Verse. 3160 (AR)

٢٧ - ٱلنَّمْل

27 - An-Naml (AR)

طٰسۗ۝۰ۣ تِلْكَ اٰيٰتُ الْقُرْاٰنِ وَكِتَابٍ مُّبِيْنٍ۝۱ۙ
Taseen tilka ayatu alqurani wakitabin mubeenin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«طس» الله أعلم بمراده بذلك «تلك» هذه الآيات «آيات القرآن» آيات منه «وكتاب مبين» مظهر للحق من الباطل عطف بزيادة صفة.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله: {تِلْكَ } إشارة إلى آيات السورة والكتاب المبين هو اللوح المحفوظ وإبانته أنه قد خط فيه كل ما هو كائن، فالملائكة الناظرون فيه يبينون الكائنات، وإنما نكر الكتاب المبين ليصير مبهماً بالتنكير فيكون أفخم له كقوله: { أية : فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ } تفسير : [القمر: 55] وقرأ ابن أبي عبلة {وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ } بالرفع على تقدير وآيات كتاب مبين فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين قوله: { أية : الرَ تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ وَقُرْءانٍ مُّبِينٍ } تفسير : [الحجر: 1]؟ قلت: لا فرق لأن واو العطف لا تقتضي الترتيب. أما قوله: {هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ } فهو في محل النصب أو الرفع فالنصب على الحال أي هادية ومبشرة، والعامل فيها ما في تلك من معنى الإشارة، والرفع على ثلاثة أوجه على معنى هي هدى وبشرى، وعلى البدل من الآيات، وعلى أن يكون خبراً بعد خبر، أي جمعت آياتها آيات الكتاب وأنها هدى وبشرى، واختلفوا في وجه تخصيص الهدى بالمؤمنين على وجهين: الأول: المراد أنه يهديهم إلى الجنة وبشرى لهم كقوله تعالى: { أية : فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مَّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً } تفسير : [النساء: 175] فلهذا اختص به المؤمنون الثاني: المراد بالهدى الدلالة ثم ذكروا في تخصيصه بالمؤمنين وجوهاً: أحدها: أنه إنما خصه بالمؤمنين لأنه ذكر مع الهدى البشرى، والبشرى إنما تكون للمؤمنين وثانيها: أن وجه الاختصاص أنهم تمسكوا به فخصهم بالذكر كقوله: { أية : إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 45]، وثالثها: المراد من كونها {هُدًى لِلْمُؤْمِنِينَ } أنها زائدة في هداهم، قال تعالى: { أية : وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى } تفسير : [مريم: 76]. أما قوله: {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ } فالأقرب أنها الصلوات الخمس لأن التعريف بالألف واللام يقتضي ذلك، وإقامة الصلاة أن يؤتى بها بشرائطها، وكذا القول في الزكاة فإنها هي الواجبة، وإقامتها وضعها في حقها. أما قوله: {وَهُم بِٱلأَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } ففيه سؤال وهو: أن المؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة لا بد وأن يكونوا متيقنين بالآخرة، فما الوجه من ذكره مرة أخرى؟ جوابه من وجهين: الأول: أن يكون من جملة صلة الموصول، ثم فيه وجهان: الأول: أن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته، والخبر لأجل العمل به، وأما عرفان الحق فأقسام كثيرة لكن الذي يستفاد منه طريق النجاة معرفة المبدأ، ومعرفة المعاد، وأما الخير الذي يعمل به فأقسام كثيرة وأشرفها قسمان: الطاعة بالنفس والطاعة بالمال فقوله: {لِلْمُؤْمِنِينَ } إشارة إلى معرفة المبدأ، وقوله: {يُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ } إشارة إلى الطاعة بالنفس والمال، وقوله: {وَهُم بِٱلأَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } إشارة إلى علم المعاد فكأنه سبحانه وتعالى جعل معرفة المبدأ طرفاً أولاً، ومعرفة المعاد طرفاً أخيراً وجعل الطاعة بالنفس والمال متوسطاً بينهما الثاني: أن المؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، منهم من هو جازم بالحشر والنشر، ومنهم من يكون شاكاً فيه إلا أنه يأتي بهذه الطاعات للاحتياط، فيقول إن كنت مصيباً فيها فقد فزت بالسعادة، وإن كنت مخطئاً فيها لم يفتني إلا خيرات قليلة في هذه المدة اليسيرة، فمن يأتي بالصلاة والزكاة على هذا الوجه لم يكن في الحقيقة مهتدياً بالقرآن، أما من كان حازماً بالآخرة كان مهتدياً به، فلهذا السبب ذكر هذا القيد الثاني: أن يجعل قوله: {وَهُم بِٱلأَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } جملة اعتراضية كأنه قيل وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هم الموقنون بالآخرة، وهذا هو الأقرب ويدل عليه أنه عقد جملة ابتدائية وكرر فيها المبتدأ الذي هو {هُمْ } حتى صار معناها وما يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {طسۤ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ } مضى الكلام في الحروف المقطعة في «البقرة» وغيرها. و{تِلْكَ} بمعنى هذه؛ أي هذه السورة آيات القرآن وآيات كتاب مبين. وذكر القرآن بلفظ المعرفة، وقال: {وَكِتَابٍ مُبِينٍ} بلفظ النكرة وهما في معنى المعرفة؛ كما تقول: فلان رجل عاقل وفلان الرجل العاقل. والكتاب هو القرآن، فجمع له بين الصفتين: بأنه قرآن وأنه كتاب؛ لأنه ما يظهر بالكتابة، ويظهر بالقراءة. وقد مضى اشتقاقهما في «البقرة». وقال في سورة الحجر: {أية : الۤرَ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الحجر: 1] فأخرج الكتاب بلفظ المعرفة والقرآن بلفظ النكرة؛ وذلك لأن القرآن والكتاب اسمان يصلح لكل واحد منهما أن يجعل معرفة، وأن يجعل صفة. ووصفه بالمبين لأنه بيّن فيه أمره ونهيه وحلاله وحرامه ووعده ووعيده؛ وقد تقدّم. قوله تعالى: {هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ } {هُدًى} في موضع نصب على الحال من الكتاب؛ أي تلك آيات الكتاب هادية ومبشرة. ويجوز فيه الرفع على الابتداء؛ أي هو هدى. وإن شئت على حذف حرف الصفة؛ أي فيه هدى. ويجوز أن يكون الخبر {لِلْمُوْمِنِينَ} ثم وصفهم فقال: {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُم بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } وقد مضى في أوّل «البقرة» بيان هذا. قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} أي لا يصدّقون بالبعث. {زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ} قيل: أعمالهم السيئة حتى رأوها حسنة. وقيل: زينا لهم أعمالهم الحسنة فلم يعملوها. وقال الزجاج: جعلنا جزاءهم على كفرهم أن زينا لهم ما هم فيه. {فَهُمْ يَعْمَهُونَ} أي يترددون في أعمالهم الخبيثة، وفي ضلالتهم. عن ابن عباس. أبو العالية: يتمادون. قتادة: يلعبون. الحسن: يتحيرون؛ قال الراجز:شعر : وَمَهْمَهٍ أطرافُه في مَهْمَهِ أَعْمَى الهدُىَ بالحائرين العُمَّهِ تفسير : قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ} وهو جهنم. {وَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ}. {فِي الآخِرَةِ} تبيين وليس بمتعلق بالأخسرين فإن من الناس من خسر الدنيا وربح الآخرة، وهؤلاء خسروا الآخرة بكفرهم فهم أخسر كل خاسر. قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْآنَ} أي يلقى عليك فتلقاه وتعلمه وتأخذه. {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} {لَدُنْ} بمعنى عند إلا أنها مبنية غير معربة؛ لأنها لا تتمكن، وفيها لغات ذكرت في «الكهف». وهذه الآية بساط وتمهيد لما يريد أن يسوق من الأقاصيص، وما في ذلك من لطائف حكمته، ودقائق علمه.

البيضاوي

تفسير : مكية وهي ثلاث أو أربع أو خمس وتسعون آية {بسم الله الرحمن الرحيم} {طس}. {تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْقُرْءانِ وَكِتَـٰبٍ مُّبِينٍ} الإِشارة إلى آي السورة، والكتاب المبين إما اللوح المحفوظ وإبانته أنه خط فيه ما هو كائن فهو يبينه للناظرين فيه، وتأخيره باعتباره تعلق علمنا به وتقديمه في الحجر باعتبار الوجود، أو القرآن وإبانته لما أودع فيه من الحكم والأحكام، أو لصحته بإعجازه وعطفه على القرآن كعطف إحدى الصفتين على الأخرى وتنكيره للتعظيم. وقرىء {وَكِتَـٰبٌ } بالرفع على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. {هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} حالان من الـ {ءَايَـٰتُ} والعامل فيهما معنى الإِشارة، أو بدلان منها أو خبران آخران أو خبران لمحذوف. {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ } الذين يعملون الصالحات من الصلاة والزكاة. {وَهُم بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} من تتمة الصلة والواو للحال أو للعطف، وتغيير النظم للدلالة على قوة يقينهم وثباته وأنهم الأوحدون فيه، أو جملة اعتراضية كأنه قيل: وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات هم الموقنون بالآخرة، فإن تحمل المشاق إنما يكون لخوف العاقبة والوثوق على المحاسبة وتكرير الضمير للاختصاص. {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ} زين لهم أعمالهم القبيحة بأن جعلها مشتهاة للطبع محبوبة للنفس، أو الأعمال الحسنة التي وجب عليهم أن يعملوها بترتيب المثوبات عليها. {فَهُمْ يَعْمَهُونَ} عنها لا يدركون ما يتبعها من ضر أو نفع. {أُوْلَٰـئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمْ سُوء ٱلْعَذَابِ} كالقتل والأسر يوم بدر. {وَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ} أشد الناس خسراناً لفوات المثوبة واستحقاق العقوبة. {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءَانَ} لتؤتاه. {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ } أي حكيم وأي عليم، والجمع بينهما مع أن العلم داخل في الحكمة لعموم العلم ودلالة الحكمة على اتقان الفعل والإِشعار بأن علوم القرآن منها ما هو حكمة كالعقائد والشرائع ومنها ما ليس كذلك كالقصص والأخبار عن المغيبات، ثم شرع في بيان بعض تلك العلوم بقوله: {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لأَهْلِهِ إِنّي آنَسْتُ نَاراً} أي اذكر قصته {إِذْ قَالَ} ويجوز أن يتعلق بـ {عَلِيمٌ}. {سَئَاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ} أي عن حال الطريق لأنه قد ضله، وجمع الضمير إن صح أنه لم يكن معه غير امرأته لما كنى عنها بالأهل، والسين للدلالة على بعد المسافة والوعد بالإِتيان وإن أبطأ. {أَوْ ءَاتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ} شعلة نار مقبوسة، وإضافة الشهاب إليه لأنه قد يكون قبساً وغير قبس، ونونه الكوفيون ويعقوب على أن الـ {قَبَسٍ } بدل منه أو وصف له لأنه بمعنى المقبوس، والعدتان على سبيل الظن ولذلك عبر عنهما بصيغة الترجي في «طه»، والترديد للدلالة على أنه إن لم يظفر بهما لم يعدم، أحدهما بناء على ظاهر الأمر أو ثقة بعبادة الله تعالى أنه لا يكاد يجمع حرمانين على عبده. {لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } رجاء أن تستدفئوا بها والصلاء النار العظيمة. {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ} أي {بُورِكَ} فإن النداء فيه معنى القول، أو بـ {أَن بُورِكَ } على أنها مصدرية أو مخففة من الثقيلة، والتخفيف وإن اقتضى التعويض بلا أو قد أو السين أو سوف لكنه دعاء وهو يخالف غيره في أحكام كثيرة. {مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا} {مِنْ} في مكان {ٱلنَّارِ} وهو البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى: {أية : نُودِيَ مِن شَاطِىء ٱلْوَادِ ٱلأَيْمَنِ فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ }تفسير : [القصص: 30] ومن حول مكانها والظاهر أنه عام في كل من تلك الأرض، وفي ذلك الواد وحواليها من أرض الشام الموسومة بالبركات لكونها مبعث الأنبياء وكفاتهم أحياء وأمواتاً وخصوصاً تلك البقعة التي كلم الله فيها موسى. وقيل المراد موسى والملائكة الحاضرون، وتصدير الخطاب بذلك بشارة بأنه قد قضى له أمر عظيم تنتشر بركته في أقطار الشأم. {وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } من تمام ما نودي به لئلا يتوهم من سماع كلامه تشبيهاً وللتعجيب من عظمة ذلك الأمر، أو تعجب من موسى لما دهاه من عظمته. { يٰمُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ } الهاء للشأن و {أَنَا ٱللَّهُ } جملة مفسرة له، أو للمتكلم و {أَنَاْ} خبره و {ٱللَّهِ } بيان له. {ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ } صفتان لله ممهدتان لما أراد أن يظهره، يريد أنا القوي القادر على ما يبعد من الأوهام كقلب العصا حية الفاعل كل ما أفعله بحكمة وتدبير. {وَأَلْقِ عَصَاكَ} عطف على {بُورِكَ} أي نودي أن بورك من في النار وأن ألق عصاك، ويدل عليه قوله {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} بعد قوله {أَن يَا مُوسَىٰ إِنّي أَنَا ٱللَّهُ} بتكرير أن. {فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ} تتحرك باضطراب. {كَأَنَّهَا جَانٌّ} حية خفيفة سريعة، وقرىء «جأن» على لغة من جد في الهرب من التقاء الساكنين. {وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ} ولم يرجع من عقب المقاتل إذا كر بعد الفرار، وإنما رعب لظنه أن ذلك الأمر أريد به ويدل عليه قوله: {يَا مُوسَى لاَ تَخَفْ} أي من غيري ثقة بي أو مطلقاً لقوله: {إِنّى لاَ يَخَافُ لَدَىَّ ٱلْمُرْسَلُونَ} أي حين يوحى إليهم من فرط الاستغراق فإنهم أخوف الناس أي من الله تعالى، أو لا يكون لهم عندي سوء عاقبة فيخافون منه.

ابن كثير

تفسير : قد تقدم الكلام في سورة البقرة على الحروف المقطعة في أوائل السور. وقوله تعالى: {تِلْكَ آيَـٰتُ} أي: هذه آيات {ٱلْقُرْءَانِ وَكِتَـٰبٍ مُّبِينٍ} أي: بين واضح {هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} أي: إنما تحصل الهداية والبشارة من القرآن لمن آمن به، واتبعه وصدقه، وعمل بما فيه، وأقام الصلاة المكتوبة، وآتى الزكاة المفروضة، وأيقن بالدار الآخرة، والبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال: خيرها وشرها، والجنة والنار، كما قال تعالى: {أية : وَعَرَبِىٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِىۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ} تفسير : [فصلت: 44] الآية. وقال تعالى: {أية : لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً} تفسير : [مريم: 97]. ولهذا قال تعالى ههنا: {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} أي: يكذبون بها، ويستبعدون وقوعها {زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ} أي: حسّنا لهم ما هم فيه، ومددنا لهم في غيهم، فهم يتيهون في ضلالهم، وكان هذا جزاء على ما كذبوا من الدار الآخرة؛ كما قال تعالى: {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [الأنعام: 110] الآية. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ} أي: في الدنيا والآخرة، {وَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ} أي: ليس يخسر أنفسهم وأموالهم سواهم من أهل المحشر. وقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} أي: {وَإِنَّكَ} يا محمد {لَتُلَقَّى} أي: لتأخذ {ٱلْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} أي: من عند حكيم عليم، أي: حكيم في أمره ونهيه، عليم بالأمور: جليلها وحقيرها، فخبره هو الصدق المحض، وحكمه هو العدل التام؛ كما قال تعالى: {أية : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً} تفسير : [الأنعام: 115].

المحلي و السيوطي

تفسير : {طس } الله أعلم بمراده بذلك {تِلْكَ } أي هذه الآيات {ءَايَٰتُ ٱلْقُرْءَانِ } آيات منه {وَكِتَٰبٍ مُّبِينٍ } مظهر للحق من الباطل عطف بزيادة صفة.

الشوكاني

تفسير : قوله: {طسۤ} قد مرّ الكلام مفصلاً في فواتح السور، وهذه الحروف إن كانت اسماً للسورة، فمحلها الرفع على الابتداء، وما بعده خبره، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذا اسم هذه السورة، وإن لم تكن هذه الحروف اسماً للسورة، بل مسرودة على نمط التعديد، فلا محل لها، والإشارة بقوله: {تِلْكَ } إلى نفس السورة؛ لأنها قد ذكرت إجمالاً بذكر اسمها، واسم الإشارة مبتدأ، وخبره: {آيَاتُ ٱلْقُرْآنِ} والجملة خبر المبتدأ الأوّل على تقدير أنه مرتفع بالإبتداء {وَكِتَـٰب مُّبِين} قرأ الجمهور بجرّ كتاب عطفاً على القرآن أي تلك آيات القرآن وآيات كتاب مبين، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: {وَكِتَـٰب} القرآن نفسه، فيكون من عطف بعض الصفات على بعض مع اتحاد المدلول، وأن يكون المراد بالكتاب: اللوح المحفوظ، أو نفس السورة، وقرأ ابن أبي عبلة "وكتاب مبين" برفعهما عطفاً على آيات. وقيل: هو على هذه القراءة على تقدير مضاف محذوف، وإقامة المضاف إليه مقامه أي وآيات كتاب مبين، فقد وصف الآيات بالوصفين: القرآنية الدالة على كونه مقروءاً مع الإشارة إلى كونه قرآناً عربياً معجزاً، والكتابية الدالة على كونه مكتوباً مع الإشارة إلى كونه متصفاً بصفة الكتب المنزلة، فلا يكون على هذا من باب عطف صفة على صفة مع اتحاد المدلول، ثم ضم إلى الوصفين وصفاً ثالثاً، وهي: الإبانة لمعانيه لمن يقرؤه، أو هو من أبان بمعنى: بان، معناه واتضح إعجازه بما اشتمل عليه من البلاغة. وقدّم وصف القرآنية هنا نظراً إلى تقدّم حال القرآنية على حال الكتابة، وأخَّره في سورة الحجر، فقال: {أية : الرَ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ وَقُرْءانٍ مُّبِينٍ } تفسير : [الحجر: 1]. نظراً إلى حالته التي قد صار عليها، فإنه مكتوب. والكتابة سبب القراءة، والله أعلم. وأما تعريف القرآن هنا، وتنكير الكتاب، وتعريف الكتاب في سورة الحجر، وتنكير القرآن فلصلاحية كلّ واحد منهما للتعريف، والتنكير. {هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ } في موضع نصب على الحال من الآيات أو من الكتاب أي تلك آيات هادية ومبشرة، ويجوز أن يكون في محل رفع على الإبتداء، أي هو هدى، أو هما خبران آخران لتلك، أو هما مصدران منصوبان بفعل مقدّر، أي: يهدي هدى، ويبشر بشرى. ثم وصف المؤمنين الذي لهم الهدى والبشرى، فقال: {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ }، والموصول في محل جرّ، أو يكون بدلاً أو بياناً، أو منصوباً على المدح، أو مرفوعاً على تقدير مبتدأ. والمراد بالصلاة: الصلوات الخمس، والمراد بالزكاة: الزكاة المفروضة، وجملة: {وَهُم بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } في محل نصب على الحال، وكرّر الضمير للدلالة على الحصر، أي لا يوقن بالآخرة حقّ الإيقان إلاّ هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، وجعل الخبر مضارعاً للدلالة على التجدد في كلّ وقت، وعدم الانقطاع. ثم لما ذكر سبحانه أهل السعادة ذكر بعدهم أهل الشقاوة، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ }، وهم الكفار، أي لا يصدّقون بالبعث {زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ } قيل: المراد: زين الله لهم أعمالهم السيئة حتى رأوها حسنة. وقيل: المراد: أن الله زين لهم الأعمال الحسنة، وذكر لهم ما فيها من خيري الدنيا والآخرة، فلم يقبلوا ذلك. قال الزجاج: معنى الآية: أنا جعلنا جزاءهم على كفرهم أن زينا لهم ما هم فيه {فَهُمْ يَعْمَهُونَ } أي يتردّدون فيها متحيرين على الاستمرار لا يهتدون إلى طريقة، ولا يقفون على حقيقة. وقيل: معنى {يعمهون}: يتمادون. وقال قتادة: يلعبون، وفي معنى التحير قال الشاعر:شعر : ومهمه أطرافه في مهمه أعمى الهدى الحائرين العمه تفسير : والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى المذكورين قبله، وهو مبتدأ خبره {لَهُمْ سُوء ٱلْعَذَابِ } قيل: في الدنيا كالقتل والأسر ووجه تخصيصه بعذاب الدنيا قوله بعده: {وَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ } أي هم أشدّ الناس خسراناً، وأعظمهم خيبة ثم مهد سبحانه مقدّمة نافعة لما سيذكره بعد ذلك من الأخبار العجيبة، فقال: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ } أي يلقى عليك فتلقاه وتأخذه من لدن كثير الحكمة والعلم قيل: إن لدن هاهنا بمعنى عند. وفيها لغات كما تقدّم في سورة الكهف. {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لأِهْلِهِ } الظرف منصوب بمضمر، وهو اذكر. قال الزجاج: موضع «إذ» نصب، المعنى: اذكر إذ قال موسىٰ، أي: اذكر قصته إذ قال لأهله، والمراد بأهله: امرأته في مسيره من مدين إلى مصر، ولم يكن معه إذ ذاك إلاّ زوجته بنت شعيب، فكنى عنها بلفظ الأهل الدالّ على الكثرة، ومثله قوله: {أية : امكثوا} تفسير : [طه: 10 ]، ومعنى {إِنّي آنَسْتُ نَاراً }: أبصرتها {سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَر} السين تدلّ على بعد مسافة النار {ءاتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ } قرأ عاصم وحمزة والكسائي بتنوين {شهاب}، وقرأ الباقون بإضافته إلى قبس، فعلى القراءة الأولى يكون قبس بدلاً من شهاب، أو صفة له لأنه بمعنى مقبوس، وعلى القراءة الثانية الإضافة للبيان، والمعنى على القراءتين: آتيكم بشعلة نار مقبوسة أي مأخوذة من أصلها. قال الزجاج: من نوّن جعل {قبس} من صفة شهاب، وقال الفراء: هذه الإضافة كالإضافة في قولهم: مسجد الجامع، وصلاة الأولى، أضاف الشيء إلى نفسه لاختلاف أسمائه. وقال النحاس: هي إضافة النوع إلى الجنس كما تقول: ثوب خز، وخاتم حديد. قال: ويجوز في غير القرآن بشهاب قبساً على أنه مصدر، أو بيان، أو حال {لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } أي رجاء أن تستدفئوا بها. أو لكي تستدفئوا بها من البرد، يقال: صلى بالنار، واصطلى بها: إذا استدفأ بها. قال الزجاج: كلّ أبيض ذي نور فهو: شهاب. وقال أبو عبيدة: الشهاب: النار، ومنه قول أبي النجم:شعر : كأنما كان شهاباً واقدا أضاء ضوءاً ثم صار خامداً تفسير : وقال ثعلب: أصل الشهاب عود في أحد طرفيه جمرة، والآخر لا نار فيه، والشهاب: الشعاع المضيء، وقيل: للكوكب: شهاب، ومنه قول الشاعر:شعر : في كفه صعدة مثقفة فيها سنان كشعلة القبس تفسير : {فَلَمَّا جَاءهَا } أي: جاء النار موسىٰ {نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا }: "أن" هي المفسرة لما في النداء من معنى القول، أو هي المصدرية أي بأن بورك، وقيل: هي المخففة من الثقيلة. قال الزجاج: "أن" في موضع نصب أي بأن قال، ويجوز أن يكون في موضع رفع اسم ما لم يسم فاعله. والأولى أن النائب ضمير يعود إلى موسى. وقرأ أبيّ، وابن عباس، ومجاهد: "أن بوركت النار ومن حولها" حكى ذلك أبو حاتم. وحكى الكسائي عن العرب: باركك الله، وبارك فيك، وبارك عليك، وبارك لك، وكذلك حكى هذا الفراء. قال ابن جرير: قال: {بورك من في النار}، ولم يقل: بورك على النار على لغة من يقول: باركك الله أي: بورك على من في النار، وهو موسى، أو على من في قرب النار لا أنه كان في وسطها. وقال السديّ: كان في النار ملائكة، والنار هنا هي مجرّد نور، ولكنه ظن موسى أنها نار، فلما وصل إليها وجدها نوراً. وحكي عن الحسن وسعيد بن جبير: أن المراد بمن في النار: هو الله سبحانه أي نوره. وقيل: بورك ما في النار من أمر الله سبحانه الذي جعلها على تلك الصفة. قال الواحدي: ومذهب المفسرين: أن المراد بالنار: النور، ثم نزّه سبحانه نفسه، فقال: {وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }، وفيه تعجيب لموسى من ذلك. {يٰمُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } الضمير للشأن، أنا الله العزيز الغالب القاهر الحكيم في أمره وفعله. وقيل: إن موسى قال: يا ربّ من الذي ناداني؟ فأجابه الله سبحانه بقوله: {إنه أنا الله} ثم أمره سبحانه بأن يلقي عصاه؛ ليعرف ما أجراه الله سبحانه على يده من المعجزة الخارقة، وجملة: {وَأَلْقِ عَصَاكَ } معطوفة على {بورك}، وفي الكلام حذف، والتقدير، فألقاها من يده، فصارت حية {فَلَمَّا رَءاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ } قال الزجاج: صارت العصا تتحرك كما يتحرّك الجانّ، وهي الحية البيضاء، وإنما شبهها بالجانّ في خفة حركتها، وشبهها في موضع آخر بالثعبان لعظمها، وجمع الجانّ: جنان، وهي الحية الخفيفة الصغيرة الجسم. وقال الكلبي: لا صغيرة ولا كبيرة {وَلَّىٰ مُدْبِراً } من الخوف {وَلَمْ يُعَقّبْ } أي لم يرجع، يقال: عقب فلان إذا رجع، وكل راجع معقب، وقيل: لم يقف، ولم يلتفت. والأوّل أولى؛ لأن التعقيب هو: الكرّ بعد الفرّ. فلما وقع منه ذلك قال الله سبحانه: {يٰمُوسَىٰ لاَ تَخَفْ } أي من الحية وضررها {إِنّى لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ } أي لا يخاف عندي من أرسلته برسالتي فلا تخف أنت. قيل: ونفى الخوف عن المرسلين ليس في جميع الأوقات، بل في وقت الخطاب لهم؛ لأنهم إذ ذاك مستغرقون. ثم استثنى استثناء منقطعاً، فقال {إَلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوء فَإِنّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي: لكن من أذنب في ظلم نفسه بالمعصية {ثم بدل حسناً} أي: توبة وندماً {بعد سوء} أي بعد عمل سوء {فإني غفور رحيم} وقيل: الاستثناء من مقدّر محذوف أي لا يخاف لديّ المرسلون، وإنما يخاف غيرهم ممن ظلم إلاّ من ظلم ثم بدل إلخ، كذا قال الفراء. قال النحاس: الاستثناء من محذوف محال، لأنه استثناء من شيء لم يذكر. وروي عن الفراء أنه قال: إلاّ بمعنى الواو. وقيل: إن الاستثناء متصل من المذكور لا من المحذوف. والمعنى: إلاّ من ظلم من المرسلين بإتيان الصغائر التي لا يسلم منها أحد، واختار هذا النحاس، وقال: علم من عصى منهم، فاستثناه فقال: {إلا من ظلم} وإن كنت قد غفرت له كآدم، وداود وإخوة يوسف وموسى بقتله القبطيّ. ولا مانع من الخوف بعد المغفرة، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم الذي غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، كان يقول: «حديث : وددت أني شجرة تعضد» تفسير : {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ } المراد بالجيب هو المعروف، وفي القصص {أية : ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ } تفسير : [القصص: 32]. وفي {أدخل} من المبالغة ما لم يكن في {اسلك}. {تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوء } أي من غير برص، أو نحوه من الآفات، فهو احتراس. وقوله: {تخْرجُ } جواب: {أدخل يدك}. وقيل: في الكلام حذف تقديره: أدخل يدك تدخل، وأخرجها تخرج، ولا حاجة لهذا الحذف، ولا ملجىء إليه. قال المفسرون: كانت على موسى مدرعة من صوف لا كمّ لها ولا إزار، فأدخل يده في جيبه وأخرجها، فإذا هي تبرق كالبرق، وقوله: {فِي تِسْعِ آيَاتٍ} قال أبو البقاء: هو في محل نصب على الحال من فاعل تخرج، وفيه بعد. وقيل: متعلق بمحذوف أي اذهب في تسع آيات. وقيل: متعلق بقوله: {أَلْقِ عَصَاكَ } و{أدخل يدك} في جملة تسع آيات أو مع تسع آيات. وقيل: المعنى: فهما آيتان من تسع يعني: العصا واليد، فتكون الآيات إحدى عشرة: هاتان، والفلق، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطمسة، والجدب في بواديهم، والنقصان في مزارعهم. قال النحاس: أحسن ما قيل فيه أن هذه الآية يعني: اليد داخلة في تسع آيات، وكذا قال المهدوي، والقشيري. قال القشيري: تقول خرجت في عشرة نفر، وأنت أحدهم أي خرجت عاشر عشرة، ففي بمعنى: من لقربها منها، كما تقول: خذ لي عشراً من الإبل فيها فحلان أي منها. قال الأصمعي في قول امرىء القيس:شعر : وهل ينعمن من كان آخر عهده ثلاثون شهراً في ثلاثة أحوال تفسير : في بمعنى من، وقيل: في بمعنى مع {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ } قال الفراء: في الكلام إضمار، أي إنك مبعوث، أو مرسل إلى فرعون وقومه، وكذا قال الزجاج: {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ } الجملة تعليل لما قبلها {فَلَمَّا جَاءتْهُمْ ءايَـٰتُنَا مُبْصِرَةً } أي جاءتهم آياتنا التي على يد موسى حال كونها مبصرة أي واضحة بينة كأنها لفرط وضوحها تبصر نفسها كقوله: {أية : وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً} تفسير : [الإسراء: 59]. قال الأخفش: ويجوز أن تكون بمعنى مبصرة على أن اسم الفاعل بمعنى اسم المفعول، وقد تقدّم تحقيق الكلام في هذا. وقرأ عليّ بن الحسين، وقتادة: "مبصرة" بفتح الميم، والصاد أي مكاناً يكثر فيه التبصر، كما يقال: الولد مجبنة ومبخلة {قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ } أي: لما جاءتهم قالوا هذا القول أي سحر واضح. {وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ } أي كذبوا بها حال كون أنفسهم مستيقنة لها، فالواو للحال، وانتصاب {ظُلْماً وَعُلُوّاً } على الحال أي ظالمين عالين، ويجوز أن ينتصبا على العلة أي الحامل لهم على ذلك الظلم والعلوّ، ويجوز أن يكونا نعت مصدر محذوف أي جحدوا بها جحوداً ظلماً وعلوًّا. قال أبو عبيدة: والباء في {وجحدوا بها} زائدة، أي وجحدوها. قال الزجاج: التقدير: وجحدوا بها ظلماً وعلوًّا، أي شركاً، وتكبراً عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى، وهم يعلمون أنها من عند الله {فَٱنظُرْ } يا محمد {كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ } أي تفكر في ذلك، فإن فيه معتبراً للمعتبرين. وقد كان عاقبة أمرهم الإغراق لهم في البحر على تلك الصفة الهائلة. وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ } يعني تبارك وتعالى نفسه كان نور ربّ العالمين في الشجرة {وَمَنْ حَوْلَهَا } يعني: الملائكة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: كان الله في النور نودي من النور {وَمَنْ حَوْلَهَا } قال: الملائكة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه أيضاً قال: ناداه الله، وهو في النور. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر عنه أيضاً: {أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ } قال: بوركت النار. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: في مصحف أبيّ بن كعب: "بوركت النار ومن حولها"، أما النار، فيزعمون: أنها نور ربّ العالمين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: {أَن بُورِكَ } قال: قدّس. وأخرج عبد بن حميد وابن ماجه وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق أبي عبيدة عن أبي موسى الأشعري قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «حديث : إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام. يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور لو رفع لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره»تفسير : . ثم قرأ أبو عبيدة {أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }. والحديث أصله مخرّج في صحيح مسلم من حديث عمرو بن مرّة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كانت على موسى جبة من صوف لا تبلغ مرفقيه، فقال له: أدخل يدك في جيبك، فأدخلها. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله: {وَٱسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً } قال: تكبروا، وقد استيقنتها أنفسهم، وهذا من التقديم والتأخير.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {طس تِلْكَ ءَايَاتُ الْقُرْءانِ} أي هذه آيات القرآن. {وَكِتَابٍ مُّبِينٍ} أي وآيات الكتاب المبين، والكتاب هو القرآن، فجمع له بَيْنَ الصفتين بأنه قرآن وأنه كتاب لأنه ما يظهر بالكتابة ويظهر بالقراءة. {مُّبِينٍ} لأنه يبين فيه نهيه وأمره، وحلاله وحرامه، ووعده ووعيده. وفي المضمر في {تِلْكَ ءَايَاتُ الْقُرْءانِ} وجهان: أحدهما: أنه يعود إلى الحروف التي في {طس} قاله الفراء. الثاني: إلى جميع السورة. {هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} فيه وجهان: أحدهما: هدى إلى الجنة وبشرى بالثواب، قاله يحيى بن سلام. الثاني: هدى من الضلالة وبشرى بالجنة، قاله الشعبي. قوله تعالى: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةِ} يعني المفروضة، وفي إقامتها وجهان: أحدهما: استيفاء فروضها وسنتها، قاله ابن عباس. الثاني: المحافظة على مواقيتها، قاله قتادة. {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} فيها أربعة أقاويل: أحدها: أنها زكاة المال، قاله عكرمة، وقتادة والحسن. الثاني: أنها زكاة الفطر؛ قاله الحارث العكلي. الثالث: أنها طاعة الله والإخلاص، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. الرابع: أنها تطهير أجسادهم من دنس المعاصي. قوله تعالى: {فَهُمْ يَعْمَهُونَ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: يترددون، قاله ابن عباس، ومجاهد. الثاني: يتمادون، قاله أبو العالية، وأبو مالك، والربيع بن أنس. الثالث: يلعبون، قاله قتادة، والأعمش. الرابع: يتحيرون، قاله الحسن، ومنه قول الراجز: شعر : ومهمه أطرافه في مهمة أعمى الهدى بالجاهلين العمه تفسير : قوله تعالى: {وَإِنََّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْءَانَ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: لتأخذ القرآن، قاله قتادة. الثاني: لتوفى القرآن، قاله السدي. الثالث: لتلقن القرآن، قاله ابن بحر. ويحتمل رابعاً: لتقبل القرآن، لأنه أوّل من يلقاه عند نزوله. {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَليمٍ} أي من عند حكيم في أمره، عليم بخلقه.

ابن عطية

تفسير : تقدم القول في الحروف المقطعة في أوائل السور، وكل الأقوال مترتب ها هنا، وعلى القول بأنها حروف من أسماء الله تعالى فالأسماء هنا لطيف وسميع وكونها إشارة إلى نوع حروف المعجم أبين الأقوال، وعطف "الكتاب" على {القرآن} وهما لمسمى واحد من حيث هما صفتان لمعنيين، فالقرآن لأنه اجتمع والكتاب لأنه يكتب، وقرأ ابن أبي عبلة "وكتابٌ مبينٌ" بالرفع، وقوله {هدى وبشرى} يحتمل أن يكون في موضع نصب على المصدر، ويحتمل أن يكون في موضع رفع على خبر ابتداء مضمر تقديره ذلك {هدى وبشرى}. ثم وصف تعالى المؤمنين بالأوصاف الخليقة بهم، وإقامة الصلاة إدامتها وأداؤها على وجهها، و {الزكاة} هنا يحتمل أن - تكون غير المفروضة لأن السورة مكية قديمة، ويحتمل أن تكون المفروضة من غير تفسير، وقيل {الزكاة} هنا بمعنى الطهارة من النقائص وملازمة مكارم الأخلاق، وتكرار الضمير في قوله {وهم بالآخرة هم يوقنون} للتأكيد، ثم ذكر تعالى الكفرة {الذين لا يؤمنون} بالبعث، والإشارة إلى قريش، وقوله {زينا لهم أعمالهم} يحتمل أن يريد أنه تعالى جعل عقابهم على كفرهم أن حتم عليهم الكفر وحبب إليهم الشرك، وزينه بأن خلقه واخترعه في نفوسهم، ومع ذلك اكتسابهم وحرصهم، وهذا على أن تكون الأعمال المزينة كفرهم وطغيانهم ويحتمل أن الأعمال المزينة هي الشريعة التي كان الواجب أن تكون أعمالهم، فأخبر الله تعالى على جهة الذكر لنقصهم أنه بفضله ونعمته زين الدين وبينه، ورسم الأعمال والتوحيد لكن هؤلاء {يعمهون}، ويعرضون، والعمه الحيرة والتردد في الضلال، ثم توعدهم تعالى بـ {سوء العذاب}، فمن ناله شيء في الدنيا بقي عليه عذاب الآخرة. ومن لم ينله عذاب الدنيا كان سوء عذابه في موته وفيما بعده، و {الأخسرون} جمع أخسري لأن أفعل صفة لا يجمع إلا أن يضاف فتقوى رتبته في الأسماء.

ابن عبد السلام

تفسير : {تِلْكَ} أي هذه آيات القرآن وآيات الكتاب والإشارة بتلك عائد إلى السورة، أو إلى الحروف التي هي {طسۤ}. المبين حلاله وحرامه وأمره ونهيه ووعده ووعيده.

النسفي

تفسير : مكية وهي ثلاث وتسعون آية بسم الله الرحمن الرحيم {طس تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْقُرْءانِ وَكِتَـٰبٍ مُّبِينٍ } أي وآيات كتاب مبين و{تلك} إشارة إلى آيات السورة، والكتاب المبين: اللوح، وآياته أنه قد خط فيه كل ما هو كائن فهو يبين للناظرين فيه آياته، أو القرآن وآياته إنه يبين ما أودع فيه من العلوم والحكم وعلى هذا عطفه على القرآن كعطف إحدى الصفتين على الأخرى نحو هذا فعل السخي والجود. ونكر الكتاب ليكون أفخم له. وقيل: إنما نكر الكتاب هنا وعرفه في «الحجر» وعرف القرآن هنا ونكره ثمّ، لأن القرآن والكتاب اسمان علمان للمنزل على محمد عليه الصلاة والسلام ووصفان له لأنه يقرأ ويكتب، فحيث جاء بلفظ التعريف فهو العلم، وحيث جاء بلفظ التنكير فهو الوصف {هُدًى وَبُشْرَىٰ } في محل النصب على الحال من آيات أي هداية وبشارة فالعامل فيها ما في تلك من معنى الإشارة، أو الجر على أنه بدل من {كتاب} أو صفة له أو الرفع على هي هدى وبشرى، أو على البدل من {آيات} أو على أن يكون خبراً بعد خبر لـــــ {تلك} أي تلك آيات وهادية من الضلالة ومبشرة بالجنة. وقيل: هدى لجميع الخلق وبشرى {لِلْمُؤْمِنِينَ } خاصة

الخازن

تفسير : قوله عز وجل {طس تلك آيات القرآن} أي هذه آيات القرآن {وكتاب مبين} أي وآيات كتاب مبين {هدى وبشرى للمؤمنين} أي هو هدى من الضلالة، وبشرى لهم بالجنة {الذين يقيمون الصلاة} أي الخمس بشرائطها {ويؤتون الزكاة} أي إذا وجبت عليهم طيبة بها أنفسهم {وهم بالآخرة هم يوقنون} يعني أن هؤلاء الذين يعملون الصالحات هم الموقنون بالآخرة.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {إني آنست} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. {بشهاب} منوناً على أن قبساً وهو بمعنى مقبوس بدل أو صفة: عاصم وحمزة وعلي وخلف ورويس. الباقون بالإضافة {من في النار} ممالة: عليّ غير ليث وابي حمدون وحمدويه وحمزة وفي رواية ابن سعدان والنجاري عن ورش وأبو عمرو غير إبراهيم بن حماد وكذلك في "القصص". الوقوف: {طس} ه {مبين} ه لا بناء على أن {هدى} حال والعامل معنى الإشارة في {تلك} أو هو مرفوع بدلاً من {الآيات} أو خبراً بعد خبر وإن كان التقدير هي هدى به فلك الوقف {للمؤمنين} ه لا لأن {الذين} صفتهم {يوقنون} ه {يعمهون} ه ط تنصيصاً على أن {أولئك} مبتدأ مستأنف {الأخسرون} ه {عليم} ه {ناراً} ه {تصطلون} {حولها} ط {العالمين} ه {الحكيم} ه لا للعطف الجملتين الداخلتين تحت النداء {عصاك} ط للعدول عن بيان حال الخطاب إلى ذكر حال المخاطب مع حذف أي فألقاها فحييت {ولم يعقب} ط لابتداء النداء {المرسلون} ه لا لأن "إلاّ" إن كان بمعنى "لكن" فالاستدراك يوجب الوصل أيضاً. {رحيم} ه {وقومه} ط {فاسقين} ه {مبين} ج ه للآية والعطف {وعلواً} ط لاختلاف الجملتين وتعظيم الأمر بالاعتبار بعد حذف أي فأغرقناهم {المفسدين} ه. التفسير: تلك الآيات التي تضمنتها هذه السورة آيات القرآن الذي علم أنه منزل مبارك مصدق لما بين يديه وكتاب مبين. فإن أريد به اللوح فآياته أنه أثبت فيه كل كائن، وإن أريد به السورة أو القرآن فالغرض تفخيم شأنهما من قبل التنكير. فآياتهما أن إعجازهما ظاهر مكشوف وفيهما من العلوم والحكم ما لا يفخى، ولأن الواو لا تفيد الترتيب فلا حكمة ظاهرة في عكس الترتيب بين ما ههنا وبين ما في أول "الحجر". ومعنى كون الآيات هدى وبشرى أنها تزيد في إيمانهم وتبشرهم بالثواب. قال جار الله: يحتمل أن يكون قوله {وبالآخرة هم يوقنون} من تتمة الموصول إلا أن الأوجه أن يكون جملة مستقلة ابتدائية شبيهة بالمعترضة بدليل تكرير المبتدأ الذي هو هم فكأنه قيل: وما يؤمن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، لأن خوف العاقبة هو الذي يسهل عليهم متاعب التكاليف. وأقول: إنه وصفهم بالإيمان ليكون إشارة إلى معرفتهم المبتدأ، ثم وصفهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهما الطاعة بالنفس والمال، وهذه إشارة إلى وسط. ثم وصفهم بمعرفة المعاد فلا أحسن من هذا النسق. وفيه أن المهتدي بالقرآن حقيقة هو الذي يكون موقناً بأحوال المعاد لا شاكاً فيها، آتياً بالطاعات للاحتياط قائلاً: إن كنت مصيباً فيها فقد نلت السعادة وإن كنت مخطئاً فلم تفتني إلا لذات يسيرة زائلة. ثم أورد وعيد المنكرين للمعاد وإسناد تزيين الأعمال إلى الله ظاهر على قول الأشاعرة، وأما المعتزلة فتأولوه بوجوه منها: أنه استعارة فكأنه لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق وجعلوا ذلك التمتع ذريعة إلى اتباع الشهوات وإيثار اللذات فقد زين لهم بذلك أعمالهم. ومنها أنه مجاز حكمي وهو الذي يصححه بعض الملابسات. ولا ريب أن إمهال الشيطان وتخليته حتى زين لهم أعمالهم كما قال {أية : وزين لهم الشيطان أعمالهم}تفسير : [النمل: 24] ملابسة ظاهرة للتزيين. ومنها أنه أراد زيناً لهم أمر الدين ولا يلزمهم أن يتمسكوا به وذلك أن بينا لهم حسنه وما لهم فيه من الثواب {فهم يعمهون} يعدلون ويتحيرون عما زينا لهم قاله الحسن {لهم سوء العذاب} أي القتل والأسر كيوم بدر. ثم مهد مقدمة لما سيذكر في السورة من الأخبار العجيبة فقال {وإنك لتلقى القرآن} لتؤتاه وتلقنه من عند أيّ حكيم وأيّ عليم. و {إذ قال} منصوب بـ {عليم} أو باذكر كأنه قيل: خذ من آثار حكمته وعلمه قصة موسى العجيبة الشأن. والخبر خبر الطريق لأنه كان قد ضله. وفي قوله {سآتيكم} مع قوله في "طه" و "القصص" {أية : لعلي آتيكم}تفسير : [طه: 10] دليل على أنه كان قوي الرجاء إلا أنه كان يجوّز النقيض، وعد أهله بأنه يأتيهم بأحد الأمرين وإن أبطأ لبعد المسافة أو غيره. قالوا: في "أو" دليل على أنه جزم بوجدان أحد الأمرين ثقة بعناية الله تعالى أنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده والاصطلاء بالنار الاستدفاء بها والاجتماع عليها وإنما خصت هذه السورة بقوله {فلما جاءها} وقد قال في "طه" و"القصص" {أية : فلما أتاها} تفسير : [طه: 11] {نودي} لأنه كرر لفظ {آتيكم} ههنا بخلاف السورتين فاحترز من تكرار ما يقاربه في الاشتقاق مرة أخرى. و{أن} مفسرة لأن النداء فيه معنى القول لا مخففة من الثقيلة بدليل فقدان "قد" في فعلها. قال جار الله: معنى {بورك من في النار} بورك من في مكان النار، ومن حول مكانها، ومكانها البقعة التي حصلت النار فيها كما قال في القصص {أية : نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة}تفسير : [القصص: 30] وسبب البركة حدوث أمر ديني فيها وهو تكليم الله إياه وإظهار المعجزات عليه. وقيل: معنى بورك تبارك، والنار بمعنى النور أي تبارك من في النار وهو الله سبحانه مروي عن ابن عباس. وعن قتادة والزجاج أن من في النار هو نور الله، ومن حولها الملائكة. وقال الجبائي: ناداه بكلام سمعه من الشجرة في البقعة المباركة وهي الشأم فكانت الشجرة محلاً للكلام والمتكلم هو الله بأن خلقه فيها، ثم إن الشجرة كانت في النار ومن حولها الملائكة. وقيل: من في النار هو موسى لقربه منها، ومن حولها الملائكة. وفي الابتداء بهذا الخطاب عند مجيء موسى بشارة له بأنه قد قضي أمر عظيم تنتشر منه البركة في أرض الشأم. وفي قوله {وسبحان الله رب العالمين} تنزيه له عما لا يليق بذاته من الحدوث والحلول ونحوهما مما هو من خواص المحدثات، وتنبيه على أن الكائن من جلائل الأمور التي لا يقدر عليها إلا رب العالمين. والهاء في {إنه} إما للشأن وإما راجع إلى ما دل عليه سياق الكلام أي أن المتكلم {انا} وعلى هذا فالله مع وصفيه بيان لانا وفيه تلويح إلى ما أراد إظهاره عليه، يريد أنا القادر القوي على إظهار الخوارق الحكيم الذي لا يفعل جزافاً ولا عبثاً. وقوله {وألق عصاك} معطوف على {بورك} وكلاهما تفسير {نودي} والمعنى: قيل له بورك وألق: ومعنى {لم يعقب} لم يرجع يقال: عقب المقاتل إذا كر بعد الفر. وإنما اقتصر ههنا على قوله {لا تخف} ولم يضف إليه أقبل كما في "القصص" لأنه أراد أن يبني عليه قوله {إني لا يخاف لدي المرسلون} وسبب نفي الخوف عن الرسل مشاهدة مزيد فضل الله وعنايته في حقهم. ثم استثنى من ظلم منهم بترك ما هو أولى به، وقد مر بحث عصمة الأنبياء في أول "البقرة". وفي الآية لطائف وإشارات منها: أنه أشار بقوله {أني لا يخاف لديّ المرسلون} إلى أن موسى قد جعل رسولاً. ومنها أنه أشار بقوله {إلا من ظلم} إلى ما وجد من موسى في حق القبطي، وبقوله {ثم بدل حسناً بعد سوء} أي توبة بعد ذنب إلى قول موسى {أية : رب إِنّي ظلمتُ نفسي فاغفر لي}تفسير : [القصص: 16] وقرئ "الا" بحرف التنبيه. ومنها أنه أشار بقوله {ثم بدل} معطوفاً على {ظلم} إلى أن النبي المرسل بدّل النية ولم يصر على فعله وإلا كان هذا العطف مقطوعاً عن الكلام ضائعاً، فإنه إذا ظلم ولم يبدل كان خائفاً أيضاً. ومنها أنه أشار بقوله {فإني غفور رحيم} إلى أن الخوف وإن لحق المستثنى إلا أنه منفي عنه أيضاً بسبب غفرانه ورحمته، فنفي الخوف ثابت على كل حال فهذا الاستثناء قريب من تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: شعر : هو البدر إلا أنه البحر زاخر تفسير : وكقوله: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : وهذه اللطائف مما سمح بها الخاطر أوان الكتابة أرجو أن تكون صواباً إن شاء العزيز. قوله {وأدخل يدك} وفي "القصص" {أية : اسلك يدك}تفسير : [القصص: 32] موافقة لأضمم ولأن المبالغة في {أدخل} أكثر منها في {أسلك} لأن سلك لازم ومتعد. وهناك قال {أية : فذانك برهانان}تفسير : [القصص: 32] وههنا قال {في تسع آيات} وكان أبلغ في العدد فناسب الأبلغ في اللفظ. قال النحويون: متعلق الجار محذوف مستأنف أي أذهب في تسع آيات. أو المراد وأدخل يدك في تسع أي في جملتهن وعدادهن، اذهب إلى فرعون. وتفسير التسع قد مر في آخر "سبحان" وإنما قال ههنا {إلى فرعون وقومه} دون أن يقول {أية : وملئه}تفسير : [الآية: 32] كما في القصص لأن الملأ أشراف القوم وقد وصفهم ههنا بقوله {فلما جاءتهم} إلى قوله {ظلماً وعلواً} فلم يناسب أن يطلق عليهم لفظ ينبئ عن المدح. ومعنى {مبصرة} ظاهرة بينة كأنها تبصر بطباق العين فتهدي، ويجوز أن يكون الإِبصار مجازاً باعتبار إبصار صاحبها وهو كل ذي عقل أو فرعون وقومه. والواو في {واستيقنتها} للحال وقد مضمرة وفي زيادة {انفسهم} إشارة إلى أنهم أظهروا خلاف ما أبطنوا والاستيقان أبلغ من الإيقان. وقوله {ظلماً وعلواً} أي كبراً وترفعاً مفعول لأجلهما. وقرئ {مبصرة} بفتح الميم نحو "مبخلة" قرأها علي بن السحين وقتادة والله أعلم. التأويل: طا طلب الطالبين، وسين سلامة قلوبهم من تعلقات غير الله، تلك دلالات القرآن وشواهد أنواره {وكتاب مبين} فيه بيان كيفية السلوك ولذلك قال {هدى وبشرى للمؤمنين} بالوصول إلى الله الذين يستقيمون في المعارج لحقائق الصلوات ويؤتون الزكاة أموالهم وأحوالهم بالإضافة على المستحقين {زيناً لهم أعمالهم} الدنيوية النفسانية {فهم يعمهون} لعمي قلوبهم عن رؤية الآخرة ونعيمها، ولا يكون في عالم الآخرة أعمى إلا كان اصم وأبكم ولهذا قال صلى الله عليه وسلم "حديث : حبك للشيء يعمي ويصم" تفسير : فيُحب الدنيا صمت عين القلب وصمت أذنه وصار أبكم عن العلم اللداني والنطق به، وهو سوء العذاب، وهو الموجب لخسران الدارين مع خسران المولى، وإنما يكون خسران الدارين ممدوحاً إذا ربح المولى. وجد أبو زيد في البادية قحفاً مكتوباً عليه خسر الدنيا والآخرة فبكى وقبله وقال: هذا رأس صوفي. وحين أخبر عن مقامات المؤمنين ودركات الكافرين أخبر عن مقام النبي صلى الله عليه وسلم بقوله {وإنك لتلقى القرآن} لا من عند جبريل بل {من لدن حكيم} تجلى لقلبك بحكمة القرآن {عليم} يعلم حيث يجعل رسالته. ثم ضرب مثالاً لذلك وهو أن موسى القلب لما كشف له أنوار شواهد الحق في ليلة الهوى وظلمة الطبيعة (قال لأهله) وهم النفس وصفاتها {إني آنست ناراً} بوادي أيمن السر {لعلكم تصطلون} بتلك النار عن جمود الطبيعة {فلما جاءها} على قدمي الشوق وصدق الطلب {نودي} من الشجرة الروحانية {أن بورك من في} نار المحبة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة {ومن حولها} كالفراش يريد أن يقع فيها و{ألق} عن يد همتك كل ما تعتمد عليه سوى فضل الله فإنه جان في الحقيقة {ولى مدبراً} هارباً إلى الله {ولم يعقب} لم يرجع إلى غيره فلذلك نودي بـ {لا تخف} فإن القلوب الملهمة الموصلة إليها الهدايا والتحف والالطاف لا تخاف سوى الله {إلاَّ من ظلم} نفسه بالرجوع إلى الغير{وأدخل} يد همتك في جيب قناعتك {تخرج بيضاء} نقية من لوث الدارين {في تسع آيات} من أسباب هلاك النفس وصفاتها {فانظر كيف كان عاقبة} الذين أفسدوا الاستعداد الفطري والله أعلم.

الثعالبي

تفسير : قَولُه تعالى: {طسۤ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ * هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} تقدَّمَ القولُ في الحروفِ المقطَّعةِ، وعَطفِ الكِتَابِ على القرآنِ وهما لمُسَمًّى واحدٍ؛ من حَيْثُ هُما صِفَتَانِ لمعنَيينِ، فالقُرْءَان: لأنه اجتمَعَ، والكتابُ: لأنه يُكْتَبُ، «وإقامةُ الصَّلاَةِ»: إدامتُها وأداؤُهَا عَلى وَجْهِهَا. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {زينَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ} أي: جَعَلَ سُبْحَانَه عقابَهم على كُفرِهم أَن حَتَّمَ عَليهم الكُفْرَ، وحَبَّبَ إليهم الشِّركَ وزَيَّنه في نُفُوسِهِم. والعَمَهُ: الحيرةُ والتردُّدُ في الضَّلالِ. ثم تَوَعَّدَهُمْ تَعَالى بسُوءِ العذَابِ؛ فَمَنْ نَالَهُ مِنهُ شيءٌ في الدُّنْيَا بَقِيَ عليه عَذابُ الآخرةِ، وَمَنْ لَمْ يَنَلْه عَذَابُ الدُّنْيَا كَانَ سُوء عَذابِه في مَوْتِه وفي ما بَعْدَه.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {طسۤ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ}. "تلك" إشارة إلى آيات السورة أي: هذه آيات القرآن. قوله: "وَكِتَابٍ" العامة على جره عطفاً على "القُرْآنِ"، وهل المراد به نفس القرآن فيكون من عطف بعض الصفات على بعض، والمدلول واحد، أو اللوح المحفوظ، أو نفس السورة، أقوال. وقيل: القرآن والكتاب علمان للمنزل على نبينا - صلى الله عليه وسلم - فهما كالعباس وعباس، يعني فيكون "أل" فيهما للمح الصفة، وهذا خطأ؛ إذ لو كانا علمين لما وصفا بالنكرة، وقد وصف "قرآن" بها في قوله: {أية : تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ}تفسير : [الحجر: 1] - في الحجر - ووصف بها "كتاب" كما في هذه الآية الكريمة. والذي يقال إنه نكر هنا لإفادة التفخيم، كقوله: {أية : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ}تفسير : [القمر: 55]. وقرأ ابن أبي عبلة: "وكِتَابٌ مُبِينٌ" برفعها عطفاً على "آيَاتٌ" المخبر بها عن "تِلْكَ" فإن قيل: كيف صَحَّ أن يشار لاثنين أحدهما مؤنث، والآخر مذكر باسم إشارة المؤنث، ولو قلت: تلك هند وزيد لم يجز؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: (أن المراد بالكتاب) هو الآيات، لأن الكتاب عبارة عن آيات مجموعة، فلما كانا شيئاً واحداً، صحت الإشارة إليهما بإشارة الواحد المؤنث. الثاني: أنه على حذف مضاف، أي: وآيات كتاب مبين. الثالث: أنه لما ولي المؤنث ما يصح الإشارة به إليه، اكتفى به وحسن، ولو أولي المذكر لم يحسن، ألا تراك تقول: جاءتني هند وزيد، ولو حذفت (هند) أو أخّرتها لم يجز تأنيث الفعل. قوله: "هُدًى وبُشْرَى" يجوز فيهما أوجه: أحدها: أن يكونا منصوبين على المصدر بفعل مقدر من لفظهما، أي: يهدي هدى، ويبشر بشرى. الثاني: أن يكونا في موضع الحال من "آيَات" والعامل فيها ما في "تِلْكَ" من معنى الإشارة. الثالث: أن يكونا في موضع الحال من "القُرْآن" وفيه ضعف، من حيث كونه مضافاً إليه. الرابع: أن يكونا حالاً من "كِتَاب"، في قراءة من رفعه، ويضعف في قراءة من جره، لما تقدم من كونه في حكم المضاف إليه، لعطفه عليه. الخامس: أنَّهما حالان من الضمير المستتر في "مبين" سواء رفعته (أم جررته). السادس: أن يكونا بدلين من "آيَاتُ". السابع: أن يكونا خبراً بعد خبر. الثامن: أن يكونا خبري ابتداء مضمر، أي: (هي) هُدًى وبُشْرَى للمؤمنين. فصل المراد يهديهم إلى الجنة وبشرى لهمن كقوله تعالى: {أية : فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مَّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً}تفسير : [النساء: 175]، ولهذا خص به المؤمنين، وقيل: المراد بالهدى: الدلالة, وإنما خصه بالمؤمنين, لأنه ذكر مع الهدى البشرى, والبشرى إنما تكون للمؤمنين أو لأنهم تمسكوا به، كقوله: {أية : إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا}تفسير : [النازعات: 45]، أو أنه يزيد في هداهم، كقوله تعالى: {أية : وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى}تفسير : [مريم: 76]. قوله: {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ} يجوز أن يكون مجرور المحل، نعتاً للمؤمنين، أو بدلاً أو بياناً، أو منصوبة عل المدح، أو مرفوعة على تقدير مبتدأ، أي: هم الذين، والمراد بها: الصلوات الخمس، وكذا القول في الزكاة، فإنها هي الواجبة، لأن التعريف بالألف واللام يقتضى ذلك. وإقامة الصلاة أن يؤديها بشرائطها، والزكاة بوضعها في مواضعها. قوله: {وَهُم بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} "هم" الثاني تكرير للأول على سبيل التوكيد اللفظي، وفهم الزمخشري منه الحصر، أي: لا يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء، المتصفون بهذه الصفات. ويدل عليه أنه عقد جملة ابتدائية، وكرر فيها المبتدأ الذي هو "هم" حتى صار معناها: وما يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق. و "بالآخِرَةِ" متعلق بـ "يوقنون"، ولا يضر الفصل بينهما بالتوكيد. وهذه الجملة يحتمل أن تكون معطوفة على الصلة، داخلة في حيز الموصول، وحينئذ يكون قد غاير بين الصِّلَتين لمعنى، وهو أنه لما كان إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة مما يتكرَّر ويتجدَّد أتى بالصلتين جملة فعلية، فقال: "يُقِيمُونَ"، وَ "يُؤْتُونَ". ولما كان الإيقان بالآخرة أمراً ثابتاً مطلوباً دوامه، أتى بالصلة جملة اسمية، مكرراً فيها المسند إليه، مقدماً الموقن به، الدال على الاختصاص، ليدل على الثبات والاستقرار، وجاء بخبر المبتدأ في هذه الجملة فعلاً مضارعاً، دلالة على أن ذلك متجدد كل وقت، غير منقطع. ويحتمل أن تكون مستأنفة غير داخلة في حيز الموصول. قال الزمخشري: ويحتمل أن تتم الصلة عنده، أي: عند قوله: "وَهُمْ"، قال: وتكون الجملة اعتراضية. يريد أن الصلة تمت عند الزكاة، فيجوز فيه ذلك، وإلا فكيف يصح - إذا أخذنا بظاهر كلامه - أن الصلة تمت عند قوله: "وَهُمْ" وتسمية هذا اعتراضاً: يعني من حيث المعنى وسياق الكلام، وإلا فالاعتراض في الاصطلاح: إنما يكون بين متلازمين من مبتدأ أو خبر، وشرط وجزاء، وقسم وجوابه، وتابع ومتبوع، وصلة وموصول، وليس هنا شيء من ذلك. فإن قيل: إن المؤمنين الذي يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة لا بد وأن يكونوا متيقنين بالآخرة، فما وجه ذكره مرة أخرى؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن الذي يستفاد منه طرق للنجاة هو معرفة المبدأ، ومعرفة المعاد، والعمل الصالح، وأشرفه الطاعة بالنفس والطاعة بالمال، فقوله: "لِلْمُؤْمِنِينَ"، أي: الذين يُؤْمِنُونَ بالغَيْبِ وهو إشارة إلى معرفة المبدأ، وقوله: ({ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ}، إشارة إلى الطاعة بالنفس والمال، وقوله: {وَهُم) بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} إشارة إلى علم المعاد، فكأنه تعالى جعل معرفة المبدأ طرفاً أولاً، ومعرفة المعاد طرفاً أخيراً، وجعل الطاعة بالنفس والمال متوسطاً بينهما. الثاني: أن المؤمنين الذي يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة منهم من هو جازم بالحشر والنشر، ومنهم من يكون شاكاً فيه، إلا أنه يأتي بهذه الطاعة احتياطاً، فيقول: إن كنت مصيباً فيها فقد فزت بالسعادة، وإن كنت مخطئاً فيها لم يفتني إلا خيرات قليلة في هذه المدة اليسيرة, فمن أتى بالصلاة والزكاة على هذا الوجه, لم يكن في الحقيقة مهتدياً بالقرآن، (وأما من كان جازماً بالآخرة كان مهدياً به). فلهذا ذكر هذا القيد.

البقاعي

تفسير : {طس} يشير إلى طهارة الطور وذي طوى منه وطيب طيبه، وسعد بيت المقدس الذي بناه سليمان عليه الصلاة والسلام التي انتشر منها الناهي عن الظلم، وإلى أنه لما طهر سبحانه بني إسرائيل، وطيبهم بالابتلاء فصبروا، خلصهم من فرعون وجنوده بمسموع موسى عليه الصلاة والسلام للوحي المخالف لشعر الشعراء، وإفك الآثمين وزلته من الطور، ولم يذكر تمام أمرهم بإغراق فرعون، لأن مقصودها إظهار العلم والحكمة دون البطش والنقمة، فلم يقتض الحال ذكر الميم. ولما ختم التي قبلها بتحقيق أمر القرآن، وأنه من عند الله، ونفي الشبه عنه وتزييف ما كانوا يتكلفونه من تفريق القول فيه بالنسبة إلى السحر والأضغاث والافتراء والشعر، الناشىء كل ذلك عن أحوال الشياطين، وابتدأ هذه بالإشارة إلى أنه من الكلام القديم المسموع المطهر عن وصمة تلحقه من شيء من ذلك، تلاه بوصفه بأنه كما أنه منظوم مجموع لفظاً ومعنى لا فصم فيه ولا خلل، ولا وصم ولا زلل، فهو جامع لأصول الدين ناشر لفروعه، بما أشار إليه الكون من المسلمين فقال: {تلك} أي الآيات العالية المقام البعيدة المرام، البديعة النظام {آيات القرآن} أي الكامل في قرآنيته الجامع للأصول، الناشر للفروع، الذي لا خلل فيه ولا فصم، ولا صدع لولا وصم {و} آيات {كتاب} أي وأيّ كتاب هو مع كونه جامعاً لجميع ما يصلح المعاش والمعاد، قاطع في أحكامه، غالب في أحكامه، في كل من نقضه وإبرامه، وعطفه دون إتباعه للدلالة على أنه كامل في كل من قرآنيته وكتابيته {مبين*} أي بين في نفسه أنه من عند الله كاشف لكل مشكل، موضح لكل ملبس مما كان ومما هو كائن من الأحكام والدلائل في الأصول والفروع، والنكت والإشارات والمعارف، فيا له من جامع فارق واصل فاصل. ولما كانت العناية في هذه السورة بالنشر - الذي هو من لوازم الجمع في مادة "قرا" كما مضى بيانه أول الحجر - أكثر، قدم القرآن، يدل على ذلك انتشاراً أمر موسى عليه الصلاة والسلام في أكثر قصته بتفريقه من أمه، وخروجه من وطنه إلى مدين، ورجوعه مما صار إليه إلى ما كان فيه، والتماسه لأهله الهدى والصلى واضطراب العصى وبث الخوف منها، وآية اليد وجميع الآيات التسع، واختيار التعبير بالقوم الذي أصل معناه القيام، وإبصار الآيات، وانتشار الهدهد، وإخراج الخبأ الذي منه تعليم منطق الطير، وتكليم الدابة للناس، وانتشار المرأة وقومها وعرشها بعد تردد الرسل بينها وبين سليمان عليه الصلاة والسلام، وكشف الساق، وافتراق ثمود إلى فريقين، مع الاختصام المشتت، وانتثام قوم لوط عليه السلام إلى ما لا يحل، وتفريق الرياح نشراً، وتقسيم الرزق بين السماء والأرض، ومرور الجبال، ونشر الريح لنفخ الصور الناشىء عنه فزع الخلائق المبعثر للقبور، إلى غير ذلك مما إذا تدبرت السورة انفتح لك بابه، وانكشف عنه حجابه، وهذا بخلاف ما في الحجر على ما مضى. وقال الإمام ابو جعفر بن الزبير: لما أوضح في سورة الشعراء عظيم رحمته بالكتاب، وبيان ما تضمنه مما فضح به الأعداء، ورحم به الأولياء، وبراءته من أن تتسور الشياطين عليه، وباهر آياته الداعية من اهتدى بها إليه، فتميز بعظيم آياته كونه فرقاناً قاطعاً، ونوراً ساطعاً، أتبع سبحانه ذلك مدحة وثناء، وذكر من شملته رحمته به تخصيصاً واعتناء، فقال {تلك آيات القرآن} أي الحاصل عنها مجموع تلك الأنوار آيات القرآن {وكتاب مبين هدى وبشرى للمؤمنين} ثم وصفهم ليحصل للتابع قسطه من بركة التبع، وليتقوى رجاؤه في النجاة مما أشار إليه {وسيعلم الذين ظلموا} من عظيم ذلك المطلع؛ ثم أتبع ذلك بالتنبيه على صفة الآهلين لما تقدم من التقول والافتراء تنزيهاً لعباده المتقين، وأوليائه المخلصين، عن دنس الشكوك والامتراء فقال: { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون} أي يتحيرون فلا يفرقون بين النور والإظلام، لارتباك الخواطر والأفهام؛ ثم أتبع ذلك بتسليته عليه الصلاة والسلام بالقصص الواقعة بعد تنشيطاً له وتعريفاً بعلي منصبه، وإطلاعاً له على عظيم صنعه تعالى فيمن تقدم، ثم ختمت السورة بذكر أهل القيامة وبعض ما بين يديها، والإشارة إلى الجزاء ونجاة المؤمنين، وتهديد من تنكب عن سبيله عليه الصلاة والسلام - انتهى. ولما عظم سبحانه آيات الكتاب بما فيها من الجمع من النشر مع الإبانة، ذكر حاله فقال: {هدى} ولما كان الشيء قد يهدي إلى مقصود يكدر حال قاصده. قال نافياً لذلك، وعطف عليه بالواو دلالة على الكمال في كل من الوصفين: {وبشرى} أي عظيمة. فلما تشوفت النفوس، وارتاحت القلوب، فطم من ليس بأهل عن عظيم هذه الثمرة فقال: {للمؤمنين} أي الذين صار ذلك لهم وصفاً لازماً بما كان لهم فيل دعاء الداعي من طهارة الأخلاق، وطيب الأعراق، وفي التصريح بهذا الحال تلويح بأنه فتنه وإنذار للكافرين {يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً فأما الذين في قلوبهم زيغ} - الآية، {أية : قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء} تفسير : [فصلت: 44]، {والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمي} - إلى غير ذلك من الآيات. ولما كان وصف الإيمان خفياً، وصفهم بما يصدقه من الأمور الظاهرة فقال: {الذين يقيمون الصلاة} أي بجميع حدودها الظاهرة والباطنة من المواقيت والطهارات والشروط والأركان والخشوع والخضوع والمراقبة والإحسان إصلاحاً لما بينهم وبين الخالق. ولما كان المقصود الأعظم من الزكاة إنما هو التوسعة على الفقراء قال: {ويؤتون الزكاة} أي إحساناً فيما بينهم وبين الخلائق. ولما كان الإيمان بالبعث هو الجامع لذلك ولغيره من سائر الطاعات، ذكره معظماً لتأكيده، فقال معلماً بجعله حالاً إلا أنه شرط لما قبله: {وهم} أي والحال أنهم. ولما كان الإيمان بالبعث هو السبب الأعظم للسعادة وهو محط للحكمة، عبر فيه بما يقتضي الاختصاص، لا للاختصاص بل للدلالة على غاية الرسوخ في الإيمان به، فقال: {بالآخرة هم} أي المختصون بأنهم {يوقنون*} أي يوجدون الإيقان حق الإيجاد ويجددونه في كل حين بما يوجد منهم من الإقدام على الطاعة، والإحجام عن المعصية. ولما أفهم التخصيص أن ثم من يكذب بها وكان أمرها مركوزاً في الطباع، لما عليها من الأدلة الباهرة في العقل والسماع، تشوفت نفس السامع على سبيل التعجب إلى حالهم، فقال مجيباً له مؤكداً تعجيباً ممن ينكر ذلك: {إن الذين لا يؤمنون} أي يوجدون الإيمان ويجددونه {بالآخرة زينا} أي بعظمتنا التي لا يمكن دفاعها {لهم أعمالهم} أي القبيحة، حتى أعرضوا عن الخوف من عاقبتها مع ظهور قباحتها، والإسناد إليه سبحانه حقيقي عند أهل السنة لأنه الموجد الحقيقي، وإلى الشيطان مجاز سببي {فهم} أي فتسبب عن ذلك أنهم {يعمهون*} أي يخبطون خبط من لا بصيرة له اصلاً ويترددون في أودية الضلال، ويتمادون في ذلك، فهم كل لحظة في خبط جديد، بعمل غير سديد ولا سعيد، فإن العمه التحير والتردد كما هو حال الضال.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {طسۤ‏} ‏ قال‏:‏ هو اسم الله الأعظم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏طسۤ‏}‏ قال‏:‏ هو اسم الله الأعظم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏طسۤ‏} ‏ قال‏:‏ هو اسم من أسماء القرآن‏.‏ وفي قوله ‏ {‏إن الذين لا يؤمنون بالآخرة‏} ‏ قال‏:‏ لا يُقِرّون بها ولا يؤمنون بها ‏ {‏فهم يعمهون‏} ‏ قال‏:‏ في صلاتهم وفي قوله ‏{‏وإنك لتلقى القرآن‏}‏ يقول‏:‏ تأخذ القرآن من عند ‏ {‏حكيم عليم‏}‏ ‏.‏

ابو السعود

تفسير : {طس} بالتَّفخيمِ وقُرىءَ بالإمالةِ. والكلامُ فيهِ كالذي مرَّ في نظائرِه من الفواتحِ الشريفةِ. ومحلَّه على تقديرِ كونِه اسماً للسورةِ وهو الأظهرُ والأشهرُ الرفعُ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي هذا طس أي مسمَّى بهِ. والإشارةُ إليهِ قبلَ ذكرِه قد مرَّ وجهُها في فاتحةِ سورةِ يونسَ وغيرِها. ورفعُه بالابتداءِ على أنَّ ما بعده خبرٌ ضعيفٌ لما ذُكر هناك. {تِلْكَ} إشارةٌ إلى نفسِ السُّورةِ لأنَّها التي نوَّهتْ بذكرِ اسمِها لا إلى آياتِها لعدمِ ذكرِها صريحاً لأنَّ إضافتَها إليها تأبى إضافتَها إلى القُرآنِ كما سيأتي. وما في اسمِ الإشارةِ من مَعْنى البُعدِ مع قربِ العهدِ بالمشارِ إليهِ للإيذانِ ببعدِ منزلتِه في الفضلِ والشرفِ. ومحله الرفعُ على الابتداءِ خبرُه {ءَايَاتِ ٱلْقُرْءَانِ} والجملةُ مستأنفةٌ مقررةٌ لما أفادَه التسميةُ من نباهةِ شأنِ المسمَّى. والقرآنُ عبارةٌ عن الكلِّ أو عن الجميعِ المنزلِ عند نزولِ السُّورةِ حسبَما ذُكر في فاتحةِ الكتابِ أي تلك السورةُ آياتُ القرآنِ المعروفِ بعلوِّ الشأنِ، أي بعضٌ منه مترجمٌ مستقلٌّ باسمٍ خاصَ {وَكِتَـٰبٌ} أي كتابٌ عظيمُ الشأنِ {مُّبِينٌ} مظهرٌ لما في تضاعيفهِ من الحكمِ والأحكامِ وأحوالِ الآخرةِ التي من جُملتِها الثوابُ والعقابُ أو لسبـيلِ الرُّشدِ والغيِّ، أو فارقٌ بـين الحقِّ والباطلِ والحلالِ والحرامِ أو ظاهرُ الإعجازِ على أنَّه منْ أبانَ بمعنى بانَ ولقد فخَّم شأَنه الجليلَ بما جَمع فيه من وصفِ القرآنيةِ المنبئةِ عن كونِه بديعاً في بابهِ ممتازاً عن غيرِه بالنظمِ المعجزِ كما يُعربُ عنه قولُه تعالى: { أية : قُرْءاناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِى عِوَجٍ} تفسير : [سورة الزمر: الآية 28] ووصفُ الكتابـيةِ المعربةِ عن اشتمالِه على صفاتِ كمالِ الكتبِ الإلهيةِ فكأنه كلَّها. وقدَّم الوصفَ الأولَ ههنا نظراً إلى تقدمِ حالِ القرآنيةِ على حالِ الكتابـيةِ وعكسَ في سورةِ الحجرِ نظراً إلى ما ذُكر هناك من الوجهِ وما قيلَ من أنَّ الكتابَ هو اللوحُ المحفوظُ وإبانته أنَّه خطَّ فيهِ ما هو كائنٌ فهو يبـينه للناظرينَ فيه لا يساعدُه إضافةُ الآياتِ إذ لا عهدَ باشتمالِه على الآياتِ ولا وصفِه بالهدايةِ والبشارةِ إذ هُما باعتبارِ إبانتِه فلا بُدَّ من اعتبارِها بالنسبةِ إلى النَّاسِ الذين من جُملتهم المؤمنونَ لا إلى الناظرينَ فيهِ وقُرىءَ وكتابُ، بالرفعِ على حذفِ المضافِ وإقامةِ المضافِ إليه مقامَه أي وآياتُ كتابٍ مبـينٍ.

القشيري

تفسير : بطهارةِ قُدّسِي وسناءٍ عِزِّي لا أُخَيِّبُ أَمَلَ من أَمَّلَ لطفي. بوجود بِرِّي تطيب قلوبُ أوليائي، وبشهود وجهي تغيب أسرار أصفيائي. طَلَبُ القاصدين مُُقَابَلٌ بلطفي، وسَعْيُ العاملين مشكورٌ بعطفي. {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ} [النمل: 1]: هذه دلالات كَرَمِنا، وأماراتُ فضلنا وشواهدُ بِرِّنا، نُبَيِّنُ لأوليائنا صِدْقَ وَعْدِنا، ونُحقِّقُ للأصفياء حِفْظَ عَهْدِنا.

البقلي

تفسير : {طسۤ} اى بحرارة وجود الانبياء والمرسلين والمقربين التى ضياؤها من سنا قدس ونصارتها من لطائف انسى وقال بعضهم بوجود ترى يطيب قلوب اوليائى وبشهود وجهى لغيب اسرار اصفيائى وقال الاستاذ اى بطهارة قدسى وسنا عزتى لا اخيب امل من امَّل لطفى.

اسماعيل حقي

تفسير : {طس} هذه طس اىهذه السورة مسماة به. وفى التأويلات النجمية يشير بطائه الىطاء طيب قلوب محبيه وبالسين الى سر بينه وبين قلوب محبيه لا يسعهم فيه ملك مقرب والانبى مرسل. وايضا يقسم بطاء طلب طالبيه وسين سلامة قلوبهم عن طلب ماسواه. وفى كشف الاسرار الطاء اشارة الى طهارة قدسه والسين الى سناء عزه يقول تعالى بطهارة قدسى وسناء عزى لااخيب امل من أملّ لطفى انتهى. وقال بعضهم الطاء طوله اى فضله والسين سناؤه اى علوه وقد سبق فى طسم مايتعلق بهذا المقام فارجع اليه. وقال عين القضاء الهمذانى قدس سره فى مقالاته لولا ماكان فى القرآن من الحروف المقطعات لما آمنت به. يقول الفقير قد كفره فى قوله هذا كثير من علماء زمانه والامر سهل على اهل الفهم ومراده بيان اطلاعه على بطون معانى الحروف التى هى دليل لارباب الحقائق وسبب لمزيد ايمانهم العيانى {تلك} اى هذه السورة العظيمة الشان او آياتها {آيات القرآن} المعروف بعلو الشأن اى بعض منه لمترجم مستقل باسم خاص فهو عبارة عن جميع القرآن او عن جميع المنزل عند نزول السورة اذ هو المتسارع الى الفهم حينئذ عند الاطلاق {وكتاب} عظيم الشأن {مبين} مظهر لما فى تضاعيفه من الحكم والاحكام واحوال الآخرة التى من جملتها الثواب والعقاب او ظاهر اعجازه وصحته على انه من ابان يعنى بان اى ظهر وعطفه على القرآن كعطف احدى الصفتين على الاخرى مثل غافر الذنب وقابل التوب اى آيات الكلام الجامع بين القرآنية والكتابية وكونه قرآنا بجهة انه يقرأ وكتابا بسبب انه يكتب وقدم الوصف الاول لتقدم القرآنية على حال الكتابية واخره فى سورة الحج لما ان الاشارة الى امتيازه عن سائر الكتب بعد التنبيه على انطوائه على كمالات غيره من الكتب ادخل فى المدح فان وصفه بالكتابية مفصح عن اشتماله على صفة كمال الكتب الالهية فكأنه كلها. وفى كشف الاسرار القرآن والكتاب اسمان علمان للمنزل على محمد ووصفان لانه يقرأ ويكتب فحيث جاء بلفظ التعريف فهو العلم وحيث جاء بلفظ النكرة فهو الوصف

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {طس} أي: يا طاهر يا سيد. قال ابن عباس: "هو اسم من أسماء الله تعالى"، أقسم به أن هذه السورة آياتها القرآن وكتاب مبين. قلت: ولعلها مختصرة من اسمه "اللطيف والسميع". وقيل إشارة إلى طهارة سر حبيبه. {تلك آياتُ القرآن}، الإشارة إلى نفس السورة، وما في معنى الإشارة من معنى البُعد، مع قرب العهد بالمشار إليه، للإيذان ببُعد منزلته في الفضل والشرف، أي: تلك السورة الكريمة التي نتلوها عليك هي آيات القرآن، المعروف بعلو الشأن. {و} آيات {كتابٍ} عظيم الشأن {مُبين}؛ مظهر بما في تضاعيفه من الحِكَم، والأحكام، وأحوال الآخرة، أو: مبين: مُفرق بين الرشد والغي، والحلال والحرام، أو: ظاهر الإعجاز، على أنه من: أبان، بمعنى بان، وعطفه على القرآن كعطف إحدى الصفتين على الأخرى، نحو: هذا فعل السخي والجواد. ونكّر الكتاب ليكون أفخم له. وقيل: إنما نكّر الكتاب وعرّفه في الحِجْر، وعرّف القرآن ونكره في الحِجْر؛ لأن القرآن والكتاب اسمان علمان على المنزّل على محمد صلى الله عليه وسلم، ووصفان له؛ لأنه يُقرأ ويكتب، فحيث جاء بلفظ التعريف فهو العلم، وحيث جاء بلفظ التنكير فهو الوصف. قاله النسفي. وما قيل من أهل الكتاب هو اللوح المحفوظ، وإبانته أنه خُطَّ فيه ما هو كائن، لا يساعده إضافة الآيات إليه. والوصف بالهداية والبشارة في قوله: {هدىً وبُشرى للمؤمنين} أي: حال كون تلك الآيات هادية ومبشرة للمؤمنين، فهما منصوبان على الحال، من الآيات، على أنهما مصدران بمعنى الفاعل؛ للمبالغة، كأنهما نفس الهداية والبشارة، والعامل فيها ما في "تلك" من معنى الإشارة، أو خبر، أي: هي هدى وبشرى للمؤمنين خاصة؛ إذ لا هداية لغيرهم بها. {الذين يقيمون الصلاة}؛ يُديمون على إقامة فرائضها وسننها، ويحافظون على خشوعها وإتقانها، {ويُؤتون الزكاة} أي: يؤدون زكاة أموالهم، {وهم بالآخرة هم يُوقنون} حق الإيقان. إما من جملة الموصول، وإما استئناف، كأنه قيل: هؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات هم الموقنون بالآخرة حق الإيقان، لا من عداهم؛ لأن من تحمل مشاق العبادات، إنما يكون لخوف العقاب، ورجاء الثواب، أولاً، ثم عبودية آخراً، لمن كمل إخلاصه. ثم ذكر ضدهم، فقال: {إنَّ الذين لا يؤمنون بالآخرة} أي: لا يُصدّقون بها، وبما فيها من الثواب والعقاب، {زيَّنَّا لهم أعمالهم} الخبيثة، حيث جعلناها مشتهية للطبع، محبوبة للنفس، حتى رأوها حسنة، كقوله: {أية : أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً} تفسير : [فاطر: 8]، {فهم يَعْمَهُونَ}؛ يترددون في ضلالتهم. كما يكون حال الضال عن الطريق. {أولئك الذين لهم سوءُ العذابِ} في الدنيا بالقتل والأسر يوم بدر، {وهم في الآخرة هم الأخسرون}؛ أشدّ الناس خسراناً؛ لأنهم لو آمنوا لكانوا من أكرم الناس، شهداء على جميع الأمم يوم القيامة، فخسروا ذلك مع خسران ثواب الله والنظر إليه. عائذاً بالله من جميع ذلك. الإشارة: طس: طهر سرك أيها الإنسان، لتكون من أهل العيان، طهر سرك من الأغيار لتشاهد سر الأسرار، وحينئذٍ تذوق أسرار القرآن والكتاب المبين، وتصير هداية وبشارة للمؤمنين: فإنَّ من قرأ القرآن وعمل به فقد أدرج النبوة بين كتفيه، كما في الخبر. ثم ذكر من امتلأ قلبه بالأكدار فقال: {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة...} إلخ، قال القشيري: أغشيناهم فهم لا يُبصِرون، وعَمَّيْنَا عليهم المسالك، فهم عن الطريقة المُثْلَى يَصدون. أولئك الذين في ضلالتهم يعمهون، وفي حيرتهم يترددون. {أؤلئك الذين لهم سوء العذاب} هو أن يجد الألم ولا يجد شهود المُبْتَلِي، ولو وجدوه تحمل عنهم ثِقَله بخلاف المؤمنين. هـ. ثم ذكر الحق تعالى كيفية نزول القرآن الذي تقدم ذكره، فقال: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْآنَ...}

الطوسي

تفسير : قد بينا معنا الحروف التي في أوائل السور فيما تقدم بما لا نحتاج معه إلى إعادته، وقد بينا قول من قال إنها أسماء للسور. وقال قوم {طس} اسم من اسماء القرآن. وقوله {تلك} إشارة إلى ما وعدوا بمجيئه من القرآن. وقيل ان "تلك" بمعنى (هذا) وآيات القرآن هي القرآن، وانما أضافها اليه، كما قال {أية : إنه لحق اليقين}. تفسير : والقرآن والكتاب معناهما واحد، ووصفه بالوصفين ليفيد أنه مما يظهر بالقراءة، ويظهر بالكتابة، وهو بمنزلة الناطق بما فيه من الامرين جميعاً وذلك يبطل قول من قال: ان كلام الله شيء واحد لا يتصرف بالقراءة والكتابة. ووصفه بأنه مبين تشبيه له بالناطق بكذا، وإذا وصفه بأنه بيان جرى مجرى وصفه له بالنطق بكذا في ظهور المعنى به للنفس. والبيان هو الدلالة التي تبين بها الاشياء. والمبين المظهر، وحكم القرآن الموعظة بما فيها من الترغيب والترهيب والحجة الداعية إلى الحق الصارفة عن الباطل، وأحكام الشريعة التي فيها مكارم الاخلاق ومحاسن الافعال، والمصلحة فيما يجب من حق النعمة لله تعالى ما يؤدي إلى الثواب ويؤمن من العقاب. ثم وصفه بأنه {هدى وبشرى للمؤمنين} وموضع {هدى} نصب على الحال، وتقديره هادياً ومبشراً، ويجوز أن يكون رفعاً على تقدير هو {هدى وبشرى للمؤمنين} والمعنى ان ما فيه من البيان والبرهان يهديهم إلى الحق، وما لهم في وجه كونه معجزاً الذي فيه من اللطف ما يؤديهم إلى الثواب ويبشرهم بالجنة. ثم وصف المؤمنين الذين بشرهم القرآن بأنهم {الذين يقيمون الصلاة} بحدودها ويداومون على أوقاتها ويخرجون ما يجب عليهم من الزكاة في أموالهم إلى مستحقها، وهم مع ذلك يوقنون بالآخرة، ويصدقون بها. ثم وصف تعالى من خالف ذلك ولم يصدق بالآخرة، فقال {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون} قيل في معناه قولان: احدهما - قال الحسن والجبائي: زينا لهم اعمالهم التي أمرناهم بها، فهم يتحيرون بالذهاب عنها. الثاني - زينا لهم أعمالهم بخلقنا فيهم شهوة القبيح الداعية لهم إلى فعل المعاصي ليجتنبوا المشتهى {فهم يعمهون} عن هذا المعنى أي يتحيرون بالذهاب عنها. ثم اخبر تعالى ان من وصفه بذلك لهم {سوء العذاب} ووصفه بأنه سوء لما فيه من الألم و {هم في الآخرة هم الاخسرون} لانهم يخسرون الثواب ويحصل لهم بدلا منه العقاب فهو اخسر صفقة تكون.

الجنابذي

تفسير : قرئ بالجرّ عطفاً على القرآن، وبالرّفع عطفاً على آيات القرآن، وتنكيره للتّفخيم.

الأعقم

تفسير : {طس} قد بيّنّا ما قالوا، وقيل: إنها اسم السورة، وقيل: إسم الله، وقيل: كل حرف منها مأخوذ من اسم الله {تلك} إشارة إلى الحروق، وقيل: إلى السورة {آيات القرآن وكتاب مبين} والقرآن المجموع، ومعنى مبين بيّن الأحكام بالشرائع والمواعظ {هدىً وبشرى للمؤمنين} وخصّهم بالذكر لأنهم ينتفعون به {الذين يقيمون الصلاة} يديمونها {ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون} لا يشكون {إن الذين لا يؤمنون} لا يصدقون بالبعث {زينا لهم أعمالهم}، قيل: زيّن لهم الشيطان في قوله: {أية : وزين لهم الشيطان أعمالهم}تفسير : [النمل: 24]، وقيل: هو مجاز يعني إمهال الشيطان وتخليته حتى زين لهم {فهم يعمهون} يتحيرون ويترددون في الحيرة {أولئك} من تقدم ذكرهم {الذين لهم سوء العذاب} في القتل والأسر يوم بدر، وقيل: عذاب الاستئصال، وقيل: عذاب القبر، والمراد بالسوء الشدة والصعوبة {وهم في الآخرة هم الأخسرون} لحرمان الثواب ودخول النار، ثم بيَّن الله تعالى أن الله هو الذي أعطاه القرآن فقال: {وإنك لتلقى القرآن} تعطى، وقيل: يلقى إليك {من لدن حكيم عليم} أي من جهته تعالى، ثم أنه كما أنزل القرآن عليك أنزل التوراة على موسى.

الهواري

تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قوله: {طسۤ تِلْكَ ءَايَاتُ القُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ}. قد فسّرناه في السورة الأولى. قوله: {هُدىً} أي: يهتدون به، أي: بالقرآن إلى الجنة {وَبُشْرَى لِلْمُؤمِنِينَ} أي: بالجنة. {الذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ} يعني الصلوات الخمس يحافظون على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها. قوله: {وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ} يعني الزكاة المفروضة، {وَهُم بِالأَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} أي: يصدّقون ولا يشكّون أنها كائنة. {إِنَّ الذِينَ لاَ يُؤمِنُونَ بِالأَخِرَةِ} أي: لا يصدقون بالآخرة أنها كائنة. {زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ} أي: فهم في ضلالتهم يلعبون. قال: {أُولَئِكَ} الذين هذه صفتهم {الذِينَ لَهُمْ سُوءُ العَذَابِ} أي: شدة العذاب {وَهُمْ فِي الأَخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ} أي: خسروا أنفسهم أن يغنموها فصاروا في النار وخسروا الجنة. قوله: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القُرْءانَ مِن لَّدُنْ} أي: من عند {حَكِيمٍ عَلِيمٍ} يعني نفسه، أي: حكيم في أمره، عليم بخلقه.

اطفيش

تفسير : {طَسَ} اخلص بعض فتحة الطاء والفها وأمالهما بعض كما مر. {تِلْكَ} قبل الاشارة إلى آيات السورة فانه كما يشار الى موجود يشار الى ما يوجد. {آيَاتِ القُرآنِ} أي في آيات من القرآن. {وَكِتَابٍ مُّبِينٍ} اللوح المحفوظ وابانته انه قد خط فيه كل ما هو كائن يعّينه للناظرين، فيه إبانة او القرآن او السورة وابانتهما انهما بينان ما أودعاه من العلوم والحكم والشرايع وأن إعجازها ظاهر مكشوف وإضافة الآيات الى الكتاب للتفخيم لأن المضاف الى العظيم يعظم بالاضافة اليه وآخر الكتاب المبين باعتبار تعلق علمنا به أن قيل انه القرآن وقد مر في الحجر لأنه مخلوق قبل القرآن وتنكيره للتعظيم على أي وجه فسروا إذا أريد به القرآن فعطفه عطف إحدى الصفتين على الاخرى كقولك: جاء زيد السخي والجواد الكريم وأنت تريد بالسخي والجواد الكريم زيدا فكأنه قيل آيات المجموع والمقروء والمكتوب المبين وقرأه ابن أبي عبلة وكتاب المبين بالرفع على أن الأصل وآيات كتاب مبين فحذف المضاف فأنيب عنه المضاف اليه في الرفع.

اطفيش

تفسير : {طس تلْكَ} الاشارة الى السورة، والبعد لشرف المنزلة، أو الى الآيات التى تتلى بعد من السورة وغيرها، أو الى مطلق الآيات {آيات القرآن} تعظيم لهن إذ كن من حملة الكتاب المبارك، الذى فاق كتب الله كلها وكل كلام {وكِتابٍ مُبينٍ} واضح فى نفسه وإعجازه او موضح لما خفى من الأخبار والأحكام، والهدى والضلال والثواب والعقاب، فحذف المفعول على الوجه للعموم أو للعلم به، إذ علم انه يبين لهم ما خفى، والعطف على القرآن كعطف الصفة على أخرى لموصوف واحد، أى آيات ما جمع أنه قرآن، وانه كتاب مبين كقوله: شعر : * الى الملك القرم وابن الهمام * تفسير : والتعظيم يكون بالتعريف، ويكون بالتنكير والتنوين وجمع ذلك فى قوله: {القرآن وكتاب مبين} وفى الحجر تقديم الكتاب وتعريفه، وتأخير القرآن وتنكيره عكس ما هنا، قدم القرآنية هنا لكونها أدل على خصوص المنزل عليه صلى الله عليه وسلم للاعجاز، وقدم الكتابة هنالك تلويحاً بأنه شامل لكتبه تعالى كلها، كأنه كلها، ومشتمل على أوصاف خاصة به، وقدم المعرف فيهما تنويهاً به، وبأنه المعروف كالشمس، وأل للعهد، ويجوز أن يراد بالكتاب اللوح المحفوظ، كما أن الأصل فى العطف التغاير، فيكون قد أخبرنا الله عز وجل بما لم نعهده من اشتمال اللوح على الآيات، وإن فى آياته هدى وبشرى، فليس قوله: {هدىً وبُشْرى} مانعاً مع أن حصول اشتماله عليهن غير بعيد لعلمه من الآى الأخر، ومن كون القرآن منزلا منه نعت لكتاب، أو حال من الآيات، مبالغة كأنه أو كأنهن نفس الهدى، أو بتأويل ذى هدى، أو ذوات هدى، أو هادياً ومبشراً، أو هاديات ومبشرات، أو تهدى هدى، وتبشر بشرى أو يهدى هدى ويبشر بشرى، أو مبين حال كونه هدى، وبشرى مبالغة، أو ذا هدى أو هادياً {للمؤمنينَ} تنازعه هدى وبشرى، فعمل الثانى وأضمرت الفضلة للأول، ومعنى هداية المؤمنين مع أنها قد حصلت لهم قبلها زيادتها، كما قال الله عز وجل: "أية : فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون"تفسير : [التوبة: 124] او أدامتها فخصوا بذكر حالهم، لأنهم المنتفعون بها، أو أريد ما نزل أولا لهم، فاهتدوا به ولو بعد مدة، فلا تحصيل حاصل أو لا تنازع، بل هدى على العموم، هدى بيان وبشرى للمؤمنين، ولا يجوز تفسير الهدى بالاهتداء، لأن الآيات والكتاب هاديات لا مهتديات، ويزول تحصيل الحاصل بتفسير الصائرين الى الايمان، والى إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والايقان بالآخرة، لكن ذلك خلاف الأصل.

الالوسي

تفسير : {طسۤ} قرىء بالإمالة وعدمها، والكلام فيه كالكلام في نظائره من الفواتح. {تِلْكَ } إشارة إلى السورة المذكورة، وأداة البعد للإشارة إلى بعد المنزلة في الفضل والشرف أو إلى / الآيات التي تتلى بعد نظير الإشارة في قوله تعالى: {أية : الۤمۤ ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ }تفسير : [البقرة: 1-2] أو إلى مطلق الآيات، ومحله الرفع على الابتداء خبره قوله تعالى: {ءايَـٰتُ ٱلْقُرْءانِ } والجملة مستأنفة أو خبر لقوله تعالى: {طسۤ} وإضافة {ءايَـٰتُ } إلى {ٱلْقُرْءانَ } لتعظيم شأنها فإن المراد به المنزل المبارك المصدق لما بين يديه الموصوف بالكمالات التي لا نهاية لها، ويطلق على كل المنزل عليه صلى الله عليه وسلم للإعجاز وعلى بعض منه، وجوز هنا إرادة كل من المعنيين وإذا أريد الثاني فالمراد بالبعض جميع المنزل عند نزول السورة. وقوله تعالى: {وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ } عطف على {ٱلْقُرْءانَ } والمراد به القرآن وعطفه عليه مع اتحاده معه في الصدق كعطف إحدى الصفتين على الأخرى كما في قولهم: هذا فعل السخي والجواد الكريم، وتنوينه للتفخيم، و {ٱلْمُبِينُ } إما من أبان المتعدي أي مظهر ما في تضاعيفه من الحكم والأحكام وأحوال القرون الأولى وأحوال الآخرة التي من جملتها الثواب والعقاب أو سبيل الرشد والغي أو نحو ذلك، والمشهور في أمثال هذا الحذف أنه يفيد العموم، وإما من أبان اللازم بمعنى بان أي ظاهر الإعجاز أو ظاهر الصحة للإعجاز، وهو على الاحتمالين صفة مادحة لكتاب مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة. ولما كان في التنكير نوع من الفخامة وفي التعريف نوع آخر وكان الغرض الجمع للاستيعاب الكامل عرف القرآن ونكر الكتاب وعكس في الحجر [1]، وقدم المعرف في الموضعين لزيادة التنويه، ولما عقبه سبحانه بالحديث عن الخصوص هٰهنا قدم كونه قرآناً لأنه أدل على خصوص المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للإعجاز كذا في «الكشف». وقال بعض الأجلة: قدم الوصف الأول هٰهنا نظراً إلى حال تقدم القرآنية على حال الكتابية، وعكس هنالك لأن المراد تفخيمه من حيث اشتماله على كمال جنس الكتب الإلهية حتى كأنه كلها ومن حيث كونه ممتازاً عن غيره نسيج وحده بديعاً في بابه والإشارة إلى امتيازه عن سائر الكتب بعد التنبيه على انطوائه على كمالات غيره من الكتب أدخل في المدح لئلا يتوهم من أول الأمر أن امتيازه عن غيره لاستقلاله بأوصاف خاصة به من غير اشتماله على نعوت كمال سائر الكتب الكريمة، وفي هذا حمل أل على الجنس في الكتاب. والظاهر أنها في {ٱلْقُرْءانَ } للعهد فيختلف معناها في الموضعين وإليه يشير ظاهر كلام «الكشاف» كما قيل، واعتذر له بأنه إذا رجع المعنيان إلى التفخيم فلا بأس بمثل هذا الاختلاف، وجوز أن تكون في الموضعين للعهد وأن تكون فيهما للجنس فتأمل، وقيل: إن اختصاص كل من الموضعين بما اختص به من تعيين الطريق. وجوز أن يراد بالكتاب اللوح المحفوظ وإبانته أنه خط فيه ما هو كائن إلى يوم القيامة فهو يبينه للناظرين فيه، وتأخيره هنا عن القرآن باعتبار تعلق علمنا به وتقديمه في الحجر عليه باعتبار الوجود الخارجي فإن القرآن بمعنى المقروء لنا مؤخر عن اللوح المحفوظ ولا يخفى أن إرادة غير اللوح من الكتاب أظهر. وقال بعضهم: لا يساعد إرادة اللوح منه هٰهنا إضافة الآيات إليه إذ لا عهد باشتماله على الآيات ولا وصفه بالهداية والبشارة إذ هما باعتبار إبانته فلا بد من اعتبارها بالنسبة إلى الناس الذين من جملتهم المؤمنون لا إلى الناظرين فيه. وقرأ ابن أبـي عبلة {وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ } برفعهما، وخرج على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أي وآيات كتاب، وقيل: يجوز عدم اعتبار الحذف والكتاب لكونه مصدراً في الأصل يجوز الإخبار به عن المؤنث، وقيل: رب شيء يجوز تبعاً ولا يجوز استقلالاً ألا ترى أنهم حظروا جاءتني زيد وأجازوا جاءتني / هند وزيد.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة مكية نزلت بعد الشعراء؛ وهي تمضي على نسقها في الأداء: مقدمة وتعقيب يتمثل فيهما موضوع السورة الذي تعالجه؛ وقصص بين المقدمة والتعقيب يعين على تصوير هذا الموضوع، ويؤكده، ويبرز فيه مواقف معينة للموازنة بين موقف المشركين في مكة ومواقف الغابرين قبلهم من شتى الأمم، للعبرة والتدبر في سنن الله وسنن الدعوات. وموضوع السورة الرئيسي ـ كسائر السور المكية ـ هو العقيدة: الإيمان بالله، وعبادته وحده، والإيمان بالآخرة، وما فيها من ثواب وعقاب. والإيمان بالوحي وأن الغيب كله لله، لا يعلمه سواه. والإيمان بأن الله هو الخالق الرازق واهب النعم؛ وتوجيه القلب إلى شكر أنعم الله على البشر. والإيمان بأن الحول والقوة كلها لله، وأن لا حول ولا قوة إلا بالله. ويأتي القصص لتثبيت هذه المعاني؛ وتصوير عاقبة المكذبين بها، وعاقبة المؤمنين. تأتي حلقة من قصة موسى ـ عليه السلام ـ تلي مقدمة السورة. حلقة رؤيته للنار وذهابه إليها، وندائه من الملأ الأعلى، وتكليفه الرسالة إلى فرعون وملئه. ثم يعجل السياق بخبر تكذيبهم بآيات الله وهم على يقين من صدقها وعاقبة التكذيب مع اليقين.. {أية : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً فانظر كيف كان عاقبة المفسدين}تفسير : وكذلك شأن المشركين في مكة كان مع آيات القرآن المبين. وتليها إشارة إلى نعمة الله على داود وسليمان ـ عليهما السلام ـ ثم قصة سليمان مع النملة، ومع الهدهد، ومع ملكة سبأ وقومها. وفيها تظهر نعمة الله على داود وسليمان وقيامهما بشكر هذه النعمة. وهي نعمة العلم والملك والنبوة مع تسخير الجن والطير لسليمان. وفيها تظهر كذلك أصول العقيدة التي يدعو إليها كل رسول. ويبرز بصفة خاصة استقبال ملكة سبأ وقومها لكتاب سليمان ـ وهو عبد من عباد الله ـ واستقبال قريش لكتاب الله. هؤلاء يكذبون ويجحدون. وأولئك يؤمنون ويسلمون. والله هو الذي وهب سليمان ما وهب، وسخر له ما سخر. وهو الذي يملك كل شيء، وهو الذي يعلم كل شيء. وما ملك سليمان وما علمه إلا قطرة من ذلك الفيض الذي لا يغيض. وتليها قصة صالح مع قومه ثمود. ويبرز فيها تآمر المفسدين منهم عليه وعلى أهله، وتبييتهم قتله؛ ثم مكر الله بالقوم، ونجاة صالح والمؤمنين معه، وتدمير ثمود مع المتآمرين: {أية : فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا} تفسير : وقد كانت قريش تتآمر على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتبيت له، كما بيتت ثمود لصالح وللمؤمنين. ويختم القصص بقصة لوط مع قومه. وهمهم بإخراجه من قريتهم هو والمؤمنون معه، بحجة أنهم أناس يتطهرون! وما كان من عاقبتهم بعد إذ هاجر لوط من بينهم، وتركهم للدمار: {أية : وأمطرنا عليهم مطراً فساء مطر المنذرين}تفسير : ولقد همت قريش بإخراج الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتآمرت في ذلك قبل هجرته من بين ظهرانيهم بقليل. فإذا انتهى القصص بدأ التعقيب بقوله: {أية : قل: الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. آلله خير أم ما يشركون؟}تفسير : ثم أخذ يطوف معهم في مشاهد الكون، وفي أغوار النفس. يريهم يد الصانع المدبر الخالق الرازق، الذي يعلم الغيب وحده، وهم إليه راجعون. ثم عرض عليهم أحد أشراط الساعة وبعض مشاهد القيامة، وما ينتظر المكذبين بالساعة في ذلك اليوم العظيم. ويختم السورة بإيقاع يناسب موضوعها وجوها: {أية : إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء، وأمرت أن أكون من المسلمين. وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل: إنما أنا من المنذرين. وقل: الحمد لله. سيريكم آياته فتعرفونها، وما ربك بغافل عما تعملون }.. تفسير : والتركيز في هذه السورة على العلم. علم الله المطلق بالظاهر والباطن، وعلمه بالغيب خاصة. وآياته الكونية التي يكشفها للناس. والعلم الذي وهبه لداود وسليمان. وتعليم سليمان منطق الطير وتنويهه بهذا التعليم.. ومن ثم يجيء في مقدمة السورة: {أية : وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم}تفسير : ويجيء في التعقيب {أية : قل: لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون. بل ادارك علمهم في الآخرة}..{أية : وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون. وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين} تفسير : ويجيء في الختام: {أية : سيريكم آياته فتعرفونها}.. تفسير : ويجيء في قصة سليمان: {أية : ولقد آتينا داود وسليمان علماً وقالا: الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين}تفسير : وفي قول سليمان: {أية : يا أيها الناس علمنا منطق الطير}تفسير : وفي قول الهدهد: {أية : ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون}. تفسير : وعندما يريد سليمان استحضار عرش الملكة، لا يقدر على إحضاره في غمضة عين عفريت من الجن، إنما يقدر على هذه: {أية : الذي عنده علم من الكتاب } تفسير : وهكذا تبرز صفة العلم في جو السورة تظللها بشتى الظلال في سياقها كله من المطلع إلى الختام. ويمضي سياق السورة كله في هذا الظل، حسب تتابعه الذي أسلفنا. فنأخذ في استعراضها تفصيلاً. {طا. سين}.. الأحرف المقطعة للتنبيه على المادة الأولية التي تتألف منها السورة والقرآن كله. وهي متاحة لجميع الناطقين بالعربية. وهم يعجزون أن يؤلفوا منها كتاباً كهذا القرآن، بعد التحدي والإفحام.. ويلي ذلك التنبيه ذكر القرآن: {تلك آيات القرآن وكتاب مبين}.. والكتاب هو نفسه القرآن. وذكره بهذه الصفة هنا يبدو لنا أنه للموازنة الخفية بين استقبال المشركين للكتاب المنزل عليهم من عند الله؛ واستقبال ملكة سبأ وقومها للكتاب الذي أرسله إليهم سليمان. وهو عبد من عباد الله. ثم يصف القرآن أو يصف الكتاب بأنه: {هدى وبشرى للمؤمنين}.. وهذه أبلغ مما لو قيل: فيه هدى وبشرى للمؤمنين. فالتعبير القرآني على هذا النحو يجعل مادة القرآن وماهيته هدى وبشرى للمؤمنين. والقرآن يمنح المؤمنين هدى في كل فج، وهدى في كل طريق. كما يطلع عليهم بالبشرى في الحياتين الأولى والآخرة. وفي تخصيص المؤمنين بالهدى والبشرى تكمن حقيقة ضخمة عميقة.. إن القرآن ليس كتاب علم نظري أو تطبيقي ينتفع به كل من يقرؤه ويستوعب ما فيه. إنما القرآن كتاب يخاطب القلب، أول ما يخاطب؛ ويسكب نوره وعطره في القلب المفتوح، الذي يتلقاه بالإيمان واليقين. وكلما كان القلب ندياً بالإيمان زاد تذوقه لحلاوة القرآن؛ وأدرك من معانيه وتوجيهاته مالا يدركه منه القلب الصلد الجاف؛ واهتدى بنوره إلى ما لا يهتدي إليه الجاحد الصادف. وانتفع بصحبته ما لا ينتفع القارئ المطموس! وإن الإنسان ليقرأ الآية أو السورة مرات كثيرة، وهو غافل أو عجول، فلا تنض له بشيء؛ وفجأة يشرق النور في قلبه، فتتفتح له عن عوالم ما كانت تخطر له ببال. وتصنع في حياته المعجزة في تحويلها من منهج إلى منهج، ومن طريق إلى طريق. وكل النظم والشرائع والآداب التي يتضمنها هذا القرآن، إنما تقوم قبل كل شيء على الإيمان. فالذي لا يؤمن قلبه بالله، ولا يتلقى هذا القرآن على أنه وحي من عند الله وعلى أن ما جاء فيه إنما هو المنهج الذي يريده الله. الذي لا يؤمن هذا الإيمان لا يهتدي بالقرآن كما ينبغي ولا يستبشر بما فيه من بشارات. إن في القرآن كنوزاً ضخمة من الهدى والمعرفة والحركة والتوجيه. والإيمان هو مفتاح هذه الكنوز. ولن تفتح كنوز القرآن إلا بمفتاح الإيمان. والذين آمنوا حق الإيمان حققوا الخوارق بهذا القرآن. فأما حين أصبح القرآن كتاباً يترنم المترنمون بآياته، فتصل إلى الآذان، ولا تتعداها إلى القلوب. فإنه لم يصنع شيئاً، ولم ينتفع به أحد.. لقد ظل كنزاً بلا مفتاح! والسورة تعرض صفة المؤمنين الذين يجدون القرآن هدى وبشرى.. إنهم هم: {الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، وهم بالآخرة هم يوقنون}.. يقيمون الصلاة.. فيؤدونها حق أدائها، يقظة قلوبهم لموقفهم بين يدي الله، شاعرة أرواحهم بأنهم في حضرة ذي الجلال والإكرام، مرتفعة مشاعرهم إلى ذلك الأفق الوضيء، مشغولة خواطرهم بنجاء الله ودعائه والتوجه إليه في محضره العظيم. ويؤتون الزكاة.. فيطهرون نفوسهم من رذيلة الشح؛ ويستعلون بأرواحهم على فتنة المال؛ ويصلون إخوانهم في الله ببعض ما رزقهم الله؛ ويقومون بحق الجماعة المسلمة التي هم فيها أعضاء. وهم بالآخرة هم يوقنون.. فإذا حساب الآخرة يشغل بالهم، ويصدهم عن جموح الشهوات، ويغمر أرواحهم بتقوى الله وخشيته والحياء من الوقوف بين يديه موقف العصاة. هؤلاء المؤمنون الذاكرون الله، القائمون بتكاليفه، المشفقون من حسابه وعقابه، الطامعون في رضائه وثوابه.. هؤلاء هم الذين تنفتح قلوبهم للقرآن، فإذا هو هدى وبشرى. وإذا هو نور في أرواحهم، ودفعة في دمائهم، وحركة في حياتهم. وإذا هو زادهم الذي به يبلغون؛ وريهم الذي به يشتفون. وعند ذكر الآخرة يركز عليها ويؤكد في صورة التهديد والوعيد لمن لا يؤمنون بها، فيسدرون في غيهم، حتى يلاقوا مصيرهم الوخيم: {إِن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون. أولئك الذين لهم سوء العذاب، وهم في الآخرة هم الأخسرون}.. والإيمان بالآخرة هو الزمام الذي يكبح الشهوات والنزوات، ويضمن القصد والاعتدال في الحياة. والذي لا يعتقد بالآخرة لا يملك أن يحرم نفسه شهوة أو يكبح فيها نزوة، وهو يظن أن الفرصة الوحيدة المتاحة له للمتاع هي فرصة الحياة على هذا الكوكب، وهي قصيرة مهما طالت. وما تكاد تتسع لشيء من مطالب النفوس وأمانيها التي لا تنال! ثم ما الذي يمسكه حين يملك إرضاء شهواته ونزواته، وتحقيق لذاته ورغباته؛ وهو لا يحسب حساب وقفة بين يدي الله؛ ولا يتوقع ثواباً ولا عقاباً يوم يقوم الأشهاد؟ ومن ثم يصبح كل تحقيق للشهوة واللذة مزيناً للنفس التي لا تؤمن بالآخرة، تندفع إليه بلا معوق من تقوى أو حياء. والنفس مطبوعة على أن تحب ما يلذ لها، وأن تجده حسناً جميلاً؛ ما لم تهتد بآيات الله ورسالاته إلى الإيمان بعالم آخر باق بعد هذا العالم الفاني. فإذا هي تجد لذتها في أعمال أخرى وأشواق أخرى، تصغر إلى جوارها لذائذ البطون والأجسام! والله ـ سبحانه ـ هو الذي خلق النفس البشرية على هذا النحو؛ وجعلها مستعدة للاهتداء إن تفتحت لدلائل الهدي، مستعدة للعماء إن طمست منافذ الإدراك فيها. ومشيئته نافذة ـ وفق سنته التي خلق النفس البشريعة عليها ـ في حالتي الاهتداء والعماء. ومن ثم يقول القرآن عن الذين لا يؤمنون بالآخرة: {زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون}.. فهم لم يؤمنوا بالآخرة فنفذت سنة الله في أن تصبح أعمالهم وشهواتهم مزينة لهم حسنة عندهم.. وهذا هو معنى التزيين في هذا المقام. فهم يعمهون لا يرون ما فيها من شر وسوء. أو فهم حائرون لا يهتدون فيها إلى صواب. والعاقبة معروفة لمن يزين له الشر والسوء: {أولئك الذين لهم سوء العذاب. وهم في الآخرة هم الأخسرون}.. سواء كان سوء العذاب لهم في الدنيا أو في الآخرة، فالخسارة المطلقة في الآخرة، محققة جزاء وفاقاً على الاندفاع في سوء الأعمال. وتنتهي مقدمة السورة بإثبات المصدر الإلهي الذي يتنزل منه هذا القرآن على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: {وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم}.. ولفظ {تلقى} يلقي ظل الهدية المباشرة السنية من لدن حكيم عليم. يصنع كل شيء بحكمة، ويدبر كل أمر بعلم.. وتتجلى حكمته وعلمه في هذا القرآن. في منهجه، وتكاليفه، وتوجيهاته، وطريقته. وفي تنزيله في إبانه. وفي توالي أجزائه. وتناسق موضوعاته. ثم يأخذ في القصص. وهو معرض لحكمة الله وعلمه وتدبيره الخفي اللطيف.

ابن عاشور

تفسير : تقدم القول في أن الراجح أن هذه الحروف تعريض بالتحدّي بإعجاز القرآن وأنه مؤتلف من حروف كلامهم. وتقدم ما في أمثالها من المحامل التي حاولها كثير من المتأولين. ويجيء على اعتبار أن تلك الحروف مقتضبة من أسماء الله تعالى أن يقال في حروف هذه السورة ما روي عن ابن عباس أن: طس مقتضب من طَاءِ اسمه تعالى اللطيف، ومن سين اسمه تعالى السميع. وأن المقصود القَسَم بهاذين الاسمين، أي واللطيفِ والسميعِ تلك آيات القرآن المبين. القول فيه كالقول في صدر سورة الشعراء وخالفت آية هذه السورة سابقتها بثلاثة أشياء: بذكر اسم القرآن وبعطف {وكتاب} على {القرآن} وبتنكير {كتاب}. فأما ذكر اسم القرآن فلأنه علَم للكتاب الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للإعجاز والهدي. وهذا العَلم يرادف الكتاب المعرَّف بلام العهد المجعول علماً بالغلبة على القرآن، إلا أن اسم القرآن أدخل في التعريف لأنه علم منقول. وأما الكتاب فعلَم بالغلبة، فالمراد بقوله: {وكتاب مبين} القرآنُ أيضاً ولا وجه لتفسيره باللَّوح المحفوظ للتفصّي من إشكال عطف الشيء على نفسه لأن التفصي من ذلك حاصل بأنَّ عطفَ إحدى صفتين على أُخرى كثير في الكلام. ولما كان في كلّ من {القرآن} و{كتاب مبين} شائبة الوصف فالأول باشتقاقه من القراءة، والثاني بوصفه بــــ{مبين}، كان عطف أحدهما على الآخر راجعاً إلى عطف الصفات بعضها على بعض، وإنما لم يؤت بالثاني بدَلاً، لأن العطف أعلق باستقلال كلا المتعاطفين بأنه مقصود في الكلام بخلاف البدل. ونظير هذه الآية آية سورة الحجر (1) {أية : تلك آيات الكتاب وقرآنٍ مبين }تفسير : فإن {قرآن} في تلك الآية في معنى عطف البيان من {الكتاب} ولكنه عُطف لقصد جمعهما بإضافة {آيات} إليهما. وإنما قدم في هذه الآية {القرآن} وعطف عليه {كتاب مبين} على عكس ما في طالعة سورة الحجر لأن المقام هنا مقام التنويه بالقرآن ومتبعيه المؤمنين، فلذلك وصف بأنه {أية : هدى وبشرى للمؤمنين}تفسير : [النمل: 2] أي بأنهم على هدى في الحال ومبشرون بحسن الاستقبال فكان الأهم هنا للوحي المشتمل على الآيات هو استحضاره باسمه العلم المنقول من مصدر القراءة لأن القراءة تناسب حال المؤمنين به والمتقبلين لآياته فهم يدرسونها، ولأجل ذلك أدخلت اللام للمح الأصل، تذكيراً بأنه مقروء مدروس. ثم عطف عليه {كتاب مبين} ليكون التنويه به جامعاً لعنوانيه ومستكملاً للدلالة بالتعريف على معنى الكمال في نوعه من المقروءات، والدلالة بالتنكير على معنى تفخيمه بين الكُتب كقوله تعالى: {أية : مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه}تفسير : [المائدة: 48]. وأما ما في أول سورة الحجر فهو مقام التحسير للكافرين من جراء إعراضهم عن الإسلام فناسب أن يبتدئوا باسم الكتاب المشتق من الكتابة دون القرآن لأنهم بمعزل عن قراءته ولكنه مكتوب، وحجة عليهم باقية على مر الزمان. وقد تقدم تفصيل ذلك في أول سورة الحجر، ولهذا عقب هنا ذكر {كتاب مبين} بالحال {أية : هدى وبشرى للمؤمنين}تفسير : [النمل: 2]. و{مبين} اسم فاعل إما من (أبان) القاصر بمعنى (بان) لأن وصفه بأنه بيّن واضح له حظ من التنويه به ما ليس من الوصف بأنه مُوضِّح مبين. فالمبين أفاد معنيين أحدهما: أن شواهد صدقه وإعجازه وهديه لكل متأمل، وثانيهما: أنه مرشد ومفصِّل.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- طس - حرفان صوتيان ابتدأت بهما السورة الكريمة تنبيها إلى سر الإعجاز فى القرآن مع الإشارة إلى أنه من جنس ما يتكلمون، ولتنبيه الأذهان للاستماع إليه. تلك آيات المنزل مقروءاً تتلونه، وهو كتاب مبين لما جاء به. 2- وهو هادٍ للمؤمنين إلى طريق الخير والفوز فى الدنيا والآخرة، ومبشر لهم بحسن المآل.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: طسۤ: هذا أحد الحروف المقطّعة، يقرأ: طا. سِين. تلك: أي الآيات المؤلفة من هذه الحروف آيات القرآن. هدى وبشرى: أي أعلام هداية للصراط المستقيم، وبشارة للمهتدين. زيّنا لهم أعمالهم: أي حببناها إليهم حسب سنتنا فيمن لا يؤمن بالبعث والجزاء. فهم يعمهون: في ضلال بعيد وحيرة لا تنتهي. لهم سوء العذاب: أي في الدنيا بالأسر والقتل. معنى الآيات: قوله تعالى {طسۤ} لقد سبق أن ذكرنا أن السلف كانوا يقولون في مثل هذه الحروف المقطعة: الله أعلم بمراده بذلك، وهذه أسلم، وذكرنا أن هناك فائدة قد تقتنص من الاشارة بتلك أو بذلك، وهي أن القرآن المعجز الذي تحدى به مُنَزله عز وجل الإِنس والجن قد تألف من مثل هذه الحروف العربية فألفوا أيها العرب مثله سورة فأكثر فإن عجزتم فآمنوا أنه كلام الله ووحيه واعملوا بما فيه ويدعو إليه. وقوله {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْقُرْآنِ} أي المؤلفة من مثل هذه الحروف آيات القرآن {وَكِتَابٍ مُّبِينٍ} اي مبين لكل ما يحتاج إلى بيانه من الحق والشرع في كل شؤون الحياة. وقوله: {هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} أي هادٍ إلى الصراط المستقيم الذي يفضي بسالكه إلى السعادة والكمال في الدارين، {وَبُشْرَىٰ} أي بشارة عظمى للمؤمنين أي بالله ولقائه والرسول وما جاء به، {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ} بأدائها في أوقاتها في بيوت الله تعالى مستوفاة الشروط والأركان والواجبات والسنن والآداب {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} عند وجوبها عليهم {وَهُم بِٱلآخِرَةِ} أي بالدار الآخرة {هُمْ يُوقِنُونَ} بوجودها والمصير إليها، وبما فيها من حساب وجزاء. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} أي بالبعث والجزاء {زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ} أي حببناها إليهم حتى يأتوها وهي أعمال شر وفساد، وذلك حسب سنتنا فيمن أنكر البعث وأصبح لا يرهب حساباً ولا يخاف عقاباً انغمس في الرذائل والشهوات وأصبح لا يرعوي عن قبيح {فَهُمْ} لذلك {يَعْمَهُونَ} في سُلُوكِهم يتخبطون لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً. وقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ} أي في الدنيا بالأسر والقتل، وهم في الآخرة هم الأكثر خساراً من سائر أهل النار أي أشد عذاباً. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان إعجاز القرآن إذ آياته مؤلفة من مثل طس، وحم وعجز العرب عن تأليف مثله. 2- بيان كَوْن القرآن، هدى وبشرى للمؤمنين الملتزمين بمتطلبات الإِيمان. 3- إِنكار البعث والدار الآخرة يجعل صاحبه شر الخليقة وأسوأ حالاً من الكلاب والخنازير 4- وجوب قتال الملاحدة وأخذهم أسراً وقتلاً حتى يؤمنوا بالله ولقائه لأنهم خطر على أنفسهم وعلى البشرية سواء.

القطان

تفسير : يعمهون: يتحيرون، ويترددون في الضلال. الأخسَرون: أشد الناس خسرانا. طاسين: هكذا يقرأ هذان الحرفان، وتقدم الكلام في المراد من فواتح السور، وان الأصح انها جاءت تنبيهاً الى سر الاعجاز في القرآن مع الاشارة الى انه من جنس ما يتكلمون ولتنبيه الاذهان للاستماع اليه. {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ} هذه الآيات التي انزلتها اليك ايها الرسول هي آيات القرآن، وهو كتاب واضح بيّن لما تَدبره وفكر فيه انه من عند الله. {هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} هذا الكتاب هو الدليل الذي يهدي الناسَ الى سعادتهم في الدنيا والآخرة، وهو يبشر المؤمنين بأن الله سيُدخلهم جناتٍ لهم فيها نعيم مقيم. {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُم بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} هذا وصفٌ للمؤمنين بأنهم آمنوا بالله، وعملوا الأعمالَ الصالحة، فأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وآمنوا ايمانا صادقا بيوم القيامة والبعث والجزاء، فالايمان وحده لا يكفي. {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ وَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ}. اما الذين لا يؤمنون بالبعث والجزاء فقد زينّا لهم أعمالَهم السيئة، ومددْنا في غَيِّهم فهم يترددون في ضلالهم، فلهم في الدنيا سوءُ العذاب بقتلِهم وأسْرِهم، وهم في الآخرة أعظمُ خسراناً مما هم فيه في الدنيا، لأنه عذابٌ مستمر لا ينقطع.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَاتُ} {ٱلْقُرْآنِ} (1) - طَاسِينْ وتُقْرأ مُقَطَّعَةً كُلَّ حرفٍ عَلَى حِدَة، واللهُ أَعْلَمُ بِمُرادِه. هَذِهِ الآياتُ التي أنْزَلَهَا عَليكَ رَبُّكَ يا مُحَمَّدُ، هيَ آياتُ القُرآنِ الجَلِيِّ الوَاضِحِ (المُبِينِ).

الثعلبي

تفسير : {طسۤ} قال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله عزَّ وجل، أقسم الله سبحانه به أن هذه السورة {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ} يعني وآيات كتاب مبين، وقيل: الطاء من اللطيف، والسين من السميع، وقال أهل الإشارة: هي إشارة إلى طهارة سرّ حبيبه. {هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} فيهما وجهان من العربية، الرفع على خبر الابتداء أي هي هدىً، وإنْ شئت على حرف جزاء الصفه في قوله {ٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} والنّصب على القطع والحال. {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُم بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ} القبيحة حتى رأوها حسنة، وتزيينه خذلانه إيّاهم. {فَهُمْ يَعْمَهُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمْ سُوۤءُ} شدّة {ٱلْعَذَابِ} في الدّنيا القتل والأسر بيده. {وَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ} بحرمان النجاة والمنع من دخول الجنّات. {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى} لتلقّن وتعطى {ٱلْقُرْآنَ} نظيره قوله سبحانه وتعالى {أية : وَلاَ يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ٱلصَّابِرُونَ}تفسير : [القصص: 80] {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : تكلمنا كثيراً على هذه الحروف المقطَّعة في أوائل السور، وهنا (طس) وهما حرفان من حروف المعجم، وهي تُنطق هكذا (طاء) و(سين) لأنهما أسماء حروف، وفَرْق بين اسم الحرف ومُسمَّاه، فكلٌّ من الأمي والمتعلم يتكلم بحروف يقول مثلاً: كتب محمد الدرس. فإنْ طلبتَ من الأمي أن يتهجى هذه الحروف لا يستطيع لأنه لا يعرف اسم الحرف، وإنْ كان ينطق بمُسمَّاه، أمّا المتعلم فيقول: كاف تاء باء. ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان أمياً لا يعرف أسماء الحروف، فهي إذن من الله؛ لذلك كانت مسألة توقيفية، فالحروف (الٰم) نطقنا بها في أول البقرة بأسماء الحروف (ألف) (لام) (ميم)، أما في أول الانشراح فقلنا {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}تفسير : [الشرح: 1] بمسميات الحروف نفسها، فنقول: أَلَم. و{تِلْكَ ..} [النمل: 1] اسم إشارة للآيات الآتية خلال هذه السورة، وقُلْنا إن الآيات لها مَعَانٍ متعددة، فقد تعني الآيات الكونية: كالشمس والقمر، {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ..}تفسير : [فصلت: 37]. {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا ..}تفسير : [الروم: 21] وهذه الآيات الكونية هي التي تلفتنا إلى عظمة الخالق - عزَّ وجلّ - وقدرته. والآيات بمعنى المعجزات المصاحبة للرسل، والتي تثبت صِدْق بلاغهم عن الله، والآيات بمعنى آيات القرآن الحاملة للأحكام، وهي المرادة هنا {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ} [النمل: 1]. وسبق أنْ قال تعالى: {أية : الۤرَ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ}تفسير : [الحجر: 1] فمرة يقول {أية : وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ}تفسير : [الحجر: 1] ومرة {وَكِتَابٍ مُّبِينٍ} [النمل: 1] ويأتي بالكتاب ويعطف عليه القرآن، أو يأتي بالقرآن ويعطف عليه الكتاب، مع أنهما شيء واحد، فكيف إذن يعطف الشيء على نفسه؟ قالوا: إذا عطف الشيء على نفسه، فاعلم أنه لزيادة وَصْف الشيء، تقول: جاءني زيد الشاعر والخطيب والتاجر، فلكلِّ صفة منها إضافة في ناحية من نواحي الموصوف، فهو القرآن لأنه يُقرأ في الصدور، وهو نفسه الكتاب لأنه مكتوب في السطور، وهما معاً نُسمِّيهم مرة القرآن ومرة الكتاب، أمّا الوصف فيجعل المغايرة موجودة. ومعنى {مُّبِينٍ} [النمل: 1] بيِّن واضح ومحيط بكل شيء من أقضية الحياة وحركتها من أوامر ونواهٍ، كما قال سبحانه: {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ ..}تفسير : [الأنعام: 38]. وسبق أنْ حكينا ما حدث مع الإمام محمد عبده - رحمه الله - حينما كان في فرنسا، وسأله أحد المستشرقين: تقولون إن القرآن أحاط بكل شيء، فكم رغيفا في إردبّ القمح؟ فدعا الإمام الخباز وسأله فقال: كذا وكذا، فقال المستشرق: أُريدها من القرآن، قال الإمام: القرآن قال لنا: {أية : فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [الأنبياء: 7]. فهو كما قال تعالى: {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ ..}تفسير : [الأنعام: 38]. ثم يقول الحق سبحانه: {هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ...}.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {يَعْمَهُونَ} يترددون ويتحيرون، والعَمَهُ: التحير والتردُّد كما هو حال الضال عن الطريق قال الزاجر: "أعْمى الهُدى بالحائرين العُمَّه" {قَبَسٍ} القَبس: النار المقبوسة من جمرٍ وغيره {تَصْطَلُونَ} اصطلى يصطلي إذا استدفأ من البرد قال الشاعر: شعر : النارُ فاكهةُ الشتاءِ فمن يُرد أكْلَ الفواكه شاتياً فلْيصْطَلِ تفسير : {بُورِكَ} من البركة وهي زيادة الخير والنماء قال الثعلبي: العرب تقول: باركك الله، وبارك فيك، وبارك عليك، وبارك لك، أربعُ لغات قال الشاعر: شعر : فبوركتَ مولوداًَ وبوركت ناشئاً وبوركتَ عن الشيب إِذْ أنت أشيب تفسير : {يُوزَعُونَ} أصل الوزع الكفُّ والمنع يقال: وزَعه يزعه إذا كفَّه عن الشيء ومنعه ومنه قول عثمان "إن الله ليزَع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" قال النابغة: شعر : على حين عاتبتُ المشيبَ على الصِّبا وقلتُ ألمَّا أصّحُ والشيبُ وازع تفسير : التفسِير: {طسۤ} الحروف المقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن وقد تقدم الكلام عليها {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْقُرْآنِ} أي هذه الآيات المنزَّلة عليك يا محمد هي آياتُ القرآن المعجز في بيانه، الساطع في برهانه {وَكِتَابٍ مُّبِينٍ} أي وآياتُ كتابٍ واضحٍ مبين لمن تفكر فيه وتدبَّر، أبان اللهُ فيه الأحكام، وهدى به الأنام {هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} أي تلك آيات القرآن الهادي للمؤمنين إلى صراطٍ مستقيم، والمبشر لهم بجنات النعيم، خصَّ المؤمنين بالذكر لانتفاعهم به {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ} أي يؤدونها على الوجه الأكمل بخشوعها، وآدابها، وأركانها {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} أي يدفعون زكاة أموالهم طيبةً بها نفوسهم {وَهُم بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} أي يصدّقون بالآخرة تصديقاً جازماً لا يخالجه شك أو ارتياب قال الإِمام الفخر: والجملة اعتراضية كأنه قيل وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات هم الموقنون بالآخرة، فما يوقن بالآخرة حقَّ الإِيقان إلاّ هؤلاء الجامعون بين الإِيمان والعمل الصالح، لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق وقال أبو حيان: ولما كان {يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} مما يتجدَّد ولا يستغرق الأزمان جاءت الصلة فعلاً، ولما كان الإِيمان بالآخرة بما هو ثابت ومستقر جاءت الجملة إسمية وأُكدت بتكرار الضمير {وَهُم بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} وجاء خبر المبتدأ فعلاً ليدل على الديمومة، ولما ذكر تعالى المؤمنين الموقنين بالبعث، ذكر بعدها المنكرين المكذبين بالآخرة فقال {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} أي لا يصدّقون بالبعث {زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ} أي زينا لهم أعمالهم القبيحة حتى رأوها حسنة قال الرازي: والمراد من التزيين هو أن يخلق في قلبه العلم بما فيها من المنافع واللذات، ولا يخلق في قلبه العلم بما فيها من المضار والآفات {فَهُمْ يَعْمَهُونَ} أي فهم في ضلال أعمالهم القبيحة يترددون حيارى لا يميزون بين الحسن والقبيح {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ} أي لهم أشد العذاب في الدنيا بالقتل والأسر والتشريد {وَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ} أي وخسارتهم في الآخرة أشد من خسارتهم في الدنيا لمصيرهم إلى النار المؤبدة والجحيم والأغلال {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْآنَ} أي وإِنك يا محمد لتتلقى هذا القرآن العظيم وتُعطاه {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} أي من عند الله الحكيم بتدبير خلقه، العليم بما فيه صلاحهم وسعادتهم قال الزمخشري: وهذه الآية بسطٌ وتمهيد لما يريد أن يسوق بعدها من الأقاصيص، وما في ذلك من لطائف حكمته، ودقائق علمه {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لأَهْلِهِ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً} أي اذكر يا محمد حين قال موسى لأهله - أي زوجته - إني أبصرتُ ورأيت ناراً قال المفسرون: وهذا عندما سار من مدين إلى مصر، وكان في ليلة مظلمة باردة، وقد ضلَّ عن الطريق وأخذ زوجته الطَّلقُ {سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ} أي سآتيكم بخبرٍ عن الطريق إذا وصلتُ إليها {أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ} أي أو آتيكم بشعلةٍ مقتبسة من النار {لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} أي لكي تستدفئوا بها {فَلَمَّا جَآءَهَا} أي فلما وصل إلى مكان النار رأى منظراً هائلاً عظيماً، حيث رأى النار تضطرم في شجرة خضراء، لا تزداد النار إلا توقداً ولا تزداد الشجرةُ إلا خضرةً ونُضْرة، ثم رفع رأسه فإِذا نورها متصلٌ بعنان السماء قال ابن عباس: لم تكن ناراً وإِنما كانت نوراً يتوهج فوقف موسى متعجباً ممّا رأى وجاءه النداء العلوي {نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا} أي نودي من جانب الطور بأن بوركتَ يا موسى وبورك من حولك وهم الملائكة قال ابن عباس: معنى {بُورِكَ} تقدَّس {وَمَنْ حَوْلَهَا} الملائكةُ قال أبو حيان: وبدؤه بالنداء تبشيرٌ لموسى وتأنيسٌ له ومقدمةٌ لمناجاته، وجديرٌ أن يبارك من في النار ومن حواليها إذ قد حدث أمرٌ عظيم وهو تكليم الله لموسى وتنبيئه {وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي تقدَّس وتنزَّه ربُّ العزة، العليُّ الشأن، الذي لا يشبهه شيء من مخلوقاته لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله {يٰمُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي أنا الله القويُّ القادر، العزيز الذي لا يُقهر، الحكيم الذي يفعل كل شيء بحكمةٍ وتدبير {وَأَلْقِ عَصَاكَ} عطفٌ على السابق أي ونودي أن ألق عصاك لترى معجزتك بنفسك فتأنس بها {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ} أي فلما رآها تتحرك حركة سريعة كأنها ثعبان خفيف سريع الجري {وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ} أي ولّى الأدبار منهزماً ولم يرجع لما دهاه من الخوف والفزع قال مجاهد: "لم يُعقّب" لم يرجع، وقال قتادة: لم يلتفت، لحقه ما لحق طبع البشر إذ رأى أمراً هائلاً جداً وهو انقلاب العصا حيةً تسعى ولهذا ناداه ربه {يٰمُوسَىٰ لاَ تَخَفْ} أي أقبل ولا تخف لأنك بحضرتي ومن كان فيها فهو آمنٌ {إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ} أي فأنت رسولي ورسلي الذين اصطفيتهم للنبوة لا يخافون غيري قال ابن الجوزي: نبَّهه على أن من آمنَه الله بالنبوة من عذابه لا ينبغي أن يخاف من حيَّة {إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوۤءٍ} الاستثناء منقطع أي لكنْ من ظلم من سائر الناس لا من المرسلين فإِنه يخاف إلا إذا تاب وبدَّل عمله السيء إلى العمل الحسن {فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي عظيم المغفرة واسع الرحمة قال ابن كثير: وفيه بشارة عظيمةٌ للبشر وذلك أن من كان على عمل سيء، ثم أقلع ورجع وتاب وأناب فإِن الله يتوب عليه كقوله {أية : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ } تفسير : [طه: 82] {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} هذه معجزةٌ أُخرى لموسى تدل على باهر قدرة الله والمعنى أدخل يا موسى يدك في فتحة ثوبك ثم أخرجها تخرج مضيئة ساطعة بيضاء تتلألأ كالبرق الخاطف دون مرضٍ أو برص {فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ} أي هاتان المعجزتان "العصا واليد" ضمن تسعِ معجزاتٍ أيدتك بها وجعلتُها برهاناً على صدقك لتذهب بها إلى فرعون وقومه {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ} أي خارجين عن طاعتنا، ممعنين في الكفر والضلال {فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً} أي فلما رأوا تلك المعجزات الباهرة، واضحةً بينةً ظاهرة {قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي أنكروها وزعموا أنها سحرٌ واضح {وَجَحَدُواْ بِهَا} أي كفروا وكذبوا بتلك الخوارق {وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ} أي وقد أيقنوا بقلوبهم أنها من عند الله وليست من قبيل السحر {ظُلْماً وَعُلُوّاً} أي جحدوا بها ظلماً من أنفسهم، واستكباراً عن اتباع الحق، وأيُّ ظلمٍ أفحش ممن يعتقد ويستيقن أنها آيات بينة واضحة جاءت من عند الله، ثم يكابر بتسميتها سحراً؟ ولهذا قال {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} أي انظر أيها السامع وتدبر بعين الفكر والبصيرة ماذا كان مآلُ أمر الطاغين، من الإِغراق في الدنيا، والإِحراق في الآخرة؟ قال ابن كثير: وفحوى الخطاب كأنه يقول: احذروا أيها المكذبون لمحمد، الجاحدون لما جاء به من ربه، أن يصيبكم مثلُ ما أصابهم بطريق الأولى والأحرى، فإِن محمداً صلى الله عليه وسلم أشرفُ وأعظمُ من موسى، وبرهانُه أدلُّ وأقوى من برهان موسى، عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً} هذه هي القصة الثانية في السورة الكريمة وهي قصة "داود وسليمان" والمعنى واللهِ لقد أعطينا داود وابنه سليمان علماً واسعاً من علوم الدنيا والدين، وجمعنا لهما بين سعادة الدنيا والآخرة قال الطبري: وذلك علم كلام الطير والدواب وغير ذلك مما خصَّهم الله بعلمه {وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي وقالا شكراً للّه الحمد لله الذي فضلنا بما آتانا من النبوة، والعلم، وتسخير الإِنس والجن والشياطين، على كثيرٍ من عباده المؤمنين {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} أي ورث سليمانُ أباه في النبوة، والعلم، والمُلْك دون سائر أولاده قال الكلبي: كان لداود تسعة عشر ولداً فورث سليمانُ من بينهم نبوته وملكه، ولو كانت وراثة مال لكان جميع أولاده فيه سواء {وَقَالَ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ} أي وقال تحدثاً بنعمة الله: يا أيها الناسُ لقد أكرمنا اللهُ فعلَّمنا منطق الطير وأصوات جميع الحيوانات {وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ} أي وأعطانا الله من كل شيء من خيرات الدنيا يعطاها العظماء والملوك {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ} أي إن ما أُعطيناه وما خصَّنا الله به من أنواع النعم لهو الفضل الواضح الجلي، قاله على سبيل الشكر والمحمدة لا على سبيل العلوّ والكبرياء {وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْس وَٱلطَّيْرِ} أي جمعت له جيوشه وعساكره وأُحضرت له في مسيرةٍ كبيرة فيها طوائف الجن والإِنسِ والطير، يتقدمهم سليمان في أُبَّهة وعظمةٍ كبيرة {فَهُمْ يُوزَعُونَ} أي فهم يُكَفُّون ويمنعون عن التقدم بين يديه قال ابن عباس: جعل على كل صنفٍ من يردُّ أولاها على أُخراها لئلا يتقدموا في المسير كما تصنع الملوك {حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ} أي حتى إذا وصلوا إلى وادٍ بالشام كثير النمل {قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ} أي قالت إحدى النملات لرفيقاتها ادخلوا بيوتكم، خاطبتهم مخاطبة العقلاء لأنها أمرتهم بما يؤمر به العقلاء {لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ} أي لا يكسرنَّكم سليمانُ وجيوشه بأقدامهم {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أي وهم لا يشعرون بكم ولا يريدون حطمكم عن عمد حذَّرت ثم اعتذرت لأنها علمت أنه نبيٌّ رحيم، فسمع سليمان كلامها وفهم مرامها {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا} أي فتبسَّم سروراً بما سمع من ثناء النملة عليه وعلى جنوده، فإِن قولها {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} وصفٌ لهم بالتقوى والتحفظ من مضرة الحيوان {وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ} أي ألهمني ووفقني لشكر نعمائك وأفضالك التي أنعمت بها عليَّ وعلى أبويَّ {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ} أي ووفقني لعمل الخير الذي يقربني منك والذي تحبه وترضاه {وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ} أي وأدخلني الجنة دار الرحمة مع عبادك الصالحين. البَلاَغَة: تضمنت الآيات وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الإِشارة بالبعيد عن القريب {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْقُرْآنِ} للإِيذان ببعد منزلته في الفضل والشرف. 2- التنكير للتفخيم والتعظيم {وَكِتَابٍ مُّبِينٍ} أي كتابٍ عظيم الشأن رفيع القدر. 3- ذكر المصدر بدل اسم الفاعل للمبالغة {هُدًى وَبُشْرَىٰ} أي هادياً ومبشراً. 4- تكرير الضمير لإِفادة الحصر والاختصاص {وَهُم بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} ومثله {وَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ} وفيه المقابلة اللطيفة بين الجملتين. 5- التأكيد بإِنَّ واللام {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْآنَ} لوجود المتشككين في القرآن. 6- إيجاز الحذف {وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ} حذفت جملة فألقاها فانقلبت إلى حية الخ وذلك لدلالة السياق عليه. 7- الطباق {حُسْناً بَعْدَ سُوۤءٍ}. وبين {وَلَّىٰ مُدْبِراً.. وَلَمْ يُعَقِّبْ}. 8- الاستعارة {آيَاتُنَا مُبْصِرَةً} استعار لفظ الإِبصار للوضوح والبيان لأن بالعينين يبصر الإِنسان الأشياء. 9- التشبيه المرسل المجمل {كَأَنَّهَا جَآنٌّ} ذكرت أداة التشبيه وحذف وجه الشبه فصار مرسلاً مجملاً. 10- حسن الاعتذار {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}. لطيفَة: قال بعض العلماء هذه الآية {قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ..} من عجائب القرآن لأنها بلفظة "يا" نادت "أيها" نبَّهت "النمل" عيَّنت "ادخلوا" أمرت "مساكنكم" نصَّت "لا يحطمنكم" حذَّرت "سليمان" خصت "وجنوده" عمَّت "وهم لا يشعرون" اعتذرت، فيا لها من نملة ذكية!!

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * طسۤ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ} هذه السورة مكية بلا خلاف * ومناسبة أول هذه السورة لآخر ما قبلها واضحة لأنه قال وما تنزلت به الشياطين وقبله وأنه لتنزيل رب العالمين وقال هنا طس تلك آيات القرآن أي الذي هو تنزيل رب العالمين وأضاف الآيات إلى القرآن والكتاب المبين على سبيل التفخيم لها والتعظيم لأن المضاف إلى العظيم عظيم والمبين تقدّم الكلام عليه. {هُدًى} قيل إلى الجنة. {وَبُشْرَىٰ} بالثواب ولما كان الإِيقان بالآخرة مما هو ثابت عندهم مستقر الديمومة جاءت الجملة إسمية وأكد المسند إليه فيها بتكراره فقيل: {هُمْ يُوقِنُونَ} وجاء خبر المبتدأ أفعلاً ليدل على الديمومة واحتمل أن تكون تلك الجملة استئناف اخبار * قال ابن عطية: والأخسرون جمع أخسر لأن أفعل صفة لا يجمع إلا أن يضاف فيقوى ويثبت في الأسماء وفي هذا نظر "انتهى" لا نظر في كونه يجمع جمع سلامة أو جمع تكسير إذا كان بال بل لا يجوز فيه إلا ذلك إذا كان قبله ما يطابقه في الجمعية فتقول الزيدون هم الأفضلون والأفاضل والهندات هن الفضليات والفضل وأما قوله لا يجمع إلا أن يضاف فلا يتعين إذ ذاك جمعه بل إذا أضيف إلى نكرة فلا يجوز جمعه وإن أضيف إلى معرفة جاز فيه الجمع والإِفراد على ما قرر ذلك في كتب النحو. {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْآنَ} لما تقدّم تلك آيات القرآن خاطب نبيه عليه الصلاة والسلام بقوله: وإنك أي هذا القرآن الذي تلقيته هو من عند الله وهو الحكيم العليم لا كما ادعاه المشركون من أنه إفك وأساطير وكهانة وشعر وغير ذلك من تقولاتهم وبني الفعل للمفعول وحذف الفاعل وهو جبريل عليه السلام للدلالة عليه في قوله: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ} تفسير : [الشعراء: 193] ولقي مخفضاً يتعدى إلى واحد والتضعيف فيه للتعدية فيتعدى به إلى اثنين وكأنه كان غائباً عنه فلقيه فتلقاه. و{إِذْ قَالَ مُوسَىٰ} تقدم الكلام عليه. {آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ} على الإِضافة وبشهاب منوناً قبس بدلاً منه والظاهر أن الضمير في جاءها عائد على النار ونودي المفعول الذي لم يسم فاعله ضمير عائد على موسى عليه السلام وان على هذا يجوز أن تكون مفسرة لوجود شرطها ويجوز أن تكون مصدرية إما الثنائية التي تنصب المضارع وبورك صلة لها والأصل حرف الجر أي بأن بورك وبورك الخبر وإما المخففة من الثقيلة وأصلها بحرف الجر ومن مفعول لم يسم فاعله قال الزمخشري فإِن قلت هل يجوز أن تكون يعني أن في قوله ان بورك المخففة من الثقيلة وتقديره أنه بورك والضمير ضمير الشأن والقصة قلت لا لأنه لا بد من قد فإِن قلت فعلى إضمارها قلت لا يصح لأنها علامة ولا تحذف "انتهى" يجوز أن تكون المخففة من الثقيلة وبورك فعل دعاء كما تقول بارك الله فيك وإذا كان دعاء لم يجز دخول قد عليه فيكون كقوله تعالى: والخامسة إن غضب الله عليها في قراءة من جعله فعلاً ماضياً وكقول العرب إما أن جزاك الله خيراً وإما أن يغفر الله لك وكان الزمخشري بنى ذلك على أن بورك خبر لادعاء فلذلك لم يجز أن تكون المخففة من الثقيلة. و{مَن فِي ٱلنَّارِ} موسى عليه السلام ومن حولها هم الملائكة وجعلت النار ظرفاً له عليه السلام. لما كان طالباً لها وجائياً إليها والظاهر أن الضمير في أنه ضمير الشأن. و{أَنَا ٱللَّهُ} جملة في موضع الخبر. و{ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} صفتان قال الزمخشري: يجوز أن يكون الضمير في أنه راجعاً إلى ما دل عليه ما قبله يعني مكلمك أنا والله بيان لأنا والعزيز الحكيم صفتان للبيان "انتهى" إذا حذف الفاعل وبني الفعل للمفعول فلا يجوز أن يعود الضمير على ذلك المحذوف إذ قد غير الفعل عن نائبه له وعزم على أن لا يكون محدثاً عنه فعود الضمير إليه مما ينافي ذلك إذ قد يصير معنى به مقصوداً. {وَأَلْقِ عَصَاكَ} تقدم الكلام عليه وهنا شبهها حالة اهتزازها بالجان قيل وهو صغار الحيات شبهها بها في سرعة اضطرابها وحركتها مع عظم جثتها * ولما رأى موسى عليه السلام هو الأمر الهائل. {وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ} أي لم يرجع. {إِلاَّ مَن ظَلَمَ} إستثناء منقطع والمعنى لكن من ظلم من غيرهم. {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} تقدم الكلام عليه. {فِي تِسْعِ آيَاتٍ} أي في جملة تسع آيات وتقدم الكلام على الآيات في الأعراف. {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ} أي ذاهباً إلى فرعون. {وَجَحَدُواْ بِهَا} ضمن جحدوا معنى كفروا فلذلك عداه بالباء وانتصب. {ظُلْماً} على أنه مفعول من أجله والعامل فيه جحدوا. {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً} هذا ابتداء قصص وإخبار بمغيبات وغير منكر علماً لأنه طائفة من العلم * ومنطق الطير استعاره لما يسمع منها من الأصوات وهو حقيقة في بني آدم لما كان سليمان يفهم منه ما يفهم من كلام بني آدم كما يفهم بعض الطير من بعض أطلق عليه منطق. {وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ} ظاهره العموم المراد الخصوص أي من كل شىء يصلح لنا ونتمناه وأريد به كثرة ما أوتي فكأنه مستغرق لجميع الأشياء. {فَهُمْ يُوزَعُونَ} يحشر أولهم على آخرهم أي يوقفوا متقدمو العسكر حتى يأتي آخرهم فيجتمعون لا يتخلف منهم أحد وذلك للكثرة العظيمة. {حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا} هذه غاية لشىء مقدر أي وساروا حتى إذا أتوا أو يضمن يوزعون معنى فعل يقتضي أن تكون حتى غاية له أي فهم يسيرون منكوفاً بعضهم من مفارقة بعض وعدي أتوا بعلى أما لأن إتيانهم كان من فوق واما أن يراد قطع الوادي وبلوغ آخره من قولهم أتى على الشىء إذا أتى على آخره وأنفذه وذكروا اختلافاً كثيراً في صغر هذه النملة وكبرها وفي اسمها العلم ما لفظه وليت شعري من الذي وضع لفظاً يحضها أبنو آدم أم النمل وقالوا كانت نملة عرجاء ولحوق التاء في قالت لا يدل على أن النملة مؤنثة بل يصح أن يقال في المذكر قالت نملة لأن نملة وإن كانت بالتاء وهو مما لا يتميز فيه المذكر من المؤنث وما كان كذلك كالنملة والقملة مما بينه في الجمع وبين واحده من الحيوان تاء التأنيث فإِنه يخبر عنه إخبار المؤنث ولا يدل كونه يخبر عنه إخبار المؤنث على أنه ذكر أو أنثى لأن التاء دخلت فيه للفرق لا دالة على التأنيث الحقيقي بل دالة على الواحد من هذا الجنس والضمير في أدخلوا ضمير جمع من يعقل وكذلك ضمير الخطاب في مساكنكم لما كان النمل قابلاً لفعل ما أمروا به نزلوا منزلة جمع من يعقل ووادي النمل قيل بالشام وقيل بأقصى اليمن وفي الكلام حذف تقديره فسمع سليمان قولها: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ} أي اجعلني أزع شكر نعمتك وارتبطه حتى لا ينفلت مني حتى لا أنفك شاكراً لك. {وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ} الآية الظاهر أنه تفقد جميع الطير وذلك بحسب ما تقتضيه العناية بأمور الملك والاهتمام بالرعايا قيل وكان يأتيه من كل صنف واحد وفي الكلام حذف تقديره ففقد الهدهد حين تفقد الطير. {أَمْ} هنا هي المنقطعة تتقدّر ببل والهمزة ودل قوله من الغائبين أنه كان في عسكر سليمان من كان يغيب عنه.

الجيلاني

تفسير : {طسۤ} يا طالب السيادة السرمدية، والسعادة السنية الألية الأبدية {تِلْكَ} الآيات المتلوة عليك تعظيماً لشأنك، وتتميماً لبرهانك {آيَاتُ ٱلْقُرْآنِ} أي: بعض آيات القرآن المبين، والمبيِّن لدلائل التوحيد وبينات الفرقان، والفارق بين الباطل والحق من الأحكام {وَكِتَابٍ مُّبِينٍ} [النمل: 1] من منتخب لوح القضاء، وحضرة العلم الإلهي المحيط بجميع ما لمع عليه برق وتجلياته الحبيبة. إنما أُنزلت إليك يا أكمل الرسل من عنده سبحانه؛ لتكون {هُدًى} هادياً لك إلى مقام تمكنك من التوحيد الذاتي {وَ} لتكون {بُشْرَىٰ} بأنواع السعادات، ونيل أصناف الخيرات والبركات، ورفع الدرجات وأنواع المثوبات {لِلْمُؤْمِنِينَ} [النمل: 2] التابعين لك في شأنك ودينك إن اطمأنت قلوبهم بالإيمان؛ أي: اليقين العلمي المستجلب لليقين العيني والحقي. والمطمئنون هم {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ} المكتوبة المفروضة لهم من قِبَل الحق في الأوقات المخصوصة، ويؤدونها على الوجه الذي وصل إليه من صاحب الشرع الشريف بلا تخفيف ولا تسريف؛ ليتقربوا بها نحو الحق، وزاد يقينهم وتصديقهم بسببها {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} المصفية لقلوبهم عن الميل إلى ما سوى الحق من الزخرفة الفانية؛ ليتمرنوا بسببها على إسقاط الإضافات العائقة عن الوصول إلى وحدة الذات. {وَ} بالجملة: {هُم} في جميع شئونهم وحالاتهم {بِٱلآخِرَةِ} المعدَّة لجزاء الأعمال وتنقيد الأفعال {هُمْ يُوقِنُونَ} [النمل: 3] علماً وعيناً؛ لأن أرباب الخبرة والبصائر المنكشفين بتعاقب النشأتين يرون في النشأة الأولى ما سيلحقهم في الأخرى؛ لذلك يترددون في الأولى للأخرى، ويزرعون فيها ما يحصدون فيها. ثمَّ قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة في كتابه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} ولا يصدقون {بِٱلآخِرَةِ} عناداً ومكابرةً {زَيَّنَّا} وحسناً {لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ} القبيحة الفاسدة الدنيوية، وأمهلنا لهم علينا زماناً؛ ليستحقوا أشد العذاب وأسوا العقاب {فَهُمْ} بواسطة إمهالنا إياهم في سكرتهم وغفلتهم {يَعْمَهُونَ} [النمل: 4] يترددون ويتحيرون بطرين بما لهم من الترفة والتنعم. {أُوْلَـٰئِكَ} الأشقياء البعداء عن عز الحضور، هم {ٱلَّذِينَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ} في النشأة الأولى {وَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ} [النمل: 5] المقصورون على الخسران والخذلان، لا يُرجى لهم نيل مثوبة ورفع درجة، وتخفيف عذاب وقبول شفاعة، ولا خسران أعظم من ذلك؛ لذلك أصاب يوم بدر ما أصاب، وسيصيب لهم في الآخرة بأضعافه وآلافه. ثمَّ قال سبحانه مخاطباً لحبيبه تفضلاً عليه، وأمتناناً له في إنزال القرآن إليه ووحيه عليه: {وَإِنَّكَ} يا أكمل الرسل؛ لنجابة طينتك وطهارة فطرتك {لَتُلَقَّى ٱلْقُرْآنَ} ويؤتى بك، وينزل إليك {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ} مبالغ في الإحكام والإتقان {عَلِيمٍ} [النمل: 6] باسعدادات الأنام، وقابليتهم التي بها تتفاوت طبقاتهم فضلاً وكرامةً.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {طسۤ} [النمل: 1] يشير بطائه إلى طيب قلوب محبيه وبالسين إلى سرٍّ بينه وبين قلوب محبيه لا يسعهم فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وأيضاً يقسم بطاء طلب قلوب طالبيه وسين سلامات قلوبهم عن طلب ما سواه {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْقُرْآنِ} [النمل: 1] أي: بدلالات القرآن وشواهد أنواره {وَكِتَابٍ مُّبِينٍ} وكتاب فيه بيان كيفية السلوك وطريق الوصول بجذبة طالبيه كما قال: "حديث : إلا من طلبني وجدني" تفسير : من طلبني بدلالات القرآن وجدني بالعيان، فإن القرآن {هُدًى} [النمل: 2] أي: هادياً إلى الله {وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} بالوصول إلى الله بهدايته {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ} [النمل: 3] يديمون بالمواصلات ويستقيمون في المعارج بحقائق الصلاة لنيل القربات {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} [النمل: 3] ويؤدون عن أموالهم وأحوالهم وسكناتهم وحركاتهم الزكاة بما يقومون في حقوق المسلمين أحسن مقام، وينوبون عن ضعفائهم أحسن مناب. {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ} [النمل: 4] يشير به إلى أن الذين لا يؤمنون بالآخرة لا يؤمنون لأنا {زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ} الدنيوية وحركاتهم النفسانية الحيوانية في أعين نفوسهم فعميت عيون قلوبهم عن رؤية الآخرة ونعيمها؛ لأن عمى القلوب مودعة في بصارة النفوس وعمى النفوس مودعة في بصيرة القلوب، فصمت أذان قلوبهم حين عميت عيون قلوبهم فلم يسمعوا دعوة الأنبياء بسمع القبول، فلم يؤمنوا وذلك لأن لصورة الإنسان آلة للبصر جون آلة السمع فيحتمل أن تختل آلة البصير فلا يرى بها شيئاً، وتكون آلة السمع بحالها فيسمع بها ولكن معنى الإنسان ملكوتي لا يحتاج إلى آلة البصر والسمع؛ لأن بالصفة التي يبصر أيضاً يسمع وبها يتكلم وبها يعقل وبها يفقه، وإن أثبت الله له آلات السمع والبصر والفقه والعقل كما أثبت للصورة، ولكن أثبت لفهم الكلام. ثم بالإشارة بين أنها واحدة بقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ} تفسير : [الأعراف: 179] ثم أشار بقوله تعالى: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} تفسير : [البقرة: 171] ليعلم أنه لا يكون في عالم المعنى أعمى وإلا يكون أصم وأبكم تفهم إن شاء الله تعالى، وبهذا المعنى أشار إليه صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : حبك الشيء يعمي ويصم فبحب الدنيا عميت عين القلب وصمت أذنه ". تفسير : كما قال تعالى: {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} تفسير : [الحج: 46] ثم اعلم أن من لم يعالج عمى قلبه بأدوية الشريعة وصفة الطريقة؛ ليرى علم الحقيقة هاهنا لا يقبل على العلاج والتداوي في الآخرة. كما قال تعالى: {أية : وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 72] يعني عن رؤية عالم الحقيقة والوصول إليه، فهم يعمهون في الدنيا يتحيرون في عالم الحواس لا يهتدون إلى عالم الملكوت وفي الآخرة يترددون في نار جهنم {أية : كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} تفسير : [السجدة: 20] وذلك معنى قوله: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ} [النمل: 5] يعني: عمى القلوب وصممه وبكمه {وَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ} [النمل: 5] لأنهم خسروا الدنيا والآخرة ولم يربحوا المولى وذلك لأن قوماً من المختصين بتوفيق يحبهم ويحبونه قد خسروا الدنيا والآخرة بتركها وعدم الالتفات إليها في طلب المولى؛ فربحوا المولى فلهذا لما وجد أبو يزيد في البادية قحف رأس مكتوب عليه خسر الدنيا والآخرة بكى وقبل عليه، وقال: هذا رأس صوفي. فلما أخبر الله تعالى عن مقامات المؤمنين والكافرين وشرح أحوالهم أخبر عن مقام النبي صلى الله عليه وسلم وحاله بقوله: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} [النمل: 6] يعني: لا من لدن جبريل به يشير إلى أنك جاوزت حد كمال كل رسول فإنهم كانوا يتلقون الكتب بأيديهم من يد جبريل والرسالات من لفظه وحياً، وإنك وإن كنت تلقي القرآن بتنزيل جبريل على قلبك تلقى حقائق القرآن من لدن حكيم لقلبك بحكمه بها القرآن وهي صفة القائمة بذاته، فعلمك حقائق القرآن وبيانه وهو العلم اللدني عليم حكيم جعله بحكمته مستعداً لقبول الفيض القرآن بلا واسطة عليم هو أعلم حيث يجعل رسالته.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ * هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ * وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ } . ينبه تعالى عباده على عظمة القرآن ويشير إليه إشارة دالة على التعظيم فقال: { تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ } أي: هي أعلى الآيات وأقوى البينات وأوضح الدلالات وأبينها على أجل المطالب وأفضل المقاصد، وخير الأعمال وأزكى الأخلاق، آيات تدل على الأخبار الصادقة والأوامر الحسنة والنهي عن كل عمل وخيم وخلق ذميم، آيات بلغت في وضوحها وبيانها للبصائر النيرة مبلغ الشمس للأبصار، آيات دلت على الإيمان ودعت للوصول إلى الإيقان، وأخبرت عن الغيوب الماضية والمستقبلة، على طبق ما كان ويكون. آيات دعت إلى معرفة الرب العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الكاملة، آيات عرفتنا برسله وأوليائه ووصفتهم حتى كأننا ننظر إليهم بأبصارنا، ولكن مع هذا لم ينتفع بها كثير من العالمين ولم يهتد بها جميع المعاندين صونا لها عن من لا خير فيه ولا صلاح ولا زكاء في قلبه، وإنما اهتدى بها من خصهم الله بالإيمان واستنارت بذلك قلوبهم وصفت سرائرهم. فلهذا قال: { هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } أي: تهديهم إلى سلوك الصراط المستقيم وتبين لهم ما ينبغي أن يسلكوه أو يتركوه، وتبشرهم بثواب الله المرتب على الهداية لهذا الطريق. ربما قيل: لعله يكثر مدعو الإيمان فهل يقبل من كل أحد ادعى أنه مؤمن ذلك؟ أم لا بد لذلك من دليل؟ وهو الحق فلذلك بين تعالى صفة المؤمنين فقال: { الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ } فرضها ونفلها فيأتون بأفعالها الظاهرة، من أركانها وشروطها وواجباتها بل ومستحباتها، وأفعالها الباطنة وهو الخشوع الذي روحها ولبها باستحضار قرب الله وتدبر ما يقول المصلي ويفعله. { وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ } المفروضة لمستحقيها. { وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } أي: قد بلغ معهم الإيمان إلى أن وصل إلى درجة اليقين وهو العلم التام الواصل إلى القلب الداعي إلى العمل. ويقينهم بالآخرة يقتضي كمال سعيهم لها، وحذرهم من أسباب العذاب وموجبات العقاب وهذا أصل كل خير. { إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ } ويكذبون بها ويكذبون من جاء بإثباتها، { زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ } حائرين مترددين مؤثرين سخط الله على رضاه، قد انقلبت عليهم الحقائق فرأوا الباطل حقا والحق باطلا. { أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ } أي: أشده وأسوأه وأعظمه، { وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ } حصر الخسار فيهم لكونهم خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة وخسروا الإيمان الذي دعتهم إليه الرسل. { وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ } أي: وإن هذا القرآن الذي ينزل عليك وتتلقفه وتتلقنه ينزل من عند { حَكِيمٍ } يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها. { عَلِيمٍ } بأسرار الأمور وبواطنها، كظواهرها. وإذا كان من عند { حَكِيمٍ عَلِيمٍ } علم أنه كله حكمة ومصالح للعباد، من الذي [هو] أعلم بمصالحهم منهم؟ { إِذْ قَالَ مُوسَى لأهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا } إلى آخر قصته، يعني: اذكر هذه الحالة الفاضلة الشريفة من أحوال موسى بن عمران، ابتداء الوحي إليه واصطفائه برسالته وتكليم الله إياه، وذلك أنه لما مكث في مدين عدة سنين وسار بأهله من مدين متوجها إلى مصر، فلما كان في أثناء الطريق ضل وكان في ليلة مظلمة باردة فقال لهم: { إِنِّي آنَسْتُ نَارًا } أي: أبصرت نارا من بعيد { سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ } عن الطريق، { أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } أي: تستدفئون، وهذا دليل على أنه تائه ومشتد برده هو وأهله. { فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا } أي: ناداه الله تعالى وأخبره أن هذا محل مقدس مبارك، ومن بركته أن جعله الله موضعا لتكليم الله لموسى وندائه وإرساله. { وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } عن أن يظن به نقص أو سوء بل هو الكامل في وصفه وفعله. { يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } أي: أخبره الله أنه الله المستحق للعبادة وحده لا شريك له كما في الآية الأخرى {أية : إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي } تفسير : { الْعَزِيزُ } الذي قهر جميع الأشياء وأذعنت له كل المخلوقات، { الْحَكِيمُ } في أمره وخلقه. ومن حكمته أن أرسل عبده موسى بن عمران الذي علم الله منه أنه أهل لرسالته ووحيه وتكليمه. ومن عزته أن تعتمد عليه ولا تستوحش من انفرادك وكثرة أعدائك وجبروتهم، فإن نواصيهم بيد الله وحركاتهم وسكونهم بتدبيره. { وَأَلْقِ عَصَاكَ } فألقاها { فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ } وهو ذكر الحيات سريع الحركة، { وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ } ذعرا من الحية التي رأى على مقتضى الطبائع البشرية، فقال الله له: { يَا مُوسَى لا تَخَفْ } وقال في الآية الأخرى: {أية : أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ } تفسير : { إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ } لأن جميع المخاوف مندرجة في قضائه وقدره وتصريفه وأمره، فالذين اختصهم الله برسالته واصطفاهم لوحيه لا ينبغي لهم أن يخافوا غير الله خصوصا عند زيادة القرب منه والحظوة بتكليمه. { إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ } أي: فهذا الذي هو محل الخوف والوحشة بسبب ما أسدى من الظلم وما تقدم له من الجرم، وأما المرسلون فما لهم وللوحشة والخوف؟ ومع هذا من ظلم نفسه بمعاصي الله، ثم تاب وأناب فبدل سيئاته حسنات ومعاصيه طاعات فإن الله غفور رحيم، فلا ييأس أحد من رحمته ومغفرته فإنه يغفر الذنوب جميعا وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها. { وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ } لا برص ولا نقص، بل بياض يبهر الناظرين شعاعه. { فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ } أي: هاتان الآيتان انقلاب العصا حية تسعى وإخراج اليد من الجيب فتخرج بيضاء في جملة تسع آيات تذهب بها وتدعو فرعون وقومه، { إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } فسقوا بشركهم وعتوهم وعلوهم على عباد الله واستكبارهم في الأرض بغير الحق. فذهب موسى عليه السلام إلى فرعون وملئه ودعاهم إلى الله تعالى وأراهم الآيات. { فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً } مضيئة تدل على الحق ويبصر بها كما تبصر الأبصار بالشمس. { قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ } لم يكفهم مجرد القول بأنه سحر بل قالوا: { مُبِينٌ } ظاهر لكل أحد. وهذا من أعجب العجائب الآيات المبصرات والأنوار الساطعات، تجعل من بين الخزعبلات وأظهر السحر! هل هذا إلا من أعظم المكابرة وأوقح السفسطة. { وَجَحَدُوا بِهَا } أي: كفروا بآيات الله جاحدين لها، { وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ } أي: ليس جحدهم مستندا إلى الشك والريب، وإنما جحدهم مع علمهم ويقينهم بصحتها { ظُلْمًا } منهم لحق ربهم ولأنفسهم، { وَعُلُوًّا } على الحق وعلى العباد وعلى الانقياد للرسل، { فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ } أسوأ عاقبة دمرهم الله وغرقهم في البحر وأخزاهم وأورث مساكنهم المستضعفين من عباده.

همام الصنعاني

تفسير : 2145- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {طسۤ}: [الآية: 1]، قال: اسم من أسماء القرآن.