ويستعين بالله. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت محمد بن يعقوب الفرمى يقول: قال ابن عيينة: التوكل فى عقد الإيمان اعتماد القلب على الله. وقال بعضهم: التوكل فى عقد الإيمان، ولا تعرف الحقيقة بالصفة. وقال أبو سليمان الدارانى: أنا لا أعرف التوكل إلا بالصفة. قال بعضهم: التوكل هو القوة بالاعتماد واليقين. قال بعضهم: التوكل إسقاط الخوف والرجاء ممن سوى الله. وقال بعضهم: التوكل طرح النفس فى العبودية، وتعلق القلب بالربوبية، والنظر إلى الله بالكلية.
القشيري
تفسير : انْقَطِعْ إلينا، واعتصِمْ بِنا، وتوسَّل إلينا بِنا، وكن على الدوام بنا، فإذا قُلْتَ فَقُلْ بنا، وإذا صُلْتَ فَصُلْ بنا، واشهد بقلبك - وهو في قبضتنا - تتحققْ بأنك بنا ولنا. توكّلْ على {ٱلْعَزِيزِ} تَجِدْ العِزّةَ بتوكلك عليه في الدارين، فإِنّ العزيز مَنْ وثق بالعزيز. {ٱلرَّحِيمِ} الذي يقرِّبُ مَنْ تَقَرَّبَ إليه، ويُجْزِلُ البِرَّ لِمَنْ تَوسَّل به إليه.
اسماعيل حقي
تفسير : {وتوكل} فى جميع حالاتك {على العزيز} الذى لا يذل من والاه ولا يعز من عاداه فهو يقدر على قهر اعدائه {الرحيم} الذى يرحم من توكل عليه وفوض امره اليه بالظفر والنصرة فهو ينصر اولياءه ولا تتوكل على الغير فان الله تعالى هو الكافى لشر الاعداء لا الغير والتوكل على الله تعالى فى جميع الامور والاعراض عما سواه ليس الا من خواص الكمل جعلنا الله واياكم من الملحقين بهم ثم اتبع به قوله {الذى يراك} الخ لانه كالسبب لتلك ا لرحمة اى توكل على من يراك {حين تقوم} اى الى التهجد فى جوف الليل فان المعروف من القيام فى العرف الشرعى احياء الليل بالصلاة فيه. وفى الحديث "حديث : افضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل"تفسير : ، وعن عائشة رضى الله عنها ان النبى عليه السلام كان لايدع قيام الليل وكان اذا مرض او كسل صلى قاعدا. ومنها اذا فاتته الصلاة من الليل من وجع او غيره صلى من النهار ثنتى عشرة ركعة رواه مسلم. يقول الفقير هذا اى ما صلى عليه السلام فى النهار بدل ما فات منه فى الليل من ورد التهجد يدل على ان التهجد ليس كسائر النوافل بل له فضيلة على غيره ولذا يوصى باتيان بدله اذا فات مع ان النوافل لا تقضى
الجنابذي
تفسير : {وَتَوكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ} الّذى لا يقع فى ملكه الاّ ما يشاؤه يعنى اخرج من رؤية الافعال من الفاعلين وانظر فى جملة الافعال الى الفاعل الحقّ حتّى تشاهد انّ العامل هو يد الله فتكل امرك وامرهم اليه ولا تحزن على عصيانهم {ٱلرَّحِيمِ} الّذى لا يشاء لعباده الاّ ما هو صلاحهم ولا يشاء لاعدائه الاّ ما هو صلاح عباده المؤمنين او صلاح نظام العالم فلا تحزن على ما فيه صلاح عامله او صلاح المؤمنين او صلاح نظام الكلّ.
الهواري
تفسير : قوله: {وَتَوَكَّلْ عَلَى العَزِيزِ الرَّحِيمِ الذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} قال بعضهم. الذي يراك قائماً وجالساً وفي حالاتك. {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} أي: في الصلاة. وقال بعضهم: الذي يراك حين تقوم في الصلاة وحدك. {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} في صلاة الجميع. وقال بعضهم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى في الصلاة من خلفه كما يرى من بين يديه. ذكروا عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أحسنوا الركوع إذا ركعتم، وأحسنوا السجود إذا سجدتم، والذي نفسي بيده إني لأراكم من خلف ظهري كما أراكم من بين يدي في الرّكوع والسجود . تفسير : وقال بعضهم: {الذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} أي: حيث كنت.
اطفيش
تفسير : {وَتَوَكَّلْ} بالفاء عند نافع وابن عامر قاله الامام أبو عمرو الداني وهي قراءة المدينة والشام والفاء عاطفة على الجواب أو للاستئناف وقيل هي وما بعدها بدل من قوله (فقل) وقرأ الباقون بالواو. {عَلَى العَزِيزِ الرَّحِيمِ} ينصرك على من يعصيك والتوكل تفويض الرجال أمره إلى من يملك أمره ويقدر على نفعه وضره وقالوا: المتوكل من إن همه أمر لم يحاول دفعه بمعصية.
اطفيش
تفسير : يقهر أعداءك وينصرك عليهم، وذكر لفظ العزيز لأن وصف العزة أوفق بالتسلى عن المشاق التى لحقته من قومه، صلى الله عليه وسلم، ولأن العزة كالعلة المصححة للتوكل والرحمة، كالعلة الداعية اليه، والتوكل تفويض الأمر الى من يملكه، ويقدر على النفع والضر، والمتوكل من لم يحاول دفع ما أصابه من السوء بمعصية، وهو أدنى مراتب المتوكلين، وينبغى أن يضم الى ذلك نية شغل النفس، ونفع الخلق، وترك الدعوى. الثانى: تارك الأسباب التى لا يتعين محاولتها، لئلا تميل نفسه الى غير الله. الثالث: تاركها كذلك ثقة بما فرغ منه بالقضاء الأزلى بحيث يتحقق أن التوكل لا يمنع، والطلب لا ينفع، وعن الجنيد: التوكل أن تعرض بالكلية عما دونه، فان حاجتك اليه فى الدارين.
الالوسي
تفسير : فهو سبحانه يقهر من يعصيك منهم ومن غيرهم بعزته وينصرك برحمته، وتقديم وصف العزة قيل لأنه أوفق بمقام التسلي عن المشاق اللاحقة من القوم إليه صلى الله عليه وسلم، وجوز أن يكون ذلك لأن العزة كالعلة المصححة للتوكل والرحمة كالعلة الداعية إليه، وفسره غير واحد بتفويض الرجل أمره إلى من يملك أمره ويقدر على أن ينفعه ويضره. وقالوا: المتوكل من إن دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية لله تعالى، وذكر بعضهم أن هذا من أحط مراتب التوكل وأدناها، ونقل عن بعض العارفين أنه فيما بين الناس على ثلاث درجات. الأولى: التوكل مع الطلب ومعاطاة السبب على نية شغل النفس ونفع الخلق وترك الدعوى، والثانية: التوكل مع إسقاط الطلب وغض العين عن السبب اجتهاداً في تصحيح التوكل وقمع تشرف النفس تفرغاً إلى حفظ الواجبات. والثالثة: التوكل مع معرفة التوكل النازعة / إلى الخلاص من علة التوكل، وذلك أن يعلم أن الله تعالى لم يترك أمراً مهملاً بل فرغ من الأشياء كلها وقدرها وشأنه سبحانه سوق المقادير إلى المواقيت، فالمتوكل من أراح نفسه من كد النظر والمطالعة السبب سكوناً إلى ما سبق من القسمة مع استواء الحالين وهو أن يعلم أن الطلب لا ينفع والتوكل لا يمنع ومتى طالع بتوكله عوضاً كان توكله مدخولاً وقصده معلولاً وإذا خلص من رق الأسباب ولم يلاحظ في توكله سوى خالص حق الله تعالى كفاه الله تعالى كل مهم. وبين العلامة الطيبـي أن في قوله تعالى: {وَتَوَكَّلْ } الخ إشارة إلى المراتب الثلاث بما فيه خفاء. وفي مصاحف أهل المدينة والشام «فتوكل» بالفاء، وبه قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر وشيبة، وخرج على الإبدال من جواب الشرط. وجعل في «الكشاف» الفاء للعطف وما بعده معطوفاً على {أية : فَقُلْ }تفسير : [الشعراء: 216] أو {أية : فَلاَ تَدْعُ }تفسير : [الشعراء: 213] وما ذكر أولاً أظهر.
ابن عاشور
تفسير : وعطف الأمر بالتوكل بفاء التفريع في قراءة نافع وابن عامر وأبي جعفر فيكون تفريعاً على: {أية : فقل إني بريء مما تعملون}تفسير : [الشعراء: 216] تنبيهاً على المبادرة بالعوذ من شر أولئك الأعداء وتنصيصاً على اتصال التوكل بقوله: {إني بريء}. وقرأ الجمهور: {وتَوكل} بالواو وهو عطف على جواب الشرط، أي قل: إني بريء وتوكل، وعطفه على الجواب يقتضي تسببه على الشرط كتسبب الجواب وهو يستلزم البدار به، فمآل القراءتين واحد وإن اختلف طريق انتزاعه. والمعنى: فإن عصاك أهل عشيرتك فتبرأ منهم. ولما كان التبرؤ يؤذن بحدوث مجافاة وعداوة بينه وبينهم ثبَّت الله جأش رسوله بأن لا يعبأ بهم وأن يتوكل على ربه فهو كافيه كما قال: {أية : ومن يتوكل على الله فهو حسبه}تفسير : [الطلاق: 3]. وعلق التوكل بالاسمين {العزيز الرحيم} وما تبعهما من الوصف بالموصول وما ذيل به من الإيماء إلى أنه يُلاحظ قوله ويعلم نيتَه، إشارة إلى أن التوكل على الله يأتي بما أومأت إليه هذه الصفات ومستتبعاتها بوصف {العزيز الرحيم} للإشارة إلى أنه بعزته قادر على تغلبه على عدوّه الذي هو أقوى منه، وأنه برحمته يعصمه منهم. وقد لوحظ هذان الاسمان غير مرة في هذه السورة لهذا الاعتبار كما تقدم. والتوكل: تفويض المرء أمره إلى من يكفيه مهمه، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : فإذا عزمت فتوكّل على الله}تفسير : في سورة آل عمران (159). ووصفه تعالى: بـــ{الذي يراك حين تقوم} مقصود به لازم معناه. وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم بمحل العناية منه لأنه يعلم توجهه إلى الله ويقبل ذلك منه، فالمراد من قوله: {يَراك} رؤيةٌ خاصة وهي رؤية الإقبال والتقبل كقوله: {أية : فإنك بأعيننا}تفسير : [الطور: 48]. والقيام: الصلاة في جوف الليل، غلب هذا الاسم عليه في اصطلاح القرآن، والتقلب في الساجدين هو صلاته في جماعات المسلمين في مسجده. وهذا يجمع معنى العناية بالمسلمين تبعاً للعناية برسولهم، فهذا من بركته صلى الله عليه وسلم وقد جمعها هذا التركيب العجيب الإيجاز. وفي هذه الآية ذكر صلاة الجماعة. قال مقاتل لأبي حنيفة: هل تجد الصلاة في الجماعة في القرآن؟ فقال أبو حنيفة: لا يحضرني فتلاَ مقاتل هذه الآية. وموقع {إنه هو السميع العليم} موقع التعليل للأمر بــــ{أية : فقل إني بريء مما تعملون}تفسير : [الشعراء: 216]، وللأمر بــــ{توكل على العزيز الرحيم}، فصفة {السميع} مناسبة للقول، وصفة {العليم} مناسبة للتوكل، أي أنه يسمع قولك ويعلم عزمك. وضمير الفصل في قوله: {هو السميع العليم} للتقوية.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك، أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً، وتكون في الآية قرينة، تدل على عدم صحته، وذكرنا أمثلة متعددة لذلك في الترجمة وفيما مضى من الكتاب. وإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله هنا: {وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّاجِدِينَ} قال فيه بعض أهل العلم المعنى: وتقلبك في أصلاب آبائك الساجدين: أي المؤمنين بالله كآدم ونوح، وإبراهيم، وإسماعيل. واستدل بعضهم لهذا القول فيمن بعد إبراهيم من آبائه بقوله تعالى عن إبراهيم {أية : وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} تفسير : [الزخرف: 28] وممن روى عنه هذا القول ابن عباس نقله عنه القرطبي، وفي الآية قرينة تدل على عدم صحة هذا القول وهي قوله تعالى قبله مقترناً به {ٱلَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} فإنه لم يقصد به أنه يقوم في أصلاب الآباء إجماعاً، وأول الآية مرتبطة بآخرها: أي الذي يراك حين تقوم إلى صلاتك، وحين تقوم من فراشك، ومجلسك {وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّاجِدِينَ} أي المصلين، على أظهر الأقوال، لأنه صلى الله عليه وسلم، يتقلب في المصلين قائماً، وساجداص وراكعاً، وقال بعضهم: الذي يراك حين تقوم أي إلى الصلاة وحدك وتقلبك في الساجدين: أي المصلين إذا صليت بالناس. وقوله هنا: {ٱلَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} الآية. يدل على الاعتناء به صلى الله عليه وسلم، ويوضح ذلك قوله تعالى: {أية : وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَاً تَقُومُ} تفسير : [الطور: 48] الآية. وقوله: وتوكل قرأه عامة السبعة غير نافع وابن عامر: وتوكل بالواو، وقرأه نافع وابن عامر فتوكل بالفاء، وبعض نسخ المصحف العثماني فيها الواو وبعضها فيها الفاء، وقوله هنا: {وَتَوكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ} قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الفاتحة في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تفسير : [الفاتحة: 5]، وبسطنا إيضاحه بالآيات القرآنية مع بيان التوكل في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَآتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً} تفسير : [الإسراء: 2].
د. أسعد حومد
تفسير : (217) - وتوكَّلْ على اللهِ القويِّ العزيزِ، في جميعِ أُمُوْرِكَ، فإِنَّهُ مُؤَيِّدُكَ وحَافِظُكَ وناصِرُكَ، ومُظْفِرُكَ ومُعْلِي كَلِمَتِكَ بِعِزَّتِهِ ورَحْمَتِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فقد تقول: إنْ فعلتَ هذا قلَّ أنصاري وتفرَّق الأتباع والحاشية من حولي، نقول لك: إياك أنْ تظنَّ أنهم يجلبون لك نفعاً، أو يدفعون عنك ضراً، فالأمر كله بيده تعالى وبأمره، فخيرٌ لك أنْ تراعى الله، وأن تتوكل عليه. {وَتَوكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ} [الشعراء: 217] العزيز الذي يَغْلِب ولا يُغْلب، ويَقْهر ولا يُقهر، ومع ذلك فهو سبحانه رحيم بك وبهم. وصفة الرحمة هنا تنفي ما يظنه البعض أن العزة هنا تقتضي الجبروت أو القهر أو الظلم، فهو سبحانه في عِزَّته رحيم، لأن عزة العزيز على المتكبِّر رحمة بالمتكبَّر عليه. وكأن الحق - سبحانه وتعالى - يُعلِّم خليفته في أرضه خاصة أُولي الأمر منهم، يُعلِّمه أن يكون أريباً ناصحاً، يقول له: إياك أنْ تتوكّل على عبد مثلك إذا عجزتَ عن العمل؛ لأنه عاجز مثلك، وما دام الأمر كذلك فتوكَّل على العزيز الرحيم، فعِزَّته ورحمته لك أنت.
الجيلاني
تفسير : {وَ} إن عادوك وعاندوا معك إلى أن قصدوا منك {تَوكَّلْ} في دفعهم وكفاية مؤنتهم {عَلَى ٱلْعَزِيزِ} الغالب لقهر الأعداء، الغالب على غضبهم وانتقامهم بأنواع البلاء {ٱلرَّحِيمِ} [الشعراء: 217] على الأولياء، ينصرهم على أعدائهم، ويدفع عنهم شرورهم. وكيف لا يرحمك يا أكمل الرسل، ولا يكفيك مؤونة أعدائك {ٱلَّذِي يَرَاكَ} أي: القيوم القادر الذي يشاهد {حِينَ تَقُومُ} [الشعراء: 218] من منامك خلال الليل طلباً لمرضاته، ورفعاً لحاجاتك نحوه؟!. {وَ} يشاهد أيضاً {تَقَلُّبَكَ} وترددك جوف الليل في تفقد أحوال المؤمنين {فِي ٱلسَّاجِدِينَ} [الشعراء: 219] المتذللين نحو الحق، واضعين جباههم على تراب المذلة والانكسار شوقاً إليه وتحنناً نحوه من إفراط المودة، واشتعال نار العشق والمحبة الإلهية المطفئة لنيران الأهوية الفاسدة والآراء الباطلة. وكيف لا يتذللون إليه ولا يتحننون نحوه {إِنَّهُ} بذاته {هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لمناجاتهم وعرض حاجاتهم {ٱلْعَلِيمُ} [الشعراء: 220] بمقاصدهم وأغراضهم، وخلوص نياتهم وإخلاصهم في أعمالهم. وبعدما ردَّ سبحانه قول من قال: إن القرآن منزل من قبل الشياطين لا من الملائكة وأثبت أن إنزاله منه سبحانه، وإيصاله من الروح الأمين على الرسلو الأمين؛ إذ المناسبة بينهما مرعية، والمشاكلة مثبتة، أراد أن يشير سبحانه إلى أن تنزيل الشياطين وتسويلاتهم إنما هو لأوليائهم الذين كملت نسبتهم إليهم، وصحت مناسبتهم معهم. فقال: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ} وأخبركم أيها المسرفون المترددون في أمر القرآن وإعجازه وإنزاله من قبل الحق القادحون فيه بنسبته إلى تنزيل الشيطان، أو إلى الشعر الذي هو من جملة وساوسه وتخيلاته، مع أنه مشتمل على معارف وحقائق، ورموزات وشهودات لا يسع الإتيان بها والتعبير عنها إلا لمن هو علام الغيوب، مطلع على سرائر أرباب الكشف والشهود، أُخبركم {عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَاطِينُ} [الشعراء: 221] للإضلال والوسوسة، والتحريف عن طريق الحق، والتغرير بالأباطيل؟. {تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ} مبالغ في الإفك والافتراء {أَثِيمٍ} [الشعراء: 222] مغمور في الإثم والعصيان، وأنواع الفسوق والطغيان. ليتحقق مناسبته مع الشياطين الذين {يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ} للملائكة، ويصغون منهم بعض المغيبات لا على وجهها؛ غرضهم من الإصغاء الإفساد والرد لا الإصلاح والقبول {وَ} لذلك {أَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} [الشعراء: 223] فيما يسمعون ويلقون؛ إذ هم يحرفونه ويزيفون ترويجاً لما هم عليه من الفساد والإفساد، وتغريراً لأوليائهم بأنواع التغريرات. {وَ} من جملة أولياء الشياطين المنتسبون إليهم بالنسبة الكاملة الكاذبة: {ٱلشُّعَرَآءُ} المذبذبون بين الأنام بأكاذيب الكلام وأباطيله؛ لذلك {يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ} [الشعراء: 224] الضالون من جنود الشياطين، المستتبعون لهم؛ لترويج أباطيلهم الزائفة. {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ} ومن تابعهم من الغواة {فِي كُلِّ وَادٍ} من أودية الضلالة والطغيان {يَهِيمُونَ} [الشعراء: 225] يترددون حيارى تائهين بلا ثبات ولا قرار، مترددين في معاشهم ومعاهدهم. {وَأَنَّهُمْ} من غاية غفلتهم وسكرتهم في أمور معاشهم {يَقُولُونَ} بأفواههم، ويخبرون بألسنتهم تلقفاً {مَا لاَ يَفْعَلُونَ} [الشعراء: 226] من الأخلاق و الحكم والمواعظ، والرموز والإشارات التي تصدر عنهم هفوة، وهم لا يمتثلون بها أصلاً. {إِلاَّ} الشعراء {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بتوحيد الله، واتصفوا بالحكمة المعتدلة المودعة في قلوبهم، الظاهر أثرها من ألسنتهم، ومضوا على مقتضى الاعتدال المعنوي الذي جبلهم الحق عليه بلا تلعثم منهم، وتزلزل عن مقتضى فطرتهم {وَ} مع ذلك {عَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} من الأعمال المصلحة لمفاسدهم، المهذبة لأخلاقهم وأطوارهم {وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ} المستوي على صراط العدالة والاستقامة في أشعارهم وقصائدهم {كَثِيراً} في عموم أوقاتهم وحالاتهم؛ بل أكثر أشعارهم إنما هي لإثبات توحيد الحق ومعارفه وحقائقه ورموز أرباب الكشف والعرفان، والتذكيرات المتعلقة بترك المألوفات وقطع التعلقات المنافية لصفاء مشرب التوحيد. وبعض أشعارهم متعلق بردع أهل الأهواء والآراء، وهتك محارمهم وأعراضهم وتعداد مقابحهم وزذائلهم {وَ} ذلك بأنهم {ٱنتَصَرُواْ} بأشعارهم هذه {مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} من أيدي الجهلة، وألسنة الكفرة المتعنتين المستكبرين على أرباب المحبة والولاء من المنقطعين نحو الحق، السالكين في سبيل توحيده. {وَ} بالجملة: {سَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} على أهل الحق، وآذنوهم بالسنان واللسان وأنواع القدح والطغيان، ونسبوهم إلى الإلحاد والفساد، ورموهم بأنواع الفسوق والفساد مع أنهم على صرافة التوحيد متمكنون، ومن أمارات الكثرة والتقليد متنزهون، وسيعلم أولئك الرامون المفرطون المسرفون {أَيَّ مُنقَلَبٍ} أي: مرجع ومآب {يَنقَلِبُونَ} [الشعراء: 227] ويرجعون، أيدخلون إلى حضرة النيران والخذلان منكوسين، أم إلى روضة الرضا مسرورين؟. ألاَ أن أولياء الله {أية : لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}تفسير : [البقرة: 274]. خاتمة السورة عليك أيها السالك المراقب لاعتدال الأطوار والأخلاق والأعمال، وجميع الشئون والأحوال المتعلقة بنشأتي الدنيا والعقبى، أن تراجع ذوقك ووجدانك في جميع ما جرى عليك من الأحوال، وتتأمل فيها حق التأمل إلى أن تطلع بمبدئه ومنشئه، ثمَّ تتفكر في صدوره، هل هو على مقتضى الاعتدال والقسط الإلهي، أم على مقتضى الهوى الغالب الذي هو من جنود الأمَّارة المستمدة عن إغواء الشيطان وإغرائه؟. فإنه وجدته على مقتضى القسط الإلهي والعدل الجبلي، فطوبى لك، وإن وجدته القالعة لعرق الأماني، والمرادات المتعلقة بمستلذات الدنيا الفانية، وتواظب على أشق الطاعات وأتعب العبادات من صيام الأيم، ومشي الأقدام، وانقطاع صحبة الأنام، والاعتزال بين الجبال والآجام، والعكوف في الخلوات، والاشتغال بالميل والصلوات المقربة نحو الحق؛ حتى تعتدل أوصافك وأخلاقك، وتستقيم أفعالك وأحوالك، فحيئذٍ انكشف لك باب التوحيد، وانغلق عليك مداخل الرياء والسمعة والعُجب، وأنواع الكدورات اللاحقة من الخلطة والمؤانسة مع الناس، والمصاحبة معهم المكدرة لصفاء شرب التوحيد. واعلم يا أخي أن أرباب المحبة الكاملة والولاء التام، هم الذين يبذلون مهجهم في سلوك سبيل الفناء بلا التفات منهم إلى أحد من الناس، لا خيراً ولا شراً، ولا نفعاً ولا ضراً، بل هم من كمال حيرتهم واستغراقهم في مطالعة جمال الله وجلاله لا يلتفتون إلى نفوسهم، فكيف إلى غيرهم؟!. ولا يتيسر لك هذا إلا بتوفيق إلهي وجذب من جانبه، وبمتابعة حبيبه صلى الله عليه وسلم في أطواره وأخلاقه وجميع سننه وآثاره، وبملازمة خدمة مرشد كامل، منبه نبيه، يوقظك من منام غفلتك، ويرشدك إلى منتهى مقصدك وقبلتك. ربِّ هب لي من لدنك حكمةً وحكماً، وألحقني بالصالحين. تم الجزاء الثاني من تفسير القرآن الشريف لحضرة سلطان الأولياء على الإطلاق سيدي وسندي السيد الشيخ أبي محمد عبد القادر الجيلاني الشهير الذي ارتفع قدره وسما ذكره، رضي الله عنه وأرضاه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أعظم مساعد للعبد على القيام بما أمر به، الاعتماد على ربه، والاستعانة بمولاه على توفيقه للقيام بالمأمور، فلذلك أمر الله تعالى بالتوكل عليه فقال: { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ } والتوكل هو اعتماد القلب على الله تعالى، في جلب المنافع، ودفع المضار، مع ثقته به، وحسن ظنه بحصول مطلوبه، فإنه عزيز رحيم، بعزته يقدر على إيصال الخير، ودفع الشر عن عبده، وبرحمته به، يفعل ذلك. ثم نبهه على الاستعانة باستحضار قرب الله، والنزول في منزل الإحسان فقال: { الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ } أي: يراك في هذه العبادة العظيمة، التي هي الصلاة، وقت قيامك، وتقلبك راكعا وساجدا خصها بالذكر، لفضلها وشرفها، ولأن من استحضر فيها قرب ربه، خشع وذل، وأكملها، وبتكميلها، يكمل سائر عمله، ويستعين بها على جميع أموره. { إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ } لسائر الأصوات على اختلافها وتشتتها وتنوعها، { الْعَلِيمُ } الذي أحاط بالظواهر والبواطن، والغيب والشهادة. فاستحضار العبد رؤية الله له في جميع أحواله، وسمعه لكل ما ينطق به، وعلمه بما ينطوي عليه قلبه، من الهم، والعزم، والنيات، مما يعينه على منزلة الإحسان.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):