Verse. 3167 (AR)

٢٧ - ٱلنَّمْل

27 - An-Naml (AR)

فَلَمَّا جَاۗءَہَا نُوْدِيَ اَنْۢ بُوْرِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَہَا۝۰ۭ وَسُبْحٰنَ اللہِ رَبِّ الْعٰلَمِيْنَ۝۸
Falamma jaaha noodiya an boorika man fee alnnari waman hawlaha wasubhana Allahi rabbi alAAalameena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلما جاءها نودي أن» أي بأن «بورك» أي بارك الله «من في النار» أي موسى «ومن حولها» أي الملائكة، أو العكس وبارك يتعدى بنفسه وبالحرف ويقدر بعد في مكان «وسبحان الله رب العالمين» من جملة ما نودي ومعناه تنزيه الله من السوء.

8

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِىَ أَن } أي بأن {بُورِكَ } أي بارك الله {مَن فِى ٱلنَّارِ } أي موسى {وَمَنْ حَوْلَهَا } أي الملائكة،أو العكس. وبارك يتعدى بنفسه وبالحرف ويقدّر بعد (في) (مكان) {وَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ } من جملة ما نودي ومعناه تنزيه الله من السوء.

ابن عبد السلام

تفسير : {جَآءَهَا} جاء النور الذي ظنه ناراً وقف قريباً منها فوجدها تخرج من شجرة خضراء شديدة الخضرة يقال لها العليق، لا تزداد النار إلا تضرماً ولا تزاد الشجرة إلا خضرة وحسناً {بُورِكَ} قُدِس "ع"، أو تبارك، أو البركة في النار. {النَّارِ} نار فيها نور، أو نور لا نار فيه عند الجمهور {مَن فِى النَّارِ} مَنْ: صلة تقديره بوركت النار، أو بورك النور الذي في النار، أو بورك الله الذي في النور أو الملائكة، أو الشجرة لأن النار اشتعلت فيها وهي خضراء لا تحترق. {وَمَنْ حَوْلَهَا} الملائكة، أو موسى عليه الصلاة والسلام. {وَسُبْحَانَ اللَّهِ} من كلام الله تعالى لموسى، أو قاله موسى لما سمع الكلام وفزع استعانة بالله تعالى وتنزيهاً له، وسمع موسى كلام الله تعالى من السماء عند الشجرة وحكى النقاش أن الله تعالى خلق في الشجرة كلاماً حتى خرج منه فسمعه موسى عليه الصلاة والسلام ولا خبر فيما ذكره من ذلك. قال وهب لم يمس موسى عليه الصلاة والسلام امرأة بعد ما كلمه ربه.

النسفي

تفسير : {فَلَمَّا جَاءهَا } أي النار التي أبصرها {نُودِىَ } موسى {أَن بُورِكَ } مخففة من الثقيلة وتقديره ونودي بأنه بورك والضمير ضمير الشأن، وجاز ذلك من غير عوض وإن منعه الزمخشري لأن قوله {بورك} دعاء والدعاء يخالف غيره في أحكام كثيرة، أو مفسرة لأن في النداء معنى القول أي قيل له بورك أي قدس أو جعل فيه البركة والخير {مَن فِى ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا } أي بورك من في مكان النار وهم الملائكة ومن حول مكانها أي موسى لحدوث أمر ديني فيها وهو تكليم الله موسى واستنباؤه له وإظهار المعجزات عليه {وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } هو من جملة ما نودي فقد نزه ذاته عما لا يليق به من التشبيه وغيره. {يٰمُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } الضمير في {إنه} للشأن والشأن أنا الله مبتدأ وخبره و{العزيز الحكيم} صفتان للخبر، أو يرجع إلى ما دل عليه ما قبله أي إن مكلمك أنا والله بيان لأنا و{العزيز الحكيم} صفتان للمبين، وهو تمهيد لما أراد أن يظهر على يده من المعجزات.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ‏{‏فلما جاءها نودي أن بورك من في النار‏}‏ يعني تبارك وتعالى نفسه، كان نور رب العالمين في الشجرة ‏ {‏ومن حولها‏} ‏ يعني الملائكة‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير وابن مردويه عنه عن ابن عباس ‏ {‏نودي أن بورك من في النار ومن حولها‏}‏ يقول‏:‏ بوركت بالنار ناداه الله وهو في النور‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ كانت تلك النار نوراً ‏{‏أن بورك من في النار ومن‏} ‏حول النار‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس ‏ {‏أن بورك من في النار‏} ‏ قال‏:‏ بوركت النار‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال‏:‏ في مصحف أبي بن كعب ‏{‏بوركت النار ومن حولها‏} أما النار فيزعمون أنها نور رب العالمين ‏{‏ومن حولها‏}‏ الملائكة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أنه كان يقرأ ‏ {‏أن بوركت النار‏} ‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب في الآية قال‏:‏ النار‏:‏ نور الرحمن ‏ {‏ومن حولها‏} موسى والملائكة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏ {‏بورك‏} ‏ قال‏:‏ قدس‏.‏ وأخرج عبد بن حميد ومسلم وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق أبي عبيدة عن أبي موسى الأشعري قال‏:‏ قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ‏"حديث : ‏إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه‏.‏ يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل‏.‏ حجابه النور لو رفع الحجاب لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره‏"‏تفسير : ثم قرأ أبو عبيدة ‏ {‏أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين‏}‏ ‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا} [الآية: 8]. قال ابن عطاء: أصابتك بركة النار بموارد الأنوار عليك ومخاطبة الحق إياك فإنك آنست فى الظاهر نارًا فآنست بها وكان فى الحقيقة أنوارٌ فأزال عنك أنسك بها، وخصك بالأنس بمنورها، وكلمك، وثبتك عند الكلام، وخصصت بها من بين جميع الرسل.

القشيري

تفسير : أي بورِكَ مَنْ هو في طلب النار ومَنْ هو حول النار. ومعنى بورِكَ لَحِقَتْه البركةُ أو أصابته البَرَكةُ... والبركةُ الزيادةُ والنَّماءُ في الخير. والدعاء مِنَ القديم - سبحانه - بهذا يكون تحقيقاً له وتيسيراً به.

اسماعيل حقي

تفسير : {فلما جاءها} [بس آن هنكام كه آمد موسى نزديك آن آتش نورانى ديد بى احراق ازدرختى بسزد كويند آتشى بود محرق جون سائر آتشها] وكانت الشجرة سمرة {نودى} جاء النداء وهو الكلام المسموع من جانب الطور. قال فى عرائس البيان كان موسى عليه السلام فى بداية حاله فى مقام العشق والمحبة وكان اكثر احوال مكاشفته فى مقام الالتباس فلما كان بدو كشفه جعل تعالى الشجرة والنار مرآة فعلية فتجلى بجلاله وجماله من ذاته لموسى واوقعه فى رسوم الانسانية حتى لايفزع ويدنو من النار والشجرة ثم ناداه فيها بعد ان كاشف له مشاهدة جلاله ولولا ذلك لفنى موسى فى اول سطوات عظمته وعزته {ان} مفسرة لما فى النداء من معنى القول اى {بورك} او بان بورك على انها مصدرية حذف منها الجار جريا على القاعدة المستمرة وبورك مجهول بارك وهو خبر لادعاء اى جعل مباركا وهو مافيه الخير والبركة والقائم مقام الفاعل قوله {من فى النار} اى من فى مكان النار وهو البقعة المباركة المذكورة فى قوله تعالى {أية : نودى من شاطىء الوادى الايمن فى البقعة المباركة}تفسير : {ومن حولها} اى ومن حولها مكانها والظاهر ان المبارك فيه عام فى كل من فى تلك البقعة وحواليها من ارض الشام الموسومة بالبركات لكونها مبعث لانبياء وكفاتهم احياء وامواتا وخصوصا تلك البقعة التى كلم الله فيها موسى وفى ابتداء خطاب الله موسى بذلك عند مجيئه بشارة بانه قد قضى له امر عظيم دينى تنتشر بركاته فى اقطار الارض المقدسة وهو تكليمه تعالى اياه واستنباؤه له واظهار المعجزات على يده وكل موضع يظهر فيه مشاهدة الحق ومكالمته يكون ذا بركة ألا ترى الى قوله القائل شعر : اذا نزلت سلمى بواد فماؤه زلال وسلسال وجثجاثه ورد تفسير : ولم يزل يخضر مواطىء اقدام رجال الله فى الصحارى والجبال من بركات حالاتهم مع الله الملك المتعال. ثم ان بعض المفسرين حمل بورك على التحية كما قال الكاشفى [بركت داده باد] وبعضهم حمل من فى النار على الملائكة وذلك ان النور الذى بان قد بارك فيه وفى الملائكمة الذين كانوا فى ذلك النور. وقال بعض العارفين ان الله اراد بمن فى النار ذاته المقدسة وهو الذى افاض بركة مشاهدته على موسى وله تعالى ان يتجلى بوصف النار والنور والشجرة والطور وغيرها مما يليق بحال العاشق مع تنزه ذاته وصفاته عن الجهة فى الحقيقة وفى الحديث "حديث : ان الله يرى هيئة ذاته كيف يشاء"تفسير : {وسبحان الله رب العالمين} من تمام مانودى به لئلايتوهم من سماع كلامه تشبيها وللتعجيب من عظمة ذلك الامر: وبالفارسية [باكست خداى تعالى برورد كار عالميان زتشبيه آورده اندكه جون موسى اين نداشنيد كفت ندا كننده كيست بازندا آمدكه]

اطفيش

تفسير : {فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ} ان مفسرة لأن في النداء معنى القول دون حروفه أو مصدرية خفيفة أو مخففة فيقدر الجار أي بأن بورك واذا جعلت مخففة فإن جعل بورك على طريقة الدعاء فلا إشكال وان جعل اخبارا فذلك مما لم يفصل فيه بين ان المخففة وما بعدها على القلة ويقدر مضافا أي في مكان النار وهو البقعة الواسعة المذكورة في قوله {أية : نودي من شاطىء الوادي } تفسير : الخ وبارك يتعدى بنفسه تارة وبأحرف اخرى ومن حولها أي حول مكانها من سائر الوادي وأرض الشام فانها مقر الأنبياء أحياءا وأمواتا ولا سيما تلك البقعة التي كلم الله موسى فيها وقيل المراد موسى والملائكة الحاضرون وهو قول الحسن وابن عباس وقيل المراد بمن في النار الله وبورك قدس عن الحلول والجهات وسائر النقص وصدّر الخطاب بذلك بشارة انه قد قضى له أمر عظيم تنتشر بركته في أقطار الشام وفي مصحف أبي (أَن بُورِكَت النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا) وعنه أن تباركت الأرض ومن حولها الضمير في حولها عائد إلى الشجرة. {وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ} هذا من جملة ما نودي موسى له ومعناه تنزيه الله عن الحلول في الأماكن وعن الجهات وعن اللسان والجوارح ونحو ذلك من صفات الخلق دفعا لما يتوهم من سماع الكلام وفيه تعجب من عظمة ذلك الأمر أو ذلك من كلام موسى تعجبا مما دعاه من عظمة الله سبحانه.

اطفيش

تفسير : {فلمَّا جاءَهَا} أى النار لا الشجرة إذ لم يجر لها ذكر، وذلك مجاراة على ظنه أن ما رأى نار فلا يقال: إن الله يعلم انها ليست ناراً فكيف يقول: فلما جاء النار {نودِىَ} أى موسى من جانب الطُّور {أن بُوركَ} أن مخففة، واسمها ضمير الشأن، لأنها قد تكون بلا فصل بقد، ولا بالسين، ولا سوف، ولا حرف النفى، والباء مقدرة أى نودى بانه بورك، والكلام إخبار بالبركة، لا دعاء بها لا تفسيرية، وإلا بقى بلا منادى من أجله، وأيضاً النداء غير البركة، ويجوز ان تكون إن هى المصدرية الداخلة على الماضى، كقوله تعالى: "أية : أنْ كان ذا مال"تفسير : [القلم: 14] بل هذا أولى وان جعلنا بورك دعاء من ملك أو صورة دعاء، فلا إشكال فى جعلها مخففة لعدم اشتراط الفصل إلا ما لم أزل ألهج به من عدم جواز دخول حرف المصدر على الطلب، لأنه لا خارج له يعبر عنه بالمصدر. {مَنْ} نائب الفاعل {فى النار ومَنْ حَولها} أى من فى مكان النار، ومن حول مكانها، وهم الأنبياء الموتى المقبورون، والمراد أرض الشام، وهى محلهم، ومكان النار نفس الموضع الذى فيه، فحذف المضافان، ويدل لما ذكر قراءة أبى: تباركت الأرض ومن حولها، وقد قال الله عز وجل: "أية : نودى من شاطىء الوادى الأيمن فى البقعة المباركة"تفسير : [القصص: 30] وتلك الأرض الشام كلها، وهى مبعث الأنبياء، وقبورهم، وتكليم موسى، وقيل مَنْ فى النار موسى، ومن حولها الملائكة الحاضرون، وقيل: من فى النار الملائكة بالتسبيح والتهليل، ومن حولها موسى إذ هو حادث عليها، وقيل: من فى النار الله سبحانه، ومن حولها موسى والملائكة. ومعنى كون الله عز وجل فى النار أنه الخالق لها فى ذلك المحل، المالك، ومعنى كونه بورك، أنه نزه عن الحلول وصفات الخلق، وذلك أنه نادى موسى وأسمعه من جهتها، وفى التوراة: جاء الله من سيناء، وأشرف من ساعين، واستعلى من جبال فاران. ومعنى مجيئه من سيناء مجىء موسى منه، وإشرافه من ساعين مجىء عيسى، واستعلاءه من جبال فاران مجىء محمد عليه وعليهما السلام، وفاران مكة، او المراد بورك موسى والملائكة ببركة النار، وقد قيل: إنها نور حسبها موسى ناراً، أو الظرفية مجازية فتفنى عن تقدير المضافين بالقرب التام. {وسبحان الله} سبح الله تسبيحاً {ربِّ العالمين * يا موسى} أى نزه الله يا موسى عن صفات الخلق من الحلول فى مكان وزمان، والتشخص، والنطق، والخرس، والجوارح، حذره عن التشبيه حين سمع كلامه، فانه كلام خلقه الله فى الشجرة، او فى الهواء، أو فى جسم موسى، أو تكلم به ملك عنه تعالى، وليس ذلك خبراً من الله، بل أمر ولا حاجة الى جعله تعجباً على تقدير القول، أى وقال سبحان الله، نعم يجوز ان تكون تعجيباً وهو صادق بتفسيرى، ولا ينافيه فإن أره بالتنزيه تعجيب، نعم يجوز أن يكون ذلك من كلام موسى، اى سبحت الله تسبيحاً، وإذا علقنا يا موسى بما قبله كانت الفاصلة الحكيم، وإن علقناه بما بعده، كانت الفاصلة العالمين. {إنَّه أنا اللهُ العَزيزُ الحكيمُ} القادر على الأمور العظام لكمال عزة، كالعصا واليد البيضاء الممهد لذكرهما بعد، كما ترى الحكيم فى أفعاله وأقواله، والهاء للشأن، ويجوز عند بعض عودها الى المكلم المنادى بكسر اللام والدال، وهو الله، فيكون أنا خبر، أو ذلك يؤخذ من المقام، كما أخذ معنى الهاء فى يرضه من لفظ تشكروا، لا مراعاة للفاعل المحذوف عند البناء للمفعول، مع أنه قدير أعنى ومن مراعاته قوله تعالى: "أية : يسبح له فيها بالغدوّ والأصال رجال"تفسير : [النور: 36] فى قراءة البناء للمفعول، أى يسبح له رجال، والآيات تشير لموسى، والمانع يريد تحقيق المقام والجرى على الأصل.

الالوسي

تفسير : {فَلَمَّا جَاءهَا } أي النار التي قال فيها {أية : إِنّى ءانَسْتُ نَاراً } تفسير : [النمل: 7] وقيل: الضمير للشجرة وهو كما ترى، وما ظنه داعياً ليس بداع لما أشرنا إليه {نُودِىَ } أي موسى عليه السلام من جانب الطور {أَن بُورِكَ } معناه أي بورك على أن (أن) مفسرة لما في النداء من معنى القول دون حروفه. وجوز أن تكون (أن) المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، ومنعه بعضهم لعدم الفصل بينها وبين الفعل بقد أو السين أو سوف أو حرف النفي وهو مما لا بد منه إذا كانت مخففة لما في «الحجة» لأبـي علي الفارسي أنها لما كانت لا يليها إلا الأسماء استقبحوا أن يليها الفعل من غير فاصل. وأجيب بأن ما ذكر ليس على إطلاقه. فقد صرحوا بعدم اشتراط الفصل في مواضع، منها ما يكون الفعل فيه دعاء فلعل من جوز كونها المخففة هٰهنا جعل {بُورِكَ } دعاء على أنه يجوز أن يدعي أن الفصل بإحدى المذكورات في غير ما استثنى أغلبـي لقوله:شعر : علموا أن يؤملون فجادوا قبل أن يسألوا بأعظم سؤل تفسير : وجوز أن تكون المصدرية الناصبة للأفعال و {بُورِكَ } حينئذٍ إما خبر أو إنشاء للدعاء. وادعى الرضي أن (بورك) إذا جعل دعاء فإن مفسرة لا غير لأن المخففة لا يقع بعدها فعل إنشائي إجماعاً وكذا المصدرية وهو مخالف لما ذكره النحاة، ودعوى الإجماع ليست بصحيحة، والقول بأنه يفوت معنى الطلب بعد التأويل بالمصدر قد تقدم ما فيه، وفي «الكشف» يمنع عن جعلها مصدرية عدم سداد المعنى لأن {بُورِكَ } إذ ذاك ليس يصلح بشارة وقد قالوا: إن تصدير الخطاب بذلك بشارة لموسى عليه السلام بأنه قد قضي له أمر عظيم تنتشر منه في أرض الشأم كلها البركة وهذا بخلاف ما إذا كان {بُورِكَ } تفسيراً للشأن اهـ وفيه نظر، وعلى الوجهين الكلام على حذف حرف الجر أي نودي بأن الخ، والجار والمجرور متعلق بما عنده وليس نائب الفاعل بل نائب الفاعل ضمير موسى عليه السلام، وقيل: هو نائب الفاعل ولا ضمير. وقال بعضهم في الوجه الأول أيضاً إن الضمير القائم مقام الفاعل ليس لموسى عليه السلام بل هو لمصدر الفعل أي نودي هو أي النداء، وفسر النداء بما بعده، والأظهر في الضمير رجوعه لموسى وفي (أن) أنها مفسرة وفي {بُورِكَ } أنه خبر وهو من البركة وقد تقدم معناها، وقيل: هنا المعنى قدس وطهر وزيد خيراً. {مَن فِى ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا } ذهب جماعة إلى أن في الكلام مضافاً مقدراً في موضعين أي من في مكان النار ومن حول مكانها قالوا: ومكانها البقعة التي حصلت فيها وهي البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى: {أية : نُودِىَ مِن شَاطِىء ٱلْوَادِ ٱلأَيْمَنِ فِى ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ }تفسير : [القصص: 30] وتدل على ذلك قراءة أبـي {تباركت الأرض ومن حولها} واستظهر عموم (من) لكل من في ذلك الوادي وحواليه من أرض الشام الموسومة بالبركات لكونها مبعث الأنبياء عليهم السلام وكفاتهم أحياءاً وأمواتاً ولا سيما تلك البقعة التي كلم الله تعالى موسى عليه السلام فيها. وقيل: (من في النار) موسى عليه السلام (ومن حولها) الملائكة الحاضرون عليهم السلام، وأيد بقراءة أبـي فيما نقل أبو عمرو الداني وابن عباس ومجاهد وعكرمة (ومن حولها من الملائكة) وهي عند كثير تفسير لا قراءة لمخالفتها سواد المصحف المجمع عليه، وقيل: الأول الملائكة والثاني موسى عليهم السلام، واستغنى بعضهم عن تقدير المضاف بجعل الظرفية مجازاً عن القرب التام، وذهب إلى القول الثاني في المراد / بالموصولين، وأياً ما كان فالمراد بذلك بشارة موسى عليه السلام. والمراد بقوله تعالى على ما قيل: {وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تعجيب له عليه السلام من ذلك وإيذان بأن ذلك مريده ومكونه رب العالمين تنبيهاً على أن الكائن من جلائل الأمور وعظائم الشؤون، ومن أحكام تربيته تعالى للعالمين أو خبر له عليه السلام بتنزيهه سبحانه لئلا يتوهم من سماع كلامه تعالى التشبيه بما للبشر أو طلب منه عليه السلام لذلك. وجوز أن يكون تعجيباً صادراً منه عليه السلام بتقدير القول أي وقال سبحان الله الخ، وقال السدي: هو من كلام موسى عليه السلام قاله لما سمع النداء من الشجرة تنزيهاً لله تعالى عن سمات المحدثين، وكأنه على تقدير القول أيضاً، وجعل المقدر عطفاً على {نُودِىَ }. وقال ابن شجرة: هو من كلام الله تعالى ومعناه وبورك من سبح الله تعالى رب العالمين، وهذا بعيد من دلالة اللفظ جداً، وقيل: هو خطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم، مراد به التنزيه وجعل معترضاً بين ما تقدم وقوله تعالى: {يٰمُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ...}.

ابن عاشور

تفسير : أُنث ضمير {جاءها} جرياً على ما تقدم من تسمية النور ناراً بحسب ما لاح لموسى. وتقدم ذكر هذه القصة في سورة طه، فبنا أن نتعرض هنا لما انفردت به هذه الآيات من المفردات والتراكيب، فقوله: {أن بورك من في النار ومن حولها} هو بعض ما اقتضاه قوله في طه (12): {أية : فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طُوى}تفسير : لأن معنى بورك قُدّس وزُكِّيَ. وفعل (بارك) يستعمل متعدياً، يقال: باركك الله، أي جعل لك بركة وتقدم بيان معنى البركة في قوله تعالى: {أية : للَّذِي بِبَكَّة مباركاً} تفسير : في آل عمران (96)، وقوله {أية : وبركاتٍ عليك وعلى أمم ممّن معك} تفسير : في سورة هود (48). و(أن) تفسيرية لفعل {نُودِيَ} لأن فيه معنى القول دون حروفه، أي نودي بهذا الكلام. و{مَن في النار} مراد به موسى فإنه لما حل في موضع النور صار محيطاً به فتلك الإحاطة تشبه إحاطة الظرف بالمظروف، فعبر عنه بــــ{مَن في النار} وهو نفسه. والعدول عن ذِكره بضمير الخِطاب كما هو مقتضى الظاهر، أو باسمه العلم إن أريد العدول عن مقتضى الظاهر، لأن في معنى صلة الموصول إيناساً له وتلطفاً حديث : كقول النبي صلى الله عليه وسلم لعليّ «قُم أبَا تراب» تفسير : وكثيرٌ التلطف بذكر بعض ما التبس به المتلطَّف به من أحواله. وهذا الكلام خبر هو بشارة لموسى عليه السلام ببركة النبوءة. ومَن حَوْل النار: هو جبريل الذي أرسل إليه بما نودي به والملائكة الذين وكل إليهم إنارة المكان وتقديسُه إن كان النداء بغير واسطة جبريل بل كان من لدن الله تعالى. فهذا التبريك تبريك ذوات لا تبريك مكان بدليل ذكر {مَن} الموصولة في الموضعين، وهو تبريك الاصطفاء الإلهي بالكرامة. وقيل إن قوله {أن بورك من في النار} إنشاء تحية من الله تعالى إلى موسى عليه السلام كما كانت تحية الملائكة لإبراهيم {أية : رحمتُ الله وبركاته عليكم أهل البيت}تفسير : [هود: 73] أي أهل هذا البيت الذي نحن فيه. و{سبحان الله رب العالمين} عطف على ما نودي به موسى على صريح معناه إخباراً بتنزيه الله تعالى عما لا يليق بإلهيته من أحوال المحدثات ليعلم موسى أمرين: أحدهما أن النداء وحي من الله تعالى، والثاني أن الله منزه عما عسى أن يخطر بالبال أن جلالته في ذلك المكان. ويجوز أن يكون {سبحان الله} مستعملاً للتعجيب من ذلك المشهد وأنه أمر عظيم من أمر الله تعالى وعنايته يقتضي تذكُّر تنزيهه وتقديسه. وفي حذف متعلق التنزيه إيذان بالعموم المناسب لمصدر التنزيه وهو عموم الأشياء التي لا يليق إثباتها لله تعالى وإنما يُعلم تفصيلها بالأدلة العقلية والشرعية. فالمعنى: ونَزِّه الله تنزيهاً عن كل ما لا يليق به، ومن أول تلك الأشياء تنزيهه عن أن يكون حالاً في ذلك المكان. وإرداف اسم الجلالة بوصف {رب العالمين} فيه معنى التعليل للتنزيه عن شؤون المحدثات لأنه رب العالمين فلا يشبه شأنه تعالى شؤونهم. وضمير {إنه} ضمير الشأن، وجملة: {أنا الله العزيز الحكيم} خبر عن ضمير الشأن. والمعنى: إعلامه بأن أمراً مهماً يجب علمه وهو أن الله عزيز حكيم، أي لا يغلبه شيء، لا يستصعب عليه تكوين. وتقديم هذا بين يدي ما سيلقى إليه من الأمر لإحداث رِبَاطَة جأْش لموسى ليعلم أنه خلعت عليه النبوءة إذ ألقي إليه الوحي، ويعلم أنه سيتعرض إلى أذى وتألب عليه، وذلك كناية عن كونه سيصير رسولاً، وأن الله يؤيده وينصره على كل قوي، وليعلمَ أن ما شاهد من النار وما تلقّاه من الوحي وما سيشاهده من قلب العصا حية ليس بعجيب في جانب حكمة الله تعالى، فتلك ثلاث كنايات، فلذلك أتبع هذا بقوله: {وألق عصاك}. والمعنى: وقلنا ألق عصاك. والاهتزاز: الاضطراب، وهو افتعال من الهَزّ وهو الرفع كأنها تطاوع فعل هازَ يهزُّها. والجانّ: ذَكَر الحيات، وهو شديد الاهتزاز وجمعه جِنّان (وأما الجانّ بمعنى واحد الجن فاسم جمعه جنّ). والتشبيه في سرعة الاضطراب لأن الحيات خفيفة التحرك، وأما تشبيه العصا بالثعبان في آية {أية : فإذا هي ثعبان مبين}تفسير : [الأعراف: 107] فذلك لضخامة الجرم. والتولي: الرجوع عن السير في طريقه. وفعل (تولى) مرادف فعل {ولّى} كما هو ظاهر صنيع «القاموس» وإن كان مقتضى ما في فعل (تولى) من زيادة المبنى أن يفيد (تولى) زيادة في معنى الفعل. وقد قال تعالى: {أية : ثم تولى إلى الظل} تفسير : في سورة القصص (24). ولعل قصد إفادة قوة توليه لمّا رأى عصاه تهْتَزّ هو الداعي لتأكيد فعل {ولّى} بقوله: {مدبراً ولم يعقب} فتأمّل. والإدبار: التوجه إلى جهة الخلف وهو ملازم للتولي فقوله: {مدبراً} حال لازمة لفعل {ولَّى}. والتعقب: الرجوع بعد الانصراف مشتق من العَقب لأنه رجوع إلى جهة العَقب، أي الخلْف، فقوله: {ولم يعقب} تأكيد لشدة تولّيه، أي ولّى تولياً قوياً لا تردد فيه. وكان ذلك التولي منه لتغلّب القوة الواهمة التي في جبلة الإنسان على قوة العقل الباعثة على التأمل فيما دل عليه قوله: {أنا الله العزيز} من الكناية عن إعطائه النبوءة والتأييد، إذ كانت القوة الواهمة متأصلة في الجبلة سابقة على ما تلقاه من التعريض بالرسالة، وتأصُّل القوة الواهمة يزول بالتخلق وبمحاربة العقل للوهَم فلا يزالان يتدافعان ويضعف سلطان الوَهَم بتعاقب الأيام. وقوله: {يا موسى لا تخف} مقول قول محذوف، أي قلنا له. والنهي عن الخوف مستعمل في النهي عن استمرار الخوف. لأن خوفه قد حصل. والخوف الحاصل لموسى عليه السلام خوف رغب من انقلاب العصا حية وليس خوف ذَنب، فالمعنى: لا يَجْبُنُ لديَّ المرسلون لأني أحفَظُهم. و{إني لا يخاف لديّ المرسلون} تعليل للنهي عن الخوف وتحقيق لما يتضمنه نهيه عن الخوف من انتفاء موجبه. وهذا كناية عن تشريفه بمرتبة الرسالة إذ عُلّل بأن المرسلين لا يخافون لدى الله تعالى. ومعنى {لديّ} في حضرتي، أي حين تلقِّي رسالتي. وحقيقة {لدي} مستحيلة على الله لأن حقيقتها المكان. وإذا قد كان انقلاب العصا حية حصل حين الوحي كان تابعاً لما سبقه من الوحي، وهذا تعليم لموسى عليه السلام التخلق بخلق المرسلين من رِبَاطة الجأش. وليس في النهي حط لمرتبة موسى عليه السلام عن مراتب غيره من المرسلين وإنما هو جار على طريقة: مثلُكَ لا يبخل. والمراد النهي عن الخوف الذي حصل له من انقلاب العصا حية وعن كل خوف يخافه كما في قوله: {أية : فاضْرِب لهم طريقاً في البَحر يَبَساً لا تخافُ درَكاً ولا تخشى}تفسير : [طه: 77]. والاستثناء في قوله: {إلا من ظلم} ظاهره أنه متصل. ونسَب ابن عطية هذا إلى مقاتل وابن جُريج فيكون {من ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء} مستثنى من عموم الخوف الواقع فعله في حيّز النفي فيعم الخوف بمعنى الرعب والخوف الذي هو خوف العقاب على الذنب، أي إلا رسولاً ظَلم، أي فَرط منه ظلم، أي ذَنب قبل اصطفائه للرسالة، أي صدر منه اعتداء بفعل ما لا يفعله مثلُه في متعارف شرائع البشر المتقرر أنها عدل، بأن ارتكب ما يخالف المتقرر بين أهل الاستقامة أنه عدل (قبل أن يكون الرسول متعبَّداً بشرع) فهو يخاف أن يؤاخذه الله به ويجازيه على ارتكابه وذلك مثل كيد إخوة يوسف لأخيهم، واعتداء موسى على القِبطي بالقتل دون معرفة المحق في تلك القضية؛ فذلك الذي ظلم ثم بَدَّل حُسناً بعد سوء، أي تاب عن فعله وأصلح حاله يغفر الله له. والمقصود من هذا الاستثناء على هذا الوجه تسكين خاطر موسى وتبشيره بأن الله غفر له ما كان فرط فيه، وأنه قبل توبته مما قاله يوم الاعتداء {أية : هذا من عمل الشيطان إنه عدوّ مضل مبين قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي}تفسير : [القصص: 15، 16]، فأفرغ هذا التطمين لموسى في قالَب العموم تعميماً للفائدة. واستقامةُ نظم الكلام بهذا المعنى يكون بتقدير كلام محذوف يدل عليه التفريع في قوله: {فإني غفور رحيم}. فالتقدير: إلا من ظلم من قبل الإرسال وتاب من ظلمه فخاف عقابي فلا يَخاف لأني غافر له وقابل لتوبته لأني غفور رحيم. وانتظم الكلام على إيجاز بديع اقتضاه مقام تعجيل المسرة، ونسج على منسج التذكرة الرمزية لعلم المتخاطبَيْن بذلك كأنه يقول: لم أهمل توبتك يوم اعتديت وقولَك {أية : هذا من عمل الشيطان إنه عدوّ مضلّ مبين قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي}تفسير : [القصص: 15، 16]، وعزمَك على الاستقامة يوم قلتَ: {أية : رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين}تفسير : [القصص: 17]. ولذلك اقتصر في الاستثناء على خصوص من بدّل حسناً بعد سوء إذ لا يتصور في الرسول الإصرار على الظلم. ومن ألطف الإيماء الإتيان بفعل {ظَلم} ليومىء إلى قول موسى يوم ارتكب الاعتداء {أية : ربّ إني ظلمتُ نفسي}تفسير : [القصص: 16] ولذلك تعين أن يكون المقصود بــــ{من ظَلم ثم بدّل حسناً بعد سوء} موسى نفسَه. وقال الفرّاء والزجاج والزمخشري وجرى عليه كلام الضحاك: الاستثناء منقطع وحرف الاستثناء بمعنى الاستدراك فالكلام استطراد للتنبيه على أن من ظَلم وبدّل حسناً بعد سوء من الناس يغفر له. وعليه تكون {مَن} صادقة على شَخص ظَلَم وليس المراد بها مخالفات بعض الرسل. وهذا التأويل دعا إليه أن الرسالة تنافي سبق ظلم النفس. والذي حداهم إلى ذلك أن من مقتضى الاستثناء المتصل إثباتَ نقيض حكم المستثنى منه للمستثنى، ونقيضُ انتفاء الخوف حصول الخوف. والموجود بعد أداة الاستثناء أنه مغفور له فلا خلاف عليه. ويُفهم منه أنه لو ظلم ولم يبدل حسناً بعد سوء يخاف عذاب الآخرة. أما الزمخشري فزاد على ما سلكه الفرّاء والزجاج فجعل ما صْدَق {من ظلم} رسولاً ظلم. والذي دعاه إلى اعتبار الاستثناء منقطعاً هو أحد الداعيين اللذين دعيا الفرّاء والزجاج وهو أن الحكم المثبت للمستثنى ليس نقيضاً لحكم المستثنى منه ولذلك جعل ما صْدَق {مَن ظلم} رسولاً من الرسل ظلم بما فرط منه من صغائر ليشمل موسى وهو واحد منهم. وقد تحصل من الاحتمالين في معنى الاستثناء أن الرسل في حضرة الله (أي حين القيام بواجبات الرسالة) لا يخافون شيئاً من المخلوقات لأن الله تعالى تكفل لهم السلامة، ولا يخافون الذنوب لأن الله تكفل لهم العصْمة. ولا يخافون عقاباً على الذنوب لأنهم لا يقربونها، وأن من عداهم إن ظلم نفسه ثم بَدَّل حسناً بعد سوء أمِن ممّا يُخاف من عقاب الذنوب لأنه تدارك ظلمه بالتوبة، وإن ظلم نفسه ولم يتب يخف عقاب الذنب فإن لم يظلم نفسه فلا خوف عليه. فهذه معان دلّ عليها الاستثناء باحتماليه، وذلك إيجاز. وفي «تفسير ابن عطية» أن أبا جعفر قرأ: {أَلاَ من ظلم} بفتح همزة (أَلاَ) وتخفيف اللام فتكون حرف تنبيه، ولا تعرف نسبة هذه القراءة لأبي جعفر فيما رأينا من كتب علم القراءات فلعلها رواية ضعيفة عن أبي جعفر. وفعل {بدّل} يقتضي شيئين: مأخوذاً، ومُعطى، فيتعدى الفعل إلى الشيئين تارة بنفسه كقوله تعالى في الفرقان (70) {أية : فأولئك يبدِّل الله سيئاتهم حسنات}، تفسير : ويتعدّى تارة إلى المأخوذ بنفسه وإلى المعطى بالباء على تضمينه معنى عَاوض كما قال تعالى: {أية : ولا تتبدّلوا الخبيث بالطيب}تفسير : [النساء: 2]، أي لا تأخذوا خبيث المال وتضيّعوا طيِّبه، فإذا ذكر المفعولان منصوبين تعين المأخوذ والمبذول بالقرينة وإلا فالمجرور بالباء هو المبذول، وإن لم يذكر إلا مفعول واحد فهو المأخوذ كقول امرىء القيس:شعر : وبُدِّلت قُرحاً دامياً بعد صحة فيا لككِ من نُعمى تبدَّلْنَ أبؤسا تفسير : وكذلك قوله تعالى هنا: {ثم بدل حسناً بعد سوء} أي أخذ حسناً بسوء، فإن كلمة {بعد} تدل على أن ما أضيفت إليه هو الذي كان ثابتاً ثم زال وخلفه غيره. وكذلك ما يفيد معنى (بعد) كقوله تعالى: {أية : ثم بدلنا مكانَ السيئة الحسنة}تفسير : [الأعراف: 95] فالحالة الحسنة هي المأخوذة مجعولة في موضع الحالة السيئة.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَسُبْحَانَ} {ٱلْعَالَمِينَ} (8) - فَلمَّا أتَى مُوسَى النَّارَ لَمْ يَجِدْ عِندَهَا أَحَداً، وَوَجَدَهَا تَشْتَعِلُ في شَجَرةٍ خَضْراءَ، وَالنَّارُ لا تَزْدَادُ إلا اضْطِرَاماً، والشَّجرةُ لا تزْدادُ إلا اخْضِرَاراً، فتعجَّبَ مُوسَى مِنْ ذَلكَ، فَرَفَعَ رأسَهُ فوجَدَ نُوراً مُتَّصِلاً بِعَنَانِ السَّماءِ، فوقَفَ مُوسى مُتعجِّباً ممَّا يَرى، فَنَادَاه صَوْتٌ قَائِلاً: تَقَدَّسَ مَنْ في مَكَانِ النَّارِ، وَمَنْ حَوْلَ مَكَانِهَا (وقالَ ابنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ المَعْنى هُوَ تَقَدَّسَ مَنْ حَوْلَ النارِ مِنَ المَلاَئِكَةِ)، وَتَنَّزهَ اسمُ اللهِ تعَالى وتقَدَّسَ، وهُوَ الفَعَّالُ لِما يَشَاءُ، وهُوَ الأَحَدُ الصَّمَدُ المُنَزَّهُ عَنْ مُمَاثَلَةِ المحْدَثَاتِ، وهُوَ رَبُّ العَالَمينَ. بُورِكَ - قَدُسَ وطَهُرَ وَزِيدَ خَيْرُهُ. مَنْ في النَّارِ ومَنْ حَوْلَها - الذِينَ في ذَلك الوادِي الذِي بَدَا فيهِ النُّورُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: جاء النار فـ {نُودِيَ ..} [النمل: 8] النداء: طلب إقبال، كما تقول: يا فلان، فيأتيك فتقول له ما تريد. فالنداء مثلاً في قوله تعالى: {أية : يٰمُوسَىٰ}تفسير : [طه: 11] نداء {أية : إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ ..}تفسير : [طه: 14] خطاب وإخبار. لكن ما معنى {نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ..} [النمل: 8] ولم يقُلْ: يا موسى فليس هنا نداء، قالوا: مجرد الخطاب هنا يُراد به النداء؛ لأنه ما دام يخاطبه فكأنه يناديه، ومثال ذلك قوله سبحانه: {أية : وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً ..}تفسير : [الأعراف: 44]. فذكر الخطاب مباشرة دون نداء؛ لأن النداء هنا مُقدَّر معلوم من سياق الكلام، ومنه أيضاً: {أية : وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ}تفسير : [الأعراف: 48]. ومنه أيضاً: {أية : فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي ..}تفسير : [مريم: 24] فجعل الخطاب نفسه هو النداء. وقوله: {أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ..} [النمل: 8] كلمة بُورِك لا تناسب النار؛ لأن النار تحرق، وما دام قال {بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ ..} [النمل: 8] فلا بُدَّ أن مَنْ في النار خَلْق لا يُحرق، ولا تؤثر فيه النار، فمَنْ هم الذين لا تؤثر فيهم النار، هم الملائكة. وقد رأى موسى - عليه السلام - مشهداً عجيباً، رأى النار تشتعل في فرع من الشجرة، فالنار تزداد، والفرع يزداد خُضْرة، فلان النار تحرق الخضرة ولا رطوبة الخضرة ومائيتها تطفىء النار، فمَنْ يقدر على هذه المسألة؟ لذلك قال بعدها: {وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [النمل: 8]. ففي مثل هذا الموقف إياك أنْ تقول: كيف، بل نزِّه الله عن تصرفاتك أنت، فهذا عجيب لا يُتصوَّر بالنسبة لك، أمّا عند الله فأمر يسير. وقد رأينا مثل هذه المعجزة في قصة إبراهيم - عليه السلام - حين نجَّاه ربه من النار، ولم يكُنْ المقصود من هذه الحادثة نجاة إبراهيم فقط، فلو أن الله أراد نجاته فحسب لَمَا أمكنهم منه، أو لأطفأ النار التي أوقدوها بسحابة ممطرة، أسباب كثيرة كانت مُمكِنة لنجاة سيدنا إبراهيم. لكن الله تعالى أرادهم أنْ يُمسِكوا به، وأنْ يُلْقوه في النار، وهي على حال اشتعالها وتوهّجها، ثم يُلْقونه في النار بأنفسهم، وهم يروْنَ هذا كله عَيَاناً، ثم لا تؤذيه النار، كأنه يقول لهم: أنا أريد أن أنجيه من النار، رغم قوة أسبابكم في إحراقه، فأنا خالق النار ومعطيها خاصية الإحراق، وهي مُؤتمرةٌ بأمري أقول لها: كُونِي بَرْداً وسلاماً تكون، فالمسألة ليست ناموساً وقاعدة تحكم الكون، إنماَ هي قيوميتي على خَلْقي. إذن: ما رآه موسى - عليه السلام - من النار التي تشتعل في خضرة الشجرة أمر عجيب عندكم، وليس عجيباً عند مَنْ له طلاقة القدرة التي تخرق النواميس. وبناء الفعل {بُورِكَ ..} [النمل: 8] للمجهول تعني: أن الله تعالى هو الذي يبارك، فهذه مسألة لا يقدر عليها إلا الله {مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ..} [النمل: 8] يجوز أن يكون الملائكة، أو: بُورِكت الشجرة ذاتها لأنها لا تُحرق، أو النار لأنها لا تنطفىء فهي مُباركة. وفي موضع آخر يُوسِّع دائرة البركة، فيقول سبحانه: {أية : فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ ..}تفسير : [القصص: 30]. ثم يخاطب الحق سبحانه موسى: {يٰمُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ ...}.

همام الصنعاني

تفسير : 2146- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ}: [الآية: 8]، قال: نور الله بورِكَ. 2147- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، وقال الحسن: هو النُّور، ومِنْ حولِهِ الملائكة.