٢٧ - ٱلنَّمْل
27 - An-Naml (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
12
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ } طوق قميصك {تُخْرِجُ } خلاف لونها من الأدمة {بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ } برص لها شعاع يغشى البصر، آية {فِي تِسْعِ ءَايَٰتٍ } مرسلاً بها {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَٰسِقِينَ }.
القشيري
تفسير : من غير سوءٍ أي بَرَصٍ. وفي القصة أن موسى عليه السلام ذَكَرَ اشتغال قلبه بحديث امرأته، وما أصابه تلك الليلة من الأحوال التي أَوْجَبَتْ انزعاجَه، وقَصْدَه في طلب النار، فقال الله تعالى: "إنا قد كفيناكَ ذلك الأمرَ، ووكلنا بامرأتِكَ وأسبابك، فجمعنا أغنامَك وثيرانَك، وسَلِمْتَ لَكَ المرأةُ".
اسماعيل حقي
تفسير : {وادخل يدك فى جيبك}[در آردست خودرا دركريبان بيرهن خود] ولم يقل فى كمك لانه كان عليه مدرعة من صوف لا كم لها ولا ازرار فكانت يده الكريمة مكشوفة فامر بادخال يده فى مدرعته وهى جبة صغيرة يتدرع بها اى تلبس بدل الدرع وهو القميص {تخرج} حال كونها {بيضاء} براقة لها شعاع كشعاع الشمس اى ان ادخلتها تخرج على هذه الصفة {من غير سوء} اى آفة كبرص ونحوه {فى تسع آيات} خبر مبتدأ محذوف اى هما داخلتان فى جملتها فتكون الآيات تسعا بالعصا واليد وهنّ العصا واليد البيضاء والجدب فى البوادى ونقص الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم {الى فرعون} اى حال كونك مبعوثا اليه {وقومه} القبط {انهم كانوا فاسقين} تعليل للبعث اى خارجين عن الحدود فى الكفران والعدوان
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وأَدْخِلْ يدَكَ} يا موسى {في جَيْبكَ}؛ في جيب قميصك. والجيب: الفتح في الثوب لرأس الإنسان. قال الثعلبي: إنما أمره بذلك؛ لأنه كان عليه مدرعة صوف، لا كُم لها. {تخرجْ بيضاءَ من غير سُوءٍ}؛ من غير آفة، كَبَرَصٍ ونحوه، {في تسع آياتٍ} أي: هاتان الآيتان في جملة تسع آيات، وهي الفلق، والطوفان، والجراد، والقُمل، والضفادع، والدم، والطمس، والجدب في بواديهم، والنقصان في مزارعهم. ومن عدّ اليد والعصا من التسع عدّ الاخيرين واحداً، ولم يعد الفلق؛ لأنه لم يبعث به إلى فرعون. وقوله: {إلى فرعون} متعلق بمحذوف، أي: مرسلاً، أو: ذاهباً إلى فرعون {وقومِه إنهم كانوا قوماً فاسقينَ}؛ خارجين عن أمر الله، كافرين به. {فلما جاءتهم آياتُنا}؛ معجزاتنا، وظهرت على يد موسى، حال كونها {مُبصرةً}؛ بيّنة واضحة، وهي اسم فاعل، أطلق على المفعول، إشعاراً بأنها لفرط ظهورها كأنها تبصر نفسها؛ مبالغة في وضوحها, وإلا فهي مبصرة لمن ينظر ويتفكر فيها. أو: ذات تبصر؛ لأنها تهدي من يتبصر بها. فلما جاءتهم {قالوا هذا سحرٌ مبين} واضح سحريته. {وجَحَدوا بها} أي: كذبوا بها {و} قد {اسْتَيقنتها أنفُسُهم} أي: علمتها علماً يقيناً، فالاستيقان: أبلغ من الإيقان. يعني: أنهم جحدوا بألسنتهم واستيقنوها في قلوبهم. {ظلماً}: حال من ضمير (جحدوا) أي: ظالمين في ذلك، ولا ظلم أفحش ممن تيقن أنها آيات من عند الله، وسماها سحراً بيّناً، {وعُلُوّاً}؛ تكبراً وترفعاً عن الإيمان بموسى عليه السلام، وهو أيضاً حال، أو: علة، {فانظر كيف كان عاقبةُ المفسدين} وهو الإغراق في الدنيا، والإحراق في الآخرة. نسأل الله العافية. الإشارة: وأدْخِل يد فكرتك في جيب قلبك، تخرج بيضاء شعشعانية، يستولي شعاعها على وجود بشريتك، فتنخنس البشرية تحت أنوار المعاني، ثم يستولي على الوجود بأسره، فيصير كله نوراً ملكوتياً، جبروتياً، متصلاً بالنور الأعظم، والبحر الطام، بعد قطع مقامات التوبة، والتقوى، والإستقامة، والإخلاص، والصدق، والطمأنينة، والمراقبة والمحبة، والمشاهدة، فيكون حينئذٍ آية مبصرة واضحة، من آيات الله، يدلّ على الله، ويدعو إليه على بصيرة منه. فمن جحدها انخرط في سلك من قال تعالى في حقه: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعُلُواً...} الآية. ثم ذكر قصة داود وسليمان - عليهما السلام - فقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً...}
الطوسي
تفسير : امر الله تعالى موسى (ع) أن يدخل يده في جيبه. وقيل: أراد كمه. وقيل: ثيابه {تخرج بيضاء من غير سوء} يعني من غير برص. وقال المبرد: السوء إذا اطلق يراد به البرص، وإذا وصل بشيء، فهو كلما يسوء، قال: وتقديره كأن هاتين مع بقية الآيات تسع آيات. والتقدير ادخل يدك في جيبك فان ذلك مع إلقائك العصا، وما بعد ذلك من الآيات تسع آيات، كما يقال جاء فلان في جمع كثير، وهو احد ذلك الجمع. وقيل: إن معنى (في) من. وقال ابن مسعود: اتى موسى فرعون وعليه جبة صوف. وقال مجاهد كان كمها إلى بعض يده. وقوله {إلى فرعون} تقديره مرسلا إلى فرعون وقومه في تسع آيات. وحذف كما قال الشاعر: شعر : رأتني بخيليها فصدت مخافة وفي الخيل دوعاء الفؤاد فروق تفسير : اي رأتني مقبلا بخيليها. ثم اخبر تعالى عن فرعون وقومه بأنهم {كانوا قوماً فاسقين} والآيات التسع التي كانت لموسى (ع): قلب العصا حية. واليد البيضاء. والجراد. والقمل. والضفادع، والدم. والبحر وانفلاقه. ورفع الطور فوق رؤسهم. وانفجار الحجر اثنتا عشرة عيناً. وقيل: بدل البحر والجبل الطوفان والطمس. ذكره ابن زيد. ثم اخبر تعالى عن فرعون وقومه أنه لما جاءتهم آيات الله ودلائله مبصرة. وقيل في معنى مبصرة قولان: احدهما - انها تبصر الصواب من الخطأ، يقال أبصرته وبصرته بمعنى واحد، كقولك أكفرته وكفرته، واكذبته وكذبته. الثاني - مبصرة للحق من الباطل، فهي تهدي اليه كأنها تراه. قالوا عند ذلك إن هذه الآيات {سحر مبين} أي ظاهر. ثم قال {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً} والمعنى انهم عرفوها وعلموها بقلوبهم، لكنهم جحدوا بها بألسنتهم طلباً للعلو والتكبر، ففي ذلك دلالة على أنهم كانوا معاندين إذ جحدوا ما عرفوا. وقال الرماني: لا تدل على ذلك، لان معرفتهم كانت بوقوعها على الحقيقة. فأما الاستدلال على أنها من فعل الله ومن قبله ليدل بها على صدق من أعطاها إياه فبعد العلم بوقوعها. وقال ابو عبيدة: الباء زائدة، والمعنى وجحدوها، كما قال العجاج: شعر : نضرب بالسيف ونرجوا بالفرح تفسير : وقيل انهم جحدوا ما دلت عليه من تصديق الرسول، كما تقول كذبت به أي بما جاء به. ثم قال تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) {فانظر} يا محمد {كيف كان عاقبة المفسدين} لان الله أهلكهم وغرقهم ودمر عليهم. ثم اخبر تعالى بأنه اعطى داود وسليمان علماً من عنده، وانهما قالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين، بأن جعلنا أنبياء واختارنا من بين الخلائق. والعلم الذي اوتياه قيل: هو علم الاحكام. وقيل: هو العلم بمنطق الطير، وكلام البهائم.
الجنابذي
تفسير : {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} جيب القميص معروف والمقصود ان يدخل يده تحت قميصه وثيابه ويضعه على قلبه ليطمئنّ من الرّهب ويتأثّر يده من ضوء قلبه كما قال واضمم اليك جناحك من الرّهب {تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} اى من غير علّة البرص {فِي تِسْعِ آيَاتٍ} قد اختلف الاخبار فى تعيين التّسع وفى خبرٍ عن النّبىّ (ص): هى ان لا تشركوا به شيئاً، ولا تسرفوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النّفس الّتى حرّم الله الاّ بالحقّ، ولا تمشوا ببريءٍ الى سلطان ليقتل، ولا تسخروا، ولا تأكلوا الرّبوا، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تولّوا للفرار يوم الزّحف، وعليكم خاصّةً يا يهود ان لا تعتدوا فى السّبت، وكان يهودىٌّ سأله عن الآيات فلمّا سمع منه قبّل يده وقال: اشهد انّك نبىٌّ، وفى اخبارٍ كثيرةٍ فسّر الآيات التّسع بما كان يظهر منه من المعجزات مثل الجراد والقمّل والضّفادع وغير ذلك مع اختلافٍ فى تعيينها فانّ الظّاهر على يده وبواسطته كان اكثر من التّسع، والظّرف حال من فاعل تخرج او ظرف لغو متعلّق بفعل من افعال الخصوص حالاً من فاعل ادخل مثل ذاهباً او مرسلاً فى تسع آيات، ويحتمل ان يكون اليد من جملة التّسع او زائدة على التّسع {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ} فذهب فى الآيات الى فرعون وقومه.
الهواري
تفسير : قوله: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} أي: في جيب قميصك {تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} أي: من غير برص. قال الحسن: أخرجها والله كأنها مصباح، فعلِم موسى أنه قد لقي ربه. قوله: {فِي تِسْعِ ءَايَاتٍ} أي: مع تسع آيات. {إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ} والتسع الآيات: يده وعصاه والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، (أية : وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ) تفسير : [الأعراف: 130]. قوله: {فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ ءَايَاتُنَا مُبْصِرَةً} أي: بيّنة {قَالُوا: هذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي: بيّن. {وَجَحَدُوا بِهَا} أي: بآياتنا {وَاسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ} أي: أنها من عند الله، {ظُلْماً} أي: ظلماً لأنفسهم. وقال في آية أخرى: (أية : وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) تفسير : [البقرة: 57] قال: {وَعُلُوّاً} أي: من باب العلو. {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ} أي: المشركين. كان عاقبتهم أن دمّر الله عليهم ثم صيّرهم إلى النار. قوله: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالاَ الحَمْدُ لِلَّهِ الذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّن عِبَادِهِ المُؤمِنِينَ} يعنيان أهل زمانهم من المؤمنين. قوله: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} أي: نبوّته وملكه {وَقَالَ يَآأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} يعني كل شيء أوتي منه. {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الفَضْلُ المُبينُ} أي: البين. قوله: {وَحُشِرَ} أي: وجمع {لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} اي: على كل صنف منهم وزعة ترد أولاهم على أخراهم. هذا تفسير بعضهم. وقال الحسن: {فَهُمْ يُوزَعُونَ}، أي: فهم يُدفَعون لا يتقدّمه منهم أحد.
اطفيش
تفسير : {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} من غير آفة كبرص ومرَّ تفسير الجيب وقيل الجبيب القميص انه يجاب أي يقطع وعن بعض كانت له مدرغة صوف لا كمَّ لها والتحقيق أن الجيب لوضع الذي تدخل منه اليد وتخرج أو الرأس في الجبة أو القميص وكان لونه أدم فلما أدخل يده وأخرجها كانت بيضاء كالشمس لما أخرجها بيضاء وعن بعض خرجت كالشمس أو البرق وعن الحسن كالمصباح. فصل قال الثعلبي في عرائس القرآن وهو كتاب ألفه في القصص والأخبار المواقعة في القرآن ومنه أخذهما في هذا التفسير من القصص والأخبار. الباب الثامن في خروج موسى من مدين وتكليم الله إياه في الطريق وإرساله إلى فرعون واستعانته بأخيه هارون وكيفية ذهابهما إلى فرعون لتبليغ الرسالة قال الله تعالى {أية : فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا }،تفسير : قالت العلماء بأخبار الأنبياء: لما ورد موسى ماء مدين وأتى عليه من وروده تسع سنين ستين قال له شعيب اني وهبت لك من أغنامي كل بلقاء وأبلق من الحملان والجديان التي تضعها أغنامي في هذه السنة العاشرة أراد بذلك مسدة موسى ووصلة امرأته صفورا بنت شعيب فأوحى الله الى موسى أن اضرب بعصاك الماء الذي هو مستقى الأغنام ففعل ثم سقى الأغنام فما تخطت واحدة من تلك الأغنام إلا وضعت ولدين بلقاء وأبلق فعلم شعيب أن ذلك رزق رزقه الله موسى وأهله وسلم الأغنام اليه إلا ما ولدت فقصد الشام بزوجته في شهر ولادتها وبأغنامه وعدل إلى البرية عادلا عن العمران والمدائن محفة الملوك وكان أكبر همه طلب أخيه هارون واخراجه من مصر ويجير في الطريق فوقع في جانب الطور الأيمن الغربي في عشية شاتية شديدة البرد وأظلم عليه الليل وارعدت السماء وأبرقت وأمطرت وأخذ امرأته الطلق فعمد الى زناده فقدحه مرات فلم يور فتحير وقام وقعد اذ لم يكن عهد بمثل ذلك في الزناد وتأمل ما قرب وما بعد فتحير وتسمع طويلا هل يسمع حسا أو حركة فبينما هو كذلك إذ رأى نورا فحسبه نارا {أية : فقال لأهله امكثوا إني آنست نار لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى }تفسير : أي دالا على الطريق ولما أتاها رأى نورا عظيما ممتدا من عنان السماء إلى شجرة عظيمة هناك هي عوشجة وقيل العناب فتحيّر إذ رأى نارا عظيمة لا دخان لها تلتهب من جوف شجرة خضراء لا تزداد النار الا عظما ولا الشجرة الا خضرة ولما دنا منها تأخرت منه فرجع خائفا ذكر حاجته إلى النار فرجع اليها فدنت منه. {أية : فلما أتاها نودي من شاطىء الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى }تفسير : فنظر فلم ير أحدا فنودي: {أية : يا موسى إني أنا الله رب العالمين }تفسير : أدن فدنا فخفق قلبه وكل لسانه وضعفت قوته وصار حيا كميت ما فيه إلا روح تتردد وأرسل اليه ملكا يشد ظهره ويقوّي قلبه ولما رجع اليه عقله نودي {أية : فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى }،تفسير : قال ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بخلعهما لأنهما من جلد حمار ميت وفي خبر غير مدبوغتين وعن مجاهد وعكرمة أمر بخلعهما لتمس قدماه الأرض العالية فتناله بركتها لأنها قدست مرتين. وعن سعيد بن جبير أمر بذلك لأن المشي على الحفا من علامة التواضع والاحترام ولا يبعد أن يكون سبب الأمر ذلك كله وقال أهل الإشارة النعلان عبارة عن المرأة أي أفرغ قلبك من شغل اهلك ثم قال تسكينا لقلبه واذهابا لدهشته. {أية : وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي } {أية : قال ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى }تفسير : عظيمة صارت شعبتيها فما ومحجنها عرفا في ظهرها وهي تهتز ولها انياب والحكمة في هذا ان لايفزع اذا رآها كذلك عند فرعون ولما رآها كذلك هرب خائفا فقال له الله عز وجل {أية : خذها }تفسير : وكانت عليه جبة صوف فلف يده في كمه وهو لها هائب ونودي أن اكشف يدك فكشفها فأدخلها بين لحيي الحية فاذا هي عصاه ويده بين شعبتيها، حيث كان يضعها ثم قال له: {أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} وانما قال له جيبك لأنه لم يكن لملبوسه كم واسع فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها وعليها نور يكل البصر ثم ردها فخرجت كما كانت وأمره بالذهاب إلى فرعون مع أخيه فقال: يا موسى اني قد أوقفتك موقفا لا أجعل بعده لأحد سبيلا. وعليه يومئذ مدرعة خللها بخلال وجبة من صوف وثوبان من صوف وقلنسوة من صوف وقال له: يا موسى انطلق برسالتي فأنت بعيني وسمعي ومعك قوتي وبصري بعثتك الى خلق ضعيف بطر بنعمتي وآمن مكري وعبد دوني وغرته الدنيا حتى جحد حقي وأنكر ربوبيّتي وزعم انه لا يعرفني واني احلف بعزتي وجلالي لولا الحجة والعذر اللذان جعلتهما بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار تغضب لغضبه السماوات والأرض والبحار والجبال والشجر والدواب فلو أذنت للسماء لحصبته وللأرض لابتلعته وللجبال لدكته وللبحار لأغرقته ولكن سقط من عيني وهان عليَّ وصغر عندي ووسعه حلمي وأنا الغني عنه وعن جميع خلقي وحق ذلك لي وأنا خلقت الغني والفقير وأنا المعني والمفقر لا غني إلا من أغنيته ولا فقير إلا من أفقرته فأبلغه رسالتي وادعه إلى عبادتي وتوحيدي والاخلاص لي وحذّره نقمتي وبأسي وذكّره آياتي وأعلمه انه لا يقوم لغضبي شيء وقل له فيما بين ذلك قولا لينا وكنّه في خطابك إياه ولا يغرنك ما ألبسته الدنيا من لباسها فان ناصيته بيدي ولا ينطق ولا يتنفس إلا عن علمي وأخبره اني الى العفو أقرب مني إلى الغضب والعقوبة وقل له أجب ربك فانه واسع المغفرة وقد أمهلك هذه المدة وفي كلها تدعي الربوبية دونه وتصد عن عبادته وفي كل ذلك يمطر عليك السماء وينبت لك الأرض ويلبسك العافية حتى لم تهرم ولم تسقم ولم تفتقر ولم تغلب ولو شاء لعاجلك بالنقمة ولسلبك ما أعطاك ولكنه ذو حلم عظيم. ثم أمسك عن موسى سبعة ايام ولياليها ثم قيل له أجب ربك يا موسى فيما كلمك. {أية : قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري }تفسير : الى {أية : بصيرا }،تفسير : فقال له {أية : قد أتيت سؤلك يا موسى }تفسير : فجاهده بنفسك وأخيك، وخطر بقلب موسى أن فرعون في جند عظيم وأنا وأخي وحيدان فريدان فقال له تعالى انكما جندان عظيمان من جندي {أية : إنني معكما أسمع وأرى }تفسير : أبصركما وأكون معكما فلا تستضعفان ولا تستقلان ولو شئت لأتيته بجنود لا قبل له بها لفعلت ولكن ليعلم ذلك الشقي الضعيف الذي قد أعجبته نفسه وجنوده أن القليلة ولا قليل معي تغلب الكثيرة بإذني ولا تعجبنكما ولا تهولنكما عدته فلو شئت لزينتكما بزينة الدنيا حتى يبهت فرعون فلا تأسفا عما أزوي عنكما من متاع الدنيا فان ذلك مالي أذودهم عن نعيم الدنيا ولذاتها كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن المراتع السيئة لكي يستكملوا نصيبهم من كرامتي واعلم انه لا يتزين احد من عبادي بزينة هي أبلغ من الزهد في الدنيا وهي زينة الأبرار. ويقال: إن الله تعالى كلّمه في ذلك الوقت الف كلمة وأربعة عشرة كلمة يقول له مع كل كلمة. {أية : قتلت نفسا }تفسير : وقيل لموسى بم عرفت أن الذي كلمك هو الله تعالى؟ قال: بأني قد سمعته من كل جهاتي بأعضائي كلها ولما تم الأمر اشتغل قلب موسى بختن ابنه فجاء به الملك لموضعه ملفوفا وحك حجرا بآخر حتى صار كالسكين فختنه به وعالج الملك محل الختان فبريء من ساعته ورده الى امه وما زالوا في ذلك الموضع حتى مر بهم راع من اهل مدين فعرفهم واحتملهم الى مدين فكانوا عند شعيب حتى بلغه غرق فرعون فبعثهم إلى موسى بمصر وخرج موسى من ذلك المكان الى مصر ولا علم له بالطرق ولا زاد ولا صاحب ولا شيء غير عصا ومدرعة صوف وقلنسوة صوف ونعلين يظل صائما ويبيت قائما ويستعين بالصيد حتى ورد مصر وأوحى الله إلى أخيه هارون يبشره بقدوم موسى ويخبره انه جعله لموسى وزيرا ورسولا معه إلى فرعون وأمره أن يمر يوم السبت لعشر من ذي الحجة متبكرا الى شاطىء النيل فالتقيا فيه قبل طلوع الشمس واتفق انه كان يوم ورود الاسد الماء وكان لفرعون أسد يحرسه في غوطه محيطة بالمدينة من حواليها وكانت ترد الماء ظباء وكان في مدينة حصينة عليها سبعون الف مقاتل من وراء تلك المدينة سوران بينهما ساقية وانهار ذات مزارع وارض واسعة في كل سور سبعون الف مقاتل من وراء المدينة غوطة تولى فرعون غرسها بنفسه وسقاها بالنيل وأسكنها الاسد فتناسلت واذا وردت النيل ظلت عليها يومها تهدر الى الليل وأخذها جندا تحرسه وجعل خلال تلك الغوطة وطرقا تمضي الى باب المدينة فمن اخطأ وقع في الغيطة وأكلته الأسود فلما التقا موسى وهارون يوم ورودها مدت أعناقها ورؤسها اليهما وشخصت بأبصارها وقذف الله في قلوبها الرعب فانطلقت الى الغوطة مسرعة هاربة على وجهها يطأ بعضها بعضا وكانت لها من يسوقها ويرسلها فخاف هؤلاء الذين يسوسونها من فرعون فانطلق موسى وهارون في تلك الساعة حتى وصلا باب الملك باب المدينة الذي هو أقرب أبوابها إلى منزل فرعون ومنه يدخل ويخرج وذلك يوم الاثنين بعد هلال ذي الحجة فأقاما عليه سبعة أيام فكلمهما واحدا من الحرس قال ك هل تدريان لمن هذا الباب؟ قال موسى: إن هذا الباب والأرض كلها وما فيها لله رب العالمين وأهلها عبيد له فسمع ذلك الرجل كلاما لم يسمع مثله ولم يظن أن أحدا يقوله فيسرع إلى كبريائه الذين فوقه فقال سمعت كلاما أشنع مما أصابنا في الأسد وما ذلك إلا لسحر لهما عظيم فتداول الناس الخبر حتى انتهى إلى فرعون، وقال السدي سار موسى بأهله نحو مصر حتى أتاها ليلا فضاف بأمه وهي لا تعرفه فجاء هارون فلما أبصر ضيفه سأل عنه أمه فأخبرته انه ضيف فدعاه ليأكل معه فلما قعدا وتحدثا سأله هارون من أنت فقال أنا موسى فدنا كل واحد إلى أخيه فتعانقا فقال لهارون انطلق معي إلى فرعون فان الله أرسلنا اليه. فقال له هارون: سمعة وطاعة، فصاحت فقالت انشدكما بالله ألا تذهبا اليه فانه يقتلكما فأبيا عليها فمضيا وقرعا بابه ليلا ففزع هو والبواب فقال من هذا الذي يقرع بابي؟ فأشرف عليهما البواب فقال موسى اني رسول رب العالمين فأخبره البواب بما سمع وقال: ان في الباب مجنونا يزعم انه رسول رب العالمين، قال ابن اسحاق: يخرج موسى هو وهارون إلى باب فرعون كل غدوة وعشية سنتين يقولان إنا رسول رب العالمين فأذنوا بنا هذا الرجل ولم يجتر أحد أن يخبره حتى دخل بطال له يلعب معه ويضحكه فقال له: أيها الملك ان على بابك رجلا يقول قولا عجيبا يزعم ان له إلها غيرك. فقال فرعون: أدخلوه، فأدخلوه هو وهارون قال.. ذكر دخول موسى وهارون على فرعون قال الله سبحانه: {أية : اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى }تفسير : وقولا له أن لك ربا ومعادا بين يديك وجنة ونارا لعله عند ذلك يتذكر أو يخشى عندكما وهو عندي لا يتذكر ولا يخشى ولا اهلكه قبل الانذار فلما دخلا عليه دعا موسى لا اله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم سبحان رب السماوات السبع والأرضين السبع وما فيهن وما بينهن رب العرش العظيم وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين، اللهم اني أدرأ بك كيده في نحره وأعوذ بك من شره وأستعين بك عليه فأكفيه بما شئت فتحول ما في قلب موسى أمنا بك وكذا كل خائف دعا بهذا الدعاء يزول خوفه وتهون عليه سكرات الموت ثم قال فرعون لموسى: من أنت؟ قال: أنا رسول رب العالمين، فتأمله فقال: ألم نربك فينا وليدا الخ. وروى انه لما قال فأت بها وألقى موسى عصاه كانت ثعبانا فاتحا فاه وضع لحيه الأسفل على سور القصر والأعلى في السماء ثمانين ذراعا ورآه من كان خارج مصر ثم توجه إلى فرعون فوثب عن سريره وأحدث أربع مائة وأحدث بعد ذلك في اليوم أربعين مرة وكان لا يسعل ولا يصيبه ما يصيب الناس وكان يقوم في أربعين يوما مرة واحدة وأكثر ما يأكل الموز لئلا يكون له ثقل لما يحتاج الى القيام ولذلك قال اني إله إذ لم يكن له شبيه في ذلك، وروي: انه لما قصدته الحية صاح يا موسى أنشدتك بالله وحرمة الرضاع إلا ما أخذتها كففتها عني وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني اسرائيل فأخذها فكانت عصى ثم ادخل يده في جيبه وأخرجها بيضاء كالثلج لها شعاع كشعاع الشمس فقال له: هذه يدك ثم أدخلها وأخرجها ولها نور ساطع في السماء تكل منه الأبصار قد أضاءت ما حولها دخل نورها البيوت ويرى من الكوى ولم يستطع فرعون النظر اليها ثم أدخلها وأخرجها على لونها فهم فرعون بتصديقه فقام اليه هامان وجلس بين يديه فقال له: أيها الملك بينما أنت إله تعبد إذ أنت تابع لعبد، فقال فرعون: أمهلني اليوم إلى غد فأوحى الله إلى موسى قل لفرعون انك إن آمنت بالله وحده عمّرك في مملكتك وردك شابا طريا ولما كان الغد دخل عليه هامان وأخبره بما وعده موسى فقال له هامان لو ردك شابا ما عدل هذا عبادة هؤلاء يوما واحدا. ثم قال: أنا أردك شابا فخضب له لحيته بالسواد وهو أول من خضب به ولذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخضاب به ولما دخل عليه موسى ورآه على تلك الحال هاله ذلك فأوحى الله سبحانه اليه لا يهولنك وذلك فانه ليس يلبث إلا قليلا فيعود إلى حاله الأول ولما انصرف موسى وهارون من عند فرعون أصابهما مطر في الطريق فأتيا عجوزا من أقارب امهما ووجه فرعون في أثرهما طلبة وناما في دارها ليلا ولما جاءوا إلى بابها وهي منتبهة خافت عليهما فخرجت العصا من الباب فقتلت منهم سبعة ثم عادت ودخلت الدار فلما انتبها أخبرتهما بقصة الطلبة ونكابة العصا فيهم فآمنت بهما وصدقتهما. {فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ} في متعلقة بمحذوف حال من ضمير تخرج وإلى متعلق بمحذوف حال من ضمير أدخل أي مرسلا أو مبعوث إلى فرعون وقومه أو حال من تسع أي مرسلا أنت بها الى فرعون وقومه أو بمحذوف نعت لتسع أو لآيات أو بمحذوف مستأنف أي اذهب الى فرعون وقومه أو (في) متعلقة بمحذوف خبر لمحذوف أي تلك الآية في تسع أو تتعلق (في) و (الى) بـ (اذهب) أي اذهب في تسع الخ. و (في) على الاصل أو بمعنى (مع) أو بمعنى (من) التبعيضية وعليه فالآيات تسع وعلى انها بمعنى (مع) أكثر من تسع وعلى انها بمعنى (في) يحتمل تقول زيد في تسعة رجال وهو عاشرهم أو أحد من التسع والآيات التسع فلق البحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس والجدب في بواديهم والنقصان في ثمارهم وان عددت اليد والعصا فالآيات احدى عشرة ولك أن تعدهما آيتين وتعد الجدب والنقصان آية وتترك عد الفلق كأنه لم يبعث به الى فرعون فتكون الآيات تسعا واذا قدرنا اذهب في تسع احتمل أن يكون المراد اذهب بتسع غير اليد والعصا ويحتمل أن يكون المراد اذهب بهن زيادة. {إنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ} مستأنف تعليل للارسال.
اطفيش
تفسير : {وأدْخِل يدك فى جَيْبك} مخرج الرأس والعنق من الجبة والقميص، وتسمية ما يخاط الى ذلك جيبا مجاز مرسل لعلاقة الجوار لمعتبرها وحقيقة عرفيه عامة لمن لم يقصدها، وليس عربياً إلا من حيث إن المجاز مقيس، وكان موسى إذ ذاك لابساً جبة لا أزرار لها، رواه ابن عباس رضى الله عنهما، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مطلق القميص لا زر له، ولو كانت جبة موسى مزررة لم تدخل يده إلا بعد حلها، ولجبته وقميصه تارة ازرار لا يضمها، وكان يأمر بضمها على الصدر، ورأى عثمان بن عفان محلول الأزرار فضمها بيده الشريفة وقال: "حديث : اجمع عطفى ردائك على نحرك" تفسير : وكان صلى الله عليه وسلم يأمر بزر الأزرار، ونهى ان يصلى الرجل وصدره باد، أمر الله عز وجل موسى عليه السلام أن يدخل يده اليمنى فى جيبه، ويجعلها تحت إبطه الأيسر، وهو قادر أن يجعلها بيضاء بلا إدخال للامتحان، وليكون موسى عليه السلام كالمتصرف بالمعجزة، والمكتسب لها بإذن الله، وليس متصرفاً، ولما كان إدخال اليد لا يستمر عادة، بل لا بد أن تخرج أجاب الأمر بقوله: {تَخْرُج بَيْضاء} والخروج ولابد منه، لكنها تخرج بيضاء، ويجوز أن يقدر وأخرجها تخرج، وأما ان يقدر أدخل يدك فى جيبك تدخل، وأخرجها تخرج بيضاء، ويكون من الاحتباك، وهو أن تحذف فى كل ما ذكر فى الآخر، فتكلف بارد بتقدير تدخل {من غَيْر سوءٍ} كبرص وفساد وضعف {فى تسع آيات} حال كون اليد معدودة مع جملة التسع، أو اذهب فى تسع آيات، ويدل له، ولما جائتهم آياتنا: الفلق والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم والطمسة، وهى جعل نقودهم حجارة، والجدب فى بواديهم، والنقصان فى مزارعهم، ومن عد العصا واليد من التسع عد الجذب والنقصان واحدة، ووجه عد الفلق أن فرعون وقومه شاهدوه، وهو أيضاً آية لمن آمن من قومه، ولمن تخلف منهم، ولم يؤمن ومن لم يعده، اعتبر أنه لم يبعث به الى فرعون احتجاجاً، بل هو انتقام منه آخر أمره، وإن شئت فالجذب والطمسة والنقصان واحدة لاتحادهن مآلا، والثانية العصا، والرابعة اليد، والباقى الفلق والجراد والقمل والضفادع والدم. {الى فرعَوْن وقوْمِه} أى موجهات أو مرسلات الى فرعون، أو مبعوثاً او مرسلاً، وهذا المقدر حال من ضمير أدْخل، وذلك كون خاص، أو يعلق باذهب المقدر لفى تسع {إنَّهُم كانُوا قوماً فاسقينَ} تعليل لا استئناف بيانى، خارجين عن دين الله، وهذا معتبر، سواء استشعر السامع أنه بعث إليهم يوسف قبل موسى عصوه، أو لم يستشعر.
الالوسي
تفسير : {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ } أي جيب / قميصك وهو مدخل الرأس منه المفتوح إلى الصدر لا ما يوضع فيه الدراهم ونحوها كما هو معروف الآن لأنه مولد، ولم يقل سبحانه: في كمك لأنه عليه السلام كان لابساً إذ ذاك مدرعة من صوف لا كم لها، وقيل: الجيب القميص نفسه لأنه يجاب أي يقطع فهو فعل بمعنى مفعول، وقال السدي: {فِى جَيْبِكَ } أي تحت إبطك. ولعل مراده أن المعنى أدخلها في جيبك وضعها تحت إبطك، وكانت مدرعته عليه السلام على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لا أزرار لها، وقد ورد في بعض الآثار أن نبينا صلى الله عليه وسلم كان مطلق القميص في بعض الأوقات، ففي «سنن أبـي داود» باب في حل الأزرار ثم أخرج فيه من طريق معاوية بن قرة قال: حديث : حدثني أبـي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من مزينة فبايعناه وإن قميصه لمطلقحديث : ، وفي رواية البغوي في «معجم الصحابة» لمطلق الأزرار قال: فبايعته، ثم أدخلت يدي في جيب قميصه فمسست الخاتم، تفسير : قال عروة فما رأيت معاوية ولا أباه قط إلا مطلقي أزرارهما، ولا يزرانها أبداً وجاء أيضاً أنه عليه الصلاة والسلام أمر بزر الأزرار. فقد أخرج الطبراني عن زيد بن أبـي أوفى «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه فإذا أزراره محلولة فزرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال: اجمع عطفي ردائك على نحرك»تفسير : وفي هذين الأثرين ما هو ظاهر في أن جيب القميص كان إذا ذاك على الصدر كما هو اليوم عند العرب، وهو يبطل القول بأنه خلاف السنة وأنه من شعائر اليهود، وأمره تعالى إياه عليه السلام بإدخال يده في جيبه مع أنه سبحانه قادر على أن يجعلها بيضاء من غير إدخال للامتحان وله سبحانه أن يمتحن عباده بما شاء. والظاهر أن قوله تعالى: {تَخْرُج} جواب الأمر لأن خروجها مترتب على إدخالها، وقيل: في الكلام حذف تقديره وأدخل يدك في جيبك تدخل وأخرجها تخرج فحذف من الأول ما أثبت مقابله في الثاني ومن الثاني ما أثبت مقابله في الأول فيكون في الكلام صنعة الاحتباك وهو تكلف لا حاجة إليه، وقوله تعالى: {بَيْضَاء } حال وكذا قوله تعالى: {مِنْ غَيْرِ سُوء } وهو احتراس وقد تقدم الكلام فيه، وكذا قوله سبحانه: {فِى تِسْعِ ءايَـٰتُ } أي آية معدودة من جملة تسع آيات أو معجزة لك معها على أن التسع هي الفلق والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمسة - وهي جعل أسبابهم حجارة - والجدب في بواديهم والنقصان في مزارعهم ولمن عد العصا واليد من التسع أن يعد الجدب والنقصان في المزارع واحداً ولا يعد الفلق منها لأنه عليه السلام لم يبعث به إلى فرعون وأن تقدمه بيسير؛ ومن عده يقول: يكفي معاينته له في البعث به أو هو بعث به لمن آمن من قومه ولمن تخلف من القبط ولم يؤمن، وفي «التقريب» أن الطمسة والجدب والنقصان يرجع إلى شيء واحد فالتسع هذا الواحد والعصا واليد وما بقي من المذكورات. وذهب صاحب «الفرائد» إلى أن الجراد القمل واحد، والجدب والنقصان واحد، وجوز أن يكون في تسع منقطعاً عما قبله متعلقاً بمحذوف أي اذهب في تسع آيات. ويدل على ذلك قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا جَاءتْهُمْ ءايَـٰتُنَا } تفسير : [النمل: 13] وفي بمعنى مع، ونظير هذا الحذف ما في قوله:شعر : أتوا ناري فقلت منون أنتم فقالوا الجن قلت عموا ظلاماً وقلت إلى الطعام فقال منهم فريق يحسد الإنس الطعاما تفسير : فإن التقدير هلموا إلى الطعام. ويتعلق بهاذ المحذوف قوله تعالى: {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ } وعلى ما تقدم يتعلق / بمحذوف وقع حالاً أي مبعوثاً أو مرسلاً إلى فرعون، وأياً ما كان فقوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ } مستأنف استئنافاً بيانياً كأنه قيل لم أرسلت إليهم بما ذكر؟ فقيل: إنهم الخ، والمراد بالفسق إما الخروج عما ألزمهم الشرع إياه إن قلنا بأنهم قد أرسل قبل موسى عليه السلام من يلزمهم اتباعه وهو يوسف عليه السلام، وإما الخروج عما ألزمه العقل واقتضاء الفطرة إن قلنا بأنه لم يرسل إليهم أحد قبله عليه السلام.
ابن عاشور
تفسير : عطف على قوله: {أية : وألق عصاك}تفسير : [النمل: 10] وما بينهما اعتراض، بعد أن أراه آية انقلاب العصا ثعباناً أراه آية أخرى ليطمئن قلبه بالتأييد، وقد مضى في «طه» التصريح بأنه أراه آية أخرى. والمقصود من ذلك أن يعجل له ما تطمئن له نفسه من تأييد الله تعالى إياه عند لقاء فرعون. وقوله: {في تسع آيات} حال من {تخرج بيضاء} أي حالة كونها آية من تسع آيات، و{إلى فرعون} صفة لآيات، أي آيات مسوقة إلى فرعون. وفي هذا إيذان بكلام محذوف إيجازاً وهو أمر الله موسى بأن يذهب إلى فرعون كما بيّن في سورة الشعراء. والآيات هي: العصا، واليَد، والطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم، والقحط، وانفلاق البحر وهو أعظمها، وقد عدّ بعضها في سورة الأعراف. وجمعها الفيروزآبادي في بيت ذكره في مادة (تسع) من «القاموس» وهو:شعر : عصاً سَنَةٌ بحر جراد وقُمَّل يَدٌ ودَمٌ بعدَ الضفادع طُوفان
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: في جيبك: أي جيب ثوبك. من غير سوء: أي برص ونحوه بل هو (البياض) شعاع. في تسع آيات: أي ضمن تسع آيات مرسلاً بها إلى فرعون. مبصرة: مضيئة واضحة مشرقة. وجحدوا بها: أي لم يقروا ولم يعترفوا بها. واستيقنتها أنفسهم: أي أيقنوا أنها من عند الله. ظلماً وعلواً: أي ردوها لأنهم ظالمون مستكبرون. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم مع موسى في حضرة ربه عز وجل بجانب الطور إنه لما أمره بإلقاء العصا فألقاها فاهتزت وفزع موسى لذلك فولى مدبراً ولم يعقب خائفاً فطمأنه ربه تعالى بأنه لا يخاف لديه المرسلون أمره أن يدخل يده في جيبه فقال {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} أي في جيب القميص {تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} أي من غير برص بل هو بياض إشراق يكاد يذهب بالأبصار في تسع آيات أي ضمن تسع آيات مرسلاً بها إلى فرعون وقومه، وبين تعالى علة ذلك الإِرسال فقال: {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ} أي خارجين عن الاعتدال إلى الغلو والإِسراف في الشر والفساد وقوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا} يحملها موسى مبصرة مضيئة واضحة دالة على صدق موسى في دعوته، رفضوها فلم يؤمنوا بها، {قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ}، أي الذي جاء به موسى من الآيات هو سحر بين لا شك فيه قال تعالى {وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ} اي جحدوا بالآيات وكذبوا وتيقنتها أنفسهم أنها آيات من عند الله دالة على رسالة موسى وصدق دعوته في المطالبة ببني إسرائيل وقوله ظلماً وعلوا أي حملهم على التكذيب والإِنكار مع العلم هو ظلمهم واستكبارهم فإنهم ظالمون مستكبرون. وقوله تعالى: {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} أي انظر يا رسولنا محمداً صلى الله عليه وسلم كيف كان عاقبة المفسدين وهي إهلاكهم ودمارهم أجمعين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- آية اليد هي إحدى الآيات التسع التي أوتي موسى عليه السلام دليلاً على وجود الآيات التي كان الله تعالى يؤيد بها رسله فمن أنكرها فقد كفر. 2- التنديد بالفسق واستحقاق أهله العذاب في الدارين. 3- الكبر والعلو في الأرض صاحبهما يجحد الحق ولا يقربه وهو يعلم أنه حق. 4- عاقبة الفساد في الأرض بالمعاصي سوءى، والعياذ بالله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَاتٍ} {فَاسِقِينَ} (12) - ثمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى مُوسى بأنْ يُدْخِلَ يدَهُ في فَتْحَةِ الصَّدْرِ مِنْ ثَوْبِهِ (جَيْبهِ)، فأدْخَلَهَا وأخْرَجَهَا فإِذا هِيَ بيضاءُ تَتَلأْلأُ منْ غَيْرِ سُوءٍ ولا مَرَضٍ. وهَاتَانِ آيتانِ مِنْ تِسْعِ آياتِ أَيَّدَ اللهُ بِهَا مُوسَى، وَجَعَلَهَا بُرْهَاناً لهُ في دَعْوَتِهِ فِرعَونَ وقومَهُ إلى عِبَادَةِ اللهِ، فَقَدْ كَانُوا خَارِجينَ عن طَاعةِ اللهِ (فاسقينَ) إذِ ادَّعى فرعَونُ الأُلُوِهيَّةَ، وَصَدَّقهُ قومُهُ في هذِه الدَّعْوى. جَيْبِكَ - فَتْحَةِ القَميصِ عِندَ الصَّدرِ. مِنْ غيرِ سُوءٍ - مِنْ غَيرِ مَرضٍ ولا بَأْسٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذه آية أخرى ومعجزة جديدة، قال عنها في موضع آخر: {أية : ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ..}تفسير : [القصص: 32]. فما الفرق بين: أَدْخِل يدك، واسْلُك يدك؟ قالوا: لأنه ساعة يُدخِل يده في جيبه يعني: في فتحة القميص، إنْ كانت فتحة القميص مفتوحة أدخل يده بسهولة فيُسمّى (إدخال). فإن كانت مغلقة (فيها أزرار مثلاً) احتاج أنْ يسلك يده يعني: يُدخلها برفق ويُوسِّع لها مكاناً، نقول: سلك الشيء يعني: أدخله بلُطْف ورِفْق، ومنه السلك الرفيع حين تُدخِله في شيء. وساعةَ نسمع كلمة الجيب نجد أن لها معنىً عرفياً بين الناس، ومعنى لُغوياً: فمعناها في اللغة فتحة القميص العليا، والتي تكون للرقبة، وهي في المعنى العُرْفي فتحة بداخل الثوب يضع فيها الإنسان نقوده، يقولون (جيب) والعوام لهم عُذْر في ذلك؛ لأنهم اضطروا إلى حِفْظ نقودهم داخل الثياب، حتى لا تكون ظاهرة، وربما سرقها منهم النشالون والأشقياء. ولا يزال الفلاحون في الريف يجعلون الجيب في (السديري) الداخلي؛ لذلك سمعنا الحاوي مثلاً يقول - ليُحنِّن الناس عليه - بارك الله فيمَنْ يضع يده في جيبه - يعني: بارك الله في الذي يعطيني جنيهاً. وقوله تعالى {تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ..} [النمل: 12] أي: وأخرجها تخرج بيضاء ناصعة مُنوِّرة، ومعلوم أن موسى - عليه السلام - كان آدمَ اللون يعني: أسمر، فحين يروْنَ لونه تغيّر إلى البياض، فربما قالوا: إن ذلك مرضٌ كالبرص مثلاً. لذلك أزال الله هذا الظنَّ بقوله: {مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ..} [النمل: 12] من غير مرض {فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ..} [النمل: 12] ليعلم موسى - عليه السلام - أن هذه الآية واحدة من تسع آيات أخرى يُثبِّته الله بها أمام عدوه فرعون وقومه. وهذه التسع هي: العصا ولها مهمتان: أن تتحول إلى حية أمام السحرة، وأنْ يضرب بها البحر أمام جيشه، حينما يهاجمه فرعون وجنوده. ثم اليد، واثنتان هما الجدب، ونقص الثمرات في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ ..}تفسير : [الأعراف: 130]. ثم: الطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدَّم. هذه تسع آيات. تُثبِّت موسى أمام فرعون وقومه. فهل أُرسل موسى - عليه السلام - إلى فرعون خاصة؟ لا، إنما أُرسِل إلى بني إسرائيل، لكنه أراد أنْ يُقنع فرعون بأنه مُرْسَل من عند الله حتى لا يحول بينه وبينهم، وجاءت مسألة دعوة فرعون إلى الإيمان بالله عَرَضاً في أحداث القصة، فليست هي أساسَ دعوة موسى عليه السلام. ومعنى {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ} [النمل: 12] إشارةً إلى أن الإنسان وإنْ كان كافراً خارجاً عن طاعة الله إلا أنَّ أصله من أصلاب مؤمنة، والمراد الإيمان الأول في آدم عليه السلام، وفي ذريته من بعده، لكنهم فسقوا أي: خرجوا من غشاء التكليف الذي يُغلِّف حركة حياتهم، كما نقول: فسقت الرطبة: يعني خرجت من غلافها، كذلك فَسَق الإنسان أي: خرج عن حيِّز التكليف الصائن له. ثم يقول الحق سبحانه: {فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} قال زيد بن علي عليهما السلام: إنما أُمر أَنْ يُدخِلهَا فِي جَيبةِ، لأنهُ لَمْ يكنْ لَهاكُمْ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):