٢٧ - ٱلنَّمْل
27 - An-Naml (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
7
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لأَهْلِهِ} {إِذْ} منصوب بمضمر وهو ٱذكر؛ كأنه قال على أثر قوله: «وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ»: خذ يا محمد من آثار حكمته وعلمه قصة موسى إذ قال لأهله. {إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً} أي أبصرتها من بُعد. قال الحارث بن حلِّزَة:شعر : آنَستْ نَبْأَةً وَأَفْزَعَها الْقُنَّـ ـاصُ عصراً وقَدْ دَنَا الإمساءُ تفسير : {سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلِونَ} قرأ عاصم وحمزة والكسائي: {بِشِهَابٍ قَبَسٍ} بتنوين {شِهابٍ}. والباقون بغير تنوين على الإضافة؛ أي بشعلة نار؛ واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. وزعم الفرّاء في ترك التنوين أنه بمنزلة قولهم: ولدار الآخرة، ومسجد الجامع، وصلاة الأولى؛ يضاف الشيء إلى نفسه إذا اختلفت أسماؤه. قال النحاس: إضافة الشيء إلى نفسه محال عند البصريين، لأن معنى الإضافة في اللغة ضم شيء إلى شيء فمحال أن يضم الشيء إلى نفسه، وإنما يضاف الشيء إلى الشيء ليتبين به معنى الملك أو النوع، فمحال أن يتبين أنه مالك نفسه أو من نوعها. و{شِهابِ قبسٍ} إضافة النوع والجنس، كما تقول: هذا ثوبُ خزٍّ، وخاتمُ حديدٍ وشبهه. والشهاب كل ذي نُور؛ نحو الكوكب والعُود الموقَد. والقبَس اسم لما يقتبس من جمر وما أشبهه؛ فالمعنى بشهاب من قبس. يقال: أقبست قبساً؛ والاسم قبس. كما تقول: قبضت قبضاً. والاسم القبض. ومن قرأ: {بِشِهَابٍ قَبَسٍ} جعله بدلاً منه. المهدوي: أو صفة له؛ لأن القبس يجوز أن يكون اسماً غير صفة، ويجوز أن يكون صفة؛ فأما كونه غير صفة فلأنهم قالوا قبسته أقبسه قبساً والقبس المقبوس؛ وإذا كان صفة فالأحسن أن يكون نعتاً. والإضافة فيه إذا كان غير صفة أحسن. وهي إضافة النوع إلى جنسه كخاتم فضة وشبهه. ولو قرىء بنصب قبس على البيان أو الحال كان أحسن. ويجوز في غير القرآن بشهابٍ قبساً على أنه مصدر أو بيان أو حال. {لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} أصل الطاء تاء فأبدل منها هنا طاء؛ لأن الطاء مطبقة والصاد مطبقة فكان الجمع بينهما حسناً، ومعناه يستدفئون من البرد. يقال: اصطلى يصطلي إذا استدفأ. قال الشاعر:شعر : النارُ فاكهةُ الشتاءِ فمن يردْ أكلَ الفواكهِ شاتياً فليصطلِ تفسير : الزجاج: كل أبيض ذي نُور فهو شهاب. أبو عبيدة: الشهاب النار. قال أبو النَّجم:شعر : كأنما كان شهاباً واقدَا أضاء ضوءاً ثم صار خامدَا تفسير : أحمد بن يحيـى: أصل الشهاب عود في أحد طرفيه جمرة والآخر لا نار فيه؛ وقول النحاس فيه حسن: والشهاب الشعاع المضيء ومنه الكوكب الذي يمد ضوءه في السماء. وقال الشاعر:شعر : في كفَّه صَعْدَةٌ مثقَّفةٌ فيها سِنانٌ كشُعلة القَبَسِ تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَهَا} أي فلما جاء موسى الذي ظن أنه نار وهي نور؛ قاله وهب بن منبّه. فلما رأى موسى النار وقف قريباً منها، فرآها تخرج من فرع شجرة خضراء شديدة الخضرة يقال لها الُعلَّيق، لا تزداد النار إلا عظماً وتضرّماً، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة وحسناً؛ فعجب منها وأهوى إليها بضِغْث في يده ليقتبس منها؛ فمالت إليه؛ فخافها فتأخر عنها؛ ثم لم تزل تطمعه ويطمع فيها إلى أن وضح أمرها على أنها مأمورة لا يدري من أمرها، إلى أن {نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا}. وقد مضى هذا المعنى في «طه». {نُودِيَ} أي ناداه الله؛ كما قال: {أية : وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ} تفسير : [مريم: 52]. {أَن بُورِكَ} قال الزجاج: {أَنْ} في موضع نصب؛ أي بأنه. قال: ويجوز أن تكون في موضع رفع جعلها اسم ما لم يسم فاعله. وحكى أبو حاتم أن في قراءة أبيّ وابن عباس ومجاهد {أن بوركت النار ومن حولها}. قال النحاس: ومثل هذا لا يوجد بإسناد صحيح، ولو صح لكان على التفسير، فتكون البركة راجعة إلى النار ومن حولها الملائكة وموسى. وحكى الكسائي عن العرب: باركك الله، وبارك فيك. الثعلبي: العرب تقول باركك الله، وبارك فيك، وبارك عليك، وبارك لك، أربع لغات. قال الشاعر:شعر : فبوركتَ مولوداً وبوركتَ ناشِئاً وبوركتَ عند الشَّيبِ إذ أنتَ أشيبُ تفسير : الطبري: قال {بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ} ولم يقل بورك (في من في) النار على لغة من يقول باركك الله. ويقال باركه الله، وبارك له، وبارك عليه، وبارك فيه بمعنًى؛ أي بورك على من في النار وهو موسى، أو على من في قرب النار؛ لا أنه كان في وسطها. وقال السّدي: كان في النار ملائكة فالتبريك عائد إلى موسى والملائكة؛ أي بورك فيك يا موسى وفي الملائكة الذين هم حولها. وهذا تحية من الله تعالى لموسى وتكرمة له، كما حيّا إبراهيم على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه؛ قال: {أية : رَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ}تفسير : [هود: 73]. وقول ثالث قاله ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير: قُدِّس من في النار وهو الله سبحانه وتعالى، عنى به نفسه تقدّس وتعالى. قال ابن عباس ومحمد بن كعب: النار نور الله عز وجل؛ نادى الله موسى وهو في النور؛ وتأويل هذا أن موسى عليه السلام رأى نوراً عظيماً فظنه ناراً؛ وهذا لأن الله تعالى ظهر لموسى بآياته وكلامه من النار لا أنه يتحيز في جهة {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ} تفسير : [الزخرف: 84] لا أنه يتحيز فيهما، ولكن يظهر في كل فعل فيعلَم به وجود الفاعل. وقيل على هذا: أي بورك من في النار سلطانه وقدرته. وقيل: أي بورك ما في النار من أمر الله تعالى الذي جعله علامة. قلت: ومما يدلّ على صحة قول ابن عباس ما خرّجه مسلم في «صحيحه»، وابن ماجه في «سننه» واللفظ له عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القِسط ويرفعه حجابه النور لو كشفها لأحرقت سُبُحات وجهه كل شيء أدركه بصره»تفسير : ثم قرأ أبو عبيدة: {أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أخرجه البيهقي أيضاً. ولفظ مسلم عن أبي موسى قال:حديث : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات؛ فقال: إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يُرفَع إليه عملُ الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور ـ وفي رواية أبي بكر النار ـ لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصرهُ من خلقه» تفسير : قال أبو عبيد: يقال السُّبَحات إنها جلال وجهه، ومنها قيل: سبحان الله إنما هو تعظيم له وتنزيه. وقوله: «لو كشفها» يعني لو رفع الحجاب عن أعينهم ولم يثبِّتهم لرؤيته لاحترقوا وما استطاعوا لها. قال ابن جُريج: النار حجاب من الحجب وهي سبعة حجب؛ حجاب العزّة، وحجاب الملك، وحجاب السلطان، وحجاب النار، وحجاب النور، وحجاب الغمام، وحجاب الماء. وبالحقيقة فالمخلوق المحجوب والله لا يحجبه شيء؛ فكانت النار نوراً وإنما ذكره بلفظ النار؛ لأن موسى حسبه ناراً، والعرب تضع أحدهما موضع الآخر. وقال سعيد بن جبير: كانت النار بعينها فأسمعه تعالى كلامه من ناحيتها، وأظهر له ربوبيته من جهتها. وهو كما روي أنه مكتوب في التوراة: «جاء الله من سيناء وأشرف من ساعير واستعلى من جبال فاران». فمجيئه من سيناء بعثه موسى منها، وإشرافه من ساعير بعثه المسيح منها، واستعلاؤه من فاران بعثه محمداً صلى الله عليه وسلم، وفاران مكة. وسيأتي في «القصص» بإسماعه سبحانه كلامه من الشجرة زيادة بيان إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: {وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تنزيهاً وتقديساً لله رب العالمين. وقد تقدّم في غير موضع، والمعنى: أي ويقول من حولها {وَسُبْحَانَ اللَّهِ} فحذف. وقيل: إن موسى عليه السلام قاله حين فرغ من سماع النداء؛ استعانة بالله تعالى وتنزيهاً له؛ قاله السدي. وقيل: هو من قول الله تعالى. ومعناه: وبورك فيمن سبح الله تعالى رب العالمين؛ حكاه ابن شجرة. قوله تعالى: {يٰمُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } الهاء عماد وليست بكناية في قول الكوفيين. والصحيح أنها كناية عن الأمر والشأن. {أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ} الغالب الذي ليس كمثله شيء {الْحَكِيمُ} في أمره وفعله. وقيل: قال موسى يا رب من الذي نادى؟ فقال له: «{إِنَّهُ} أي إني أنا المنادي لك {أَنَا اللَّهُ}. قوله تعالى: {وَأَلْقِ عَصَاكَ} قال وهب بن منبّه: ظن موسى أن الله أمره أن يرفضها فرفضها. وقيل: إنما قال له ذلك ليعلم موسى أن المكلّم له هو الله، وأن موسى رسوله؛ وكل نبيّ لا بدّ له من آية في نفسه يعلم بها نبوّته. وفي الآية حذف: أي وألق عصاك فألقاها من يده فصارت حيّة تهتز كأنها جانّ، وهي الحيّة الخفيفة الصغيرة الجسم. وقال الكلبي: لا صغيرة ولا كبيرة. وقيل: إنها قلبت له أوّلاً حية صغيرة فلما أنس منها قلبت حية كبيرة. وقيل: انقلبت مرة حية صغيرة، ومرة حية تسعى وهي الأنثى، ومرة ثعباناً وهو الذكر الكبير من الحيات. وقيل: المعنى انقلبت ثعباناً تهتز كأنها جانّ لها عظم الثعبان وخفة الجانّ واهتزازه وهي حية تسعى. وجمع الجان جِنّان ومنه الحديث: «حديث : نهى عن قتل الجِنّان التي في البيوت»تفسير : . {وَلَّىٰ مُدْبِراً} خائفاً على عادة البشر {وَلَمْ يُعَقِّبْ} أي لم يرجع؛ قاله مجاهد. وقال قتادة: لم يلتفت. {يٰمُوسَىٰ لاَ تَخَفْ} أي من الحية وضررها. {إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ} وتم الكلام ثم استثنى استثناء منقطعاً فقال: {إَلاَّ مَن ظَلَمَ}. وقيل: إنه استثناء من محذوف؛ والمعنى: إني لا يخاف لديّ المرسلون وإنما يخاف غيرهم ممن ظلم {إَلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوۤءٍ} فإنه لا يخاف؛ قاله الفرّاء. قال النحاس: استثناء من محذوف محال؛ لأنه استثناء من شيء لم يذكر ولو جاز هذا لجاز إني لأضرب القوم إلا زيداً بمعنى إني لا أضرب القوم وإنما أضرب غيرهم إلا زيداً؛ وهذا ضدّ البيان، والمجيء بما لا يعرف معناه. وزعم الفرّاء أيضاً: أن بعض النحويين يجعل إلى بمعنى الواو أي ولا من ظلم؛ قال:شعر : وكلُّ أخٍ مفارقُه أخوهُ لَعَمْرُ أبيكَ إلا الْفَرْقَدانِ تفسير : قال النحاس: وكون «إِلاَّ» بمعنى الواو لا وجه له ولا يجوز في شيء من الكلام، ومعنى {إلاَّ} خلاف الواو؛ لأنك إذا قلت: جاءني إخوتك إلا زيداً أخرجت زيداً مما دخل فيه الإخوة فلا نسبة بينهما ولا تقارب. وفي الآية قول آخر: وهو أن يكون الاستثناء متصلاً؛ والمعنى إلا من ظلم من المرسلين بإتيان الصغائر التي لا يسلم منها أحد، سوى ما روي عن يحيـى بن زكريا عليه السلام، وما ذكره الله تعالى في نبينا عليه السلام في قوله: {أية : لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} تفسير : [الفتح: 2] ذكره المهدويّ واختاره النحاس؛ وقال: علِم الله من عصى منهم {يُسرّ الخيفة} فاستثناه فقال: {إَلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوۤءٍ} فإنه يخاف وإن كنت قد غفرت له. الضحاك: يعني آدم وداود عليهما السلام. الزمخشري: كالذي فرط من آدم ويونس وداود وسليمان وإخوة يوسف، ومن موسى عليه السلام بوكزه القبطي. فإن قال قائل: فما معنى الخوف بعد التوبة والمغفرة؟ قيل له: هذه سبيل العلماء بالله عز وجلّ أن يكونوا خائفين من معاصيهم وجلين، وهم أيضاً لا يأمنون أن يكون قد بقي من أشراط التوبة شيء لم يأتوا به، فهم يخافون من المطالبة به. وقال الحسن وابن جريج: قال الله لموسى إني أخفتك لقتلك النفس. قال الحسن: وكانت الأنبياء تذنب فتعاقَب. قال الثعلبي والقشيري والماوردي وغيرهم: فالاستثناء على هذا صحيح؛ أي إلا من ظلم نفسه من النبيين والمرسلين فيما فعل من صغيرة قبل النبوة. وكان موسى خاف من قتل القبطي وتاب منه. وقد قيل: إنهم بعد النبوة معصومون من الصغائر والكبائر. وقد مضى هذا في «البقرة». قلت: والأوّل أصح لتنصلهم من ذلك في القيامة كما في حديث الشفاعة، وإذا أحدث المقرَّب حدثاً فهو وإن غفر له ذلك الحدث فأثر ذلك الحدث باق، وما دام الأثر والتهمة قائمة فالخوف كائن لا خوف العقوبة ولكن خوف العظمة، والمتهم عند السلطان يجد للتهمة حزازة تؤديه إلى أن يكدّر عليه صفاء الثقة. وموسى عليه السلام قد كان منه الحدث في ذلك الفرعوني، ثم استغفر وأقر بالظلم على نفسه، ثم غفر له، ثم قال بعد المغفرة: {أية : رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ } تفسير : [القصص: 17] ثم ابتلي من الغد بالفرعوني الآخر وأراد أن يبطش به، فصار حدثاً آخر بهذه الإرادة. وإنما ابتلي من الغد لقوله: {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ} وتلك كلمة اقتدار من قوله لن أفعل، فعوقب بالإرادة حين أراد أن يبطش ولم يفعل، فسلط عليه الإسرائيلي حتى أفشى سره؛ لأن الإسرائيلي لما رآه تشمر للبطش ظن أنه يريده، فأفشى عليه فـ{أية : قَالَ يٰمُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ} تفسير : [القصص:19] فهرب الفرعوني وأخبر فرعون بما أفشى الإسرائيلي على موسى، وكان القتيل بالأمس مكتوماً أمره لا يدري من قتله، فلما علم فرعون بذلك، وجّه في طلب موسى ليقتله، واشتد الطلب وأخذوا مجامع الطرق؛ جاء رجل يسعى فـ{أية : قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ} تفسير : [القصص:20] الآية. فخرج كما أخبر الله. فخوف موسى إنما كان من أجل هذا الحدث؛ فهو وإن قرّبه ربه وأكرمه واصطفاه بالكلام فالتهمة الباقية ولّت به ولم يعقِّب. قوله تعالى: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} تقدم في «طه» القول فيه. {فِي تِسْعِ آيَاتٍ} قال النحاس أحسن ما قيل فيه أن المعنى: هذه الآية داخلة في تسع آيات. المهدوي: المعنى: {أَلْقِ عَصَاكَ} {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} فهما آيتان من تسع آيات. وقال القشيري معناه: كما تقول خرجت في عشرة نفر وأنت أحدهم. أي خرجت عاشر عشرة. فـ{ـفي} بمعنى {من} لقربها منها كما تقول خذ لي عشراً من الإبل فيها فحلان أي منها. وقال الأصمعي في قول امرىء القيس:شعر : وهل يَنْعَمَنْ من كان آخرُ عهدِه ثلاثين شهراً في ثلاثة أحوالِ تفسير : في بمعنى من. وقيل: في بمعنى مع؛ فالآيات عشرة منها اليد، والتسع: الفلق والعصا والجراد والقُمَّل والطوفان والدم والضفادع والسنين والطَّمْس. وقد تقدّم بيان جميعه. {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ} قال الفرّاء: في الكلام إضمار لدلالة الكلام عليه، أي إنك مبعوث أو مرسل إلى فرعون وقومه. {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ} أي خارجين عن طاعة الله؛ وقد تقدّم. قوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً} أي واضحة بينة. قال الأخفش: ويجوز مَبصْرَة وهو مصدر كما يقال: الولد مَجْبَنة. {قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} جروا على عادتهم في التكذيب فلهذا قال: {وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} أي تيقنوا أنها من عند الله وأنها ليست سحراً، ولكنهم كفروا بها وتكبروا أن يؤمنوا بموسى. وهذا يدلّ على أنهم كانوا معاندين. و{ظُلْماً} و{عُلُوًّا} منصوبان على نعت مصدر محذوف، أي وجحدوا بها جحوداً ظلماً وعلواً. والباء زائدة أي وجحدوها؛ قاله أبو عبيدة. {فَٱنْظُرْ} يا محمد {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} أي آخر أمر الكافرين الطاغين، انظر ذلك بعين قلبك وتدبر فيه. الخطاب له والمراد غيره.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم مذكراً له ما كان من أمر موسى عليه السلام، كيف اصطفاه الله، وكلمه وناجاه، وأعطاه من الآيات العظيمة الباهرة والأدلة القاهرة، وابتعثه إلى فرعون وملئه، فجحدوا بها وكفروا، واستكبروا عن اتباعه والانقياد له، فقال تعالى: {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لأَِهْلِهِ} أي: اذكر حين سار موسى بأهله، فأضل الطريق، وذلك في ليل وظلام، فآنس من جانب الطور ناراً، أي: رأى ناراً تتأجج وتضطرم، فقال {لأَِهْلِهِ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً سَـأَتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ} أي: عن الطريق {بِخَبَرٍ أَوْ ءَاتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} أي: تستدفئون به، وكان كما قال؛ فإنه رجع منها بخبر عظيم، واقتبس منها نوراً عظيماً، ولهذا قال تعالى: {فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا} أي: فلما أتاها، ورأى منظراً هائلاً عظيماً، حيث انتهى إليها والنار تضطرم في شجرة خضراء، لا تزداد النار إلا توقداً، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة ونضرة، ثم رفع رأسه، فإذا نورها متصل بعنان السماء. قال ابن عباس وغيره: لم تكن ناراً، وإنما كانت نوراً يتوهج، وفي رواية عن ابن عباس: نور رب العالمين، فوقف موسى متعجباً مما رأى، {نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ}. قال ابن عباس: تقدس {وَمَنْ حَوْلَهَا} أي: من الملائكة، قاله ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، هو الطيالسي، حدثنا شعبة والمسعودي عن عمرو بن مرة، سمع أبا عبيدة يحدث عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل»تفسير : ، زاد المسعودي: «حديث : وحجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره»تفسير : . ثم قرأ أبو عبيدة: {نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا} وأصل الحديث مخرج في "صحيح مسلم" من حديث عمرو بن مرة به. وقوله تعالى: {حَوْلَهَا وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} الذي يفعل ما يشاء، ولا يشبهه شيء من مخلوقاته، ولا يحيط به شيء من مصنوعاته، وهو العلي العظيم، المباين لجميع المخلوقات، ولا تكتنفه الأرض والسموات، بل هو الأحد الصمد المنزه عن مماثلة المحدثات. وقوله تعالى: {يٰمُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أعلمه أن الذي يخاطبه ويناجيه هو ربه الله العزيز الذي عز كل شيء وقهره وغلبه، الحكيم في أقواله وأفعاله، ثم أمره أن يلقي عصاه من يده، ليظهر له دليلاً واضحاً على أنه الفاعل المختار القادر على كل شيء، فلما ألقى موسى تلك العصا من يده، انقلبت في الحال حية عظيمة هائلة، في غاية الكبر وسرعة الحركة مع ذلك، ولهذا قال تعالى: {فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ} والجان ضرب من الحيات أسرعه حركة وأكثره اضطراباً. وفي الحديث نهي عن قتل جنان البيوت، فلما عاين موسى ذلك، {وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ} أي: لم يلتفت من شدة فرقه، { يٰمُوسَىٰ لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ} أي: لا تخف مما ترى، فإني أريد أن أصطفيك رسولاً، وأجعلك نبياً وجيهاً. وقوله تعالى: {إَلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوۤءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} هذا استنثاء منقطع، وفيه بشارة عظيمة للبشر، وذلك أن من كان على عمل سيـىء ثم أقلع عنه ورجع وتاب وأناب، فإن الله يتوب عليه، كما قال تعالى: {أية : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ} تفسير : [طه: 82] وقال تعالى: {أية : وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ}تفسير : [النساء: 110] الآية، والآيات في هذا كثيرة جداً. وقوله تعالى: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} هذه آية أخرى ودليل باهر على قدرة الله الفاعل المختار، وصدق من جعل له معجزة، وذلك أن الله تعالى أمره أن يدخل يده في جيب درعه، فإذا أدخلها وأخرجها، خرجت بيضاء ساطعة كأنها قطعة قمر، لها لمعان تتلألأ كالبرق الخاطف. وقوله تعالى: {سُوۤءٍ فِي تِسْعِ ءَايَـٰتٍ} أي: هاتان ثنتان من تسع آيات، أؤيدك بهن، وأجعلهن برهاناً لك إلى فرعون وقومه {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ} وهذه هي الآيات التسع التي قال الله تعالى: {أية : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءَايَـٰتٍ بَيِّنَاتٍ} تفسير : [الإسراء: 101] كما تقدم تقرير ذلك هنالك. وقوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ ءَايَـٰتُنَا مُبْصِرَةً} أي: بينة واضحة ظاهرة، {قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ}، وأرادوا معارضته بسحرهم، فغلبوا وانقلبوا صاغرين أي في ظاهر أمرهم، {وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ} أي: علموا في أنفسهم أنها حق من عند الله، ولكن جحدوها وعاندوها وكابروها {ظُلْماً وَعُلُوّاً} أي: ظلماً من أنفسهم سجية ملعونة، وعلواً، أي: استكباراً عن اتباع الحق، ولهذا قال تعالى: {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} أي: انظر يا محمد كيف كان عاقبة أمرهم في إهلاك الله إياهم، وإغراقهم عن آخرهم في صبيحة واحدة، وفحوى الخطاب يقول: احذروا أيها المكذبون لمحمد، الجاحدون لما جاء به من ربه، أن يصيبكم ما أصابهم بطريق الأولى والأحرى؛ فإن محمداً صلى الله عليه وسلم أشرف وأعظم من موسى، وبرهانه أدل وأقوى من برهان موسى؛ بما آتاه الله من الدلائل المقترنة بوجوده في نفسه وشمائله، وما سبقه من البشارات من الأنبياء به، وأخذ المواثيق له، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام.
المحلي و السيوطي
تفسير : اذكر {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لأَهْلِهِ } زوجته عند مسيره من مدين إلى مصر {إِنّى ءَانَسْتُ } أبصرت من بعيد {نَاراً سَئَاتِيكُمْ مّنْهَا بِخَبَرٍ } عن حال الطريق وكان قد ضلّها {أَوْ ءَاتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ } بالإِضافة للبيان وتركها أي شعلة نار في رأس فتيلة أو عود {لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } تستدفئون من البرد والطاء بدل من تاء الافتعال، من صَلي بالنار بكسر اللام وفتحها:.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {إِنِّي ءَانَسْتُ نَاراً} فيه وجهان: أحدهما: رأيت ناراً، قاله أبو عبيدة ومنه سمي الإنساء إنساً لأنهم مرئيون. الثاني: أحسست ناراً، قاله قتادة، والإيناس: الإحساس من جهة يؤنس بها. {سَئَاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ} فيه وجهان: أحدهما: سأخبركم عنها بعلم، قاله ابن شجرة. الثاني: بخبر الطريق، لأنه قد كان ضل الطريق، قاله ابن عباس. {أَوْ ءَاتِيكُم بِشهَابٍ قَبَسٍ} والشهاب الشعاع المضي، ومنه قيل للكوكب الذي يمر ضوؤه في السماء شهاب، قال الشاعر: شعر : في كفِّهِ صعدة مثقفة فيها سنان كشعلة القبسِ تفسير : والقبس هو القطعة من النار، ومنه اقتبست النارَ، أخذت منها قطعة، واقتبست منه علماً إذا أخذت منه علماً، لأنك تستضيء به كما تستضيء بالنار. {لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} أي لكي تصطلون من البرد، قال قتادة: وكان شتاء. قوله تعالى {فَلَمَّا جَاءَهَا} يعني ظن أنها نار، وهي نور، قال وهب بن منبه: فلما رأى موسى وقف قريباً منها فرآها تخرج من فرع شجرة خضراء شديدة الخضرة يقال لها العليق، لا تزداد النار إلا تضرماً وعظماً، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة وحسناً، فعجب منها ودنا وأهوى إليها بضغث في يده ليقتبس منها، فمالت إليه فخافها فتأخر عنها، ثم لم تزل تطمعه ويطمع فيها إلى أن وضع أمْرها على أنها مأمورة ولا يدري ما أمرها، إلى أن: {نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا}. وفي {بُورِكَ} ثلاثة أوجه: أحدها: يعني قُدِّس، قاله ابن عباس. الثاني: تبارك، حكاه النقاش. الثالث: البركة في النار، حكاه ابن شجرة، وأنشد لعبد الله بن الزبير: شعر : فبورك في بنيك وفي بنيهم إذا ذكروا ونحن لك الفداء تفسير : وفي النار وجهان: أحدهما: أنها نار فيها نور. الثاني: أنها نور ليس فيها نار، وهو قول الجمهور. وفي {بُورِكَ مَن فِي النَّارِ} خمسة أقاويل: أحدها: بوركت النار، و{مَن} زيادة، وهي في مصحف أُبي: {بُورِكَتِ النَّارُ وَمَن حَوْلَهَا} قاله مجاهد. الثاني: بورك النور الذي في النار، قاله ابن عيسى. الثالث: بورك الله الذي في النور، قاله عكرمة، وابن جبير. الرابع: أنهم الملائكة، قاله السدي. الخامس: الشجرة لأن النار اشتعلت فيها وهي خضراء لا تحترق. وفي قوله: {وَمَن حَوْلَهَا} وجهان: أحدهما: الملائكة، قاله ابن عباس. الثاني: موسى، قالها أبو صخر. {وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فيه وجهان: أحدهما: أن موسى قال حين فرغ من سماع النداء من قوله الله: {سبْحَانِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} استعانة بالله وتنزيهاً له، قاله السدي. الثاني: أن هذا من قول الله ومعناه: وبورك فيمن يسبح الله رب العالمين، حكاه ابن شجرة. ويكون هذا من جملة الكلام الذي نودي به موسى. وفي ذلك الكلام قولان: أحدهما: أنه كلام الله تعالى من السماء عند الشجرة وهو قول السدي. قال وهب بن منبه: ثم لم يمس موسى امرأة بعدما كلمه ربه. والثاني: أن الله خلق في الشجرة كلاماً خرج منها حتى سمعه موسى، حكاه النقاش. قوله تعالى: {وَأَلْقِ عَصَاكَ} قال وهب: ظن موسى أن الله أمره برفضها فرفضها. {فَلَمَا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ} فيه وجهان: أحدهما: أن الجان الحية الصغيرة، سميت بذلك لاجتنانها واستتارها. والثاني: أنه أراد بالجان الشيطان من الجن، لأنهم يشبهون كل ما استهولوه بالشيطان، كما قال تعالى: {أية : طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ} تفسير : [الصافات: 65]. وقد كان انقلاب العصا إلى أعظم الحيات لا إلى أصغرها، كما قال تعالى: {أية : فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ} تفسير : [الأعراف: 107] و[الشعراء: 33]. قال عبد الله بن عباس: وكانت العصا قد أعطاه إياها ملك من الملائكة حين توجه إلى مَدْيَن وكان اسمها: ما شاء، قال ابن جبير: وكانت من عوسج. {وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقّبْ. . .} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ولم يرجع، قاله مجاهد، قال قطرب: مأخوذ من العقب. الثاني: ولم ينتظر، قاله السدي. الثالث: ولم يلتفت، قاله قتادة. ويحتمل رابعاً: أن يكون معناه أنه بقي ولم يمش، لأنه في المشيء معقب لابتدائه بوضع عقبة قبل قدمه. قوله تعالى: {إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} قيل إنه أراد في الموضع الذي يوحى فيه إليهم، ولا فالمرسلون من الله أخوف. {إلاَّ مَن ظَلَمَ} فيه وجهان: أحدهما: أنه أراد من غير المسلمين لأن الأنبياء لا يكون منهم الظلم، ويكون منهم هذا الاستثناء المنقطع. الوجه الثاني: أن الاستثناء يرجع إلى المرسلين. وفيه على هذا وجهان: أحدهما: فيما كان منهم قبل النبوة كالذي كان من موسى في قتل القبطي، فأما بعد النبوة فهم معصومون من الكبائر والصغائر جميعاً. الوجه الثاني: بعد النبوة فإنه معصومون فيها مع وجود الصغائر منهم، غير أن الله لطف بهم في توفيقهم للتوبة منها، وهو معنى قوله تعالى: {ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ} يعني توبة بعد سيئة. {فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي غفور لذنبهم، رحيم بقبول توبتهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {ءَانَسْتُ} رأيتُ، أو أحْسَسْتُ، الإيناس: الإحساس من جهة يؤنس بها. {بِخَبْرٍ} بخبر الطريق لأنه كان ضلها "ع"، أو سأخبركم عنها بعلم. {بِشهَابٍ} الشعاع المضيء ومنه شهب السماء. {قَبَسٍ} قطعة من نار، اقتبس النار أخذ قطعة منها، واقتبس العلم لاستضاءته به كما يستضيء بالنار {لَّعَلَّكُمْ} لكي تصطلوا من البرد وكان شتاء.
السيوطي
تفسير : أخرج الطستي عن ابن عباس. أن نافع بن الأزرق قال له: اخبرني عن قوله عز وجل {بشهاب قبس} قال: شعلة من نار يقتبسون منه قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول طرفة: شعر : هم عراني فبت أدفعه دون سهادي كشعلة القَبس
القشيري
تفسير : سار موسى بأهله من مدين شعيب متوجهاً إلى مصر، ودَجَا عليه الليلُ، وأخذ امرأتَه الطَّلْقُ وهَبَّت الرياحُ الباردة، ولم يورِ الزَّنْد، وضاق على موسى الأمرُ، واستبهم الوقتُ، وتشتتت به الهمة، واستولى على قلبه الشغل. ثم رأى ناراً من بعيد، فقال لأهله: امكثوا إنِّي أبصرتُ ناراً. وفي القصة: إنه تشتت أغنامُه، وكانت له بقور وثيران تحمل متاعَه فشردت، فقالت امرأتُه: كيف تتركنا وتمضي والوادي مسبع؟!. فقال: امكثوا.. فإني لأجلكم أمضي وأتعرف أمرَ هذه النار، لَعَلِّي آتيكم منها إِمَّا بِقَبَسٍ أو شعلةٍ، أو بخبرٍ عن قوم نُزُولٍ عليها تكون لنا بهم استعانة، ومن جهتهم انتفاع. وبَدَتْ لعينه تلك النارُ قريبةً، فكان يمشي نحوها، وهي تتباعد حتى قَرُب منها، فرأى شجرةً رطبةً خضراءَ تشتعل كلُّها من أولها إلى آخرها، وهي نار مضيئة، فَجَمَعَ خُشَيْبَاتٍ وأراد أن يقتبس منها، فعند ذلك سمع النداءَ من الله لا من الشجرة كما تَوَهَّم المخالِفون من أهل البدع. وحصل الإجماعُ أَنَّ موسى سمع تلك الليلة كلامَ الله، ولو كان النداء في الشجرة لكان المتكلم به الشجرة، ولأجل الإجماع قلنا: لم يكن النداء في الشجرة وإلا فنحن نجوِّز أن يخلق الله نداءً في الشجرة ويكون تعريفاً، ولكن حينئذٍ يكون المتكلم بذلك الشجرة. ولا يُنْكر في الجواز أن يكون الله أسمع موسى كلامه بإسماع خلقه له، وخَلَقَ كلاماً في الشجرة أيضاً، فموسى سمع كلامَه القديم وسمع كلاماً مخلوقاً في الشجرة... وهذا من طريق العقل جائز.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لأَهْلِهِ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً} كان موسى فى بداية حاله فى مقام العشق والمحبة وكان اكثر احوال مكاشف فى مقام التباس فلما حان بدر وكشفه جعل سبحانه الشجرة والنار مرأة فعلية فتجلى بجلاله وجماله من ذاته سبحانه لموسى واوقع موسى فى رسوم الانسانية حتى لا يفزع ويدنى من النار والشجرة ثم ناداه منها بعد ان كاشف الله مشاهدة جلاله ولولا ذلك لفنى موسى فى اوّل سطوات عظمته وعزته ومعنى بورك من فى الناس انه تعالى وتقدس عن المثال والخيال اراد به نفسه المقدس الذى يزيد بركة مشاهدة موسى فالندامة وهو كلامه السرمدى المبارك ذاته وصفاته بورك قدس عن اشارة كل مشبهى اشار اليه بالاماكن للجهات هو تعالى تجلى بوصف النار والنور من الشجرة والطور ذاته وصفاته منزه عن الجعلة وهو نادران يرى نفسه لعاشقه بكل ما يليق بحاله ولم يتجلى له صرفا من عزة ذاته وجلال صفاته لا يحتملها الكون والكائنات باسرها بل هذا تربية العاشق ربما يرى نفسه من شجرة وربما يرى نفسه من الشمس والقمر والكواكب وغيرها من أيات ملكوت السماوات والارض لذلك قال ابراهيم هذا ربى وقال عليه السّلام ان الله تعالى يرى هيئة ذاته كيف شاء ويجوز ان تكل البركة تعود الى موسى من مشاهدة من النار وفى كل موضع تظهر بكرة كشف مشاهدة الحق يكون مباركا بركة الا ترى الى قول القائل شعر : اذا نزلت سلمى بواد فماؤها زلال وسلسال وشيحانها ورد تفسير : قال ابن عطا اصبتك بركة النار بموارد الانوار عليك ومخاطبة الحق اياك فانك انست فى الزاهر نار وانست به وكان فى الحقيقة انوار فازال عنك انسك بها وخصك بالانس بنورها فكلمك وثبتك عند الكلام خصصت بها من بين جميع الرسل.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: واذكر {إِذْ قال موسى لأهله}؛ زوجته ومن معه، عند مسيره من مدْين إلى مصر: {إِني آنستُ} أي: أبصرتُ {ناراً سآتيكم منها بخَبَرٍ} عن حال طريق التي ضل عنها. والسين للدلالة على نوع بُعد في المسافة، وتأكيد الوعد. {آو آتيكم بشهابٍ قبَسٍ} أي: شعلة نار مقبوسة، أي مأخوذة. ومن نوّن فبدل، أو صفة، وعلى القراءتين فالمراد: تعيين المقصود الذي هو القبس، الجامع لمنفعتي الضياء والاصطلاء؛ لأن من النار ما ليس بقبس، كالجمرة. وكلتا العِدتين منه عليه السلام بطريق الظن، كما يُفصح عن ذلك ما في سورة طه، من صيغتي الترجي والترديد؛ لأن الراجي إذا قوي رجاؤه يقول: سأفعل كذا، وسيكون كذا، مع تجويزه التخلف. وأتى بأو؛ لأنه بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بحاجتيه معاً لم يعدم واحدة منهما، إما هداية الطريق، وإما اقتباس النار، ولم يدر أنه ظافر بحاجته الكبرى، وهي عزّ الدنيا والآخرة. واختلاف الألفاظ في هاتين السورتين، والقصة واحدة، دليل على نقل الحديث بالمعنى، وجواز النكاح بغير لفظ النكاح والتزويج. قاله النسفي. {لعلكم تَصْطَلُون}؛ تستدفئون بالنار من البرد إذا أصابكم. {فلما جاءها} أي: النار التي أبصرها {نُودِيَ} من جانب الطور {أن بُورِكَ}، على أنّ "أنْ" مفسرة؛ لما في النداء من معنى القول. أو: بأن بورك، على أنها مصدرية، وقيل: مخففة، ولا ضرر في فُقدان الفصل بـ "لا"، أو قد، أو السين، أو سوف؛ لأن الدعاء يخالف غيره في كثير من الأحكام، أي: أنه، أي: الأمر والشأن {بُورِكَ} أي: قدّس، أو: جعل فيه البركة والخير، {مَن في النار ومَنْ حولها} أي: من في مكان النار، وهم الملائكة، {ومَنْ حولها} أي: موسى عليه السلام، بإنزال الوحي عليه، الذي فيه خير الدنيا والآخرة. وقال ابن عباس والحسن: (بورك من في النار أي: قُدِّس من في النار، وهو الله تعالى) أي: نوره وسره، الذي قامت به الأشياء، من باب قيام المعاني بالأواني، أو: من قيام أسرار الذات بالأشياء، بمعنى أنه نادى موسى منها وسمع كلامه من جهتها، ثم نزّه - سبحانه - ذاته المقدسة عن الحلول والاتحاد، فقال: {وسبحان اللهِ} أي: تنزيهاً له عن الحلول في شيء، وهو {ربّ العالمين}. ثم فسر نداءه، فقال: {يا موسى إنه} أي: الأمر والشأن {أنا الله العزيزُ الحكيم} أو: إنه، أي: مكلمك، الله العزيز الحكيم، وهو تمهيد لِما أراد أن يظهر على يديه من المعجزات. {وألقِ عصاك} لتعلم معجزتها، فتأنس بها، وهو عطف على (بُورك) أي: نودي أن بورك وأنْ ألق عصاك. والمعنى: قيل له: بورك من في النار، وقيل له: أَلقِ عصاك، {فلما رآها تهتزُّ}؛ تتحرك يميناً وشمالاً، {كأنها جانٌّ}؛ حية صغيرة {وَلَّى} موسى {مُدْبِراً} أي: أدبر عنها، وجعلها تلي ظهره، خوفاً من وثوب الحية عليه، {ولم يُعقِّبْ}؛ لم يرجع على عقبيه، من: عقّب المقاتل: إذا كرّ بعد الفر. والخوف من الشيء المكروه أمر طبيعي، لا يتخلف، وليس في طوق البشر. قال له تعالى: {يا موسى لا تخفْ} من غيري، ثقة بي، أو: لا تخف مطلقاً {إني لايخاف لَدَيَّ المرسلون} أي: لا يخاف المرسلون عند خطابي إياهم، فإنهم مستغرقون في شهود الحق، لا يخطر ببالهم خوف ولا غيره. وأما في غير أحوال الوحي؛ فهم أشد الناس خوفاً منه سبحانه، أو: لا يخافون من غيري، لأنهم لديَّ في حفظي ورعايتي. {إلا من ظَلَمَ} أي: لكن من ظلَم مِن غيرهم؛ لأن الأنبياء لا يَظلمون قط، فهو استثناء منقطع، استدرك به ما عسى يختلج في العقل، من نفي الخوف عن كلهم، مع أن منهم من فرطت منه صغيرة مما يجوز صدوره عن الأنبياء - عليهم السلام - كما فرط من آدم، وموسى، وداود، وسليمان - عليهم السلام - فحسنات الأبرار سيئات المقربين. وقد قصد به التعريض بما وقع من موسى - عليه السلام - ومن وكزه القبطيّ. وسماها ظلماً، كقوله عليه السلام في سورة القصص: {أية : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ}تفسير : [القصص: 16]. قال في الحاشية الفاسية: والظاهر في الاستثناء كونه متصلاً، وأطلق الظلم باعتبار منصب النبوة، وإشفاقهم مما لا يشفق منه غيرهم، كما اتفق لموسى في مدافعة القبطي عن الإسرائيلي، مع أن إغاثة المظلوم مشروعة عموماً، ولكن لَمَّا لم يُؤذَن له خصوصاً عُد ذلك ظلماً وذنباً. وأما ما سرى من القتل فلم يقصده، وإنما اتفق من غير قصد. هـ. قوله: {ثم بدّلَ حُسْناً بعد سُوءٍ} أي: أتبع زلته حسنة محلها، كالتوبة وشبهها، {فإني غفور رحيمٌ} أقبل توبته، وأغفر حوبته، وأرحمه، فأحقق أمنيَّته. والله تعالى أعلم. الإشارة: تقدم بعض إشارة الآية في سورة طه. وقوله تعالى: {أن بورك من في النار...} تقدم قول ابن عباس وغيره: أن المراد بمن في النار: نور الحق تعالى. قال بعض العلماء: كانت النار نوره تعالى، وإنما ذكره بلفظ النار؛ لأن موسى حسبه ناراً، والعرب تضع أحدهما موضع الآخر. هـ. ومنه حديث: "حديث : حجُابه النار، لو كشفه لأحرقت سُبُحاتُ وجهه كلَّ شيء أدركه بصره" تفسير : ، أي: حجابه النور الذي تجلى به في مظاهر خلقه، فالأواني حجب للمعاني، والمعاني هي أنوارالملكوت، الساترة لأسرار الجبروت، السارية في الأشياء. وقال سعيد بن جبير: (هي النار بعينها)، وهي إحدى حجب الله تعالى. ثم استدل بالحديث: "حجابة النار" ومعنى كلامه: أن الله تعالى احتجت في مظاهر تجلياته، وهي كثيرة، ومن جملتها النار، فهي إحدى الحجب التي احتجب الحق تعالى بها، وإليه أشار ابن وفا بقوله شعر : هو النورُ المحيط بكل كَون تفسير : ولا يفهم هذا إلا أهل الفناء في الذات، العارفون بالله، وحسب من لم يبلغ مقامهم التسليم لِما رمزوا إليه، وإلا وقع الإنكار على أولياء الله بالجهل، والعياذ بالله. ثم ذكر معجزة اليد، فقال: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ...}
الجنابذي
تفسير : {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ} ظرف لعليم او حكيم، ويكون تقييد علمه تعالى او حكمته مع اطلاقهما فى حقّه تعالى للاشعار بانّ ما وقع لموسى (ع) وما وقع منه لم يكن الاّ بعلمه وحكمته وكان مشتملاً على دقائق الغايات ودقائق الاعتبارات فيكون فى الحقيقة تقييداً لما وقع له ومنه (ع) وبعلمه تعالى وحكمته، او متعلّق بقوله لتلقّى القرآن والمعنى حالك انّك تمكّنت فى الحضور عند ربّك وترفّعت عن جميع المقامات والشّهودات اذ كان موسى (ع) مشاهداً لبعض آياته ومضطرباً فى مشاهداته نظير: كنت نبيّاً وآدم بين الماء والطّين {لأَهْلِهِ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ} قرئ بشهابٍ قبسٍ بطريق التّوصيف وبطريق الاضافة والشّهاب الشّعلة من النّار واختلاف الكلمات فى الحكايات المكرّرة امّا للاشارة الى انّها منقولة بحسب المعنى والمنقول بحسب المعنى يؤدّى بألفاظٍ مختلفةٍ مترادفةٍ او متوافقة فى اداء المقصود، او للاشارة الى انّ السّؤالات واجوبتها كانت كثيرةً وكلّما ذكر حكايةً منها يذكر بعضها {لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلِونَ فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} لمّا قال من فى النّار ومن حول النّار وتوهّم منه انّه محاط قال تعالى: سبحان الله من ان يكون محاطاً لانّه ربّ العالمين وربّ العالمين لا يكون محاطاً لشيءٍ من مربوباته.
الأعقم
تفسير : قال سبحانه: {إذ قال موسى لأهله} امرأته ومن كان معه ليلة ذهابه من مدين إلى مصر {إني آنست ناراً} أي رأيت {فامكثوا} مكانكم {سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس} والشهاب نور، كالعمود من النار، والقبس: القطعة، وقبس من النار اقتباساً: أخذ منها شعلة {لعلكم تصطلون} تستدفئون، ثم قال تعالى تمام قصة موسى (عليه السلام) فقال سبحانه: {فلما جاءها} الهاء كناية عن النار، والمعنى: جاء موضع النار {نودي} يعني موسى ناداه الله بأن أحدث الكلام في الشجرة {أن بورك من في النار} والمراد بالمبارك فيهم موسى والملائكة الحاضرون، والظاهر أنه عام في كل مكان في تلك الأرض وفي ذلك الوادي وحواليهما في أرض الشام، ولقد خصَّ الله أرض الشام بالبركة في قوله: {أية : ونجّيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين}تفسير : [الأنبياء: 71]، وقيل: من حولها من الملائكة، وبركتها أن جعلها دلالة لموسى، وقيل: بورك من في النار الملائكة الموكّلون بها {ومن حولها} الملائكة أيضاً {وسبحان الله رب العالمين} تنزيهاً له عما لا يليق به وبصفاته {يا موسى إنه أنا الله العزيز} القادر {الحكيم} الذي لا يمتنع عليه شيء، الحكيم العالم بكل شيء {وألق عصاك فلما رآها تهتز} تحركت {كأنها جان} في اهتزازها وهي ثعبان في عظمها، فهاله أمرها وسرعة حركتها وعظم جسمها {ولّى مدبراً} أي رجع إلى ورائه {ولم يعقب} أي لم يرجع إلى عقبه، فقال تعالى: {يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون} {إلا من ظلم} يعني إنما يخاف الظلمة {إلا من ظلم ثم بدّل حسناً بعد سوء}، قيل: من كان ظالماً بالمعاصي فتاب، روي في الحاكم قال: وهو الوجه لعموم الآية {فإني غفور رحيم} لذنوب التائبين، قال جار الله: {إلا من ظلم} يعني لكن من ظلم منهم، أي فرطت منه صغيرة مما لا يجوز على الأنبياء كالذي فرط من آدم ويونس وداوود وسليمان وأخوة يوسف وموسى (عليه السلام) بوكزة القبطي، قوله تعالى: {وادخل يدك في جيبك}، قيل: ادخاله يده جيبه أي يجعلها على صدره، وقيل: جيب مدرعته، وروي أنه كان (عليه السلام) عليه جبة صوف، وقيل: كان كمها إلى بعض اليد فأمره أن يدخل يده جيبه {تخرج بيضاء} تضيء كالبدر {من غير سوء} أي من غير برص {في تسع آيات} معجزات: وهي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم والبحر ورفع الطور وانفجار الحجر بالماء {إلى فرعون} أي أرسلنا إلى فرعون {وقومه إنهم كانوا قوماً فاسقين} خارجين عن طاعة الله والإِيمان {فلما جاءتهم آياتنا مبصرة} يبتصر بها الصواب من الخطأ {قالوا هذا سحر مبين} أي ظاهر {وجحدوا بها} أي بالآيات {واستيقنتها أنفسهم} أي علموا يقيناً أنها ليس بسحر، وأنها تدل على صانع حكيم، وتدل على نبوة موسى {ظلماً وعلواً} يعني ظلماً على أنفسهم، أو ظلماً على موسى {فانظر} يا محمد أو أيها السامع {كيف كان عاقبة المفسدين}.
الهواري
تفسير : قوله: {إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إِنِّي ءَانَسْتُ نَاراً} قال بعضهم: إني أحسست ناراً. وقال في آية أخرى: (أية : إِذْ رَأَى نَاراً) تفسير : [طه: 10] أي: رآها ناراً عند نفسه، وإنما كانت نوراً. {سَئَاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ} أي: بخبر الطريق، وكان على غير الطريق. وقال في آية أخرى: {أية : أًو أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً}تفسير : أي: هداة يهدونني إلى الطريق. {أَو ءَاتِيكُم بِشِهَاب قَبَسٍ} وقال في آية أخرى: (أية : أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ) تفسير : [القصص: 29]، {لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} لكي تصطلوا، وكان شاتياً. قوله: {فَلَمَّا جَآءَهَا} أي: جاء النار عند نفسه {نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ} أي: إنها عند موسى نار {وَمَنْ حَوْلَهَا} أي: الملائكة. هي في مصحف أبي بن كعب: نودي أن بوركت النار ومن حولها {وَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ}. {يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ وَأَلْقِ عَصَاكَ} فألقاها {فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ} أي: كأنها حيّة، وقال في آية أخرى: (أية : فَإِذَا هِيَ حَيّةٌ تَسْعَى) تفسير : [طه: 20]، {وَلَّى مُدْبِراً} أي: من الفَرَق {وَلَمْ يُعَقِّبْ} أي: ولم يلتفت. وقال مجاهد: ولم يرجع. {يَامُوسَى لاَ تَخَف إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ} قال الحسن: {لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} أي: في الآخرة والدنيا لأنهم أهل الولاية وأهل المحبة {إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. أي: فإنه لا يخاف عندي. وكان موسى ممن ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء فغفر الله له. وهو قتل ذلك القبطي؛ لم يتعمّد قتله ولكنه تعمد وكزه.
اطفيش
تفسير : {إِذْ قَالَ} اي اذكر وقت قال والمراد ذكر قصته الواقعة في ذاك الوقت ويجوز تعليقه بعليم. {مُوسَى لأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً} أبصرتها من بعيد وانما هي نور لكن ظنه نارا بل كانت عنده لبعدها نارا وقيل هي نار حقيقية، وأهله زوجته وذلك عند مسيره من مدين إلى مصر وسكّن الياء غير منافع وابن كثير وأبي عمر. {سآتِيكُم مِنْهَا} أي من أهلها أو من حاضرها. {بِخَبَرٍ} عن حال الطريق لانه قد ضل حينئذ عن الطريق وانما جمع الضمير مع أن الأهل مراده به زوجته ولم يكن معه وقتئذ سواها نظرا للفظ الأهل ويحتمل أن يكون معه غيرها فيراد بالأهل الزوجة وغيرها بل قيل: انها قد ولدت فالمراد هي وما ولدت في ذلك الوقت والسين لبعد النار عنه فوعد أهله انه يأتي بذلك ولو أبطى عنهم ففيه تصبير لهم وشد على قلوبهم. {أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ} شعلة نار. {قَبَسٍ} مقبوسة فقبس نعت شهاب أو بدل من شهاب وذلك قراءة الكوفيين قيل ويعقوب وقرأ غيرهم بالاضافة وأضيف الشهاب الى القبس وهو النار المقبوسة لأن الشهاب يكون قبسا وغير قبس فالاضافة للبيان بها نقرأ ومرادي بالكوفيين الكسائي وحمزة وعاصم وان قلت سآتيكم يقين ولعلي آتيكم ترج فيتنافيان قلت سآتيكم آيضا ترج ذكره الله على صورة اليقين لقوة الرجاء أو لعلي آتيكم يقين جاء به على صورة الرجاء توطينا لأنفس أهله على الصبر فلا يقلقوا إن أبطأ بخلاف ما اذا يتقنوا فإنه اذا أبطأ اشتد عليهم إبطاءه وجاء بأو دون الواو اشعارا بأنه ان لم يظفر بحاجته جميعا لم يعدم واحدة منهما إما هداية الطريق أو اقتباس النار ثقة بالله ان لا يجمع له بين حرمانين. {لَّعَلَّكُم تَصْطَلُونَ} تستدفون من البرد والوقت شتاء وهو من الاصطلاء والطاء عن التاء والثلاثي صلى كرسي وصلى كرضى وقد يطلق الصلى على النار العظيمة.
اطفيش
تفسير : {إذْ قال مُوسى لأهْلِه} اذكر إذ قال موسى، او عليم إذ قال قال موسى، على معنى أن علمه محتو على ذلك الوقت المعتبر لا مخصوص به، والأول أولى، وأهله زوجه سماها أهلا تعظيماً لها، فإن أهل الرجل أتباعه وكذا ضمائر الجمع بعد فى قوله: {إنِّى آنست ناراً سآتيكم مِنْها بخَبرٍ} الخ إلا أنها تبع للتعبير بالأهل، ويجوز حمل الأهل على زوجه وغنمه توسعاً، خرج من مدين ووصل وادى طوى، وقد حاد على الطريق فى ليلة باردة شاتية، وزوجة قد ولدت، وغنمه تفرقت فى ظلمة عظيمة، وأراد الدفء لها، ولم يور زناده، فبدت له نار من جانب الطور، وأراد بالخبر الخبر عن الطريق، والسين للبعد، أخبر أهله به لئلا يستوحشوا، وليصبروا إن أبطأ، أو للتأكيد، وموسى تكلم بلغته، وذكرها الله بما يفيدها من العربية، او انطقه الله بالعربية. {أو آتيكم بشهابٍ قَبَس} الإضافة للبيان والشهاب، أعم لأنه يكون من قبس ومن غيره، أى آتيكم بشهاب هو قبس أى بشعاة تقبس من نار، وأو لمنع الخلو لا لمنع الجمع، فإنه إن وجد النار والدلالة على الطريق أتاها بها، وسار على الطريق أو قصد مقابلة الاتيان بالقبس الذهاب بها الى حيث النار، وما هنا وعدة بصورة الجزم، والمراد قوة الطمع، بدليل الآية الأخرى: "أية : لعلى آتيكم"تفسير : [طه: 10، القصص: 29] بصورة الترجى لا تناقض بين الجزم هنا بالاتيان بالنار، وبين ترجيه فى قوله تعالى: "أية : لعلى آتيكم"تفسير : [طه: 10، القصص: 29] لأن الراجى اذا قوى رجاؤه جزم، ولأنه بنى الرجاء على انه إن لم يظفر والنار معاً ظفر بأحدهما، وفى القصتين جواز حكاية الكلام، وحديث النبى صلى الله عليه وسلم بالمعنى فيما لم نتعبد بلفظه {لعلَّكم تصْطلونَ} الطاء بدل من تاء الافتعال من العلاء بكسر ومد، أو فتح وقصر، وهو الدنو من النار للاستدفاء، ويطلق على النار أو بالكسر الدفء وبالفتح النار.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لأَِهْلِهِ } منصوب على المفعولية بمضمر خوطب به النبـي صلى الله عليه وسلم وأمر بتلاوة بعض من القرآن الذي تلقاه صلى الله عليه وسلم من لدنه عز وجل تقريراً لما قبله وتحقيقاً له أي اذكر لهم وقت قول موسى عليه السلام لأهله، وجوز أن تكون {إِذْ } ظرفاً لعليم. وتعقبه في «البحر» بأن ذلك ليس بواضح إذ يصير الوصف مقيداً بالمعمول، وقال في «الكشف»: ما يتوهم من دخل التقييد بوقت معين مندفع إذ ليس مفهوماً معتبراً عند المعتبر ولأنه لما كان تمهيد القصة حسن أن يكون قيداً لها كأنه قيل: ما أعلمه حيث فعل بموسى عليه السلام ما فعل، ولما كان ذلك من دلائل العلم والحكمة على الإطلاق لم يضر التقييد بل نفع لرجوعه بالحقيقة إلى نوع من التعليل والتذكيرا هـ. ولا يخفى أن الظاهر مع هذا هو الوجه الأول. ثم إن قول موسى عليه السلام {إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ} كان في أثناء سيره خارجاً من مدين عند وادي طوى وكان عليه السلام قد حاد عن الطريق في ليلة باردة مظلمة فقدح فأصلد زنده فبدا له من جانب الطور نار، والمراد بالخبر الذي يأتيهم به من جهة النار الخبر عن حال الطريق لأن من يذهب لضوء نار على الطريق يكون كذلك؛ ولم يجرد الفعل عن السين إما للدلالة على بعد مسافة النار في الجملة حتى لا يستوحشوا إن أبطأ عليه السلام عنهم أو لتأكيد الوعد بالإتيان فإنها كما ذكره الزمخشري تدخل في الوعد لتأكيده وبيان أنه كائن لا محالة وإن تأخر، وما قيل من أن السين للدلالة على تقريب المدة دفعاً للاستيحاش إنما ينفع على ما قيل في اختياره على سوف دون التجريد الذي يتبادر من الفعل معه الحال الذي هو أتم في دفع الاستيحاش. ولعل الأولى اعتبار كونه للتأكيد، لا يقال: إنه عليه السلام لم يتكلم بالعربية وما ذكر من مباحثها لأنا نقول: ما المانع من أن يكون في غير اللغة العربية ما يؤدي مؤداها بل حكاية القول عنه عليه السلام بهذه الألفاظ يقتضي أنه تكلم في لغته بما يؤدي ذلك ولا بد، وجمع الضمير إن صح أنه لم يكن معه عليه السلام غير امرأته للتعظيم وهو الوجه في تسمية الله تعالى شأنه امرأة موسى عليه السلام بالأهل مع أنه جماعة الأتباع. {أَوْ ءاتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ } أي بشعلة نار مقبوسة أي مأخوذة من أصلها فقبس صفة شهاب أو بدل منه، وهذه قراءة الكوفيين ويعقوب، وقرأ باقي السبعة والحسن {بِشِهَابٍ قَبَسٍ } بالإضافة واختارها أبو الحسن وهي إضافة بيانية لما بينهما من العموم والخصوص كما في ثوب خز فإن الشهاب يكون قبساً وغير قبس، والعدتان على سبيل الظن ولذلك عبر عنهما بصيغة الترجي في سورة طه فلا تدافع بين ما وقع هنا وما وقع هناك، والترديد للدلالة على أنه عليه السلام إن لم يظفر بهما لم يعدم أحدهما بناءً على ظاهر الأمر وثقة بسنة الله عز وجل أنه لا يكاد يجمع حرمانين على عبده. وقيل: يجوز أن يقال الترديد لأن احتياجه عليه السلام إلى أحدهما لا لهما لأنه كان في حال الترحال وقد ضل عن الطريق فمقصوده أن يجد أحداً يهدي إلى الطريق فيستمر في سفره فإن لم يجده يقتبس ناراً ويوقدها ويدفع ضرر البرد في الإقامة. وتعقب بأنه قد ورد في القصة أنه عليه السلام كان قد ولد له عند الطور ابن في ليلة شاتية وظلمة مثلجة وقد ضل الطريق وتفرقت ماشيته فرأى النار فقال لأهله ما قال وهو يدل على احتياجه لهما معاً لكنه تحرى عليه السلام الصدق فأتى بأو. {لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } أي رجاءً أو لأجل أن تستدفئوا بها، والصلاء بكسر الصاد والمد ويفتح بالقصر الدنو من النار لتسخين البدن وهو الدفؤ ويطلق على النار نفسها أو هو بالكسر الدفؤ / وبالفتح النار.
سيد قطب
تفسير : تعرض هذه الحلقة السريعة من قصة موسى ـ عليه السلام ـ بعد قوله تعالى في هذه السورة: {أية : وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم}.تفسير : وكأنما ليقول لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنك لست بدعاً في هذا التلقي. فها هو ذا موسى يتلقى التكليف، وينادى ليحمل الرسالة إلى فرعون وقومه. وليس ما تلقاه من قومك بدعاً في التكذيب. فها هم أولاء قوم موسى تستيقن نفوسهم بآيات الله، ولكنهم يجحدون بها ظلماً وعلواً. {فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} ولينتظر قومك عاقبة الجاحدين المكابرين! {إذ قال موسى لأهله: إني آنست ناراً. سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون}. وقد ذكر هذا الموقف في سورة طه. وهو في طريق عودته من أرض مدين إلى مصر، ومعه زوجه بنت شعيب عليه السلام. وقد ضل طريقه في ليلة مظلمة باردة. يدل على هذا قوله لأهله: سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون. وكان ذلك إلى جانب الطور. وكانت النيران توقد في البرية فوق المرتفعات لهداية السالكين بالليل؛ فإذا جاءوها وجدوا القرى والدفء، أو وجدوا الدليل على الطريق. {إِني آنست ناراً} فقد رآها على بعد، فشعر لها بالطمأنينة والأنس. وتوقع أن يجد عندها خبر الطريق، أو أن يقبس منها ما يستدفىء به أهله في قر الليل في الصحراء. ومضى موسى ـ عليه السلام ـ إلى النار التي آنسها، ينشد خبراً، فإذا هو يتلقى النداء الأسمى: {فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها. وسبحان الله رب العالمين. يا موسى إنه أنا الله العزيز الحيكم}.. إنه النداء الذي يتجاوب به الكون كله، وتتصل به العوالم والأفلاك؛ ويخشع له الوجود كله وترتعش له الضمائر والأرواح. النداء الذي تتصل فيه السماء بالأرض؛ وتتلقى الذرة الصغيرة دعوة خالقها الكبير؛ ويرتفع فيه الإنسان الفاني الضعيف إلى مقام المناجاة بفضل من الله. {فلما جاءها نودي}.. بهذا البناء للمجهول ـ وهو معلوم ـ ولكنه التوقير والإجلال والتعظيم للمنادي العظيم. {نودي أن بورك من في النار ومن حولها}.. فمن ذا كان في النار؟ ومن ذا كان حولها؟ إنها على الأرجح لم تكن ناراً من هذه النار التي نوقدها. إنما كانت ناراً مصدرها الملأ الأعلى. ناراً أوقدتها الأرواح الطاهرة من ملائكة الله للهداية الكبرى. وتراءت كالنار وهذه الأرواح الطاهرة فيها. ومن ثم كان النداء: {أن بورك من في النار} إيذاناً بفيض من البركة العلوية على من في النار من الملائكة ومن حولها.. وفيمن حولها موسى.. وسجل الوجود كله هذه المنحة العليا. ومضت هذه البقعة في سجل الوجود مباركة مقدسة بتجلي ذي الجلال عليها، وإذنه لها بالبركة الكبرى. وسجل الوجود كله بقية النداء والنجاء: {وسبحان الله رب العالمين. يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم}.. نزه الله ذاته وأعلن ربوبيته للعالمين، وكشف لعبده أن الذي يناديه هو الله العزيز الحكيم. وارتفعت البشرية كلها في شخص موسى ـ عليه السلام ـ إلى ذلك الأفق الوضيء الكريم. ووجد موسى الخبر عند النار التي آنسها، ولكنه كان الخبر الهائل العظيم؛ ووجد القبس الدافئ، ولكنه كان القبس الذي يهدي إلى الصراط المستقيم. وكان النداء للاصطفاء؛ ووراء الاصطفاء التكليف بحمل الرسالة إلى أكبر الطغاة في الأرض في ذلك الحين. ومن ثم جعل ربه يعده ويجهزه ويقويه: {وألق عصاك}.. باختصار هنا، حيث لا يذكر ذلك النجاء الطويل الذي في سورة طه. لأن العبرة المطلوبة هي عبرة النداء والتكليف. {فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبراً ولم يعقب}.. فقد ألقى عصاه كما أمر؛ فإذا هي تدب وتسعى، وتتحرك حركة سريعة كحركة ذلك النوع الصغير السريع من الحيات {الجان}. وأدركت موسى ـ عليه السلام ـ طبيعته الانفعالية، وأخذته هزة المفاجأة التي لم تخطر له ببال، وجرى بعيداً عن الحية دون أن يفكر في الرجوع! وهي حركة تبدو فيها دهشة المفاجأة العنيفة في مثل تلك الطبيعة الشديدة الانفعال. ثم نودي موسى بالنداء العلوي المطمئن؛ وأعلن له عن طبيعة التكليف الذي سيلقاه: {يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون}.. لا تخف. فأنت مكلف بالرسالة. والرسل لا يخافون في حضرة ربهم وهم يتلقون التكليف. {إِلا من ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء. فإني غفور رحيم}.. إنما يخاف الذين ظلموا. ذلك إلا أن يبدلوا حسناً بعد سوء، ويدعوا الظلم إلى العدل؛ ويدعوا الشرك إلى الإيمان، ويدعوا الشر إلى الخير. فإن رحمتي واسعة وغفراني عظيم. والآن وقد اطمأن موسى وقر، يجهزه ربه بالمعجزة الثانية، قبل أن يكشف له عن جهة الرسالة ووجهة التكليف: {وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء}.. وكان هذا. وأدخل موسى يده في فتحة ثوبه ـ وهي جيبه ـ فخرجت بيضاء مشرقة لا عن مرض، ولكن عن معجزة. ووعده ربه أن يؤيده بتسع آيات من هذا النوع الذي شاهد منه اثنتين؛ وكشف له حينئذ عن وجهته التي من أجلها دعاه وجهزه ورعاه! {في تسع آيات إلى فرعون وقومه. إنهم كانوا قوماً فاسقين}.. ولم يعدد هنا بقية هذه الآيات التسع، التي كشف عنها في سورة الأعراف. وهي سنون الجدب، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. لأن التركيز هنا على قوة الآيات لا على ماهيتها. وعلى وضوحها وجحود القوم لها: {فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا: هذا سحر مبين. وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً. فانظر كيف كان عاقبة المفسدين}.. هذه الآيات الكثيرة العدد، الكاشفة عن الحق، حتى ليبصره كل من له عينان. ويصف هذه الآيات نفسها بأنها مبصرة، فهي تبصر الناس وتقودهم إلى الهدى. ومع هذا فقد قالوا عنها: إنها سحر مبين! قالوا ذلك لا عن اقتناع به، ولا عن شبهة فيه. إنما قالوه {ظلماً وعلواً} وقد استيقنت نفوسهم أنها الحق الذي لا شبهة فيه: {واستيقنتها أنفسهم}. قالوا جحوداً ومكابرة، لأنهم لا يريدون الإيمان، ولا يطلبون البرهان. استعلاء على الحق وظلماً له ولأنفسهم بهذا الاستعلاء الذميم. وكذلك كان كبراء قريش يستقبلون القرآن، ويستيقنون أنه الحق، ولكنهم يجحدونه، ويجحدون دعوة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إياهم إلى الله الواحد. ذلك أنهم كانوا يريدون الإبقاء على ديانتهم وعقائدهم، لما وراءها من أوضاع تسندهم، ومغنم تتوافد عليهم. وهي تقوم على تلك العقائد الباطلة، التي يحسون خطر الدعوة الإسلامية عليها، ويحسونها تتزلزل تحت أقدامهم، وترتج في ضمائرهم. ومطارق الحق المبين تدمغ الباطل الواهي المريب! وكذلك الحق لا يجحده الجاحدون لأنهم لا يعرفونه. بل لأنهم يعرفونه! يجحدونه وقد استيقنته نفوسهم، لأنهم يحسون الخطر فيه على وجودهم، أو الخطر على أوضاعهم، أو الخطر على مصالحهم ومغانمهم. فيقفون في وجهه مكابرين، وهو واضح مبين. {فانظر كيف كان عاقبة المفسدين}.. وعاقبة فرعون وقومه معروفة، كشف عنها القرآن في مواضع أخرى. إنما يشير إليها هنا هذه الإشارة، لعلها توقظ الغافلين من الجاحدين بالحق المكابرين فيه، إلى عاقبة فرعون وقومه قبل أن يأخذهم ما أخذ المفسدين.
ابن عاشور
تفسير : قال الزجاج والزمخشري وغيرهما: انتصب {إذْ} بفعل مضمر تقديره: اذكر، أي أن {إذْ} مجردٌ عن الظرفية مستعمل بمعنى مطلق الوقت، ونصْبُه على المفعول به، أي اذكر قصة زمن قال موسى لأهله، يعني أنه جار على طريقة {أية : وإذْ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة}تفسير : [البقرة: 30]. فالجملة استئناف ابتدائي. ومناسبة موقعها إفادة تنظير تلقي النبي صلى الله عليه وسلم القرآن بتلقّي موسى عليه السلام كلامَ الله إذ نودي {أية : يا موسى إنّه أنا الله العزيز الحكيم}تفسير : [النمل: 9]. وذلك من بديع التخلص إلى ذكر قصص هؤلاء الأنبياء عقب التنويه بالقرآن، وأنه من لدن حكيم عليم. والمعنى: أن الله يقصّ عليك من أنباء الرسل ما فيه مَثَل لك ولقومك وما يثبت به فؤادك. وفي ذلك انتقال لنوع آخر من الإعجاز وهو الإخبار عن المغيبات وهو ما عددناه في الجهة الرابعة من جهات إعجاز القرآن في المقدمة العاشرة من المقدمات. وجملة: {قال موسى لأهله} إلى آخرها تمهيد لجملة {أية : فلما جاءها نُودي أن بُورك مَن في النّار}تفسير : [النمل: 8] إلخ. وزمانُ قول موسى لأهله هذه المقالة هو وقت اجتلابه للمبادرة بالوحي إليه. فهذه القصة مثَل ضربه الله لِحال رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومه، ابتدئت بما تقدم رسالة موسى من الأحوال إدماجاً للقصة في الموعظة. والأهل: مراد به زوجه، ولم يكن معه إلا زوجه وابنان صغيران. والمخاطب بالقول زوجه، ويكنى عن الزوجة بالأهل. وفي الحديث: «حديث : والله ما علمتُ على أهلي إلا خَيراً»تفسير : . ولم تظهر النار إلا لموسى دون غيره من أهله لأنها لم تكن ناراً معتادة، لكنها من أنوار عالم الملكوت جلاّه الله لموسى فلا يراه غيره. ويؤيد هذا تأكيده الخبر بــــ(إن) المشير إلى أن زوجهُ ترددت في ظهور نار لأنها لم ترها. والإيناس: الإحساس والشعور بأمر خفي، فيكون في المرئيات وفي الأصوات كما قال الحارث بن حلزة:شعر : آنَستْ نَبْأَةً وأفزعها القُنَّــــ ــــاصُ عَصْرَاً وقد دنا الإِمساء تفسير : والمراد بالخبر خبر المكان الذي تلوح منه النار. ولعله ظن أن هنالك بيتاً يرجو استضافتهم إياه وأهله تلك الليلة، وإن لم يكن أهل النار أهل بيت يستضيفون بأن كانوا رجالاً مقوين يأتِ منهم بجمرة نار ليوقد أهله ناراً من حطب الطريق للتدفُّؤ بها. والشهاب: الجمر المشتعل. والقبس: جمرة أو شعلة نار تُقبس، أي يُؤخذ اشتعالها من نار أخرى ليُشعل بها حطب أو ذُبالة نار أو غيرهما. وقرأ الجمهور بإضافة {شهاب} إلى {قبس} إضافة العام إلى الخاص مثل: خَاتم حديد. وقرأه عاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف بتنوين {شهاب}، فيكون {قبس} بدلاً من {شهاب} أو نعتاً له. وتقدم في أول سورة طه. والاصطلاء: افتعال من الصلي وهو الشيُّ بالنار. ودلت صيغة الافتعال أنه محاولة الصلي فصار بمعنى التدفُّؤ بوهج النار.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لأَهْلِهِ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَارا} إلى آخر القصة تقدم إيضاحه في مريم وطه والأعراف.
د. أسعد حومد
تفسير : {آنَسْتُ} {سَآتِيكُمْ} {آتِيكُمْ} (7) - واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ خَبرَ مُوسى عَليهِ السَّلامُ حِين سَارَ بأهلهِ مِنْ مَدْيَنَ مُتَّجهاً إلى مِصْرَ، فَضَلَّ الطريقَ في ليلةٍ ظَلْمَاءَ، فَرَأى منَ جَانِبِ وَادي الطُّورِ نَاراً تَتَأَجَّجُ، فَقَالَ لأَهْلِه إِنَّه رَأى نَاراً، وإنهُ سَيَسْأَلُ مَنْ عَلَى النارِ مِنَ النَّاسِ عَنِ الطريقِ أو إنَّهُ سَيَأتِيهِمْ - أَيْ سَيَأْتِي أهْلَهُ - بِقِطْعَةٍ مِنْ نارٍ يُوقِدُونَ بِهَا ناراً لَهُمْ ناراً لَهُمْ يَسْتَدْفِئُونَ عَلَيْهَا مِنْ بَرْدِ تِلْكَ الليلةِ. آنَسْتُ نَاراً - أبْصَرْتُ إبْصَاراً بَيِّناً. بِشِهَابٍ قَبَسٍ - بِشُعْلَةِ نَارٍ سَاطِعَةٍ مَقْبُوسَةٍ مِنْ أَصْلِها. تَصْطَلُونَ - تَسْتَدْفِئُونَ بِهَا.
الثعلبي
تفسير : {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لأَهْلِهِ} في مسيره من مدين إلى مصر وقد أصلد زنده {إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً} فامكثوا مكانكم {سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ} قرأ أهل الكوفة ويعقوب: بشهاب منوّن على البدل، غيرهم بالإضافة، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، ومعناه: سآتيكم بشعلة نار اقتبسها منها. {لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} تستدفئون { فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ}. قال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن: يعني قُدّس مَن في النار وهو الله سبحانه عنى به نفسه عزَّ وجل، وتأويل هذا القول أنّه كان فيها لا على معنى تمكُّن الأجسام لكن على معنى أنّه نادى موسى منها، وأسمعه كلامه من جهتها وأظهر له ربوبيته من ناحيتها، وهو كما روي أنّه مكتوب في التوراة: جاء الله عزّ وجلّ من سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من جبال فاران، فمجيئه عزَّ وجلّ من سيناء بعثته موسى منها، ومن ساعير بعثته المسيح بها، واستعلامه من جبال فاران بعثه المصطفى صلى الله عليه وسلم وفاران مكة، وقالوا: كانت النار نوره عزَّ وجلّ، وإنّما ذكره بلفظ النّار لأنّ موسى حسبه ناراً، والعرب تضع أحدهما موضع الآخر. وقال سعيد بن جبير: كانت النار بعينها وهي إحدى حجب الله سبحانه وتعالى، يدلّ عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا محمد بن إسحاق قال: حدّثنا هاشم القاسم بن القاسم قال: حدّثنا المسعودي عن عمرو بن مرّة عن أبي عبيدة، موسى عن الأشعري قال: قام بيننا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع فقال: "حديث : إنّ اللّه عزَّ وجل لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النار، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كلّ شيء أدركه بصره"تفسير : ، ثم قرأ أبو عبيدة {أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}. وقيل معناه: بورك مَن في النار سلطانه وقدرته وفيمن حولها. وقال آخرون: هذا التبريك عائد إلى موسى والملائكة،ومجاز الآية: بورك من في طلب النار وقصدها بالقرب منها، وهذا كما يقال: بلغ فلان البلد إذا قرب منه، وورد فلان الماء لا يريدون أنّه في وسطه، ويقال: أعطِ مَن في الدار، يريدون من هو فيها مقيم أو شريك وإن لم يكن في الوقت في الدار، ونحوها كثير. ومعنى الآية: بورك فيك يا موسى وفي الملائكة الذين حول النار، وهذا تحيّة من الله سبحانه لموسى وتكرمة له كما حيّا إبراهيم على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه فقالوا: {أية : رَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ}تفسير : [هود: 73]. وقال بعضهم: هذه البركة راجعة إلى النار نفسها. روى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس أنّه قال: معناه بوركت النار، ودليل هذا التأويل ما أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى قال: حدّثنا أحمد بن نجدة قال: حدّثنا الحمّاني قال: حدّثنا هشيم قال: أخبرنا سفيان بن حسين عن يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سمعت أُبيّاً يقرؤها: أن بوركت النار ومن حولها، وتقدير هذا التفسير أنَّ (من) تأتي في الكلام بمعنى (ما)، كقوله سبحانه {أية : وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ}تفسير : [الحجر: 20] وقوله {أية : فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ}تفسير : [النور: 45] الآية و(ما) قد تكون صلة في كثير من المواضع كقوله {أية : جُندٌ مَّا هُنَالِكَ}تفسير : [ص: 11] و{أية : عَمَّا قَلِيلٍ}تفسير : [المؤمنون: 40] فمعنى الآية بورك في النار وفيمن حولها وهم الملائكة وموسى (عليه السلام) ، فسمّى النار مباركة كما سمّى البقعة مباركة فقال في {أية : ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ}تفسير : [القصص: 30]. وأمّا وجه قوله {أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ} فإنّ العرب تقول: باركك الله، وبارك فيك، وبارك عليك وبارك لك، أربع لغات، قال الشاعر: شعر : فبوركت مولوداً وبوركت ناشياً وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب تفسير : فأما الكلام المسموع من الشجرة فاعلم أنّ مذهب أهل الحق أنّ الله سبحانه وتعالى مستغن عن الحدّ والمكان والجهة والزمان لأنَّ ذلك كلّه من أمارات الحدث، وهي خلقه وملكه وهو سبحانه أجلّ وأعظم من أن يوصف بالجهات، أو تحدّه الصفات، أو تصحبه الأوقات، أو تحويه الأماكن والأقطار. ولمّا كان كذلك استحال أن توصف صفات ذاته بأنّها متنقّلة من مكان أو حالّة في مكان، وإذا ثبت هذا لم يجز أن يوصف كلامه بأنّه يحلّ موضعاً أو ينزل مكاناً، كما لا يوصف بأنّه جوهر ولا عرض ولا حروف ولا صوت، بل هو صفة يوصف بها الباري عزّ وجل فينتفى عنه بها آفات الخرس والبكم وما لا يليق به. فأمّا الأفهام والأسماع فيجوز أن يكون في موضع دون موضع ومن مكان دون مكان ومن حيث لم تقع إحاطة واستغراق بالوقت على كنه صفاته، قال اللّه سبحانه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ}. {يٰمُوسَىٰ إِنَّهُ} الهاء عماد وليست بكناية {أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ * وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ} تتحرّك {كَأَنَّهَا جَآنٌّ} وهي الحيّة الخفيفة الصغيرة الجسم، وقال الكلبي: لا صغيرة ولا كبيرة. فإن قيل: كيف قال في موضع {كَأَنَّهَا جَآنٌّ} وفي موضع آخر {فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ} والموصوف واحد ؟ قلنا: فيه وجهان: أحدهما: أنّها في أوّل أمرها جانّ وفي آخر الأمر ثعبان، وذلك أنّها كانت تصير حية على قدر العصا ثم لا تزال تنتفخ وتربو حتى تصير كالثعبان العظيم. والآخر: أنّها في سرعة الجانّ وخفّته وفي صورة الثعبان وقوّته. فلمّا رآها موسى (عليه السلام) {وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ} ولم يرجع، قال قتادة: ولم يلتفت. فقال الله سبحانه {يٰمُوسَىٰ لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ * إِلاَّ مَن ظَلَمَ} فعمل بغير ما أمر {ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً} قراءة العامة بضم الحاء وجزم السين، وقرأ الأعمش بفتح الحاء والسين {بَعْدَ سُوۤءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. واختلف العلماء في حكم هذا الاستثناء ومعنى الآية، فقال الحسن وابن جريج: قال الله سبحانه (يا موسى إنّما أخفتك لقتلك). قال الحسن: وكانت الأنبياء تذنب فتعاقب، ثم تذنب والله فتعاقب. قال ابن جريج: فمعنى الآية: لا يخيف الله سبحانه الأنبياء بذنب يصيبه أحدهم، فإن أصابه أخافه حتى يتوب، فقوله {إِلاَّ} على هذا التأويل استثناء صحيح، وتناهى الخبر عن الرسل عند قوله {إِلاَّ مَن ظَلَمَ} ثم ابتدأ الخبر عن حال من ظلم من الرسل وغيرهم من الناس، وفي الآية استغنى عنه بدلالة الكلام عليه تقديرها (فمن ظلم ثمّ بدّل حسناً بعد سوء فإنّي غفور رحيم) وقال الفرّاء: يقول القائل: كيف صيّر خائفاً من ظلم ثم بدّل حُسناً بعد سوء وهو مغفور له؟ فأقول له: في الآية وجهان: أحدهما: أن تقول أنّ الرسل معصومة، مغفور لها، آمنة يوم القيامة، ومن خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً من سائر الناس فهو يخاف ويرجو، فهذا وجه. والآخر: أن يجعل الاستثناء من الذين تركوا في الكلمة لأنّ المعنى {لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ} إنما الخوف على غيرهم. ثمَّ استثنى فقال عزَّ من قائل: {إِلاَّ مَن ظَلَمَ} يقول: كان مشركاً فتاب من الشرك وعمل حسنةً مغفور له وليس بخائف. قال: وقد قال بعض النحوييّن: {إِلاَّ} ههنا بمعنى الواو يعني: ولا من ظلم منهم كقوله سبحانه (لئلاّ يكون للناس عليهم حجّة إلاّ الذين ظلموا منهم). وقال بعضهم: قوله {إِلاَّ} ليس باستثناء من المرسلين لأنّه لا يجوز عليهم الظلم وإنّما معنى الآية: لكن من ظلم فعليه الخوف فإذا تاب أزال الله سبحانه وتعالى عنه الخوف. {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} وإنّما أمره بإدخال يده في جيبه لأنّه كان عليه في ذلك الوقت مدرعة من صوف، ولم يكن لها كُمٌّ، قاله المفسّرون. {تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} برص وآفة {فِي تِسْعِ آيَاتٍ} يقول هذه آية مع تسع آيات أنت مُرسَل بهنَّ. {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ} فترك ذكر مرسل لدلالة الكلام عليه، كقول الشاعر: شعر : رأتني بحبليها فصدّت مخافةً وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق تفسير : أراد: راتني مقبلاً بحبليها، فترك ذكره لدلالة الكلام عليه. {وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً} مضيئة بيّنة يُبصر بها {قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ * وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ما زِلْنا قريبي عَهْد بذكر طرف من قصة موسى - عليه السلام - في سورة الشعراء، وهنا يعود السياق إليه مرة أخرى، لماذا؟ لأن دعوة موسى - عليه السلام - أخذت حيِّزاً كبيراً من القرآن الكريم، ذلك لأنهم أتعبوا أنبياءهم وعاندوهم حتى كَثُّر الكلام عنهم. وعجيب أنهم يفخرون بكثرة أنبيائهم، وهم لا يعلمون أنها تُحسب عليهم لا لهم، فالنبي لا يأتي إلا عند شِقْوة أصحابه، وبنوا إسرائيل كانوا من الضلال والعناد بحيث لاَ يكفيهم رسول واحد، بل يلزمهم (كونسلتو) من الأنبياء، فهم يعتبرونها مفخرة، وهي مَنْقصة ومذمّة. أما تكرار قصة بني إسرائيل وموسى - عليه السلام - كثيراً في القرآن، فلأن القرآن لا يروي (حدوتة) و، لا يذكر أحداثاً للتأريخ لها، إنما يأتي من القصة بما يناسب موطن العبرة والتثبيت لفؤاد رسول الله: {أية : وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ..}تفسير : [هود: 120]. لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرَّض في رحلة الدعوة لكثير من المصاعب والمشاقّ، ويحتاج لتسلية وتثبيت، فيأتي له ربُّه بلقطة معينة، ولكن لا يُورد القصة كاملة، وهذا ليس عَجْزاً - وحاشا لله - عن إيراد القصة كاملة مرة واحدة. وقد أورد سبحانه قصة يوسف - عليه السلام - كاملة من الألف إلى الياء في صورة قصة محبوكة على أتمِّ ما يكون الفن القصصي، ومع ذلك لم يأتِ لسيدنا يوسف عليه السلام ذِكْر - في غير هذه القصة - إلا في موضعين: أحدهما: في سورة الأنعام: {أية : وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ ..}تفسير : [الأنعام: 84]. والآخر في سورة غافر: {أية : وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً ..}تفسير : [غافر: 34]. إذن: ورود القصة في لقطات مختلفة متفرقة ليس عَجْزاً عن إيرادها مُسْتوفاة كاملة في سياق واحد، ولو فعل ذلك لكان التثبيت مرة واحدة. وهنا يقول الحق سبحانه: {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لأَهْلِهِ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً ..} [النمل: 7]، وفي موضع آخر يقول: {أية : قَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً ..}تفسير : [القصص: 29] وفي هذه الآية إضافة جديدة ليست في الأولى. أما قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً ..}تفسير : [القصص: 29] أي: آنس في ذاته، أمّا في الآيتين السابقتين فيخبر بأنه آنسَ ناراً، إذن: كل آية في موقف، وليس في الأمر تكرار، كما يتوهمّ البعض. فموسى - عليه السلام - يسير بأهله في هذا الطريق الوَعْر ويحلّ عليه الظلام، ولا يكاد يرى الطريق فيقول لزوجته: {إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً ..} [النمل: 7] يعني: سأذهب لأقتبسَ منها، ليهتدوا بها، أو ليستدفئوا بها. وطبيعي أنْ تعارضه زوجته: كيف تتركني في هذا المكان المُوحِش وحدي، فيقول لها {أية : ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً ..}تفسير : [القصص: 29] يعني: ابقىْ هنا مستريحة، وأنا الذي سأذهب، فلربما تعرَّضت لمخاطر فكُوني أنت بعيداً عنها، إذن: هي مواقف جديدة استدعاها الحال، ليست تكراراً. كذلك نجد اختلافاً طبيعياً في قوله: {أية : لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ ..}تفسير : [القصص: 29] وقوله {سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ ..} [النمل: 7]. فالأولى {أية : لَّعَلِّيۤ ..}تفسير : [القصص: 29] فيها رجاء؛ لأنه مُقبل على شيء يشكُّ فيه، وغير متأكد منه، وهو في هذه الحالة صادق مع خواطر نفسه أمام شيء غائب عنه، فلما تأكد قال {سَآتِيكُمْ ..} [النمل: 7] على وجه اليقين. وفي هذه المسألة قال مرة: {أية : لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ ..}تفسير : [القصص: 29] وهنا قال: {سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [النمل: 7]. ذلك لأنه لا يدري حينما يصل إلى النار، أيجدها مشتعلة لها لسان يقتبس منه شعلة، أم يجدها قد هدأتْ ولم يَبْقَ منها إلا جذوة، وهي القطعة المتوهجة مثل الفحم مثلاً، فكلُّ تكرار هنا له موضع، وله معنى، ويضيف شيئاً جديداً إلى سياق القصة، فهو تكامل في اللقطات تأتي متفرقة حَسْب المراد من العبرة والتثبيت. ومعنى {لأَهْلِهِ ..} [النمل: 7] قالوا: إنها تعني جماعة بدليل قوله لهم {أية : ٱمْكُثُوۤاْ ..}تفسير : [القصص: 29] فكانت زوجته، ومعه أيضاً بعض الرُّعْيان أو الخدم. والإنسان منا يحتاج لأشياء كثيرة تقتضي التعدّد: فهذا يطبخ الطعام، وهذا للنظافة، وهذا لِكَيِّ الملابس .. إلخ. لكن هناك شيء واحد لا يستطيع أحد أنْ يقضيَه لك إلا زوجتك، هي النسْل والمعاشرة الزوجية، كما يمكن للزوجة وحدها أن تقوم لك بكل هذه الأعمال، إذن: فهي تُغْني عن الأهل كلهم، ونستطيع أن نقول: إنه لم يكُنْ معه إلا زوجته. وهذه شائعة في لغتنا: يقول الرجل: الجماعة أو جماعتي أو أهلي ويقصد زوجته، وفي هذا تقدير من الزوج لمكانة زوجته. ومعنى {آنَسْتُ ..} [النمل: 7] آنس: يعني شعر وأحسَّ بشيء يُؤنسه ويُطمئنه، وضده التوجس: أي شعر وأحسَّ بشيء يخيفه، ومنه قوله تعالى في شأن موسى أيضاً: {أية : فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ * قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [طه: 67-68].
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً} معناه أبصَرْتُها. تفسير : وقوله تعالى: {بِشِهَابٍ قَبَسٍ} معناهُ بشُعلةٍ بقَبسٍ مِنهَا.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ أخذ سبحانه بتعداد أرباب الطبقات والكرامة حثاً لحبيبه صلى الله عليه وسلم بالتوجه نحوه والتحنن إليه، والمواظبة على شكر نعمه، فبدأ بموسى - صلوات الرحمن عليه وسلامه - فقال مخاطباً لحبيبه صلى الله عليه وسلم: اذكر يا أكمل الرسل وقت {إِذْ قَالَ} أخوك {مُوسَىٰ} الكليم - صلوات الرحمن عليه - {لأَهْلِهِ} وزوجته ابنة شعيب عليه السلام حين سار معها من مدين إلى مصر، وهي حاملة، والليلة شاتية مظلمة، وهم ضالون عن الطريق فجاءها الطلق، واضطر موسى في أمرها، فرأى شعلة نار من بعيد، فقال لأهله: اثبتوا مكانكم. {إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ} ذا الساعة {مِّنْهَا بِخَبَرٍ} من الطريق، يخبر به من عندها؛ إذ النار قلما تخلو عن موقدين لها {أَوْ آتِيكُمْ} إن لم أجد عندها أحداً {بِشِهَابٍ} أي: جمر ذي {قَبَسٍ} أي: مقبوسة مشتعلة منها {لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [النمل: 7] وتستدفئون من البرد، وتستضيئون منها للطريق. فاستقروا في مكانهم، فذهب موسى {فَلَمَّا جَآءَهَا} أي: النار، ووصل عندها {نُودِيَ} من وراء سرادقات العز والجلال تكريماً لموسى، وتعظيماً له، وتنبيهاً عليه من أن مرجع جميع مقاصدك وحوائجك هو الحق، فاطلبه حتى تجد عنده جميع مقاصدك {أَن بُورِكَ} أي: الشأن، إنه أكثر عليك خيرك وبركاتك يا موسى {مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ} ظهر {حَوْلَهَا} إذ هو محيط بجميع الأماكن، ظاهر منها، غير متمكن فيها؛ أي: من ظهر فيها ولاح عليها. {وَ} بعدما تحققت بشهود الحق مع جميع الأماكن والأشياء، نزهه عن الحلول فيها والإتحاد بها، فقل: {سُبْحَانَ ٱللَّهِ} المنزه عن الأماكن كلها، المتجلي في جميعها؛ لكونه {رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [النمل: 8] يربيها بدوام التجلي، وامتداد الأظلال والعكوس الفائضة منه سبحانه عليها. ثمَّ لمَّا قلق موسى واستوحش عن هذا النداء، وقرب إلى أن صار مغشياً عليه من شدة هوله ودهشته، وكمال ولهه وحيرته، نودي ثانياً باسمه استئناساً له، وإزالةً لاستيحاشه: {يٰمُوسَىٰ إِنَّهُ} أي: إن من ناداك في النار، وظهر على صورتها {أَنَا ٱللَّهُ} المحيط بجميع المظاهر والأكوان إحاطةَ البحر للأمواج والأزباد، والشمس للأضواء والأظلال {ٱلْعَزِيزُ} الغاللب القادر، المقتدر لقهر السّوى والأغيار {ٱلْحَكِيمُ} [النمل: 9] المتقن في الأفعال والآثار الصادرة الظاهرة مني على أبدع ارتباط وأبلغ انتظام. {وَ} بعدما أزال وحشته، وأذهب ولهه ودهشته بالمؤانسة والمواساة، قال له آمراً: {أَلْقِ عَصَاكَ} التي أخذتها بيدك على الأرض؛ لترى من عجائب صنعتنا وغرائب حكمتنا ما ترى؛ حتى تتنبه من تبدل صورتها وسيرتها إلى سر سريان وحدتنا الذاتية في المظاهر كلها، فألقاها على الفور فإذا هي حي تسعى {فَلَمَّا رَآهَا} موسى؛ أي: العصا {تَهْتَزُّ} وتتحرك {كَأَنَّهَا جَآنٌّ} أي: حية صغيرة سريعة السير {وَلَّىٰ} وانصرف منها موسى {مُدْبِراً} خائفاً هائباً، قلقاً حائراً من أمرها. {وَلَمْ يُعَقِّبْ} أي: لم يرجع إليها ليأخذها؛ هيبةً وخوفاً قلنا منادين؛ ليقبل: {يٰمُوسَىٰ لاَ تَخَفْ} من عصاك، وستعود إلى سيرتها الأصلية {إِنِّي} من كمال مرحتمي وإشفاقي على خلَّ عبادي {لاَ يَخَافُ لَدَيَّ} أحد من أوليائي سيما {ٱلْمُرْسَلُونَ} [النمل: 10] منهم، المختارون للرسالة والتشريع العام. {إِلاَّ مَن ظَلَمَ} من المرسلين بارتكاب ذنب صدر منه، لا عن عمد {ثُمَّ بَدَّلَ} وتدارك ذنبه {حُسْناً} بالتوبة والندامة {بَعْدَ سُوۤءٍ} صدر منه {فَإِنِّي غَفُورٌ} لهم أغفر لهم، وأعفو عن زلتهم {رَّحِيمٌ} [النمل: 11] أرحمهم وأقبل توبتهم بعدما صدرت عن خلوص طويتهم. {وَ} بعدما رأى موسى من عجائب العصا ما رأى قال له سبحانه ثانياً آمراً: {أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} يا موسى {تَخْرُجْ} في الفور منه، فأدخلها فيه فأخرجها، ترها {بَيْضَآءَ} محيرة للعقول والأبصار، مع أن بياضها {مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} مرض عرض لها من برص وغيرها، ثمَّ قيل له من قِبَل الحق: هي؛ أي: اليد البيضاء آية ومعجزة جديدة دالة نبوتك ورسالتك، موهوبة لك من عندنا، معدودة {فِي تِسْعِ آيَاتٍ} عظام لك، وهي: العصا واليد البيضاء والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمسة والجذب. ثمَّ بعدما شهدت من يدك وعصاك ما شهدت يكفيك شهادتهما على صدقك في دعواك الرسالة، مع أن لك معجزات كثيرة سواهما، اذهب مرسلاً من عندي {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ} وبلغهم إنذاري وتخويفي، ونزول عذابي عليهم؛ من سوء صنيعهم {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ} [النمل: 12] خارجين عن مقتضى الحدود الموضوعة فيهم من عندنا وبوضعنا. فذهب موسى بإذن الله ووحيه إلى فرعون وأظهر الدعوة عنده، وأقام البينة عليها {فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ} أي: ظهرت على فرعون وقومه {آيَاتُنَا} الدالة على كمال قدرتنا وحكمتنا، وصدق من أرسلنا إليهم؛ لإرشادهم وتكميلهم، مع كونها {مُبْصِرَةً} موضحة، مبيِّنة لهم صِدْق موسى في دعوى الرسالة، ظاهرة لائحة في نفسها أنها معجزة، ما هي من جنس السحر والشعبذة {قَالُواْ} من فرط عتوهم وعنادهم: {هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} [النمل: 13] ظاهر، إنه مجعول بمكر وحيل. {وَ} من كمال استنكافهم واستكبارهم {جَحَدُواْ بِهَا} وأنكروا لها، ولم يلتفتوا إليها ظاهراً {وَ} الحال أنها قد {ٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ} إنها معجزة خارقة للعادة صدرت عن أمر إلهي، لا عن مكر وخديعة فظلموا أنفسهم بتكذيب ما تستقر في أنفسهم صدقاً وكونه معجزة {ظُلْماً} صريحاً، وعداواناً عن الحق، وميلاً إلى الباطل حسداً وعناداً. {وَ} استكبروا على موسى، وأنكروا جميع ما جاء به من عند ربه {عُلُوّاً} وعتواً {فَٱنْظُرْ} أيها المعتبر الناظر {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} [النمل: 14] المستكبرين الذين يكذبون ما يعلمون يقيناً حقيته في نفوسهم، وينسبونه بأفواههم إلى السحر والشعبذة عناداً ومكابرةً، انظر عاقبتهم، كيف غرقوا واستؤصلوا إلى حيث لم يبقَ منهم أحد يخلفهم ويحيي اسمهم؟!.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن هدى موسى عليه السلام بقوله تعالى: {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لأَهْلِهِ} [النمل: 7] والإشارة في تحقيق الآيات بقوله: {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لأَهْلِهِ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً} [النمل: 7] يشير إلى موسى القلب أنه لما كوشف بأنوار شواهد الحق في ليلة الهوى وظلمة الطبيعة، قال لأهله أي: النفس وصفاتها {إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً} بوادي أيمن السر، كما قال بعضهم: يبدو لي من الصغار برق يخبرني بها قرب المزار {سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ} عن كيفية الطريق {أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ} من نار الإلهية {لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [النمل: 7] بتلك النار فتخلصون من جمود الطبيعة وظلمة الهوى. {فَلَمَّا جَآءَهَا} [النمل: 8] على قدمي الشوق وصدق الطلب {نُودِيَ} من الشجرة الروحانية {أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ} نار المحبة أو في طلب نار الموقدة التي تطلع على الأفئدة {وَمَنْ حَوْلَهَا} أي: ومن يدور حول هذه النار كالفراش فإنه يقع فيها {وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}. {يٰمُوسَىٰ إِنَّهُ} [النمل: 9] أي: المنادي {أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [النمل: 9] الذي السبيل إليه سدوا لطلب ود الحكيم الذي بالحكمة الأزلية يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب. وبقوله: {وَأَلْقِ عَصَاكَ} [النمل: 10] يشير إلى أن من سمع نداء الحق وشاهد أنوار جماله يلقى من يد همته كل ما كان متوكأ له غير الله فلا يتوكأ إلا على فضل الله وكرمه {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ} [النمل: 10] يشير إلى أنه لما ألقى متوكأه وكوشف بمعناه رآه جاناً وثعباناً ليعلم أن كل متوكل غير الله في الصورة ثعبان له في المعنى فلما عاينه {وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ} [النمل: 10] ولم يرجع إليه بعد عرفانه أي: ففروا إلى الله فرار خائف من الاسترجاع فيقول الله: {يٰمُوسَىٰ لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ} [النمل: 10] يعني: من فر إلى الله عماه سواه يؤمنه الله مما سواه ويقول له لا تخف فإنك لدي ولا يخاف من القلوب المنورة الملهمة المرسلة إليها الهدايا والتحف من ألطافي {إِلاَّ مَن ظَلَمَ} [النمل: 11] نفسه بالرجوع إلى غيري {ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوۤءٍ} [النمل: 11] بأن يفر إلي بعد سوء رجوعه إلى غيري {فَإِنِّي غَفُورٌ} [النمل: 11] غفر ذنب رجوعه {رَّحِيمٌ} [النمل: 11] إذا فر أتى أجله ولا إرادة. {وَأَدْخِلْ يَدَكَ} [النمل: 12] أي: يد همتك {فِي جَيْبِكَ} [النمل: 12] حيث قناعتك {تَخْرُجْ بَيْضَآءَ} [النمل: 12] نقية من لوث الدارين {مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} [النمل: 12] يصيبك من قناعتك وخلو يدك عما سوى الحق {فِي تِسْعِ آيَاتٍ} [النمل: 12] من أسباب هلاك {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ} النفس {وَقَوْمِهِ} أي صفاتها {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ} [النمل: 12] خارجين عن ربقة العبودية والانقياد. {فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً} من الواردات والشواهد واللوامع والطوالع {قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} [النمل: 13] فلم يؤمنوا {وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ} [النمل: 14] بتلك الشواهد أنها حق، ولكن النفس وصفاتها المتمردة من خاصية طبعها يجحد بها {ظُلْماً وَعُلُوّاً} إباءً واستكباراً شيطانياً جبلت النفوس عليها {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} الذين أفسدوا استعداد الإنسانية لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة الذي خلق في أحسن تقويم، فكان عاقبتهم أنهم نزلوا منازل الحيوانات من الأنعام والسباع وقرنوا مع الشيطان في الدرك الأسفل من النار.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):