٢٧ - ٱلنَّمْل
27 - An-Naml (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
10
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن أكثر ما في هذا الآيات قد مر شرحه، ولنذكر ما هو من خواص هذا الموضع: يقال علام عطف قوله: {وَأَلْقِ عَصَاكَ }؟ جوابه: على { أية : بُورِكَ} } تفسير : [النمل: 8] لأن المعنى: نودي أن بورك من في النار وأن ألق عصاك، كلاهما تفسير لنودي. أما قوله: {كَأَنَّهَا جَانٌّ } فالجان الحية الصغيرة، سميت جاناً، لأنها تستتر عن الناس، وقرأ الحسن {جَانٌّ } على لغة من يهرب من التقاء الساكنين، فيقول شأبة ودأبة. أما قوله: {وَلَمْ يُعَقّبْ } معناه لم يرجع، يقال عقب المقاتل إذا (مر) بعد الفرار، وإنما خاف لظنه أن ذلك لأمر أريد به، ويدل عليه {إِنّى لاَ يَخَافُ لَدَىَّ ٱلْمُرْسَلُونَ } وقال بعضهم: المراد إني إذا أمرتهم بإظهار معجز فينبغي أن لا يخافوا فيما يتعلق بإظهار ذلك وإلا فالمرسل قد يخاف لا محالة. أما قوله تعالى: {إَلاَّ مَن ظَلَمَ } معناه لكن من ظلم وهو محمول على ما يصدر من الأنبياء من ترك الأفضل أو الصغيرة، ويحتمل أن يكون المقصود منه التعريض بما وجد من موسى وهو من التعريضات اللطيفة. قال الحسن رحمه الله: كان والله موسى ممن ظلم بقتل القبطي ثم بدل، فإنه عليه السلام قال: { أية : رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَٱغْفِرْ لِى } تفسير : [القصص: 16] وقرىء (ألا من ظلم) بحرف التنبيه. أما قوله تعالى: {ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوء } فالمراد حسن التوبة وسوء الذنب، وعن أبي بكر في رواية عاصم (حسناً). أما قوله: {في تسع آيات} فهو كلام مستأنف، وحرف الجر فيه يتعلق بمحذوف، والمعنى اذهب في تسع آيات إلى فرعون، ولقائل أن يقول: كانت الآيات إحدى عشرة، اثنتان منها اليد والعصا، والتسع: الفلق والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمسة والجدب في بواديهم والنقصان في مزارعهم. أما قوله: {فَلَمَّا جَاءتْهُمْ ءايَـٰتُنَا مُبْصِرَةً } فقد جعل الإبصار لها، وهو في الحقيقة لمتأملها، وذلك بسبب نظرهم وتفكرهم فيها، أو جعلت كأنها لظهورها تبصر فتهتدي، وقرأ علي بن الحسين وقتادة {مُبْصِرَةً } وهو نحو مجبنة ومبخلة، أي مكاناً يكثر فيه التبصر. أما قوله: {وَٱسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ } فالواو فيها واو الحال، وقد بعدها مضمرة وفائدة ذكر الأنفس أنهم جحدوها بألسنتهم واستيقنوها في قلوبهم وضمائرهم، والاستيقان أبلغ من الإيقان. أما قوله: {ظُلْماً وَعُلُوّاً } فأي ظلم أفحش من ظلم من استيقن أنها آيات بينة من عند الله تعالى، ثم كابر بتسميتها سحراً بيناً. وأما العلو فهو التكبر والترفع عن الإيمان بما جاء به موسى كقوله: { أية : فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً عَـٰلِينَ } تفسير : [المؤمنون: 46] وقرىء (علياً) و(علياً) بالضم والكسر، كما قرىء (عتياً) و { أية : عِتِيّاً } تفسير : [مريم: 8، 69]، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَلْقِ عَصَاكَ } فألقاها {فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ } تتحرّك {كَأَنَّهَا جَانٌّ } حية خفيفة {وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقّبْ } يرجع. قال الله تعالى:{يَٰمُوسَىٰ لاَ تَخَفْ } منها {إِنّى لاَ يَخَافُ لَدَىَّ } عندي {ٱلْمُرْسَلُونَ } من حية وغيرها.
ابن عطية
تفسير : أمره الله عز وجل بهذين الأمرين تدريباً له في استعمالهما، وفي الكلام حذف تقديره فألقى العصا {فلما رآها تهتز}، وأمال "رآها" بعضُ القراء، و"الجانّ" الحيات لأنها تجن أنفسها أي تسترها، وقالت فرقة: الجان صغار الحيات وعصا موسى صارت حية ثعباناً وهو العظيم فإنها شبهت بـ"الجانّ" في سرعة الاضطراب، لأن الصغار أكثر حركة من الكبار، وعلى كل قول فإن الله خلق في العصا حياة وغير أوصافها وأعراضها فصارت حية، وقرأ الحسن والزهري وعمرو بن عبيد "جأن" بالهمز فلما أبصر موسى عليه السلام هل ذلك المنظر {ولى} فاراً، قال مجاهد ولم يرجع وقال قتادة: ولم يلتفت. قال القاضي أبو محمد: و"عقب" الرجل إذا ولى عن أمر ثم صرف بدنه أو وجهه إليه كأنه انصرف على عقبيه وناداه الله مؤنساً ومقوياً على الأمر: {يا موسى لا تخف} فإن رسلي الذين اصطفيتهم للنبوّة لا يخافون عندي، ومعي، فأخذ موسى الحية فرجعت عصا ثم صارت له عادة، واختلف الناس في الاستثناء في قوله تعالى {إلا من ظلم}، فقال مقاتل وغيره: الاستثناء متصل وهو من الأنبياء، وروى الحسن أن الله تعالى قال لموسى: أخفتك بقتلك النفس، وقال الحسن أيضاً: كانت الأنبياء تذنب فتعاقب ثم تذنب والله فتعاقب فكيف بنا، وقال ابن جريج: لا يخيف الله الأنبياء إلا بذنب يصيبه أحدهم فإن أصابه أخافه حتى يأخذه منه، قال كثير من العلماء: لم يعر أحد من البشر من ذنب إلا ما روي عن يحيى بن زكرياء. قال القاضي أبو محمد: وأجمع العلماء أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي هي رذائل واختلف فيما عدا هذا، فعسى أن يشير الحسن وابن جريج إلى ما عدا ذلك، وفي الآية على هذا التأويل حذف اقتضى الإيجاز والفصاحة ترك نصه تقديره فمن ظلم {ثم بدل}، وقال الفراء وجماعة: الاستثناء منقطع وهو إخبار عن غير الأنبياء كأنه قال: لكن من ظلم من الناس ثم تاب {فإني غفور رحيم}، وقالت فرقة: {إلا} بمعنى الواو. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول لا وجه له، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وزيد بن أسلم "ألا من ظلم" على الاستفتاح، وقوله {ثم بدل حسناً} معناه عملاً صالحاً مقترناً بتوبة، وهذه الآية تقتضي حتم المغفرة للتائب، وأجمع الناس على ذلك في التوبة من الشرك، وأهل السنة في التائب من المعاصي على أنه في المشيئة كالْمُصِرِّ، لكن يغلب الرجاء على التائب والخوف على المصر، وقوله تعالى: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء:48] عمت الجميع من التائب والمصر، وقالت المعتزلة{أية : لمن يشاء} تفسير : [النساء: 48] معناه للتائبين. قال القاضي أبو محمد: وذلك مردود من لفظ الآية لأن تفصيلها بين الشرك وغيره كان يذهب فائدته إذ الشرك يغفر للتائب وما دونه كذلك على تأويلهم فما فائدة التفصيل في الآية وهذا احتجاج لازم فتأمله، وروي عن أبي عمرو أنه قرأ "حَسناً بعد سَوء" بفتح الحاء والسين وهي قراءة مجاهد وابن أبي ليلى، وقرأ محمد بن عيسى الأصبهاني "حسنى" مثل فعلى، ثم أمر تعالى موسى بأن يدخل يده في جيب جبته لأنها لم يكن لها كم فيما قال ابن عباس، وقال مجاهد كانت مدرعة صوف إلى بعض يده، و"الجيب" الفتح في الثوب لرأس الإنسان، وروي أن يد موسى عليه السلام كانت تخرج تلألأ كأنها قطعة نور، ومعنى إدخال اليد في الجيب ضم الآية إلى موسى وإظهار تلبسها به لأن المعجزات من شروطها أن يكون لها اتصال بالآتي بها، وقوله {من غير سوء} أي من غير برص ولا علة وإنما هي آية تجيء وتذهب، وقوله {في تسع آيات}، متصل بقوله {ألق} {وأدخل}، وفيه اقتضاب وحذف تقديره نمهد ونيسر ذلك لك في جملة تسع آيات، وهي العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمسة والحجر، وفي هذين الآخيرين اختلاف والمعنى تجيء بهن إلى فرعون وقومه.
ابن عبد السلام
تفسير : {جَآنٌّ} الحية الصغيرة سميت بذلك لاختفائها واستتارها، أو الشيطان لأنهم يشبهون كل ما استهولوه بالشياطين لقوله: {أية : طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ}تفسير : [الصافات: 65] وقد كان انقلابها إلى أعظم الحيات وهي الثعبان. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ولما توجه إلى مدين أعطاه العصا ملك من الملائكة. {وَلَمْ يُعَقِّبْ} لم يرجع، أو لم ينتظر، أو لم يلتفت. {لا يَخَافُ لَدَىَّ} أي لا يخافون في الموضع الذي يوحى إليهم فيه وإلا فهم أخوف الخلق لله تعالى.
النسفي
تفسير : {وَأَلْقِ عَصَاكَ } لتعلم معجزتك فتأنس بها وهو عطف على {بورك} لأن المعنى نودي أن بورك من في النار وأن ألق عصاك كلاهما تفسير لـــــ {نودي} والمعنى قيل له بورك من في النار وقيل له ألق عصاك، ويدل عليه ما ذكر في سورة القصص {أية : وأن ألق عصاك}تفسير : بعد قوله {أية : أَن يَا مُوسَىٰ إِنّى أَنَا ٱللَّهُ }تفسير : [القصص:30] على تكرير حرف التفسير {فَلَمَّا رَءاهَا تَهْتَزُّ } تتحرك حال من الهاء في {رَءاهَا } {كَأَنَّهَا جَانٌّ } حية صغيرة حال من الضمير في {تهتز} {وَلِىُّ } موسى {مُدْبِراً } أدبر عنها وجعلها تلي ظهره خوفاً من وثوب الحية عليه {وَلَمْ يُعَقّبْ } ولم يلتفت أولم يرجع. يقال قد عقب فلان إذا رجع يقاتل بعد أن ولى فنودي {يٰمُوسَىٰ لاَ تَخَفْ إِنّى لاَ يَخَافُ لَدَىَّ ٱلْمُرْسَلُونَ } أي لا يخاف عندي المرسلون حال خطابي إياهم أولا يخاف لدي المرسلون من غيري {إَلاَّ مَن ظَلَمَ } أي لكن من ظلم من غيرهم لأن الأنبياء لا يظلمون، أو لكن من ظلم منهم من زل من المرسلين فجاء غير ما أذنت له مما يجوز على الأنبياء كما فرط من آدم ويونس وداود وسليمان عليهم السلام {ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً } أي أتبع توبة {بَعْدَ سُوء } زلة {فَإِنّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أقبل توبته وأغفر زلته وأرحمه فأحقق أمنيته وكأنه تعريض بما قال موسى حين قتل القبطي: {رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَٱغْفِرْ لِى فَغَفَرَ لَهُ }. {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ } جيب قميصك وأخرجها {تَخْرُجْ بَيْضَاء } نيرة تغلب نور الشمس {مِنْ غَيْرِ سُوء } برص وبيضاء ومن غير سوء حالان {في تسع آيات} كلام مستأنف و«في» يتعلق بمحذوف أي اذهب في تسع آيات أو وألق عصاك وأدخل يدك في جملة تسع آيات {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ } «إلى» يتعلق بمحذوف أي مرسلاً إلى فرعون وقومه {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ } خارجين عن أمر الله كافرين
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَأَلْقِ عَصَاكَ...} الآية، أمره ـــ تعالى ـــ بهذَينِ الأمرين إلقاءِ العصا، وأمرِ اليَدِ تَدريباً له في استعمالِهمَا، والجان: الحياتُ؛ لأنها تَجِنُّ أنفُسُهَا؛ أي: تَسْتُرُهَا. وقالت فرقةٌ: الجانُّ: صِغَارُ الحَيَّاتِ. وقوله تعالى: {وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ}، أي: ولَّى فَارّاً. قال مُجاهدٌ: ولم يرجعْ، وقال قَتَادَةُ: ولم يَلْتَفِتْ. قال * ع *: وعَقَّبَ الرجلُ إذا ولَّى عَنْ أمر؛ ثم صرف بدَنه أو وَجْهِه إليه. ثم ناداه سُبحانه مُؤْنِساً له: {يٰمُوسَىٰ لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ}. وقولُهُ تعالى: {إِلاَّ مَن ظَلَمَ} قال الفرَّاءُ؛ وَجَمَاعَةٌ: الاستثْنَاءُ منقطعٌ، وهو إخبارٌ عن غَيرِ الأنبياء، كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ ـــ قال: لكنْ من ظَلَمَ من النَّاسِ ثُمَّ تَابَ؛ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ، وهذهِ الآيةُ تَقْتَضِي المغفرَةَ للتَّائِبِ، والجَيْبُ الفَتْخْ في الأوبِ لرأْسِ الإنسان. وقولُهُ تعالى: {فِي تِسْعِ ءَايـَٰتٍ} مُتَّصِلٌ بقوله: {أَلقِ}، {وأَدخِلْ يَدَكَ} وفيه اقتضَابٌ وحذفٌ، والمعنى في جُملةِ تسعِ، آياتٍ، وقد تَقَدَّمَ بَيَانُها، والضميرُ في {جَاءَتْهُم} لفِرْعَوْنَ وقومِه، وظاهِرُ قَولِهِ تعالى: {وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَا} حُصُولُ الكفْرِ عِنَاداً؛ وهي مَسْأَلَةُ خلافٍ؛ قد تَقَدَّمَ بيانُها و {ظُلْماً} معناهُ: على غيرِ استحقَاقٍ للجُحْدِ، والعُلُوُّ في الأرضِ أعظمُ آفةٍ على طَالبهِ، قال اللّه تعالى: {أية : تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلأَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً} تفسير : [القصص:83].
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَأَلْقِ} عطف على ما قبله من الجملة الاسمية الخبرية، وقد تقدم أن سيبويه لا يشترط تناسب الجمل، وأنه يجيز: جاء زيدٌ ومن أبوك، وتقدمت أدلته أول البقرة. وقال الزمخشري: فإن قلت: علام عطف قوله: "وَأَلْقِ عَصَاكَ"؟ قلت: على قوله: "بُورِكَ" لأن معنى: نودي أن بورك، وقيل له: ألق عصاك، والدليل على ذلك قوله: "وأن ألق عصاك"، بعد قوله: أن يا موسى إني أنا الله على تكرير حرف التفسير، كما يقول: كتبت إليه أن حجَّ واعتمر، وإن شئت، أن حجَّ وأن اعتمر. قال أبو حيان: وقوله إنه معطوف على "بُورِكَ" مُنَافٍ لتقديره، وقيل له: ألق عصاك، لأن هذه جملة معطوفة على "بُورِكَ" وليس جزؤها الذي هو معمول، وقيل: معطوفاً على "بُورِكَ"، وإنما احتاج إلى تقدير: وقيل له: ألق، ليكون جملة خبرية مناسبة للجملة الخبرية التي عطفت عليها، كأنه يرى في العطف تناسب الجمل المتعاطفة. والصحيح أنه لا يشترط ذلك، ثم ذكر مذهب سيبويه. {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ}، وهي الحية الصغيرة التي يكثر اضطرابها، سميت جانّاً، لأنها تستر عن الناس. وقرأ الحسن، والزهري، وعمرو بن عبيد "جَأنٌّ" بهمزة مكان الألف، وقد تقدم تقرير هذا عند {أية : وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ}تفسير : [الفاتحة: 7] على لغة من يهرب من التقاء الساكنين، فيقول شأبَّة ودأبَّة. "وَلَّى مُدْبِراً" هرب من الخوف، و"وَلَمْ يُعَقِّبْ": لم يرجع، يقال: عقب فلان: إذا رجع، وكل راجع معقب. وقال قتادة: ولم يلتفت، فقال الله: {يَٰمُوسَىٰ لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ}، يريد: إذا أمَّنتهم لا يخافون، وقيل: المراد إذا أمرتهم بإظهار معجز أن لا يخافوا فيما يتعلق بإظهار ذلك، وإلا فالمرسل قد يخاف لا محالة، لأن الخوف الذي هو شرط الإيمان لا يفارقهم، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : أنا أخشاكم لله ". تفسير : قوله: "تَهْتَزُّ" جملة حالية من (هاء) "رآها"، لأن الرؤية بصريَّة، وقوله: "كَأنَّهَا جَانٌّ": يجوز أن تكون حالاً ثانية، وأن تكون حالاً من ضمير "تَهْتَزُّ"، فيكون حالاً متداخلة، وقوله: "وَلَمْ يُعَقّبْ" يجوز أن يكون عطفاً على "وَلَّى"، وأن يكون حالاً أخرى، والمعنى: ولم يرجع على عقبه، كقوله: شعر : 3933 - فَمَا عَقَّبُـوا إذْ قِيـلَ هَـلْ مِـنْ مُعَقِّـب وَلاَ نَـزلُـوا يَـومَ الكَرِيهَـةِ مَنْـزِلا تفسير : قوله: {إَلاَّ مَن ظَلَمَ} فيه وجهان: أحدهما: أنَّه استثناء منقطع، لأنَّ المرسلين معصومون من المعاصي، وهذا هو الظاهر الصحيح، والمعنى: لكن من ظلم من سائر الناس، فإنه يخاف فإن تاب وبدل حسناً بعد سوء فإنِّي غفورٌ رحيمٌ. والثاني: أنَّه متصلٌ، وللمفسرين فيه عبارات، قال الحسن: إنَّ موسى ظلم بقتل القبطي، ثم تاب فقال: {أية : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي}تفسير : [القصص: 22]. وقال ابن جريح: قال الله لموسى: أخفتك لقتلك النفس، وقال: معنى الآية: لا يخيف الله الأنبياء إلاّ بذنب يصيبه أحدهم، فإن أصابه أخافه حتى يتوب. وقيل: محمول على ما يصدر من الأنبياء من ترك الأفضل. وقال بعض النحويين: "إلا" هاهنا بمعنى ولا، يعني: لا يخاف لديّ المرسلون ولا المذنبون التائبون، كقوله تعالى: {أية : لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ}تفسير : [البقرة: 150]. يعني ولا الذين ظلموا. وعن الفراء أنه متصل، لكن من جملة محذوفة تقديره: وإنما يخاف غيرهم إلاَّ من ظلم. وردَّه النحاس: بأنه لو جاز هذا لجاز: لا أضربُ القوم إلاَّ زيداً أي: وإنما أضرب غيرهم إلا زيداً، وهذا ضد البيان والمجيء بما لا يعرف معناه. وقدره الزمخشري بـ "لكن"، وهي علامة على أنه منقطع - وذكر كلاماً طويلاً - فعلى الانقطاع يكون منصوباً فقط على لغة الحجاز، وعلى لغة تميم يجوز فيه النصب والرفع على البدل من الفاعل قبله، وأما على الاتصال: فيجوز فيه الوجهان على اللغتين، ويكون الاختيار البدل، لأن الكلام غير موجب. وقرأ أبو جعفر وزيد بن أسلم "أَلاَ" بفتح الهمزة وتخفيف اللام - جعلاها حرف تنبيه - و "مَنْ" شرطية، وجوابها: "فَإِنِّي غَفُورٌ" والعامة على تنوين "حُسْناً"، ومحمد بن عيسى الأصبهاني غير منوّن، جعله فعلى مصدراً كرجعى، فمنعها الصَّرف لألف التأنيث، وابن مقسم بضم الحاء والسين منوناً، ومجاهد وأبو حيوة ورويت عن أبي عمرو بفتحهما، وتقدم تحقيق القراءتين في البقرة. قوله: "تَخْرُجْ" الظاهر أنه جواب لقوله "أَدْخِلْ" أي: إن أدْخلْتها تَخْرُجُ على هذه الصفة، وقيل: في الكلام حذفٌ تقديره: وادْخِلْ يَدَكَ تَدْخُل، وأخرجها تخرج، فحذف من الثاني ما أثبته في الأول، ومن الأول ما أثبته في الثاني، وهذا تقدير ما لا حاجة إليه. قوله: "بَيْضَاء" حال من فاعل "تَخْرُجْ"، و "مِنْ غَيْرِ سُوءٍ" يجوز أن يكون حالاً أخرى أو من الضمير في "بَيْضَاءَ"، أو صفة لـ "بَيْضَاءَ" والمراد بالجيب: جيب القميص، قال المفسرون كانت عليه مدرعة من صوف لا كم لها ولا إزار، فأدخل يده في جيبه وأخرجها، فإذا هي تبرق مثل البرق. قوله: "في تِسْعِ" فيه أوجه: أحدها: أنه حال ثالثة، قاله أبو البقاء يعني من فاعل "تخرج"، أي آية في تسع آيات، كذا قدره. الثاني: أنه متعلق بمحذوف، أي: اذهب في تسع آياتٍ، وقد تقدم اختيار الزمخشري كذلك عند ذكر البسملة، ونظره بقول الآخر: شعر : 3934 - فَقُلْـتُ إلَـى الطَّعَـامِ فَقَـالَ مِنْهُـمْ تفسير : وقولهم: بالرَّفاء والبنين وجعل هذا التقدير أقرب وأحسن. الثالث: أن يتعلق بقوله: "وأَلْقِ عَصَاكَ وأَدْخِلْ". قال الزمخشري: ويجوز أن يكون المعنى: وألْقِ عَصَاكَ وَأَدْخِلْ يَدَكَ في تِسْع آيَاتٍ، أي: في جملة تسع آياتٍ. ولقائل أن يقول: كانت الآيات إحدى عشرة منها اثنتان اليد والعصا، والتِّسعُ الفَلْقُ، والطُّوفان، والجراد، والقُمَّل، والضَّفادع، والدَّم، والطَّمسة، والجدب في بواديهم، والنقصان من مزارعهم انتهى. وعلى هذا تكون (في) بمعنى (مَعَ) أي: هذه آية مع تسع آيات أنت مرسل بهن إلى فرعون وقومه، لأن اليد والعصا حينئذ خارجتان من التسع، وكذا قال ابن عطية، أعني أنه جعل "فِي تِسْعِ" متصلاً بـ"أَلْقِ" و "أَدْخِلْ"، إلا أنه جعل اليد والعصا من جملة التسع، وقال: تقديره: تُمَهِّدُ لك ذلك وتيسِّر في تسع، وجعل في الزجاج (في) بمعنى (من)، قال كما تقول: خذ لي من الإبل عشراً فيها فحلان، أي منها فحلان. قوله: "إلَى فِرْعَونَ" هذا يتعلق بما تعلق به "فِي تِسْع" إذا لم نجعله حالاً، فإن جعلناه حالاً علقناه بمحذوف، فقدّره أبو البقاء مرسلاً إلى فرعون. وفيه نظر، لأنه كونٌ مقيَّدٌ، وسبقه إلى هذا التقدير الزجاج، وكأنهما أرادا تفسير المعنى دون الإعراب. وجوَّز أبو البقاء أيضاً أن تكن صفة لـ "آيَاتٍ"، وقدَّره: واصلةً إلى فرعون، وفيه ما تقدم. قوله: "مُبْصِرَةً" حال، ونسب الإبصار إليها مجازاً، لأن بها يبصر، وقيل: بل هي من أبصر المنقولة بالهمزة من بصر، أي: أنها تبصر غيرها لما فيها من الظهور، ولكنه مجاز آخر غير الأول، وقيل: هو بمعنى مفعول، نحو "مَاءٌ دَافِقٌ" أي: مدفوق. وقرأ عليّ بن الحسين وقتادة بفتح الميم والصاد، أي: على وزن أرض مسبعةٌ، ذات سباعٍ، ونصبها على الحال أيضاً، وجعلها أبو البقاء في هذه القراءة مفعولاً من أجله، وقد تقدم ذلك. ومعنى "مُبْصِرَةً": بينة واضحة. {قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} ظاهر. قوله: {وَجَحَدُوا بِهَا} أي: أنكروا الآيات، ولم يقروا أنها من عند الله. قوله: {وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} يجوز أن تكون هذه الجملة معطوفة على الجملة قبلها، ويجوز أن تكون حالاً من فاعل "جَحدُوا"، وهو أبلغ في الذم، واستفعل هنا بمعنى "تَفَعَّلَ"، نحو: استعظم واستكبر، والمعنى: أنهم علموا أنها من عند الله، وفائدة ذكر الأنفس أنهم جحدوا بألسنتهم واستيقنوها في قلوبهم وضمائرهم، والاستيقان أبلغ من الإيقان. قوله: {ظُلْماً وَعُلُواً} يجوز أن يكونا في موضع الحال، أي: ظالمين عالين، وأن يكونا مفعولاً من أجلهما، أي: الحامل على ذلك الظلم والعلو. وقرأ عبد الله وابن وثاب والأعمش وطلحة: "وَعِلِيّاً" بكسر العين واللام وقلب الواو ياء، وتقدم تحقيقه في "عِتِيّاً" في مريم، وروي عن الأعمش وابن وثاب ضم العين كما في "عِتيّاً". وقرىء: "وَغُلُوّاً" بالغين المعجمة، وهو قريب من هذا المعنى، وأي ظلم أفحش من ظلم من استيقن أنها آيات بينة من عند الله ثم كابر بتسميتها سحراً بيناً؟ والعلو: الترفع عن الإيمان، والشرك وعدم الإيمان بما جاء به موسى، كقوله: {أية : فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ}تفسير : [المؤمنون: 46]. {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ}. قوله: {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ} "كَيْفَ" خبر مقدم، و "عَاقِبَةُ" اسمها، والجملة في محل نصب على إسقاط الخافض لأنها معلقة لـ"انْظُرْ" بمعنى تَفَكَّرْ.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله {فلما رآها تهتز كأنها جان} قال: حين تحوّلت حية تسعى. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {ولم يعقب يا موسى} قال: لم يرجع وفي قوله {إلا من ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء} قال: ثم تاب من بعد ظلمه واساءته. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {ولى مدبراً} قال: فاراً {ولم يعقب} قال: لم يلتفت. وفي قوله {لا يخاف لدي} قال: عندي وفي قوله {إلا من ظلم} قال: إن الله لم يجز ظالماً. ثم عاد الله بعائدته وبرحمته فقال {ثم بدل حسناً بعد سوء} أي فعمل عملاً صالحاً بعد عمل سيء عمله {فإني غفور رحيم} . وأخرج ابن المنذر عن ميمون قال: إن الله قال لموسى {إنه لا يخاف لديَّ المرسلون إلا من ظلم} وليس للظالم عندي أمان حتى يتوب. وأخرج سعيد بن منصور عن زيد بن أسلم أنه قرأ {إلا من ظلم} . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كانت على موسى جبة لا تبلغ مرفقيه فقال له {أدخل يدك في جيبك} فادخلها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مقسم قال: إنما قيل {أدخل يدك في جيبك} لأنه لم يكن لها كم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كانت عليه مدرعة إلى بعض يده، ولو كان لها كم أمره أن يدخل يده في كمه. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {وأدخل يدك في جيبك} قال: جيب القميص. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة {وأدخل يدك في جيبك} قال: في جيب قميصك {تخرج بيضاء من غير سوء} قال: من غير برص {في تسع آيات} قال: يقول هاتان الآيتان: يد موسى، وعصاه {في تسع آيات} وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: التسع آيات: يد موسى، وعصاه، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والسنين في بواديهم ومواشيهم، ونقص من الثمرات في أمصارهم. وفي قوله {فلما جاءتهم آياتنا مبصرة} قال: بينة {وجحدوا بها} قال: كذبت القوم بآيات الله بعدما استيقنتها أنفسهم أنها حق. والجحود لا يكون إلا من بعد المعرفة. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله {ظلماً وعلواً} قال: تعظماً واستكباراً. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً} قال: تكبروا وقد استيقنتها أنفسهم؛ وهذا من التقديم والتأخير. وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه قرأ {ظلماً وعلياً} وقرأ عاصم {وعلواً} برفع العين واللام.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ إَلاَّ مَن ظَلَمَ}[10،11] قال: لم يكن في الأنبياء والرسل ظالم، وإنما هذه مخاطبة لهم كناية عن قومهم، كما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} تفسير : [الزمر:65] والمقصود من ذلك أمته، فإنهم إذا سمعوا ما خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم من التحذير كانوا أشد حذراً.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ إِلاَّ مَن ظَلَمَ} [الآية:10، 11]. قال سهل: لم تكن فى الأنبياء والرسل ظالم، وإنما هذه مخاطبة لهم كناية بها عند قومهم كما للنبى صلى الله عليه وسلم: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} تفسير : [الزمر: 65]. وانما قصد بذلك إلى أمته فإنهم إذ سمعوا ما خوطب به النبى صلى الله عليه وسلم من التحذير كانوا حذرًا. قال الواسطى رحمه الله: إلا من ظلم برؤية النفس والتفات إليها، وقال إلا من أغفل عن مصادره وموارده. وقال القاسم: إلا من ظلم، إلا من خاف غيرنا، ومن خاف غيرنا فلا يخفه.
القشيري
تفسير : {وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ}. في آية أخرى بَيَّنَ أنه سأله، وقال له على وجه التقرير: {أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ}تفسير : [طه: 17] وأجابه بقوله: {أية : هِيَ عَصَايَ}تفسير : [طه: 18] وذَكَرَ بعضَ مَا لَه فيها من المآرب والمنافع، فقال الله: {وَأَلْقِ عَصَاكَ}، وذلك لأنه أراد أَنْ يُرِيَه فيها من عظيم البرهان ما يجعل له كمالَ اليقين. وألقاها موسى فَقَلَبَهَا اللَّهُ ثعباناً، أولاً حيةً صغيرةً ثم صارت حيةً كبيرةً، فأوجس في نفسه موسى خيفةً وولَّى مُدْبِراً هارباً، وكان خوفه من أن يُسَلِّطَهَا عليه لمَّا كان عارفاً بأن الله يعذِّبَ مَنْ يشاء بما يشاء، فقال له الحقُّ: {يٰمُوسَىٰ لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ}. أي لا ينبغي لهم أن يخافوا.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ} اى لا تخف من الثعبان فان ما ترى فهو ظهور تجلى عظمتى ولا يخاف من مشاهدة عظمتى وجلال فى مقام الالتباس المرسلون فانهم يعلمون اسار وربوبيتى.
اسماعيل حقي
تفسير : {والق عصاك} عطف على بورك اى نودى ان بورك من فى النار وان الق عصاك. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان من سمع نداء الحق وشاهد انوار جماله يلقى من يد همته كل ما كان متوكأه غير الله فلا يتوكأ الا على فضل الله وكرمه شعر : تكيه برغير خدا كفريست ازكفر طريق جز بفضل حق مكن تكيه درين ره اى رفيق تفسير : {فلما رأها تهتز} الفاء فصيحة تفصح عن جملة محذوفة كأنه قيل فالقاها فانقلبت حية تسعى فلما ابصرها تتحرك بحركة شديدة وتذهب الى كل جانب حال كونها {كأنها جان} حية خفيفة سريعة فشبه الحية العظيمة المسما: بالفارسية [ازدها] بالجان فى سرعة الحركة والالتواء والجان ضرب من الحيات اى حية كحلاء العين لا تؤذى كثيرة فى الدور كما فى القاموس. وقال ابو الليث الصحيح ان الثعبان كان عند فرعون والجان عند الطور وفيه اشارة ان كل متوكأ غير الله فى الصورة ثعبان له فى المعنى ولهذا جاء فى المثنوى شعر : هر خيالى كوكند دردل وطن روز محشر صورتى خواهدشدن تفسير : {ولى} رجع واعرض موسى: وبالفارسية [روى بكردانيد] {مدبرا} [درحالتى كه كريزان بود ازخوف]. قال فى كشف الاسرار ادبر عنها وجعلها تلى ظهره {ولم يعقب} ولم يرجع على عقبه من عقب المقاتل اذا كرّ بعد الفرّ وانما اعتراه الرعب لظنه ان ذلك الامر اريد به هلاك نفسه ويدل عليه قوله {ياموسى} اى قيل له ياموسى {لاتخف} اى من غيرى ثقة بى او مطلقا لقوله {انى لايخاف لدى} عندى {المرسلون} فانه يدل على نفى الخوف عنهم مطلقا لكن لا فى جميع الاوقات بل حين يوحى اليهم بوقت الخطاب فانهم حينئذ مستغرقون فى مطالعة شؤون الله لايخطر ببالهم خوف من احد اصلا واما سائر الاحيان فهم اخوف الناس منه سبحانه او لايكون لهم عند سوء عاقبة فيخافون منه. وفى التأويلات النجمية يعنى من فر الى الله عما سوه يؤمنه الله مما سواه ويقول له لاتخف فانك لدى ولايخاف لدى من غيرى القلوب المنورة الملهمة المرسلة اليها الهدايا والتحف من الطافى. وفى عرائس البيان لاتخف من الثعبان فان ماترى ظهور تجلى عظمتى ولا يخاف من مشاهدة عظمتى وجلالى فى مقام الالتباس المرسلون فانه يعلمون اسرار ربوبيتى ولما علم ان موسى كان مستشعرا حقيقة من قتله القبطى قال تعريضا به
الجنابذي
تفسير : {وَأَلْقِ} معطوفٌ على محذوفٍ جواب للسّؤال المقدّر او المذكور والتّقدير ايقن ذلك وألق {عَصَاكَ} ويجوز ان يكون عطفاً على بورك حتّى يكون مثل بورك تفسيراً لنودى، وان يكون عطفاً على انّه انا الله فانّه فى معنى قال يا موسى انّه انا الله وألق عصاك فألقاها فصارت حيّةً حيّةً متحرّكة فنظر فرآها حيّة متحرّكة {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ} تتحرّك {كَأَنَّهَا جَآنٌّ} حيّة غير عظيمة فانّ الجانّ حيّة غير عظيمةٍ غير موذية كحلاء العينين، قيل: انّها فى ذلك المقام صارت حيّةً غير عظيمة غير موذية لانّها كانت اوّل ما رآها فلم يجعلها الله حيّةً عظيمة مثل ما صارت عند ملاقاة فرعون لئلاّ يستوحش كثيراً ومع ذلك خاف منها و {وَلَّىٰ مُدْبِراً} حال مؤكّدة {وَلَمْ يُعَقِّبْ} لم يرجع على عقبه او لم ينظر الى عقبه {يٰمُوسَىٰ} جواب سؤالٍ مقدّرٍ بتقدير القول اى قلنا يا موسى {لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ} يعنى انّ الخوف ليس الاّ من بقايا الانانيّة تبقى على العبد والمرسلون اذ بلغوا الى مقام الحضور وكانوا عند الرّبّ لم يكن عليهم شيءٌ من انانيّاتهم فلم يكن لهم ما عليه يخافون من الانانيّة وما يلزمها من نسبة الاموال والافعال والصّفات اليها.
اطفيش
تفسير : {وَأَلْقِ عَصَاكَ} عطف على بورك أي ان بورك وان الق كما قال في آية أخرى. {ألقِ عَصَاكَ} بعد قوله يا موسى. {فَلَمَّا رَآهَا} أي فألقها فلما رآها. {تَهْتَزُّ} تتحرك باضطراب. {كَأَنَّهَا جَآنٌّ} حية خفيفة سريعة صغيرة وقيل الحية مطلقا لانها تجن نفسها أي تسترها وانما التقى ساكنان لأن الأول حرف مد والثاني مدغم وهما في كلمة وبعض العرب لا يجمع بين ساكنين ولو في مثل ذلك فكان يهمز الألف ويفتحه فيقول جان ودابة وبهذه اللغة قرأ الحسن كأنها جان جدا في الهروب من اجتماعهما. {وَلَّىَ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ} أي يرجع بعد الهروب حال مؤكد لعامله وهو ولي وانما هرب خوفا وظن أنه المراد بها فأسكن الله تعالى قلقه بقوله. {يَا مُوسَى لا تَخَفْ} منها ولا من غيرها وثق بي أو لا تخف فانك من أولياء المرسلين كما قال. {إِنِّي لا يَخَافُ} تعليل مستأنف. {لَدَيَّ المُرْسَلُونَ} من حية ولا من غيرها فاني لا أخزيهم أو لا يخافون من شيء اذا أمرتهم به واذا أمنتهم أو لا تخف سواء العافية فان المرسلين لا يخافونها لعلمهم بأنهم سعداء فلا تخف أن أسخط عليك وأسلط عليكم دابة وخوف الرسل خوف إجلال وحياء من تقصير وربما عظم خوفهم حتى انهم يخافون مع ما سبق لهم من السعادة فيخافون عذاب النار والأنبياء أخوف الناس. قال صل الله عليه وسلم: "حديث : أنا أخشاكم لله ".
اطفيش
تفسير : {وألق عَصَاك} عطف على أن بورك، أى وبلفظ ألق عصاك، كما قال: "أية : وأن ألق عصاك"تفسير : [القصص: 31] بعد قوله عز وجل: "أية : أن يا موسى إنى أنا الله"تفسير : [القصص: 30] ولا يعارض ذلك بتجديد النداء، لأنا علقنا يا موسى بقوله: {وسبحان الله} وإن علقناه بما بعده، فلا بأس بجملة معترضة، وجاز العطف على بورك بلا تأويل لفظ إذا جعل دعاء من غير الله، والله لا يدعو، واذا جعل أخباراً أيضاً لأن سيبويه أجاز عطف الطلب على الخبر والعكس، والتخالف بالاسمية والفعلية، لأنه أجاز: جاء زيد ومن عمر وبالعطف، فيجوز عطف ألق على "أية : إنه أنا الله العزيز الحكيم"تفسير : [النمل: 9] وقدر بعض القول معطوفاً على بورك، أى وقيل له ألق. {فلمَّا رآها تَهْتزّ} أى فألقاها فانقلبت حية تهتز، فلما رآها تهتز {كأنَّها جانٌ} حية صغيرة خفيفة سريعة التحرك والتنقل، مع عظم جرم العصا، كما قال: "أية : ثعبان مبين"تفسير : [الأعراف: 107، الشعراء: 32] أو هى فى حال تحركها تتحرك بخفة تارة، وبثقل أخرى، فى مقام واحد {وَلَّى مُدبراً} منهزماً خائفاً {ولم يُعقِّب} لم يرجع الى عقبه أى خلفه {يا مُوسى} قلنا: يا موسى {لا تخف} من تلك الحية {إنِّى لا يخاف لَدىَّ المرْسَلُون} ما لم أخوفهم، وإذا أخفتهم خافوا، وإنما أخاف الله تعالى موسى لقتله القبطى، والخوف الذى هو شرط فى الايمان لا يفارق الأنبياء، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا أخشاكم لله تعالى"تفسير : ومعنى الآية أنى لست أخوفك بها، ولا أضرك بها، فان شأنى مع رسلى لا أخوفهم، ولا أضرهم، أو لا تخف غيرى حية او غيرها ثقة، أو أترك الخوف مطلقاً باستعمال الخوف بدون اعتبار مخوف منه. وقيد بلدىّ أى فى حضرة القرب منى، وذلك حين الوحى، وأما فى سائر الأحوال، فالمرسلون أشد الناس خوفاً من حصول التقصير وسوء العاقبة ولو عصموا، لأنهم ينسون العصمة وتتغلب عليهم المخافة والاجلال، ويخافون شر ما لم يظهره الله لهم، وكذلك المبشرون من الصحابة، ولا عصمة كعصمة الملائكة، وهم يخافون، لما مكر بابليس بكى جبريل وميكائيل عليهما السلام، فقال الله عز وجل: "ما يبكيكما؟ " فقالا: يا رب ما نأمن من مكرك، فقال الله تعالى: "هكذا كونا لا تأمنا مكرى".
الالوسي
تفسير : {وَأَلْقِ عَصَاكَ } عطف على {أية : بُورِكَ }تفسير : [النمل: 8] منتظم معه في سلك تفسير النداء أي نودي أن بورك وأن ألق عصاك، ويدل عليه قوله تعالى: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ } بعد قوله سبحانه: {أية : أَن يٰمُوسَىٰ إِنّى أَنَا ٱللَّهُ }تفسير : [القصص: 30، 31] بتكرير أن فإن القرآن يفسر بعضه بعضاً وهذا ما اختاره الزمخشري. وأورد عليه أن تجديد النداء في قوله تعالى: {يٰمُوسَىٰ} الخ يأباه. ورد بأنه ليس بتجديد نداء لأنه من جملة تفسير النداء المذكور، وقيل: لا يأباه لأنه جملة معترضة وفيه بحث، واعترض أيضاً بأن {بُورِكَ } إخبار {وَأَلْقِ } إنشاء ولا يعطف الإنشاء على الإخبار، ومن هنا قيل؛ إن العطف على ذلك بتقدير وقيل له: الق أو العطف على مقدر أي افعل ما آمرك وألق، وفيه أنه في مثل هذا يجوز عطف الإنشاء على الإخبار لكون النداء في معنى القول بل أجاز سيبويه جاء زيد ومن عمر بالعطف. ولا يرد هذا أصلاً على من يجعل {بُورِكَ } إنشاء، ويرد على من جعل العطف على افعل محذوفاً أن الظاهر حينئذ فألق بالفاء، واختار أبو حيان كون العطف على جملة {أية : إِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } تفسير : [النمل: 9] ولم يبال باختلاف / الجملتين اسمية وفعلية وإخبارية وإنشائية لما ذكر أن الصحيح عدم اشتراط تناسب الجملتين المتعاطفتين في ذلك لما سمعت آنفاً عن سيبويه. والفاء في قوله تعالى: {فَلَمَّا رَءاهَا تَهْتَزُّ } فصيحة تفصح عن جملة قد حذفت ثقة بظهورها ودلالة على سرعة وقوع مضمونها كأنه قيل: فألقاها فانقلبت حية فلما أبصرها تتحرك بشدة اضطراب، وجملة {تَهْتَزُّ } في موضع الحال من مفعول رأى فإنها بصرية كما أشرنا إليه لا علمية كما قيل. وقوله تعالى: {كَأَنَّهَا جَانٌّ } في موضع حال أخرى منه أو هو حال من ضمير {تَهْتَزُّ } على طريقة التداخل، والجان الحية الصغيرة السريعة الحركة شبهها سبحانه في شدة حركتها واضطرابها مع عظم جثتها بصغار الحيات السريعة الحركة فلا ينافي هذا قوله تعالى في موضع آخر: {أية : فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } تفسير : [الأعراف: 107]. وقيل: يجوز أن يكون الإخبار عنها بصفات مختلفة باعتبار تنقلها فيها، وقرأ الحسن والزهري وعمرو بن عبيد: {جأن} بهمزة مفتوحة هرباً من التقاء الساكنين وإن كان على حده كما قيل: دأبة وشأبة. {وَلَّىٰ مُدْبِراً } أي انهزم {وَلَمْ يُعَقّبْ } أي ولم يرجع على عقبه من عقب المقاتل إذا كر بعد الفرار قال الشاعر:شعر : فما عقبوا إذ قيل هل من معقب ولا نزلوا يوم الكريهة منزلاً تفسير : وهذا مروي عن مجاهد، وقريب منه قول قتادة: أي لم يلتفت وهو الذي ذكره الراغب، وكان ذلك منه عليه السلام لخوف لحقه، قيل: لمقتضى البشرية فإن الإنسان إذا رأى أمراً هائلاً جداً يخاف طبعاً أو لما أنه ظن أن ذلك لأمر أريد وقوعه به، ويدل على ذلك قوله سبحانه: {يٰمُوسَىٰ لاَ تَخَفْ } أي من غيري أي مخلوق كان حية أو غيرها ثقة بـي واعتماداً عليَّ أو لا تخف مطلقاً على تنزيل الفعل منزلة اللازم، وهذا إما لمجرد الإيناس دون إرادة حقيقة النهي وإما للنهي عن منشأ الخوف وهو الظن الذي سمعته. وقوله تعالى: {إِنّى لاَ يَخَافُ لَدَىَّ ٱلْمُرْسَلُونَ } تعليل للنهي عن الخوف، وهو على ما قيل يؤيد أن الخوف كان للظن المذكور وأن المراد {لاَ تَخَفْ } مطلقاً، والمراد من {لَدَىَّ} في حضرة القرب مني وذلك حين الوحي. والمعنى أن الشأن لا ينبغي للمرسلين أن يخافوا حين الوحي إليهم بل لا يخطر ببالهم الخوف وإن وجد ما يخاف منه لفرط استغراقهم إلى تلقي الأوامر وانجذاب أرواحهم إلى عالم الملكوت، والتقييد بلديَّ لأن المرسلين في سائر الأحيان أخوف الناس من الله عز وجل فقد قال تعالى: {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء }تفسير : [فاطر: 28] ولا أعلم منهم بالله تعالى شأنه، وقيل: المعنى لا تخف من غيري أو لا تخف مطلقاً فإن الذي ينبغي أن يخاف منه أمثالك المرسلون إنما هو سوء العاقبة وأن الشأن لا يكون للمرسلين عندي سوء عاقبة ليخافوا منه. والمراد بسوء العاقبة ما في الآخرة لا ما في الدنيا لئلا يرد قتل بعض المرسلين عليهم الصلاة والسلام، والمراد بلدي على ما قال الخفاجي: عند لقائي وفي حكمي على ما قال ابن الشيخ. وأياً ما كان يلزم مما ذكر أن المرسلين عليهم السلام لا يخافون سوء العاقبة لأن الله تعالى آمنهم من ذلك فلو خافوا لزم أن لا يكونوا واثقين به عز وجل وهذا هو الصحيح كما في «الحواشي الشهابية» عند الأشعري، وظاهر الآثار يقتضي أنهم عليهم السلام كانوا يخافون ذلك، فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام كان يكثر أن يقول: «حديث : يا مقلب القلوب ثبت قلبـي على دينك / فقالت له عائشة رضي الله تعالى عنها يوماً: يا رسول الله إنك تكثر أن تدعو بهذا الدعاء فهل تخشى؟ فقال صلى الله عليه وسلم: وما يؤمنني يا عائشة وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن إذا أراد يقلب قلب عبده» تفسير : وظاهر بعض الآيات يقتضي ذلك أيضاً مثل قوله تعالى: {أية : فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ }تفسير : [الأعراف: 99] وكون الله تعالى آمنهم من ذلك إن أريد به ما جاء في ضمن تبشيرهم بالجنة فقد صح أن المبشرين بالجنة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يخافون من سوء العاقبة مع علمهم ببشارته تعالى إياهم بالجنة، ويعلم منه أن الخوف يجتمع مع البشارة، ولا يلزم من ذلك عدم الوثوق به عز وجل لأنه لاحتمال أن يكون هناك شرط لم يظهره الله تعالى لهم للابتلاء ونحوه من الحكم الإلهية، وإن أريد به ما كان بصريح ءامنتكم من سوء العاقبة كان هذا الاحتمال قائماً أيضاً فيه ويحصل الخوف من ذلك، وإن أريد به ما اقتضاه جعله تعالى إياهم معصومين من الكفر ونحوه. ورد أن الملائكة عليهم السلام جعلهم الله تعالى معصومين من ذلك أيضاً وهم يخافون. ففي الأثر لما مكر بإبليس بكى جبرائيل وميكائيل عليهما السلام فقال الله عز وجل لهما: ما يبكيكما؟ قالا: يا رب ما نأمن مكرك فقال تعالى: هكذا كونا لا تأمنا مكري، ولعل ذلك لأن العصمة عندنا على ما يقتضيه أصل استناد الأشياء كلها إلى الفاعل المختار ابتداء كما في «المواقف» و«شرحه» الشريف الشريفي أن لا يخلق الله تعالى في الشخص ذنباً، وعند الحكماء بناء على ما ذهبوا إليه من القول بالإيجاب واعتبار استعداد القوابل ملكة تمنع الفجور وتحصل ابتداء بالعلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات وتتأكد بتتابع الوحي بالأوامر والنواهي وهي بكلا المعنيين لا تقتضي استحالة الذنب، أما عدم اقتضائها ذلك بالمعنى الأول فلأن عدم خلقه تعالى إياه ليس بواجب عليه سبحانه ليكون خلقه مستحيلاً عليه تعالى ومتى لم يكن الخلق مستحيلاً عليه تعالى فكيف يحصل الأمن من المكر، وأما عدم اقتضائها ذلك بالمعنى الثاني فلأن زوال تلك الملكة ممكن أيضاً واقتضاء العلم بالمثالب والمناقب إياها ابتداء وتأكدها بتتابع الوحي ليس من الضروريات العقلية ومتى كان الأمر كذلك لا يحصل الأمن بمجرد حصول الملكة، نعم قال قوم: العصمة تكون خاصية في نفس الشخص أو في بدنه يمتنع بسببها صدور الذنب عنه، وقد يستند إليه من يقول بالأمن، ولا يخفى أنه لو سلم تمام الاستدلال به على هذا المطلب فهو في حد ذاته غير صحيح. ففي «المواقف وشرحه» أنه يكذب هذا القول أنه لو كان صدور الذنب ممتنعاً لما استحق النبـي عليه الصلاة والسلام المدح بترك الذنب إذ لا مدح بترك ما هو ممتنع لأنه ليس بمقدور داخلاً تحت الاختيار، وأيضاً فالإجماع على أن الأنبياء عليهم السلام مكلفون بترك الذنوب مثابون به ولو كان صدور الذنب ممتنعاً عنهم لما كان الأمر كذلك، وأيضاً فقوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَىَّ } تفسير : [الكهف: 110] يدل على مماثلتهم عليهم السلام لسائر الناس فيما يرجع إلى البشرية والامتياز بالوحي فلا يمتنع صدور الذنب عنهم كما لا يمتنع صدوره عن سائر البشر اهـ. وذكر الخفاجي في «شرح الشفاء» عن ابن الهمام أنه قال في «التحرير»: العصمة عدم القدرة على المعصية وخلق مانع عنها غير ملجىء، ثم قال: وهو مناسب لقول الماتريدي العصمة لا تزيل المحنة أي الابتلاء المقتضى لبقاء الاختيار، ومعناه كما في «الهداية» أنها لا تجبره على الطاعة ولا تعجزه عن المعصية بل هي لطف من / الله تعالى تحمله على فعله وتزجره عن الشر مع بقاء الاختيار وتحقيق للابتلاء اهـ، وهو ظاهر على عدم الاستحالة الذاتية لصدور الذنب، ولعل ما وقع في كلام بعض الأجلة من استحالة وقوع الذنب منهم عليهم السلام محمول على الاستحالة الشرعية كما يؤذن به كلام العلامة ابن حجر في «شرح الهمزية». وبالجملة الذي تقتضيه الظواهر ويشهد له العقل أن الأنبياء عليهم السلام يخافون ولا يأمنون مكر الله تعالى لأنه وإن استحال صدور الذنب عنهم شرعاً لكنه غير مستحيل عقلاً بل هو من الممكنات التي يصح تعلق قدرة الله تعالى بها ومع ملاحظة إمكانه الذاتي وأن الله تعالى لا يجب عليه شيء وقيام احتمال تقييد المطلق بما لم يصرح به لحكمة كالمشيئة لا يكاد يأمن معصوم من مكر الملك الحي القيوم فالأنبياء والملائكة كلهم خائفون ومن خشيته سبحانه عز وجل مشفقون، وليس لك أن تخص خوفهم بخوف الإجلال إذ الظاهر العموم ولا دليل على الخصوص يعود عليه عند فحول الرجال، نعم قال يقال بإمكان حصول الأمن من المكر وذلك بخلق الله تعالى علماً ضرورياً في العبد بعدم تحقق ما يخاف منه في وقت من الأوقات أصلاً لعلم الله تعالى عدم تحققه كذلك وإن كان ممكناً ذاتياً، ولعله يحصل لأهل الجنة لتتم لذتهم فيها فقد قيل:شعر : فإن شئت إن تحيا حياة هنية فلا تتخذ شيئاً تخاف له فقداً تفسير : ولا يبعد حصوله لمن شاء الله تعالى من عباده يوم القيامة قبل دخولها أيضاً، ولم تقم أمارة عندي على حصوله في هذه النشأة لأحد والله تعالى أعلم فتأمل ذاك والله تعالى يتولى هداك، وروى الإمام عن بعضهم أنه قال معنى الآية: إني إذا أمرت المرسلين بإظهار معجز فينبغي أن لا يخافوا فيما يتعلق بإظهار ذلك وإلا فالمرسل قد يخاف لا محالة.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 10- وفى سبيل أن تؤدى دعوتك ألْق عصاك. فلما ألقاها ورآها تهتز كأنها حية خفيفة سريعة أعرض عنها راجعا إلى الوراء، ولم يعد إليها بعد أن أدبر عنها، فطمْأنه الله تعالى بقوله: لا تخف إنى لا يخاف عندى المرسلون حين أخاطبهم. 11- لكن من عمل شيئا غير مأذون له فيه، ثم بدَّل حسنا بعد هفوة فإنى كثير المغفرة عظيم الرحمة. 12- وأدخل يدك فى فتحة ثوبك تخرج بيضاء من غير برص، فى جملة تسع معجزات، مرسلا إلى فرعون وقومه، إنهم كانوا قوما خارجين عن أمر اللَّه كافرين. 13- فلما جاءت هذه المعجزات واضحة ظاهرة قالوا: هذا سحر واضح بيِّن. 14- وكذبوا بها منكرين لدلالتها على صدق الرسالة، وقد وقع اليقين فى قلوبهم، ولكنهم لم يذعنوا لاستعلائهم بالباطل وطغيانهم، فانظر - أيها النبى - كيف كانت عاقبة الذين دأبوا على الفساد، فكفروا بالمعجزات وهى واضحة؟ 15- هذا طغيان فرعون بسبب ملكه، فانظر إلى السلطان العادل، سلطان الحكم وسلطان النبوة فى داود وابنه سليمان - عليهما السلام - لقد آتيناهما علماً كثيراً بالشريعة ودراية بالأحكام، فأقاما العدل وحمدا الله الذى منحهما فضلاً على كثير من عباده الصادقين المذعنين للحق.
د. أسعد حومد
تفسير : {رَآهَا} {يٰمُوسَىٰ} (10) - ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى مُوسَى بأَنْ يُلْقِيَ عَصَاهُ ليُظْهِرَ لَهُ دَليلاً واضِحاً على أنهُ الفاعلُ المختارُ القادرُ على كلِّ شيءٍ. فلما ألْقَى العَصا من يدِهِ انقَلَبَتْ في الحَالِ إلى حَيَّةٍ سَرِيعةِ الحَرَكَةِ كأنَّها جانٌّ (أيْ ضربٌ من الحَيَّاتِ سريعُ الحَرَكَةِ) فلما رَأى موسى ذلِك هَرَبَ مُسْرِعاً ولمْ يَلْتَفِتْ خَلْفَهُ (ولم يُعَقِّبْ)، مِنْ شِدَّةِ خَوْفِهِ واضْطِرَابِهِ، فقالَ لهُ اللهُ تَعالى: يَا مُوسى لا تَخَفْ مما تَرَى، فإِنِّي أريدُ أن أصْطَفِيَكَ رَسُولاً، وأجْعَلَكَ نَبياً وَجِيهاً، وإنِّي لا يَخَافُ عندِي رُسُلي وأنْبِيائي. تَهْتَزُّ - تَتَحَرَّكُ. كأنَّها جانٌّ - كأنَّها حيةٌ خَفيفةُ الحَرَكَةِ. لمْ يُعَقِّبْ - لم يَرْجِعْ على عَقِبَيْهِ أو لَمْ يَلْتَفِتْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونلحظ أن هنا تفاصيلَ وأحداث لم تذكرها الآية هنا، وذُكِرَت في موضع آخر في قوله تعالى: {أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ}تفسير : [طه: 17-18]. والأدب يقتضي أن يأتي الجواب على قَدْر السؤال، لكن موسى - عليه السلام - أراد أنْ يطيل أمد الأُنْس بالله والبقاء في حضرته تعالى، ولما أحسَّ موسى أنه أطال في هذا المقام أجمل، فقال: {أية : وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ}تفسير : [طه: 18] فللعصا مهام أخرى كثيرة في حياته. وهنا يقول سبحانه: {وَأَلْقِ عَصَاكَ ..} [النمل: 10] يعني: إنْ كانت العصا بالنسبة لك بهذه البساطة، وهذه مهمتها عندك فلها عندي مهمة أخرى، فانظر إلى مهمتها عندي، وإلى ما لا تعرفه عنها. {وَأَلْقِ عَصَاكَ ..} [النمل: 10] فلمّا ألقى موسى عصاه وجدها {تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ ..} [النمل: 10] يعني: حية تسعى وتتحرك، والعجيب أنها لم تتحول إلى شيء من جنسها، فالعصا عود من خشب، كان فرعاً في شجرة، فجنسه النبات ولما قُطعت وجفَّتْ صارت جماداً، فلو عادت إلى النباتية يعني: إلى الجنس القريب منها واخضرتْ لكانت عجيبة. أمّا الحق - تبارك وتعالى - فقد نقلها إلى جنس آخر إلى الحيوانية، وهذه قفزة كبيرة تدعو إلى الدهشة بل والخوف، خاصة وهي {تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ ..} [النمل: 10] أي: تتحرك حركة سريعة هنا وهناك. وطبيعي في نفسية موسى حين يرى العصا التي في يده على هذه الصورة أنْ يخاف ويضطرب {أية : فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ * قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [طه: 67-68]. ومعنى: {أية : ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [طه: 68] إشارة إلى أنه تعالى يُعده لمهمة كبرى، وأن لهذه العصا دوراً مع الخصوم، وسوف ينتصر عليهم، ويكون هو الأعلى. وحين تتتبع اللقطات المختلفة لهذه القصة تجدها مرة (جان) ومرة (حية) ومرة (ثعبان)، وهي كلها حالات للشيء الواحد، فالجان فَرْخ الثعبان، وله مِن خفة الحركة ما ليس للثعبان، والحية هي الثعبان الضخم. وقوله تعالى {وَلَّىٰ مُدْبِراً ..} [النمل: 10] يعني: انصرف عنها وأعطاها ظهره {وَلَمْ يُعَقِّبْ ..} [النمل: 10] نقول: فلان يُعقِّب يعني: يدور على عَقِبه ويرجع، والمعنى أنه انصرف عنها ولم يرجع إليها؛ لذلك ناداه ربه سبحانه وتعالى: {يٰمُوسَىٰ لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ} [النمل: 10]. ونلحظ هنا نداءين اثنين يذكر فيهما، المنادى موسى - عليه السلام - وكأنهما تعويض للنداء السابق الذي نُودِي فيه بالخبر {أية : أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ..}تفسير : [النمل: 8]. وعلَّة عدم الخوف {لاَ تَخَفْ ..} [النمل: 10] ليعلمه أنه سيُضطر إلى معركة، فليكُنْ ثابتَ الجأْش لا يخاف لأنّه لا يحارب شخصاً بمفرده، إنما جمعاً من السَّحرة جُمِعوا من كل أنحاء البلاد، وسبق أنْ قال له: {أية : إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [طه: 68] حتى لا تُرهبه هذه الكثرة. وهنا قال {إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ} [النمل: 10] والمعنى: لا تخفْ، لأني أنا الذي أرسلتُك، وأنا الذي أتولّى حمايتك وتأييدك، كما قال الحق سبحانه في موضع آخر: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ}تفسير : [الصافات: 171-173]. فأنت معذور في الخوف، إنْ كنتَ بعيداً عني، فكيف وأنت في جواري وأنا معك، وها أنذا أخاطبك؟ وكان إلقاء العصا من موسى هذه المرة مجرد تجربة (بروفة) ليألف هذه المسألة ويأنس إليها، وتحدث له دُرْبة ورياضة، فإذا ما أجرى هذه العملية أمام فرعون والسحرة أجراها بثقة وثبات ويقين من إمكانية انقلاب العصا إلى حية. وبعد ذلك يأتي بآية تثبت منطقة التكليف في البشر حتى الرسل، والرسل أيضاً مُكلَّفون، وكل مُكلَّف يصح أن يطيع أو أن يعصي، لكن الرسلَ معصومون من المعصية، أما موسى عليه السلام فله حادثة مخصوصة حين وكَز الرجل فسقط ميتاً، فقال: {أية : وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ}تفسير : [الشعراء: 14]. وفي موضع آخر يُحدِّد هذا الذنب: {أية : قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ}تفسير : [القصص: 33]. ونضع هذه القصة أمامنا لنفهم: {إِلاَّ مَن ظَلَمَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {كَأَنَّهَا جَآنٌّ} وهي جِنسٌ من الحَياتِ. تفسير : وقوله تعالى: {وَلَمْ يُعَقِّبْ} معناه لم يَرجِعْ. وقال لَم يَلتَفِتْ.
همام الصنعاني
تفسير : 2148- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلَمْ يُعَقِّبْ}: [الآية: 10]، قال: لَمْ يلتفت.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):