٢٦ - ٱلشُّعَرَاء
26 - Ash-Shu'ara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
227
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ } من الشعراء {وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً } أي لم يشغلهم الشعر عن الذكر {وَٱنتَصَرُواْ } بهجوهم الكفار {مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ } بهجو الكفار لهم في جملة المؤمنين فليسوا مذمومين. قال الله تعالى { أية : لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ } تفسير : [148:4] وقال تعالى { أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ } تفسير : [194:2] {وَسَيَعْلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } من الشعراء وغيرهم {أَىَّ مُنقَلَبٍ } مرجع {يَنقَلِبُونَ } يرجعون بعد الموت.
ابن عطية
تفسير : هذا الاستثناء هو في شعراء الإسلام كحسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وكل من اتصف بهذه الصفة، ويروى عن عطاء بن يسار وغيره أن هؤلاء شق عليهم ما ذكر قبل في الشعراء وذكروا ذلك للنبي عليه السلام فنزلت آية الاستثناء بالمدينة، وقوله {وذكروا الله كثيراً} يحتمل أن يريد في أشعارهم وهو تأويل ابن زيد، ويحتمل أن يريد أن ذلك خلق لهم وعبادة وعادة قاله ابن عباس، وهذا كما قال لبيد حين طلب منه شعره إن الله أبدلني بالشعر القرآن خيراً منه وكل شاعر في الإسلام يهجو ويمدح من غير حق ولا يرتدع عن قول دنيء فهم داخلون في هذه الآية وكل تقي منهم يكثر من الزهد ويمسك عن كل ما يعاب فهو داخل في الاستثناء، وقوله {وانتصروا} إشارة إلى ما قاله من الشعر علي وغيره في قريش قال قتادة وفي بعض القراءة، "وانتصروا بمثل ما ظلموا"، وباقي الآية وعيد للظلمة كفار مكة وتهديد لهم، وعمل {ينقلبون} في {أي} لتأخيره.
ابن عبد السلام
تفسير : {إِلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ} فإنه لا يتبعهم الغاوون، ولا يقولون ما لا يفعلون. ولما نزلت {وَالشُّعَرَآءُ} جاء عبد الله بن رواحة وكعب من مالك وكنا عند الرسول صلى الله عليه وسلم وقالا هلكنا يا رسول الله فنزلت {إِلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ}. فقرأها عليهم، وقال: أنتم هم {وَذَكَرُواْ اللَّهَ} في شعرهم، أو في كلامهم، {وَانتَصَرُواْ} بردهم على المشركين ما هجوا به المسلمين {مُنقَلَبٍ} مصير يصيرون إليه من النار والعذاب، والمنقلب الانتقال إلى ضد ما هو فيه، والمرجع العود من حال هو عليها إلى حال كان فيها.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ...} الآية: هذا الاستثناء هو في شعراء الإسلام كحَسَّان بن ثابت, وكَعْبِ بن مالك, وعبد الله بن رَوَاحَةَ, وكُلِّ مَنِ اتصف بهذه الصفة, ويُرْوَى عن عطاءِ بن يَسَارٍ وغيرِهِ أَنَّ هؤلاءِ شَقَّ عليهم ما ذُكِرَ قَبْلُ في الشعراء, فذكروا ذلك للنبيِّ صلى الله عليه وسلم فنزلت آيةُ الاستثناء بالمدينة. وقوله تعالى {وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} يحتملُ أنْ يريد في أشعارهم, وهو تأويل ابن زيد, ويحتمل أنَّ ذلك خُلُقٌ لهم وعبادة؛ قاله ابن عباس, فكل شاعر في الإسلام يهجو ويمدَحُ عن غير حَقٍّ فهو داخل في هذه الآية وكل تقيٍّ منهم يُكْثِرُ من الزُّهْدِ, ويمسك عن كل ما يُعَابُ فهو داخل في الاستثناء. * ت * قد كتبنا - والحمد للَّه - في هذا المختصر جملةً صالحة في فضل الأذكار عسى اللَّه أنْ ينفع به من وقع بيده, ففي جامع الترمذي عن أبي سعيد الخُدْريِّ، قال سُئِلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ العِبَاد أَفْضَل دَرَجَة عِنْدَ اللَّهِ تعالى يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَال: «حديث : الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيراً, قُلْتُ: وَمِنَ الْغَازي فِي سَبِيلِ اللَّه عزَّ وجَلَّ؟! قَالَ: لَوْ ضَرَبَ بسَيْفِهِ الكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَنْكَسِرَ وَيَخْتَضِبَ دَماً - لكانَ الذَّاكِرُونَ اللَّهَ تَعَالى أَفْضَلَ مِنْهُ»تفسير : وروى الترمذيُّ, وابن ماجه عن أبي الدَّرْدَاءِ, قال: قالَ رَسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِن إنْفَاقِ الذَّهَبِ والوَرَقِ؛ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تُلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَىٰ، قَالَ: ذِكْرُ اللّهِ تعالى»تفسير : قَالَ الحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللّهِ في كِتَابِهِ «المستَدرَكُ على الصَّحِيحَيْنِ»: هذا حدِيثٌ صحيحُ الإسْنادِ، انتهى من «حليةِ النَّوَوِيَّ». وقوله: {وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} إشارةٌ إلى مَا رَدَّ به حَسَّانُ وَعَلِيٌّ وغيرهُما على قريش. قلت: قيل: وَأَنْصَفُ بَيتٍ قَالَتْهُ العَرَبُ: قَوْلُ حَسَّانٍ لأَبي سُفْيَانَ أَو لأَبِي جَهْلٍ: [الوافر] شعر : أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ تفسير : وَبَاقِي الآيةِ وَعِيدٌ لظلمةِ كُفَّارِ مَكَّةَ وتهديدٌ لَهُمْ.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً}[227] قال: خلق الله تعالى السر وجعل حياته في ذكره، وخلق الظاهر وجعل حياته في حمده وشكره، وجعل عليهما الحقوق، وهي الطاعة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} [الآية: 227]. قال الجنيد رحمه الله: الذكر الكثير هو دوام المراقبة فى جميع الأحوال، وطرد الغفلة عن القلب. قال أبو يزيد رحمه الله: الذكر الكثير ليس بالعد ولكنه بالحضور دون العادة والغفلة. وقال محمد بن على الترمذى: حقيقة الإيمان يلزم صاحبه حسن آداب العبودية والقيام بها ويفتح على القلوب أبواب الذكر والقليل منها كثير، ويطرد عنها أنواع الغفلات. قوله تعالى: {وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الآية: 227]. قال ابن عطاء رحمه الله: وسيعلم المعرض عنا ما الذى فاته منا قال بعضهم: الظالم لنفسه الذى يشكر على نعم غير الله. قال الواسطى: ظلم نفسه من لا يراها فى أسر القدرة، وفى قبضه العزة، وظن أنه مهمل فى تصرفاته.
القشيري
تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ}. فيكون شِعْرُه خالياً من هذه الوجوه المعلولة المذمومة، وهذا كما قيل: الشعرُ كلامُ إنسان؛ فحسنه كحسنه وقبيحه كقبيحه. قوله جلّ ذكره {وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}. سيعلم الذين ظلموا سوءَ ما عملوا، ويندمون على ما أسلفوا، ويصدقون بما كَذَّبوا.
البقلي
تفسير : قوله تعالى { إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} اى الذين شاهدوا الله بنعت الايقان والعرفان واصلحوا سرائرهم بتقديسها عما دون الله فى قربة الله وذكروا الله كثيرا ان سافروا بقلوبهم وارواحهم وعقولهم فى ميادين الازل والاباد على مراكب الاسرار والانوار بغير ----- وهجوم الفترة ويافهم الذكر الكثير فناء الذاكر فى المذكور بعد ان ينكشف له لوائح انوار الازلية والابدية فهذا غاية المجهود من الذاكرين وفيه نكتة عجيبة ان الله سبحانه وصفهم الذكر الكثير وما اخبر انهم ذاكرون بالحقيقة لان حقائق الذكر لا يقع للحدثان فى قدم الرحمن لان الذكر الحقيقى احاطة ذكر الذاكر بالمذكور وهو مستحيل فى حق الازل لذلك قال الواسطى من ذكره افترى وانتصارهم بعد ان ظلموا انصارهم من نفوسهم الامارة حين جهلوا حقوق الله المجاهدات الكثيرة والرياضات قال الجنيد الذكر الكثير هو دوام المراقبة فى جميع الاحوال وطرد الغفلة عن القلب وقال ابو يزيد الذكر الكثير ليس بالعلو لكنه بالحضور دون العاهة والغفلة قال النصر أبادى حقيقة الذاكر ان يغيب الذاكر عن ذكره بمشاهدة المذكور ثم يغيب مشاهدته فى مشاهدته حتى شاهد حقا ثم وصف الله سبحانه اهل الدعاوى الباطلة بانهم يعلمون يوم القيامة منقلب دعواهم فى مهوات البعد بقوله {وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} حين عاينوا مقامات اهل الولاية وانقلبوا الى معادنهم من الشقاوة قال ابن عطا سيعلم المعرض عنا ما الذى فانه من قال الواسطى ظلم نفسه من لا يراها فى اسر القدرة فى قبضة العزة فظن انه مهمل فى تصرفاته.
اسماعيل حقي
تفسير : {الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} استثناء للشعراء المؤمنين الصالحين {وذكروا الله} ذكرا {كثيرا} بل كان اكثر اشعارهم فى التوحيد والثناء عل الله والحث على طاعته الحكمة والموعظة والزهد فى الدنيا والترغيب فى الآخرة او بان لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله ولم يجعلوه همهم وعادتهم. قال ابو يزيد قدس سره الذكر الكثير ليس بالعدد لكنه بالحضور {وانتصروا} [انتقام كشيدند ازمشركان]. قال فى تاج المصادر والانتصار [دادبستدن] {من بعد ماظلموا} بالهجو لان الكفار بدأوهم بالهجاء يعنى لو وقع منهم فى بعض الاوقات هجو وقع بطريق الانتصار ممن هجاهم من المشركين كحسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وغيرهم فانهم كانوا يذبون عن عرض النبى عليه السلام وكان عليه السلام يضع لحسان منبرا فى المسجد فيقوم عليه يهجو من كان يهجو رسول الله: قال الكمال الاصفهانى شعر : هجا فكتن ارجه بسنديده نيست مبدا كسى كالت آند ندارد جو آن شاعرى كوهجا كونباشد جوشيرى كه جنكال ودندان ندارد تفسير : وعن كعب بن مالك رضى الله عنه انه عليه السلام قال "حديث : اهجهم فوالذى نفسى بيده لهو اشد عليهم من النبل"تفسير : وفى الحديث "حديث : جاهدوا المشركين باموالكم وانفسكم وألسنتكم"تفسير : اى اسمعوهم مايكرهونه ويشق عليهم سماعه من هجو وكلام غليظ ونحو ذلك. قال الامام السهيلى رحمه الله فهم سبب الاستثناء فلو سماهم باسمائهم الاعلام كان الاستثناء مقصورا عليهم والمدح مخصوصا بهم ولكن ذكرهم بهذه الصفة ليدخل معهم فى هذه الاستثناء كل من اقتدى بهم شاعرا كان او خطيبا وغير ذلك انتهى. قال فى الكواشى لاشك ان الشعر كلام فحسنه كحسنه وقبيحه كقبيحه ولا بأس به اذا كان توحيدا او حثا على مكارم الاخلاق من جهاد وعبادة وحفظ فرج وغض بصر وصلة رحم وشبهه او مدحا للنبى عليه السلام والصالحين بما هو الحق انتهى. وفى التأويلات النجمية لارباب القلوب فى الشعر سلوك على اقدام التفكر بنور الايمان وقوة العمل الصالح وتأييد الذكر الكثير ليصلوا الى اعلى درجات القرب وتؤيدهم الملائكة بدقائق المعانى بل يوفقهم الله لاستجلاب الحقائق ويلهمهم بالفاظ الدقائق فبالالهام يهيمون فى كل واد من المواعظ الحسنة والحكم البالغة وذم الدنيا وتركها وتزيين الآخرة وطلبها وتشويق العباد وتحبيبهم الى الله وتحبيب الله اليهم وشرح المعارف وبيان الموصل والحث على السير والتحذير عن الالفاظ القاطعة للسير وذكر الله وثنائه ومدح النبى عليه السلام والصحابة وهجاء الكفار انتصارا كما قال عليه السلام لحسان "حديث : اهج المشركين فان جبريل معك"تفسير : انتهى. والجمهور على اباحة الشعر ثم المذموم منه مافيه كذب وقبح ومالم يكن كذلك فان غلب على صاحبه بحيث يشغله عن الذكر وتلاوة القرآن فمذموم ولذا قال من قال شعر : درقيامت نرسد شعر بفرياد كسى كه سراسر سخنش حكمت يونان كردد تفسير : وان لم يغلب كذلك فلاذم فيه وفى الحديث "حديث : ان من الشعر لحكمة"تفسير : اى كلاما نافعا يمنع عن الجهل والسفه وكان على رضى الله عنه اشعر الخلفاء وكانت عائشة رضى الله عنها ابلغ من الكل. قال الكاشفى [حضرت حقائق بناهى در ديباجه ديوان اول آورده اندكه هر جند قادر حكيم جل ذكره درآيت كريمه {أية : والشعراء يتبعهم الغاوون}تفسير : شعراراكه سياحان بحر شعرند جمع ساخته وكمند دام استغراق دركردن انداخته كاه درغرقابه بى حد وغايت غوايت مى اندارد وكاه تشنه لب دروادىء حيرت وضلالت سر كردان ميسازد واما بسيارى ازايشان بواسطه اصلاح عمل وصدق ايمان درزورق امان {الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} تشنه اند بوسيله بادبان {وذكروا الله كثيرا} بساحل خلاص وناحيت نجات بيوسته ويكى ازافاضل كفته است] شعر : شاعر انرا كرجه غاوى كفت در قرآن خداى هست ازيشان هم بقرآن ظاهر ا ستثناى ما تفسير : ولما كان الشعر ممالا ينبغى للانبياء عليهم السلام لم يصدر من النبى عليه السلام بطريق الانشاء دون الانشاد الا ما كان بغير قصد منه وكان كل كمال بشرى تحت علمه الجامع فكان يجيب كل فصيح وبليغ وشاعر واشعر وكل قبيلة بلغاتهم وعباراتهم وكان يعلم الكتاب علم الخط واهل الحرف حرفتهم ولذا كان رحمة للعالمين {وسيعلم الذين ظلموا} على انفسهم الشعر المنهى عنه وغيره فهو عام لكل ظالم والسين للتأكيد {أى منقلب ينقلبون} أى منصوب بينقلبون على المصدر لا بقوله سيعلم لان ايا وسائر اسماء الاستفهام لا يعمل فيها ماقبلها وقدم على عامله لتضمنه معنى الاستفهام وهو متعلق بسيعلم سادا مسد مفعوليه. والمنقلب بمعنى الانقلاب اى الرجوع. والمعنى ينقلبون أى الانقلاب ويرجعون اليه بعد مماتهم أى الرجوع اى ينقلبون انقالابا سوأ ويرجعون رجوعا شرا لان مصيرهم الى النار. وقال الكاشفى [بكدام مكان خواهند كشت واو آنست كه منقلب ايشان آتش خواهدبود] ـ روى ـ انه لما ايس ابو بكر رضى الله عنه من حياته استكتب عثمان رضى الله عنه كتاب العهد وهو هذا ماعهد ابن ابى قحافة الى المؤمنين فى الحال التى يؤمن فيها الكافر ثم قال بعد ماغشى عليه وافاق انى استخلفت عليكم عمر بن الخطاب رضى الله عنه فانه عدل فذلك ظنى فيه وان لم يعدل سيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون. والظلم هو الانحراف عن العدالة والعدول عن الحق الجارى مجرى النقطة من الدائرة. والظلمة ثلاثة. الظالم الاعظم وهو الذى لايدخل تحت شريعة واياه قصد بقوله {أية : ان الشرك لظلم عظيم}تفسير : والاوسط هو الذى لايلزم حكم السلطان. والاصغر هو الذى يتعطل عن المكاسب والاعمال فيأخذ منافع الناس ولايعطيهم منفعته ومن فضيلة العدالة ان الجوار الذى هو ضدها لا يستتب الا بها فلو ان لصوصا تشارطوا فيما بينهم شرطا فلم يراعوا العدالة فيه لم ينتظم امرهم. فعلى العاقل ان يصيخ الى الوعيد والتهديد الاكيد فيرجع عن الظلم والجور وان كان عادلا فنعوذ بالله من الحور بعد الكور والله المعين لكل سالك والمنجى فى المسالك من المهالك. تمت سورة الشعراء يوم الخميس وهو التاسع من ذى القعدة من سنة ثمان ومائة والف.
الجنابذي
تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالبيعة العامّة او الخاصّة {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} على الشّروط والكيفيّة المأخوذة فانّ الشّاعر منهم لا يقول ما لم يكن فيه رضى الله والنّاقل والواعظ ايضاً كذلك ويفعل ما يقول اوّلاً ثمّ يقول ثانياً، والفقيه منهم لا يتكلّم بدون الاذن والاجازة، وبعد الاجازة يصير باطله صحيحاً وكذبه صدقاً وظنّه يقيناً {وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} فى شعرهم وقصصهم ومواعظهم ومسائلهم الفقهيّة {وَٱنتَصَرُواْ} انتقموا عمّن يفعل بهم {مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} فى مقامٍ وامّا الّذين ظلموا من الشّعراء بان يقولوا ولا يفعلوا ويكون ظاهرهم بخلاف باطنهم فسيعلمون {أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} تهديدٌ لهم بسوء العاقبة.
فرات الكوفي
تفسير : {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون227} قال: حدثني عبيد بن كثير معنعناً: عن مالك المازني قال: أتى تسعة نفر أبا سعيد الخدري فقالوا: يا أبا سعيد هذا الذي يكثر الناس فيه ما تقول فيه؟ فقال: عمن تسألوني؟ قالوا: نسأل عن علي بن أبي طالب. فقال: أما إنكم تسألون عن رجل أمر من الدفلى وأحلى من العسل وأخف من الريشة وأثقل من الجبال، أما والله ما حلا إلا على ألسنة المؤمنين وما خف إلا على قلوب المتقين، ولا أحبه قط لله ولرسوله إلا حشره الله من [ب: مع] الآمنين وإنه لمن حزب الله وحزب الله هم الغالبون. والله ما أمرّ إلا على لسان كافر ولا أثقل [ب: ثقل] إلا على قلب منافق، وما زوى [ر: راو] عنه أحد قط ولا لوا ولا تحزب ولا عبس ولا بسر [ب، ر: يسر] ولا عسر ولا قصر [ر: مضر.أ: نصر] [ولا التفت. ب، ر] ولا نظر ولا تبسم ولا تحرى [ب: تجرى] ولا ضحك إلا صاحبه ولا [قال. ر] عجب لهذا الأمر إلاّ حشره الله منافقاً مع المنافقين {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون}. فرات قال: حدثنا محمد بن أحمد بن عثمان بن دليل معنعناً: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أتاه [ر: جاؤوا] ستة نفر من قريش في زمان أبي بكر فقالوا له: يا أبا سعيد هذا الرجل الذي تكثر فيه [الناس. ب] وتقل. قال: عمن تسألوني؟ قالوا: نسألك عن علي بن أبي طالب. فقال: أما إنكم سألتموني عن رجل أمرّ من الدفلى وأحلى من العسل وأخف من الريشة وأثقل من الجبل، أما والله ما حلا إلا على ألسنة المتقين ولا خف إلا على قلوب المؤمنين، والله ما مر إلا على لسان كافر ولا ثقل على قلب أحد إلا على قلب منافق ولا زوى عنه أحد ولا صدف ولا التوا [ولا كذب ولا حول (ر: أحوال). أ، ر] ولا أزوار عنه ولا فسق ولا عجب ولا تعجب وهي [أ: ولا] سبعة وعشرون [ر: عشر] حرفاً إلا حشره الله منافقاً من المنافقين ولا علي [إلا. ر، ب] أريد ولا أريد [إلا. ب، ر] علي! {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون}. قال: حدثني علي بن محمد بن علي بن عمر الزهري معنعناً: عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فينا خطيباً فقال: حديث : الحمد لله على آلائه وبلائه عندنا أهل البيت وأستعين الله على نكبات الدنيا وموبقات الآخرة وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني [أ: أن] محمداً عبده ورسوله، أرسلني برسالته إلى جميع خلقه {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة} [42/ الأنفال] واصطفاني على جميع العالمين من الأولين والآخرين، أعطاني مفاتيح خزائنه كلها واستودعني سره وأمرني بأمره فكان القائم وأنا الخاتم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم {واتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [102/آل عمران] واعلموا أن الله [أ، ب: انه] بكل شيء محيط وأن الله [أ، ب: انه] بكل شيء عليم. أيها الناس إنه سيكون بعدي قوم يكذبون علي فلا تقبلوا [أ، ب: فيقبل منهم] ذلك وأمور تأتي من بعدي يزعم أهلها أنها عني ومعاذ الله أن أقول على الله إلا حقاً فما أمرتكم إلا بما أمرني به ولا دعوتكم إلا إليه {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون}. قال: فقام إليه عبادة بن الصامت فقال: متى ذلك يا رسول الله؟ ومن هؤلاء؟ عرفنا [هم. ب، ر] لنحذرهم. فقال: أقوام قد استعدوا للخلافة من يومهم هذا وسيظهرون لكم إذا بلغت النفس مني ها هنا - وأومأ بيده إلى حلقه -. فقال له عبادة بن الصامت: فإذا كان كذلك فالى من يا رسول الله قال: إذا [أ، ب: فإذا] كان ذلك فعليكم بالسمع والطاعة للسابقين من عترتي فإنهم يصدونكم عن الغي ويهدونكم إلى الرشد ويدعونكم إلى الحق فيحيون كتاب ربي [ر: كتابي] وسنتي وحديثي ويميتون [ر: يموتون] البدع ويقمعون [أ، ب: يقيمون] بالحق أهلها ويزولون مع الحق حيث ما زال، فلن يخيل إلى [ب: لي] إنكم تعلمون! ولكنى مجتمع عليكم إذا [أنا. أ، ر] أعلمتكم [ر: أعلمكم] ذلك فقد أعلمتكم. أيها الناس إن الله تبارك وتعالى خلقني وأهل بيتي من طينة لم يخلق أحداً غيرنا ومن ضوى إلينا [أ: موالينا. ب، ر: ضوء] فكنا أول من ابتدأ من خلقه فلما خلقنا فتق [ب: نوراً] بنورنا كل ظلمة وأحيا بنا كل طينة طيبة وأمات بنا كل طينة خبيثة ثم قال: هؤلاء خيار خلقي وحملة عرشي وخزان علمي وسادة أهل السماء والأرض، هؤلاء البررة [ر: البراء] المهتدون [ب، ر: المهتدين] المهتدى بهم، من جاءني بطاعتهم وولايتهم أولجته جنتي و [أولجته. أ. ب: أبحته] كرامتي ومن جاءني بعداوتهم والبرائة منهم أولجته ناري وضاعفت عليه عذابي وذلك جزاء الظالمين. ثم قال: نحن أهل الإيمان بالله ملاكه وتمامه حقاً [حقاً. ر، ب] وبنا سداد الأعمال الصالحة، ونحن وصية الله في الأولين والآخرين، وإن منا الرقيب على خلق الله ونحن قسم الله ا[لذي. أ، ب] قسم بنا حيث يقول [الله تعالى. ر]: {اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً} [1/ النساء]. أيها الناس إنا أهل البيت [ب: بيت] عصمنا الله من أن نكون مفتونين أو فاتنين أو مفتنين أو كذابين [ب: كاذبين] أو كاهنين أو ساحرين أو عايقين [ر: عائفين] أو خائنين [أ: خائبين] أو زاجرين أو مبتدعين أو مرتابين أو صادفين [أ، ب: صادين] عن الخلق [أو. ب] منافقين، فمن كان فيه شيءٌ من هذه الخصال فليس منا [ب، ر: مني] ولا أنا منه، والله منه بريء ونحن منه براء ومن برء الله منه أدخله جهنم وبئس المهاد، وإنا أهل بيت [ر: البيت] طهرنا الله من كل نجس فنحن الصادقون إذا نطقوا والعالمون إذا سئلوا والحافظون لما استودعوا، جمع الله لنا عشر خصال لم يجتمعن لأحدٍ قبلنا [أ: بعدنا] ولا تكون لأحد غيرنا: العلم والحلم والحكم واللب والنبوة [ب، أ: الفتوة] والشجاعة والصدق [والصبر. ر] والطهارة والعفاف، فنحن كلمة التقوى وسبيل الهدى والمثل الأعلى والحجة العظمى والعروة الوثقى والحق الذي أمر الله في المودة {فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون}تفسير : [32/ يونس].
اطفيش
تفسير : {إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} من الشعراء فلا ضير عليهم ولا على من يتبعهم. {وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً} في أشعارهم وغيرها ولا يشغلهم الشعر عن ذكر الله بل انما يقولون الشعر في التوحيد والثناء على الله ورسوله ودينه والحث على ذلك وذم المشركين ولا يقولون شعرا فيه معصية بل شعرا فيه نصر الله ورسوله ودينه كما قال. {وَانتَصَرُوا} بهجو الكفار. {مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} بهجو الكفار لهم في جملة المؤمنين {أية : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم}تفسير : {أية : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم }تفسير : وقال كثيرون المراد ذكر الله في غير الشعر لكن اذا قالوا شعرا كان في الطاعة والموعظة والزهد والآداب الحسنة وغير ذلك مما لا معصية فيه ويدخل في ذلك شعراء المؤمنين إلى آخر الدهر اذا لم يدخلوا في أشعارهم معصية وقال ابن زيد المراد ذكر الله في أشعارهم وفي الحديث أفضل العباد الذاكرون الله كثيرا هم أفضل من الغازين في المشركين حتى تنكسر سيوفهم وتختضب دما، وقال: ذكر الله خير أعماكم وأزكاها وخير من انفاق الذهب والورق ومن ان تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قال بعضهم أراد بالمستثنيين عبدالله بن رواحة رحمه الله وحسان بن ثابت ولا ولاية له في مشهور المذهب وكعب بن مالك وهو كذلك وكعب بن زهير رحمه الله وعلي وهو في البراءة ولم تثبت له التوبة في مشهور المذهب ولا يتولى هو ونحوه بالآية لأن الآية انما دلت على انه لا ضير عليهم من حيث أشعارهم وأن أشعارهم طاعة لأنهم غير مشركين وذكروا الله وانه لا ضير على من تبعهم فان الآية سبقت في ذلك وفي هذا الاستثناء رد على من قال الشعر مكروه لذاته ولو لم تكن فيه معصية قال الشافعي الشعر باب من الكلام فحسنه كحسن الكلام وقبحه كقبحه وكذا قالت عائشة رضي الله عنها وعن عطاء بن يسار شق على شعراء المسلمين قوله {أية : والشعراء يتبعهم الغاوون }تفسير : فنزل الاستثناء بالمدينة وأما رواية جابر بن عبدالله (من مشي سبع خطوات في شعر كتب من الغاوين) ورواية أبي هريرة (لأن يمتليء جوف أحدكم قيحا خيرا له من أن يمتليء شعرا) في شعر فيه معصية. قال رجل من العلوية لعمر بن عبيد أن صدري ليجيش بالشعر، فقال فما يمنعك منه فيمالا بأس فيه وقال صلى الله عليه وسلم لكعب بن مالك "حديث : أهجهم فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل " تفسير : وكان يقول لحسان "حديث : قل وروح القدس معك " تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : إن المؤمن يجاهد بنفسه ولسانه والذي نفسي بيده لكأنكم ترمونهم بالنبل "تفسير : وقال يوم قريظة أهج المشركين فان جبريل معك وكان يضع له منبرا في المسجد يمدحه ويهجو المشركين قائما وقال "حديث : إن الله يؤيده بروح القدس ما فاخر عني "تفسير : وقال "حديث : أهجوا قريشا فإنه أشد عليهم من رشق النبل "تفسير : وقال "حديث : إن من الشعر لحكمة ـ إن من البيان لسحرا ومن الشعر حكما "تفسير : وقال لأبي عمرو بن الشريد هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء فأنشده بيننا فكان يشير اليه أن زد ان زد حتى انشد له منه مائة بيت وقال "حديث : لقد كاد يسلم في شعره "تفسير : وعن جابر بن سمرة جالست رسول الله صلى الله عليه وسلم اكثر من مائة مرة وكان أصحابه يتناشدون الشعر ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية وهو ساكت وربما تبسم وكان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وعلي يقولون الشعر وأشعرهم علي وقيل ما قال الا بيتا وبيتين وكان ابن عباس ينشد الشعر في المسجد الحرام ويستنشده ودعا عمر بن ربيعة المخزومي فاستنشده قصيدته التي أولها:ـ شعر : أمن آل نعم أنت غاد فمبكر غداة أم رائح فمهجر تفسير : وهي قريبة من تسعين بيتا ثم ان ابن عباس أعادها جميعا حفظها من سماع واحد و"حديث : دخل صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة القضاء وكعب بن مالك بين يديه يقول:ـ * خلوا بني الكفار عن سبيله * نضربكم في اليوم عن نزيله * * ضربا يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله * فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه يا كعب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حرم الله سبحانه تقول الشعر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خل عنه يا عمر فلهي فيهم أسرع من النبل"تفسير : ، وفي رواية وابن رواحة بين يديه والأولى أصح لأن ابن رواحة مات في غزوة مؤته وعمرة القضاء بعدها كذا ظهر لي ثم راجعت سير الغزوات فاذا أن عمرة القضاء سنة سبع وغزوة مؤتة سنة ثمان و"حديث : أرسل الى ابن رواحة فهجاهم فلم يرض وأرسل إلى كعب بن مالك ثم الى حسان وقال هو الأسد الضاري فجاء فقال والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلسان فري الاديم فقال لا تعجل فان أبا بكر أعلم قريشي بالأنساب وإن لي فيهم نسبا حتى يخلص لك بشيء فأتاه حسان ورجع فقال والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم سل الشعرة من العجين فهجا فقال صلى الله عليه وسلم هجاهم حسان فشفى واستشفى قال:ـ * هجوت محمدا فأجبت عنه * وعند الله في ذاك الجزاء * * هجوت محمدا برا تقيا * رسول الله شيمته الوفاء * * فإن أبي ووالدتي وعرضي * لعرض محمد منكم وقاء * * فإن أعرضتم عنا اعتمرنا * وكان الفتح وانكشف الغطاء * * وإلا فاصبروا لضراب يوم * يعز الله فيه من يشاء * * وقال الله قد أرسلت عبدا * يقول الحق ليس به خفاء * * وقال الله قد سيرت جندا * هم الانصار عرضتها اللقاء * * لهم في كل يوم من معد * سباب أو قتال أو هجاء * * فمن يهجو رسول الله منكم * ويمدحه وينصره سواء * * وجبريل رسول الله فينا * وروح القدس ليس له خفاء * " تفسير : قال بعض العلماء أنصف بيت قالته العرب قول حسان:ـ شعر : أتهجوه وليست له بكفء فشركما لخيركما الفداء تفسير : وكانت العرب تفد اليه وتقول أشعارا في مدحها وفي مدحه وهو يسمع واستسقى بعد موت عمه أبي طالب فسقوا فتفكر قول ابي طالب في وصفه صلى الله عليه وسلم.. شعر : وابيض يستسقي الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل تفسير : فقال من ينشدني قوله فأنشده علي البيت وما بعده هكذا.. شعر : يلوذ به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل تفسير : فقام رجل فقال: شعر : لك الحمد والمدح ممن شكر سقينا بوجه النبي المطر دعا الله خالقه دعوة واشخص منه اليه البصر فلم يك الا كلف الردي وأسرع حتى اتتنا الدرر تفسير : فكان كما قاله شعر : عمه أبو طالب أبيضا ذا غرر به أنزل الله صوب الغمام تفسير : وهذا العيان وذاك الخبر فقال صلى الله عليه وسلم "حديث : ان كان شاعرا يحسن فقد أحسن "تفسير : و"حديث : سمع شباب الأنصار وجواري بني النجار عند ورود المدينة.. * طلع البدر علينا * من ثنيات الوداع * * وجب الشكر علينا * ما دعا لله داع * فانشد له كعب قصيدته بانت سعاد فخلع عليه بردته فاشتراها معاوية بعشرة آلاف درهم وروي أن حسانا جاءه وهو في مسجده فقال: يا رسول الله أيأذن لي الله أن محمدا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: وأنا أشهد وقال: * وإن أبا يحيى ويحيى كليهما * له السهم في الدين الذي يتقبل * * وإن الذي عادى اليهود بن مريم * رسول اذ كل الخلائق مرسل * فقال صلى الله عليه وسلم وأنا أشهد وكان يتمثل بقول طرفة: * ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا * ويأتيك بالأخبار من لم تزود * تفسير : لكن يجري على لسانه ويأتيك من لم تزود بالأخبار "حديث : وكان يكسر البيت على لسانه فيقول أبو بكر: يا رسول الله انما قال الشاعر كذا اشهد انك رسول الله ما علمك الشعر وما ينبغي لك وقال صلى الله عليه وسلم لحسان هل قلت في أبي بكر شيئا فقال نعم. قال فقل: * وثاني اثنين في الغار المنيف وقد * طاف العدو به إذ صاعد الجبلا * * وكان حب رسول الله عالبه * عن كل شيء فلم يعدل به بدلا * فتبسم صلى الله عليه وسلم"تفسير : "حديث : وسمع النابغة الجعدي يقول: * بلغنا السماء مجدنا وسناءنا * وانا لنرجو فوق ذلك مظهرا * فقال له: الى اين يا ابن أَبي ليلى فقال: الى الجنة. فقال صلى الله عليه سلم إن شاء الله فقال: * ولا خير في حلم اذا لم يكن له * بوادر تحمي صفوه ان تكدرا * * ولا خير في جهل اذا لم يكن له * حكيم اذا ما أورد القوم اصدرا * فقال صلى الله عليه وسلم أجدت لا يفضض الله فاك فعاش مائة وعشرين سنة وهو أحسن الناس شعرا ولم تزل عنه سن"تفسير : وقال أبو بكر حين قدم المدينة: شعر : كل امرء مصبح في أهله والموت ادنى من شراك نعله تفسير : ومن شعر بلال: شعر : ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل تفسير : {وَسَيَعْلَمُ الِّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} أي اسم استفهام واقعة على الانقلاب مفعول مطلق لينقلبون ومنقلب مصدر ميمي بمعنى الانقلاب وجملة منقلبون سدت مسد مفعولي يعلم لتعليقه بالاستفهام والمراد بالذين ظلموا الشعراء المشركون وغيرهم من المشركين ولا بعد ان يراد بهم كل ظالم مشرك أو موِّحد، والانقلاب الرجوع إلى الله بالموت أو بالبعث قال ابن عباس الى جهنم وبئس المصير ختم السورة بمالا أهيب منه ولا اصدع منه لأكباد المتدبرين لما في سيعلم من الوعيد البليغ وفي ابهام المنقلب وكان السلف يتواعظون بها ويتناذرون والآية مؤيسة للكفار من الانقلاب عن العذاب وقد قرأ ابن عباس أي منقلب ينقلبون. اللهم ببركة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وبركة السورة أخز النصارى وأهنهم واكسر شوكتهم وغلّب المسلمين والموحدين عليهم صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما
اطفيش
تفسير : {إلاَّ الذين آمنُوا وعَملُوا الصالحات وذكَروا الله كَثيراً} يقولون الشعر فى التوحيد، ومدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويهجون المشركين، ولا بأس به فى المباح تعلماً لما نزل، والشعراء يتبعهم الغاوون، جاء ناس من الأنصار كعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك باكين، وقالوا: يا رسول الله نحن شعراء، فأنزل الله عز وجل: {إلا الذين آمنوا} إلخ، ولم يزل الموحدون ينظمون الشعر فى علوم الاسلام، ومدح الرسول، وذكر معجزاته وشأنه وفى ذلك، وفى ذم المشركين انتصار عليهم. وقال لكعب بن مالك: "حديث : إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذى نفسى بيده لكأنما ترمونهم به نضح النبل"تفسير : واستمع لشعر حسان فقال: "حديث : لهذا أشد عليهم من وقع النبل"تفسير : وسمع الشعر وأجاز عليه، وقال لحسان: "حديث : اهجهم وجبريل معك"تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن جبريل أعان حساناً على مدحى بسبعين بيتاً"تفسير : روى انه صلى الله عليه وسلم دخل مكة فى عمرة القضاء، وبين يديه ابن رواحة يقول: شعر : خلوا بنى الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تنزيله ضرباً يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله تفسير : فقال عمر رضى الله عنه: يا ابن رواحة أتقول الشعر بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفى حرم الله تعالى؟ّ فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : دعه يا عمر فلهى أسرع فيهم من نضح النبل"تفسير : وروى أن ذلك كعب بن مالك لا عبد الله بن رواحة، لأن عبد الله قتل يوم مؤتة، وعمرة القضاء بعد ذلك، والحق ان عمرة القضاء فى سنة سبع، ويوم مؤتة سنة ثمان، وكان صلى الله عليه وسلم يضع لحسان منبراً فى المسجد، يمدح رسول صلى صلى الله عليه وسلم ويقول شعراً، وكان يأمر حساناً وكعباً، وعبد الله بن رواحة بالشعر مدحاً للاسلام. وعن ابن مسعود، عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ الله عز وجل يأمر شعراء المسلمين أنْ يقولوا شعراً يتغنى به الحور العين لأزواجهن فى الجنة"تفسير : وشعراء المشركين يدعون فى النار بالويل والثبور، لما وجىء عمر رضى الله عنه قال له كعب، تموت لثلاث، فقال رضى الله عنه:شعر : توعدنى كعب ثلاثاً يعدها ولا شك أن القول ما قاله كعب وما بى خوف الموت إنى لميت ولكن خوف الذنب يتبعه الذنب تفسير : ولما مات صلى الله عليه وسلم قالت فاطمة رضى الله عنها وأرضاها:شعر : ماذا على من شم تربة أحمد أن لا يشم مع الزمان غواليا صبت على مصائب لو أنها صبت على الأيام صرن لياليا تفسير : وقال الحسن بن على:شعر : نسود أعلاها وتأبى أصولها فليت الذى يسود منها هو الأصل تفسير : ومن شعر الشافعى:شعر : ومتعب النفس مرتاح الى بلد والموت يطلبه فى ذلك البلد وضاحك والمنايا فوق هامته لو كان يعلم غيباً مات من كمد من كان لم يؤت علماً فى بقاء غد فلا يفكر لما يجىء بعد غد تفسير : وقال على:شعر : ولما رأيت الخيل تزحم بالقنا نواص لها حمر النحور دوامى وأعرض نفع فى السماء كأنه عجاجة دجن ملبس بقتام ونادى ابن هند فى الكلاع وحمير وكندة فى لخم وحى جذام تيممت همدان الذين هم هم إذا ناب دهر جنتى وسهامى فجاوبنى من خيل همدان عصبة فوارس من همدان غير لئام فخاضوا لظاها واستطاروا شرارها وكانوا لدى الهيجا كشرب مدام فلو كنت بواباً على باب جنة لقلت لهمدان ادخلوا بسلام تفسير : وخطب ابنة سفيان بن عيبنة ابن أخيه فقال: كفؤ كريم، لكن هل تحفظ عشر آيات؟ قال: لا قال: فعشرة أحاديث؟ قال: لا، قال: فعشرة أبيات؟قال لا، قال ففيم أضع بنتى، لكن لا ترجع خائباً فاعطاه عشرة آلاف درهم. {وانتَصُروا} على المشركين بمدح الاسلام، وذم الكفر وأهله، والقتال {مِن بعْدما} مصدرية {ظُلمُوا} فى دينهم وأبدانهم وأعراضهم وأموالهم {وسَيعْلم الَّذين ظَلمُوا} رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة، بالهجو وغيره، أو ظلموا أشركوا، وتعميم ذلك أولى {أىَّ منقلبٍ ينْقلبُون} أى مفعول مطلق واقع على الانقلاب، ومنقلب مصدر ميمى، والعلم متعلق بالاستفهام، وغير هذا تخليط، وليست أى وصفاً، وهذه الآية يتواعظ بها السلف الصالح، قال الصديق رضى الله عنه فى مرض موته، لعثمان: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبو بكر بن أبى قحافة عند آخر عهده بالدنيا، وأول عهده بالآخرة، فى الحال التى يؤمن فيها الكافر، ويتقى فيها الفاجر، ويصدق فيها الكاذب، أنى قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فان يعدل فذلك ظنى به، ورجائى فيه، وأن يجر ويبدل فلا علم لى بالغيب، والخير أردت، ولكل امرىء ما اكتسب، وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون، والله أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الالوسي
تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ } استثناء للشعراء المؤمنين الصالحين الذين يكثرون ذكر الله عز وجل ويكون أكثر أشعارهم في التوحيد والثناء على الله سبحانه وتعالى والحث على الطاعة والحكمة والموعظة والزهد في الدنيا والترهيب عن الركون إليها والاغترار بزخارفها والافتتان بملاذها الفانية والترغيب فيما عند الله تعالى ونشر محاسن رسوله صلى الله عليه وسلم ومدحه وذكر معجزاته ليتغلغل حبه في سويداء قلوب السامعين وتزداد رغباتهم في اتباعه ونشر مدائح آله وأصحابه وصلحاء أمته لنحو ذلك ولو وقع منهم في بعض الأوقات هجو وقع بطريق الانتصار ممن هجاهم من غير اعتداء ولا زيادة كما يشير إليه قراءة بعضهم {وانتصروا بمثل ما ظلموا}. وقيل: المراد بالمستثنين شعراء المؤمنين الذين كانوا ينافحون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكافحون هجاة المشركين، واستدل لذلك بما أخرج عبد بن حميد وابن أبـي حاتم عن قتادة إن هذه الآية نزلت في رهط من الأنصار هاجوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم كعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت وعن السدي نحوه، وبما أخرج جماعة عن أبـي حسن سالم البراد أنه قال: لما نزلت {أية : وَٱلشُّعَرَاء} تفسير : [الشعراء: 224] الآية جاء عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن مالك وهم يبكون فقالوا: يا رسول الله لقد أنزل الله تعالى هذه الآية وهو يعلم أنا شعراء هلكنا فأنزل الله تعالى {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } الخ فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاها عليهم. وأنت تعلم أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قرأ قوله تعالى: {إلا الذين آمنوا} إلى آخر الصفات فقال: هم أبو بكر وعمر وعلي وعبد الله بن رواحة ولعله من باب الاقتصار على بعض ما يدل عليه اللفظ فقد جاء عنه في بعض الروايات ما يشعر بالعموم. هذا واستدل بالآية على ذم الشعر والمبالغة في المدح والهجو وغيرهما من فنونه وجوازه في الزهد والأدب ومكارم الأخلاق وجواز الهجو لمن ظلم انتصاراً كذا قيل، واعلم أن الشعر باب من الكلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، وفي الحديث:حديث : إن من الشعر لحكمة تفسير : وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الشعر وأجاز عليه حديث : وقال عليه الصلاة والسلام لحسان رضي الله تعالى عنه: اهجهم يعني المشركين فإن روح القدس سيعينك تفسير : وفي رواية:حديث : اهجهم وجبريل معك تفسير : . / وأخرج ابن سعد عن ابن بريدة أن جبريل عليه السلام أعان حساناً على مدحته النبـي صلى الله عليه وسلم بسبعين بيتاً، وأخرج أحمد والبخاري في «التاريخ» وأبو يعلى وابن مردويه حديث : عن كعب بن مالك أنه قال للنبـي صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى أنزل في الشعراء ما أنزل فكيف ترى فيه؟ فقال: إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبلتفسير : ، وأخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة وهم في سفر أين حسان بن ثابت فقال: لبيك يا رسول الله وسعديك قال: خذ فجعل ينشده ويصغي إليه حتى فرغ من نشيده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لهذا أشد عليهم من وقع النبل،تفسير : ويروى عن هشام بن عروة عن أبيه عن حديث : عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبـي صلى الله عليه وسلم بنى لحسان بن ثابت منبراً في المسجد ينشد عليه الشعرتفسير : . وأخرج الديلمي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعاً الشعراء الذين يموتون في الإسلام يأمرهم الله تعالى أن يقولوا شعراً يتغنى به الحور العين لأزواجهن في الجنة والذين ماتوا في الشرك يدعون بالويل والثبور في النار، وقد أنشد كل من الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم أجمعين الشعر، وكذا كثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فمن شعر أبـي بكر رضي الله تعالى عنه:شعر : أمن طيف سلمى بالبطاح الدمائث أرقت وأمر في العشيرة حادث ترى من لؤى فرقة لا يصدها عن الكفر تذكير ولا بعث باعث رسول أتاهم صادق فتكذبوا عليه وقالوا لست فينا بماكث ولما دعوناهم إلى الحق أدبروا وهروا هرير المجحرات اللواهث فكم قد مثلنا فيهم بقرابة وترك التقي شيء لهم غير كارث فإن يرجعوا عن كفرهم وعقوقهم فما طيبات الحل مثل الخبائث وإن يركبوا طغيانهم وضلالهم فليس عذاب الله عنهم بلابث ونحن أناس من ذؤابة غالب لنا العز منها في الفروع الأثائث فأولى برب الراقصات عشية حراجيج تخدي في السريح الرثائث كأدم ظباء حول مكة عكف يردن حياض البئر ذات النبائث لئن لم يفيقوا عاجلاً من ضلالهم ولست إذا ءاليت يوماً بحانث لتبتدرنهم غارة ذات مصدق تحرم أطهار النساء الطوامث تغادر قتلى يعصب الطير حولهم ولا ترأف الكفار رأف ابن حارث فأبلغ بني سهم لديك رسالة وكل كفور يبتغي الشر باحث فإن تشعثوا عرضي على سوء رأيكم فإني من أعراضكم غير شاعث تفسير : ومن شعر عمر رضي الله تعالى عنه وكان من أنقد أهل زمانه للشعر وأنفذهم فيه معرفة:شعر : توعدني كعب ثلاثاً يعدها ولا شك أن القول ما قاله كعب وما بـي خوف الموت إني لميت ولكن خوف الذنب يتبعه الذنب تفسير : / وقوله يروى للأعور الثنى:شعر : هون عليك فإن الأمور بكف الإله مقاديرها فليس بآتيك منهيها ولا قاصر عنك مأمورها تفسير : ومنه وقد لبس برداً جديداً فنظر الناس إليه، ويروى لورقة بن نوفل من أبيات:شعر : لا شي مما ترى تبقى بشاشته يبقى الإله ويفنى المال والولد لم تغن عن هرمز يوماً خزائنه والخلد حاوله عاد فما خلدوا ولا سلميان إذ تجري الرياح له والإنس والجن فيما بينها ترد حوض هنا لك مورود بلا كذب لا بد من ورده يوماً كما وردوا تفسير : ومن شعر عثمان رضي الله تعالى عنه:شعر : غنى النفس يغني النفس حتى يكفها وإن عضها حتى يضر بها الفقر تفسير : ومن شعر علي كرم الله تعالى وجهه وكان مجوداً حتى قيل: إنه أشعر الخلفاء رضي الله تعالى عنهم يذكر همدان ونصرهم إياه في صفين:شعر : ولما رأيت الخيل تزحم بالقنا نواصيها حمر النحور دوامي وأعرض نقع في السماء كأنه عجاجة دجن ملبس بقتام ونادى ابن هند في الكلاع وحمير وكندة في لخم وحي جذام تيممت همدان الذين هم هم إذا ناب دهر جنتي وسهامي فجاوبني من خيل همدان عصبة فوارس من همدان غير لئام فخاضوا لظاها واستطاروا شرارها وكانوا لدى الهيجا كشرب مدام فلو كنت بواباً على باب جنة لقلت لهمدان ادخلوا بسلام تفسير : وقد جمعوا ما نسب إليه رضي الله تعالى عنه من الشعر في ديوان كبير ولا يصح منه إلا اليسير، ومن شعر ابنه الحسن رضي الله تعالى عنهما وقد خرج على أصحابه مختضباً:شعر : نسود أعلاها وتأبى أصولها فليت الذي يسود منها هو الأصل تفسير : ومن شعر الحسين رضي الله تعالى عنه وقد عاتبه أخوه الحسن رضي الله تعالى عنه في امرأته:شعر : لعمرك إنني لأحب داراً تحل بها سكينة والرباب أحبهما وأبذل جل مالي وليس للائمي عندي عتاب تفسير : ومن شعر فاطمة رضي الله تعالى عنها قالته يوم وفاة أبيها عليه الصلاة والسلام:شعر : ماذا على من شم تربة أحمد أن لا يشم مدى الزمان غواليا صبت عليَّ مصائب لو أنها صبت على الأيام صرن لياليا تفسير : ومن شعر العباس رضي الله تعالى عنه يوم حنين يفتخر بثبوته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم:شعر : ألا هل أتى عرسي مكري وموقفي بوادي حنين والأسنة تشرع وقولي إذا ما النفس جاشت لها قرى وهام تدهدي والسواعد تقطع وكيف رددت الخيل وهي مغيرة بزوراء تعطي باليدين وتمنع نصرنا رسول الله في الحرب سبعة وقد فر من قد فر عنه فأقشعوا تفسير : ومن شعر ابنه عبد الله رضي الله تعالى عنهما:شعر : إذا طارقات الهم ضاجعت الفتى وأعمل فكر الليل والليل عاكر وباكرني في حاجة لم يجد لها سواي ولا من نكبة الدهر ناصر فرجت بمالي همه من مقامه وزايله هم طروق مسامر وكان له فضل علي بظنه بـي الخير أني للذي ظن شاكر تفسير : وهلم جرا إلى حيث شئت، وليس من بني عبد المطلب كما قيل رجالاً ولا نساء من لم يقل الشعر حاشا النبـي صلى الله عليه وسلم ليكون ذلك أبلغ في أمره عليه الصلاة والسلام، ولأجلة التابعين ومن بعدهم من أئمة الدين وفقهاء المسلمين شعر كثير أيضاً، ومن ذلك قول الشافعي رضي الله تعالى عنه:شعر : ومتعب العيس مرتاح إلى بلد والموت يطلبه في ذلك البلد وضاحك والمنايا فوق هامته لو كان يعلم غيباً مات من كمد من كان لم يؤت علماً في بقاء غد فما يفكر في رزق لبعد غد تفسير : والاستقصاء في هذا الباب يحتاج إلى إفراده بكتاب وفيما ذكر كفاية، وقد مدحه أيضاً غير واحد من الأجلة فعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كتب إلى أبـي موسى الأشعري مر من قبلك بتعلم الشعر فإنه يدل على معالي الأخلاق وصواب الرأي ومعرفة الأنساب، وعن علي كرم الله تعالى وجهه الشعر ميزان العقول. وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول: إذا قرأتم شيئاً من كتاب الله تعالى فلم تعرفوه فاطلبوه في أشعار العرب فإن الشعر ديوان العرب، وما أخرجه أحمد وابن أبـي شيبة عن أبـي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عرض شاعر ينشد فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحاً خير من أن يمتلىء شعراً»تفسير : حمله الشافعي عليه الرحمة على الشعر المشتمل على الفحش، وروي نحوه عن عائشة رضي الله تعالى عنها، فقد أخرج الكلبـي عن أبـي صالح عن ابن عباس عن عائشة أنه بلغها أن أبا هريرة يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأن يمتلىء جوف أحدكم» الحديث فقالت: رحم الله تعالى أبا هريرة إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلىء شعراً»تفسير : من الشعر الذي هجيت به يعني نفسه الشريفة عليه الصلاة والسلام ذكر ذلك المرشدي في «فتاواه» نقلاً عن كتاب «بستان الزاهدين»، ولا يخفى أنه يبعد الحمل المذكور التعبير بيمتلىء فإن الكثير والقليل مما فيه فحش أو هجو لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم سواء، وما أحسن قول الماوردي: الشعر في كلام العرب مستحب ومباح ومحظور فالمستحب ما حذر من الدنيا ورغب في الآخرة وحث على مكارم الأخلاق والمباح ما سلم من فحش أو كذب والمحظور نوعان كذب وفحش وهما جرح في قائله وأما منشده فإن حكاه اضطراراً لم يكن جرحاً أو اختياراً جرح، وتبعه على ذلك الروياني وجعل الروياني ما فيه الهجو لمسلم سواء كان بصدق أو كذب من المحظور أيضاً، ووافقه جماعة إلا أن إثم الصادق أخف من إثم الكاذب كما قال القمولي. وإثم الحاكي / على ما قال الرافعي دون إثم المنشد، وقال الأذرعي: ليس هذا على إطلاقه بل إذا استوى الحاكي والمنشد أما إذا أنشده ولم يذعه فأذاعه الحاكي فإثمه أشد بلا شك، واحترز بقيد المسلم عما فيه الهجو لكافر فإن فيه تفصيلاً. وفصل بعضهم ما فيه الهجو لمسلم أيضاً وذلك أن كثيراً من العلماء أطلقوا جواز هجو الكافر استدلالاً بأمره صلى الله عليه وسلم حساناً ونحوه بهجو المشركين، وقال بعضهم: محل ذلك الكفار على العموم وكذا المعين الحربـي ميتاً كان أو حياً حيث لم يكن له قريب معصوم يتأذى به، وأما الذمي أو المعاهد أو الحربـي الذي له قريب ذمي أو مسلم يتأذى به فلا يجوز هجوه كما قاله الأذرعي وابن العماد وغيرهما؛ وقالوا: إن هجو حسان وإن كان في معين لكنه في حربـي، وعلى التنزل فهو ذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون من القرب فضلاً عن المباحات، وألحق الغزالي وتبعه جمع المبتدع بالحربـي فيجوز هجوه ببدعته لكن لمقصد شرعي كالتحذير من حجهته، وجوز ابن العماد هجو المرتد دون تارك الصلاة والزاني المحصن، وما قاله في المرتد واضح لأنه كالحربـي بل أقبح وفي الأخيرين محله حيث لم يتجاهر أما المتجاهر بفسقه فيجوز هجوه بما تجاهر به فقط لجواز غيبته بذلك فقط. وقال البلقيني: الأرجح تحريم هجو المتجاهر المذكور لا لقصد زجره لأنه قد يتوب وتبقى وصمة الشعر السائر عليه ولا كذلك الكافر إذا أسلم. ورد بأن مجاهرته بالمعصية وعدم مبالاته بالناس وكلامهم فيه صيراه غير محترم ولا مراعى فهو المهدر لحرمة نفسه بالنسبة لما تجاهر به فلم يبال ببقاء تلك الوصمة عليه. نعم لو قيل بحرمة إنشاده بعد التوبة إذا كان يتأذى به هو أو قريبة المسلم أو الذمي أو بعد موته إذا كان يتأذى به من ذكر لم يبعد. وذكر جماعة أن من جملة المحظور أيضاً ما فيه تشبيب بغلام ولو غير معين مع ذكر أنه يعشقه أو بامرأة أجنبية معينة وإن لم يذكرها بفحش أو بامرأة مبهمة مع ذكرها بالفحش ولم يفرقوا بين إنشاء ذلك وإنشاده، واعتبر بعضهم التعيين في الغلام كالمرأة فلا يحرم التشبيب بمبهم. قال الأذرعي وهو الأقرب والأول ضعيف جداً، وقال أيضاً: يجب القطع بأنه إذا شبب بحليلته ولم يذكر سوى المحبة والشوق أو ذكر شيئاً من التشبيهات الظاهرة أنه لا يضر وكذا إذا ذكر امرأة مجهولة ولم يذكر سوءاً. وفي «الإحياء» ((في حرمة التشبيب بنحو وصف الخدود والأصداغ وسائر أوصاف النساء نظر، والصحيح أنه لا يحرم نظمه ولا إنشاده بصوت وغير صوت، وعلى المستمع أن [لا] ينزله على امرأة معينة فإن نزله على حليلته جاز أو على غيرها فهو العاصي بالتنزيل ومن هذا وصفه فينبغي أن يجتنب السماع))، وذكر بعض الفضلاء أن ما يحرم إنشاؤه قد لا تحرم روايته فإن المغازي روي فيها قصائد الكفار الذين هاجوا فيها الصحابة رضي الله تعالى عنهم ولم ينكر ذلك أحد، حديث : وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم أذن في الشعر الذي تقاولت به الشعراء في يومي بدر وأحد وغيرهما إلا قصيدة ابن أبـي الصلت الحائية انتهىتفسير : ، قال الأذرعي: ولا شك في هذا إذا لم يكن فيه فحش ولا أذى لحي ولا ميت من المسلمين ولم تدع حاجة إليه، وقد ذم العلماء جريراً والفرزدق في تهاجيهما ولم يذموا من استشهد بذلك على إعراب وغيره من علم اللسان، ويجب حمل كلام الأئمة على غير ذلك مما هو عادة أهل اللعب والبطالة وعلى إنشاد شعر شعراء العصر إذا كان إنشاؤه حراماً إذ ليس فيه إلا أذى أو وقيعة في الأحياء / أو إساءة الأحياء في أمواتهم أو ذكر مساوي الأموات وغير ذلك وليس مما يحتج به في اللغة ولا غيرها فلم يبق إلا اللعب بالأعراض، وزاد بعض حرمة شعر فيه تعريض وجعل التعريض في الهجو كالتصريح وله وجه وجيه. وقال آخر: إن ما فيه فخر مذموم وقليله ككثيره، والحق أن ذلك إن تضمن غرضاً شرعياً فلا بأس به، وللسلف شعر كثير من ذلك وقد تقدم لك بعض منه، وحمل الأكثرون الخبر السابق على ما إذا غلب عليه الشعر وملك نفسه حتى اشتغل به عن القرآن والفقه ونحوهما ولذلك ذكر الامتلاء، والحاصل أن المذموم امتلاء القلب من الشعر بحيث لا يتسع لغيره ولا يلتفت إليه. وليس في الخبر ذم إنشائه ولا إنشاده لحاجة شرعية وإلا لوقع التعارض بينه وبين الأخبار الصحيحة الدالة على حل ذلك وهي أكثر من أن تحصى وأبعد من أن تقبل التأويل كما لا يخفى. وما روي عن الإمام الشافعي من قوله:شعر : ولولا الشعر بالعلماء يزري لكنت اليوم أشعر من لبيد تفسير : محمول على نحو ما حمل الأكثرون الخبر عليه وإلا فما قاله شعر، وفي معناه قول شيخنا علاء الدين علي أفندي تغمده الله تعالى برحمته مخاطباً خاتمة الوزراء في الزوراء داود باشا من أبيات:شعر : ولو لداعيه يرضى الشعر منقبة لقمت ما بين منشيه ومنشده تفسير : هذا وسيأتي إن شاء الله تعالى كلام يتعلق بهذا البحث أيضاً عند الكلام في قوله تعالى: {أية : وَمَا عَلَّمْنَـٰهُ ٱلشّعْرَ وَمَا يَنبَغِى له }تفسير : [يس: 69] ومن اللطائف أن سليمان بن عبد الملك سمع قول الفرزدق:شعر : فبتن بجانبـيَّ مصرَّعات وبت أفض أغلاق الختام تفسير : فقال له قد وجب عليك الحد فقال يا أمير المؤمنين: قد درأ الله تعالى عني الحد بقوله سبحانه: {أية : وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ } تفسير : [الشعراء: 226]. {وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ } تهديد شديد ووعيد أكيد لما في {سيعلم} من تهويل متعلقه وفي {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } من الإطلاق والتعميم، وقد كان السلف الصالح يتواعظون بها، وختم بها أبو بكر رضي الله تعالى عنه وصيته حين عهد لعمر رضي الله تعالى عنه وذلك أنه أمر عثمان رضي الله تعالى عنه أن يكتب في مرض موته حينئذ بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد به أبو بكر بن أبـي قحافة عند آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة في الحال التي يؤمن فيها الكافر ويتقي فيها الفاجر ويصدق فيها الكاذب أني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فإن يعدل فذاك ظني به ورجائي فيه وأن يجر ويبدل فلا علم لي بالغيب والخير أردت ولكل امرىء ما اكتسب {وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَيَ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ }. وتفسير الظلم بالكفر وإن كان شائعاً في عدة مواضع من القرآن الكريم إلا أن الأنسب على ما قيل هنا الإطلاق لمكان قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ } وقال الطيبـي: سياق الآية بعد ذكر المشركين الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لقي منهم من الشدائد كما مر من أول السورة يؤيد تفسير الظلم بالكفر. وروى محـي السنة الذين ظلموا أشركوا وهجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقرأ ابن عباس. وابن أرقم عن الحسن {أي منفلت ينفلتون} بالفاء والتاء الفوقية من الانفلات بمعنى النجاة، والمعنى إن الظالمين يطمعون أن ينفلتوا من عذاب الله تعالى وسيعلمون أن ليس لهم وجه من وجوه الانفلات {وَسَيَعْلَمْ } هنا معلقة وأي استفهام مضاف إلى {مُنقَلَبٍ } والناصب له {يَنقَلِبُونَ }، والجملة سادة مسد المفعولين كذا في «البحر». / وقال أبو البقاء: أي منقلب مصدر نعت لمصدر محذوف والعامل {يَنقَلِبُونَ } أي ينقلبون انقلاباً أي منقلب ولا يعمل فيه (يعلم) لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله: وتعقب بأنه تخليط لأن أياً إذا وصف بها لم تكن استفهاماً. وقد صرحوا بأن الموصوف بها قسيم الاستفهامية، وتحقيق انقسام - أي - يطلب من «كتب النحو» والله تعالى أعلم. ومما قيل في بعض الآيات من باب الإشارة: {أية : طسۤمۤ}تفسير : [الشعراء: 1] قال الجنيد: الطاء طرب التائبين في ميدان الرحمة، والسين سرور العارفين في ميدان الوصلة، والميم مقام المحبين في ميدان القربة، وقيل: الطاء طهارة القدم من الحدثان والسين سناء صفاته تعالى التي تكشف في مرايا البرهان، والميم مجده سبحانه الذي ظهر بوصف البهاء في قلوب أهل العرفان. وقيل: الطاء طهارة قلب نبيه صلى الله عليه وسلم عن تعلقات الكونين، والسين سيادته صلى الله عليه وسلم على الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، والميم مشاهدته عليه الصلاة والسلام جمال رب العالمين، وقيل: الطاء شجرة طوبـى والسين سدرة المنتهى والميم محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل غير ذلك {أية : لَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } تفسير : [الشعراء: 3] الخ فيه إشارة إلى كمال شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته وأن الحرص على إيمان الكافر لا يمنع سوابق الحكم {أية : وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ٱئْتَ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ }تفسير : [الشعراء: 10-11] إلى آخر القصة فيه إشارة إلى حسن التعاضد في المصالح الدينية والتلطف بالضال في إلزامه بالحجج القطعية وأنه لا ينبغي عدم الاحتفال بمن ربيته صغيراً ثم رأيته وقد منحه الله تعالى ما منحه من فضله كبيراً، وقال بعضهم: إن فيه إشارة إلى ما في الأنفس وجعل موسى إشارة إلى موسى القلب وفرعون إشارة إلى فرعون النفس وقومه إشارة إلى الصفات النفسانية وبني إسرائيل إشارة إلى الصفات الروحانية والفعلة إشارة إلى قتل قبطي الشهوة والعصا إشارة إلى عصا الذكر أعني لا إله إلا الله واليد إشارة إلى يد القدرة وكونها بيضاء إشارة إلى كونها مؤيدة بالتأييد الإلهي والناظرين إشارة إلى أرباب الكشف الذين ينظرون بنور الله تعالى والسحرة إشارة إلى الأوصاف البشرية والأخلاق الردية والناس إشارة إلى الصفات الناسوتية والأجر إشارة إلى الحظوظ الحيوانية والحبال إشارة إلى حبال الحيل والعصي إشارة إلى عصي التمويهات والمخيلات والمدائن إشارة إلى أطوار النفس وهكذا. وعلى هذا الطريق سلكوا في الإشارة في سائر القصص، فجعلوا إبراهيم إشارة إلى القلب وأباه وقومه إشارة إلى الروح وما يتولد منها والأصنام إشارة إلى ما يلائم الطباع من العلويات والسفليات وهكذا مما لا يخفى على من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وللشيخ الأكبر قدس سره في هذه القصص كلام عجيب من أراده فليطلبه في «كتبه» وهو قدس سره ممن ذهب إلى أن خطيئة إبراهيم عليه السلام التي أرادها بقوله: {أية : وَٱلَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ ٱلدِينِ } تفسير : [الشعراء: 82] كانت إضافة المرض إلى نفسه في قوله: {أية : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } تفسير : [الشعراء: 80] وقد ذكر قدس سره أنه اجتمع مع إبراهيم عليه السلام فسأله عن مراده بها فأجابه بما ذكر. وقال في باب أسرار الزكاة من «الفتوحات» إن قول الرسول {أية : إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [الشعراء: 109] لا يقدح في كمال عبوديته فإن قوله ذلك لأن يعلم أن كل عمل خالص يطلب الأجر بذاته وذلك لا يخرج العبد عن أوصاف العبودية فإن العبد في صورة الأجير وليس بأجير حقيقة إذ لا يستأجر السيد عبده بل يستأجر / الأجنبـي وإنما العمل نفسه يقتضي الأجرة وهو لا يأخذها وإنما يأخذها العامل وهو العبد فهو قابض الأجرة من الله تعالى فأشبه الأجير في قبض الأجرة وخالفه بالاستئجار اهـ. وحقق أيضاً ذلك في الباب السادس عشر والثلاثمائة من «الفتوحات»، وذكر في الباب السابع عشر والأربعمائة منها أن أجر كل نبـي يكون على قدر ما ناله من المشقة الحاصلة له من المخالفين {أية : وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَـٰطِينُ * وَمَا يَنبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ }تفسير : [الشعراء: 210ـ212] فيه إشارة إلى أنه ليس للشيطان قوة حمل القرآن لأنه خلق من نار وليس لها قوة حمل النور ألا ترى أن نار الجحيم كيف تستغيث عند مرور المؤمن عليها وتقول: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبـي ولنحو ذلك ليس له قوة على سمعه، وهذا بالنسبة إلى أول مراتب ظهوره فلا يرد أنه يلزم على ما ذكر أن الشياطين لا يسمعون آيات القرآن إذا تلوناها ولا يحفظونها وليس كذلك. نعم ذكر أنهم لا يقدرون أن يسمعوا آية الكرسي وآخر البقرة وذلك لخاصية فيهما {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ } تفسير : [الشعراء: 214] فيه إشارة إلى أن النسب إذا لم ينضم إليه الإيمان لا ينفع شيئاً، ولما كان حجاب القرابة كثيفاً أمر صلى الله عليه وسلم بإنذار عشيرته الأقربين {أية : وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الشعراء: 215] هم أهل النسب المعنوي الذي هو أقرب من النسب الصوري كما أشار إليه ابن الفارض قدس سره بقوله:شعر : نسب أقرب في شرع الهوى بيننا من نسب من أبوي تفسير : وأنا أحمد الله تعالى كما هو أهله على أن جعلني من الفائزين بالنسبين حيث وهب لي الإيمان وجعلني من ذرية سيد الكونين صلى الله عليه وسلم فها أنا من جهة أم أبـي من ذرية الحسن ومن جهة أبـي من ولد الحسين رضي الله تعالى عنهما.شعر : نسب كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عموداً تفسير : والله عز وجل هو ولي الإحسان المتفضل بصنوف النعم على نوع الإنسان والصلاة والسلام على سيد العالمين وآله وصحبه أجمعين.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً} تفسير : [الكهف: 2] الآية. مع شواهده العربية. وقوله تعالى: {وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً}. أثنى الله تعالى في هذه الآية الكريمة على الذين آمنوا وعملوا الصالحات، بذكرهم الله كثيراً، وهذا الذي أثنى عليهم به هنا من كثرة ذكر الله، أمر به في آيات أخر وبين جزاءه قال تعالى: {أية : وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تفسير : [الجمعة: 10]، وقال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} تفسير : [الأحزاب: 41ـ42] وقال تعالى: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ} تفسير : [آل عمران: 190ـ191] الآية. وقال تعالى: {أية : وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} تفسير : [الأحزاب: 35]. قوله تعالى: {وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له كقوله تعالى: {أية : وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ} تفسير : [الشورى: 41ـ42] وفي آخر سورة النحل على قوله تعالى: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} تفسير : [النحل: 126]. قوله تعالى: {وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}. المنقلب هنا المرجع والمصير. والأظهر أنه هنا مصدر ميمي، وقد تقرر في فن الصرف أن الفعل إذا زاد على ثلاثة أحرف كان كل من مصدره الميمي، واسم مكانه واسم زمانه على صيغة اسم المفعول. والمعنى: وسيعلم الذين ظلموا أي مرجع يرجعون. وأي مصير يصيرون، وما دلت عليه هذه الآية الكريمة، من أن الظالمين سيعلمون يوم القيامة المرجع الذي يرجعون: أي يعلمون العاقبة السيئة التي هي مآلهم، ومصيرهم ومرجعهم، جاء في آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ} تفسير : [التكاثر: 3ـ7]، وقوله تعالى: {أية : وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً} تفسير : [الفرقان: 42]، وقوله تعالى: {أية : وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ} تفسير : [الرعد: 42] والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً، وقوله: {أَيَّ مُنقَلَبٍ} ما ناب عن المطلق من قوله: {يَنقَلِبُونَ} وليس مفعولاً به لقوله: {وَسَيَعْلَمْ}، قال القرطبي رحمه الله: وأي منصوب بينقلبون، وهو بمعنى المصدر، ولا يجوز أن يكون منصوباً بسيعلم لأن أيا أسماء الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها فيما ذكره النحويون، قال النحاس: وحقيقة القول في ذلك أن الاستفهام معنى وما قبله معنى آخر فلو عمل فيه ما قبله، لدخل بعض المعاني في بعض: انتهى منه. والعلم عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} (227) - واسْتَثْنَى اللهُ تَعَالى مِنَ الصِّفَاتِ المُتَقَدِّمَةِ الشُّعراءَ الذينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَذَكَرُوا اللهَ كَثيراً، وتَوَلَّوا الرَّدَّ على الكُفَّارِ الذِينَ كانُوا يَهْجُونَ المُؤْمِنِينَ. (وفي الحَديثِ: "حديث : إِنَّ المُؤمنَ يُجَاهِدُ بِسَيْفِهِ ولِسَانِهِ، والذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَكَأَنَّ مَا تَرمُونَ بهِ نَضحُ النَّبْلِ"تفسير : ). (أََخرَجهُ الإِمامُ أحمدُ). وسَيَعْلَمُ الذينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالشِّرْكِ، وهِجَاءِ الرَّسُولِ، كَيفَ يَكُونَ مُنْقَلَبُهُمْ يومَ القيَامَةِ، وفي ذَلكَ اليومِ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ معذِرَتُهُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كان بعض شعراء المشركين أمثال عبد الله بن الزبعري، ومسافح الجمحي يهجون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويذمونه، فيلتف الضالون الغاوون من حولهم، يشجعونهم ويستزيدونهم من هجاء رسول الله، وفي هؤلاء نزل قوله تعالى: {أية : وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ}تفسير : الشعراء: 224] فأسرع إلى سيدنا رسول الله شعراءُ الإسلام: عبد الله بن رواحة وكعب بن زهير، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت، فقالوا: أنحن من هؤلاء يا رسول الله؟ فقرأ عليهم رسول الله هذه الآية: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ..} [الشعراء: 227]. فاستثنى الحق - تبارك وتعالى - من الشعراء مَنْ توفَّرت فيه هذه الخصال الأربع {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ ..} [الشعراء: 227] أي: ذكروا الله في أشعارهم؛ لينبهوا الناس إلى مواجيد الدين ومواعظ الإيمان، فيلتفتون إليها، ثم ينتصرون لرسول الله من الذين هَجَوْه. وكان هؤلاء الثلاثة ينتصرون للإسلام ولرسول الله، فكلما هجاه الكفار ردُّوا عليهم، وأبطلوا حُججهم، ودافعوا عن رسول الله، حتى حديث : أنه صلى الله عليه وسلم نَصَب منبراً لحسان بن ثابت، وكان يقول له: "قل وروح القدس معك، اهجهم وجبريل معك " تفسير : وقال لكعب بن مالك: "حديث : اهجهم، فإن كلامك أشدُّ عليهم من رَشْق النِّبال"تفسير : كما سمح لهم بإلقاء الشعر في المسجد؛ لأنهم دخلوا في هذا الاستثناء، فهم من الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، وذكروا الله كثيراً، وهم الذين ينتصرون للإسلام ويُمجِّدون رسول الله، ويدافعون عنه، ويردُّون عنه ألسنة الكفار. ومعنى: {وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ ..} [الشعراء: 227] أنهم لم يكونوا سفهاء، ولم يبدأوا الكفار بالهجاء، إنما ينتصرون لأنفسهم، ويدفعون ما وقع على الإسلام من ظلم الكافرين؛ لذلك لما هجا أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أحدهم رداً عليهم: شعر : أتهْجُوهُ وَلسْتَ لَهُ بكُفْءٍ فَشرُّكما لخيركما الفِدَاءُ فَإنَّ أَبِي وَوَالِدهِ وعِرْضِي لِعْرضِ مُحمدٍ منكمُ وِقَاءُ تفسير : وقوله تعالى: {مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ ..} [الشعراء: 227] ظُلِموا مِمَّنْ؟ من الذين وقفوا من الدين ومن الرسول موقفَ العداء، وتعرَّضوا لرسول الله وللمؤمنين به بالإيذاء والكيد، ظُلِموا من الذين عزلوا رسول الله، وآله في الشِّعْب حتى أكلوا أوراق الشجر، من الذين تآمروا على قتله صلى الله عليه وسلم إلى أنْ هاجر. ومن رحمته تعالى وحكمته أنْ أباح للمظلوم أنْ ينتصر لنفسه، وأنْ يُنفِّس عنها ما يعانيه من وطأة الظلم، حتى لا تُكبتَ بداخله هذه المشاعر، ولا بُدَّ لها أن تنفجر، فقال سبحانه: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ}تفسير : [النحل: 126]. وقال تعالى: {أية : لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ ..}تفسير : [النساء: 148]. فأباح للمظلوم أن يُعبِّر عن نفسه، وأن يرفض الظلم، ولا عليه إنْ جهر بكلمة تُخفِّف عنه ما يشعر به من ظلم. ثم تختم السورة بقوله تعالى: {وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء: 227] يعني: غداً سيعلمون مرجعهم ونهايتهم كيف تكون؟ والمنقلب هو المرجع والمآب، والمصير الذي ينتظرهم. فالحق - تبارك وتعالى - يتوعدهم بما يؤذيهم، وبما يسوؤهم فلن تنتهي المسألة بانتصار المسلمين عليهم، إنما ينتظرهم جزاء آخر في الآخرة. كما قال سبحانه في موضع آخر: {أية : وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ ..}تفسير : [الطور: 47]. لذلك أبهم الله تعالى هذا المنقلب، وإبهامه للتعظيم والتهويل، وقد بلغ من العِظَم أنه لا يُوصف ولا تؤدي العبارة مؤداه، كما أبهم العذاب في قوله تعالى: {أية : فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ}تفسير : [طه: 78]. يعني: شيء عظيم لا يُقَال، والإبهام هنا أبلغ؛ لأن العقل يذهب في تصوّره كل مذهب، وعلى كل كيفية. والمنقلب أو المرجع لا يُمدح في ذاته، ولا يُذمُّ في ذاته، فإن انتهى إلى السوء فهو مُنقلب سيء، وإنِ انتهى إلى خير فهو مُنقلَب حسن، فالذي نحن بصدده من مُنقلَب الكافرين المعاندين لرسول الله منقلب سيء يُذَم. أما مُنْقلَب سحرة فرعون مثلاً حين قال لهم: {أية : آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ ..}تفسير : [طه: 71]. فماذا قالوا؟ {أية : قَالُواْ لاَ ضَيْرَ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ}تفسير : [الشعراء: 50] فهذا مُنقلَب حَسَن يُمدح ويُحمد. وقد يظن المرء أن مُنقلَبه مُنقلَب خير، وأنه سينتهي إلى ما يُفرِح، وهو واهم مخدوع في عمله ينتظر الخير، والله تعالى يُعِد له منقلباً آخر، كالذي أعطاه الله الجنتين من أعناب وحففهما بنخل، وجعل بينهما زرعاً، فلما غرَّته نعمة الدنيا ظنَّ أن له مثلها، أو خيراً منها في الآخرة، فقال: {أية : وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً}تفسير : [الكهف: 36]. والانقلاب والمرجع إلى الله - عز وجل - إنما يفرح به مَنْ آمن بالله وعمل صالحاً؛ لأنه يعلم أنه سيصير إلى جزاء من الحق - سبحانه وتعالى - مؤكد؛ لذلك الحق - تبارك وتعالى - يُعلِّمنا حين نركب الدواب التي تحملنا {أية : وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ ..}تفسير : [النحل: 7]. علَّمنا أن نذكره سبحانه: {أية : وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ}تفسير : [الزخرف: 12-14]. إذن: فالدوابّ وما يحلّ محلّها الآن من وسائل المواصلات من أعظم نِعَم الله علينا، ولولا أن الله سخَّرها لنا ما كان لنا قدرة عليها، ولا طاقة بتسخيرها؛ لذلك نقول {أية : وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ}تفسير : [الزخرف: 13]. أي: لا نستطيع ترويضه، فالصبي الصغير نراه يقود الجمل الضخم، ويُنيخه ويُحمّله الأثقال وهو طائع منقاد، لكنه يفزع إنْ رأى ثعباناً صغيراً، لماذا؟ لأن الله - سبحانه وتعالى - سخَّر لنا الجمل وذَلَّله، ولم يُسخِّر لنا الثعبان. وصدق الله العظيم إذ يقول سبحانه: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ}تفسير : [يس: 71-72]. ولكن ما علاقة قولنا: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ}تفسير : [الزخرف: 13] بقولنا: {أية : وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ}تفسير : [الزخرف: 14]. قالوا: لأننا سننقلب إلى الله في الآخرة، وسنُسأل عن هذا النعيم، فإنْ شكرنا ربنا على هذه النعمة فقد أدَّيْنا حقها، ومَنْ شكر الله على نعمة في الدنيا لا يسأل عنها في الآخرة؛ لأنه أدَّى حقَّها. وقال سبحانه: {وَسَيَعْلَمْ ..} [الشعراء: 227] بالسين الدالة على الاستقبال، لكنها لا تعني طول الزمن كما يظن البعض؛ لأن الله تعالى أخفى الموت ميعاداً، وأخفاه سبباً ومكاناً، وهذا الإبهام للموت هو عَيْن البيان، لأنك في هذه الحالة ستنتظره وتتوقعه في كل وقت، ولو علم الإنسانُ موعد موته لقال: أفعل ما أريد ثم أتوب قبل أن أموت. إذن: الوقت الذي تقتضيه السين هنا لا يطول، فقد يفاجئك الموت، وليس بعد الموت عمل أو توبة، واقرأ قوله تعالى: {أية : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا}تفسير : [النازعات: 46]. وقلنا: إن في الآية {وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء: 227] تهديداً ووعيداً، الحق - تبارك وتعالى - حين يُضخّم الوعيد إنما يريد الرحمة بخَلْقه، وهو مُحِبٌّ لهم، فيهددهم الآن ليَسلموا غداً، ويُنبِّههم ليعودوا إليه، فينالوا جزاءه ورحمته. وكأنه - تبارك وتعالى - يريد من وراء هذا التهديد أن يُوزِّع رحمته لا جبروته، كما تقسو على ولدك ليذاكر وتهدده ليجتهد. إذن: فالوعد بالخير خير، والوعيد بالشر أيضاً خير، فكل ما يأتيك من ربك، فاعلم أنه خير لك، حتى وإنْ كان تهديداً ووعيداً. وهكذا قدمتْ لنا سورة الشعراء نموذجاً من تسلية الحق - تبارك وتعالى - لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم والتخفيف عنه ما يلاقي من حزن وألم على حال قومه وعدم إيمانهم، وعرضَتْ عليه صلى الله عليه وسلم موكب الرسل، وكيف أن الله أيَّدهم ونصرهم وهزم أعداءهم ودحرهم. ثم سلاَّه ربه بأنْ رَدَّ على الكفار في افتراءاتهم، وأبطل حججهم، وأبان زَيْف قضاياهم، ثم تختم هذه التسلية ببيان أن للظالمين عاقبة سيئة تنتظرهم وأبهم هذه العاقبة {أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء: 227] ليضخمها. والشيء إذا حُدِّد إنما يأتي على لَوْن واحد، وإنْ أُبهِم كان أبلغ؛ لأن النفس تذهب في تصوُّره كل مذْهب، كما لو تأخّر مسافر عن موعد عودته فنجلس ننتظره في قلق تسرّح بنا الظنون في سبب تأخره، وفي احتمالات ما يمكن أنْ يحدث، وتتوارد على خواطرنا الأوهام، وكل وهم يَرِد في نفسك بألم ولذعة، في حين أن الواقع شيء واحد.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 751 : 10 : 5 - سفين عن خصيف أو غيره في قوله {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} قال، نزلت في عبد الله بن رواحة ونصرته النبي، صلى الله عليه وسلم، بلسانه. [الآية 227].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):