٢٧ - ٱلنَّمْل
27 - An-Naml (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
11
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {إَلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوء فَإِنّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ } استثناء منقطع استدرك به ما يختلج في الصدر من نفي الخوف عن كلهم، وفيهم من فرطت منه صغيرة فإنهم وإن فعلوها أتبعوا فعلها ما يبطلها ويستحقون به من الله مغفرة ورحمة فإنه لا يخاف أيضاً، وقصد تعريض موسى بوكزه القبطي. وقيل متصل وثم بدل مستأنف معطوف على محذوف أي عن ظلم ثم بدل ذنبه بالتوبة. {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} لأنه كان بمدرعة صوف لا كم لها. وقيل الجيب القميص لأنه يجاب أي يقطع. {تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوء } آفة كبرص. {فِي تِسْعِ ءَايَاتٍ} في جملتها أو معها على أن التسع هي، الفلق، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطمسة، والجدب في بواديهم، والنقصان في مزراعهم ولمن عد العصا واليد من التسع أن يعد الأخيرين واحداً ولا يعد الفلق لأنه لم يبعث به إلى فرعون. أو اذهب في تسع آيات على أنه استئناف بالإِرسال فيتعلق به. {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ } وعلى الأولين يتعلق بنحو مبعوثاً أو مرسلاً. {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ } تعليل للإِرسال. {فَلَمَّا جَاءتْهُمْ ءَايَـٰتُنَا} بأن جاءهم موسى بها. {مُبْصِرَةً } بينة اسم فاعل أطلق للمفعول، وإشعاراً بأنها لفرط اجتلائها للأبصار بحيث تكاد تبصر نفسها لو كانت مما يبصر، أو ذات تبصر من حيث إنها تهدي والعمي لا تهتدي فضلاً عن أن تهدي، أو مبصرة كل من نظر إليها وتأمل فيها. وقرىء»مُبْصِرَةً« أي مكاناً يكثركم فيه التبصر. {قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ } واضح سحريته. {وَجَحَدُواْ بِهَا } وكذبوا بها. {وَٱسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ } وقد استيقنتها لأن الواو للحال. {ظُلْماً} لأنفسهم. {وَعُلُوّاً} ترفعاً عن الإِيمان وانتصابهما. على العلة من {جَحَدُواْ }. {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ } وهو الإِغراق في الدنيا والإِحراق في الآخرة. {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَـٰنَ عِلْماً} طائفة من العلم وهو علم الحكم والشرائع، أو علماً أي علم. {وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} عطفه بالواو إشعاراً بأن ما قالاه بعض ما أتيا به في مقابلة هذه النعمة كأنه قال: ففعلا شكراً له ما فعلا {وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ }. {ٱلَّذِى فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} يعني من لم يؤت علماً أو مثل علمهما، وفيه دليل على فضل العلم وشرف أهله حيث شكرا على العلم وجعلاه أساس الفضل ولم يعتبرا دونه ما أوتيا من الملك الذي لم يؤت غيرهما، وتحريض للعالم على أن يحمد الله تعالى على ما آتاه من فضله وأن يتواضع ويعتقد أنه وإن فضل على كثير فقد فضل عليه كثير. {وَوَرِثَ سُلَيْمَـٰنُ دَاوُودَ} النبوة أو العلم أو الملك بأن قام مقامه في ذلك دون سائر بنيه وكانوا تسعة عشر. {وَقَالَ يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَيْءٍ} تشهيراً لنعمة الله وتنويهاً بها ودعاء الناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير وغير ذلك من عظائم ما أوتيه، والنطق والمنطق في المتعارف كل لفظ يعبر به عما في الضمير مفرداً كان أو مركباً وقد يطلق لكل ما يصوت به على التشبيه، أو التبع كقولهم نطقت الحمامة ومنه الناطق والصامت للحيوان والجماد، فإن الأصوات الحيوانية من حيث إنها تابعة للتخيلات منزلة منزلة العبارات سيما وفيها ما يتفاوت باختلاف الأغراض بحيث يفهمها ما من جنسه، ولعل سليمان عليه الصلاة والسلام مهما سمع صوت حيوان علم بقوته القدسية التخيل الذي صوته والغرض الذي توخاه به. ومن ذلك ما حكي أنه مر ببلبل يصوت ويترقص فقال: يقول إذا أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء، وصاحت فاختة فقال: إنها تقول ليت الخلق لم يخلقوا، فلعله كان صوت البلبل عن شبع وفراغ بال وصياح الفاختة عن مقاساة شدة وتألم قلب، والضمير في {عَلِمْنَا} {وَأُوتِينَا} له ولأبيه عليهما الصلاة والسلام أوله وحده على عادة الملوك لمراعاة قواعد السياسة، والمراد {مِن كُلِّ شَيْءٍ} كثرة ما أوتي كقولك: فلان يقصده كل أحد ويعلم كل شيء. {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ } الذي لا يخفى على أحد. {وَحُشِرَ} وجمع. {لِسُلَيْمَـٰنَ جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنْس وَٱلطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} يحبسون بحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا. {حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِي ٱلنَّمْلِ} واد بالشام كثير النمل، وتعدية الفعل إليه بـ {عَلَىٰ} إما لأن إتيانهم كان من عال أو لأن المراد قطعة من قولهم: أتى على الشيء إذا أنفده وبلغ آخره كأنهم أرادوا أن ينزلوا أخريات الوادي. {قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَـٰكِنَكُمْ} كأنها لما رأتهم متوجهين إلى الوادي فرت عنهم مخافة حطمهم فتبعها غيرها فصاحت صيحة نبهت بها ما بحضرتها من النمال فتبعتها، فشبه ذلك بمخاطبة العقلاء ومناصحتهم ولذلك أجروا مجراهم مع أنه لا يمتنع أن خلق الله سبحانه وتعالى فيها العقل والنطق. {لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَـٰنُ وَجُنُودُهُ} نهي لهم عن الحطم، والمراد نهيها عن التوقف بحيث يحطمونها كقولهم: لا أرينك ها هنا، فهو استئناف أو بدل من الأمر لا جواب له فإن النون لا تدخله في السعة. {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} بأنهم يحطمونكم إذ لو شعروا لم يفعلوا كأنها شعرت عصمة الأنبياء من الظلم والإِيذاء. وقيل استئناف أي فهم سليمان والقوم لا يشعرون. {فَتَبَسَّمَ ضَـٰحِكاً مّن قَوْلِهَا} تعجباً من حذرها وتحذيرها واهتدائها إلى مصالحها، وسروراً بما خصه الله تعالى به من إدراك همسها وفهم غرضها ولذلك سأل توفيق شكره. {وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ} أي اجعلني أزع شكر نعمتك عندي، أي أكفه وأرتبطه لا ينفلت عني بحيث لا أنفك عنه، وقرأ البزي وورش بفتح ياء {أَوْزِعْنِي}. {ٱلَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَالِدَىَّ} أدرج فيه ذكر والديه تكثيراً للنعمة أو تعميماً لها، فإن النعمة عليهما نعمة عليه والنعمة عليه يرجع نفعها إليهما سيما الدينية. {وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحاً تَرْضَـٰهُ } إتماماً للشكر واستدامة للنعمة. {وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } في عدادهم الجنة. {وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ} وتعرف الطير فلم يجد فيها الهدهد. {فَقَالَ مَا لِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَائِبِينَ} أم منقطعة كأنه لما لم يره ظن أنه حاضر ولا يراه لساتر أو غيره فقال: ما لي لا أراه، ثم احتاط فلاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك وأخذ يقول أهو غائب كأنه يسأل عن صحة ما لاح له.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِلا } لكن {مَن ظَلَمَ } نفسه {ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً } أتاه {بَعْدَ سُوءٍ } أي تاب {فَإِنّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أَقبلُ التوبة وأَغفر له.
ابن عبد السلام
تفسير : {إِلا مَن ظَلَمَ} من غير المرسلين فيكون الاستثناء منقطعاً، أو أراد آدم ظَلَم نفسه بأكل الشجرة، أو يخافون مما كان منهم قبل النبوة كقتل موسى للقبطي، أو يخافون من الصغائر بعد النبوة لأنهم غير معصومين منها.
الخازن
تفسير : {إلا من ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء فإني غفور رحيم} قيل: هو ما يصدر من الأنبياء من ترك الأفضل والصغيرة وقيل يحتمل أن يكون المراد منه التعريض بما وجد من موسى من قتل القبطي وهو من التعريضات اللطيفة وسماه ظلماً لقول موسى {أية : إني ظلمت نفسي}تفسير : [النمل: 44] ثم إنه خاف من ذلك فتاب قال: {أية : رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له}تفسير : [القصص: 16] قال ابن جريح: قال الله تعالى لموسى إنما أخفتك لقتلك النفس، ومعنى الآية لا يخيف الله الأنبياء إلا بذنب يصيبه أحدهم فإن أصابه أخافه حتى يتوب، فعلى هذا التأويل يكون صحيحاً وتناهى الخبر عن الرسل عند قوله إلا من ظلم ثم ابتدأ الخبر عن حالة من ظلم من الناس كافة وفي الآية متروك استغنى عن ذكره لدلالة الكلام عليه تقديره: فمن ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء فإني غفور رحيم وقيل ليس هذا الاستثناء من المرسلين، لأنه لا يجوز عليهم الظلم بل هو استثناء من المتروك ومعناه: لا يخاف لدي المرسلون إنما الخوف عليهم من الظالمين وهذا الاستثناء المنقطع معناه لكن من ظلم من سائر الناس فإنه يخاف فإن تاب وبدل حسناً بعد سوء فإني غفور رحيم أي أغفر له وأزيل خوفه وقيل: إلا هنا بمعنى ولا معناه ولا يخاف لدي المرسلون ولا من ظلم، ثم بدل حسناً بعد سوء يعني تاب من ظلمه فإني غفور رحيم ثم إن الله تعالى أراه آية أخرى فقال تعالى {وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء} قيل كانت عليه مدرعة صوف لا كمَّ لها، ولا أزرار فأدخل يده في جيبها وأخرجها فإذا هي تبرق مثل شعاع الشمس أو البرق {من غير سوء} يعني من غير برص {في تسع آيات} يعني آية مع تسع آيات أنت مرسل بهن فعلى هذا تكون الآيات إحدى عشرة العصا واليد البيضاء والفلق والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس والجدب في بواديهم، والنقصان في مزارعهم، وقيل: في بمعنى من أي من تسع آيات فتكون اليد البيضاء من التسع {إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوماً فاسقين} يعني خارجين عن الطاعة {فلما جاءتهم آياتنا مبصرة} يعني بينة واضحة يبصرونها {قالوا هذا} يعني الذي نراه {سحر مبين} يعني ظاهر {وجحدوا بها} يعني أنكروا الآيات، ولم يقروا أنها من عند الله {واستيقنتها أنفسهم} يعني علموا أنها من عند الله والمعنى أنهم جحدوا بها بألسنتهم واستيقنوها بقلوبهم وضمائرهم {ظلماً وعلواً} أي شركاً وتكبراً عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى {فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} يعني الغرق. قوله تعالى {ولقد آتينا داود وسليمان علماً} يعني علم القضاء والسياسة وعلم داود تسبيح الطير، والجبال وعلم سليمان منطق الطير والدواب {وقالا الحمد لله الذي فضلنا} يعني بالنبوة والكتاب والملك وتسخير الجن والإنس {على كثير من عباده المؤمنين} أراد بالكثير الذين فضلا عليهم من لم يؤت علماً أو لم يؤت مثل علمهما، وفيه أنهما فضلا على كثير وفضل عليهما كثير وقيل إنهما لم يفضلا أنفسهما على الكل، وذلك يدل على حسن التواضع. قوله تعالى {وورث سليمان داود} يعني نبوته وعلمه، وملكه دون سائر أولاده وكان لداود تسعة عشر ابناً وأعطي سليمان ما أعطي داود وزيد له تسخير الريح، والجن والشياطين قال مقاتل: كان سليمان أعظم ملكاً من داود, وأقضى منه وكان داود أشد تعبداً من سليمان وكان سليمان شاكراً لنعم الله تعالى {وقال} يعني سليمان {يا أيها الناس علمنا منطق الطير} سمى صوت الطير منطقاً لحصول الفهم منه، وروي عن كعب الأحبار قال: صاح ورشان عند سليمان، فقال: أتدرون ما يقول هذا؟ قالوا: لا قال إنه يقول لدوا للموت وابنوا للخراب وصاحت فاختة فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا لا قال إنها تقول ليت الخلق لم يخلقوا وصاح طاووس فقال أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا قال: إنه يقول كما تدين تدان وصاح هدهد فقال: أتدرون ما يقول هذا؟ قالوا: لا قال: إنه يقول من لا يرحم لا يرحم وصاح صرد فقال: أتدرون ما يقول هذا؟ قالوا: لا قال إنه يقول استغفروا ربكم يا مذنبين وصاحت طيطوى فقال أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا قال: فإنها تقول كل حي ميت وكل جديد بال وصاح خطاف فقال: أتدرون ما يقول قالوا: لا قال إنه يقول قدموا خيراً تجدوه وهدرت حمامة قال: أتدرون ما تقول قالوا:لا قال: إنها تقول سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه وصاح قمري قال أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا قال إنه يقول سبحان ربي الدائم قال والغراب يدعو على العشار والحدأة تقول كل شيء هالك إلا وجهه، والقطاة تقول من سكت سلم والببغاء تقول: ويل لمن كانت الدنيا همه. والضفدع يقول سبحان ربي القدوس والبازي يقول: سبحان ربي وبحمده والضفدعة تقول: سبحان المذكور بكل لسان. وعن مكحول قال صاح دراج عند سليمان فقال: أتدرون ما يقول قالوا: لا قال إنه يقول الرحمن على العرش استوى وقال فرقد مر سليمان على بلبل فوق شجرة يحرك رأسه، ويميل ذنبه فقال: لأصحابه أتدرون ما يقول هذا البلبل؟ قالوا الله ونبيه أعلم قال إنه يقول أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء وروي أن جماعة من اليهود قالوا لابن عباس: إنا سائلوك عن سبعة أشياء إن أخبرتنا آمنا وصدقنا قال: سلوا تفقهاً لا تعنتاً قالوا أخبرنا ما تقول القنبرة في صفيرها والديك في صعيقه، والضفدع في نقيقه والحمار في نهيقه، والفرس في صهيله وماذا يقول الزرزور والدراج قال نعم أما القنبر فإنه يقول: اللهم العن مبغض محمد وآل محمد والديك يقول اذكروا الله يا غافلين وأما الضفدع، فإنه يقول سبحان الله المعبود في البحار وأما الحمار فإنه يقول اللهم العن العشار وأما الفرس، فإنه يقول إذا التقى الجمعان سبوح قدوس رب الملائكة والروح وأما الزرزور، فإنه يقول اللهم إني أسألك قوت يوم بيوم يا رزاق وأما الدراج فإنه يقول الرحمن على العرش استوى، فأسلم هؤلاء اليهود وحسن إسلامهم وروي عن جعفر الصادق عن أبيه عن جده الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، قال: إذا صاح النسر قال: يا ابن آدم عشت ما شئت آخره الموت، وإذا صاح العقاب قال البعد من الناس أنس، وإذا صاح القنبر قال إلهي العن مبغضي محمد وآل محمد وإذا صاح الخطاف قال الحمد لله رب العالمين ويمد العالمين كما يمد القارىء. وقوله تعالى {وأوتينا من كل شيء} أي مما أوتي الأنبياء، والملوك قال ابن عباس: من أمر الدنيا والآخرة وقيل النبوة والملك وتسخير الرياح والجن والشياطين {إن هذا لهو الفضل المبين} يعني الزيادة الظاهرة على ما أعطي غيرنا وروي أن سليمان أعطي مشارق الأرض ومغاربها فملك ذلك أربعين سنة فملك جميع الدنيا من الجن والإنس والشياطين والطير، والدواب والسباع وأعطي مع هذا منطق الطير ومنطق كل شيء وفي زمنه صنعت الصنائع العجيبة.
البقاعي
تفسير : ولما دل أول الكلام وآخره على أن التقدير ما ذكرته، وعلم منه أن من ظلم خاف، وكان المرسلون بل الأنبياء معصومين عن صدور ظلم، ولكنهم لعلو مقامهم، وعظيم شأنهم، يعد عليهم خلاف الأولى، بل بعض المباحات المستوية، بل أخص من ذلك، كما قالوا "حسنات الأبرار سيئات المقربين"، استدرك سبحانه من ذلك بأداة الاستثناء ما يرغب المرهبين من عواقب الظلم آخر تلك في التوبة، وينبه موسى عليه السلام على غفران وكزة القبطي له، وأنه لا خوف عليه بسببه وإن كان قتله مباحاً لكونه خطأ مع أنه كافر، لكن علو المقام يوجب التوقف عن الإقدام إلا بإذن خاص، ولذلك سماه هو ظلماً فقال {رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي} وهو من التعريضات التي يلطف مأخذها فقال: {إلا} أو المعنى: لكن {من ظلم} كائناً من كان، بفعل سوء {ثم بدل} بتوبته {حسناً بعد سوء} وهو الظلم الذي كان عمله، أي جعل الحسن بدل السوء كالسحرة الذين آمنوا بعد ذلك بموسى عليه الصلاة والسلام فإني أغفره له بحيث يكون كأنه لم يعمله أصلاً، وأرحمه بما أسبغ عليه من ملابس الكرامة المقارنة للأمن والعز وإن أصابه قبل ذلك نوع خوف. ثم علل ذلك بأن المغفرة والرحمة صفتان له ثابتتان، فقال: {فإني} أي أرحمه بسبب أني {غفور} أي من شأني أني أمحو الذنوب محواً يزيل جميع آثارها {رحيم*} أعامل التائب منها معاملة الراحم البليغ الرحمة بما يقتضيه حاله من الكرامة، فايل أثر ما كان وقع فيه من موجب الخوف وهو الظلم. ولما أراه سبحانه هذه الخارقة فيما كان في يده بقلب جوهرها إلى جوهر شيء آخر حيواني، أراه آية أخرى في يده نفسها بقلب عرضها الذي كانت عليه إلى عرض آخر نوراني، فقال: {وأدخل يدك في جيبك} أي فتحة ثوبك، وهو ما قطع منه ليخيط بعنقك {تخرج} أي إذا أخرجتها {بيضاء} أي بياضاً عظيماً نيراً جداً، له شعاع كشعاع الشمس. ولما كان ربما وقع في وهم أن هذه الآفة، قال: {من غير سوء} أي برص ولا غيره من الآفات، آية أخرى كائنة {في} جملة {تسع آيات} كما تقدم شرحها في سورة الإسراء وغيرها، منتهية على يدك برسالتي لك {إلى فرعون وقومه} أي الذين هم أشد أهل هذا الزمان قياماً في الجبروت والعدوان؛ ثم علل إرساله إليهم بالخوارق بقوله: {إنهم كانوا} أي كوناً كأنه جبلة لهم {قوماً فاسقين*} أي خارجين عن طاعتنا لتردهم إلينا. ولما كان التقدير: فأتاهم كما أمرناهم فعاندوا أمرنا، قال منبهاً على ذلك، دالاً بالفاء على سرعة إتيانه إليهم امتثالاً لما أمر به: {فلما جاءتهم آياتنا} أي على يده {مبصرة} أي سبب الإبصار لكونها منيرة ظاهرة جداً، فهي هادية لهم إلى الطريق الأقوم هداية النور لمن يبصر، فهو لا يخطىء شيئاً ينبغي أن ينتفع به {قالوا هذا سحر} أي خيال لا حقيقة له {مبين*} أي واضح في أنه خيال {وجحدوا} أي أنكروا عالمين {بها} أي أنكروا كونها آيات موجبات لصدقه مع علمهم بإبطالهم لأن الجحود الإنكار مع العلم. ولما كان الجحد معناه إنكار الشيء مع العلم به، حقق ذلك بقوله: {واستيقنتها} أي والحال أنهم قد طلبوا الوقوف على حقائق أمرها حتى تيقنتها في كونها حقاًَ {أنفسهم} وتخلل علمها صميم عظامهم، فكانت ألسنتهم مخالفة لما في قلوبهم، ولذلك أسند الاستيقان إلى النفس. ثم علل جحدهم ووصفهم لها بخلاف وصفها فقال: {ظلماً وعلواً} أي إرادة وضع الشيء في غير حقه، والتكبر على الآتي به، تلبيساً على عباد الله. ولما كان التقدير: فأغرقناهم أجمعين بأيسر سعي وأهون أمر فلم يبق منهم غير تطرف، ولم يرجع منهم مخبر، على كثرتهم وعظمتهم وقوتهم، عطف عليه تذكيراً به مسبباً عنه قوله: {فانظر} ونبه على أن خبرهم مما تتوفر الدواعي على السؤال عنه لعظمته، فقال معبراً بأداة الاستفهام: {كيف كان} وكان الأصل: عاقبتهم، أي آخر أمرهم، ولكنه أظهر فقال: {عاقبة المفسدين*} ليدل على الوصف الذي كان سبباً لأخذهم تهديداً لكل من ارتكب مثله.
ابو السعود
تفسير : {إَلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوء فَإِنّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ} استثناءٌ منقطع استدرك به ما عسى يختلجُ في الخلد من نفي الخوفِ عن كلِّهم مع أنَّ منهم من فرطتْ منه صعيرةٌ مما يجوز صدورُه عن الأنبـياءِ عليهم الصلاة والسلام فإنَّهم وإنْ صدرَ عنهم شيءٌ من ذلك فقد فعلوا عقيبه ما يبطلُه ويستحقُّون به من الله تعالى مغفرةً ورحمةً وقد قصد به التَّعريض بما وقعَ من موسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ من وكزهِ القبطيَّ والاستغفارِ، وتسميتُها ظُلماً لقوله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: « حديث : ربِّ إنِّي ظلمتُ نفسي فاغفرْ لي فغفرَ له » تفسير : {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ} لأنَّه كان مدرعةَ صوفٍ لا كم لها وقيل: الجيبُ القميصُ لأنَّه يُجاب أي يُقطع {تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوء} أي آفة كبَرَصٍ ونحوه {فِى تِسْعِ ءَايَاتٍ} في جُملتها أو معها على أنَّ التِّسعَ هي الفَلْقُ والطُّوفان والجرادُ والقُمَّلُ والضَّفادعُ والدَّمُ والطَّمسةُ والجَدبُ في بواديهم والنُّقصان في مزارعِهم ولمن عدَّ العصَا واليدَ من التسعِ أن يعدَّ الأخيرين واحداً ولا يعدُّ الفَلْق منها لأنه لم يُبعث به إلى فرعونَ أو اذهب في تسع آيات على أنه استئنافٌ بالإرسالِ فيتعلَّق به {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ} وعلى الأولين يتعلَّق بنحو مبعوثاً أو مرسلاً {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ} تعليل للإرسالِ أي خارجين عن الحدود في الكفرِ والعُدوان. {فَلَمَّا جَاءتْهُمْ ءايَـٰتُنَا} وظهرتْ على يدِ مُوسى {مُبْصِرَةً} بـينة اسم فاعلِ أطلق على المفعول إشعاراً بأنَّها لفرطِ وضوحِها وإنارتِها كأنَّها تُبصر نفسَها لو كانت ممَّا يبُصر أو ذاتُ تبصُّرٍ من حيث أنها تهدي والعمي لا تهتدي فضلاً عن الهدايةِ أو مبصرة كلَّ مَن ينظر إليها ويتأمَّلُ فيها وقرىء مَبْصرة أي مكاناً يكثُر فيه التَّبصرُ. {قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} واضحٌ سحريته. {وَجَحَدُواْ بِهَا} أي كذَّبوا بها {وَٱسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ} الواو للحالِ أي وقد استيقنتها أي علمتها أنفسُهم علماً يقينياً {ظُلْماً} أي للآياتِ كقوله تعالى: {أية : بِمَا كَانُواْ بِآيَـٰتِنَا يَظْلِمُونَ } تفسير : [سورة الأعراف: الآية 9] ولقد ظلُموا بها أيَّ ظلم حيث حطُّوها عن رتُبتها العاليةِ وسمَّوها سحراً وقيل ظُلماً لأنفسِهم وليس بذاك {وَعُلُوّاً} أي استكباراً عن الإيمان بها كقوله تعالى: { أية : وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا} تفسير : [سورة الأعراف: الآية 36] واتنصابهُما إما على العلَّةِ من جحدُوا بها أي على الحاليةِ من فاعله أي جحدُوا بها ظالمين لها مستكبرين عنها {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} من الإغراقِ على الوجهِ الهائل الذي هو عبرةٌ للعالمين، وإنَّما لم يذكر تنبـيهاً على أنَّه عرضة لكلِّ ناظرٍ مشهور فيها بـين كل بادٍ وحاضرٍ.
القشيري
تفسير : وهذا يدلُّ على جواز الذَّنْبِ على الأنبياء عليهم السلام فيما لا يتعلق بتبليغ الرسالة بشرط تَرْكِ الإصرار. فأمَّا مَنْ لا يُجِيزُ عليهم الذنوبَ فيحمل هذا على ما قبل النبوة. فلمَّا رأى موسى انقلابَ العصا عَلِمَ أَنَّ الحقَّ هو الذي يكاشفه بذلك. ويقال: كيف عَلِمَ موسى - عليه السلام - أَنَّ الذي سمعه كلامُ اللَّهِ؟ والجواب أنه بتعريفٍ منه إياه - ويجوز أن يكون ذلك العلم ضرورياً فيه، ويجوز أن يكون كَسْبياً، ويكون الدليل له الذي به عَلِمَ صِدْقَه في قوله: {إِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ} هو ما ظهر على يَدِهِ - في الوقت - من المعجزة، من قَلْبِ العصا، وإخراج يده بيضاء.
البقلي
تفسير : {إَلاَّ مَن ظَلَمَ} من وقف منهم فى حظ العشق والمحبة فلما احتجب يفزع عند ظهور عظمتى وجلالى فانه غير مستانس بهما فلما ارتفع ذلك الحجاب عنه وعلم ما فات عنه ورجع الى من حظ بقوله {ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوۤءٍ} بسوء الحجاب والوقوف بالحظ {فَإِنِّي غَفُورٌ} بلا حرم {رَّحِيمٌ} بان اوصله الى اعلى المقامات من المشاهدة وتصديق ما ذكرنا ما قال الواسطى الا من ظلم برؤية النفس والالتفات اليها وقال القسم الا من خاف غيرنا.
اسماعيل حقي
تفسير : {الا من ظلم} استثناء منطقع اى لكن من ظلم نفسه من المرسلين بذنب صدر منه كآدم ويونس وداود وموسى وتعبير الظلم لقول آدم ربنا ظلمنا انفسنا وموسى رب انى ظلمت نفسى {ثم بدل حسنا بعد سوء} [بس بدل كند وبجاى آرد نيكويى بعد ازبدى يعنى توبه كند بعد از كناه] {فإنى غفور} للتأئبين {رحيم} مشفق عليهم. اختلفوا فى جواز الذنب على الانبياء وعدمه قال الامام والمختار عندنا انه لم يصدر عنهم ذنب حال النبوة لا الصغير ولا الكبير وترك الاولى منهم كالصغيرة منا لان حسنات الابرار سيآت المقربين. وفى الفتوحات اعلم ان معاصى الخواص ليست كمعاصى غيرهم بحكم الشهوة الطبيعية وانما تكون معاصيهم بالخطأ فى التأويل وايضاح ذلك ان الحق تعالى اذا اراد ايقاع المخالفة من العارف بالله زين له الوقوع فى ذلك العمل بتأويل لان معرفة العارف تمنعه من الوقوع فى المخالفة دون تأويل يشهد فيه وجه الحق فان العارف لا يقع فى انتهاك الحرمة ابدا ثم اذا وقع فى ذلك المقدور بالتزين او التأويل يظهر له تعالى فساد ذلك التأويل الذى اداه الى ذلك الفعل كما وقع لآدم عليه السلام فانه عصى بالتأويل فعند ذلك يحكم العارف على نفسه بالعصيان كما حكم عليه بذلك لسان الشريعة وكان قبل الوقوع غير عاص لاجل شبهة التأويل كما ان المجتهد فى زمان فتواه بامر ما اعتقادا منه ان ذلك عين الحكم والمشروع فى المسألة لايوصف بخطأ ثم فى ثانى الحال اذا اظهر له بالدليل انه اخطأ حكم عليه لسان الظاهر انه اخطأ فى زمان ظهرو الدليل لا قبل ذلك فعلم انه يمكن لعبد ان يعصى ربه على الكشف من غير تأويل او تزيين او غفلة او نسيان ابدا واما قول ابى يزيد قدس سره لما قيل له أيعصى العارف الذى هو من اهل الكشف فقال نعم وكان امر الله قدرا مقدورا فلا ينافى ذلك اى لان من ادب العارفين ان لايحكموا عليه بتقييد كأنه يقول ان كان الحق تعالى قدر عليهم فى سابق علمه بشىء فلا بد من وقوعه واذا وقع فلا بد له من حجاب ادناه التأويل او التزيين فاعلم ذلك
الجنابذي
تفسير : {إَلاَّ مَن ظَلَمَ} استثناء منقطع يعنى لكن من ظلم {ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوۤءٍ} بتدارك ظلمه فيما له تدارك وبالاستغفار والتّوبة فيما ليس له تدارك فانّه يخاف ولكن اغفر له وارحمه {فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} او استثناء متّصل ويكون المراد بالظّلم بقايا اثر النّفس عليهم حتّى لا ينافى عصمة الانبياء (ع) يعنى الاّ من كان باقياً عليه من انانيّته شيءٌ فانّه ظلم بوجهٍ على انسانيّته، ويؤيّد هذا المعنى قراءة الاّ من اظلم من باب الافعال ثمّ بدّل هذا الظّلم حسناً حتّى لا يمنع ظلمه من رسالته، وتبديله حسناً بان لا يستبدّ بتلك الانانيّة ويلتجيء الىّ ويتضرّع علىّ ويستوحش من انانيّته ويستغفرنى فانّى لا اؤاخذه بتلك الانانيّة واغفرها له وارحمه باعطاء منصب الرّسالة لانّى عفورٌ رحيمٌ.
اطفيش
تفسير : {إِلا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنَا بَعْدَ سُوءٍ} الاستثناء منقطع استدرك به ما يخطر بالبال من نفي الخوف عن جميعهم مع أن فيهم من فرطت منه صغيرة يخاف منها قطعا كما فرطت من آدم ويونس وداود وسليمان وأخوة يوسف وموسى بوكزه القبطي فقال لكن من ظلم نفسه وجعل الطاعة بدل المعصية. {فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} له فلا يخاف أيضا ويحتمل أن يكون ذلك تعريضا بموسى لوكزه القبطي وسماه ظلما كما سماه موسى ظلما في قوله {أية : رب إني ظلمت نفسي }تفسير : وقيل الاستنثاء متصل والمعطوف عليه محذوف أي إلا من ظلم منهم فانه يخاف ومن ظلم ثم بدّل حسنا بعد سوء فاني غفور رحيم له وقال الفراء وجماعة الاستنثاء منقطع أخبارا عن غير الأنبياء وقال الاخفش والفراء وأبو عبيدة إلا هنا حرف عطف بمعنى الواو ومن معطوف بها على المرسلين وعن ابن جريح ان الله سبحانه قال لموسى إني أخفتك لقتلك النفس قيل فالمعنى أن من أصاب من المرسلين ذنبا خفته روى أن موسى تعمد ضرب القبطي ولم يتعمد قتله وقريء ألا بفتح الهمزة وتخفيف اللام فيكون حرف تنبيه وفي رواية عن ابن عمرو {ثم بدل حسنا} بفتح الحاء والسين.
اطفيش
تفسير : {إلاَّ} لكن {من ظلم} نفسه بالذنوب {ثم بدَّل} للتوبة {حُسْناً} عملا صالحاً او هو التوبة {بعد سُوءٍ} فعل الذنوب، وذلك من غير الأنبياء أو منهم على أنه قد تصدر منهم للصغيرة قبل النبوّة أو قبلها أو بعدها، ويعد عليهم المكررة وغير الأولى ذنبا، وان فسرنا من ظلم بمن فرط منه ذلك من الأنبياء، كان الاستثناء متصلا، ومحل من على الانقطاع النصب، وعلى الاتصال الرفع، وجاز النصف، وقد قيل: إن هذا تعريض بموسى، إذ وكز القبطى مجاراة على قوله: "أية : ظلمت نفسى"تفسير : [القصص: 16] واستغفاره فيخافون، ويزول عنهم الخوف بالتوبة {فإنى غفورٌ رحيمٌ} له.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {إَلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوء فَإِنّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ } الاستثناء فيه منقطع عند كثير إلا أنه روي عن الفراء والزجاج وغيرهما أن المراد بمن ظلم من أذنب من غير الأنبياء عليهم السلام، قال صاحب «المطلع»: والمعنى عليه لكن من ظلم من سائر العباد ثم تاب فإني أغفر له، وقال جماعة: إن المراد به من فرطت منه صغيرة ما وصدر منه خلاف الأولى بالنسبة إلى شأنه من المرسلين عليهم السلام. والمراد استدراك ما يختلج في الصدر من نفي الخوف عن كلهم وفيهم من صدر منه ذلك، والمعنى عليه لكن من صدر منهم ما هو في صورة الظلم ثم تاب فإني أغفر له فلا ينبغي أن يخاف أيضاً، وهو شامل على ما قيل لمن فعل منهم شيئاً من ذلك قبل رسالته، وخصه بعضهم بمن صدر منه شيء من ذلك قبل النبوة وقال: يؤيده لفظة {ثُمَّ } فإنها ظاهرة في التراخي الزماني، ولعل الظاهر كونه خاصاً بمن صدر منه بعد الرسالة لظهور المرسل في المتلبس بالرسالة لا فيمن يتلبس بها بعد أو الأعم، وكأن فيما ذكر على الوجهين الأولين تعريضاً بما وقع من موسى عليه السلام من وكزه القبطي واستغفاره، وتسميته ظلماً مشاكلة لقوله عليه السلام {أية : ظَلَمْتُ نَفْسِي}تفسير : [القصص: 16]، ولم يجعلوه على هذا متصلاً مع دخول المستثنى في المستثنى منه أعني المرسلين مطلقاً لأنه لو كان متصلاً لزم إثبات الخوف لمن فرطت منه صغيرة ما منهم لاستثنائه من الحكم وهو نفي الخوف عنهم ونفي النفي إثبات وذلك خلاف المراد فلا يكون متصلاً بل هو شروع في حكم آخر. ورجح الطيبـي ما قاله الجماعة بأن مقام تلقي الرسالة وابتداء المكالمة مع الكليم يقتضي إزالة الخوف بالكلية وهو ظاهر على ما قالوه، وروي عن الحسن ومقاتل وابن جريج والضحاك ما يقتضي أنه استثناء متصل / والظاهر أنهم أرادوا بمن من أراده الجماعة؛ وفي اتصاله على ما سمعت خفاء. وربما يقال: إن من يطلق الاتصال عليه في رأي الجماعة يكتفي في الاتصال بمجرد كون المستثنى من جنس المستثنى منه فإن كفى فذاك وإلا يلتزم إثبات الخوف ويجعل {بَدَّلَ } عطفاً على مستأنف محذوف كأنه قيل: إلا من فرطت منه صغيرة فإن يخاف فمن فرط ثم تاب غفر له فلا يخاف. وحاصله إلا من ظلم فإنه يخاف أولاً ويزول عنه الخوف بالتوبة آخراً، وعن الفراء في رواية أخرى عنه أنه استثناء متصل من جملة محذوفة والتقدير وإنما يخاف غيرهم إلا من ظلم. ورده النحاس بأن الاستثناء من محذوف لا يجوز ولو جاز هذا لجاز أن يقال: لا تضرب القوم إلا زيداً على معنى وإنما أضرب غيرهم إلا زيداً وهذا ضد البيان والمجيء بما لا يعرف معناه انتهى وهو كما قال. ولا يجدي نفعاً القول باعتبار مفهوم المخالفة. وقالت فرقة: إن إلا بمعنى الواو والتقدير ولا من ظلم الخ. وتعقبه في «البحر» بأنه ليس بشيء للمباينة التامة بين إلا والواو فلا تقع إحداهما موقع الاخرى. وحسن الظن يجوز أنهم لم يصرحوا بكون إلا بمعنى الواو وإنما فهم من نسبه إليه من تقديرهم وهو يحتمل أن يكون تقدير معنى لا إعراب فلا تغفل، والظاهر انقطاع الاستثناء، ولعل الأوفق بشأن المرسلين أن يراد بمن ظلم من ارتكب ذنباً كبيراً أو صغيراً من غيرهم، و {ثُمَّ } يحتمل أن تكون للتراخي الزماني فتفيد الآية المغفرة لمن يدل على الفور من باب أولى، ويحتمل أن تكون للتراخي الرتبـي وهو ظاهر بين الظلم والتبديل المذكور. والتبديل قد يتعدى إلى مفعولين بنفسه نحو {أية : بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا } تفسير : [النساء: 56] وقد يتعدى إلى أحدهما بنفسه وإلى الآخر بالباء أو بمن وهو المذهوب به والمبدل منه نحو بدله بخوفه أو من خوفه أمناً وقد يتعدى إلى واحد نحو بدلت الشيء أي غيرته ومنه {أية : فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ}تفسير : [البقرة: 181] والمعنى هنا على المتعدي إلى مفعولين. وقد تعدى إلى أحدهما وهو المبدل منه بالباء أو بمن فكأنه قيل: ثم بدل بظلمه أو من ظلمه حسناً. ويشير إليه قوله تعالى: {بَعْدَ سُوء } وحاصله ثم ترك الظلم وأتى بحسن، والمراد به التوبة، فيكون المعنى في الآخرة إلا من ظلم ثم تاب وعدل عنه إلى ما في النظم الجليل لأنه أوفق بمقام الإيناس كذا قيل، والظاهر عليه إن إسناد التبديل إلى من ظلم حقيقي، وقيل: إن المعنى ثم رفع الظلم والسوء ومحاه من صحيفة أعماله ووضع مكانه الحسن بسبب توبته نظير ما في قوله تعالى: {أية : يُبَدّلُ ٱللَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ } تفسير : [الفرقان: 70]، وإسناد التبديل إلى {من ظلم} على هذا مجازي لأنه سبب لتبديل الله تعالى له بتوبته، وكأني بك تختار الأول، ومحل {مِنْ } على كل من تقديري انقطاع الاستثناء واتصاله ظاهر. والظاهر أنها موصولة في التقديرين. ولا يخفى إنها إذا اعتبرت منصوبة المحل على الاستثناء أو مرفوعته على البدل تكون جملة {فَإِنّي } الخ مستأنفة. ومن قدر في الكلام محذوفاً وعطف عليه {بَدَّلَ }، وقال: التقدير من ظلم ثم بدل جعل الجملة خبر {من}، وجوز بعضهم أن تكون شرطية وجملة {فَإِنّي } الخ جوابها فتأمل ولا تغفل. وقرأ أبو جعفر وزيد بن أسلم {إَلاَّ مَن ظَلَمَ } بفتح الهمزة وتخفيف اللام على أن {أَلا } حرف استفتاح. وجعل أبو حيان {مِنْ } على هذه القراءة شرطية ولا أراه واجباً. وقرأ محمد بن عيسى الأصبهاني {حسنى} على وزن فعلى ممنوع الصرف. وقرأ ابن مقسم {حُسُناً} بضم الحاء والسين منوناً. وقرأ مجاهد وأبو حيوة وابن أبـي علي والأعمش وأبو عمرو في رواية الجعفي وعصمة وعبد الوارث وهارون وعياش {حَسَنًا } بفتح الحاء والسين مع التنوين.
د. أسعد حومد
تفسير : (11) - ولكنْ منْ ظلمَ نفسَهُ بعَملِ مَا نُهيَ عَنْهُ، فإِنهُ يَخَافُ عِقَابِي، إلا إذا تابَ، وعملَ عَملاً صَالحاً، فإِنِّي أَغْفِرُ لَهُ، وأمْحُو ذُنوبَهُ. وفي هذا بِشَارَةٌ عَظيمةٌ للبَشَرِ بأنَّ مَنْ عَمِلَ منْهُمْ سُوءاً ثمَّ تابَ وأقْلَعَ عمَّا كان فيهِ، فإِنَّ اللهَ يتوبُ عليهِ، وَيَغفِرُ لَهُ ذُنُوبَهُ، ويُدْخِلُهُ في رحْمَتِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إذن: فالاستثناء هنا من قوله تعالى: {أية : إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ}تفسير : [النمل: 10] استثنى من ذلك {إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوۤءٍ ..} [النمل: 11]. وكأنه - عز وجل - يُعرِّض بهذه الحادثة الخاصة بموسى عليه السلام: {إِلاَّ مَن ظَلَمَ ..} [النمل: 11] أي: حين قتَل القبطي، لكن موسى - عليه السلام - اعترف بذنبه واستغفر ربه، فقال: {أية : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ..}تفسير : [القصص: 16]. ولا كلامَ لأحد بعد مغفرة الله عز وجل للمذنب؛ لأنه بعد أنْ ظلم {ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوۤءٍ ..} [النمل: 11] يعني: عمل عملاً حسناً بعد الذنب الذي ارتكبه {فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النمل: 11]. ثم يقول الحق سبحانه: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):