٢٦ - ٱلشُّعَرَاء
26 - Ash-Shu'ara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
221
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الله تعالى أعاد الشبهة المتقدمة وأجاب عنها من وجهين: الأول: قوله: {تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } وذلك هو الذي قررناه فيما تقدم أن الكفار يدعون إلى طاعة الشيطان، ومحمداً عليه السلام كان يدعو إلى لعن الشيطان والبراءة عنه والثاني: قوله: {يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَـٰذِبُونَ } والمراد أنهم كان يقيسون حال النبي صلى الله عليه وسلم على حال سائر الكهنة فكأنه قيل لهم إن كان الأمر على ما ذكرتم فكما أن الغالب على سائر الكهنة الكذب فيجب أن يكون حال الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك أيضاً، فلما لم يظهر في إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم عن المغيبات إلا الصدق علمنا أن حاله بخلاف حال الكهنة، ثم إن المفسرين ذكروا في الآية وجوهاً: أحدها: أنهم الشياطين روي أنهم كانوا قبل أن حجبوا بالرجم يسمعون إلى الملأ الأعلى فيختطفون بعض ما يتكلمون به مما اطلعوا عليه من الغيوب، ثم يوحون به إلى أوليائهم {وَأَكْثَرُهُمْ كَـٰذِبُونَ } فيما (يوحى) به إليهم، لأنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا وثانيها: يلقون إلى أوليائهم السمع أي المسموع من الملائكة وثالثها: الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين فيلقون وحيهم إليهم ورابعها: يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس، وأكثر الأفاكين كاذبون يفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم، فإن قلت {يُلْقُون } ما محله؟ قلت يجوز أن يكون في محل النصب على الحال أي تنزل ملقين السمع، وفي محل الجر صفة لكل أفاك لأنه في معنى الجمع، وأن لا يكون له محل بأن يستأنف كأن قائلاً قال: لم ننزل على الأفاكين؟ فقيل يفعلون كيت وكيت، فإن قلت كيف قال: {وَأَكْثَرُهُمْ كَـٰذِبُونَ } بعدما قضى عليهم أن كل واحد منهم أفاك؟ قلت: الأفاكون هم الذين يكثرون الكذب، لا أنهم الذين لا ينطقون إلا بالكذب، فأراد أن هؤلاء الأفاكين قل من يصدق منهم فيما يحكى عن الجن وأكثرهم يفتري عليهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } إنما قال: {تَنَزَّلُ} لأنها أكثر ما تكون في الهواء، وأنها تمر من الريح. {يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ } تقدم في «الحجر». فـ{ـيُلْقُونَ السَّمْعَ} صفة الشياطين {وَأَكْثَرُهُمْ} يرجع إلى الكهنة. وقيل: إلى الشياطين.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخاطباً لمن زعم من المشركين أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بحق، وأنه شيء افتعله من تلقاء نفسه، أو أنه أتاه به رئي من الجان، فنزه الله سبحانه وتعالى جناب رسوله عن قولهم وافترائهم، ونبه أن ما جاء به إنما هو من عند الله، وأنه تنزيله ووحيه، نزل به ملك كريم أمين عظيم، وأنه ليس من قبل الشياطين، فإنهم ليس لهم رغبة في مثل هذا القرآن العظيم، وإنما ينزلون على من يشاكلهم ويشابههم من الكهان الكذبة، ولهذا قال الله تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ} أي: أخبركم {عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَـٰطِينُ تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ} أي: كذوب في قوله، وهو الأفاك {أَثِيمٍ} وهو الفاجر في أفعاله. فهذا هو الذي تنزل عليه الشياطين من الكهان، وما جرى مجراهم من الكذبة الفسقة؛ فإن الشياطين أيضاً كذبة فسقة {يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ} أي: يسترقون السمع من السماء، فيسمعون الكلمة من علم الغيب، فيزيدون معها مائة كذبة، ثم يلقونها إلى أوليائهم من الإنس، فيحدثون بها، فيصدقهم الناس في كل ما قالوه بسبب صدقهم في تلك الكلمة التي سمعت من السماء؛ كما صح بذلك الحديث. كما رواه البخاري من حديث الزهري: أخبرني يحيى بن عروة بن الزبير: أنه سمع عروة بن الزبير يقول: قالت عائشة رضي الله عنها: سأل ناس النبي صلى الله عليه وسلم عن الكهان، فقال: «حديث : إنهم ليسوا بشيء» تفسير : قالوا: يا رسول الله فإنهم يحدثون بالشيء يكون حقاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني، فيقرقرها في أذن وليه كقرقرة الدجاج، فيخلطون معها أكثر من مائة كذبة»تفسير : . وروى البخاري أيضاً: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنها سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق، وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا بعضهم فوق بعض ــــ ووصف سفيان بيده، فحرفها وبدد بين أصابعه ــــ فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء» تفسير : تفرد به البخاري. وروى مسلم من حديث الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس، عن رجال من الأنصار قريباً من هذا، وسيأتي عند قوله تعالى في سبأ: {أية : حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} تفسير : [سبأ: 23] الآية. وقال البخاري: وقال الليث: حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال: أن أبا الأسود أخبره عن عروة عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن الملائكة تحدث في العنان ــــ والعنان: الغمام ــــ بالأمر في الأرض، فتسمع الشياطين الكلمة، فتقرها في أذن الكاهن كما تقر القارورة، فيزيدون معها مائة كذبة»تفسير : . ورواه البخاري في موضع آخر من كتاب "بدء الخلق" عن سعيد بن أبي مريم، عن الليث عن عبد الله بن أبي جعفر عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، عن عروة عن عائشة بنحوه. وقوله تعالى: {وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني: الكفار، يتبعهم ضلال الإنس والجن، وكذا قال مجاهد رحمه الله وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهما. وقال عكرمة: كان الشاعران يتهاجيان، فينتصر لهذا فئام من الناس، ولهذا فئام من الناس، فأنزل الله تعالى: {وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ}. وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ليث عن ابن الهاد عن يُحَنَّس مولى مصعب بن الزبير، عن أبي سعيد قال: بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج، إذ عرض شاعر ينشد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : خذوا الشيطان ــــ أو أمسكوا الشيطان ــــ لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلىء شعراً».تفسير : وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: في كل لغو يخوضون. وقال الضحاك عن ابن عباس: في كل فن من الكلام، وكذا قال مجاهد وغيره. وقال الحسن البصري: قد والله رأينا أوديتهم التي يهيمون فيها، مرة في شتيمه فلان، ومرة في مدحة فلان. وقال قتادة: الشاعر يمدح قوماً بباطل، ويذم قوماً بباطل. وقوله تعالى: {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ} قال العوفي عن ابن عباس: كان رجلان على عهد رسول الله أحدهما من الأنصار، والآخر من قوم آخرين، وإنهما تهاجيا، فكان مع كل واحد منهما غواة من قومه، وهم السفهاء، فقال الله تعالى: {وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ}. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أكثر قولهم يكذبون فيه. وهذا الذي قاله ابن عباس رضي الله عنه هو الواقع في نفس الأمر. فإن الشعراء يتبجحون بأقوال وأفعال لم تصدر منهم ولا عنهم، فيتكثرون بما ليس لهم، ولهذا اختلف العلماء رحمهم الله فيما إذا اعترف الشاعر في شعره بما يوجب حداً: هل يقام عليه بهذا الاعتراف أم لا، لأنهم يقولون ما لا يفعلون؟ على قولين. وقد ذكر محمد بن إسحاق ومحمد بن سعد في "الطبقات"، والزبير بن بكار في كتاب "الفكاهة": أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، استعمل النعمان بن عدي بن نضلة على ميسان من أرض البصرة، وكان يقول الشعر، فقال:شعر : أَلا هَلْ أَتى الحَسْناءَ أَنَّ خَليلَها بِمَيْسانَ يُسقى في زجاج وحَنْتَمِ إذا شِئْتُ غَنَّتْني دَهاقينُ قريةٍ ورقّاصَةٌ تحذو على كل مَبْسِمِ فإن كُنْتَ نَدماني فَبِالأَكْبَرِ اسْقِني ولا تَسْقِني بالأَصْغَرِ المُتَثَلِّمِ لَعَلَّ أميرَ المُؤمنينَ يَسوءُهُ تَنادُمُنا بالجَوْسَقِ المُتَهَدِّمِ تفسير : فلما بلغ ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إي والله إنه ليسوؤني ذلك، ومن لقيه، فليخبره أني قد عزلته، وكتب إليه عمر: بسم الله الرحمن الرحيم {أية : حـمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِي ٱلطَّوْلِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} تفسير : [غافر: 1 ــــ 3] ــــ أما بعد ــــ قد بلغني قولك:شعر : لَعَلَّ أميرَ المُؤمنين يَسوؤهُ تَنادُمُنا بالجَوْسَق المُتَهَدِّمِ تفسير : وايم الله إنه ليسوؤني، وقد عزلتك. فلما قدم على عمر، بَكَّتَه بهذا الشعر، فقال: والله يا أمير المؤمنين ما شربتها قط، وما ذاك الشعر إلا شيء طفح على لساني. فقال عمر: أظن ذلك، ولكن والله لا تعمل لي عملاً أبداً، وقد قلت ما قلت، فلم يذكر أنه حده على الشراب، وقد ضمنه شعره؛ لأنهم يقولون ما لا يفعلون، ولكنه ذمه عمر رضي الله عنه، ولامه على ذلك، وعزله به، ولهذا جاء في الحديث: «حديث : لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحاً يريه خير له من أن يمتلىء شعراً» تفسير : والمراد من هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أنزل عليه هذا القرآن، ليس بكاهن ولا بشاعر، لأن حاله مناف لحالهم من وجوه ظاهرة؛ كما قال تعالى: {أية : وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ} تفسير : [يس: 69] وقال تعالى: {أية : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الحاقة: 40 ــــ 43] وهكذا قال ههنا: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ} إلى أن قال: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَـٰطِينُ وَمَا يَنبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} إلى أن قال: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَـٰطِينُ تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَـٰذِبُونَ وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ}. وقوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} قال محمد بن إسحاق: عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي الحسن سالم البراد مولى تميم الداري قال: لما نزلت: {وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ} جاء حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يبكون، فقالوا: قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنا شعراء، فتلا النبي صلى الله عليه وسلم: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} قال: «حديث : أنتم»تفسير : ، {وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} قال: «حديث : أنتم»تفسير : ، {وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} قال: «حديث : أنتم» تفسير : رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من رواية ابن إسحاق. وقد روى ابن أبي حاتم أيضاً عن أبي سعيد الأشج عن أبي أسامة، عن الوليد بن أبي كثير عن يزيد عن عبد الله، عن أبي الحسن مولى بني نوفل: أن حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة، أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت هذه الآية: {وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ} يبكيان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرؤها عليهما: {وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ} حتى بلغ {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} قال: «حديث : أنتم».تفسير : وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن عروة قال: لما نزلت: {وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ} إلى قوله: {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ} قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله قد علم الله أني منهم، فأنزل الله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} الآية، وهكذا قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وزيد بن أسلم وغير واحد: أن هذا استثناء مما تقدم. ولا شك أنه استثناء، ولكن هذه السورة مكية، فكيف يكون سبب نزول هذه الآيات شعراء الأنصار؟ وفي ذلك نظر، ولم يتقدم إلا مرسلات لا يعتمد عليها، والله أعلم، ولكن هذا الاستثناء يدخل فيه شعراء الأنصار وغيرهم حتى يدخل فيه من كان متلبساً من شعراء الجاهلية بذم الإسلام وأهله، ثم تاب وأناب ورجع وأقلع وعمل صالحاً، وذكر الله كثيراً في مقابلة ما تقدم من الكلام السيــــىء؛ فإن الحسنات يذهبن السيئات، وامتدح الإسلام وأهله في مقابلة ما كان يذمه؛ كما قال عبد الله بن الزبعرى حين أسلم:شعر : يا رسولَ المَليكِ إنَّ لِساني راتِقٌ ما فَتَّقْتُ إِذْ أنا بُور إذ أُجاري الشَّيطانَ في سَنَنِ الغَــ يِّ ومَنْ مالَ مَيْلَه مَثْبُوُر تفسير : وكذلك أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، كان من أشد الناس عداوة للنبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن عمه، وأكثرهم له هجواً، فلما أسلم، لم يكن أحد أحب إليه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما كان يهجوه، ويتولاه بعد ما كان قد عاداه، وهكذا روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس: أن أبا سفيان صخر بن حرب لما أسلم قال: يا رسول الله ثلاث أعطنيهن؟ قال: «حديث : نعم» تفسير : قال: معاوية تجعله كاتباً بين يديك، قال: «حديث : نعم» تفسير : قال: وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال: «حديث : نعم» تفسير : وذكر الثالثة، ولهذا قال تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} قيل: معناه: ذكروا الله كثيراً في كلامهم، وقيل: في شعرهم. كلاهما صحيح مكفر لما سبق. وقوله تعالى: {وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} قال ابن عباس: يردون على الكفار الذين كانوا يهجون به المؤمنين، وكذا قال مجاهد وقتادة وغير واحد، وهذا كما ثبت في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان: «حديث : اهجهم ــــ أو قال ــــ هاجهم، وجبريل معك»تفسير : . وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل قد أنزل في الشعراء ما أنزل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل».تفسير : وقوله تعالى: {وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}، كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّـٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ} تفسير : [غافر: 52] الآية، وفي الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إياكم والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة»تفسير : قال قتادة بن دعامة في قوله تعالى: {وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} يعني: من الشعراء وغيرهم، وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا إياس بن أبي تميمة قال: حضرت الحسن، ومر عليه بجنازة نصراني، فقال: {وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}. وقال عبد الله بن رباح عن صفوان بن محرز: أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى، حتى أقول قد اندق قضيب زوره: {وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}. وقال ابن وهب: أخبرنا شريح الإسكندراني عن بعض المشيخة أنهم كانوا بأرض الروم، فبينما هم ليلة على نار يشتوون عليها، أو يصطلون، إذا بركاب قد أقبلوا، فقاموا إليهم، فإذا فضالة بن عبيد فيهم، فأنزلوه، فجلس معهم ــــ قال ــــ وصاحب لنا قائم يصلي حتى مر بهذه الآية: {وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} قال فضالة بن عبيد: هؤلاء الذين يخربون البيت. وقيل: المراد بهم أهل مكة، وقيل: الذين ظلموا من المشركين. والصحيح أن هذه الآية عامة في كل ظالم. كما قال ابن أبي حاتم: ذكر عن زكريا بن يحيى الواسطي، حدثني الهيثم بن محفوظ أبو سعد النهدي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن المجبر، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كتب أبي في وصيته سطرين: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبي قحافة عند خروجه من الدنيا، حين يؤمن الكافر وينتهي الفاجر ويصدق الكاذب، إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فإن يعدل فذاك ظني به ورجائي فيه، وإن يجر ويبدل، فلا أعلم الغيب، {وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ } أي كفارَ مكة {عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ } بحذف إحدى التاءين من الأصل.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونُ} يعني إذا غضبوا سبوا، وفيهم أربعة أقاويل: أحدها: أنهم الشياطين، قاله مجاهد. الثاني: المشركون، قاله ابن زيد. الثالث: السفهاء، قاله الضحاك. الرابع: الرواة، قاله ابن عباس. {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: في كل فن من الكلام يأخذون، قاله ابن عباس. الثاني: في كل لغو يخوضون، قاله قطرب، ومنه قول الشاعر: شعر : إني لمعتذر إليك من الذي أسديت إذ أنا في الضلال أهيم تفسير : الثالث: هو أن يمدح قوماً بباطل، ويذم قوماً بباطل، قاله قتادة. وفي الهائم وجهان: أحدهما: أنه المخالف في القصد، قاله أبو عبيدة. الثاني: أنه المجاوز للحد. {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ} يعني ما يذكرونه في شعرهم من الكذب بمدح أو ذم أو تشبيه أو تشبيب. {إِلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} تقديره فإنهم لا يتبعهم الغاوون ولا يقولون ما لا يفعلون. روي أن عبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وحسان بن ثابت أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} فبكواْ عنده وقالوا: هلكنا يا رسول الله: فأنزل الله {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} فقرأها عليهم حتى بلغ إلى قوله: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} فقال: أنتم. {وَذَكرُواْ اللَّهَ كَثِيراً} فيه وجهان: أحدهما: في شعرهم. الثاني: في كلامهم. {وَانتَصَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} أي ردّوا على المشركين ما كانوا يهجون به المؤمنين فقاتلوهم عليه نصرة للمؤمنين وانتقاماً من المشركين. {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} وهذا وعيد يراد به من هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشعراء لكل كافر من شاعر وغير شاعر سيعلمون يوم القيامة أي مصير يصيرون وأي مرجع يرجعون، لأن مصيرهم إلى النار وهو أقبح مصير، ومرجعهم إلى العذاب وهو شر مرجع. والفرق بين المنقلب والمرجع أن المنقلب الانتقال إلى ضد ما هو فيه والمرجع العود من حال هو فيها إلى حال كان عليها، فصارإلى مرجع منقلباً وليس كل منقلب مرجعاً.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ} أي: قل لهم يا محمد: هل أخبركم {عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَاطِينُ}؟ والأَفَّاكُ: الكَذَّابُ، والأثيم: الكثير الإِثم، ويريد الكهنة؛ لأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَلَقَّوْنَ مِنَ الشَّيَاطِينِ الكَلِمَةَ الوَاحِدَةَ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا مِائَةَ كِذْبَةٍ، حَسْبَمَا جاء في الحديثِ، وقد ذكرناه في غير هذا الموضع، والضمير في {يُلْقُونَ} يحتمل أنْ يكون للشياطين، ويحتمل أنْ يكون للكهنة، ولما ذكر الكهنة بإفكهم وحالهم التي تقتضي نفي كلامهم عن كلام الله تعالى عقب ذلك بذكر الشعراء وحالهم لينبه على بعد كلامهم من كلام القرآن إذ قال بعض الكفرة في القرآن أنه شعر والمراد شعراء الجاهلية ويدخل في الآية كل شاعر مخلط يهجو ويمدح شهوة ويقذف المحصنات ويقول الزور. وقوله: {ٱلْغَاوُونَ}. قال ابن عباس: هم المستحسنون لأشعارهم المصاحبون لهم. وقال عِكْرَمةُ: هم الرَّعَاعُ الذين يتبعون الشاعر ويغتنمون إنشاده. وقوله: في كل واد يهيمون، عبارة عن تخليطهم وخوضهم في كل فن من غث الكلام وباطله، قاله ابن عباس وغيره، ورى جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال «حديث : مَنْ مَشَى سَبْعَ خُطْوَاتٍ في شِعْرٍ, كُتِبَ مِنَ الغاوِينَ»تفسير : ذكره أسدُ بنَ مُوسَى وذكره النقاش.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ} الآية. أعاد الشبهة المتقدمة وأجاب عنها من وجهين: الأول: قوله: {تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} كما تقدم من أنَّ الكفار يدعون إلى طاعة الشيطان، ومحمد يدعو إلى لعن الشيطان والبراءة منه. والثاني: قوله: {يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} ومعناه: أنهم كانوا يقيسون حال النبي - صلى الله عليه وسلم - على حال الكهنة (فكأنه قيل: إن كان الأمر على ما ذكرتم فكما أن الغالب على سائر الكهنة الكذب، فيجب أن تكون حال الرسول كذلك، فلما لم يظهر في إخبار الرسول عن المغيبات إلا الصدق علمنا أنَّ حاله بخلاف حال الكهنة). قوله: "عَلَى مَنْ" متعلق بـ "تَنَزَّلُ" بعده. وإنما قُدِّم، لأَنَّ له صدر الكلام، وهو مُعلقٌ لما قبله من فِعْل التَّنْبِئَة، لأنها بمعنى العلم. ويجوز أن تكون هنا متعدية لاثنين، فتسد الجملة المشتملةُ على الاستفهام مسدّ الثاني، لأنَّ الأول ضمير المخاطبين. وأن تكون متعديةً لثلاثة فتسد مسدّ اثنين. وقرأ البَزِّيُّ: {عَلَى مَنْ تَّنزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَّنَزَّلُ} بتشديد التاء من "تنزل" في الموضعين والأصل: "تَتَنَزَّل" بتاءين فأدغم، والإدغام في الثاني سهل، لتحرك ما قبل المدغم، وفي الأول صُعُوبةٌ لسكون ما قبله وهو نُونُ "مَنْ". وتقدم تحقيق هذا في البقرة عند قوله: {أية : وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ}تفسير : [البقرة: 267]. قوله: "يُلْقُونَ". يجوز أن يعود الضمير على "الشَّيَاطِين" فيجوز أن تكون الجملة "يُلْقُونَ" حالاً، وأن تكون مستأنفة. ومعنى إلقائهم السمعَ: إنصاتهم إلى الملأ الأعلى لِيَسْتَرِقُوا شيئاً، أو يلقون الشيء المسموع إلى الكهنة. ويجوز أن يعود على {كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} من حيث إنه جمعٌ في المعنى, فتكون الجملة إما مستأنفة، وأما صفة لـ "كُلِّ أَفَّاكٍ". ومعنى الإلقاء ما تقدم. وقال أبو حيان: حال عود الضمير على "الشَّيَاطين"، وبعد ما ذكر المعنيين المتقدمين في إلقاء السمع قال: فعلى معنى الإنصات يكون "يُلْقُونَ" استئناف إخبارٍ، وعلى إلقاء المسموع إلى الكهنة يحتمل الاستئناف، واحتمل الحال من "الشَّيَاطِينَ" أي: تَنزَّلُ على كُلِّ أفَّاكٍ أثِيمٍ مُلْقِينَ ما سَمِعُوا. انتهى. وفي تخصيصه الاستئناف بالمعنى الأول وتجويزه الوجهين في المعنى الثاني نظرٌ، لأنَّ جواز الوجهين جارٍ في المعنيين فيحتاج في ذلك إلى دليل، فإن قيل: كيف قال: {وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} بعد ما حكم عليهم أنَّ كل واحد منهم أفّاك؟ فالجواب: أنَّ الأَفاكين هم الذين يكثرون الكذب، لا أنهم الذين لا ينطقون إلا بالكذب، فأراد أن هؤلاء الأفاكين قلّ من يصدق منهم فيما يحكي عن الجني، وأكثرهم يفتري عليه.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن سعيد بن وهب قال: كنت عند عبد الله بن الزبير فقيل له: إن المختار يزعم أنه يوحى إليه فقال ابن الزبير: صدق ثم تلا {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم} . وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {على كل أفاك أثيم} قال: كذاب من الناس {يلقون السمع} قال: ما سمعه الشيطان ألقاه {على كل أفاك} كذاب من الناس. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {تنزل على كل أفاك أثيم} قال: الأفاك: الكذاب. وهم الكهنة تسترق الجن السمع، ثم يأتون به إلى أوليائهم من الإِنس. وفي قوله {يلقون السمع وأكثرهم كاذبون} قال: كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتسمع، ثم تنزل إلى الكهنة فتخبرهم، فتحدث الكهنة بما أنزلت به الشياطين من السمع، وتخلط الكهنة كذباً كثيراً، فيحدثون به الناس. فأما ما كان من سمع السماء فيكون حقاً، وأما ما خلطوا به من الكذب فيكون كذباً. وأخرج البخاري ومسلم وابن مردويه عن عائشة قالت: "حديث : سأل أناس النبي صلى الله عليه وسلم عن الكهان فقال: "إنهم ليسوا بشيء فقالوا: يا رسول الله إنهم يحدثوننا أحياناً بالشيء يكون حقاً. قال: تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقذفها في أذن وليه فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة" ". تفسير : وأخرج البخاري وابن المنذر عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الملائكة تحدث في العنان - والعنان: الغمام - بالأمر في الأرض؛ فيسمع الشيطان الكلمة فيقرها في أذن الكاهن كما تقر القارورة، فيزيدون معها مائة كذبة ".
القشيري
تفسير : بيَّن أن الشياطين تتنزَّلُ على الكفار والكهنة فتوحي إليهم بوساوسهم الباطلة.
اسماعيل حقي
تفسير : {هل انبئكم} خطاب لكفار مكة وكانوا يقولون ان الشياطين تتنزل على محمد فرد الله عليهم ببيان استحالة تنزلهم عليه بعد بيان امتناع تنزلهم بالقرآن. والمعنى هل اخبركم ايها المشركون: وبالفارسية [آيا خبردهم شمارا] {على من تنزل الشياطين} اى تتنزل بحذف احدى التاءين وكلمة من تضمنت الاستفهام ودخل عليها حرف الجر وحق الاستفهام ان يصدر فى الكلام فيقال أعلى زيد مررت ولا يقال على ازيد مررت ولكن تضمنه ليس بمعنى انه اسم فيه معنى الحرف بل معناه ان الاصل أمن فحذف حرف الاستفهام واستعمل على بعد حذفه كما يقال فى هل اصله اهل ومعناه أقد فاذا ادخلت حرف الجر على من فقد الهمزة قبل حرف الجر فى ضميرك كأنك تقول أعلى من تنزل {تنزل على كل افاك} كثير الافك والكذب. قال الراغب الافك كل مصروف عن وجهه الذى يحق ان يكون عليه {اثيم} كثير الاثم وهو اسم للافعال المبطئة عن الثواب اى تتنزل على المتصفين بالافك والاثم الكثير من الكهنة والمتنبئة كمسيلمة وطليحة لانهم من جنسهم وبينهم مناسبة بالكذب والافتراء والاضلال وحيث كانت ساحة رسول الله منزهة عن هذه الاوصاف استحال تنزلهم عليه
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "أيَّ منقلب": مفعول مطلق لينقلبون، والأصل: ينقلبون أيّ انقلاب، وليست "أيا": مفعول "يعلم" لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وجملة: "ينقلبون": مُعَلَّقٌ عنها العامِلُ، فهي محل نصب؛ على قاعدة التعليق، فإنه في اللفظ دون المحل. يقول الحق جل جلاله: {هل أُنَبِّئُكم} أي: أخبركم أيها المشركون {على من تَنزَّلُ الشياطينُ}، ودخل حرف الجار على "من" الاستفهامية؛ لأنها ليست للاستفهام بالأصالة. ثم أخبرهم، فقال: {تنزّل على كل أفاكٍ}: كثير الإفك، وهو الكذب، {أثيم}؛ كثير الإثم, وهم الكهنة والمتنبئة, كشق وسطيح ومسيلمة. وحيث كانت حالة رسول الله صلى الله عليه وسلم منزهة أن يحرم حولها شيء من ذلك، اتضح استحالة تنزلهم عليه صلى الله عليه وسلم. {يُلْقُون السمعَ} وهم الشياطين، كانوا، قبل أن يُحجبوا بالرجم، يلقون أسْماعهم إلى الملأ الأعلى، فيختطفون بعض ما يتكلمون به، مما اطلعوا عليه من الغيوب، ثم يُوحون به إلى أوليائهم. {وأكثرهم كاذبون} فيما يوحون به إليهم؛ لأنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا. وفي الحديث: "حديث : إنهم يخلطون مع ما سمعوا مائة كذبةٍ"تفسير : ، فلذلك يُخطئون ويصيبون، وقيل: يلقون إلى أوليائهم السمع, أي: المسموع من الملائكة. وقيل: الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين، ثم يبلغون ما يسمعون منهم إلى الناس، {وأكثرهُم} أي: الأفاكون {كاذبون}: مفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم. والأفَّاك: الذي يذكر يكثر الإفك، ولا يدلّ على أنهم لا ينطقون إلا بالإفك، فأراد أن هؤلاء الأفاكين قلَّ من يصْدُق منهم فيما يحكيه عن الجِنَّةِ. ولما ذكر الكهنة ذكر الشعراء وحالهم؛ لينبه على بُعد كلامهم من كلام القرآن، فينتفي كونه كهانة وشعراً، كما قيل فيه، فقال: {والشعراءُ يتَّبِعُهم الغاوون}: مبتدأ وخبر، أي: لا يتبعهم على باطلهم إلا الغاوون، فإنهم يصغون إلى باطلهم وكذبهم، وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب، ومدح من لا يستحق المدح، وهجاء من لا يستحق الهجو، ولا يستحسن ذلك منهم {إلا الغاوون}، أي: السفهاء، أو الضالون عن طريق الرشد، الحائرون فيما يفعلون ويذرون، لا يستمرون على وتيرة واحدة فيما يقولون ويفعلون، بخلاف غيرهم من أهل الرشد، المهتدون إلى طريق الحق، الثابتين عليه. {ألم تَرَ أنهم} أي الشعراء {في كل وادٍ} من الكلام {يَهِيمُون}، أو في كل فن من الإفك يتحدثون، أو: في كل لغو وباطل يخوضون. والهائم: الذاهب على وجهه لا مقصد له، وهو تمثيل لذهابهم في كل شِعْبٍ من القول، وهو استشهاد على أن الشعراء إنما يتبعهم الغاوون وتقرير له، والخطاب لكل من تتأتى منه الرؤية، للقصد إلى أن حالهم من الجلاء والظهور بحيث لا تختص به رؤية راء دون الآخر، أي: ألم تر أن الشعراء في كل وادٍ من أودية القيل والقال، وفي كل شِعْبٍ من الوهم والخيال؛ وفي كل مسلك من مسالك الغي والضلال، يهيمون. {وأنهم يقولون ما لا يفعلون} من الأفاعيل، غير مبالين بما يستتبعه من اللوم، فكيف يتوهم أن ينتظم في سلكهم من تنزهت ساحته عن أن تحوم حوله شائبةُ الاتصافِ بشيء من الأمور المذكورة، واتصف بمحاسن الصفات الجليلة، والأخلاق الحميدة، مستقراً على المنهاج القويم، مستمراً على الصراط المستقيم، ناطقاً بكل أمر رشيد، داعياً إلى صراط العزيز الحميد، مؤيداً بمعجزة قاهرة، وآيات ظاهرة، مشحونة بفنون من الحِكَم الباهرة، وصنوف المعارف الزاخرة، مستقل بنظم رائق، أعجز كل مِنْطِيقٍ ماهر، وبكت كل مُفْلِقٍ ساحر. هذا وقد قيل في تنزيهه صلى الله عليه وسلم عن أن يكون من الشعراء: أن أتباع الشعراء الغاوون، وأتباع محمد صلى الله عليه وسلم ليسوا كذلك، ولا ريب في أن تعليل عدم كونه صلى الله عليه وسلم منهم بكون أتباعه صلى الله عليه وسلم غير غاوين مما لا يليق بشأنه العلي. هـ. قاله أبو السعود. ثم استثنى الشعراء المؤمنين، فقال: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ}؛ كعبد الله بن رواحة، وحسّان، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك. {وذكروا الله كثيراً} أي: كان ذكر الله وتلاوة القرآن أغلب عليهم من الشعر، وإذا قالوا الشعر قالوا في توحيد الله والثناء عليه، والحكمة والموعظة، والزهد والأدب، ومدح الرسول صلى الله عليه وسلم والأولياء. وأحق الخلق بالهجاء من كَذَّبَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهجاه. وعن كعب بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أهْجُهُمْ، فَوَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُو أشدُّ عَلَيْهِمْ مِن رَشْقِ النَّبْلِ"تفسير : ، وكان يقول لحسّان: "حديث : قل، وروح القدس معك ". تفسير : {وانتصروا من بعد ما ظُلِمُوا} أي: ردوا على المشركين، الذين هجوا النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. وروي أنه لما نزلت الآية: جاء حسان، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، يبكون، فقالوا يا رسول الله: أنزل الله تعالى هذه الآية، وهو يعلم أنا شعراء؟ فقال: "حديث : اقرؤوا ما بعدها: {إلا الذين آمنوا...} هم أنتم وانتصروا، هم أنتم ". تفسير : ومرَّ عمر رضي الله عنه وحسان رضي الله عنه ينشد الشعر في المسجد، فَلَحَظَ إليه، فقال: كنتُ أُنْشِدُ فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أَنْشُدُكَ بالله، أسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أجبْ عني، اللهم أيِّدْه بروح القدس"تفسير : قال: اللهم نعم. {وَسَيَعْلَمُ الَّذِين ظَلَمُوا أيَّ مُنَقلَبٍ يَنقَلِبُونَ}؛ أيَّ مرجع يرجعون إليه، وهو تهديد شديد، ووعيد أكيد؛ لما في {سيعلم} من تهويل متعلقة، وفي {الذين ظلموا} من الإطلاق والتعميم. وفي {أي منقلب ينقلبون} من الإبهام والتهويل. وتلاها أبو بكر لعمر رضي الله عنه حين عهد إليه، وكان السلف يتواعظون بها. و المعنى: سيعلم أهل الظلم ما تكون عاقبتهم، حين يقدمون عليَّ, وأيَّ منقلب ينقلبون, حين يفدون إليّ. اللهم ثبت أقدامنا على المنهاج القويم، حين نلقاك يا أرحم الراحمين. الإشارة: هل أنبئكم على قَلْبِ مَنْ تَنَزَّلَتْ الشياطينُ، وسكنت فيه، تنزل على قلب كل أفاك أثيم، خارب من النور، محشو بالوسواس والخواطر، يلقون السمع إلى هرج الدنيا وأخبارها، وهو سبب فتنتها؛ فإن القلب إذا غاب عن أخبار الدنيا وأهلها، سكن فيه النور وتأنس بالله، وإذا سكن إلى أخبار الدنيا وأهلها سكنت في الظلمة، وتأنس بالخلق، وغاب عن الحق. ولذلك قيل: ينبغي للمؤمن أن يكون كالفكرون؛ إذا كان وحده انبسط، وإذا رأى أحداً أدخل رأسه معه, وأكثر ما يسمع من هرج الدنيا كذب وإليه الإشارة بقوله: {وأكثرهم كاذبون}، ومن جملة ما يفسد القلب: تولهه بالشعر، وفي الحديث: "حديث : لأنْ يمتلىءَ جوفُ أحدِكُم قَيْحَاً خيرٌ له من أن يَمْتَلِىءَ شِعْراً" تفسير : . أو كما قال صلى الله عليه وسلم، إلا من كان شعره في توحيد الله، أو في الطريق، كالزهد في الدنيا، والترهيب من الركون إليها، والزجر عن الاغترار بزخارفها الغرارة، والافتتان بملاذها الفانية، وغير ذلك، أو في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، والمشايخ الموصلين إليه تعالى، بشرط أن يكون الغالب عليه ذكر الله. وقوله تعالى: {وانتصروا من بعدها ظلموا}، أي: جاروا على نفوسهم بعدما جارت عليهم، وقهروها بعد ما قَهَرَتْهُمْ. {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} قال ابن عطاء: سيعلم المعرض عنا ما فاته منا. هـ. وفي الحكم: "ماذا فقد مَنْ وَجَدَكَ، وما الذي وجد مَنْ فَقَدَكَ؟ لقد خاب من رضي دونك بدلاً، ولقد خسر من بغى عنك مُتَحَولاً، كيف يُرْجَى سِوَاك وأنت ما قَطَعْتَ الإحسانَ، أم كيف يطلب من غيرك وأنت ما بدلت عادة الامتنان؟" وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
الطوسي
تفسير : لما اخبر الله تعالى أن القرآن ليس مما تنزل به الشياطين، وأنه وحي من الله تعالى على نبيه، نبه خلقه على من تنزل الشياطين عليه بقوله {هل أنبئكم} أي هل أخبركم {على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم} أي كذاب أثيم، وقال مجاهد: الأفاك الكذاب. ومعناه الكثير الكذب، والقلب للخبر من جهة الصدق إلى الكذب، وأصله الانقلاب من المؤتفكات وهي المنقلبات. والانباء الاخبار بما فيه من الغيوب وعظم الشأن، ومنه قولهم: لهذا الامر نبأ ومنه اشتق وصف الرسول بأنه نبي بعظم شأن ما اتى به من الوحي من الله. والآثم الفاعل للقبيح: أثم يأثم إثماً إذا ارتكب القبيح، وتأثم إذا ترك الاثم مثل تحوب إذا ترك الحوب، وأثمه تأثيماً إذا نسبه إلى الاثم، ثم قال {يلقون السمع} أي يلقون ما يسمعون باستراق السمع إلى كل افاك أيثم - في قول مجاهد - ثم اخبر تعالى أن اكثرهم كاذبون فيما يلقونه اليهم. وقوله {والشعراء يتبعهم الغاون} قال الحسن: هم الذين يسترقون السمع ويلقونه إلى الكهنة، وقال إنما يأخذون أخباراً عن الوحي {إنهم عن السمع لمعزولون} أي عن سمع الوحي. وقيل: ان الشعراء المراد به القصاص الذين يكذبون في قصصهم ويقولون ما يخطر ببالهم. وقوله {ألم تر انهم في كل واد يهيمون} أي هم لما يغلب عليهم من الهوى كالهائم على وجهه في كل واد يعن له، وليس هذا من صفة من عليه السكينة والوقار ومن هو موصوف بالحلم والعقل. والمعنى أنهم يخوضون في كل فن من الكلام والمعاني التي يعن لهم ويريدونه. وقال ابن عباس وقتادة: معناه في كل لغو يخوضون: يمدحون ويذمون، يعنون الباطل. وقال الجبائي: معناه يصغون إلى ما يلقيه الشيطان اليهم على جهة الوسوسة لما يدعوهم اليه من الكفر والضلال. وقيل: انما صار الأغلب على الشعراء الغي باتباع الهوى، لان الذي يتلو الشعر - في الاكثر - العشاق ولذلك يقبح التشبيب. مع أن الشاعر يمدح للصلة ويهجو على جهة الحمية فيدعوه ذلك إلى الكذب، ووصف الانسان بما ليس فيه من الفضائل والرذائل. وقرأ نافع {يتبعهم} بتخفيف التاء من تبعه إذا اقتفى أثره، يقال تبع فلاناً اذا سار في أثره واتبعه لحقه. الباقون: بالتشديد من الاتباع، ومعناهما واحد. والآية قيل نزلت في الشعراء الذين هجوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والمؤمنين، وهي تتناول كل شاعر يكذب في شعره - ذكره الفراء - وقيل: انها نزلت في ابن الزبعري وأمثاله. ثم اخبر ان هؤلاء الشعراء يقولون ويحثون على اشياء لا يفعلونها هم، وينهون عن أشياء يرتكبونها، ثم استثنى من جملتهم الذين آمنوا منهم وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً، فأجتنبوا معاصيه، وانتصروا - لنفوسهم في الدين - من الذين ظلموهم. وقيل: أراد الشعراء الذين ردوا على المشركين هجاءهم للمؤمنين، فانتصروا بذلك للنبي والمؤمنين، ثم هدد الظالمين، فقال {وسيعلم الذين ظلموا} نفوسهم {أي منقلب ينقلبون} أي أي منصرف ينصرفون اليه لأن منصرفهم إلى النار، نعوذ بالله منها. وقيل أراد الذين ظلموا نفوسهم بقول الشعر الباطل من هجو النبي والمؤمنين، ومن يكذب في شعره. وقوله {أي منقلب ينقلبون} نصب (أي) بـ (ينقلبون) ولا يجوز أن ان يكون منصوباً بـ (سيعلم)، لأن أياً لا يعمل فيها ما قبلها، لأن الاستفام له صدر الكلام حتى ينفصل من الخبر بذلك.
الجنابذي
تفسير : {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ} لما ذكر انّ القرآن ما تنزّل به الشّياطين اشتقاق نفوس السّامعين لبيان من تنزّل عليه الشّياطين وما تنزلون به فقال تعالى هل انبّئكم {عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَاطِينُ} من موصولة والظّرف متعلّق بانّبئكم او استفهاميّة والظّرف متعلّق بتنزّل.
الأعقم
تفسير : {هل أنبئكم} أخبركم {على من تنزّل الشياطين} {تنزّل على كل أفّاك أثيم} يفعل الإِثم. قيل: هم الكهنة والمتنبئة كشق وسطيح ومسيلمة وطليحة {يلقون السمع} هم الشياطين كانوا قبل أن يحجبوا بالرجم يسمعون إلى الملأ الأعلى فيحفظون بعض ما يتكلمون به عما اطلعوا عليه من الغيوب ثم يوحون إلى أوليائهم لأنهم يُسمِعونهم ما لم يَسمَعوا، وقيل: يلقون إلى أوليائهم السمع، أي المسموع من الملائكة، وقيل: الأفّاكون يلقون السمع إلى الشياطين فيلقون وحيهم إليهم أو يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس {وأكثرهم} الأفاكون {كاذبون} يفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم {والشعراء يتّبعهم الغاوون}، قيل: غواة قومه، وقيل: الرواية، وقيل: كفار الإِنس والجن، قال جار الله: والشعراء وما هم عليه من الهباء وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب، ومدح من لا يستحق المدح، لا يستحسن ذلك ولا يطرب على قولهم إلا الغاوون السفهاء، وقيل: الغاوون: الراوون، وقيل: الشياطين، وقيل: هم شعراء قريش عبد الله بن الزبعري وهبيرة بن وهب المخزومي ومسافع بن عبد مناف قالوا: نحن نقول مثل ما يقول محمد، وكانوا يهجونه ويجتمعون إليهم الأعراب يستمعون {ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون} يعني وادي من أودية الكلام، وقيل: أراد المذاهب المختلفة كقوله: "أنت في واد وأنا في واد" {يهيمون} يذهبون {وأنهم يقولون ما لا يفعلون} من الغزل والمدح والذم {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} وهم شعراء المؤمنين كحسان بن ثابت وعبد الله بن روّاحة، والكعبان كعب بن مالك، وكعب بن زهير، قال جار الله: استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين الذين يكثرون ذكر الله وتلاوة القرآن، وإذا قالوا شعراً قالوه في توحيد الله والثناء عليه والحكمة والموعظة والزهد ومدح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومدح الأمَّة وكان هجاؤهم على سبيل الانتصار ممن يهجوهم، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول لحسان: "حديث : قل فروح القدس معك" تفسير : {وذكروا الله كثيراً} يعني لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله {وانتصروا من بعد ما ظلموا} أي ردوا على المشركين فيما هجوا به وانتصروا لأنفسهم وللمسلمين {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} هذا مبالغة في وعد الكلمة وكان السلف الصالح يتواعدون بها.
اطفيش
تفسير : {هَلْ أُنَبِّئَكُمْ} أخبركم يا كفار مكة وهذا رجوع إلى قولهم لعنهم الله القرآن نزلت به الشياطين والأصل اتصال {أية : وإنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين} تفسير : إلى قوله {أية : وما تنزلت الشياطين} تفسير : {أية : وما يستطيعون إنهم عن السميع لمعزولون }تفسير : و {هَلْ أُنَبِئَكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ} إلى اخيره لكن فصل بينهن ليكون الرجوع اليهن على طراوه مرة بعد أخرى وما تصدر كلامك بما تعتني به ثم لا تزال ترجع اليه وتبني عليه. {عَلَى مَن} متعلق بقول. {تَنَزَّلُ} أي تنتزل وحذفت احدى التائين. {الشَّيَاطِينُ} جملة الفعل والفاعل وما تعلق به الفعل سدت مسد المفعول الثاني والثالث لا نبي المعلق بالاستفهام فان من استفهامية قال جار الله أصل أسماء الاستفهام الدلالة على مسيميات فقط بدون استفهام فتكون الهمزة قبلها لكن ضم إلى مسمياتها استفهاما.
اطفيش
تفسير : {هل أنبِّئكم عَلَى من تَنزَّل الشياطين} متعلق بقوله: "أية : وإنه لتنزيل رب العالمين"تفسير : [الشعراء: 192] وقوله: "أية : وما تنزلت به الشياطين"تفسير : [الشعراء: 210] إلخ، وفصل بما فصل للياقة ذكره بعدهما، وقبل هذا، وهل للتقرير، ومن استفهامية معلقة لأنبئكم عن مفعوليه الثانى والثالث، وإن عدى لاثنين فعن الثانى، وكأنه قيل: من؟ فقال: {تنزَّل} تتنزل {على كُل أفَّاك} كثير الإفْك {أثيمٍ} كثير الكذب أو عظيم الكذب والاثم، لا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل للتكثير لأنه ليس كل كثير الافك والاثم، أو عظيمهما تنزل عليه الشياطين، أو يراد العموم، على أن المراد كلموا الافاكية والاثيمية، أو على أن المراد كل من يذكر لكم، أو يذكر عنه ذكراً صحيحاً أنه ينظر فى النجوم أو غيرها، أو يتكهن فيخبركم بما هو غيب، ولو فعل ذلك مرة، على ان المراد عظيم لافك والاثم، وممن كثر إفكه وعظم، وشق بن وثم ابن نذير، وسطيح بن ربيعة بن نذير، ويقال: المراد الكهنة المتنبئة كسطيح وطليحة ومسيلمة.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {هَلْ أُنَبّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَـٰطِينُ } الخ مسوق لبيان استحالة تنزل الشياطين على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بيان امتناع تنزلهم بالقرآن، وهذه الجملة وقوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [الشعراء: 192] الخ وقوله سبحانه: {أية : وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَـٰطِينُ} تفسير : [الشعراء: 210] الخ أخوات وفرق بينهن بآيات ليست في معناهن ليرجع إلى المجيء بهن وتطرية ذكر ما فيهن كرة بعد كرة فيدل بذلك على أن المعنى الذي نزلن فيه من المعاني التي اشتدت عناية الله تعالى بها، ومثاله أن يحدث الرجل بحديث وفي صدره اهتمام بشيء منه وفضل عناية فتراه يعيد ذكره ولا ينفك عن الرجوع إليه، والاستفهام للتقرير و {عَلَىٰ مَنِ } متعلق بتنزل قدم عليه لصدارة المجرور وتقديم الجار لا يضر كما بين في النحو، وقال الزمخشري في ذلك: إن (من) متضمنة معنى الاستفهام وليس معنى التضمن أن الاسم دل على معنيين معاً معنى الاسم ومعنى الحرف وإنما معناه أن الأصل أمن فحذف حرف الاستفهام واستمر الاستعمال على حذفه كما حذف من هل والأصل أهل كما قال:شعر : سائل فوارس يربوع بشدتنا أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم تفسير : فإذا أدخلت حرف الجر على (من) فقدر الهمزة قبل حرف الجر في ضميرك كأنك تقول: أعلى من تنزل الشياطين كقولك: أعلى زيد مررت اهـ. وتعقبه صاحب «الفرائد» بقوله: يشكل ما ذكر بقولهم: من أين أنت ومن أين جئت وقوله تعالى: {أية : مِنْ أَىّ شَىْء خَلَقَهُ } تفسير : [عبس: 18] وقوله فيم: وبم ومم وحتام ونحوها. وأجاب صاحب «الكشف» بأنه لا إشكال في نحو من أين أنت؟ لأن التقدير أمن البصرة أم من الكوفة مثلا ولا يخفى أنه / لا يحتاج على ما حققه النحاة إلى جميع ذلك. وجملة {عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ } الخ في موضع نصب بأنبئكم لأنه معلق بالاستفهام وهي إما سادة مسد المفعول الثاني إن قدرت الفعل متعدياً لاثنين ومسد مفعولين إن قدرته متعدياً لثلاثة، والمراد هل أعلمكم جواب هذا الاستفهام ـ أعني على من تنزل الشياطين ـ وأصل تنزل تتنزل فحذفت إحدى التاءين. والكلام على معنى القول عند أبـي حيان كأنه قيل: قل يا محمد هل أنبئكم على من تنزل الشياطين.
ابن عاشور
تفسير : لما سفَّه قولهم في القرآن: إنه قول كاهن، فرد عليهم بقوله: {أية : وما تنزلت به الشياطين}تفسير : [الشعراء: 210] وأنه لا ينبغي للشياطين ولا يستطيعون مثله، وأنهم حيل بينهم وبين أخبار أوليائهم، عاد الكلام إلى وصف حال كهانهم ليعلم أن الذي رَمَوا به القرآن لا ينبغي أن يلتبس بحال أوليائهم. فالجملة متصلة في المعنى بجملة: {أية : وما تنزلت به الشياطين}تفسير : [الشعراء: 210]، أي ما تنزّلت الشياطين بالقرآن على محمد {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين}. وألقي الكلام إليهم في صورة استفهامهم عن أن يُعرِّفهم بمن تتنزل عليه الشياطين، استفهاماً فيه تعريض بأن المستفهم عنه مما يسوءهم لذلك ويحتاج فيه إلى إذنهم بكشفه. وهذا الاستفهام صوري مستعمل كناية عن كون الخبر مما يستأذن في الإخبار به. واختير له حرف الاستفهام الدال على التحقيق وهو {هل} لأن هل في الاستفهام بمعنى (قد) والاستفهام مقدّر فيها بهمزة الاستفهام، فالمعنى: أنبئكم إنباءً ثابتاً محققاً وهو استفهام لا يترقب منه جواب المستفهَم لأنه ليس بحقيقي فلذلك يعقبه الإفضاء بما استفهم عنه قبل الإذن من السامع. ونظيره في الجواب قوله تعالى: {أية : عَمّ يتساءلون عن النبإ العظيم}تفسير : [النبأ: 1، 2] وإن كان بين الاستفهامين فرق. وفعل {أنبئكم} معلق عن العمل بالاستفهام في قوله: {على من تنزل الشياطين}. وهو أيضاً استفهام صوري معناه الخبر كناية عن أهمية الخبر بحيث إنه مما يستفهم عنه المتحسِّسون ويتطلبونه، فالاستفهام من لوازم الاهتمام. والمجرور مقدم على عامله للاهتمام بالمتنزَّل عليه، وأصل التركيب: من تنزَّل عليه الشياطين، فلما قدم المجرور دخل حرف {على} على اسم الاستفهام وهو {مَن} لأن ما صْدَقَها هو المتنزّل عليه، ولا يعكر عليه أن المتعارف أن يكون الاستفهام في صدر الكلام، لأن أسماء الاستفهام تضمنت معنى الإسمية وهو أصلها، وتضمنت معنى همزة الاستفهام كما تضمنته {هل}، فإذا لزم مجيء حرف الجر مع أسماء الاستفهام ترجح فيها جانب الإسمية فدخل الحرف عليها ولم تُقدّم هي عليه، فلذلك تقول: أعلى زيد مررتَ؟ ولا تقول: مَن عَلى مررت؟ وإنما تقول: على من مررت؟ وكذا في بقية أسماء الاستفهام نحو {أية : عمّ يتساءلون}تفسير : [النبأ: 1]، {أية : مِنْ أي شيء خلقه}تفسير : [عبس: 18]، وقولهم: عَلاَم، وإلام، وحتّام، و{أية : فيمَ أنت من ذكراها}تفسير : [النازعات: 43]. وأجيب الاستفهام هنا بقوله: {تنزل على كل أفاكٍ أثيم}. و{كل} هنا مستعملة في معنى التكثير، أي على كثير من الأفّاكين وهم الكهان، قال النابغة:شعر : وكُلِّ صَموت نثلة تُبَّعيَّةٍ ونَسج سُلَيْم كُلَّ قمصاءَ ذائِل تفسير : والأفاك كثير الإفك، أي الكذب، والأثيم كثير الإثم. وإنما كان الكاهن أثيماً لأنه يضم إلى كذبه تضليل الناس بتمويه أنه لا يقول إلا صدقاً، وأنه يتلقى الخبر من الشياطين التي تأتيه بخبر السماء. وجُعل للشياطين {تنزّل} لأن اتصالها بنفوس الكهان يكون بتسلسل تموجات في الأجواء العليا كما تقدم في سُورة الحجر. و{يُلقون السمع} صفة لــــ{كلِّ أفاك أثيم}، أي يظهرون أنهم يُلقون أسماعهم عند مشاهدة كواكب لتتنزل عليهم شياطينهم بالخبر، وذلك من إفكهم وإثمهم. وإلقاء السمع: هو شدة الإصغاء حتى كأنه إلقاءٌ للسمع من موضعه، شبه توجيه حاسة السمع إلى المسموع الخفي بإلقاء الحجر من اليد إلى الأرض أو في الهواء قال تعالى: {أية : أو ألقَى السمع وهو شهيد}تفسير : [ق: 37]، أي أبلغ في الإصغاء لِيَعِيَ ما يُقال له. وهذا كما أطلق عليه إصغاء، أي إمالة السمع إلى المسموع. وقوله: {وأكثرهم كاذبون} أي أكثر هؤلاء الأفاكين كاذبون فيما يزعمون أنهم تلقوه من الشياطين وهم لم يتلقوا منها شيئاً، أي وبعضهم يتلقى شيئاً قليلاً من الشياطين فيكذب عليه أضعافه. ففي الحديث الصحيححديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن الكهان فقال: «ليسوُا بشيء» قيل: يا رسول الله فإنهم يحدثون أحياناً بالشيء يكون حقاً. فقال: "تلك الكلمة من الحق يخطفها الجِنيّ فَيَقَرُّها في أذُن وليه قَرَّ الدَّجاجة فيخلطون عليها أكثر من مائة كذبة"تفسير : . فهم أفّاكون وهم متفاوتون في الكذب فمنهم أفاكون فيما يزيدونه على خبر الجن، ومنهم أفّاكون في أصل تلقي شيء من الجن، ولما كان حال الكهان قد يلتبس على ضعفاء العقول ببعض أحوال النبوءة في الإخبار عن غيب، وأسجاعهم قد تلتبس بآيات القرآن في بادىء النظر. أطنَبت الآية في بيان ماهية الكهانة وبينت أن قصاراها الإخبارُ عن أشياء قليلة قد تصدق فأينَ هذا من هدي النبي والقرآن وما فيه من الآداب والإرشاد والتعليم والبلاغة والفصاحة والصراحة والإعجاز ولا تصدي منه للإخبار بالمغيبات. كما قال: {أية : ولا أعلم الغيب}تفسير : [الأنعام: 50] في آيات كثيرة من هذا المعنى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أنبئكم: أي أخبركم. أفاك أثيم: أي كذاب يقلب الكذب فيكون إفكاً أثيم غارق في الآثام. يلقون السمع: أي يلقون أسماعهم ويصغون أشد الإِصغاء للشياطين فيتلقون منهم مما أكثره كذب وباطل. الغاوون: جمع غاوٍ: الضال عن الهدى الفاسد القلب والنية. في كل واد: أي من أودية الكلام وفنونه. يهيمون: أي يمضون في كل شعب وواد من الكلام مدحاً أو ذما كان صدقاً أو كذباً. يقولون ما لا يفعلون: أي يقولون فعلنا وهم لم يفعلوا. وانتصروا من بعد ما ظلموا: أي قالوا الشعر انتصاراً للحق بأن ردوا على من هجا المسلمين. أي منقلب ينقلبون: أي مرجع يرجعون بعد الموت وهو دار جهنم. معنى الآيات: لما ادعى المبطلون من مشركي قريش أن الرسول صلى الله عليه وسلم يتلقى من الشياطين كما تتلقى الكهان منهم رد تعالى عليهم بقوله {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَاطِينُ}؟ وأجاب عن السؤال قائلاً {تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ} كذاب يقلب الكذب قلباً فيقول في الظالم عادل، وفي الخبيث طيب، وفي الفاسد صالح، {أَثِيمٍ} أي كثير الآثام إذ لم يترك جريمة إلا يقارفها ولا سيئة إلا يجترحها حتى يغرق في الإِثم فهذا الذي تتحد معه الشياطين وتلقي إليه بما تسمعه من السماء لكونه مثلها في ظلمة النفس وخبث الروح، وأما محمد صلى الله عليه وسلم فهو أبعد الناس عن الكذب والإِثم فلم يجرب عليه كذب قط ولم يعرف منه ذنب أبداً فكيف تتحد معه الشياطين وتخبره وتلقي إليه بخبر السماء؟ وبهذا بطلت التهمة وقوله {يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} أي إن الشياطين قبل أن يحال بينهم وبين استراق السمع بإرصاد الشهب لهم. كانوا يلقون أسماعهم للحصول على الخبر وأكثرهم كاذبون حيث يخلطون مع الكلمة التي سمعوها مائة كلمة كلها كذب منهم ويلقون ذلك الكذب إلى إخوانهم في الكفر والخبث من كهنة الناس. وقوله تعالى {وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ} أي أهل الغواية والضلال هم الذين يتبعون الشعراء فيروون لهم وينقلون عنهم، ويصدقونهم فيما يقولون. والدليل على ذلك {أَنَّهُمْ} أي الشعراء {فِي كُلِّ وَادٍ} من أودية الكلام وفنونه {يَهِيمُونَ} على وجوههم ماضين في قولهم فيمدحون ويذمون، يهجون، ويفخرون، ويدعون أنهم فعلوا كذا وكذا وما فعلوا فهل محمد صلى الله عليه وسلم الذي اتهمتموه بأنه شاعر وما يقوله من جنس الشعر أتباعه غاوون انظروا إليهم واسألوا عنهم فإنهم أهدى الناس وأبرهم فعلاً وأصدقهم حديثاً وأبعدهم عن الريبة، فلو كان محمد شاعراً لكان أتباعه الغاوين فبذا بطلت الدعوى من أساسها. وقوله {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} إنه لما ذم الشعراء، استثنى منهم أمثال: عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت ممن آمنوا وعملوا الصالحات وانتصروا يردون هجاء المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وينافحون عن الإِسلام وأهله بشعرهم الصادق النقي الطاهر الوفي. وقوله تعالى {وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} رسول الله باتهامه بالكهانة مرة وبالشعر مرة أخرى وظلموا الوحي الإِلهي بوصفه بما هو بعيد عنه من الكهانة والشعر {أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} أي أي مرجع يرجعون إليه، إنه النار وبئس القرار. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- إبطال فرية المشركين من أن القرآن من جنس ما يقوله الكهان. 2- إبطال أن الرسول صلى الله عليه وسلم كاهن وشاعر. 3- بيان أن الشياطين تتحد مع ذوي الأرواح الخبيثة بالإِفك والآثام. 4- بيان أن الشعراء المبطلين أتباعهم في كل زمان ومكان الغاوون الضالون. 5- جواز نظم الشعر وقوله في تقرير علم أو تسجيل حكمة، أو انتصار للإِسلام والمسلمين بالرد على من يهجو الإِسلام والمسلمين. 6- التحذير من عاقبة الظلم فإنها وخيمة.
القطان
تفسير : انبئكم: أخبركم. كل أفّاك: كل كذاب، أثيم: مجرم كثير الذنوب. يُلقون السمع: يصغون اشد الاصغاء الى الشياطين، فيتلقون منهم. الغاوون: الضالون. في كل واد يهيمون: في كل مكان يسيرون وراء خيالاتهم. أيّ منقلَب: اي مرجع ومآب. لقد اتهمت قريش النبيَّ صلى الله عليه وسلم ان الشياطين هي التي توحي اليه القرآن، فردّ عليهم ان الشياطين لا تُنَزل على الأنبياء، بل على الكذّابين الآثمين المنحرفين الذين تلقي اليهم الإفكَ والكذب، وهم كاذبون يختلقون من عندهم ما يقولونه لأتباعهم. وأنّ الشعراء يتّبعهم الضالون الحائدون عن الطريق القويم، ألم تَرَ أنهم يجرون وراء خيالهم في ضروب من القول، ويقولون ما لا يفعلون! ولما وصف الشعراء بهذه الاوصاف الذميمة استثنى منهم المؤمنين المتصفين بالصفات الحميدة من الايمان، والعمل الصالح، والقول الصادق، وعدمِ هجاءِ الناس واختلاق الاقوال السيئة مثلَ حسّان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك وغيرهم رضوان الله عليهم. والى هذا اشار بقوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ}. روى ابن جرير: حديث : أَنه لما نزلت هذه الآية جاء حسّان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب ابن مالك إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم محزونون وقالوا: قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنا شعراء، فتلا النبي قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} وقال: انتم. ثم تلا {وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} وقال: أَنتم. ثم {وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} وقال: انتم.... يعني بردّهم على المشركين، ثم قال لهم رسول الله: "انتصِروا ولا تقولوا إلا حقا، ولا تذكروا الآباء والامهات" . تفسير : ثم ختم الله السورة بالتهديد العظيم، والوعيد الشديد للكافرين فقال: {وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} سيعلم الظالمون أي مصيرٍ ينتظرهم من الهلاك والشرّ والعذاب.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلشَّيَاطِينُ} (221) - زعَمَ بعضُ المُشركينَ أنَّ ما جَاءَ بهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ليسَ بِحَقٍّ، وأنَّهُ شيءٌ افْتَعَلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وأتَاهُ بِهِ رِئيٌّ مِنَ الجَانِّ. وَيَرُدُّ اللهُ تَعالى عَلَى هَؤلاءِ المُفْتَرِينَ مُنَزِّهاً رَسُولَهُ الكَريمَ عَنْ قولِهِمْ وافْتِرَائِهِمْ، ومُنَبِّهاً إلى أنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ إنَّمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وليْسَ مِنْ قِبَلِ الشَّيَاطينِ، لأنَّ الشَّياطِينَ إنَّمَا تَتَنَزَّلُ عَلى مَنْ يُشَاكِلُهُمْ ويُشَابِهُهُمْ مِنَ الكهَّانِ الكَذَبَةِ الفَسَقَةِ.
الثعلبي
تفسير : {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَاطِينُ} ثمَّ بيَّن فقال {تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ} كذّاب {أَثِيمٍ} فاجر، وهم الكهنة. وقال مقاتل: مثل مسيلمة وطلحة. {يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ} يعني يستمعون من الملائكة مسترقين فيلقون إلى الكهنة. {وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} لانّهم يخلطون به كذباً كثيراً، وهم الآن محجوبون والحمد لله ربّ العالمين. { وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ}. أخبرنا أبو زكريا يحيى بن إسماعيل الحربي قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن حمدون بن عمارة الأعمش قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن قهزاد المروزي قال: حدّثنا حاتم بن العلاء قال: أخبرنا عبد المؤمن عن بريده عن ابن عباس في هذه الآية { وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ} قال: هم الشياطين، يدل عليه قوله سبحانه وتعالى {أية : فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ}تفسير : [الصافات: 32]. وقال الضحّاك: تهاجى رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما من الأنصار والآخر من قوم آخرين، ومع كل واحد منهم غواة من قومه وهم السفهاء، فنزلت هذه الآية وهي رواية عطيّة عن ابن عباس. عكرمة عنه: الرواة. علي بن أبي طلحة عنه: كفّار الجنّ والإنس. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد وعبيد الله بن أحمد قالا: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال: أخبرني جعفر بن محمد قال: حدّثنا حسين بن محمد بن علي قال: حدّثنا أبي عن عبد الله بن سعيد بن الحر عن أبي عبد الله {وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ} قال: هم الذين يشعرون قلوب الناس بالباطل، وأراد بهؤلاء شعراء الكفّار: عبد الله بن الزبعرى المخزومي، وهبيرة بن أبي وهب، ومسافع بن عبد مناف، وعمرو بن عبد الله أبا عزّة الجمحي، وأُميّة بن أبي الصلت كانوا يهجون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتّبعهم الناس. أخبرني الحسن بن محمد بن الحسين قال: حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شنبة قال: حدّثنا محمد بن عمران بن هارون قال: حدّثنا علي بن سعيد النسوي قال: حدّثنا عبد السلام عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن مكحول عن أبي إدريس عن غضيف أو أبي غضيف من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَن أحدث هجاءً في الإسلام فاقطعوا لسانه ". تفسير : وأخبرني الحسين بن محمد قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السُني قال: أخبرنا أبو يعلى قال: حدّثنا إبراهيم بن عرعرة قال: حدّثنا عبد الرَّحْمن بن مهدي قال: حدّثنا يعقوب القمي عن جعفر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لمّا فتح النبي صلى الله عليه وسلم يعني مكة رنّ إبليس رنّةً فاجتمعت إليه ذريّته فقال: «آيسوا أن ترتد أُمة محمد على الشرك بعد يومكم هذا، ولكن أفشوا فيها يعني مكة الشعر والنوح». {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ} من أودية الكلام {يَهِيمُونَ} حائرين وعن طريق الحق والرشد جائرين. قال الكسائي: الهائم الذاهب على وجهه. أبو عبيد: الهائم المخالف للقصد. قال ابن عباس في هذه الآية: في كل لغو يخوضون، مجاهد: في كل فن يفتنون، قتادة: يمدحون قوماً بباطل، ويشتمون قوماً بباطل. {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ} ثمَّ استثنى شعراء المؤمنين: حسّان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وكعب بن زهير فقال عزَّ من قائل {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} يعني ردّوا على المشركين الذين هجوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبة قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد الكسائي قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا يحيى بن واضح عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي الحسن البراد قال: حديث : لما نزلت هذه الآية {وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ} جاء عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وحسّان بن ثابت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يبكون فقالوا: يا رسول الله أنزل الله سبحانه هذه الآية وهو يعلم أنّا شعراء، فقال: إقرؤوا ما بعدها {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} أنتم {وَٱنتَصَرُواْ} أنتم . تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا القطيعي قال: حدّثنا ابن حنبل قال: حدّثني أبي قال: حدّثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب عن الزهري. وأخبرنا ابن حمدون قال: أخبرنا ابن الشرقي قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري قال: حدّثنا عبد الرَّحْمن بن كعب بن مالك عن أبيه أنّه قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله سبحانه في الشعراء ما أنزل: يا رسول الله إنَّ الله سبحانه وتعالى قد أنزل في الشعراء ما قد علمت فكيف ترى فيه؟ فقال النبىّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنّ ما ترمونهم به نضح النبل ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا عبد الله بن الفضل قال: حدّثنا عمرو بن محمد الناقد قال: حدّثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة حديث : أنَّ عمر مرَّ بحسّان وهو ينشد الشعر في المسجد فلحظ إليه فقال: قد كنت أُنشد فيه وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة وقال: أُنشدك بالله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أجب عنّي، اللهم أيّده بروح القدس"؟ قال: اللّهم نعم . تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبة قال: حدّثنا محمد بن علي بن سالم الهمداني قال: حدّثنا أحمد بن منيع قال: حدّثنا أبو معاوية قال: حدّثنا الشيباني عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسّان: "حديث : اهجُ المشركين فإنَّ جبرئيل معك ". تفسير : {وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} أشركوا {أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} أيّ مرجع يرجعون إليه بعد مماتهم. وروى نوفل بن أبي عقرب عن ابن عباس رضي الله عنه (أيّ منقلب ينفلتون) بالفاء والتاء ومعناهما واحد. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبة قال: حدّثنا الفريابي قال: حدّثنا عبيد الله بن معاذ قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا ابن عون عن إبراهيم قال: كان شريح يقول: سيعلم الظالمون حظّ من نقصُوا، إنّ الظالم ينتظر العقاب، وإنّ المظلوم ينتظر النصر.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقد سبق أن قالوا عن القرآن تنزلت به الشياطين، فيردُّ عليهم: تعالوا أخبركم على مَنْ تتنزل الشياطين، وأصحح لكم هذه المعلومات الخاطئة: صحيح أن الشياطين تتنزل، لكن لا تتنزل على محمد؛ لأنه عدوها، إنما تتنزل على أوليائها. قال الحق سبحانه: {أية : وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ..}تفسير : [الأنعام: 121]. {تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} [الشعراء: 222] فهذا الذي يناسب الشياطين ويرضيهم، والجن قسمان: فمنه الصالح وغير الصالح وهذا الذي يسمونه الشياطين. وكلمة {أَفَّاكٍ ..} [الشعراء: 222] مبالغة في الإفك أي: قلب الحقائق. وكان هؤلاء يخطفون الأخبار فيقولون شيئاً قد يصادف الصدق، ثم يجعلون معه كثيراً من الكذب.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا جواب لمن قال من مكذبي الرسول: إن محمدا ينزل عليه شيطان. وقول من قال: إنه شاعر فقال: { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ } أي: أخبركم الخبر الحقيقي الذي لا شك فيه ولا شبهة، على من تنزل الشياطين، أي: بصفة الأشخاص، الذين تنزل عليهم الشياطين. { تَنزلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ } أي: كذاب، كثير القول للزور، والإفك بالباطل، { أَثِيمٍ } في فعله، كثير المعاصي، هذا الذي تنزل عليه الشياطين، وتناسب حاله حالهم. { يُلْقُونَ } عليه { السَّمْعَ } الذي يسترقونه من السماء، { وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ } أي: أكثر ما يلقون إليه كذب فيصدق واحدة، ويكذب معها مائة، فيختلط الحق بالباطل، ويضمحل الحق بسبب قلته، وعدم علمه. فهذه صفة الأشخاص الذين تنزل عليهم الشياطين، وهذه صفة وحيهم له. وأما محمد صلى الله عليه وسلم، فحاله مباينة لهذه الأحوال أعظم مباينة، لأنه الصادق الأمين، البار الراشد، الذي جمع بين بر القلب، وصدق اللهجة، ونزاهة الأفعال من المحرم. والوحي الذي ينزل عليه من عند الله، ينزل محروسا محفوظا، مشتملا على الصدق العظيم، الذي لا شك فيه ولا ريب، فهل يستوي - يا أهل العقول - هذا وأولئك؟ وهل يشتبهان، إلا على مجنون، لا يميز، ولا يفرق بين الأشياء؟. فلما نزهه عن نزول الشياطين عليه، برَّأه أيضا من الشعر فقال: { وَالشُّعَرَاءُ } أي: هل أنبئكم أيضا عن حالة الشعراء، ووصفهم الثابت، فإنهم { يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ } عن طريق الهدى، المقبلون على طريق الغي والردى، فهم في أنفسهم غاوون، وتجد أتباعهم كل غاو ضال فاسد. { أَلَمْ تَرَ } غوايتهم وشدة ضلالهم { أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ } من أودية الشعر، { يَهِيمُونَ } فتارة في مدح، وتارة في قدح، وتارة في صدق، وتارة في كذب، وتارة يتغزلون، وأخرى يسخرون، ومرة يمرحون، وآونة يحزنون، فلا يستقر لهم قرار، ولا يثبتون على حال من الأحوال. { وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ } أي: هذا وصف الشعراء، أنهم تخالف أقوالهم أفعالهم، فإذا سمعت الشاعر يتغزل بالغزل الرقيق، قلت: هذا أشد الناس غراما، وقلبه فارغ من ذاك، وإذا سمعته يمدح أو يذم، قلت: هذا صدق، وهو كذب، وتارة يتمدح بأفعال لم يفعلها، وتروك لم يتركها، وكرم لم يحم حول ساحته، وشجاعة يعلو بها على الفرسان، وتراه أجبن من كل جبان، هذا وصفهم. فانظر، هل يطابق حالة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، الراشد البار، الذي يتبعه كل راشد ومهتد، الذي قد استقام على الهدى، وجانب الردى، ولم تتناقض أفعاله ولم تخالف أقواله أفعاله؟ الذي لا يأمر إلا بالخير، ولا ينهى إلا عن الشر، ولا أخبر بشيء إلا صدق، ولا أمر بشيء إلا كان أول الفاعلين له، ولا نهى عن شيء إلا كان أول التاركين له. فهل تناسب حاله، حالة الشعراء، أو يقاربهم؟ أم هو مخالف لهم من جميع الوجوه؟ فصلوات الله وسلامه على هذا الرسول الأكمل، والهمام الأفضل، أبد الآبدين، ودهر الداهرين، الذي ليس بشاعر، ولا ساحر، ولا مجنون، ولا يليق به إلا كل كمال. ولما وصف الشعراء بما وصفهم به، استثنى منهم من آمن بالله ورسوله، وعمل صالحا، وأكثر من ذكر الله، وانتصر من أعدائه المشركين من بعد ما ظلموهم. فصار شعرهم من أعمالهم الصالحة، وآثار إيمانهم، لاشتماله على مدح أهل الإيمان، والانتصار من أهل الشرك والكفر، والذب عن دين الله، وتبيين العلوم النافعة، والحث على الأخلاق الفاضلة فقال: { إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ } ينقلبون إلى موقف وحساب، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، إلا أحصاها، ولا حقا إلا استوفاه. والحمد لله رب العالمين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):