Verse. 3174 (AR)

٢٧ - ٱلنَّمْل

27 - An-Naml (AR)

وَلَقَدْ اٰتَيْنَا دَاوٗدَ وَ سُلَيْمٰنَ عِلْمًا۝۰ۚ وَقَالَا الْحَمْدُ لِلہِ الَّذِيْ فَضَّلَنَا عَلٰي كَثِيْرٍ مِّنْ عِبَادِہِ الْمُؤْمِنِيْنَ۝۱۵
Walaqad atayna dawooda wasulaymana AAilman waqala alhamdu lillahi allathee faddalana AAala katheerin min AAibadihi almumineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد آتينا داود وسليمان» ابنه «علما» بالقضاء بين الناس ومنطق الطير وغير ذلك «وقالا» شكراً لله «الحمد لله الذي فضلنا» بالنبوة وتسخير الجنّ والإنس والشياطين «على كثير من عباده المؤمنين».

15

Tafseer

الرازي

تفسير : القصة الثانية ـ قصة داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام أما قوله تعالى: {عِلْمًا } فالمراد طائفة من العلم أو علماً سنياً (عزيزاً)، فإن قيل أليس هذا موضع الفاء دون الواو، كقولك أعطيته فشكر (ومنعته فصبر)؟ جوابه: أن الشكر باللسان إنما يحسن موقعه إذا كان مسبوقاً بعمل القلب وهو العزم على فعل الطاعة وترك المعصية، وبعمل الجوارح وهو الاشتغال بالطاعات، ولما كان الشكر باللسان يجب كونه مسبوقاً بهما فلا جرم صار كأنه قال: ولقد آتيناهما علماً، فعملا به قلباً وقالباً، وقالا باللسان الحمد لله الذي فعل كذا وكذا. وأما قوله تعالى: {ٱلْحَمْدُ ٱللَّهِ ٱلَّذِى فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } ففيها أبحاث: أحدها: أن الكثير المفضل عليه هو من لم يؤت علماً أو من لم يؤت مثل علمهما، وفيه أنهما فضلا على كثير وفضل عليهما كثير وثانيها: في الآية دليل على علو مرتبة العلم لأنهما أوتيا من الملك ما لم يؤت غيرهما فلم يكن شكرهما على الملك كشكرهما على العلم وثالثها: أنهم لم يفضلوا أنفسهم على الكل وذلك يدل على حسن التواضع ورابعها: أن الظاهر يقتضي أن تلك الفضيلة ليست إلا ذلك العلم، ثم العلم بالله وبصفاته أشرف من غيره، فوجب أن يكون هذا الشكر ليس إلا على هذا العلم، ثم إن هذا العلم حاصل لجميع المؤمنين فيستحيل أن يكون ذلك سبباً لفضيلتهم على المؤمنين فإذن الفضيلة هو أن يصير العلم بالله وبصفاته جلياً بحيث يصير المرء مستغرقاً فيه بحيث لا يخطر بباله شيء من الشبهات ولا يغفل القلب عنه في حين من الأحيان ولا ساعة من الساعات. أما قوله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَـٰنُ دَاوُودُ } فقد اختلفوا فيه، فقال الحسن المال لأن النبوة عطية مبتدأة ولا تورث، وقال غيره بل النبوة، وقال آخرون بل الملك والسياسة، ولو تأمل الحسن لعلم أن المال إذا ورثه الولد فهو أيضاً عطية مبتدأة من الله تعالى، ولذلك يرث الولد إذا كان مؤمناً ولا يرث إذا كان كافراً أو قاتلاً، لكن الله تعالى جعل سبب الإرث فيمن يرث الموت على شرائط، وليس كذلك النبوة لأن الموت لا يكون سبباً لنبوة الولد فمن هذا الوجه يفترقان، وذلك لا يمنع من أن يوصف بأنه ورث النبوة لما قام به عند موته، كما يرث الولد المال إذا قام به عند موته ومما يبين ما قلناه أنه تعالى لو فصل فقال وورث سليمان داود ماله لم يكن لقوله: {وَقَالَ يا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ } معنى، وإذا قلنا وورث مقامه من النبوة والملك حسن ذلك لأن تعليم منطق الطير يكون داخلاً في جملة ما ورثه، وكذلك قوله تعالى: {وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَىْء } لأن وارث الملك يجمع ذلك ووارث المال لا يجمعه وقوله: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ } لا يليق أيضاً إلا بما ذكرنا دون المال الذي قد يحصل للكامل والناقص، وما ذكره الله تعالى من جنود سليمان بعده لا يليق إلا بما ذكرناه، فبطل بما ذكرنا قول من زعم أنه لم يرث إلا المال، فأما إذا قيل ورث المال والملك معاً فهذا لا يبطل بالوجوه التي ذكرناها، بل بظاهر قوله عليه السلام: « حديث : نحن معاشر الأنبياء لا نورث » تفسير : . فأما قوله: {ياْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ } فالمقصود منه تشهير نعمة الله تعالى والتنويه بها ودعاء الناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير، قال صاحب «الكشاف» المنطق كل ما يصوّت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير المفيد، وقد ترجم يعقوب كتابه «بإصلاح المنطق» وما أصلح فيه إلا مفردات الكلم، وقالت العرب نطقت الحمامة (وكل صنف من الطير يتفاهم أصواته) فالذي علم سليمان عليه السلام من منطق الطير هو ما يفهم بعضه من بعض من مقاصده وأغراضه. أما قوله تعالى: {وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَىْء } فالمراد كثرة ما أوتي وذلك لأن الكل والبعض الكثير يشتركان في صفة الكثرة، والمشاركة سبب لجواز الاستعارة فلا جرم يطلق لفظ الكل على الكثير ومثله قوله: { أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء } تفسير : [النمل: 23]. أما قوله: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ } فهو تقرير لقوله: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى فَضَّلَنَا } والمقصود منه الشكر والمحمدة كما قال عليه السلام: « حديث : أنا سيد ولد آدم ولا فخر » تفسير : فإن قيل كيف قال: {عَلِمْنَا... وَأُوتِينَا } وهو من كلام المتكبرين؟ جوابه من وجهين: الأول: أن يريد نفسه وأباه والثاني: أن هذه النون يقال لها نون الواحد المطاع وكان ملكاً مطاعاً، وقد يتعلق بتعظيم الملك مصالح فيصير ذلك التعظيم واجباً. وأما قوله: {وَحُشِرَ لِسْلَيْمَـٰنَ جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنْس وَٱلطَّيْرِ } فالحشر هو الإحضار والجمع من الأماكن المختلفة، والمعنى أنه جعل الله تعالى كل هذه الأصناف جنوده ولا يكون كذلك إلا بأن يتصرف على مراده، ولا يكون كذلك إلا مع العقل الذي يصح معه التكليف، أو يكون بمنزلة المراهق الذي قد قارب حد التكليف فلذلك قلنا إن الله تعالى جعل الطير في أيامه مما له عقل، وليس كذلك حال الطيور في أيامنا وإن كان فيها ما قد ألهمه الله تعالى الدقائق التي خصت بالحاجة إليها أو خصها الله بها لمنافع العباد كالنحل وغيره. وأما قوله تعالى: {فَهُمْ يُوزَعُونَ } معناه يحبسون وهذا لا يكون إلا إذا كان في كل قبيل منها وازع، ويكون له تسلط على من يرده ويكفه ويصرفه، فالظاهر يشهد بهذا القدر والذي جاء في الخبر من أنهم كانوا يمنعون من يتقدم ليكون مسيره مع جنوده على ترتيب فغير ممتنع. أما قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِى ٱلنَّمْلِ } فقيل هو واد بالشام كثير النمل، ويقال لم عدى {أَتَوْا } بعلى؟ فجوابه من وجهين: الأول: أن إتيانهم كان من فوق فأتى بحرف الاستعلاء والثاني: أن يراد قطع الوادي وبلوغ آخره من قولهم أتى على الشيء إذا (أنفذه و) بلغ آخره كأنهم أرادوا أن ينزلوا عند منقطع الوادي، وقرىء {نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا ٱلنَّمْلِ } بضم الميم وبضم النون والميم وكان الأصل النمل بوزن الرجل والنمل الذي عليه الاستعمال تخفيف عنه (كقولهم السبع في السبع). أما قوله تعالى: {قَالَتْ نَمْلَةٌ } فالمعنى أنها تكلمت بذلك وهذا غير مستبعد، فإن الله تعالى قادر على أن يخلق فيها العقل والنطق. وعن قتادة: أنه دخل الكوفة فالتف عليه الناس فقال سلوا عما شئتم وكان أبو حنيفة رحمه الله حاضراً وهو غلام حدث فقال سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكراً أم أنثى؟ فسألوه فأفحم، فقال أبو حنيفة رضي الله عنه كانت أنثى فقيل له من أين عرفت؟ فقال من كتاب الله تعالى وهو قوله: {قَالَتْ نَمْلَةٌ } ولو كان ذكراً لقال (قال نملة)، وذلك لأن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى فيميز بينهما بعلامة نحو قولهم حمامة ذكر وحمامة أنثى وهو وهي. أما قوله تعالى: {ٱدْخُلُواْ مَسَـٰكِنَكُمْ } فاعلم أن النملة لما قاربت حد العقل، لا جرم ذكرت بما يذكر به العقلاء فلذلك قال تعالى: {ٱدْخُلُواْ مَسَـٰكِنَكُمْ } فإن قلت {لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ } ما هو؟ قلت يحتمل أن يكون جواباً للأمر وأن يكون نهياً بدلاً من الأمر، والمعنى لا تكونوا حيث أنتم فيحطمنكم على طريقة: لا أرينك ههنا. وفي هذه الآية تنبيه على أمور: أحدها: أن من يسير في الطريق لا يلزمه التحرز، وإنما يلزم من في الطريق التحرز وثانيها: أن النملة قالت: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } كأنها عرفت أن النبي معصوم فلا يقع منه قتل هذه الحيوانات إلا على سبيل السهو، وهذا تنبيه عظيم على وجوب الجزم بعصمة الأنبياء عليهم السلام وثالثها: ما رأيت في بعض الكتب أن تلك النملة إنما أمرت غيرها بالدخول لأنها خافت على قومها أنها إذا رأت سليمان في جلالته، فربما وقعت في كفران نعمة الله تعالى وهذا هو المراد بقوله: {لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَـٰنُ } فأمرتها بالدخول في مساكنها لئلا ترى تلك النعم فلا تقع في كفران نعمة الله تعالى، وهذا تنبيه على أن مجالسة أرباب الدنيا محذورة ورابعها: قرىء (مسكنكم) و(لا يحطمنكم) بتخفيف النون، وقرىء (لا يحطمنكم) بفتح الطاء وكسرها وأصلها يحطمنكم. أما قوله تعالى: {فَتَبَسَّمَ ضَـٰحِكاً مّن قَوْلِهَا } يعني تبسم شارعاً في الضحك (وآخذاً فيه)، بمعنى أنه قد تجاوز حد التبسم إلى الضحك، وإنما ضحك لأمرين: أحدهما: إعجابه بما دل من قولها على ظهور رحمته ورحمة جنوده (وشفقتهم) وعلى شهرة حاله وحالهم في باب التقوى، وذلك قولها: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } والثاني: سروره بما آتاه الله مما لم يؤت أحداً من سماعه لكلام النملة وإحاطته بمعناه. أما قوله تعالى: {رَبّ أَوْزِعْنِى } فقال صاحب «الكشاف»: حقيقة أوزعني: اجعلني أزع شكر نعمتك عندي وأكفه عن أن ينقلب عني، حتى أكون شاكراً لك أبداً، وهذا يدل على مذهبنا فإن عند المعتزلة كل ما أمكن فعله من الألطاف فقد صارت مفعولة وطلب تحصيل الحاصل عبث. وأما قوله تعالى: {وَعَلَىٰ وَالِدَىَّ } فذلك لأنه عد نعم الله تعالى على والديه نعمة عليه. ومعنى قوله: {وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحاً تَرْضَـٰهُ } طلب الإعانة في الشكر وفي العمل الصالح، ثم قال: {وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } فلما طلب في الدنيا الإعانة على الخيرات طلب أن يجعل في الآخرة من الصالحين، وقوله: {بِرَحْمَتِكَ } يدل على أن دخول الجنة برحمته وفضله لا باستحقاق من جانب العبد واعلم أن سليمان عليه السلام طلب ما يكون وسيلة إلى ثواب الآخرة أولاً ثم طلب ثواب الآخرة ثانياً، أما وسيلة الثواب فهي أمران: أحدهما: شكر النعمة السالفة والثاني: الاشتغال بسائر أنواع الخدمة، أما الاشتغال بشكر النعمة السالفة، فهي قوله تعالى: {رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ } ولما كان الإنعام على الآباء إنعاماً على الأبناء لأن انتساب الابن إلى أب شريف نعمة من الله تعالى على الابن، لا جرم اشتغل بشكر نعم الله على الآباء بقوله: {وَعَلَىٰ وَالِدَىَّ } وأما الاشتغال بسائر أنواع الخدمة، فقوله: {وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحاً تَرْضَـٰهُ } وأما طلب ثواب الآخرة فقوله: {وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } فإن قيل درجات الأنبياء أعظم من درجات الأولياء والصالحين، فما السبب في أن الأنبياء يطلبون جعلهم من الصالحين فقال يوسف: {تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ } وقال سليمان: {أَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ ٱلصَّـٰلِحِينَ }؟ جوابه: الصالح الكامل هو الذي لا يعصي الله ولا يهم بمعصية وهذه درجة عالية، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً} أي فهما؛ قاله قتادة. وقيل: علماً بالدين والحكم وغيرهما كما قال: {أية : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ} تفسير : [الأنبياء: 80]. وقيل: صنعة الكيمياء. وهو شاذ. وإنما الذي آتاهما الله النبوّة والخلافة في الأرض والزبور. {وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} وفي الآية دليل على شرف العلم وإنافة محلّه وتقدّم حملته وأهله، وأن نعمة العلم من أجلّ النِّعم وأجزل القِسَم، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلاً على كثير من عباد الله المؤمنين. {أية : يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}تفسير : [المجادلة: 11]. وقد تقدّم هذا في غير موضع. قوله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ} قال الكلبي: كان لداود صلى الله عليه وسلم تسعة عشر ولداً فورث سليمان من بينهم نبوّته وملكه، ولو كان وراثة مال لكان جميع أولاده فيه سواء؛ وقاله ابن العربي؛ قال: فلو كانت وراثة مال لانقسمت على العدد؛ فخص الله سليمان بما كان لداود من الحكمة والنبوّة، وزاده من فضله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده. قال ابن عطية: داود من بني إسرائيل وكان ملكاً وورث سليمان ملكه ومنزلته من النبوّة، بمعنى صار إليه ذلك بعد موت أبيه فسمي ميراثاً تجوزاً؛ وهذا نحو قوله: «العلماء ورثة الأنبياء» ويحتمل قوله عليه السلام: «حديث : إنا معشر الأنبياء لا نورث»تفسير : أن يريد أن ذلك من فعل الأنبياء وسيرتهم، وإن كان فيهم من ورث ماله كزكرياء على أشهر الأقوال فيه؛ وهذا كما تقول: إنا معشر المسلمين إنما شغلتنا العبادة، والمراد أن ذلك فعل الأكثر. ومنه ما حكى سيبويه: إنا معشر العرب أقرى الناس للضيف. قلت: قد تقدّم هذا المعنى في «مريم» وأن الصحيح القول الأوّل لقوله عليه السلام: «إنا معشر الأنبياء لا نورث» فهو عام ولا يخرج منه شيء إلا بدليل. قال مقاتل: كان سليمان أعظم ملكاً من داود وأقضى منه، وكان داود أشد تعبداً من سليمان. قال غيره: ولم يبلغ أحد من الأنبياء ما بلغ ملكه؛ فإن الله سبحانه وتعالى سخّر له الإنس والجن والطير والوحش، وآتاه ما لم يؤت أحداً من العالمين، وورث أباه في الملك والنبوّة، وقام بعده بشريعته، وكل نبي جاء بعد موسى ممن بعث أو لم يبعث فإنما كان بشريعة موسى، إلى أن بعث المسيح عليه السلام فنسخها. وبينه وبين الهجرة نحو من ألف وثمانمائة سنة. واليهود تقول ألف وثلاثمائة واثنتان وستون سنة. وقيل: إن بين موته وبين مولد النبي صلى الله عليه وسلم نحواً من ألف وسبعمائة، واليهود تنقص منها ثلاثمائة سنة، وعاش نيفاً وخمسين سنة. قوله تعالى: {وَقَالَ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} أي قال سليمان لبني إسرائيل على جهة الشكر لنعم الله {عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ} أي تفضل الله علينا على ما ورثنا من داود من العلم والنبوّة والخلافة في الأرض في أن فهمنا من أصوات الطير المعاني التي في نفوسها. قال مقاتل في الآية: كان سليمان جالساً ذات يوم إذ مرّ به طائر يطوف، فقال لجلسائه: أتدرون ما يقول هذا الطائر؟ إنها قالت لي: السلام عليك أيها الملك المسلَّط والنبي لبني إسرائيل! أعطاك الله الكرامة، وأظهرك على عدوّك، إني منطلق إلى أفراخي ثم أمرّ بك الثانية؛ وإنه سيرجع إلينا الثانية ثم رجع؛ فقال إنه يقول: السلام عليك أيها الملك المسلَّط، إن شئت أن تأذن لي كيما أكتسب على أفراخي حتى يشبوا ثم آتيك فافعل بي ما شئت. فأخبرهم سليمان بما قال؛ وأذن له فانطلق. وقال فَرْقَد السَّبَخيّ: مرّ سليمان على بلبل فوق شجرة يحرّك رأسه ويميل ذنبه، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول هذا البلبل؟ قالوا: لا يا نبي الله. قال إنه يقول: أكلتُ نصف ثمرة فعلى الدنيا العَفَاء. ومرّ بهدهد فوق شجرة وقد نصب له صبيّ فخاً فقال له سليمان: احذر يا هدهد! فقال: يا نبي الله! هذا صبيّ لا عقل له فأنا أسخر به. ثم رجع سليمان فوجده قد وقع في حِبالة الصبيّ وهو في يده، فقال: هدهد ما هذا؟ قال: ما رأيتها حتى وقعت فيها يا نبي الله. قال: ويحك! فأنت ترى الماء تحت الأرض أما ترى الفخ! قال: يا نبي الله إذا نزل القضاء عميَ البصر. وقال كعب. صاح وَرَشان عند سليمان بن داود، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال إنه يقول: لِدُوا للموت وابنوا للخراب. وصاحت فاختة، فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال إنها تقول: ليت هذا الخلق لم يُخلقوا وليتهم إذ خُلقوا علموا لماذا خُلقوا. وصاح عنده طاوس، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال إنه يقول: كما تدين تدان. وصاح عنده هدهد، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال فإنه يقول: من لا يَرحم لا يُرحم. وصاح صُرَد عنده، فقال: أتدرون ما يقول؟قالوا: لا. قال إنه يقول: استغفروا الله يا مذنبين؛ فمن ثَمَّ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتله. وقيل: إن الصُّرَد هو الذي دلّ آدم على مكان البيت. وهو أوّل من صام؛ ولذلك يقال للصُّرَد الصوّام؛ روي عن أبي هريرة. وصاحت عنده طِيطَوى فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال إنها تقول: كل حيّ ميّت وكل جديد بال. وصاحت خُطَّافة عنده، فقال: أتدرون ما تقول قالوا: لا. قال إنها تقول: قدّموا خيراً تجدوه؛ فمن ثَمَّ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلها. وقيل: إن آدم خرج من الجنة فاشتكى إلى الله الوحشة، فآنسه الله تعالى بالخُطَّاف وألزمها البيوت، فهي لا تفارق بني آدم أنساً لهم. قال: ومعها أربع آيات من كتاب الله عز وجل: {أية : لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ} تفسير : [الحشر: 21] إلى آخرها وتمدّ صوتها بقوله: {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. وهدرت حمامة عند سليمان فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال إنها تقول: سبحان ربي الأعلى عدد ما في سمواته وأرضه. وصاح قُمْري عند سليمان، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال إنه يقول: سبحان ربي العظيم المهيمن. وقال كعب: وحدثهم سليمان، فقال الغراب يقول: اللهم العن العَشَّار؛ والحِدأة تقول: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} تفسير : [القصص: 88]. والقطاة تقول: من سكت سلِم. والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همه. والضفدع يقول: سبحان ربي القدّوس. والبازي يقول: سبحان ربي وبحمده. والسرطان يقول: سبحان المذكور بكل لسان في كل مكان. وقال مكحول: صاح دُرّاج عند سليمان، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال إنه يقول: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ } تفسير : [طه: 5]. وقال الحسن قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : الديك إذا صاح قال اذكروا الله يا غافلين»تفسير : . وقال الحسن بن علي بن أبي طالب قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : النسر إذا صاح قال يا ابن آدم عِش ما شئت فآخرك الموت وإذا صاح العُقَاب قال في البعد من الناس الراحة وإذا صاح القُنْبر قال إلهي الْعن مبغضي آل محمد وإذا صاح الخطاف قرأ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} إلى آخرها فيقول: {وَلاَ الضَّالِّينَ} ويمد بها صوته كما يمد القارىء»تفسير : . قال قتادة والشعبي: إنما هذا الأمر في الطير خاصة، لقوله: {عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ} والنملة طائر إذ قد يوجد له أجنحة. قال الشعبي: وكذلك كانت هذه النملة ذات جناحين. وقالت فرقة: بل كان في جميع الحيوان، وإنما ذكر الطير لأنه كان جنداً من جند سليمان يحتاجه في التظليل عن الشمس وفي البعث في الأمور فخص بالذكر لكثرة مداخلته؛ ولأن أمر سائر الحيوان نادر وغير متردّد ترداد أمر الطير. وقال أبو جعفر النحاس: والمنطق قد يقع لما يفهم بغير كلام، والله جل وعز أعلم بما أراد. قال ابن العربي: من قال إنه لا يعلم إلا منطق الطير فنقصان عظيم، وقد اتفق الناس على أنه كان يفهم كلام من لا يتكلم ويخلق له فيه القول من النبات، فكان كل نبت يقول له: أنا شجر كذا، أنفع من كذا وأضر من كذا؛ فما ظنك بالحيوان.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عما أنعم به على عبديه ونبييه: داود وابنه سليمان عليهما السلام، من النعم الجزيلة والمواهب الجليلة، والصفات الجميلة، وما جمع لهما بين سعادة الدنيا والآخرة، والملك والتمكين التام في الدنيا، والنبوة والرسالة في الدين، ولهذا قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قال ابن أبي حاتم: ذكر عن إبراهيم بن يحيى بن تمام، أخبرني أبي عن جدي قال: كتب عمر بن عبد العزيز: إن الله لم ينعم على عبده نعمة، فيحمد الله عليها، إلا كان حمده أفضل من نعمه، لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَـٰنَ عِلْماً وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} فأي نعمة أفضل مما أوتي داود وسليمان عليهما السلام. وقوله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَـٰنُ دَاوُدَ} أي: في الملك والنبوة، وليس المراد وراثة المال، إذ لو كان كذلك، لم يخص سليمان وحده من بين سائر أولاد داود، فإنه قد كان لداوُد مائة امرأة، ولكن المراد بذلك وراثة الملك والنبوة، فإن الأنبياء لا تورث أموالهم؛ كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «حديث : نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقة» تفسير : وقال: {وَقَالَ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ} أي: أخبر سليمان بنعم الله عليه فيما وهبه له من الملك التام، والتمكين العظيم، حتى إنه سخر له الإنس والجن والطير، وكان يعرف لغة الطير والحيوان أيضاً، وهذا شيء لم يعطه أحد من البشر فيما علمناه مما أخبر الله به ورسوله، ومن زعم من الجهلة والرعاع أن الحيوانات كانت تنطق كنطق بني آدم قبل سليمان بن داود، كما قد يتفوه به كثير من الناس، فهو قول بلا علم، ولو كان الأمر كذلك، لم يكن لتخصيص سليمان بذلك فائدة، إذ كلهم يسمع كلام الطيور والبهائم، ويعرف ما تقول، وليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا، بل لم تزل البهائم والطيور وسائر المخلوقات من وقت خلقت إلى زماننا هذا على هذا الشكل والمنوال. ولكن الله سبحانه كان قد أفهم سليمان ما يتخاطب به الطيور في الهواء، وما تنطق به الحيوانات على اختلاف أصنافها، ولهذا قال تعالى: {ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَىْءٍ} أي مما يحتاج إليه الملك، {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ} أي: الظاهر البين لله علينا. قال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كان داود عليه السلام فيه غيرة شديدة، فكان إذا خرج، أغلقت الأبواب، فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع ــــ قال ــــ فخرج ذات يوم، وأغلقت الأبواب، فأقبلت امرأة تطلع إلى الدار، فإذا رجل قائم وسط الدار، فقالت لمن في البيت: من أين دخل هذا الرجل والدار مغلقة؟ والله لنفتضحن بداود، فجاء داود عليه السلام، فإذا الرجل قائم وسط الدار، فقال له داود: من أنت؟ فقال: الذي لا يهاب الملوك، ولا يمتنع من الحجاب، فقال داود: أنت إذاً والله ملك الموت، مرحباً بأمر الله، فتزمل داود مكانه حتى قبضت نفسه حتى فرغ من شأنه، وطلعت عليه الشمس، فقال سليمان عليه السلام للطير: أظلي داود، فظللت عليه الطير حتى أظلمت عليه الأرض، فقال لها سليمان: اقبضي جناحاً جناحاً» تفسير : قال أبو هريرة: يا رسول الله كيف فعلت الطير؟ «حديث : فقبض رسول الله يده وغلبت عليه يومئذ المضرحية» تفسير : .قال أبو الفرج بن الجوزي: المضرحية هن النسور الحمراء. وقوله تعالى: {وَحُشِرَ لِسْلَيْمَـٰنَ جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْس وَٱلطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} أي: وجمع لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير، يعني: ركب فيهم في أبهة وعظمة كبيرة في الإنس، وكانوا هم الذين يلونه، والجن وهم بعدهم في المنزلة، والطير، ومنزلتها فوق رأسه، فإن كان حر، أظلته منه بأجنحتها. وقوله: {فَهُمْ يُوزَعُونَ} أي: يكف أولهم على آخرهم؛ لئلا يتقدم أحد عن منزلته التي هي مرتبة له. قال مجاهد: جعل على كل صنف وزعة، يردون أولاها على أخراها؛ لئلا يتقدموا في المسير؛ كما يفعل الملوك اليوم. وقوله: {حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِي ٱلنَّمْلِ} أي: حتى إذا مر سليمان عليه السلام بمن معه من الجيوش والجنود على وادي النمل، {قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَـٰكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَـٰنُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أورد ابن عساكر من طريق إسحاق بن بشر عن سعيد عن قتادة عن الحسن: أن اسم هذه النملة حرس، وأنها من قبيلة يقال لهم: بنو الشيصان، وأنها كانت عرجاء، وكانت بقدر الذئب، أي: خافت على النمل أن تحطمها الخيول بحوافرها، فأمرتهم بالدخول إلى مساكنهم، ففهم ذلك سليمان عليه السلام منها {فَتَبَسَّمَ ضَـٰحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحاً تَرْضَـٰهُ} أي: ألهمني أن أشكر نعمتك التي مننت بها عليّ من تعليمي منطق الطير والحيوان. وعلى والدي بالإسلام لك، والإيمان بك، {وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحاً تَرْضَـٰهُ} أي: عملاً تحبه وترضاه، {وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ} أي: إذا توفيتني، فألحقني بالصالحين من عبادك، والرفيق الأعلى من أوليائك، ومن قال من المفسرين: إن هذا الوادي كان بأرض الشام أو بغيره، وإن هذه النملة كانت ذات جناحين كالذباب، أو غير ذلك من الأقاويل، فلا حاصل لها. وعن نوف البكالي أنه قال: كان نمل سليمان أمثال الذئاب، هكذا رأيته مضبوطاً بالياء المثناة من تحت، وإنما هو بالباء الموحدة، وذلك تصحيف، والله أعلم. والغرض أن سليمان عليه السلام فهم قولها، وتبسم ضاحكاً من ذلك، وهذا أمرعظيم جداً. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد ابن بشار، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا مسعر عن زيد العمي عن أبي الصديق الناجي قال: خرج سليمان بن داود عليهما السلام يستسقي، فإذا هو بنملة مستلقية على ظهرها، رافعة قوائمها إلى السماء، وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، ولا غنى بنا عن سقياك، وإلا تسقنا، تهلكنا. فقال سليمان: ارجعوا، فقد سقيتم بدعوة غيركم. وقد ثبت في الصحيح عند مسلم من طريق عبد الرزاق، عن معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قرصت نبياً من الأنبياء نملة، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه: أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح؟ فهلا نملة واحدة؟».

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَٰنَ } ابنه {عِلْمًا } بالقضاء بين الناس ومنطق الطير وغير ذلك {وَقَالاَ } شكراً لله {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى فَضَّلَنَا } بالنبوّة وتسخير الجنّ والإِنس والشياطين {عَلَىٰ كَثِيرٍ مّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.

الشوكاني

تفسير : لما فرغ سبحانه من قصة موسى شرع في قصة داود، وابنه سليمان، وهذه القصص وما قبلها وما بعدها هي كالبيان، والتقرير لقوله: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيم}، والتنوين في {عِلْمًا } إما للنوع أي طائفة من العلم، أو للتعظيم أي علماً كثيراً، والواو في قوله: {وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } للعطف على محذوف؛ لأن هذا المقام مقام الفاء؛ فالتقدير: ولقد آتيناهما علماً فعملا به، وقالا الحمد لله، ويؤيده أن الشكر باللسان إنما يحسن إذا كان مسبوقاً بعمل القلب، وهو العزم على فعل الطاعة، وترك المعصية {ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أي فضلنا بالعلم والنبوّة وتسخير الطير والجنّ والإنس، ولم يفضلوا أنفسهم على الكلّ تواضعاً منهم. وفي الآية دليل على شرف العلم، وارتفاع محله، وأن نعمة العلم من أجلّ النعم التي ينعم الله بها على عباده، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلاً على كثير من العباد، ومنح شرفاً جليلاً. {وَوَرِثَ سُلَيْمَـٰنُ دَاوُودُ } أي ورثه العلم والنبوّة. قال قتادة والكلبي: كان لداود تسعة عشر ولداً ذكراً، فورث سليمان من بينهم نبوّته، ولو كان المراد: وراثة المال لم يخصّ سليمان بالذكر؛ لأن جميع أولاده في ذلك سواء، وكذا قال جمهور المفسرين، فهذه الوراثة هي وراثة مجازية كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : العلماء ورثة الأنبياء»تفسير : . {وَقَالَ ياأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ } قال سليمان: هذه المقالة مخاطباً للناس تحدّثاً بما أنعم الله به عليه، وشكر النعمة التي خصه بها. وقدّم منطق الطير؛ لأنها نعمة خاصة به لا يشاركه فيها غيره. قال الفراء: منطق الطير كلام الطير، فجعل كمنطق الرجل، وأنشد قول حميد بن ثور:شعر : عجيب لها أن يكون غناؤها فصيحاً ولم يغفر بمنطقها فماً تفسير : ومعنى الآية: فهمنا ما يقول الطير. قال جماعة من المفسرين: إنه علم منطق جميع الحيوانات، وإنما ذكر الطير؛ لأنه كان جنداً من جنده يسير معه لتظليله من الشمس. وقال قتادة والشعبي: إنما علم منطق الطير خاصة ولا يعترض ذلك بالنملة، فإنها من جملة الطير، وكثيراً ما تخرج لها أجنحة، فتطير، وكذلك كانت هذه النملة التي سمع كلامها وفهمه، ومعنى {وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَيْء }: كلّ شيء تدعو إليه الحاجة كالعلم والنبوّة والحكمة والمال وتسخير الجن والإنس والطير والرياح والوحش والدواب وكل ما بين السماء والأرض. وجاء سليمان بنون العظمة، والمراد: نفسه بياناً لحاله من كونه مطاعاً لا يخالف، لا تكبراً وتعظيماً لنفسه، والإشارة بقوله: {إِنَّ هَذَا } إلى ما تقدّم ذكره من التعليم، والإيتاء {لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ } أي الظاهر الواضح الذي لا يخفى على أحد، أو المظهر لفضيلتنا. {وَحُشِرَ لِسْلَيْمَـٰنَ جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنْس وَٱلطَّيْرِ } الحشر: الجمع أي جمع له جنوده من هذه الأجناس. وقد أطال المفسرون في ذكر مقدار جنده، وبالغ كثير منهم مبالغة تستبعدها العقول، ولا تصحّ من جهة النقل، ولو صحت لكان في القدرة الربانية ما هو أعظم من ذلك وأكثر {فَهُمْ يُوزَعُونَ } أي لكلّ طائفة منهم وزعة تردّ، أولهم على آخرهم فيقفون على مراتبهم، يقال: وزعه يزعه وزعاً: كفه، والوازع في الحرب الموكل بالصفوف يزع من تقدّم منهم، أي يردّه، ومنه قول النابغة:شعر : على حين عاتبت المشيب على الصبا وقلت ألما أصح والشيب وازع تفسير : وقول الآخر:شعر : ومن لم يزعه لبه وحياؤه فليس له من شيب فوديه وازع تفسير : وقول الآخر:شعر : ولا يزع النفس اللجوج عن الهوى من الناس إلاّ وافر العقل كامله تفسير : وقيل: من التوزيع بمعنى التفريق، يقال: القوم أوزاع أي: طوائف. {حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِي ٱلنَّمْلِ } حتى هي التي يبتدأ بعدها الكلام، ويكون غاية لما قبلها، والمعنى: فهم يوزعون إلى حصول هذه الغاية وهو إتيانهم على واد النمل، أي فهم يسيرون ممنوعاً بعضهم من مفارقة بعض حتى إذا أتوا إلخ، و{على واد النمل} متعلق بـ {أتوا}، وعدّي بعلى؛ لأنهم كانوا محمولين على الريح فهم مستعلون. والمعنى: أنهم قطعوا الوادي وبلغوا آخره، ووقف القراء جميعهم على واد بدون ياء اتباعاً للرسم حيث لم تحذف لالتقاء الساكنين كقوله: {أية : ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ } تفسير : [الفجر: 9] إلاّ الكسائي، فإنه وقف بالياء، قال: لأن الموجب للحذف إنما هو التقاء الساكنين بالوصل. قال كعب: واد النمل بالطائف. وقال قتادة ومقاتل: هو بالشام {قَالَتْ نَمْلَةٌ } هذا جواب إذا، كأنها لما رأتهم متوجهين إلى الوادي فرت ونبهت سائر النمل منادية لها قائلة: {ياأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَـٰكِنَكُمْ } جعل خطاب النمل كخطاب العقلاء لفهمها لذلك الخطاب، والمساكن هي الأمكنة التي يسكن النمل فيها. قيل: وهذه النملة التي سمعها سليمان هي أنثى بدليل تأنيث الفعل المسند إليها. وردّ هذا أبو حيان، فقال: لحاق التاء في قالت لا يدلّ على أن النملة مؤنثة، بل يصحّ أن يقال في المذكر: قالت، لأن نملة وإن كانت بالتاء فهي مما لا يتميز فيه المذكر من المؤنث بتذكير الفعل ولا بتأنيثه، بل يتميز بالإخبار عنه بأنه ذكر، أو أنثى، ولا يتعلق بمثل هذا كثير فائدة، ولا بالتعرّض لاسم النملة، ولما ذكر من القصص الموضوعة، والأحاديث المكذوبة. قرأ الحسن وطلحة ومعمر بن سليمان: «نملة» والنمل بضم الميم وفتح النون بزنة رجل وسمرة. وقرأ سليمان التيمي بضمتين فيهما. {لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَـٰنُ وَجُنُودُهُ } الحطم: الكسر، يقال: حطمته حطماً أي كسرته كسراً، وتحطم: تكسر، وهذا النهي هو في الظاهر للنمل، وفي الحقيقة لسليمان، فهو من باب: لا أرينك هاهنا، ويجوز أن يكون بدلاً من الأمر، ويحتمل أن يكون جواباً للأمر. قال أبو حيان: أما تخريجه على جواب الأمر، فلا يكون إلاّ على قراءة الأعمش، فإنه قرأ: "لا يحطمكم" بالجزم بدون نون التوكيد، وأما مع وجود نون التوكيد، فلا يجوز ذلك إلاّ في الشعر. قال سيبويه: وهو قليل في الشعر، شبهوه بالنهي حيث كان مجزوماً. وقرأ أبيّ: "ادخلوا مساكنكنّ" وقرأ شهر بن حوشب: "مسكنكم" وقرأ الحسن وأبو رجاء وقتادة وعيسى الهمداني: "لا يحطمنكم" بضمّ الياء وفتح الحاء وتشديد الطاء. وقرأ ابن أبي إسحاق ويعقوب وأبو عمرو في رواية بسكون نون التوكيد وجملة: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } في محل نصب على الحال من فاعل {يحطمنكم} أي لا يشعرون بحطمكم ولا يعلمون بمكانكم، وقيل: إن المعنى: والنمل لا يشعرون أن سليمان يفهم مقالتها، وهو بعيد. {فَتَبَسَّمَ ضَـٰحِكاً مّن قَوْلِهَا } قرأ ابن السميفع: "ضحكاً" وعلى قراءة الجمهور يكون {ضاحكاً} حالاً مؤكدة لأنه قد فهم الضحك من التبسم. وقيل: هي حال مقدّرة لأن التبسم أوّل الضحك. وقيل: لما كان التبسم قد يكون للغضب كان الضحك مبيناً له، وقيل: إن ضحك الأنبياء هو التبسم لا غير، وعلى قراءة ابن السميفع يكون "ضحكاً" مصدراً منصوباً بفعل محذوف أو في موضع الحال، وكان ضحك سليمان تعجباً من قولها وفهمها واهتدائها إلى تحذير النمل {وَقَالَ رَبّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ } قد تقدّم بيان معنى أوزعني قريباً في قوله: {فَهُمْ يُوزَعُونَ } قال في الكشاف: وحقيقة أوزعني: اجعلني أزع شكر نعمك عندي وأكفه وارتبطه لا ينفلت عني حتى لا أنفك شاكراً لك. انتهى. قال الواحدي: أوزعني، أي ألهمني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ، يقال: فلان موزع بكذا أي مولع به. انتهى. قال القرطبي: وأصله من وزع، فكأنه قال: كفني عما يسخطك. انتهى. والمفعول الثاني لأوزعني هو: أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وقال الزجاج: إن معنى {أوزعني}: امنعني أن أكفر نعمتك، وهو تفسير باللازم، ومعنى {وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ }: الدعاء منه بأن يوزعه الله شكر نعمته على والديه كما أوزعه شكر نعمته عليه، فإن الإنعام عليهما إنعام عليه، وذلك يستوجب الشكر منه لله سبحانه، ثم طلب أن يضيف الله له لواحق نعمه إلى سوابقها، ولا سيما النعم الدينية، فقال: {وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحاً تَرْضَـٰهُ } أي عملاً صالحاً ترضاه مني، ثم دعا أن يجعله الله سبحانه في الآخرة داخلاً في زمرة الصالحين فإن ذلك هو الغاية التي يتعلق الطلب بها، فقال: {وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّـٰلِحِينَ }، والمعنى: أدخلني في جملتهم، وأثبت اسمي في أسمائهم، واحشرني في زمرتهم إلى دار الصالحين، وهي الجنة. اللهم وإني أدعوك بما دعاك به هذا النبيّ الكريم، فتقبل ذلك مني، وتفضل عليّ به، فإني وإن كنت مقصراً في العمل، ففضلك هو سبب الفوز بالخير، فهذه الآية منادية بأعلى صوت، وأوضح بيان بأن دخول الجنة التي هي دار المؤمنين بالتفضل منك لا بالعمل منهم كما قال رسولك الصادق المصدوق فيما ثبت عنه في الصحيح: «حديث : سدّدوا وقاربوا واعلموا أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلاّ أن يتغمدني الله برحمته»تفسير : . فإذا لم يكن إلاّ تفضلك الواسع، فترك طلبه منك عجز، والتفريط في التوسل إليك بالإيصال إليه تضييع. ثم شرع سبحانه في ذكر قصة بلقيس، وما جرى بينها وبين سليمان، وذلك بدلالة الهدهد، فقال: {وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ } التفقد: تطلب ما غاب عنك، وتعرّف أحواله، والطير: اسم جنس لكلّ ما يطير، والمعنى: أنه تطلب ما فقد من الطير، وتعرف حال ما غاب منها، وكانت الطير تصحبه في سفره، وتظله بأجنحتها {فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَائِبِينَ } أي: ما للهدهد لا أراه؟ فهذا الكلام من الكلام المقلوب الذي تستعمله العرب كثيراً، وقيل: لا حاجة إلى ادّعاء القلب، بل هو استفهام عن المانع له من رؤية الهدهد، كأنه قال: مالي لا أراه؟ هل ذلك لساتر يستره عني، أو لشيء آخر؟ ثم ظهر له أنه غائب، فقال: {أم كان من الغائبين} و"أم" هي المنقطعة التي بمعنى الإضراب قرأ ابن كثير وابن محيصن وهشام وأيوب "مالي" بفتح الياء، وكذلك قرؤوا في يسۤ: {أية : وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي } تفسير : [يۤس: 22] بفتح الياء، وقرأ بإسكانها في الموضعين حمزة والكسائي، ويعقوب، وقرأ الباقون بفتح التي في يسۤ وإسكان التي هنا. قال أبو عمرو: لأن هذه التي هنا استفهام، والتي في يسۤ نفي، واختار أبو حاتم وأبو عبيد الإسكان. {لأعَذّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ }. اختلفوا في هذا العذاب الشديد ما هو؟ فقال مجاهد وابن جريج: هو أن ينتف ريشه جميعاً. وقال يزيد بن رومان: هو أن ينتف ريش جناحيه. وقيل: هو أن يحبسه مع أضداده، وقيل: أن يمنعه من خدمته، وفي هذا دليل على أن العقوبة على قدر الذنب لا على قدر الجسد. وقوله: {عَذَاباً } اسم مصدر على حذف الزوائد كقوله: {أية : أَنبَتَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً } تفسير : [نوح: 17]. {أَوْ لَيَأْتِيَنّى بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ } قرأ ابن كثير وحده بنون التأكيد المشدّدة بعدها نون الوقاية، وقرأ الباقون بنون مشدّدة فقط، وهي نون التوكيد، وقرأ عيسى بن عمر بنون مشدّدة مفتوحة غير موصولة بالياء، والسلطان المبين هو: الحجة البينة في غيبته. {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ } أي الهدهد مكث زماناً غير بعيد. قرأ الجمهور "مكث" بضم الكاف، وقرأ عاصم وحده بفتحها، ومعناه في القراءتين: أقام زماناً غير بعيد. قال سيبويه: مكث يمكث مكوثاً كقعد يقعد قعوداً. وقيل: إن الضمير في مكث لسليمان. والمعنى: بقي سليمان بعد التفقد والتوعد زماناً غير طويل، والأوّل أولى {فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ } أي علمت ما لم تعلمه من الأمر، والإحاطة العلم بالشيء من جميع جهاته، ولعلّ في الكلام حذفاً، والتقدير: فمكث الهدهد غير بعيد، فجاء، فعوتب على مغيبه، فقال معتذراً عن ذلك: {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ }. قال الفراء: ويجوز إدغام التاء في الطاء، فيقال: أحطّ، وإدغام الطاء في التاء، فيقال: أحتّ {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ } قرأ الجمهور من سبأ بالصرف على أنه اسم رجل، نسب إليه قوم، ومنه قول الشاعر:شعر : الواردون وتيم في ذرى سبأ قد غضّ أعناقهم جلد الجواميس تفسير : وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بفتح الهمزة، وترك الصرف على أنه اسم مدينة، وأنكر الزجاج أن يكون اسم رجل، وقال: سبأ اسم مدينة تعرف بمأرب اليمن بينها وبين صنعاء ثلاثة أيام. وقيل: هو اسم امرأة سميت بها المدينة. قال القرطبي: والصحيح أنه اسم رجل كما في كتاب الترمذي من حديث فروة ابن مسيك المرادي. قال ابن عطية: وخفي هذا على الزجاج، فخبط خبط عشواء. وزعم الفراء: أن الرؤاسي سأل أبا عمرو بن العلاء عن سبأ، فقال: ما أدري ما هو؟ قال النحاس: وأبو عمرو أجلّ من أن يقول هذا، قال: والقول في سبأ ما جاء التوقيف فيه أنه في الأصل اسم رجل، فإن صرفته، فلأنه قد صار اسماً للحيّ، وإن لم تصرفه جعلته اسماً للقبيلة مثل ثمود، إلاّ أن الاختيار عند سيبويه الصرف. انتهى. وأقول: لا شك أن سبأ اسم لمدينة باليمن كانت فيها بلقيس، وهو أيضاً اسم رجل من قحطان، وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود، ولكن المراد هنا أن الهدهد جاء إلى سليمان بخبر ما عاينه في مدينة سبأ مما وصفه، وسيأتي في آخر هذا البحث من المأثور ما يوضح هذا، ويؤيده، ومعنى الآية: أن الهدهد جاء سليمان من هذه المدينة بخبر يقين، والنبأ هو: الخبر الخطير الشأن. فلما قال الهدهد لسليمان ما قال، قال له سليمان: وما ذاك؟ فقال: {إِنّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ }، وهي بلقيس بنت شرحبيل، وجدها الهدهد تملك أهل سبأ، والجملة هذه كالبيان، والتفسير للجملة التي قبلها أي ذلك النبأ اليقين هو كون هذه المرأة تملك هؤلاء {وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَيْء } فيه مبالغة، والمراد: أنها أوتيت من كلّ شيء من الأشياء التي تحتاجها. وقيل: المعنى: أوتيت من كلّ شيء في زمانها شيئاً، فحذف شيئاً؛ لأن الكلام قد دلّ عليه {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ } أي سرير عظيم، ووصفه بالعظم؛ لأنه - كما قيل - كان من ذهب طوله ثمانون ذراعاً، وعرضه أربعون ذراعاً، وارتفاعه في السماء ثلاثون ذراعاً مكلل بالدر والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر. وقيل: المراد بالعرش هنا: الملك، والأوّل أولى لقوله: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا } قال ابن عطية: واللازم من الآية أنها امرأة، ملكة على مدائن اليمن ذات ملك عظيم وسرير عظيم، وكانت كافرة من قوم كفار {وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي يعبدونها متجاوزين عبادة الله سبحانه، قيل: كانوا مجوساً، وقيل: زنادقة {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ } التي يعملونها، وهي عبادة الشمس، وسائر أعمال الكفر {فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ } أي صدّهم الشيطان بسبب ذلك التزيين عن الطريق الواضح، وهو الإيمان بالله وتوحيده {فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ } إلى ذلك. {أَلاَّ يَسْجُدُواْ } قرأ الجمهور بتشديد {ألا}. قال ابن الأنباري: الوقف على فهم لا يهتدون غير تامّ عند من شدّد ألا، لأن المعنى: وزين لهم الشيطان ألا يسجدوا. قال النحاس: هي أن دخلت عليها لا، وهي في موضع نصب. قال الأخفش: أي زين لهم أن لا يسجدوا لله بمعنى: لئلا يسجدوا لله. وقال الكسائي: هي في موضع نصب بصدّهم أي فصدّهم ألا يسجدوا بمعنى لئلا يسجدوا، فهو على الوجهين مفعول له. وقال اليزيدي: إنه بدل من أعمالهم في موضع نصب. وقال أبو عمرو: في موضع خفض على البدل من السبيل. وقيل: العامل فيها {لا يهتدون} أي فهم لا يهتدون أن يسجدوا لله، وتكون لا على هذا زائدة كقوله: {أية : وَمَا مَنَعَكَ أَن لاَ تَسْجُدَ} تفسير : [الأعراف: 12]. وعلى قراءة الجمهور ليس هذه الآية موضع سجدة؛ لأن ذلك إخبار عنهم بترك السجود: إما بالتزيين أو بالصدّ، أو بمنع الاهتداء، وقد رجح كونه علة للصدّ الزجاج، ورجح الفراء كونه علة لزين، قال: زين لهم أعمالهم لئلا يسجدوا، ثم حذفت اللام. وقرأ الزهري والكسائي بتخفيف "ألا" قال الكسائي: ما كنت أسمع الأشياخ يقرؤونها إلاّ بالتخفيف على نية الأمر، فتكون «ألاّ» على هذه القراءة حرف تنبيه واستفتاح، وما بعدها حرف نداء، واسجدوا فعل أمر، وكان حق الخط على هذه القراءة أن يكون هكذا ألا يا اسجدوا، ولكن الصحابة رضي الله عنهم أسقطوا الألف من يا وهمزة الوصل من اسجدوا خطأ ووصلوا الياء بسين اسجدوا، فصارت صورة الخط ألاّ يسجدوا، والمنادى محذوف، وتقديره: ألاّ يا هؤلاء اسجدوا. وقد حذفت العرب المنادى كثيراً في كلامها، ومنه قول الشاعر:شعر : ألاّ يا اسلمي يا دار ميّ على البلى ولا زال منهلاً بجرعائك القطر تفسير : وقول الآخر:شعر : ألاّ يا اسلمى ثم اسلمي ثمت اسلمى ثلاث تحيات وإن لم تكلم تفسير : وقول الآخر أيضاً:شعر : ألاّ يا اسلمي يا هند هند بني بكر تفسير : وهو كثير في أشعارهم. قال الزجاج: وقراءة التخفيف تقتضي وجوب السجود دون قراءة التشديد، واختار أبو حاتم وأبو عبيد قراءة التشديد. قال الزجاج: ولقراءة التخفيف وجه حسن إلاّ أن فيها انقطاع الخبر عن أمر سبأ ثم الرجوع بعد ذلك إلى ذكرهم. والقراءة بالتشديد خبر يتبع بعضه بعضاً لا انقطاع في وسطه، وكذا قال النحاس، وعلى هذه القراءة تكون جملة {أَلاَّ يَسْجُدُواْ } معترضة من كلام الهدهد، أو من كلام سليمان، أو من كلام الله سبحانه. وفي قراءة عبد الله بن مسعود: "هل لا تسجدوا" بالفوقية، وفي قراءة أبيّ: {أَلا تَسْجُدُواْ } بالفوقية أيضاً {ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْء فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي يظهر ما هو مخبوء ومخفيّ فيهما، يقال: خبأت الشيء أخبؤه خبأ والخبء ما خبأته. قال الزجاج: جاء في التفسير أن الخبء هاهنا بمعنى: القطر من السماء والنبات من الأرض. وقيل: خبء الأرض: كنوزها ونباتها. وقال قتادة: الخبء: السرّ. قال النحاس: أي: ما غاب في السماوات والأرض. وقرأ أبيّ وعيسى بن عمر: "الخب" بفتح الباء من غير همز تخفيفاً، وقرأ عبد الله وعكرمة ومالك بن دينار: "الخبا" بالألف. قال أبو حاتم: وهذا لا يجوز في العربية. وردّ عليه بأن سيبويه حكى عن العرب: أن الألف تبدل من الهمزة إذا كان قبلها ساكن. وفي قراءة عبد الله: «يخرج الخب من السموات والأرض». قال الفراء: ومن وفى يتعاقبان، والموصول يجوز أن يكون في محل جرّ نعتاً لله سبحانه، أو بدلاً منه، أو بياناً له، ويجوز أن يكون في محل نصب على المدح، ويجوز أن يكون في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. وجملة: {وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ } معطوفة على يخرج، قرأ الجمهور بالتحتية في الفعلين، وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر وحفص والكسائي بالفوقية للخطاب، أما القراءة الأولى فلكون الضمائر المتقدّمة ضمائر غيبة، وأما القراءة الثانية: فلكون قراءة الزهري والكسائي فيها الأمر بالسجود والخطاب لهم بذلك، فهذا عندهم من تمام ذلك الخطاب. والمعنى: أن الله سبحانه يخرج ما في هذا العالم الإنساني من الخفاء بعلمه له كما يخرج ما خفي في السماوات والأرض. ثم بعد ما وصف الربّ سبحانه بما تقدّم مما يدلّ على عظيم قدرته وجليل سلطانه ووجوب توحيده، وتخصيصه بالعبادة قال: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ } قرأ الجمهور {العظيم}: بالجرّ نعتاً للعرش، وقرأ ابن محيصن بالرفع نعتاً للربّ، وخصّ العرش بالذكر؛ لأنه أعظم المخلوقات كما ثبت ذلك في المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن عبد العزيز؛ أنه كتب: إن الله لم ينعم على عبد نعمة، فحمد الله عليها إلاّ كان حمده أفضل من نعمته لو كنت لا تعرف ذلك إلاّ في كتاب الله المنزل. قال الله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَـٰنَ عِلْماً وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } وأي نعمة أفضل مما أعطى داود وسليمان؟ أقول: ليس في الآية ما يدلّ على ما فهمه رحمه الله، والذي تدلّ عليه أنهما حمدا الله سبحانه على ما فضلهما به من النعم، فمن أين تدلّ على أن حمده أفضل من نعمته؟ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَوَرِثَ سُلَيْمَـٰنُ دَاوُود} قال: ورثه نبوّته، وملكه وعلمه. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد في الزهد، وابن أبي حاتم عن أبي الصديق الناجي قال: «خرج سليمان بن داود يستسقي بالناس، فمرّ على نملة مستلقية على قفاها رافعة قوائمها إلى السماء، وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن رزقك، فإما أن تسقينا وإما أن تهلكنا، فقال سليمان للناس: ارجعوا، فقد سقيتم بدعوة غيركم». وأخرج الحاكم في المستدرك عن جعفر بن محمد قال: أعطي سليمان ملك مشارق الأرض ومغاربها، فملك سليمان سبعمائة سنة وستة أشهر، ملك أهل الدنيا كلهم من الجن والإنس والدواب والطير والسباع، وأعطي كل شيء، ومنطق كل شيء، وفي زمانه صنعت الصنائع المعجبة، حتى إذا أراد الله أن يقبضه إليه أوحى إليه أن يستودع علم الله وحكمته أخاه، وولد داود كانوا أربعمائة وثمانين رجلاً أنبياء بلا رسالة. قال الذهبي: هذا باطل، وقد رويت قصص في عظم ملك سليمان لا تطيب النفس بذكر شيء منها، فالإمساك عن ذكرها أولى. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {فَهُمْ يُوزَعُونَ } قال: يدفعون. وأخرج ابن جرير عنه في قوله: {فَهُمْ يُوزَعُونَ } قال: جعل لكل صنف وزعة تردّ أولاها على أخراها لئلا تتقدّمه في السير كما تصنع الملوك. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {أَوْزِعْنِي} قال: ألهمني. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن مثله. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس؛ أنه سئل: كيف تفقد سليمان الهدهد من بين الطير؟ قال: إن سليمان نزل منزلاً، فلم يدر ما بعد الماء، وكان الهدهد يدلّ سليمان على الماء، فأراد أن يسأله عنه، ففقده، قيل: كيف ذاك والهدهد ينصب له الفخ يلقى عليه التراب، ويضع له الصبي الحبالة، فيغيبها، فيصيده؟ فقال: إذا جاء القضاء ذهب البصر. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: {لأعَذّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً } قال: أنتف ريشه كله، وروي نحو هذا عن جماعة من التابعين، وروى ابن أبي حاتم عن الحسن قال: كان اسم هدهد سليمان: غبر. وأقول: من أين جاء علم هذا للحسن رحمه الله، وهكذا ما رواه عنه ابن عساكر أن اسم النملة: حرس، وأنها من قبيلة يقال لها: بنو الشيصان، وأنها كانت عرجاء، وكانت بقدر الذئب، وهو رحمه الله أورع الناس عن نقل الكذب، ونحن نعلم أنه لم يصحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء، ونعلم أنه ليس للحسن إسناد متصل بسليمان، أو بأحد من أصحابه، فهذا العلم مأخوذ من أهل الكتاب، وقد أمرنا: «أن لا نصدّقهم، ولا نكذبهم»، فإن ترخص مترخص بالرواية عنهم لمثل ما روى: «حديث : حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»تفسير : . فليس ذلك فيما يتعلق بتفسير كتاب الله سبحانه بلا شك، بل فيما يذكر عنهم من القصص الواقعة لهم. وقد كرّرنا التنبيه على مثل هذا عند عروض ذكر التفاسير الغريبة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أَوْ لَيَأْتِيَنّي بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ } قال: خبر الحقّ الصدق البين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة قال: قال ابن عباس: كلّ سلطان في القرآن حجة، وذكر هذه الآية، ثم قال: وأيّ سلطان كان للهدهد؟ يعني: أن المراد بالسلطان: الحجة لا السلطان الذي هو الملك. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله: {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ } قال: اطلعت على ما لم تطلع عليه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً: {وَجِئْتُكَ مِن سَبَأٍ} قال: سبأ بأرض اليمن، يقال لها: مأرب بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليالٍ {بِنَبَإٍ يَقِينٍ } قال: بخبر حقّ. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عنه أيضاً: {إِنّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ } قال: كان اسمها بلقيس بنت ذي شيرة، وكانت صلباء شعراء. وروى عن الحسن وقتادة وزهير بن محمد أنها بلقيس بنت شراحيل، وعن ابن جريج بنت ذي شرح. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه وابن عساكر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إحدى أبوي بلقيس كان جنياً"تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ } قال: سرير كريم من ذهب وقوائمه من جوهر ولؤلؤ حسن الصنعة غالي الثمن. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله: {يُخْرِجُ ٱلْخَبْء } قال: يعلم كلّ خبيئة في السماء والأرض.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً} فيه ستة أوجه: أحدها: فهماً، قاله قتادة. الثاني: صنعة الكيمياء وهو شاذ. الثالث: فصل القضاء. الرابع: علم الدين. الخامس: منطق الطير. السادس: بسم الله الرحمن الرحيم. {وَقَالاَ الْحَمْدُ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} وحمدهما لله شكراً على نعمه. وفيما فضلهما به على كثير من عباده المؤمنين ثلاثة أقاويل: أحدها: بالنبوة. الثاني: بالملك. الثالث: بالنبوة والعلم. قوله تعالى: {ووَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ورث نبوته وملكه، قاله قتادة، قال الكلبي: وكان لداود تسعة عشر ولداً ذكراً وإنما خص سليمان بوراثتة لأنها وراثة نبوة وملك، ولو كانت وراثة مال لكان جميع أولاده فيه سواء. الثاني: أن سخر له الشياطين والرياح، قاله الربيع. الثالث: أن داود استخلفه في حياته على بني إسرائيل وكانت ولايته هي الوراثة وهو قول الضحاك، ومنه قيل: العلماء ورثة الأنبياء، لأنهم في الدين مقام الأنبياء. قوله تعالى: {فَهُمُ يُوزَعُونَ} فيه ستة أوجه: أحدها: يساقون، وهو قول ابن زيد. الثاني: يدفعون،قاله الحسن، قال اليزيدي: تدفع أخراهم وتوقف أولاهم. الثالث: يسحبون، قاله المبرِّد. الرابع: يجمعون. الخامس: يسجنون، قال الشاعر: شعر : لسان الفتى سبع عليه سداته وإلا يزع من عَرْبه فهو قاتله وما الجهل إلا منطق متسرع سواءٌ عليه حق أمرٍ وباطله تفسير : السادس: يمنعون، مأخوذ من وزعه عن الظلم، وهو منعه عنه، ومنه قول عثمان رضي الله عنه: ما وزع الله بالسلطان أكبر مما وزع بالقرآن. وقال النابغة: شعر : على حين عاتبتُ المشيبَ على الصبا وقلت ألما تصدع والشيب وازعُ تفسير : والمراد بهذا المنع ما قاله قتادة: أن يُرد أولهم على آخرهم ليجتمعوا ولا يتفرقوا. قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ} قال قتادة: ذكر لنا أنه وادٍ بأرض الشام. وقال كعب: وهو بالطائف. {قَالَتْ نَمَلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُواْ مَسَاكِنَكُم} قال الشعبي: كان للنملة جناحان فصارت من الطير، فلذلك علم منطقها، ولولا ذلك، ما علمه. {لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ} أي لا يهلكنكم. {وَهُمُ لاَ يَشعُرُونَ} فيه وجهان: أحدهما: والنمل لا يشعرون بسليمان وجنوده، قاله يحيى بن سلام. الثاني: وسليمان وجنوده لا يشعرون بهلاك النمل، وسميت النملة نملة لتنملها وهو كثرة حركتها وقلة قرارها، وقيل إن النمل أكثر جنسه حساً لأنه إذا التقط الحبة من الحنطة والشعير للادخار قطعها اثنين لئلا تنبت، وإن كانت كزبرة قطعها أربع قطع {لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ} فحكي أن الريح أطارت كلامها إلى سليمان حتى سمع قولها من ثلاثة أميال فانتهى إليها وهي تأمر النمل بالمغادرة. {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه تبسم من حذرها بالمغادرة. الثاني: أنه تبسم من ثنائها عليه. الثالث: أنه تبسم من استبقائها للنمل. قال ابن عباس: فوقف سليمان بجنوده حتى دخل النمل مساكنه. {وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ألهمني، قاله قتادة. الثاني: اجعلني، قاله ابن عباس. الثالث: حرضني، قاله ابن زيد فحكى سفيان أن رجلاً من الحرس قال لسليمان، أنا بمقدرتي أشكر لله منك، قال فخرّ سليمان عن فرسه ساجداً. وفي سبب شكره قولان: أحدهما: أن علم منطق الطيرحتى فهم قولها. الثاني: أن حملت الريح قولها إليه حتى سمعه قبل وصوله لجنوده على ثلاثة أميال فأمكنه الكف. {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ} فيه وجهان: أحدهما: شكر ما أنعم به عليه، قاله الضحاك. الثاني: حفظ ما استرعاه، وهو محتمل. {وَأدْخَلْنِي فِي رَحْمَتِكَ} فيه وجهان: أحدهما: بالنبوة التي شرفتني بها. الثاني: بالمعونة التي أنعمت عليّ بها. {فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} فيه وجهان: أحدهما: في جملة أنبيائك. الثاني: في الجنة التي هي دار أوليائك.

ابن عطية

تفسير : هذا ابتداء قصص في غيوب وعبر وليس بمثال لقريش، و {داود} من بني إسرائيل وكان ملكاً {وورث سليمان} ملكه ومنزلته من النبوءة بمعنى صار إليه ذلك بعد موت أبيه فسمي ميراثاً تجوزاً، وهذا نحن قولهم العلماء ورثة الأنبياء، وحقيقة الميراث في المال والأنبياء لا تورث أموالهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة" تفسير : ، ويحتمل قوله عليه السلام "حديث : إنا معشر الأنبياء لا نورث" تفسير : أن يريد به أن ذلك من فعل الأنبياء وسيرتهم وإن كان فيهم من ورث ماله كزكرياء على أشهر الأقوال فيه، وهذا كما تقول: إنا معشر المسلمين إنما شغلنا العبادة، فالمراد أن ذلك فيه فعل الأكثر، ومنه ما حكى سيبويه أنا معشر العرب أقرى الناس لضيف. وقوله {علمنا منطق الطير} إخبار بنعمة الله عندهما في أن فهمهما من أصوات الطير المعاني التي نفوسها، وهذا نحو ما كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يسمع أصوات الحجارة بالسلام وسليمان عليه السلام حكى عن البلبل أنه قال: أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء إلى كثير من هذا النوع وقال قتادة والشعبي وغيره: إنما كان هذا الأمر في الطير خاصة والنملة طائر قد يوجد له الأجنحة، قال الشعبي: وكذلك كانت هذه القائلة ذات جناحين، وقالت فرقة: بل كان في جميع الحيوان وإنما ذكر الطير لأنه كان جنداً من جنود سليمان يحتاجه في التظليل عن الشمس وفي البعث في الأمور فخص لكثرة مداخلته ولأن أمر سائر الحيوان نادر وغير متردد ترداد أمْر الطير، والنمل حيوان فطن قويّ شمام جداً يدخر القرى ويشق الحب بقطعتين لئلا ينبت ويشق الكزبرة بأربع قطع لأنها تنبت إذا قسمت شقين ويأكل في عامه نصف ما جمع، ويستبقي سائره عُدَّه، وقوله {وأوتينا من كل شيء} معناه يصلح لنا ونتمناه وليست على العموم، ثم ردد شكر فضل الله تعالى، ثم قص تعالى حال سليمان فقال: {وحشر لسليمان} أيْ جمع واختلف الناس في مقدار جند سليمان عليه السلام اختلافاً شديداً لم أر ذكره لعدم صحة التحديد، غير أن الصحيح أن ملكه كان عظيماً ملأ الأرض وانقادت له المعمورة وكان كرسيه يحمل أجناده من الإنس والجن، وكانت الطير تظله من الشمس ويبعثها في الأمور، وكان له في الكرسي الأعظم موضع يخصه، و {يوزعون} معناه يرد أولهم إلى آخرهم ويُكَفُّون، وقال قتادة فكان لكل صنف وزعة في رتبهم ومواضعهم من الكرسي ومن الأرض إذا مشوا فيها فرب وقت كان يسير فيه في الأرض، ومنه قول الحسن الصبري حين ولي قضاء البصرة: لا بد للحاكم من وزعة، ومنه قول أبي قحافة حين وصفت له الجارية في يوم الفتح أنها ترى سواداً أمامه فارس قد نهد من الصف فقال لها: ذلك الوازع، ومنه قول الشاعر [النابغة الذبياني]: [الطويل] شعر : على حين عاتبت المشيب على الصبا وقلت ألمّا أصح والشيب وازع تفسير : أي كافٍ.

ابن عبد السلام

تفسير : {عِلْماً} فهماً، أو قضاء، أو علم الدين، أو منطق الطير، أو بسم الله الرحمن الرحيم، أو صنعة الكيمياء. وهو شاذ {فَضَّلَنَا} بالنبوة، أو الملك، أو العلم.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {وادي النمل} ممالة: عباس وقتيبة. وقرأ يعقوب وعلي والسرنديبي عن قنبل بالياء في الوقف. {لا يحطمنكم} بالنون الخفيفة: عباس ورويس. {أوزعني} بفتح الياء: ابن كثير وكذلك في "الأحقاف" {ما لي لا} بفتح ياء المتكلم: ابن كثير وعلي وعاصم {ليأتيني} بنون الوقاية بعد الثقيلة: ابن كثير. {فمكث} بفتح الكاف: عاصم وسهل ويعقوب غير رويس. الآخرون بضمها {من سبأ} بفتح الهمزة لامتناع الصرف: البزي وأبو عمرو وعن قنبل بهمزة ساكنة. وفي رواية أخرى عنه وعن ابن فليح وزمعة بغير همز. الباقون بهمزة منونة مكسورة، وكذلك في سورة سبأ. {ألا يسجدوا} مخففاً: يزيد وعلي ورويس. الآخرون بالتشديد. وقال ابن مجاهد: إذا وقفوا على {إلا} وقفوا على "ألا ياء" والابتداء {اسجدوا} {تخفون} و {تعلنون} بتاء الخطاب فيهما: علي وحفص والباقون على الغيبة {فألقه} بسكون الهاء: حمزة وعاصم غير المفضل وأبو عمرو غير عباس، وقرأ باختلاس حركة الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد وأبو عمرو من طريق الهاشمي عن اليزيدي الباقون بالإشباع {إني القي} بفتح ياء المتكلم: ابو جعفر ونافع {أتمدونني} بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل وافق به ابو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل {اتمدوني} بتشديد النون وبالياء في الحالين: حمزة ويعقوب. الآخرون بإظهار النونين وحذف الياء {أتاني الله} بفتح الياء: ابو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن فليح وحفص. فمن فتح الياء فالوقف بالياء لا غير، من حذف الياء فإنه يقف بغير الياء إلا سهلاً ويعقوب فإنهما يقفان بالياء. وقرأ علي {آتاني الله} بالإمالة {أنا آتيك} بالإمالة وكذلك ما بعده: حمزة في رواية خلف وابن سعدان والعجلي وأبي عمرو وخلف لنفسه {فلما رايه} بكسر الراء: نصير {ليبلوني} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع. {ساقيها} وبابه بالهمز: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل والأحسن تركها. قال في الكشاف: من همز فوجهه أنه سمع سؤقاً فأجرى عليه الواحد. الوقوف: {علماً} ج للعدول عن بيان إيتاء الفضل ابتداء إلى ذكر قول المنعم عليهما شكراً ووفاء {المؤمنين} ه {شيء} ط {المبين} ه {يوزعون} ه {النمل} لا لأن ما بعده جواب "إذا" {مساكنكم} ج لانقطاع النظم لنهي الغائب مع اتحاد القائل {وجنوده} لا لأن الواو للحال {لا يشعرون} ه {الصالحين} ه {الهدهد} ز على معنى بل أكان من الغائبين على معنى التهديد والأصح أن "أم" متصل بمعنى الاستفهام في {مالي} أي أنا لا اراه أو هو غائب {الغائبين} ه {مبين} ه {يقيم} ه {عظيم} ه {لا يهتدون} ه لا ومن خفف {ألا} وقف مطلقاً {تلعنون} ه {العظيم} ه سجدة {الكاذبين} ه {يرجعون} ه {كريم} ه {الرحيم} ه لا لتعلق "أن" {مسلمين} ه {أمري} ج لانقطاع النظم مع اتحاد القائل {تشهدون} ه {تأمرين} ه {أذلة} ج لأن قوله {وكذلك} يحتمل أن يكون من تتمة قولها أو هو تصديق من الله لما قالت {يفعلون} ه {المرسلون} ه {بمال} ز لانتهاء الاستفهام مع فاء التعقيب وبيان الاستغناء على التعجيل {آتاكم} ج لاختلاف الجملتين على أن "بل" ترجح جانب الوقف {تفرحون} ه {صاغرون} ه {مسلمين} ه {مقامك} ج للابتداء بإن مع اتحاد القائل {أمين} ه {طرفك} ط للعدول {أم أكفر} ه {لنفسه} ج {كريم} ه {لا يهتدون} ه {عرشك} ط {هو} ج لاحتمال أن يكون ما بعده من كلامها أو من كلام سليمان {مسلمين} ه {من دون الله} ط {كافرين} ه {الصرح} ج {ساقيها} ط {قوارير} ه {العالمين} ه. التفسير: لما فرغ من قصة موسى شرع في قصة ثانية وهي قصة داود وابنه سليمان. والتنوين في {علماً} إما للنوع أي طائفة من العلم أو للتعظيم أي علماً غزيراً. قال علماء المعاني: الواو في {وقالا} للعطف على محذوف لأن هذا مقام الفاء كقولك: أعطيته فشكر. فالتقدير: ولقد آتيناهما علماً فعملا به وعلماه وعرفا حق النعمة والفضيلة فيه {وقالا الحمد لله} وبيانه أن الشكر باللسان إنما يحسن إذا كان مسبوقاً بعمل القلب وهو العزم على فعل الطاعة وترك المعصية، وبعمل الجوارح وهو الاشتغال بالطاعات فكأنه قال: ولقد آتيناهما علماً فعملاَ به قلباً وقالباً {وقالا} باللسان {الحمد لله} قلت: لقائل أن يقول: الأصل عدم الإضمار وقوله هذا مقام الفاء ممنوع، وإنما يكون كذلك إذا أريد التعقيب والتسبيب فإن كان المراد مجرد الإخبار عما فعل بهما وعما فعلا فالواو كقولك "أعطيته وشكر". وقوله {على كثير من عباده} يجوز أن يكون واردا" على سبيل التواضع وإن كانا مفضلين على جميع أهل زمانهما. ويجوز أن يكون وارداً على الحقيقة بالنسبة إلى زمانهما أو بالنسبة إلى سائر الأزمنة وهذا أظهر، وإنما وصف العباد بالمؤمنين لئلا يظن أن سبب الفضيلة هو مجرد الإيمان ولكن ما يزيد عليه من الاستغراق في بحر العبودية والعرفان. وفي الآية دليل على شرف العلم وأن العالم يجب أن يتلقى علمه بشكر الله تعالى قلباً وقالباً وما التوفيق إلا منه. قوله {وورث سليمان داود} عن الحسن أنه المال لأن النبوة عطية مبتدأة، وزيف بأن المال أيضاً عطية مبتدأة ولذلك يرث الولد إذا كان مؤمنماً ولا يرث إذا كان كافراً أو قاتلاً. ومات المانع من أن يوصف بأنه ورث النبوة لما قام بها عند موته كما يرث الولد المال إذا قام به عند موته. والظاهر أنه أراد وراثة النبوة والملك معاً دليله قوله تشهيراً لنعمة الله ودعاء للناس إلى تصديق المعجزة {يا أيها الناس عُلمنا منطق الطير} والمنطق يشمل كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف مفيداً وغير مفيد، ومنه قولهم "نطقت الحمامة". قال المفسرون: إنه تعالى جعل الطير في ايامه مما له عقل وليس كذلك حال الطيور في أيامنا وإن كان فيها ما ألهمه الله تعالى الدقائق التي خصت بالحاجة إليها. يحكى أنه مر على بلبل في شجرة فقال لأصحابه: إنه يقول: إني أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفا أي التراب. وصاحت فاخته فأخبر أنها تقول: ليت الخلق لم يخلقوا. وصاح طاوس فقال: يقول: كما تدين تدان. وأخبر أن الهدهد يقول: استغفروا الله يا مذنبون. والخطاف يقول: قدموا خيراً تجدوه. والرخمة تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وارضه. والقمريّ يقول: سبحان ربي الأعلى. والقطاة تقول: من سكت سلم. والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همه. والديك يقول: اذكروا الله يا غافلون. والنسر يقول: يا ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت. والعقاب يقول: في البعد من الناس أنس. ومعنى {من كل شيء} بعض كل شيء. وقال في الكشاف: أراد كثرة ما أوتي كما تقول "فلان يقصده كل أحد" تريد كثرة قاصديه. وإنما قال {علمنا} {وأوتينا} لأنه أراد نفسه واباه، ويجوز أن يريد نفسه فقط لا على طريق التكبر بل على عادة الملوك يعظمون أنفسهم لمصلحة التهييب. وقوله {إن هذا لهو الفضل المبين} قول وارد على سبيل الشكر والتحدث بالنعم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أنا سيد ولد آدم ولا فخر"تفسير : أي أقول هذا شكراً لا فخراً. يروى أن معسكره كان مائة فرسخ في مائة فرسخ. خمسة وعشرون للجن ومثله للإنس ومثله للطير ومثله للوحش، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلثمائة منكوحة وسبعمائة سرية، وقد نسجت له الجن بساطاً من ذهب وإبريسم فرسخاً في فرسخ، وكان يوضع منبره في وسطه وهو من ذهب فيقعد عليه وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة، فتقعد الأنبياء عليهم السلام على كراسيّ الذهب والعلماء على كراسيّ الفضة وحولهم الناس وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس وترفع ريح الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر، وإن كان يقول مع ذلك: لتسبيحة واحدة يقبلها الله خير مما أوتي آل داود. ومعنى {يوزعون} يحبسون. قيل: كانوا يمنعون من يتقدم من عسكره ليكون مسيره مع جنوده على ترتيب، ومنه يعلم أنه كان في كل قبيلة منها وازع يكون له تسلط على الباقين يكفهم ويصرفهم. ومعنى {أتوا على واد النمل} قطعوه وبلغوا آخره من قولهم "أتى على الشيء" إذا أنفذه وبلغ آخره كأنهم أرادوا أن ينزلوا عند منقطع الوادي. ويجوز أن يقصد إتيانهم من فوق لأن الريح كانت تحلهم في الهواء فلذلك عدي بـ "على" عن قتادة أنه دخل الكوفة فاجتمع عليه الناس فقال: سلوا عما شئتم وكان أبو حنيفة حاضراً وهو غلام حدث فقال: سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكراً أم أنثى؟ فسألوه فأفحم فقال ابو حنيفة: كانت أنثى لقوله تعالى {قالت نملة} لو كان ذكراً لم تجز التاء لأن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى فلا بد التمييز بالعلامة. وحين عبر عن تفاهم النمل بلفظ التقاول جعل خطابهم أولي العقل فحكى أنها {قالت يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم} أما جواب للأمر وإما نهي بدلاً من الأمر أي لا تكونوا بحيث يحطمكم أي يكسركم سليمان وجنوده على طريقة "لا أرينك ههنا". وفي قوله {سليمان وجنوده} دون أن يقول جنود سليمان مبالغة أخرى كما تقول: أعجبني زيد وكرمه. وفي الآية دلالة على أن من يسير في الطريق لا يلزمه التحرز وإنما يلزم من في الطريق التحرز. وفي قوله {وهم لا يشعرون} تنبيه على وجود الجزم بعصمة الأنبياء كأنها عرفت أن النبي لعصمته لا يقع منه قتل هذه الحيوانات إلا على سبيل السهو. وعن بعضهم أنها خافت على قومها أن يقعوا في كفران نعمة الله تعالى إذا رأوا جلالة سليمان، وهذا معنى الحطم فلذلك أمرتهم بدخول المساكن. وفيه تنيه على أن مجالسة أرباب الدنيا محذورة. قيل: سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال {فتبسم ضاحكاً} أي شارعاً في الضحك آخذاً فيه ولكن لم يبلغ حدّ القهقهة وكمال الضحك. وما روي أنه صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه فعلى وجه المبالغة في الضحك النبوي. وإنما أضحكه من قولها شفقتها على قومها وسروره بما آتاه الله من إدراك الهمس واشتهاره بالتحرز والتقوى ولذلك مال إلى الدعاء قائلاً: {رب أوزعني} قال جار الله: حقيقته اجعلني أزع شكر نعمتك عندي وأربطه لا ينفلت عني فلا أزال شاكراً لك. وإنما أدرج ذكر الوالدين لأن النعمة على الولد نعمة عليهما وبالعكس. ثم طلب أن يضيف لواحق نعمه إلى سوابقها ولا سيما النعم الدينية فقال: {وأن أعمل صالحاً ترضاه} ثم دعا أن يجعله في الآخرة من زمرة الصالحين لأن ذلك غاية كل مقصود. يروى أن النملة أحست بصوت الجنود ولم تعلم أنها في الهواء فأمر سليمان الريح فوقفت لئلا يذعرون حتى دخلن مساكنهن، ثم دعا بالدعوة. القصة الثالثة قصة بلقيس وما جرى بينها وبين سليمان وذلك بدلالة الهدهد، يروى أن سليمان حين تم له بناء بيت المقدس تجهز للحج مع حشمه فأتى الحرم ومكث به أياماً يقرب كل يوم خمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف بقرة وعشرين ألف شاة. ثم عزم على السير إلى اليمن فخرج من مكة صباحاً فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضاً أعجبته بهجتها إلا أنهم لم يجدوا الماء فطلب الهدهد لأنه يرى الماء من تحت الأرض. وعن وهب أنه أخل بالنوبة التي كانت تنويه فلذلك تفقده. وقيل: إنه وقعت نفحة من الشمس على رأس سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خالٍ فدعا عفريت الطير -وهو النسر- فسأله عنه فلم يجد عنده علمه. ثم قال لسيد الطير -وهو العقاب- عليّ به فارتفعت فنظرت فإذا هو مقبل فقصدته فأقسم عليها بالله لتتركنه فتركته. وقالت: إن نبي الله قد حلف ليعذبنك قال: وما استثنى؟ قالت: بلى قال: {أو ليأتيني بسلطان مبين} أي بعذر واضح. فلما قرب من سليمان ارخى ذنبه وجناحيه يجرها على الأرض تواضعاً له، فلما دنا منه أخذ سليمان براسه فمده إليه فقال: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله عز وجل فارتعد سليمان وعفا عنه ثم سأله عما لقي في غيبته. وفي تفقد الهدهد إشارة إلى أن الملوك يجب عليهم التيقظ وعدم الغفلة عن اصغر رعيتهم. وأرجع إلى التفسير. قوله {مالي لا أرى} استبعاد منه أنه لا يراه وهو حاضر في الجند كأن ساتراً ستره ثم لاح له أنه غائب فقال {أم كان من الغائبين} وقد مر في الوقوف قوله {لأعذبنه} لا شك أن تعذيبه إنما يكون بما يحتمله حاله. فقيل: أراد أن ينتف ريشه ويشمسه وكان هذا عذابه للطير. وقيل: كان يطلي بالقطران ويشمس. وقيل: هو أن يلقيه للنمل لتأكله. وقيل: إيداعه القفص. وقيل: التفريق بينه وبين إلفه. وقييل: أراد لألزمنه صحبة الأضداد كما قيل: أضيق السجون مجالسة الأضداد. وقيل: لألزمنه خدمة أقرانه. ولعل تعذيب الهدهد وذبحه في عصره جائز لمصلحة السياسة كما أباح لنا ذبح كل مأكول لحمه لمصلحة التغذي. وحاصل القسم يرجع إلى قوله ليكونن أحد هذه الأمور الثلاثة: التعذيب أو الذبح أو الإتيان بعذر بين وحجة واضحة. ويحتمل أن يكون قد عرف إتيانه بالعذر بطريق الوحي فلذلك أدرجه في سلك ما هو قادر على فعله فأقسم عليه. ثم أخبر الله سبحانه أنه أتى بسلطان مبين وذلك قوله {فمكث غير بعيد} أي غير زمان بعيد {فقال} مخاطباً لسليمان {أحطت بما لم تحط به} قالوا: فيه إبطال قول من زعم أن إمام الزمان لا يخفى عليه شيء ولا يكون في زمانه أحد أعلم منه. وفيه دليل على شرف العلم وأن صاحبه له أن يكافح به من هو أعلى حالاً منه. والإحاطة بالشيء علماً هو أن يعلمه من جميع جهاته. وقوله {من سبأ بنبأ} من جملة صنائع البديع على أن النبأ خبر له شأن فذكره في هذا الموضع دون أن يقول "من سبأ بخبر" حسن على حسن. وسبأ اسم للقبيلة فلا ينصرف أو اسم للحي أو الأب الأكبر فينصرف، وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ثم سميت مدينة مارب بسبأ وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث. ويحتمل أن يراد بسبأ المدينة أو القوم. ثم شرع في النبأ وهو قوله {إني وجدت امرأة} واسمها بلقيس بنت شراحيل ملك اليمن كابراً عن كابر إلى تبع الأول، ولم يكن له ولد غيرها فورثت الملك وكانت هي وقومها مجوساً عبدة الشمس. والضمير في {تملكهم} يعود إلى سبأ إن أريد به القوم وإلى الأهل المحذوف إن أريد به المدينة. {وأوتيت من كل شيء} اي بعض كل ما يتعلق بالدنيا من الأسباب. {ولها عرش عظيم} كأنه استعظم لها ذلك مع صغر حالها إلى حال سليمان، أو استعظمه في نفسه لأنه لم يكن لسليمان مثله مع علو شأنه، وقد يتفق لبعض الأمراء شيء لا يكون مثله لمن فوقه في الملك، وقد يطلع بعض الأصاغر على مسألة لم يطلع عليها أحد كما اطلع الهدهد على حال بلقيس دون سليمان. ووصف عرش الله بالعظم إنما هو بالإضافة إلى سائر ما خلق من السموات والأرض. يحكى من عظم شأنه إنما كان مكعباً ثلاثين في ثلاثين أو ثمانين وكان من ذهب وفضة مكللاً بأنواع الجواهر وكذا قوائمه، وعليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق، قال بعض المعتزلة: في قوله {وزين لهم الشيطان أعمالهم} دليل على أن المزين للكفر والمعاصي هو الشيطان. وأجيب بأن قول الهدهد لا يصلح للحجة والتحقيق فيه قد مر ولا يبعد أن يلهم الله الهدهد وجوب معرفته والإنكار على من يعبد غيره خصوصاً في زمن سليمان عليه السلام. قوله {ألا يسجدوا} من قرأ بالتشديد على أن الجار محذوف فإن كان متعلقاً بالصد فالتقدير صدهم لأن {لا يسجدوا} وإن كان متعلقاً بـ {لا يهتدون} فـ {لا} مزيدة أي لا يهتدون إلى أن يسجدوا. ومن قرأ بالتخفيف فقوله {ألا} حرف تنبيه و{يا} حرف النداء والمنادى محذوف والتقدير: ألا يا قوم اسجدوا كقوله: شعر : ألا يا أسلمي يا دارميّ على البلى ولا زال منهلاً بجرعائك القطر تفسير : قال الزجاج: السجدة في الآية على قراءة التخفيف دون التشديد. والحق عدم الفرق لأن الذم على الترك كالأمر بالسجود في الاقتضاء. والخبء مصدر بمعنى المخبوء وهو النبات والمطر وغيرهما مما خبأه الله عز وجل من غيوبه، ومن جملة ذلك اطلاع الكواكب من أفق الشرف بعد اختفائها في أفق الغرب، ومنها الأقضية والأحكام والوحي والإلهام، ومنها إنزال الملك وكل أثر علوي. وفي تخصيص وصف الله تعالى في هذا المقام بإخراج الخبء إشارة إلى ما عهده الهدهد من قدرة الله تعالى في إخراج الماء من الأرض، ألهمه هذا التخصيص كما ألهمه تلك المعرفة. ولما انجر كلام الهدهد إلى هذه الغاية {قال} سليمان {سننظر} أي نتأمل في صفحات حالك {أصدقت أم كنت من الكاذبين} وهذا أبلغ من أن لو قال له "كذبت" لأنه إذا كان معروفاً بالكذب كان متهماً في كل ما أخبر به. ثم ذكر كيفية النظر في أمره فقال {أذهب بكتابي هذا فألقه إليهم} لم يقل إليها لأنه كان قد قال {وجدتها وقومها} فكأن سليمان قال: فألقه إلى الذين هذا دينهم اهتماماً فيه بأمر الدين. ولمثل هذا قال في الكتاب{ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين}ومعنى {ثم تول عنهم} تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه تسمع ما يقولون {يرجعون} من رجع القول كقوله {أية : يرجع بعضهم إلى بعض القول} تفسير : [سبأ: 31] يروى أنها كانت إذا رقدت غلقت الأبواب ووضعت المفاتيح تحت رأسها، فدخل من كوة وطرح الكتاب على حجرها وهي مستلقية نائمة. وقيل: نقرها فانتبهت فزعة. وقيل: أتاها والجنود حواليها من فوق والناس ينظرون حتى رفعت رأسها فألقى الكتاب في حجرها. وقيل: كان في البيت كوة تقع الشمس فيها كل يوم فإذا نظرت إليها سجدت فجاء الهدهد فسد تلك الكوة بجناحه، فلما رأت ذلك قامت إليه فألقى الكتاب إليها. وههنا إضمار أي فذهب فألقى ثم توارى ثم كأن سائلاً سأل فماذا قالت بلقيس؟ فقيل {قالت يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم} مصدر بالتسمية أو حسن مضمونه أو هو من عند ملك كريم أو هو مختوم. يروى أنه طبع الكتاب بالمسك وختمه بخاتمه وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : كرم الكتاب ختمه"تفسير : . وعن ابن المقفع: من كتب إلى أخيه كتاباً ولم يختمه فقد استخف به. ثم إن سائلاً كأنه قال لها ممن الكتاب وما هو؟ فقالت {إنه من سليمان وإنه} كيت وكيت. سؤال: لم قدم سليمان اسمه على اسم الله؟ والجواب أنها لم وجدت الكتاب على وسادتها ولم يكن لأحد إليها طريق ورأت الهدهد علمت أنه من سليمان وحين فتحت الكتاب رأت التسمية، ولذلك قالت ما قالت، أو لعل سليمان كتب على عنوان الكتاب {إنه من سليمان} فقرأت عنوانه أوّلاً ثم أخبرت بما في الكتاب. أو لعل سليمان قصد بذلك أنها لو شتمت لأجل كفرها حصل الشتم لسليمان لا لله تعالى. و"أن" في {أن لا تعلوا} مفسرة لما ألقي إليها أي لا تتكبروا كما تفعل الملوك. يروى أن نسخة الكتاب: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ: السلام على من اتبع الهدى. أما بعد، فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين. وكان كتب الأنبياء عليهم السلام جملاً وأنه مع وجازته مشتمل على تمام المقصود لأن قوله {بسم الله الرحمن الرحيم} مشتمل على إثبات الصانع وصفاته، والباقي نهي عن الترفع والتكبر وأمر بالانقياد للتكاليف، كل ذلك بعد إظهار المعجز برسالة الهدهد. قوله {قالت يا ايها الملأ} استئناف آخر وهكذا إلى تمام القصة. ومعنى {أفتوني} أشيروا عليّ بما يحدث لكم من الرأي. والفتوى الجواب في الحادثة وأصلها من الفتاء في السن وقطع الأمر فصله والقضاء فيه، أرادت بذلك استعطافهم وتطييب نفوسهم واستطلاع آرائهم، فأجابوا بأنهم اصحاب القوى الجسداينة والخارجية، ولهم النجدة والبلاء في الحرب، ومع ذلك فوضوا الأمر إليها فما أحسن هذا الأدب. ويحتمل أن يراد نحن من أبناء الحرب لا من أرباب الرأي والمشروة وإنما الرأي إليكن وحيث كان يلوح من وصفهم أنفسهم بالشجاعة والعلم بأمور الحرب أهم مائلون إلى المحاربة، ارادت أن تنبههم إلى الأمر الأصوب وهو الميل إلى الصلح فلذلك {قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية افسدوها} وذلك إذا أرادوا قهرها والتسلط عليها ابتداء وإلا فالإفساد غير لازم، بل لعل الإصلاح ألزم إذا سلكت سبيل العدل والإنصاف فليس للظلمة في الآية حجة. ومفعول {مرسلة} محذوف اي مرسلة رسلاً مع هدية وهي اسم المهدي كالعطية اسم المعطي. وإنما رأت الإهداء أوّلاً لأن الهدية سبب استمالة القلوب. قال صلى الله عليه وسلم "حديث : تهادوا تحابوا" تفسير : قال في الكشاف: روي أنها بعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري وحليهن الأساور والأطواق والقرطة راكبي خيل مغشاة بالديباج مرصعة اللجم والسروج بالجواهر، وخمسمائة جارية على رماك في زي الغلمان، وألف لبنة من ذهب وفضة وتاجاً مكللاً بالدر والياقوت، وحقاً فيه درة عذراء وجزعة معوجة الثقب: وبعثت رجلين من أشراف قومها- المنذر بن عمرو وآخر ذا رأي وعقل -وقالت: إن كان نبياً ميز بين الغلمان والجواري وثقب الدرة ثقباً مستوياً وسلك في الخرزة خيطاً. ثم قالت: للمنذر: إن نظر إليك نظر غضبان فهو ملك فلا يهولنك، وإن رأيته بشاً لطيفاً فهو نبي. فأقبل الهدهد فأخبر سليمان فأمر الجن فضربوا لبن الذهب والفضة وفرشوه في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ وجعلوا حول الميدان حائطاً شرفه من الذهب والفضة، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر فربطوها عن يمين الميدان وعن يساره على اللبنات، وأمر بأولاد الجن وهم خلق كثير فأقيموا عن اليمين وعن اليسار، ثم قعد على سريره والكراسي من جانبيه، واصطفت الشياطين صفوفاً فراسخ والأنس كذلك، ولاوحش والطير كذلك. فلما دنا القوم ونظروا بهتوا ورأوا الدواب على اللبنات فتقاصرت إليهم نفوسهم ورموا بما معهم، ولما وقفوا بين يديه نظر إليهم بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟ وقال: أين الحق؟ وأخبرهم بما فيه. ثم أمر الأرضة فأخذت شعرة ونفذت في الدرة فجعل رزقها في الشجر، وأخذت دودة بيضاء الخيط فأدخلته في الجزعة، ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ثم تضرب به وجهها، والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه، ثم رد الهدية وذلك قوله على سبيل الإنكار {أتمدونني بمال} ثم قال على سبيل الإعلام وتعليل الإنكار {فما آتاني الله} من الكمالات والقربات والدرجات {خير مما آتاكم} ثم أضرب عن ذلك إلى بيان السبب الذي حملهم عليه وهو أنهم لا يعرفون الفرح إلا في أن يهدي إليهم حظ من الدنيا، فعلى هذا تكون الهدية مضافة إلى المهدي إليه. والمعنى {بل أنتم بهديتكم} هذه التي أهديتموها {تفرحون} فرح افتخار على الملوك. ويحتمل أن يكون الكلام عبارة عن الرد كأنه قال. بل أنتم من حقكم أن تأخذوا هديتكم وتفرحوا بها ثم قال للرسول أو للهدهد معه كتاب آخر {ارجع إليهم} ومعنى {لا قبل} لا طاقة ولا مقابلة. والذل أن يذهب عنهم ما كانوا فيه من العز والملك، والصغار أن يقعوا مع ذلك في أسر واستعباد يروى أنه لما رجعت إليها الرسل عرفت أن سليمان نبي وليس لهم به طاقة، فشخصت إليه في اثني عشر الف قيل. مع كل قيل ألوف. وأمرت عند خروجها أن يجعل عرشها في آخر سبعة أبيات في آخر قصر من قصور سبعة، وغلقت الأبواب ووكلت به حرساً فلعل سليمن أوحي إليه ذلك فاراد أن يريها بعض ما خصه الله به من المعجزات فلذلك {قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها} وعن قتادة: اراد أن يأخذه قبل أن تسلم لعلمه أنها إذا اسلمت لم يحل له أخذ مالها. وقيل: أراد بذلك اختبار عقلها كما يجيء. وقيل: أراد أن يعرف تجملها ومقدار مملكتها قبل وصولها إليه, والعفريت من الرجال الخبيث المنكر الذي يعفر اقرانه، ومن الشياطين الخبيث المارد، ووزنه "فعليت". قالوا: كان اسمه ذكوان. و{آتيك به} في الموضعين يجوز أن يكون فعلاً مضارعاً وأن يكون اسم فاعل. ومعنى. {أن تقوم من مقامك} إما على ظاهره وهو أن يقوم فيقعد، وإما أن يكون المقام هو المجلس ولا بد فيه من عادة معلومة حتى يصح أن يؤقت به. وعلى هذا فقيل: المراد مجلس الحكم. وقيل: مقدار فراغه من الخطبة. وقيل: إلى انتصاف النهار. {وإني عليه} أي على حمله {لقوي أمين} آتي به على حاله لا أتصرف فيه بشيء. واختلفوا في الذي عنده علم من الكتاب فقيل: هو الخضر عليه السلام. وقيل: جبرائيل. وقيل: ملك أيد الله به سليمان. وقيل: آصف بن برخيا وزيره أو كاتبه. وقيل: هو سليمان نفسه استبطأ العفريت فقال له: أنا اريك ما هو أسرع مما تقول. وقد يرجح هذا القول بوجوه منها: أن الشخص المشار إليه بالذي يجب أن يكون معلوماً للمخاطب وليس سوى سليمان، ولو سلم أن آصف أيضاً كان كذلك فسليمان أولى بإحضار العرش في تلك اللمحة والإلزام تفضيل آصف عليه من هذا الوجه. ومنها قول سليمان. {هذا من فضل ربي} ويمكن أن يقال: الضمير راجع إلى استقرار العرش عنده، ولو سلم رجوعه على الإتيان بالعرش فلا يخفى أن كمال حال التابع والخادم من جملة كمالات المتبوع والمخدوم، ولا يلزم من أن يأمر الإنسان غيره بشيء أن يكون الآمر عاجزاً عن الإتيان بذلك الشيء. واختلفوا ايضاً في الكتاب فقيل: هو اللوح. وقيل: الكتاب المنزل الذي فيه الوحي والشرائع. وقيل: كتاب سليمان أو كتاب بعض الأنبياء. وما ذلك العلم؟ قيل: نوع من العلم لا يعرف الآن. والأكثرون على أنه العلم باسم الله الأعظم وقد مر في تفسير البسملة كثير مما قيل فيه. ومما وقفت عليه بعد ذلك أن غالب بن قطان مكث عشرين سنة يسأل الله الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى فأري في منامه ثلاث ليال متواليات: قل يا غالب يا فارج الهم يا كاشف الغم يا صادق الوعد يا موفياً بالعهد يا منجز الوعد يا حي يا لا إله إلا أنت صل اللهم على محمد وآل محمد وسلم. والطرف تحريك الأجفان عند النظر فوضع موضع النظر فإِذا فتحت العين توهمت أن نور العين يمتد إلى المرئي وإذا غمضت توهمت أن ذلك النور قد اراتدّ، فمعنى الآية أنك ترسل طرفك إلى شيء فقبل أن ترده أبصرت العرش بين يديك. يروى أن آصف قال له: مدّ عينك حتى ينتهي طرفك فمدّ عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف فغاص العرش في مكانه ثم ظهر عند مجلس سليمان بالشام بقدرة الله قبل أن يرتدّ طرفه. ومن استبعد هذا في قدرة الله فليتأمل في الحركات السماوية على ما يشهد به علم الهيئة حتى يزول استبعاده. وقال مجاهد: هو تمثيل لاستقصار مدة الإتيان به كما تقول لصاحبك: افعل هذا في لحظة أو لمحة. وحين عرف سليمان نعمة الله في شأنه وأن ذلك صورة الابتلاء بين أن شكر الشاكر إنما يعود إلى نفس الشاكر لأنه يرتبط به العتيد ويطلب المزيد كما قيل: الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة. وروي في الكشاف عن بعضهم أن كفران النعمة بوار وقلما أقشعت نافرة فرجعت في نصابها، فاستدع شاردها بالشكر واستدم راهنها بكرم الجوار. قوله "أقشعت نافرة" أي ذهبت في حال نفارها وراهنها أي ثابتها. {ومن كفر فان ربي غني} عن عبادة كل عابد فضلاً عن شكر شاكر {كريم} لا يقطع إمداد نعمه عنه لعله يتوب ويصلح حاله. زعم المفسرون أن الجن كرهوا أن يتزوّجها سليمان فتفضي إليه بإسرارهم لأنها كانت بنت جنية، أو خافوا أن يولد له منها ولد تجمع له فطنة الجن والإنس فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك هو أشد فقالوا له: إن في عقلها شيئاً وهي شعراء الساقين ورجلها كحافر الحمار فاختبر عقلها بتنكير العرش وذلك قوله {نكروا لها عرشها} أي اجعلوه متنكراً متغيراً عن هيئته وشكله كما يتنكر الرجل لغيره لئلا يعرفه. قالوا: وسعوه وجعلوا مقدمه مؤخره وأعلاه اسفله. وقوله {ننظر} بالجزم جواب للأمر وقرئ بالرفع على الاستئناف. {أتهتدي} لمعرفة العرش أو للجواب الصائب إذا سئلت عنه أو للدين والإيمان بنبوة سليمان إذا رأت تلك الخوارق. وقوله {أم تكون من الذين لا يهتدون} أبلغ من أن لو قال "أم لا تهتدي" كما مر في قوله {أم كنت من الكاذبين} {فلما جاءت قيل أهكذا} أي مثل ذا {عرشك} لئلا يكون شبه تلقين فقالت {كأنه هو} ولم تقل: هو هو مع أنها عرفته ليكون دليلاً على وفور عقلها حيث لم تقطع في المحتمل وتوقفت في مقام التوقف. أما قوله {وأوتينا العلم} فمعطوف على مقدر كأنهم قالوا عند قولها كأنه هو قد اصابت في جوابها وطابقت المفصل وهي عاقلة لبيبة وقد رزقت الإسلام وعلمت قدرة الله وصحة نبوة سليمان بهذه الخوارق. {وأوتينا} نحن {العلم} بالله وبقدرته قبل علمها ولم نزل على دين الإسلام {وصدّها} عن التقدم إلى الإسلام عبادة الشمس وكونها بين ظهراني الكفرة. والغرض تلقي نعمة الله بالشكر على سابقة الإسلام. وقيل: هو موصول بكلام بلقيس. والمعنى وأوتينا العلم بالله وبقدرته وبصحة نبوة سليمان قبل هذه المعجزة أو الحالة وذلك عند وفدة المنذر. ثم قال سبحانه {وصدها} قبل ذلك عما دخلت فيه {ما كانت تعبد من دون الله} وقيل: الجار محذوف أي وصدها الله أو سليمان عما كانت تعبد، واختبر ساقها بأن أمر أن يبني على طريقها قصر من زجاج أبيض فأجرى من تحته الماء والقى فيه من دواب البحر السمك وغيره، ووضع سريره في آخر فجلس عليه وعكف عليه الطير والجن والإنس. ثم {قيل لها ادخلي الصرح} أي القصر أو صحن الدار {فلما رأته حسبته لجة} أي ماء غامراً {وكشفت عن ساقيها} لتخوض في الماء فإذا هي أحسن الناس ساقاً وقدماً إلا أنها شعراء، فصرف سليمان بصره وناداها {إنه صرح ممرد} أي مملس {من قوارير} هذا عند من يقول: تزوجها وأقرها على ملكها وأمر الجن فبنوا له همدان وكان يزورها في الشهر مرّة فيقيم عندها ثلاثة أيام وولدت له. قالوا: كون ساقها شعراء هو السبب في اتخاذ النورة، أمر به الشياطين فاتخذوها. وقال آخرون: المقصود من الصرح تهويل المجلس، وحصل كشف الساق على سبيل التبع. عن ابن عباس: لما اسلمت قال لها: اختاري من أزوّجكه؟ فقالت: مثلي لا ينكح الرجال مع سلطان. فقال: النكاح من الإسلام. فقالت: إن كان كذلك فزوّجني ذا تبع ملك همدان فزوجها إياه ثم ردهما إلى اليمن ولم يزل بها ملكاً {قالت رب إني ظلمت نفسي} أي بالكفر في الزمن السالف أو بسوء ظني بسليمان إذ حسبت أنه يغرقني في الماء. وهذا التفسير أنسب بما قبله ولعل في قولها {مع سليمان} أي مصاحبة له إشارة إلى إسلامها تبع لإسلام سليمان وأنها تريد أن تكون معه في الدارين جميعاً والله أعلم. التأويل: {ولقد آتينا داود} الروح {وسليمان} القلب {علماً} لدنيا {على كثير من عباده} وهم الأعضاء والجوارح المستعملة في العبودية. {وورث سليمان داود} لأن كل إلهام وفيض يصدر من الحضرة الإلهية يكون عبوره على داود الروح إلا أنه للطافته لا يحفظها وإنما يحفظها القلب لكثافته، ولذلك كان سليمان اقضى من داود. قوله {منطق الطير} يعني الرموز والإشارات التي يحفظها بلسان الحال أرباب الأحوال الطائرين في سماء سناء الفناء. وقيل: أراد الخواطر الملكية الروحانية. قوله {من الجن والإِنس والطير} أي من الصفات الشيطانية والإنسانية والملكية {فهم يوزعون} على طبيعتهم بالشريعة وادي النمل هوى النفس الحريصة على الدنيا وشهواتها {قالت نملة} هي النفس اللوامة {يا أيها النمل} هي الصفات النفسانية {ادخلوا مساكنكم} محالكم المختلفة وهي الحواس الخمس {وهم لا يشعرون} أنهم على الحق وأنتم على الباطل لأن الشمس لا حس عندها من نورها ولا من الظلمة التي تزيلها {نعمتك التي أنعمت عليّ} بتسخير جنودي لي وعلى والديّ وهما الروح والجسد. أنعم على الروح بإفاضة الفيوض، وعلى الجسد باستعماله في أركان الشريعة. وفي قوله {بنبأ يقين} إشارة إلى أن من أدب المخبر أن لا يخبر إلا عن يقين وبصيرة ولا سيما عند الملوك. وفي قول سليمان {سننظر أصدقت} إشارة إلى أن خبر الواحد وإن زعم اليقين لا يعوّل عليه إلا بأمارات أخر. {كتاب كريم} كأنها عرفت أنها بكرامته تهتدي إلى حضرة الكريم: إن ملوك الصفات الربانية {إذا دخلوا قرية} الشخص الإنساني {أفسدوها} بإفساد الطبيعة الحيوانية {وجعلوا أعزة أهلها} وهم النفس الأمارة وصفاتها {أذلة} بسطوات التجلي {وكذلك يفعلون} مع الأنبياء والأولياء. وفي قوله {أيكم يأتيني بعرشها} إشارة إلى أن سليمان كان واقفاً على أن في قومه من هو أهل لهذه الكرامة وكرامات الأولياء من قوة إعجاز الأنبياء {قيل لها ادخلي الصرح} فيه دليل على أن سليمان أراد أن ينكحها وإلا لم يجوّز النظر إلى ساقيها. {وأسلمت نفسي} للنكاح {مع سليمان لله} وفي الله. تأويل آخر: {وتفقد الطير} هم أهل العشق الطيارة في فضاء سماء القدس وجوّ عالم الإنس. والهدهد الرجل العلمي الذي عول على فكره وإعمال قريحته في استنباط خبايا الأسرار وكوامن الأستار. {عذاباً شديداً} بالرياضة والمجاهدة. {أو لأذبحنه} بسكين مخالفات الإرادة. سبأ مدينة الاختلاط والإنس بالإنس والمرأة الدنيا وبهجتها، وعرشها العظيم حب الجاه والمناصب يسجدون لشمس عالم الطبيعة وهو الهوى، والهدية عرض الدنيا وزينتها، والإتيان بالعرش قبل إتيانهم هو إخراج حب الجاه من الباطن حتى تنقاد الأعضاء والجوارح بالكلية لاشتغال العبودية. آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الجاه. والعفريت الرياضة الشديدة والذي عنده علم من الكتاب هو الجذبة التي توازي عمل الثقلين، وتنكير العرش تغيير حب الجاه للهوى بحبه للحق، والقصر قصر التصرف في الدنيا للحق بالحق، وكشف الساق كناية عن اشتداد الأمر عليه، والقوارير عبارة عن رؤية بواطن الأمور مع الاشتغال بظواهرها، وهذه من جملة منطق يفهم إن شاء العزيز وحده والله أعلم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَـٰنَ عِلْماً...} الآية، هذا ابتداءُ قصَصٍ فيه غيُوبٌ وعَبَرٌ. {وَوَرِثَ سُلَيْمَـٰنُ دَاوُدَ}، أي: ورثَ مُلكَه وَمنزِلَتَهُ من النبوَّة؛ بعدَ موتِ أبيهِ، وقوله: {عُلِّمنَا مَنْطِقَ الطَّيرِ} إخارٌ بنعمةِ اللّه تعالى عندهما؛ في اَّنَّ فَهَّمهُمَا مِنْ أصواتِ الطير المعانيَ التي في نفوسِها، وهذا نحو ما كَانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَسْمَعُ أَصْوَاتَ الْحِجَارَةِ بالسَّلاَمِ عَلَيْهِ؛ وغير ذلك حسب ما هو في الآثار. قال قَتَادَةُ وغيره: إنَّمَا كان هذا الأمرُ في الطيرِ خاصةً، والنملةُ طائِرٌ؛ إذ قد يوجَدُ لَهَا جَنَاحَان. وقالت فُرقَةٌ: بل كَانَ ذَلِكَ في جَمِيعِ الحيَوانِ؛ وإنما خَصِ الطيرَ؛ لأْنَّه كان جُنداً من جنودِ سليمان؛ يحتاجُهُ في التَّظلِيلِ من الشَّمس؛ وفي البَعْثِ في الأمور. والنَّمْلُ حيوانُ فَطِنٌ قويٌّ شَمَّامٌ جِدّاً؛ يدَّخِرُ ويتخذُ القِرَىٰ وَيَشُقُّ الحَبَّ بقطعتينِ لِئَلاَّ يُنْبِتَ، ويشُقَّ الكزبرةَ بأربعِ قطعٍ؛ لأَنها تُنْبِت إذاً قُسِّمَتْ شقينِ، ويأكلُ في عامِهِ نصفَ مَا جمعَ، ويَسْتَقِي سائِرَهُ عُدَّةً. قال ابن العربي في «أحكامه»: ولا خلافَ عندَ العُلَمَاءِ في أَنَّ الحيواناتِ كلَّها لَهَا أفهامٌ وعقولٌ، وقد قال الشافعيُّ: الحمَامُ أعقلُ الطَّيرِ، انتهى. وقوله: {وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ} معناه: يَصْلُحُ لنا ونَتَمَنَّاهُ؛ ولَيستْ على ٱلعُمومِ. ثُمَّ ذَكَرَ شُكْرَ فَضلِ اللّه تعالى، واخْتُلِفَ في مقدار جُنْدِ سُليمانَ عليه السلام اختلافاً شديداً؛ لا أرَى ذكرَه؛ لعَدَمِ صحةِ التَّحدِيدِ، غيرَ أنَّ الصَّحِيحَ في هذا أنَّ مُلكَه كَانَ عَظيماً مَلأَ الأَرْضَ، وٱنْقَادَتْ له المعمُورةُ كُلُّها، وَكَانَ كُرسيُّه يَحملُ أجْنَادَه من الأنسِ والجنِّ، وكانتِ الطيرُ تُظِلُّه منَ الشَّمسِ، ويبعَثُها في الأمور، و{يُوْزَعُونَ} مَعناهُ: يَرُدُّ أولهُم إلى آخرهم، ويكُفُّونَ، قال قَتَادَةُ: فكأنَّ لِكُلِّ صَنْفٍ وَزْعَةً، ومنه قَوْلُ الحسنِ البصريِّ حين وَلِيَ قضَاءَ البَصْرَةِ: لا بدَّ للحَاكِم من وَزْعَةً، ومنه قَوْلُ أبي قُحَافَةَ للجاريةِ: ذلك يا بُنَيَّةُ الوازِع؛ ومنه قولُ الشاعر: [الطويل] شعر : عَلَىٰ حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ عَلَى الصِّبَا فَقُلْتُ: أَلَمَّا أَصْحُ وَالشَّيْبُ وَازِعُ تفسير : أي: كافٌّ، وهَكَذا نقل ابنُ العربيِّ عن مَالكٍ؛ فقال: {يُوزَعُونَ} أي: يُكَفَّونَ. قال ابن العربي: وقد يكُونُ بمعنى يُلهَمُونَ؛ من قوله {أَوْزِعْنِي أن أَشكُرَ نعمَتَكَ} أي: ألْهِمني، انتهى من «الإِحكام».

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً} الآية.. والمراد بالعلم أي: علم القضاء ومنطق الطير والدواب وتسبيح الجبال، والمعنى: طائفة من العلم، او علماً سنياً عزيزاً. قوله: "وَقَالاَ"، قال الزمخشري: فإن قلت: أليس هذا موضع الفاء دون الواو، كقولك: أعطيته فشكر، ومنعته فصبر؟ قلت: بلى، ولكن عطفه بالواو إشعار بأنَّ ما قالاه بعض ما أحدث فيهما إيتاء العلم وشيءٌ من مواجبه، فأضمر ذلك ثم عطف عليه التحميد، قال: ولقد آتيناهما علماً فعملا به وعلماه وعرفاه حقَّ معرفته، وقالا الحمد لله، انتهى. وإنَّما نكر "عِلْما" تعظيماً له، أي علماً سنياً، أو دلالة على التبعيض، لأنه قليل جداً بالنسبة إلى علمه تعالى. فصل المعنى: {وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا} بالنبوة والكتاب وتسخير الشياطين، والجن والإنس {عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، ولم يفضلوا أنفسهم على الكل، وذلك يدل على حسن التواضع. قوله: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ}، قال الحسن: المال لأن النبوة عطية مبتدأة لا تورث، وقال غيره: بل النبوة والعلم والملك دون سائر أولاده، ولو تأمل الحسن لعلم أن المال لا يورث من الأنبياء، لقوله عليه السلام: "حديث : نَحْنُ مَعَاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَث مَا تَرَكْنَاهُ صدقة"تفسير : وأيضاً فإن المال إذا ورثه الولد فهو أيضاً عطية مبتدأة من الله تعالى، ولذلك يرثه الولد إذا كان مؤمناً، ولا يرث إذا كان كافراً أو قاتلاً، ولا كذلك النبوة، لأن الموت لا يكون سبباً لنبوة الولد، وكان لداود تسعة عشر ابناً، واعطي سليمان ما أعطي داود من الملك، وزيد له تسخير الريح وتسخير الشياطين، قال مقاتل: كان سليمان أعظم ملكاً من داود وأقضى منه، وكان داود أشد تعبداً من سليمان، وكان سليمان شاكراً لنعم الله. {وَقَالَ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ}، يعني صوته، سمي صوت الطير منطقاً، لحصول الفهم منه كما يفهم من كلام الناس، روي عن كعب قال: صاح ورشان عند سليمان عليه السلام، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا لا، قال: إنه يقول: لدوا للموت، وابنوا للخراب، وصاحت فاختة، فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا لا، قال فإنها تقول: ليت ذا الخلق لم يخلقوا، وصاح الطاووس فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا لا، قال: فإنه يقول: كما تدين تدان، قال: وصاح هدهد، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا لا، قال: فإنه يقول: استغفروا الله يا مذنبين، وصاحت طيطوى، فقال أتدرون ما تقول؟ قالوا لا، قال فإنه يقول: كل حي ميت، وكل جديد بال وصاح خطاف، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا لا، قال: فإنها تقول: سبحان ربي الأعلى (ملء سمائة وأرضه، وصاح قمري، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا لا، قال: فإنه يقول: سبحان ربي الأعلى)، قال: والغراب يدعو على العشَّار، والحدأة تقول: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}تفسير : [القصص: 88]، والقطاة تقول: من سكت سلم، والببغاء: ويلٌ لِمَنِ الدُّنْيَا هَمُّهُ، والضفدع يقول: سبحان ربِّي القدُّوس، والبازي يقول: سبحان ربي وبحمده. وعن مكحول قال: صاح دُرَّاج عند سليمان، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا لا، قال: فإنه يقول: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ}تفسير : [طه: 5]. قوله: {وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ} تؤتى الأنبياء والملوك، قال ابن عباس: من أمر الدنيا والآخرة. وقال مقاتل: يعني النبوة والملك وتسخير الجن والشياطين والريح {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ}، والمراد بقوله: {أُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ} كثرة ما أوتي، لأن كثرة المشاركة سبب لجواز الاستعارة، فلا جرم يطلق لفظ الكل على الكثرة، كقوله: {أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ}تفسير : [النمل: 23] وقوله: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ}، أي: الزيادة الظاهرة على ما أعطي غيرنا، روي أن سليمان أعطي ملك مشارق الأرض ومغاربها، فملك سبعمائة (سنة) وستة أشهر، ملك جميع أهل الدنيا من الجن والإنس والدواب والطير والسباع، وأعطي على ذلك منطق كل شيء، وفي زمانه صنعت الصنائع العجيبة. فقوله: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ} تقرير لقوله: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا} والمقصود منه: الشكر والمحمدة، كما قال عليه السلام: حديث : أَنَّا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ ". تفسير : فإن قيل: كيف قال "عُلِّمنا" و "أُوتِينَا"، وهو كلام المتكبر؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن يريد نفسه وأباه. والثاني: أن هذه النون يقال لها نون الواحد المطاع، وكان ملكاً مطاعاً. قوله: "وَحُشرَ لسُلَيْمَانَ": وجمع لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير في مسير له، فقوله: "مِن الجَنّ" وما بعده بيان لـ"جنوده" فيتعلق بمحذوف، ويجوز أن يكون هذا الجار حالاً، فيتعلق بمحذوف أيضاً. قوله: "فهم يُوزَعُون" أي: يمنعنون ويكفُّون، والوزع: الكف والحبس، يقال: وزعه يزعه فهو وازع وموزوع، وقال عثمان - رضي الله عنه -: "مَا يَزَعُ السُّلْطَانُ أَكْثَرُ مِمَّا يَزَعُ القُرْآنُ"، وعنه: "لاَ بُدَّ لِلقَاضِي مِنْ وَزَعَةٍ" وقال الشاعر: شعر : 3935 - وَمَنْ لَمْ يَزَعْهُ لُبُّهُ وحَيَاؤُهُ فَلَيْسَ لَهْ مِنْ شَيْبِ فَوْدَيْهِ وَازعُ تفسير : وقوله: {أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ} بمعنى ألهمني من هذا، لأنَّ تحقيقه: اجعلني من حيث أزع نفسي عن الكفر فقوله: "فَهُمْ يُوزَعُونَ" معناه: يحبسون، وهذا لا يكون إلا إذا كان في كل قبيل منها وازع متسلط على من يرده ويكفه. قال قتادة: كان كل صنف من جنوده وزعة ترد أولها على آخرها لئلا يتقدمون في المسير، والوازع: الحابس والنقيب، وقال مقاتل يوزعون يساقون، وقال السدي: يوقفون، وقيل يجمعون. قوله: "حَتَّى إذَا" في المُغَيَّا بـ "حتى" وجهان: أحدهما: هو "يُوزَعُونَ"، لأنه مضمن معنى فهم يسيرون ممنوعاً بعضهم من مفارقة بعض حتى إذا. والثاني: أنه محذوف، أي فساروا حتى وتقدم الكلام في حتى الداخلة على إذا، هل هي حرف ابتداء أو حرف جر. قوله: "عَلَى وَادِي" متعلق بـ "أَتَوا"، وإنما عدِّي بـ "عَلَى"، لأنَّ الواقع كذا، لأنهم كانوا محمولين على الريح، فهم مستعلون. وقيل: هو من قولهم: أتيت عليه، أي استقصيته إلى آخره، والمعنى أنهم قطعوا الوادي كله وبلغوا آخره. ووقف القراء كلهم على "وَادِ" دون ياء اتباعاً للرسم، ولأنها محذوفة لفظاً لالتقاء الساكنين في الوصل، ولأنها قد حذفت حيث لم تحذف لالتقاء الساكنين (نحو {أية : جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ}تفسير : [الفجر: 9] فحذفها وقفاً، وقد عهد حذفها دون التقاء الساكنين)، فحذفها عند التقاء الساكنين أولى، إلا الكسائي، فإنه وقف بالياء، قال: لأن الموجب للحذف إنما هو التقاء الساكنين بالوصل، وقد زال، فعادت اللام، واعتذر عن مخالفة الرسم بقوة الأصل. والنَّملُ: اسم جنس معروف واحده نملةٌ، ويقال: نُمْلَةٌ ونُمْلٌ بضم النون وسكون الميم، ونُمُلَة ونُمُل بضمّهما، ونَمْلَة بالفتح، والضم بوزن سمرة، ونَمُل بوزن رجل، واشتقاقه من: التَّنمُّل، لكثرة حركته، ومنه قيل للواشي: المُنَمِّل، يقال: أنْمَلَ بين القوم مُنْمِل، أي: وشَى وَنَمَّ، لكثرة تردده، وحركته في ذلك، قال: شعر : 3936 - وَلَسْتُ بِذِي فِيهِمُ وَلاَ مُنْمِشٍ منهم مُنْمِلِ تفسير : ويقال أيضاً: نَمِل يَنْمِلُ، فهو نَمِلٌ ونَمَّالٌ، وتَنَمَّلَ القومُ: تفرقوا للجميع تفرُّق النمل، وفي المثل: "أجْمَعُ مِنْ نَمْلَةٍ" والنَّمْلةُ أيضاً: قرحةٌ تخرج في الجنب، تشبيهاً بها في الهيئة، والنملة أيضاً شقٌّ في الحافر، ومنه: فرسٌ منمول القوائم، والأنْمُلة: طرف الإصبع من ذلك؛ لدقتها وسرعة حركتها، والجمع: أنامل. فصل قال كعب: كان سليمان إذا سار بعسكره حملته الريح تهوي بهم فسار من اصطخر إلى اليمن، فمرّ على مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فقال سليمان: هذه دار هجرة نبي الله في آخر الزمان، طوبى لمن آمن به، وطوبى لمن اتبعه، ورأى حول البيت أصناماً تعبد من دون الله، فلما جاوز سليمان البيت بكى فأوحى الله إلى البيت: ما يبكيك؟ قال: يا رب أبكاني أن هذا نبي من أنبيائك وقوم من أوليائك مروا عليّ فلم يهبطوا ولم يصلوا عندي والأصنام تعبد حولي من دونك، فأوحى الله إليه، لا تبك، فإني سوف أملأك وجوهاً سجداً، وأنزل فيك قرآناً جديداً، وأبعث منك في آخر الزمان أحب أنبيائي إليّ وأجعل فيك عماراً من خلقي يعبدونني، وأفرض على عبادي فريضة يزفون إليك زفيف النسور إلى أوكارها، ويحنون إليك حنين الناقة إلى ولدها والحمامة إلى بيضها، وأطهرك من الأوثان وعبدة الشيطان، ثم مضى سليمان حتى مرّ بوادي السدير من الطائف، فأتى على وادي النمل، هكذا قال كعب إنه واد بالطائف، وقال مقاتل: إنه وادٍ بالشام كثير النمل، وقيل وادٍ كان يسكنه الجن، وأولئك النمل مراكبهم. قوله: "قَالَتْ نَمْلَةٌ" هذه النملة هنا مؤنثة حقيقة، بدليل لحاق علامة التأنيث فعلها، لأن نملة تطلق على الذكر وعلى الأنثى، فإذا أريد تمييز ذلك قيل: نملة ذكر، ونملة أنثى، نحو: حَمامَة ويَمَامة. وحكى الزمخشري عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه وقف على قتادة وهو يقول: سلوني، فأمر من سأله عن نملة سليمان: هل كانت ذكراً أو أنثى، فلم يجب، فقيل لأبي حنيفة في ذلك، فقال: كانت أنثى، واستدل بلحق العلامة. قال الزمخشري: وذلك أن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على المذكر والمؤنث، فيميز بينهما بعلامة، نحو قولهم: حمامة ذكر وحمامة أنثى، وهو وهي، انتهى. وقد ردَّ هذا أبو حيان، فقال: ولحاق التاء في "قالت" لا يدلّ على أن النملة مؤنثة، بل يصح أن يقال في المذكر: قالت نملة؛ لأن نملة وإن كانت بالتاء هو مما لا يتميز فيه المذكر من المؤنث، وما كان كذلك كاليمامة والقملة مما بينه في الجمع وبين واحدة تاء التأنيث من الحيوان، فإنه يخبر عنه إخبار المؤنث، (ولا يدل كونه يخبر عنه إخبار المؤنث) على أنه ذكر أو أنثى، لأن التاء دخلت فيه للفرق لا للدلالة على التأنيث الحقيقي، بل دالة على الواحد من هذا الجنس، قال: وكان قتادة بصيراً بالعربية، وكونه أفحم يدل على معرفته باللسان إذ علم أن النملة يخبر عنها إخبار المؤنث وإن كانت تنطلق على الأنثى والذكر إذ لا يتميز فيه أحد هذين، ولحاق العلامة لا يدل، فلا يعلم التذكير والتأنيث إلا بوحي من الله، قال: وإنما استنباط تأنيثه من كتاب الله بـ "قالت"، ولو كان ذكراً لقيل: "قال" فكلام النحاة على خلافه، وأنه لا يخبر عنه إلا إخبار المؤنث، سواء كان ذكراً أم أنثى. قال: وأما تشبيه الزمخشري النملة بالحمامة والشاة، فبينهما قدر مشترك يتميز فيهما المذكر من المؤنث فيمكن أن تقول: حمامة ذكر، وحمامة أنثى فتميزه بالصفة، وأما تميزه بـ "هو" و "هي" فإنه لا يجوز، لا تقول هو الحمامة، ولا هو الشاة، وأما النملة والقملة فلا يتميز فيه المذكر من المؤنث، ولا يجوز فيه في الإخبار إلا التأنيث وحكمه حكم المؤنث بالتاء من الحيوان نحو: المرأة، أو غير العاقل كالدابة، إلا إن وقع فصل بين الفعل وبين ما أسند إليه من ذلك، فيجوز أن تلحق العلامة وأن لا تلحقها، على ما تقرر في علم العربية. انتهى. قال شهاب الدين: اما ما ذكره ففيه نظر، من حيث إن التأنيث إما لفظي أو معنوي، واللفظي لا يعتبر (في لحاق العلامة) البتة، بدليل أنه لا يجوز (قامت رَبْعَةٌ وأنت تعني رجلاً، وكذلك) لا يجوز: قامت طلحة، ولا حمزة - على مذكر - فتعين أن يكون اللحاق إنما هو للتأنيث المعنوي، وإنما يعتبر لفظ التأنيث والتذكير في باب العدد على معنى خاص أيضاً، وهو أنا ننظر إلى ما عاملت العرب ذلك اللفظ به من تذكير أو تأنيث من غير نظر إلى مدلوله، فهناك له هذا الاعتبار، وتحقيقه هنا يخرجنا عن المقصود وإنما نبهتك على القدر المحتاج إليه. وأما قوله: وأما النملة والقملة فلا يتميَّز، يعني لا يتوصَّلُ لمعرفة الذكر منهما ولا الأنثى بخلاف الحمامة والشاة، فإن الاطلاع على ذلك ممكن، فهو أيضاً ممنوع إذ قد يمكن الاطلاع على (ذلك، وأن الاطلاع على ذكورية الحمامة والشاة أسهل من الاطلاع على) ذكورية النملة والقملة، ومنعه أيضاً أن يقال هو الشاة وهو الحمامة ممنوع. وقرأ الحسن وطلحة ومعتمر بن سليمان: "النّمُلُ" و "نَمُلَة" بضم الميم وفتح النون بزنة رجل وسمرة، وسليمان التيمي بضمتين فيهما، وتقدم ان ذلك لغات في الواحد والجمع. قوله "لاَ يَحْطِمَنَّكُم"، فيه وجهان: أحدهما: أنه نهي. والثاني: أنه جواب للأمر. وإذا كان نهياً ففيه وجهان: أحدهما: أنه نهي مستأنف لا تعلق له بما قبله من حيث الإعراب، وإنما هو نهي للجنود في اللفظ، وفي المعنى للنمل، أي لا تكونوا بحيث يحطمونكم، كقولهم: لا أَرَينَّك ههُنَا. والثاني: أنه بدل من جملة الأمر قبله، وهي "ادْخُلُوا"، وقد تعرض الزمخشري لذلك، فقال: فإن قلت: لا يحطمنكم ما هو؟ قلت يحتمل أن يكون جواباً للأمر، وأن يكون نهياً بدلاً من الأمر، والذي جوَّز أن يكون بدلاً منه أنه في معنى: لا تكونوا حيث أنتم فيحطمنكم، على طريقة: لاَ أَرَيَنَّكَ هاهُنَا، أرادت: لا يحطمنكم جنود سليمان، فجاءت بما هو أبلغ، ونحوه: شعر : 3937 - عَجِبْـتُ مِـن نَفْسِـي وَمِـنْ إشْفَاقِهَـا تفسير : قال أبو حيان: أما تخريجه على أنه جواب الأمر، فلا يكون ذلك إلا على قراءة الأعمش، فإنه مجزوم مع أنه يحتمل أن يكون استئناف نهي يعني أن الأعمش قرأ: "لاَ يَحْطَمْكُمْ" بجزم الميم دون نون توكيد، قال: وأما مع وجود نون التوكيد فلا يجوز ذلك إلا إن كان في شعر، وإذا لم يجز ذلك في جواب الشرط إلا في الشعر فأحرى أن لا جوز في جواب الأمر إلا في الشعر، وكونه جواب الأمر متنازع فيه على ما قرر في علم النحو. ومثال مجيء النون في جواب الشرط قوله الشاعر: شعر : 3938 - نَبَتُّمْ نَبَاتَ الخَيْزُرَانَةِ في الثَّــرَى حَدِيثاً مَتَى مَا يَأْتِكَ الخَيْرُ يَنْفَعَــا تفسير : وقول الآخر: شعر : 3939 - فَمَهْمَــا تَشَأْ مِنْهُ فَزَارَةُ تُعْطِكُـمْ ومَهْمَــا تَشَأْ مِنْهُ فَزَارَةُ تَمْنَعَــا تفسير : قال سيبويه: وهو قليل في الشعر شبهوهُ بالنهي حيث كان مجزوماً غير واجب، قال: وأما تخريجه على البدل فلا يجوز، لأن مدلول "لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ" مخالف لمدلول "ادخُلُوا"، وأما قوله: لأنه بمعنى لا تكونوا حيث أنتم فيحطمنكم، فتفسير معنى لا إعراب، والبدل من صفة الألفاظ، نعم لو كان اللفظ القرآني: لا تكونوا بحيث لا يحطمنكم، لتُخُيِّل فيه البدل، لأن الأمر بدخول المساكين نهي عن كونهم بظاهر الأرض. وأما قوله: إنه أراد لا يحطمنكم جنود سليمان إلى آخره، فيسوغ زيادة الأسماء، وهو لا يجوز، بل الظاهر إسناد الحطم إلى جنوده، وهو على حذف مضاف، أي: خيل سليمان وجنوده، إو نحو ذلك مما يصح تقديره، انتهى. أما منعه كونه جواب الأمر من أجل النون، فقد سبقه إليه أبو البقاء، فقال: وهو ضعيف، لأن جواب الشرط لا يؤكد بالنون في الاختيار. وأما منعه البدل بما ذكر فلا نسلم تغاير المدلول بالنسبة لما يؤول إليه المعنى. وأما قوله: فيسوغ زيادة الأسماء فهو لم يسوغ ذلك، وإنما فسر المعنى - وعلى تقدير ذلك - فقد قيل به شائعاً. وجاء الخطاب في قولها "ادخلوا" كخطاب العقلاء لما عوملوا معاملتهم. وقرأ أُبَيّ: {ادْخُلْنَ مَساكِنَكُنَّ لاَ يَحْطمنَّكُن} - بالنون الخفيفة - جاء به على الأصل. وقرأ شهر به حوشب: "مَسْكَنَكم" بالإفراد وقرأ الحسن وأبو رجاء وقتادة وعيسى الهمداني بضم الياء وفتح الحاء وتشديد الطاء والنون مضارع حطمه بالتشديد. وقرأ الحسن أيضاً قراءتان: فتح الياء وتشديد الطاء مع سكون الحاء وكسرها والأصل: يَحطمَنَّكُمْ، فأدغم وإسكان الحاء مشكل تقدم نظيره في "لا يَهدِّي" ونحوه، وقرأ ابن أبي إسحاق ويعقوب وأبو عمرو في رواية بسكون نون التوكيد. والحطم: الكسرُ، يقال منه: حطمتهُ، ثم استعمل لكل كسر معناه، والحطام: ما تكسر يبساً وغلب على الأشياء التافهة، والحُطَم: السائق السريع، كأنه يحطم الإبل، قال: شعر : 3940 - قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بسواقٍ حَطَـمْ لَيْسَ بـرَاعِي إبِـلٍ وَلاَ غَنَــمْ ولا بِـجَــزَّارٍ ظَـهْــرٍ وَضَـــمْ تفسير : والحُطَمَة: من دركات النار، ورجل حُطَمَةٌ للأكول، تشبيهاً لبطنه بالنار، كقوله: شعر : 3941 - كَأَنَّمَــا فَــي جَوْفِــهِ تَنُّــورُ تفسير : وقوله: "وهُمْ لا يشعُرُونَ" جملة حالية. فصل قال الشعبي: كانت تلك النملة ذات جناحين، فنادت {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ}، ولم تقل: ادخلن، لأنها لما جعلت لهم قولاً كالآدميين خوطبوا بخطاب الآدميين، "لاَ يَحْطِمَنَّكُنمْ" لا يكسرنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون، فسمع سليمان قولها، وكان لا يتكلم خلق إلا حملت الريح ذلك فألقته في مسامع سليمان. فإن قيل: كيف يتصور الحطم من سليمان وجنوده، وكانت الريح تحمل سليمان وجنوده على بساط بين السماء والأرض؟ قيل: كانت جنوده ركباناً وفيهم مشاة على الأرض تطوى بهم، وقيل يحتمل أن يكون هذا قبل تسخير الله الريح لسليمان. وقال المفسرون: علم النمل أن سليمان نبي ليس فيه جبرية ولا ظلم، ومعنى الآية: أنكم لو لم تدخلوا مساكنكم وطئوكم ولم يشعروا بكم، وروي أن سليمان لما دخل وادي النمل حبس جنده، حتى دخل النمل بيوتهم. قال أهل المعاني: في كلام هذه النملة أنواع من البلاغة: نادت، ونبّهت، وسمت، وأمرت، ونصت، وحذرت، وخصت، وعمت، وأشارت، وأعذرت، ووجهه: نادت: "يا" نبهت: "ها" سمت: "النمل"، أمرت "ادخلوا"، نصت: "مساكنكم"، حذرت: "لا يحطمنكم"، خصت: "سليمان"، عمت و "جنوده"، أشارت: "وَهُمْ"، أعذرت: "لا يشعرون". قوله: "ضاحكاً" قيل: هي حال مؤكدة لأنها مفهومة من (تبسم)، وقيل: بل هي حال مقدرة، فإن التبسم ابتداء الضحك، وقيل: لما كان التبسم قد يكون للغضب، ومنه تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الغضبان، أي تضاحكاً مسبباً له، قال عنترة: شعر : 3942 - لَمَّـا رَآنِـي قَـدْ قَصَـدْتُ أُرِيـدُهُ أَبْـدَى نَـوَاجِـذَهُ لِغَيْـرِ تَبَسُّـمِ تفسير : وتبسَّم: تَفَعَّلَ بمعنى بَسَمَ المجرّد، قال: شعر : 3943 - وَتَبْسِـمُ عَـنْ أَلْمَـى كَـأَنَّ مُنَـوَّراً تَخَلَّـلَ حُـرَّ الرَّمْـلِ دِعْـصٌ لَـهُ نَـدِي تفسير : وقال بعض المولدين: شعر : 3944 - كَأَنَّمَـا تَبْسِـمُ عَـنْ لُـؤْلُـؤٍ مُنَضَّـدٍ أَوْ بَـرَدِ أَوْ أَقَـاح تفسير : وقرأ ابن السميفع: "ضحكاً" مقصوراً، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مصدر مؤكد معنى تبسم، لأنه بمعناه. والثاني: أنه في موضع الحال، فهو في المعنى كالذي قبله. الثالث: أنه اسم فاعل كفرح، وذلك لأن فعله على فَعِل بكسر العين، وهو لازم، فهو كفرح وبطِر. قوله: "أن أشكر" مفعول ثان لـ"أوزعني"، لأن معناه: ألهمني، وقيل معناه: اجعلني أزع شكر نعمتك، أي: أكفه وأمنعه حتى لا ينفلت مني، فلا أزال شاكراً، وتفسير الزجاج له بامنعني أن أكفر نعمتك من باب تفسير المعنى باللازم. فصل قال الزجاج أكثر ضحك الأنبياء التبسم، وقوله: "ضاحكاً" أي: مبتسماً، وقيل: كان أوله التبسم وآخره الضحك، قال مقاتل: كان ضحك سليمان من قول النملة تعجباً، لأن الإنسان إذا رأى ما لا عهد له به تعجب وضحك، وإنما ضحك لأمرين: أحدهما: إعجابه بما دل من قولها على ظهور رحمته ورحمة جنوده وعلى شهرة حاله وحالهم في التقوى، وهو قولها: "وهم لا يشعرون". والثاني: سروره بما آتاه الله ما له يؤت أحداً، من سمعه كلام النملة وإحاطته بمعناه. ثم حمد سليمان ربه على ما أنعم عليه، فقال: {رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ} ألهمني. {أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ} وهذا يدل على أن دخول الجنة برحمته وفضله، لا باستحقاق العبد، والمعنى: أدخلني في جملتهم، وأثبت اسمي في أسمائهم واحشرني في زمرتهم، قال ابن عباس: يريد مع إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ومن بعدهم من النبيين. فإن قيل: درجات الأنبياء أفضل من درجات الأولياء والصالحين، فما السبب في أن الأنبياء يطلبون جعلهم من الصالحين، فقال يوسف: {أية : تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ}تفسير : [يوسف: 101]، وقال سليمان: {وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ}؟. فالجواب: الصالح الكامل هو الذي لا يعصي الله ولا يهم بمعصية، وهذه درجة عالية.

البقاعي

تفسير : ولما تم بهذه القصة الدليل على حكمته، توقع السامع الدلالة على علمه سبحانه، فقال مبتدئاً بحرف التوقع مشيراً إلى أنه لا نكير في فضل الآخر على الأول عاطفاً على ما تقديره: فلقد آتينا موسى وأخاه هارون عليهما السلام حكمة وهدى وعلماً ونصراً على من خالفهما وعزاً: {ولقد آتينا} أي بما لنا من العظمة {داود وسليمان} أي ابن داود، وهما من أتباع موسى عليهم السلام وبعده بأزمان متطاولة {علماً} أي جزاء من العلم عظيماً من منطق الطير والدواب وغير ذلك لم نؤته لأحد قبلهما. ولما كان التقدير: فعملا بمقتضاه، عطف عليه قوله: {وقالا} شكراً عليه، دلالة على شرف العلم وتنبيهاً لأهله على التواضع: {الحمد} أي الإحاطة بجميع أوصاف الكمال {لله} أي الذي لا مثل له وله الجلال والجمال {الذي فضلنا} أي بما آتانا من ذلك {على كثير من عباده المؤمنين*} أي الذين صار الإيمان لهم خلقاً. ولما كان كل منهما عليهما السلام قد أوتي ما ذكر، أشار إلى فضل سليمان عليه السلام بأنه جمع إلى ما آتاه ما كان منح به أباه فقال: {وورث سليمان داود} أي أباه عليهما السلام دون إخوته في النبوة والعلم والملك الذي كان قد خصه الله دون قومه بجمعه له إلى النبوة، فشكر الله على ما أنعم به عليه أولاً وثانياً {وقال} أي سليمان عليه السلام محدثاً بنعمة ربه ومنبهاً على ما شرفه الله به، ليكون أجدر في قبول الناس ما يدعوهم إليه من الخير: {يا أيها الناس}. ولما كان من المعلوم أنه لا معلم له إلا الله، فإن لا يقدر على ذلك غيره، قال بانياً للمفعول: {علمنا} أي أنا وأبي بأيسر أمر وأسهله ممن لا يقدر على ما علمنا سواء ولو كان المقصود هو وحده لم يكن من التعاظم في شيء، بل هو كلام الواحد المطاع، تنبيهاً على تعظيم الله بما عظمه به مما يختص بالقدرة عليه أو بالأمر به كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل إذا كان هناك حال يحوج إليه كما قال في الزكاة: إنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا عز وجل، وكما كان يكتب لبعض الجبابرة {منطق الطير} أي فهم ما يريد كل طائر إذا صوت، والمنطق ما يصوت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير المفيد، لا بدع في أن الذي آتى كل نفس هداها وعلمها تميز منافعها ومضارها يؤتيها قوة تدرك بها تخاطباً بينها يتفاهم كل نوع منها به فيما يريد، ويكون ذلك قاصراً عن إدراك الإنسان لخصوصه بالجزئيات الناشئة عن الحسيات {وأوتينا} ممن له العظمة بأيسر أمر من أمره {من كل شيء} أي يكمل به ذلك من اسباب الملك والنبوة وغيرهما، وعبر بأداة الاستغراق تعظيماً للنعمة كما يقال لمن يكثر تردد الناس إليه: فلان يقصده كل أحد. ولما كان هذا أمراً باهراً، دل عليه بقوله مؤكداً بأنواع التأكيد وشاكراً حاثاً لنفسه على مزيد الشكر وهازاً لها إليه: {إن هذا} أي الذي أوتيناه {لهو الفضل المبين*} أي البين في نفسه لكل من ينظره، الموضح لعلو قدر صاحبه ووحدانية مفيضة مؤتية. ولما كان هذا مجرد خبر، أتبعه ما يصدقه فقال: {وحشر} أي جمع جمعاً حتماً بقهر وسطوة وإكراه بأيسر سعي {لسليمان جنوده}. ولما دل ذلك على عظمه، زاد في الدلالة عليه بقوله: {من الجن} بدأ بهم لعسر جمعهم {والإنس} ثنى بهم لشرفهم ومشاركتهم لهم في ذلك من حيث تباعد أغراضهم وتناءي قصودهم. ولما ذكر ما يعقل وبدأ به لشرفه، أتبعه ما لا يعقل فقال: {والطير} ولما كان الحشر معناه الجمع بكره، فكان لا يخلو عن انتشار، وكان التقدير: وسار بهم في بعض الغزوات، سبب عنه قوله تعظيماً للجيش وصاحبه: {فهم يوزعون*} أي يكفون بجيش أولهم على آخرهم بأدنى أمر وأسهله ليتلاحقوا، فيكون ذلك أجدر بالهيبة، وأعون على النصرة، وأقرب إلى السلامة؛ عن قتادة أنه كان على كل صنف من جنوده وزعة ترد أولاها على أخراها لئلا يتقدموا في المسير، قال: والوازع: الحابس وهو النقيب. وأصل الوزع الكف والمنع. ولما كان التقدير: فساروا، لأن الوزع لا يكون إلا عن سير، غياه بقوله: {حتى إذا أتوا} أي أشرفوا. ولما كان على بساطه فوق متن الريح بين السماء والأرض. عبر بأداة الاستعلاء فقال: {على واد النمل} وهو واد بالطائف - كما نقله البغوي عن كعب، وهو الذي تميل إليه النفس فإنه معروف إلى الآن عندهم بهذا الاسم، ويسمى أيضاً نخب وزن كتف، وقد رأيته لما قصدت تلك الديار لرؤية مشاهدها، والتطواف في معابدها ومعاهدها. والتبرك بآثار الهادي، في الانتهاء والمبادىء، ووقفت بمسجد فيه قرب سدرة تسمى الصادرة مشهور عندهم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى به، وهذه السدرة مذكورة في غزوة الطائف من السيرة الهشامية واقتصر في تسمية الوادي على نخب، وأنشدت فيه يوم وقوفي ببابه، وتضرعي في أعتابه: شعر : مررت بوادي النمل يا صاح بكرة فصحت وأجريت الدموع على خدي وتممت منه موقف الهاشمي الذي ملأ الأرض توحيداً يزيد على العد وكم موقف أفرشته حر جبهتي وأبديت في أرجائه ذلة العبد تفسير : في قصيدة طويلة. ولما كانوا في أمر يهول منظره، ويوهي القوى مخالطته ومخبره، فكان التقدير: فتبدت طلائعهم، وتراءت راياتهم ولوامعهم، وأحمالهم ووضائعهم، نظم به قوله: {قالت نملة} أي من النمل الذي بذلك الوادي: {يا أيها النمل} ولما حكى عنهم سبحانه ما هو من شأن العقلاء، عبر بضمائرهم فقال: {ادخلوا} أي قبل وصول ما أرى من الجيش ما {مساكنكم} ثم عللت أمرها معينة لصاحبه إذ كانت أماراته لا تخفى فقالت جواباً للأمر أو مبدلاً منه: {لا يحطمنكم} أي يكسرنكم ويهشمنكم أي لا تبرزوا فيحطمنكم. فهو نهي لهم عن البروز في صور نهيه وهو أبلغ من التصريح بنهيهم لأن من نهى كبيراً عن شيء كان لغيره أشد نهياً {سليمان وجنوده} أي فإنهم لكثرتهم إذا صاروا في الوادي استعلوا عليه فطبقوه فلم يدعوا منه موضع شبر خالياً {وهم} أي سليمان عليه السلام وجنوده {لا يشعرون*} أي بحطمهم لكم لاشتغالهم بما هم فيه من أحوال السير، وتعاطي مصالحة، مع صغر أجسامكم، وخفائكم على السائر في حال اضطرابكم ومقامكم، وقولها هذا يدل على علمها بأنهم لو شعروا بهم ما آذوهم لأنهم أتباع نبي فهم رحماء. ولما كان هذا أمراً معجباً لما فيه من جزالة الألفاظ وجلالة المعاني، تسبب عنه قوله: {فتبسم} ولما دل ذلك على الضحك، وكان ذلك قد يكون للغضب، أكده وحقق معناه بقوله: {ضاحكاً من قولها} أي لما أوتيته من الفصاحة والبيان، وسروراً بما وصفته به من العدل في أنه وجنوده لا يؤذون أحداً وهم يعلمون {وقال} متذكراً ما أولاه ربه سبحانه بحسن تربيته من فهم كلامها إلى ما أنعم عليه من غير ذلك: {رب} أي أيها المحسن إليّ {أوزعني أن} أي اجعلني مطيقاً لأن {أشكر نعمتك} أي وازعاً له كافاً مرتبطاً حتى لا يغلبني. ولا يتفلت مني، ولا يشذ عني وقتاً ما. ولما أفهم ذلك تعلق النعمة به. حققه بقوله: {التي أنعمت عليّ} وربما أفهم قوله: {وعلى والديّ} أن أمه كانت أيضاً تعرف منطق الطير. وتحقيق معنى هذه العبارة أن مادة "وزع" - بأيّ ترتيب كان - يدور على المعوز - لخرقة بالية يلف بها الصبي، ويلزمها التمييز، فإن الملفوف بها يتميز عن غيره، ومنه الأوزاع وهم الجماعات المتفرقة، ويلزمها أيضاً الإطاقة فإن أكثر الناس يجدها،ومنه العزون - لعصب من الناس، فإنهم يطيقون ما يريدون ويطيقهم من يريدهم، ومنه الوزع وهو كف ما يراد كفه، والولوع بما يزاد، ومنه الإيعاز - للتقدم بالأمر والنهي، والزوع للجذب، ويلزمها أيضاً الحاجة فإنه لا يرضى بها دون الجديد إلا محتاج، فمعنى الآية: اجعلني وازعاً - أي مطيقاً - أن أشكرها كما يطيق الوازع كف ما يريد كفه، ويمكن أن يكون مدار المادة الحاجة لأن الأوزاع - وهم الجماعات - يحتاجون إلى الاجتماع جملة، والكاف محتاج إلى امتثال ما يكفه لأمره، والجاذب محتاج إلى الزوع أي الجذب، والمولع بالشيء فقير إليه، والموعز محتاج إلى قبول وصيته، فالمعنى: اجعلني وازعاً أي فقيراً إلى الشكر، أي ملازماً له مولعاً به، لأن كل فقير إلى شيء مجتهد في تحصيله، ويلزم على هذا التخريج احتقار العمل، فيكون سبباً للأمن من الإعجاب، وفي الآية تنبيه على بر الوالدين في سؤال القيام عنهم بما لم يبلغاه من الشكر - والله الموفق. والشكر في اللغة فعل ينبىء عن تعظيم المنعم لكونه منعماً كالثناء على المنعم بما يدل على أن الشاكر قد عرف نعمته واعترف له بها وحسن موقعها عنده، وخضع قلبه له لذلك، وحاصله أنه اسم لمعرفة النعمة لأنها السبيل إلى معرفة المنعم فإنه إذا عرفها تسبب في التعرف إليه، فسلك طريق التعرف وجد في الطلب، ومن جدَّ وجد، ويروى عن داود عليه الصلاة والسلام أنه قال: يا رب كيف أشكرك والشكر نعمة آخرى منك أحتاج عليها إلى شكر آخر؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا داود! إذا علمت أن ما بك من نعمة فمني فقد شكرتني. والشكر ثلاثة أشياء: الأول معرفة النعمة بمعنى إحضارها في الخاطر بحيث يتميز عندك أنها نعمة، فرب جاهل يحسن إليه وينعم عليه وهو لا يدري، فلا جرم أنه لا يصح منه الشكر. والثاني: قبول النعمة بتلقيها من المنعم بإظهار الفقر والفاقة، فإن ذلك شاهد بقبولها حقيقة، والثالث: الثناء بها بأن تصف المنعم بالجود والكرم ونحوه مما يدل على حسن تلقيك لها واعترافك بنزول مقامك في الرتبة عن مقامه، فإن اليد العليا خير من اليد السفلى، وهو على ثلاث درجات: الأولى الشكر على المحاب أي الأشياء المحبوبة، وهذا شكر تشارك فيه المثبتون المسلمون واليهود والنصارى والمجوس، فإن الكل يعتقدون أن الإحسان الواصل من الرحمن واجب معرفته على الإنسان، ومن سعة بر البارىء سبحانه وتعالى أن عده شكراً مع كونه واجباً على الشاكر. ووعد عليه الزيادة، وأوجب فيه المثوبة إحساناً ولطفاً. الثانية: الشكر في المكاره، وهو إما من رجل لا يميز بين الحالات، بل يستوي عنده المكروه والمحبوب، فإذا نزل به المكروه شكر الله عليه بمعنى أنه أظهر الرضا بنزوله به، وهذا مقام الرضا، وإما من رجل يميز بين الأحوال فهو لا يحب المكروه ولا يرضى بنزوله، فإن نزل به مكروه فشكره عليه إنما هو كظم الغيظ وستر الشكوى وإن كان باطنه شاكياً، والكظم إنما هو لرعاية الأدب بالسلوك في مسلك العلم، فإنه يأمر العبد بالشكر في السراء والضراء والثالثة: أن لا يشهد العبد إلا المنعم باشتغاله بالاستغراق في مشاهدته عن مشاهدة النعمة، وهذا الشهودعلى ثلاثة أقسام: أحدها أن يستغرق فيها عبودة، فيكون مشاهداً له مشاهدة العبد للسيد بأدب العبيد إذا حضروا بين يدي سيدهم، فإنهم ينسون ما هم فيه من الجاه والقرب الذي ما حصل لغيرهم، باستغراقهم في الأدب، وملاحظتهم لسيدهم خوفاً من أن يسير إليهم في أمر فيجدهم غافلين، وهذا أمر معروف عند من صحب الملوك. فصاحب هذا الحال إذا أنعم عليه سيده في هذه الحالة، مع قيامه في حقيقة العبودة، استعظم الإحسان، لأن العبودة توجب عليه أن يستضغر نفسه. ثانيها أن يشهد سيده شهود محبة غالبة، فهو يسبب هذا الاستغراق فيه، يستحلي منه الشدة، وقد قال بعض عشاق حسن الصورة لا صورة الحسن فأحسن: شعر : من لم يذق ظلم الحبيب كظلمه حلواً فقد جهل المحبة وادعى تفسير : ثالثها: أن يشهد شهود تفريد يرفع الثنويه ويفني الرسم ويذهب الغيرية، فإذا وردت عليه النعمة أو الشدة كان مستغرقاً في الفناء فلم يحس بشيء منهما. ولما علم من هذا كله أن الشاكر هو المستغرق في الثناء على المنعم بما يجب عليه من العمل من فناء أو غيره بحسب ما يقدر عليه، وكان ذلك عمل مما يجوز أن يكون زين لذلك العبد كونه حسناً وهو ليس كذلك، قال صلى الله عليه وسلم مشيراً إلى هذا المعنى: {وأن أعمل صالحاً} أي في نفس الأمر. ولما كان العمل الصالح قد لا يرضي المنعم لنقص في العمل كما قيل في معنى ذلك: شعر : إذا كان المحب قليل حظ فما حسناته إلا ذنوب تفسير : قال: {ترضاه}. ولما كان العمل الصالح المرضي قد لا يعلى إلى درجة المرضي عنهم، لكون العامل منظوراً إليه بعين السخط، لكونه ممن سبق عليه الكتاب بالشقاء، لأن الملك المنعم تام الملك عظيم الملك فهو بحيث لا يسأل عما يفعل، قال معرضاً عن عمله معترفاً بعجزه، معلماً بأن المنعم غني عن العمل وعن غيره، لا تضره معصية ولا ينفعه طاعة: {وأدخلني برحمتك} أي لا بعملي {في عبادك الصالحين*} أي لما أردتهم له من تمام النعمة بالقرب والنظر إليهم بعين العفو والرحمة والرضا.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال‏:‏ كان داود أعطي ثلاثاً‏:‏ سخرت له الجبال يسبحن معه، وأُلِينَ له الحديد، وعلم منطق الطير‏.‏ وأعطي سليمان‏:‏ منطق الطير، وسخرت له الجن، وكان ذلك مما ورث عنه‏.‏ ولم تسخر له الجبال، ولم يلن له الحديد‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب‏:‏ إن الله لم ينعم على عبد نعمة فحمد الله عليها إلا كان حمده أفضل من نعمته‏.‏ إن كنت لا تعرف‏.‏ ذلك في كتاب الله المنزل قال الله عز وجل ‏ {‏ولقد آتينا داود وسليمان علماً وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين‏} ‏ وأي نعمة أفضل مما أوتي داود وسليمان‏!‏ ‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودُ وَسُلَيْمَـٰنَ عِلْماً} كلامٌ مستأنف مسوقٌ لتقرير ما سبقَ من أنه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يُلَقَّى القرآنَ من لدن حكيمٍ عليمٍ فإنَّ قصَّتهمَا عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ من جملة القرآنِ الكريمِ لُقّيه عليه الصلاة والسلام من لدنه تعالى كقصَّةِ موسى عليه الصلاة والسلام، وتصديرُه بالقسمِ لإظهارِ كمالِ الاعتناءِ بتحقيق مضمونِه أي آتينا كل واحد منهما طائفةً من العلم لائقةً به من علمِ الشرَّائعِ والأحكامِ وغير ذلك مما يختصُّ بكلَ منهما كصنعةِ لبوسٍ ومنطقِ الطَّيرِ أو علماً سنياً عزيزاً {وَقَالاَ} أي قال كلُّ واحد منهما شُكراً لما أوتيه من العلمِ {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا} بما آتانَا من العلمِ {عَلَىٰ كَثِيرٍ مّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} على أنَّ عبارةَ كلَ منهما فضَّلني إلا أنَّه عبَّر عنهما عند الحكايةِ بصيغة المتكلِّم مع الغير إيجازاً فإن حكايةَ الأقوالِ المتعدِّدة سواء كانتْ صادرةً عن المتكلِّم أو عن غيره بعبارةٍ جامعة للكُلِّ مما ليس بعزيزٍ، ومن الأوَّلِ قوله تعالى: { أية : يأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيّبَـٰتِ وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً} تفسير : [سورة المؤمنون: الآية 51] وقد مرَّ في سورة قد أفلح المؤمنون وبهذا ظهر حسنُ موقع العطفِ بالواو إذ المتبادر من العطفِ بالفاء ترتبُ حمدِ كلَ منهما على إيتاءِ ما أوتي كلٌّ منهما لا على إيتاءِ ما أوتي نفسه فقط وقيل: في العطفِ بالواوِ إشعارٌ بأنَّ ما قالاهُ بعض ما أحدث فيهما إيتاء العلمِ وشيء من مواجبه فأضمر ذلك ثم عطف عليه التَّحميد كأنَّه قيل: ولقد آتيناهُما علماً فعمِلا به وعلماه وعرفا حقِّ النِّعمةِ فيه، وقالا الحمدُ لله الآية فتأمَّل والكثيرُ المفضل عليه من لم يُؤت مثل علمهما وقيل من لم يُؤت علماً ويأباه تبـيـينُ الكثير بالمؤمنين فإنَّ خلوهم من العلم بِالمرةِ مما لا يمكن، وفي تخصيصِهما الأكثرَ بالذِّكر رمزٌ إلى أنَّ البعضَ مفضَّلون عليهما وفيه أوضحُ دليلٍ على فضل العلمِ وشرفِ أهلهِ حيثُ شكرا على العلمِ وجعلاه أساسَ الفضلِ ولم يعبترا دونَه ما أُوتيا من الملكِ الذي لم يُؤته غيرهما وتحريضٌ للعلماءِ على أن يحمدُوا الله تعالى على ما آتاهُم من فضلِه ويتواضعوا ويعتقدُوا أنَّهم وإنْ فُضِّلوا على كثيرِ فقد فُضِّل عليهم كثيرٌ وفوقَ كلَّ ذي علمٍ عليم ونِعمّا قال أميرُ المؤمنينَ عمر رضي الله عنه: (كلُّ النَّاس أفقهُ من عمرَ). {وَوَرِثَ سُلَيْمَـٰنُ دَاوُودُ} أي النُّبوةَ والعلمَ أو الملكَ بأنْ قامَ مقامَهُ في ذلكَ دونَ سائرِ بنيهِ وكانُوا تسعةَ عشَر {وَقَالَ} تشهيراً لنعمةِ الله تعالى وتنويهاً بها ودعاءً للنَّاسِ إلى التصديقِ بذكرِ المُعجزاتِ الباهرةِ التي أُوتيها {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَىْء} المنطقُ في المتعارَفِ كلُّ لفظٍ يُعبَّر بهِ عمَّا في الضميرِ مُفرداً كانَ أو مُركباً وقد يُطلق على كلِّ ما يُصوَّتُ بهِ من المفرد والمؤلَّفِ المفيدِ وغيرِ المفيدِ يقالُ نطقت الحمامةُ. وكلُّ صنفٍ من أصنافِ الطيرِ يتفاهُم أصواتُه والذي عُلِّمه سليمانُ عليه السَّلامُ من منطقِ الطيرِ هو ما يُفهم بعضُه من بعضٍ من معانيهِ وأغراضِه. ويُحكَى أنَّه مرَّ على بُلبلٍ في شجرةٍ يُحرِّكُ رأسَهُ ويُميلُ ذنبَهُ فقالَ لأصحابِه أتدرونَ ما يقولُ، قالوُا الله ونبـيُّه أعلمُ. قالَ يقولُ: إذا أكلتُ نصفُ تمرةٍ فعلى الدُّنيا العَفاءُ. وصاحتْ فاختةٌ فأَخبرَ أنَّها تقولُ: ليتَ الخلقَ لم يُخلقوا. وصاحَ طاووسٌ فقالَ يقول: كَمَا تَدينُ تُدانُ. وصاحَ هُدهدٌ فقالَ: يقول: استغفرُوا الله يا مُذنبـينَ. وصاحَ طَيْطَوى، فقال: يقول: كُلُّ حيَ ميتٌ، وكلُّ جديدٍ بالٍ. وصاحَ خُطَّافٌ فقالَ: يقولُ: قَدِّمُوا خيراً تجدوه. وصاحَ قَمْريٌّ فأَخبرَ أنَّه يقولُ: سُبحانَ ربِّـي الأَعْلَى. وصاحت رخمةٌ فقال تقول: سبحان ربـي الأعلى ملءَ سمائِه وأرضِه. وقالَ الحِدَأةُ تقولُ: كلُّ شيءٍ هالكٌ إلا الله، والقطاةُ تقولُ: منْ سكتَ سلَمْ. والببغاءُ تقولُ: ويلٌ لمنْ الدٌّنيا همُّه، والديكُ يقولُ: اذكرُوا الله يا غافلينَ، والنَّسرُ يقولُ: يا ابنَ آدمَ عِشْ مَا شئتَ آخرُكَ الموتُ، والعُقابُ تقولُ: في البعدِ عن النَّاسِ أُنسٌ والضِّفدِعُ يقولُ: سبُحانَ رَبِّـي القُدُّوسِ. وأرادَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بقولِه: عُلِّمنا وأُوتينَا بالنُّونِ التي يُقال لها نونُ الواحدِ المُطاع بـيانَ حالِه وصفتِه من كونِه ملكاً مطاعاً لكنْ لا تجبُّراً وتكبُّراً بل تمهيداً لما أرادَ منهم من حُسنِ الطاعةِ والانقيادِ له في أوامرِه ونواهيِه حيثُ كان على عزيمةِ المسيرِ. وبقولِه: من كلِّ شيءٍ كثرةَ ما أُوتيه كما يُقال فلانٌ يقصده كلُّ أحدٍ ويعلمُ كلَّ شيءٍ ويُرادُ بهِ كثرةَ قُصَّادِه وغزارةَ علمهِ. ومثلُه قولُه تعالى: {أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء } تفسير : [سورة النمل: الآية 23] وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ الله عنهُمَا: كلُّ ما يهمُّه من أمرِ الدُّنيا والآخرةِ. وقال مقاتلٌ: يعني النُّبوةَ والملكَ وتسخيرَ الجنِّ والإنسِ والشياطينِ والريحِ. {إِنَّ هَذَا} إشارةٌ إلى ما ذُكرَ من التعليمِ والإيتاء {لَهُوَ ٱلْفَضْلُ} والإحسانُ من الله تعالَى {ٱلْمُبِينُ} الواضحُ الذي لا يخفى على أحدٍ أو إنَّ هَذا الفضلَ الذي أُوتيهِ لهو الفضلُ المبـينُ على أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قاله على سيبل الشكرِ والمحمدةِ كما قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : أنَا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخرَ » تفسير : أي أقولُ هذا القولَ شُكراً لا فخراً ولعلَّه عليه الصَّلاة والسَّلام رتَّب على كلامه ذلك دعوةَ النَّاسِ إلى الغزوِ فإنَّ إخبارَهم بإيتاءِ كلِّ شيءٍ من الأشياءِ التي من جُملتها آلاتُ الحربِ وأسبابُ الغزوِ ممَّا ينبىءُ عن ذلك.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً} [الآية: 15]. قال ابن عطاء: علمًا بربه، وعلمًا بنفسه فأثبت لهما علمهما بالله علم أنفسهم، وأثبت لهما علمهما بأنفسهما حقيقة العلم بالله لذلك قال أمير المؤمنين على بن أبى طالب كرم الله وجهه: من عرف نفسه فقد عرف ربه. قال الجنيد رحمه الله: فى قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً} قال الجنيد: علمناهم {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} فورث ذلك سليمان من أبيه داود، وكتبه فى صدور كتبه فلذلك قالت بلقيس: إنه {كِتَابٌ كَرِيمٌ} لأنه مفتتح بـ {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} ولم أر قبله مفتتحًا بهذه الفاتحة.

القشيري

تفسير : يقتضي حكمُ هذا الخطاب أنه أفْرَدهُما بجنسٍ من العلم لم يشارِكْهُما فيه أحدٌ؛ لأنه ذَكَرَه على وجه تخصيصهما به، ولا شكّ أنه كان من العلوم الدينية؛ ويحتمل أنه كان بزيادة بيانٍ لهما أغناهما عن إقامة البرهان عليه وتصحيحه بالاستدلال الذي هو مُعَرَّضٌ للشك فيه. ويحتمل أن يكون علمهما بأحوال أمتهما على وجه الإشراف على ما كانوا يستسرون به، فيكون إخبارُهما عن ذلك معجزةً لهما. ويحتمل أن يكون قوله: {عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ}. ويحتمل أن يكون علمهما بالله على وجه زيادةٍ لهما في البيان. وفي الآية دليل على أن التفضيل الذي يحصل بالعلم لا يحصل بغيره من الصفات، فأخبر بأنهما شَكَرَ الله على عظيم ما أنعم به عليهما.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً} افهم ان العلم علمان علم البيان وعلم البيان علم البيان ما يكون بالوسائط الشرعية وعلم العيان مستفاد من الكشوفات الغيبية فما ذكر الله سبحانه فيما اعطاهما فهو من العلمين البيانى والعيانى فالعلم البيانى فى معروف بين العموم والعلم العيانى مشهور بين الحضور --- عليه الاولى او نبى لانه صدر من الحق لاهله شهوده من المحبين والعارفين والموحدين والصديقين والانبياء والمرسلين ومن ذلك العلم علم اللدنى والعلم اللدنى فى حقايقه علم المجهول وعلم للمجهول ما يكون صورته بخلاف علم الظاهر مثل صنيع الخضر عند موسى عليهما السلام من قتل الغلام وغيره وهو علم الافعال وبطون حقائق المقدورات والامور الغيبية وما يتعلق بالملك والملكوت الذى هو المرتبة الاولى من علوم المعارف والحكم المرتبة الثانية علوم الاسماء والنعوت والصفات مثل ما علمه الله أدم بقوله وعلم أدم الاسماء كلها والمرتبة الثالثة العلم بالذات وهو علم الاسرار وهذه العلوم يجمعها قسمان قسم مستفاد من الخطاب والهام والكلام وقسم يتعلق بكشف الذات والصفات والافعال وما اشرنا الى هذه وهو صورتها وحقايقها ذوقى كشفى لا طلع عليها الا من شاهد الحق بالحق ويستغرق فى بحارها وعرف انها غير محصورة للعقول لانها صفات --- لا نهاية لها فلما عظم شانها حمد الله بمانا لامنه من الله بقوله {وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} اى خضنا فى الازل بهذه الخاصية من بين عباده تفضلا وامتنانا واصطفائية مقدسة فى سوابقات حكمه الديمومية عن علل الاكتساب قال ابن عطا علما يربه وعلما بنفسه اثبت لهم علمهم بالله علم انفسهم اثبت علم بانفسهم حقيقة العلم بالله لذلك قال امير المؤمنين بما ذكرنا من علوم الحقائق وكل واحد منهما مخصوص بعلم من الله فورث سليمان علم ابيه الذى علمه الله من علوم الالهية بقوله {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} ورث ما عند ابيه من علم العشق والمحبة والشوق وخصائص سره زيادة على ما عله الله والولى الصادق العارف يرث من شيوخه علوم الحقائق بعد كونه مستد لذلك فيصير تلك الحقائق مقاماته اذا كان صادقا مستقيما فى الارادة لذلك قال عليه السّلام العلماء ورثة الانبياء قال ابن عطاء ورث منه صدق اللجا الى ربه وتهمة نفسه فى جميع الاحوال ثم بين سبحانه ان سليمان اخبر الخلق عما وهبه الله من علمه بمناطق الطيور بقوله {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ} لان المتمكن اذا بلغ درجة التمكين يجوز له ان يخبر الخلق بما عنده من موهبة الله لزيادة ايمان المؤمنين والحجة على المكرين قال تعالى {أية : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} تفسير : وافهم ان اصوات الطيور والوحوش وحركات الاكوان جميعا هى خطابات من الله سبحانه للانبياء والمرسلين والعارفين والصديقين والمحبين يفهمونها من حيث احوالهم ومن حيث مقاماتهم فالانبياء والمرسلين علم بمناطقها صرفا قطعينا ويمكن ان ذلك يقع لولى ولكن اكثر فهوم الاولياء بها انهم يفهمون من اصواتها ما يتعلق بحالهم بما يقع فى قلوبهم من الهام الله لا بانهم يعرفون لغاتها بعينها وفى اشارة الحقيقة الطيور الارواح الناطقة فى الاشباح ينطق بالحق من الحق ونطقها تلفظ مورد الاسرار بلغة الانوار ولا يسمعها الا ذو فراسة صادقة قلبه وعقله شاهدان مشاهدة الحق ولطف الاشارة علمنا مناطق اطيار الصفات التى تعبر علوم الذات وايضا علمنا منطق اطيار افعاله التى تخير عن بطون حكم الازليات لذلك قال {وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ} اى اوتينا كل شئ علما بالله وطريقا الى الله {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ} اخبار عن رؤية المنفصل فى فضل غير محجوب بالفضل عن المتفضل قال ابو عثمان المغربى من صدق مع الله فى جميع احواله فهم عنه كل شئ وفهم عن كل شئ فيكون له فى اصوات الطيور وصرير الابواب علم بعلمه وبيانا بتبينه قال الاستاذ من كان صاحب بصيرة وحضور قلب بالله يشهد الاشياء كلها بالله ومن الله ليكون كشافا بها من حيث الفهم فكانه يسمع من كل شئ وتعريفات الحق سبحانه للعبد بكل شئ من كل شئ لا نهاية له وذلك موجود فيهم محكى عنهم وكان صوت الطبل مثلا دليل يعرفون لسماعه وقت الرحيل والنزول فاحلق سبحانه يخص اهل الحضور بنفون التعريفات من سماء الاصوات وشهود احوال المرئيات على فى اختلافها كما قيل شعر : اذا المرء كانت له فكرة ففى كل شئ له عبرة تفسير : وما قال الاستاذ رحمه الله عليه دليل على قول خادمه نشقنى الله ما نشق اوليائه وانبيائه فقد اشرط ان اصوات الطيور والوحوش وغيرها لا يعرف نعتها ومعينها الا الانبياء والاولياء يعرفون معناها بغير نعتها وهذا كما قال اهل التقسيم فى قوله علمنا منطق الطير جعل ذلك من الطير كمنقط بنى أدم اذ فهمه عنها وقال مقاتل كان سليمان عليه السلام جالسا اذ مر به طير بصوت فقال لجلساءه هل تدرون ما يقول هذا الطائر الذى مر بنا قالوا انت اعلم فقال سليمان فانه قال الى السّلام عليك ايها الملك المسلط على نبى اسرائيل اعطاك الله سبحانه الكرامة واظهرك على عدوك انى منطق الى فورخى ثم امرُّ بك الثانية وانه سيرجع الينا الثانية فانظروا الى رجوعه قال فنظر القوم طويلا اذ مر بهم فقال السّلام عليك ايها الملك ان شيت ان تاذن لى كى اكسب على فروخ حتى يثبوا ثم أتيك فافعل ما شيت فاخبرهم سليمان بما قال فاذن له وقال فرقة السنجى مر سليمان على بلبل فوق شجرة يحرك راسه ويميل ذنبه فقال لاصحابه اتدرون ما يقول هذا البلبل فقالوا الله ونبيه اعلم فقال يقول اكلت نصف نملة فعلى على الدنياء العفاء هذا وامثالها معروف من سليمان وعن نبينا صلى الله عليه وسلم وذلك معجزة فوق الكرامة ومما خص الله سليمان به العلم بنطق النملة والحشرات ليكون ادق فى الفهم وارق للسمع لكن صورة النملة وتحركاتها بغير صوتها من حقائق الافعاليات خطاب من الحق للاولياء والصديقين فلما انطف الامر بعد قوله حتى اذا اتوا على واد النمل قالت نملة يا ايها النمل وعرف قولها هاج سره الى زيد الشكر وقال {رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ} سال لسان الشكر من الحق فانه كان عالما بان شكره لا يمكن الأية وقوله {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً} اى اسرع اليك بنعت الشوق الى لقائك واترك ما دونك ذلك {وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ} اى اجعلنى مستانس للعارفين ومحبوبا للمحبين وفهم قوله فتبسم ضاحكا من قولها ان ضحك سليمان كان ظاهره تعجبا من قول النملة وباطنه فرحا بما اعطاه الله من فهم كلام النملة قال الجنيد قال سليمان لعظيم النمل لم قلت للنمل ادخلوا مساكنهم اخفت عليهن منى ظلما قال لا ولكن خشيت ان يفتنوا بما يرون من ملك فيشغلهم ذلك من طاعة ربهم وقال ابن عطا فى قوله وادخلنى حبيبى الى عبادك الصالحين وقال سهل ارزقنى خدمة اوليائك لاكون فى حملتهم وان لم اصل الى مقامهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد} اى وبالله قد {آتينا} اعطينا {داود وسليمن} اى كل واحد منهما. قال فى مشكاة الانوار قالت نملة لسليمان عليه السلام يانبى الله أتدرى لم صار اسم ابيك داود واسمك سليمان قال لا قالت لان اباك داوى قلبه عن جراحة الالتفات الى غير الله فوّد وانت سليم تصغير سليم آن لك اى حان لك ان تلحق بابيك {علما} اى طائفة من العلم لائقة به من علم الشرائع والاحكام وغير ذلك مما يختص بكل منهما كصنعة لبوس وتسبيح الجبال ومنطق الطير والدواب فان الله تعالى علم سبعة نفر سبعة اشياء. علم آدم اسماء الاشياء فكان سببا فى حصول السجود والتحية. وعلم الخضر علم الفراسة فكان سببا لان وجد تلميذا مثل موسى ويوشع. وعلم يوسف التعبير فكان سببا لوجدان الاهل والمملكة. وعلم داود صنعة الدروع فكان سببا لوجدان الرياسة والدرجة. وعلم سليمان منطق الطير فكان سببا لوجدان بلقيس. وعلم عيسى الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل فكان سببا لزوال التهمة عن الشر. وعلم محمدا صلى الله عليه وسلم الشرع والتوحيد فكان سببا لوجود الشفاعة. وقال لما وردى المراد بقوله {علما} علم الكيمياء وذلك لانه من علوم الانبياء والمرسلين والاولياء العارفين كما قال حضرة مولانا قدس سره الاعلى شعر : از كرامات بلند اوليا اولا شعر ست وآخر كيميا تفسير : والكيمياء فى الحقيقة القناعة بالموجود وترك التشوف الى المفقود شعر : كيميايى ترا كنم تعليم كه دراكسير ودرصناعت نيست رو قناعت كزين كه در عالم كيمايى به از قناعت نيست تفسير : قال فى كشف الاسرار [داود از انبياء بنى اسرائيل بود از فر زندان يهوذا بن يعقوب وروز كاروى بعد از روز كار موسى بود بصد هفتاد ونه سال وملك وى بعد ازملك طالوت بود وبنى اسرائيل همه بتبع وى شدند وملك بروى مستقيم كشت اينست رب العالمين كفت {أية : وشددنا ملكه}تفسير : هرشب سى وهزار مرد از بزركان بنى اسرائيل اورا حارس بودند وباوى ملك علم بود ونبوت جنانكه كفت جل جلاله {آتينا داود وسليمان علما} وحكم كه راندند وعمل كه كردند از احكام توراة كردندكه كتاب وى زبور همه موعظت بود دران احكام امر ونهى نبود]. قال ابن عطاء قدس سره {علما}اى علما بربه وعلما بنفسه واثبت لهما علمهما بالله علم انفسهما واثبت لهما وعلمهما بانفسهما حقيقة العلم بالله لذلك. قال امير المؤمنين على بن ابى طالب رضى الله عنه "من عرف نفسه فقد عرف ربه" شعر : بروجود خداى عز وجل هست نفس توحجت قاطع جون بدانى تونفس را دانى كوست مصنوع وايزدش صانع تفسير : واعلم ان العلم علمان علم البيان هو مايكون بالوسائط الشرعية وعلم العيان هو مايستفاد من الكشوفات الغيبية فالمراد بقوله عليه السلام "حديث : سائل العلماء وخالط الحكماء وجالس الكبراء"تفسير : اى سائل العلماء بعلم البيان فقط عند الاحتياج الى الاستفتاء منهم وخالط العلماء بعلم العيان فقط وجالس الكبراء بعلم البيان والاحكام وعلم المكاشفة والاسرار فامر بمجالستهم لان فى تلك المجالسة منافع الدنيا والآخرة شعر : توخود بهترى جوى وفرصت شمار كه باجون خودى كم كنى روزكار تفسير : {وقالا} اى كل واحد منهما شكرا لما اوتيه من العلم {الحمد لله الذى فضلنا} بما آتانا من العلم {على كثير من عباده المؤمنين} على ان عبارة كل منهما فضلنى الا انه عبر عنهما عند الحكاية بصيغة المتكلم مع الغير ايجازا وبهذا ظهر حسن موقع العطف بالواو اذ المتبادر من العطف بالفاء ترتب حمد كل منهما على ايتاء مااوتى كل منهما لا على ايتاء مااوتى نفسه فقط. وقال البيضاوى عطفه بالواو اشعارا بان ماقالاه بعض مااتيابه فى مقابلة هذه النعمة كأنه قال ففعلا شكرا له مافعلا وقالا الحمد لله الخ انتهى والكثير المفضل عليه من لم يؤت مثل علمهما لا من لم يؤت علما اصلا فانه قد بين الكثير بالمؤمنين وخلوهم من العلم بالكلية مما لايمكن وفى تخصيصهما الكثير بالذكر رمز الى ان البعض متفضلون عليهما. وفيه اوضح دليل على فضل العلم وشرف اهله حيث شكرا على العلم وجعلاه اساس الفضل ولم يعتبرا دونه مااوتيا من الملك الذى لم يؤته غيرهما وتحريض للعلماء على ان يحمدوا الله تعالى على ماآتاهم من فضله ويتواضعوا ويعتقدوا انهم وان فضلوا على كثير فقد فضل عليهم كثير وفوق كل ذى علم عليم ونعم ماقال امير المؤمنين عمر رضى الله عنه كل الناس افقه من عمر وفى الآية اشارة الى داود الروح وسليمان القلب وعلمهما الالهام الربانى وعلم الاسماء الذى علم الله آدم عليه السلام وحمدهما على مافضلهما على الاعضاء والجوارح المستعملة فى العبودية فان شأن الاعضاء العبودية والعمل وشأن الروح والقلب العلم والمعرفة وهو اصل. حديث : وسأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن افضل الاعمال فقال "العلم بالله والفقه فى دينه" وكررهما عليه فقال يارسول الله اسألك عن العمل فتخبرنى عن العلم فقال "ان العلم ينفعك معه قليل العمل وان الجهل لاينفعك معه كثير العمل"تفسير : والمتعبد بغير علم كحمار الطاحونة يدور ولا يقطع المسافة. قال فتح الموصلى قدس سره أليس المريض اذا منع عنه الطعام والشراب والدواء يموت فكذا القلب اذا منع عنه العلم والفكر والحكمة يموت ثم ان الامتلاء من الاغذية الظاهرة يمنع التغذى بالاغذية الباطنة كما قال الشيخ سعدى رحمه الله [عابدى حكايت كنندكه هرشب ده من طعام بخوردى وتا بسحر ختمى درنماز بكردى صاحب دلى بشند وكفت اكر نيم نان بخوردى وبخفتى بسيار ازين فاضلتربودى] شعر : اندرون از طعام خالى دار تادرو نو ومعرفت بينى نهى از حكمتى بعلت آن كه يرى از طعام تابينى تفسير : وكذا العجب والكبر يمنع النور الصفاء كما قال فى البستان شعر : ترا كى بود جون جراغ التهاب كه از خود برى همجو قنديل از آب تفسير : فاذا اصلح المرء ظاهره بالشريعة وباطنه بالطريقة كان مستعدا لفيض العلم الذى اوتوه الانبياء والاولياء وفضلوا بذلك على مؤمنى زمانهم وهذا التفضيل سبب لمزيد الحمد والشكر لله تعالى فان الثناء بقدر الموهبة والعطية نحمد الله تعالى على آلائه ونعمائه ونستزيد العلم وقطراته من دأمائه ونسأله التوفيق فى طريق التحقيق والثبات على العمل الصالح بالعلم النافع الذى هو للهوى قامع وللشهوات دافع انه المفضل المنعم الكبير والوهاب الفياض الرحيم

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ولقد آتينا داودَ وسليمانَ عِلماً} أي: أعطينا كل واحد منهما طائفة خاصة به من علم الشرائع والأحكام، وغير ذلك مما يختص به كل واحد منهما، كصنعة الدروع، ومنطق الطير. أو: علماً لدُنِيا. {وقالا} أي: كل واحد منهما، شكراً لما أُوتيه من العلم: {الحمدُ لله الذي فضَّلنا} بما آتانا من العلم {على كثيرٍ من عباده المؤمنين}. قال النسفي: وهنا محذوف، ليصلح عطف الواو عليه، ولولا تقدير المحذوف لكان الوجه: الفاء، كقولك: أعطيته فشكر، وتقديره: آتيناهما علماً، فعملا به، وعرفا حق النعمة فيه، وقالا: {الحمد لله الذي فضَّلنا على كثير}. والكثير المفضّل عليه: من لم يؤت علماً, أو: من لم يؤت مثل علمهما. وفيه: أنهما فُضّلا على كثير, وفضل عليهما كثير. وفي الآية دليلٌ على شرف العلم، وتقدم حملته وأهله، وأن نعمة العلم من أجلّ النعم، وأن من أوتيه فقد أُوتي فضلاً على كثير من عباده، وما سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورثة الأنبياء إلا لمداناتهم في الشرف والمنزلة؛ لأنهم القوّام بما بُعِثُوا من أجله. وفيها: أنه يلزمهم لهذه النعمة الفاضلة أن يحمدوا الله تعالى على ما أوتوه، وأن يعتقدَ العالم أنه إذا فُضّل على كثير فقد فُضّل عليه مثلهم. وما أحسن قول عمر رضي الله عنه: (كلّ الناس أفقه من عمر). هـ. والعلماء على قسمين: علماء بالله وعلماء بأحكام الله. فالعلماء بالله هم العارفون به، أهل الشهود والعيان. وهم أهل علم الباطن، أعني علم القلوب، والعلماء بأحكام الله هم علماء الشرائع والنوازل. وحيث انتهت درجة العلماء بأحكام الله ابتدئت درجة العلماء بالله. فنهاية علماء الظاهر بداية علماء الباطن؛ لأن علم أهل الظاهر جله ظني، وعلم أهل الباطن عياني، ذوقي، وليس الخبر كالعيان، مع ما فاقوهم به من المجاهدة والمكابدة، ومقاساة مخالفة النفوس، وقطع المقامات، حتى ماتوا موتات، ثم حييت أرواحهم، فشاهدوا من الأنوار والأسرار ما تعجز عنه العقول، وتكلّ عنه النقول. ثم قال تعالى: {وورِثَ سليمانُ داودَ} . وَرِثَ منه النبوة والملك دون سائر بنيه وكانوا تسعة عشر. ووراثته للنبوة: انتقالها إليه بعد أبيه، وإلا فالنبوة لا تورث. {وقال يا أيها الناس عُلِّمنا منطلقَ الطير} تشهيراً لنعمة الله، واعترافاً بمكانها، ودعاء للناس إلى تصديقه بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير. والمنطق: كل ما يصوَّت به من المفرد والمؤلّف، والمفيد وغير المفيد. وكان سليمان عليه السلام يفهم عنها كما يفهم بعضها بعضاً. يُحكى أنه مرَّ على بلبل على شجرة، يحرك رأسه، ويميل ذنبه، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول؟ قالوا: الله ونبيه أعلم، قال يقول: إذا أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العَفَاء. وصاحت فاختة، فأخبر أنها تقول: ليت ذا الخلق لم يُخلقوا، وصاح طاووس، فقال: يقول: كما تدين تدان، وصاح هُدهد، فقال: يقول: من لا يرحم لا يُرحم، وصاح صُّرَد - وهو طائر ضخم الرأس - فقال: يقول: استغفروا الله يا مذنبين، وصاح طيطوى، فقال: يقول: كل حي ميت، وكل جديد بال. وصاح خُطَّاف، فقال: يقول: قَدِّموا خيراً تجدوه. وصاح قُمْرِيّ، فأخبر أنه يقول: سبحان ربي الأعلى. وصاحت رخمة، فقال: إنها تقول سبحان ربي الأعلى ملء أرضه وسمائه. وفي رواية: هدرت حمامة، فقال: إنها تقول: سبحان ربي الأعلى - مثل الرخمة - وقال: الغراب يدعو على العشَّار. والحِدَأة تقول: كل شيء هالك إلا وجهه. والقطاة تقول: من سكت سَلِمَ، والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همه، والديك يقول: اذكروا الله يا غافلين، والنسر يقول: يا ابن آدم؛ عش ما شئت، آخرك الموت. والعُقاب يقول: في البُعد من الناس أُنس. والضفدع تقول: سبحان ربي القدوس. والبازي يقول: سبحان ربي وبحمده، المذكور في كل مكان. والدراج يقول: الرحمن على العرش استوى. والقنب يقول: إلهي؛ العن مبغض آل محمد، عليه الصلاة والسلام. وقيل: إن سليمان كان يفهم صوت الحيوانات كلها، وإنما خصَّ الطير؛ لأنه معظم جنده. ثم قال: {وأُوتينا من كل شيء} أي: ما نحتاج إليه. والمراد به كثرة ما أُوتي، كما تقول: فلان يقصده كل أحد، ويعلم كل شيء، كناية عن كثرة علمه. {إنَّ هذا لهو الفضلُ} والإحسان من الله تعالى {المبين} أي: الواضح، الذي لا يخفى على أحد، أو: إن هذا الفضل الذي أوتيته هو الفضل المبين. على أنه عليه السلام قاله على سبيل الشكر والمحمدة. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلاَ فَخْرَ" تفسير : أي: أقول هذا القول شكراً، لا فخراً، والنون في (عُلمنا) و(أُوتينا) نون الواحد المطاع، وكان حينئذٍ ملكاً، فكلم أهل طاعته على الحالة التي كان عليها، وليس فيه تكبر ولا فخر؛ لعصمة الأنبياء من ذلك. والله تعالى أعلم. الإشارة: أشرف العلوم وأعظمها وأعزها العلم بالله، على سبيل الذوق والكشف والوجدان، ولا يكون إلا من طريق التربية على يد شيخ كامل؛ لأنه إذا حصل هذا العلم أغنى عن العلوم كلها، وصغرت في جانبه، حتى إن صاحب العلم بالله يعد الاشتغال بطلب علم الرسوم بطالة وانحطاطاً، ومَثَله كمن عنده قناطير من الفضة، ثم وجد جبلاً من الإكسير، فهل يلتفت صاحبُ الإكسير إلى الفضة أو الفلوس؟ لأن من كانت أوقاته كلها مشاهدة ونظراً لوجه الملك، كيف يلتفت إلى شيء سواه، ولذلك قال الجنيد رضي الله عنه: لو نعلم تحت أديم السماء أشرف من هذا العلم، الذي نتكلم فيه مع أصحابنا، لسعيت إليه. هـ. وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن العارف: كنت أعرف أربعة عشر علماً، فما أدركت علم الحقيقة، سرطت ذلك كله، ولم يبق إلا التفسير والحديث، نتكلم فيه مع أصحابنا. أو قريباً من هذا الكلام. وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن المجذوب رضي الله عنه: شعر : أقارئينَ عِلْمَ التْوحِيد هُنا البُحُورُ إليَّ تنبي هَذا مَقامُ أهْل التجريدِ الواقِفِينَ مَع ربي تفسير : وهذا أمر بيِّن عند أهل هذا الفن، وقال الورتجبي: العلم علمان: علم البيان وعلم العيان. علم البيان ما يكون بالوسائط الشرعية، وعلم العيان مستفاد من الكشوفات الغيبية. ثم قال: فالعلم البياني معروف بين العموم، والعلم العياني مشهور بين الخصوص، لم يطلع عليه إلا نبي أو وَليّ، لأنه صدر من الحق لأهل شهوده، من المحبين العارفين والموحدين والصديقين، والأنبياء والمرسلين، انظر بقية كلامه. وقال أيضاً في قوله: {عُلِّمنا منطقَ الطير}: أفْهَم أن أصوات الطيور والوحوش وحركات الأكوان جميعاً هي خطابات من الله عز وجل للأنبياء والمرسلين، والعارفين والصديقين، يفهمونها من حيث أحوالهم ومقاماتهم. فللأنبياء والمرسلين علم بمناطقها قطعياً. ويمكن أن يقع ذلك بوحي، لكن أكثر فهوم الأنبياء أنهم يفهمون من أصواتها ما يتعلق بحالهم، بما يقع في قلوبهم من إلهام الله، لا بأنهم يعرفون لغاتهم بعينها. هـ. قلت: وكذلك الأولياء يفهمون عنها ما يليق بمقاماتهم، من ألفاظ، أو أنس، أو إعلام، أو غير ذلك. والله تعالى أعلم. ولمّا أراد سليمان الغزو، جمع جنوده، كما قال تعالى: {وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ...}

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً} عظيماً فانّ ما آتاهما الله وان كان بالنّسبة الى علم الله وعلم محمّد (ص) وآله (ع) حقيراً لكنّه فى نفسه عظيمٌ كثيرٌ، او شيئاً يسيراً من علم آل محمّد (ص) وبهذا القدر اليسير تجاوب داود (ع) الجبال والطّيور وعلم سليمان (ع) منطق الطّيور وسائر الحيوان وسخّر الجنّ والطّيور والحيوان والرّياح {وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} يعنى انّهما اظهرا شكراً لنعمة العلم والمقصود تفضيلهم على كثيرٍ من العباد من زمن آدم (ع) او على كثيرٍ من عباد زمانهم بادخال الملائكة فيهم او قالوا ذلك لاحتمالهم او علمهم بكون بعض العباد الحامدين افضل منهم او لهضم انفسهم ولتعليم الغير طريقة الشّكر وانّ الشّاكر على النّعم لا ينبغى ان يغترّ بالنّعم ويعجب بنفسه بل ينبغى ان يرى فى كلّ الاحوال لغيره فضلاً على نفسه حتّى لا يبتلى بالغرور والاعجاب بالنّفس، وفيه دلالة على فضل العلم بالنّسبة الى سائر النّعم حيث ذكر تعالى شكرهما عقيب ايتاء العلم معلّقاً على التّفضيل على العباد بسبب العلم مع انّهما اوتيا ملكاً عظيماً وسلطنةً وسيعةً.

الأعقم

تفسير : {ولقد اتينا داوود وسليمان علماً وقالا الحمد لله الذي فضّلنا على كثير من عباده المؤمنين} بالنبوة والمعجزة والملك {وورث سليمان داوود} نبوته وعلمه وملكه دون سائر بنيه وكانوا تسعة عشر، وكان داوود أكثر تعبداً، وسليمان أقضى وأشكر لنعمة الله {وقال يا أيها الناس عُلّمنا منطق الطير} وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يفهم المراد بمعاني نغماتها والذي علمه سليمان، ويحكي أنه مرَّ على بلبل في شجر يحرك رأسه، ويميل ذنبه فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول؟ فقالوا: الله ونبيه أعلم، قال: يقول: أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء وصاح طاووس فقال: يقول: كما تدين تدان، وصاح هدهد فقال: يقول: استغفروا الله يا مذنبين، والديك يقول: اذكروا الله، والنسر يقول: يابن آدم عش ما شئت آخرك الموت، والعقاب يقول: في البعد من الناس أنس {وأوتينا من كل شيء} علماً، وقيل: من الملك والنبوة والكتاب والتسخير {إن هذا لهو الفضل المبين} الظاهر من الله علينا {وحشر لسليمان جنوده} أي جمع لسليمان جنوده {من الجن والإِنس والطير فهم يوزعون} أي يحشر أولهم على آخرهم، وروي أن معسكره كان مائة فرسخ في مائة فرسخ خمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للإِنس، وخمسة وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة منكوحة وسبعمائة سرية، وقد نسجت له الجن بساطاً من ذهب وابرسم فرسخاً في فرسخ وكان موضع منبره في وسطه وهو من ذهب فيقعد عليه وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة، فتقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة وحولهم الناس، وحول الناس الجن والشياطين، فتظله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عنه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط فتسيره، وروي أنه كان يأمر الريح العاصف تحمله ويأمر الرخاء فتسيّره، فأوحى الله إليه وهو يسير بين السماء والأرض إني قد زدت في ملكك لا يتكلم أحد بشيء إلاَّ ألقته الريح في أذنه، فنزل ومشى إلى الحراث وقال: أنا مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه، ثم قال: تسبيحة واحدة تقبّلها الله خير مما أوتي آل داوود، وروي أنه كان يقعد على البساط وهو على كرسي وحوله العلماء والناس {حتى إذا أتوا على واد النمل}، قيل: هو بالطائف، وقيل: وادي النمل بالشام {قالت نملة}، قيل: كانت ذات جناحين فسمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال {يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون} أي لا يعلمون بكم {فتبسم ضاحكاً من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه} وذلك أن سليمان لما سمع النملة أمر الرياح فوقفت لئلا يذعرون حتى دخلن مساكنهن ثم دعى بالدعوة، ومعنى {وادخلني برحمتك في عبادك الصالحين} يعني واجعلني من أهل جنّتك مع عبادك الصالحين، ثم ذكر تعالى ما جرى لسليمان مع الهدهد فقال سبحانه: {وتفقّد الطير} أي طلبها وبحث منها {فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين} وذكر في قصة الهدهد أن سليمان حين تمّ له بناء بيت المقدس تجهز للحج بحشره، فوافى الحرم وأقام به ما شاء الله وكان يقرّب كل يوم طول مقامه بخمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف بقرة وعشرين ألف شاة، ثم عزم على المسير إلى اليمن، فخرج من مكة صباحاً، فوافى صنعاء عند الزوال، فرأى أرضاً حسناء أعجبه خضرتها، فنزل يتعبد ويصلي فلم يجد الماء، وكان يرى من تحت الأرض كما يرى الماء في الزجاج، فتجيء الشياطين فيسلخونها كما يسلخ الإِهاب، وتفقد الطير لذلك، وحين نزل سليمان حلّق الهدهد فرأى هدهداً رافعاً فانحط إليه، فوصف له ملك سليمان وما سخّر له من كل شيء، وذكر له صاحبه ملك بلقيس وأن تحت يدها اثني عشر ألف قائد تحت يد كل قائد مائة ألف، وذهب معه لينظر فما رجع إلا بعد العصر، فذكر أنه وقعت نفحة من الشمس على رأس سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خالياً، فدعا عفريت الطير وهو النسر فسأله عنه فلم يجد عنده علمه، ثم قال لسيّد الطير وهو العقاب عليَّ به، فارتفعت فنظرت فإذا هو مقبل فقصدته، فناشدها بالله وقال: سألتك بالله الذي قواك وأقدرك عليَّ ألا رحمتني، فتركته وقالت: ثكلتك أمك ان نبي الله قد حلف ليعذبنك، قال: وما استثنى؟ قالت: بلى، أو ليأتيني بعذر بيّن، فلما قرب من سليمان أرخى ذنبه وجناحه مكرها على الأرض تواضعاً له، فلما دنا منه أخذ برأسه فمده إليه فقال: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله، فارتعد سليمان وعفى عنه، قيل: كان يعذب سليمان الطير أن ينتف ريشه ويشمسه، وقيل: يلقيه في واد النمل، وقيل: بل يفرق بينه وبين الفه {أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين}.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً} التنكير للتنويع أي نوعا من العلم او للتعظيم أي علما سنيا عزيزا وهو علم القضاء والسياسة وعلّم داود تسبيح الجبال والطير وعلّم سليمان منطق الطير والدواب الى غير ذلك مما علمّهما بفضله. {وَقَالا الحَمْدُ للهِ} عطف بالواو دون الفاء لأن قولهما {الحَمْدُ للهِ} ليس مسببا عن ايتاء العلم بل هو مما أوتيا العلم لأجله والمعطوف عليه جملة {آتَينَا} ولك ان تقول انه مسبب عنه والعطف على محذوف أي ففعلا ما فعلا شكرا وقالا الحمد لله. {فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ} بالنبوة والكتاب والملك وإلانة الحديد من جهة داود وتسخير الجن والانس من جهة سليمان وغير ذلك والمراد بكثير من عباده المؤمنين من لم يكن له العلم أو لم يكن له علم كعلمهما ومن يكن نبيا وفضلا انفسهما على كثير لانهما فضلا على كثير وفضل عليهما كثير للتواضع وقال الشيخ هود رحمه الله المراد من في زمانهما وفي الآية دليل على شرف العلم فان نعتمه من اجل النعم وان من أوتيه فقد أوتي فضلا على كثير وسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم العلماء ورثة الأنبياء لمداناتهم لهم في الشرف والمنزلة فلزمهم لهذه الفاضلة حمد الله على ما أتوه والتواضع وان يعتقدوا انهم وان فضلوا على كثير فقد فضل عليهم كثير والعلماء هم القوام بما بعثت به الرسل فقربت منزلتهم للرسل قال عمر رضي الله عنه: كل الناس أفقه من عمر ولا أرى للعالم أحسن وأدعى للاخلاص التواضع والسلامة أي يقول كهذا القول.

اطفيش

تفسير : {ولَقَد آتينا داودَ وسليمانَ عِلْماً} يليق بهما بعد النبوّة، كما لقيناك القرآن وهو علم الشريعة والقضاء، وصنعة لبوس، ومنطق الطير، والتنوين للتعظيم {وقالا} شكراً عى ما أوتيا {الحمْدُ لله الَّذى فضَّلنا على كَثيرٍ من عِباده المُؤمنينَ} كل واحد قال: الحمد لله الذى فضلنى الخ، وجعهمما فى قالا كقوله تعالى: "أية : يا أيها الرسل كلوا "تفسير : [المؤمنون: 51] الخ فانه قال لكل واحد فى زمانه يا أيها الرسول كان، والمراد بالمؤمنين الذين لم يعطوا ما أعطيا، ونفى قليل قد فضل عليهما. وفى ذلك مقابلة الكثرة بالقلة، وفيه أن هذا لا يلزم، بل يفضل عليهما القليل أو بيساوياه احتمالان، ولا يجزم بان الكثير يقابله القليل فى مثل هذا المقام، بل يدل أن الأكثر يخالف القليل، وجزم بعض بأنه فضلا على كثير، وفضل عليهما كثير، وفيه أن العرف طرح التساوى، والذى أقول به إن المراد فضلا على كثير، وهذا الكثير مساو للباقى، او اكثر أو أقل، كما هو شان القانع المكتفى بمزيد ما، فشكراً على أنه لم يقصر تفضيلهما على قليل فقط، وفى الآية تفضيل العلم على المال، والملك والعبادات، إذ حمدا الله عليه، وفيها تحريض على أنه من علم شيئاً من علم الشريعة او آلاته، ان يحمد الله عليه، وأن يتواضع العالم، وأن يقبل الحق ممن جاء به. وكان عمر رضى الله عنه يخطب على المنبر، وينهى عن المغالاة فى المهور، فقالت امرأة: {وآتيتم إحداهن قنطاراً} فقال: كل الناس أفقه منك يا عمر، أو كل الناس أفقه من عمر، وهو رضى الله عنه مصيب فى نهيه، لأن النهى عن مغالاة المهور جاء فى الحديث عنه صلى الله عليه وسلم، إلا أنه أعجبه استحضارها الآية فى ذلك المقام، والآية ليست آمرة بمغالاة المهور، بل جاءت على سبيل الفرض، كأنه قيل: ولو آتيتموهن قنطاراً، وليس وقوع الشىء منافياً لكراهته، فلو أعطى قنطاراً لصح، وجاء عليه نهى التنزيه، وفى الآية جواز أن يقال: الحمد لله على ما أعطانى من العلم، بل لو قال: أنا عالم لأمر داع لقوله بلا فخر ولا رياء ولا ترفع لجاز، فان فى قولك: الحمد لله على ما أعطانى من العلم يتضمن انا عالم، وما جاء من انه من قال أنا عالم فهو جاهل لم يصح حديثاً عنه صلى الله عليه وسلم، وإن صح فمحمول على من قاله فخرا أو رياء، لأن نحو الرياء جهل وسمعة.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَـٰنَ عِلْماً } كلام مستأنف مسوق لتقرير ما سبق من أنه عليه السلام تلقى القرآن من لدون حكيم عليم كقصة موسى عليه السلام، وتصديره بالقسم لإظهار كمال الاعتناء بمضمونه أي آتينا كل واحد منهما طائفة من العلم لائقة به من علم الشرائع والأحكام وغير ذلك مما يختص بكل منهما كصنعة لبوس ومنطق الطير، وخصها مقاتل بعلم القضاء، وابن عطاء بالعلم بالله عز وجل، ولعل الأولى ما ذكر أو علماً سنياً غزيراً فالتنوين على الأول للتقليل وهو أوفق بكون القائل هو الله عز وجل فإن كل علم عنده سبحانه قليل وعلى الثاني للتعظيم والتكثير؛ وهو أوفق بامتنانه جل جلاله فإنه سبحانه الملك العظيم فاللائق بشأنه الامتنان بالعظيم الكثير فلكل وجهة، وربما يرجح الثاني، ومما ينبغي أن لا يلتفت إليه كون التنوين للنوعية أي نوعاً من العلم والمراد به علم الكيمياء. {وَقَالاَ } أي قال كل منهما شكراً لما أوتيه من العلم {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى فَضَّلَنَا } بما آتانا من العلم {عَلَىٰ كَثِيرٍ مّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } على أن عبارة كل منهما فضلني إلا أنه عبر عنهما عند الحكاية بصيغة المتكلم مع الغير إيجازاً، وحكاية الأقوال المتعددة سواء كانت صادرة عن المتكلم أو عن غيره بعبارة جامعة للكل مما ليس بعزيز، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيّبَـٰتِ } تفسير : [المؤمنون: 51] قيل وبهذا ظهر حسن موقع العطف بالواو دون الفاء إذ المتبادر من العطف بالفاء ترتب حمد كل منهما على إيتاء ما أوتي كل منهما لا على إيتاء ما أوتي نفسه فقط. وتعقب بأنه إذا سلم ما ذكر فالعطف بالواو أيضاً يتبادر معه كون حمد كل منهما على إيتاء ما أوتي كل منهما فما يمنع من ذلك مع الواو يمنع نحوه مع الفاء، وقال العلامة الزمخشري: ((عطف بالواو دون الفاء مع أن الظاهر العكس كما في قولك: أعطيته فشكر إشعاراً بأن ما قالاه بعض ما أحدث فيهما إيتاء العلم وشيء من مواجبه فأضمر ذلك ثم عطف عليه التحميد كأنه قال سبحانه: ولقد آتيناهما علماً فعملا فيه وعلماه وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة، وقالا: الحمد لله الذي فضلنا)). وحاصله أن إيتاء العلم من جلائل النعم وفواضل المنح / يستدعي إحداث الشكر أكثر مما ذكر فجىء بالواو لأنها تستدعي إضماراً فيضمر ما يقتضيه موجب الشكر من قوله: فعملا به وعلماه فإنه شكر فعلي، وقوله: وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة فإنه شكر قلبـي، وبقوله تعالى: {وَقَالاَ } الخ تتم أنواع الشكر لأنه شكر لساني، وفي الطي إيماء بأن المطوي جاوز حد الإحصاء، ويعلم مما ذكر أن هذا الوجه لاختيار العطف بالواو أولى مما ذهب إليه السكاكي من تفويض الترتب إلى العقل لأن المقام يستدعي الشكر البالغ وهو ما يستوعب الأنواع وعلى ما ذهب إليه يكون بنوع القولي منها وحده، وهو أولى مما قيل أيضاً: إنه لم يعطف بالفاء لأن الحمد على نعم عظيمة من جملتها العلم ولو عطف بالفاء لكان الحمد عليه فقط لأن السياق ظاهر في أن الحمد عليه لا على ما يدخل هو في جملته، وهل هناك على ما ذكره العلامة تقدير حقيقة أم لا؟ قولان، وممن ذهب إلى الأول من يسمي هذه الواو الواو الفصيحة، والظاهر أن المراد من الكثير المفضل عليه من لم يؤت مثل علمهما عليهما السلام، وقيل: ذاك ومن لم يؤت علماً أصلاً. وتعقب بأنه يأباه تبيين الكثير بعباده تعالى المؤمنين فإن خلوهم عن العلم بالمرة مما لا يمكن، وفي تخصيصهما الكثير بالذكر إشارة إلى أن البعض مفضلون عليهما كذا قيل، والمتبادر من البعض القليل، وفي «الكشاف» أن في قوله تعالى: {عَلَىٰ كَثِيرٍ } أنهما فضلا على كثير وفضل عليهما كثير. وتعقب بأن فيه نظراً إذ يدل بالمفهوم على أنهما لم يفضلا على القليل فإما أن يفضل القليل عليهما أو يساوياه فلا بل يحتمل الأمرين. ورده صاحب «الكشف» بأن الكثير لا يقابله القليل في مثل هذا المقام بل يدل على أن حكم الأكثر بخلافه، ولما بعد تساوى الأكثر من حيث العادة لا سيما والأصل التفاوت حكم صاحب «الكشاف» بأنه يدل على أنه فضل عليهما أيضاً كثير على أن العرف طرح التساوي في مثله عن الاعتبار وجعل التقابل بين المفضل والمفضل عليه، ألا ترى أنهم إذا قالوا: لا أفضل من زيد فهم أنه أفضل من الكل انتهى. وفي الآية أوضح دليل على فضل العلم وشرف أهله حيث شكرا على العلم وجعلاه أساس الفضل ولم يعتبرا دونه مما أوتياه من الملك العظيم وتحريض للعلماء على أن يحمدوا الله تعالى على ما آتاهم من فضله وأن يتواضعوا ويعتقدوا أن في عباد الله تعالى من يفضلهم في العلم، ونعم ما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حين نهى على المنبر عن التغالي في المهور فاعترضت عليه عجوز بقوله تعالى: {أية : وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً} تفسير : [النساء: 20] الآية: كل الناس أفقه من عمر، وفيه من جبر قلب العجوز وفتح باب الاجتهاد ما فيه، وجعل الشيعة له من المثالب من أعظم المثالب وأعجب العجائب. ولعل في الآية إشارة إلى جواز أن يقول العالم: أنا عالم. وقد قال ذلك جملة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم منهم أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه وعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وما شاع من حديث «من قال أنا عالم فهو جاهل» إنما يعرف من كلا يحيـى بن أبـي كثير موقوفاً عليه على ضعف في إسناده [إليه]، ويحيـى هذا من صغار التابعين فإنه رأى أنس بن مالك وحده، وقد وهم بعض الرواة فرفعه إلى النبـي صلى الله عليه وسلم، وتحقيقه في «أعذب المناهل» للجلال السيوطي.

سيد قطب

تفسير : ترد هذه الإشارة إلى داود، وهذه القصة عن سليمان بعد تلك الحلقة من قصة موسى ـ عليهم السلام ـ وهم من أنبياء بني إسرائيل، في السورة التي تبدأ بالحديث عن القرآن؛ ويجيء فيها: {أية : إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون}.. تفسير : وقصة سليمان ـ عليه السلام ـ في هذه السورة مبسوطة بتوسع أكثر منها في أية سورة أخرى. وإن كانت تختص بحلقة واحدة من حلقات حياته. حلقة قصته مع الهدهد وملكة سبأ. يمهد لها السياق بما يعلنه سليمان على الناس من تعليم الله له منطق الطير وإعطائه من كل شيء. وشكره لله على فضله المبين. ثم مشهد موكبه من الجن والإنس والطير، وتحذير نملة لقومها من هذا الموكب، وإدراك سليمان لمقالة النملة وشكره لربه على فضله، وإدراكه أن النعمة ابتلاء، وطلبه من ربه أن يجمعه على الشكر والنجاح في هذا الابتلاء. ومناسبة ورود هذا القصص إجمالاً في هذه السورة ما سبق بيانه من افتتاح السورة بحديث عن القرآن، وتقرير أن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون. وقصص موسى وداود وسليمان من أهم الحلقات في تاريخ بني إسرائيل. أما مناسبة هذه الحلقة ومقدماتها لموضوع هذه السورة فتبدو في عدة مواضع منها ومن السورة: التركيز في جو السورة وظلالها على العلم ـ كما أسلفنا في أوائلها ـ والإشارة الأولى في قصة داود وسليمان هي: {ولقد آتينا داود وسليمان علماً} وإعلان سليمان لنعمة الله عليه يبدأ بالإشارة إلى تعليمه منطق الطير: {وقال: يا أيها الناس علمنا منطق الطير}. وعذر الهدهد عن غيبته في ثنايا القصة يبدأ بقوله: {أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين}. والذي عنده {علم} من الكتاب هو الذي يأتي بعرش الملكة في غمضة عين.. وافتتاح السورة عن القرآن كتاب الله المبين إلى المشركين. وهم يتلقونه بالتكذيب. وفي القصة كتاب سليمان تتلقاه ملكة سبأ، فما تلبث طويلاً حتى تأتي هي وقومها مسلمين. لما رأته من القوى المسخرة لسليمان من الجن والإنس والطير. والله هو الذي سخر لسليمان ما سخر، وهو القاهر فوق عباده. وهو رب العرش العظيم. وفي السورة استعراض لنعم الله على العباد، وآياته في الكون، واستخلافه للناس وهم يجحدون بآيات الله، ولا يشكرونه. وفي القصة نموذج للعبد الشاكر، الذي يسأل ربه أو يوفقه إلى شكر نعمته عليه؛ المتدبر لآيات الله الذي لا يغفل عنها، ولا تبطره النعمة، ولا تطغيه القوة.. فالمناسبات كثيرة وواضحة بين موضوع السورة وإشارات القصة ومواقفها. وقصة سليمان مع ملكة سبأ نموذج واف للقصة في القرآن، ولطريقة الأداء الفني كذلك. فهي قصة حافلة بالحركة، وبالمشاعر، وبالمشاهد، وبتقطيع هذه المشاهد ووضع الفجوات الفنية بينها! فلنأخذ في عرضها بالتفصيل: {ولقد آتينا داود وسليمان علماً. وقالا: الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين}. هذه هي إشارة البدء في القصة. وإعلان الافتتاح. خبر تقريري عن أبرز النعم التي أنعم الله بها على داود وسليمان ـ عليهما السلام ـ نعمة العلم. فأما عن داود فقد ورد تفصيل ما آتاه الله من العلم في سور أخرى. منها تعليمه الترتيل بمقاطع الزبور، ترتيلاً يتجاوب به الكون من حوله، فتؤوب الجبال معه والطير، لحلاوة صوته، وحرارة نبراته، واستغراقه في مناجاة ربه، وتجرده من العوائق والحواجز التي تفصل بينه وبين ذرات هذا الوجود. ومنها تعليمه صناعة الزرد وعدة الحرب، وتطويع الحديد له، ليصوغ منه من هذا ما يشاء. ومنها تعليمه القضاء بين الناس، مما شاركه فيه سليمان. وأما سليمان ففي هذه السورة تفصيل ما علمه الله من منطق الطير وما إليه؛ بالإضافة إلى ما ذكر في سور أخرى من تعليمه القضاء، وتوجيه الرياح المسخرة له بأمر الله. تبدأ القصة بتلك الإشارة: {ولقد آتينا داود وسليمان علماً} وقبل أن تنتهي الآية يجيء شكر داود وسليمان على هذه النعمة، وإعلان قيمتها وقدرها العظيم، والحمد لله الذي فضلهما بها على كثير من عباده المؤمنين. فتبرز قيمة العلم، وعظمة المنة به من الله على العباد، وتفضيل من يؤتاه على كثير من عباد الله المؤمنين. ولا يذكر هنا نوع العلم وموضوعه لأن جنس العلم هو المقصود بالإبراز والإظهار. وللإيحاء بأن العلم كله هبة من الله، وبأن اللائق بكل ذي علم أن يعرف مصدره، وأن يتوجه إلى الله بالحمد عليه، وأن ينفقه فيما يرضي الله الذي أنعم به وأعطاه. فلا يكون العلم مبعداً لصاحبه عن الله، ولا منسياً له إياه. وهو بعض مننه وعطاياه. والعلم الذي يبعد القلب عن ربه علم فاسد، زائغ عن مصدره، وعن هدفه. لا يثمر سعادة لصاحبه ولا للناس، إنما يثمر الشقاء والخوف والقلق والدمار، لأنه انقطع عن مصدره، وانحرف عن وجهته، وضل طريقه إلى الله.. ولقد انتهت البشرية اليوم إلى مرحلة جيدة من مراحل العلم، بتحطيم الذرة واستخدامها. ولكن ماذا جنت البشرية حتى اليوم من مثل هذا العلم الذي لا يذكر أصحابه الله، ولا يخشونه، ولا يحمدون له، ولا يتوجهون بعلمهم إليه؟ ماذا جنت غير الضحايا الوحشية في قنبلتي "هيروشيما" و "ناجازاكي". وغير الخوف والقلق الذي يؤرق جفون الشرق والغرب ويتهددهما بالتحطيم والدمار والفناء؟ وبعد تلك الإشارة إلى الإنعام بمنة العلم على داود وسليمان، وحمدهما الله ربهما على منته وعرفانهما بقدرها وقيمتها يفرد سليمان بالحديث: {وورث سليمان داود. وقال: يا أيها الناس علمنا منطق الطير، وأوتينا من كل شيء. إن هذا لهو الفضل المبين}.. وداود أوتي الملك مع النبوة والعلم. ولكن الملك لا يذكر في صدد الحديث عن نعمة الله عليه وعلى سليمان. إنما يذكر العلم. لأن الملك أصغر من أن يذكر في هذا المجال! {وورث سليمان داود} والمفهوم أنها وراثة العلم، لأنه هو القيمة العليا التي تستأهل الذكر. ويؤكد هذا إعلان سليمان في الناس: {قال: يا أيها الناس علمنا منطق الطير، وأوتينا من كل شيء}.. فيظهر ما علمه من منطق الطير ويجمل بقية النعم مع إسنادها إلى المصدر الذي علمه منطق الطير. وليس هو داود. فهو لم يرث هذا عن أبيه. وكذلك ما أوتيه من كل شيء إنما جاءه من حيث جاءه ذلك التعليم. {يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء}.. يذيعها سليمان ـ عليه السلام ـ في الناس تحدثاً بنعمة الله، وإظهاراً لفضله، لا مباهاة ولا تنفجاً على الناس. ويعقب عليها {إن هذا لهو الفضل المبين} فضل الله الكاشف عن مصدره، الدال على صاحبه. فما يملك تعليم منطق الطير لبشر إلا الله. وكذلك لا يؤتي أحداً من كل شيء ـ بهذا التعميم ـ إلا الله. وللطيور والحيوان والحشرات وسائل للتفاهم ـ هي لغاتها ومنطقها ـ فيما بينها. والله سبحانه خالق هذه العوالم يقول: {أية : وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم} تفسير : ولا تكون أمماً حتى تكون لها روابط معينة تحيا بها، ووسائل معينة للتفاهم فيما بينها. وذلك ملحوظ في حياة أنواع كثيرة من الطيور والحيوان والحشرات. ويجتهد علماء هذه الأنواع في إدراك شيء من لغاتها ووسائل التفاهم بينها عن طريق الحدس والظن لا عن الجزم واليقين. فأما ما وهبه الله لسليمان ـ عليه السلام ـ فكان شأناً خاصاً به على طريق الخارقة التي تخالف مألوف البشر. لا على طريق المحاولة منه والاجتهاد لتفهم وسائل الطير وغيره في التفاهم، على طريق الظن والحدس، كما هو حال العلماء اليوم.. أحب أن يتأكد هذا المعنى ويتضح لأن بعض المفسرين المحدثين ممن تبهرهم انتصارات العلم الحديث يحاولون تفسير ما قصه القرآن عن سليمان ـ عليه السلام ـ في هذا الشأن بأنه نوع من إدارك لغات الطير والحيوان والحشرات على طريقة المحاولات العلمية الحديثة. وهذا إخراج للخارقة عن طبيعتها، وأثر من آثار الهزيمة والانبهار بالعلم البشري القليل! وإنه لأيسر شيء وأهون شيء على الله، أن يعلم عبداً من عباده لغات الطير والحيوان والحشرات، هبة لدنية منه، بلا محاولة ولا اجتهاد. وإن هي إلا إزاحة لحواجز النوع التي أقامها الله بين الأنواع. وهو خالق هذه الأنواع! على أن هذا كله لم يكن إلا شقاً واحداً للخارقة التي أتاحها الله لعبده سليمان. أما الشق الآخر فكان تسخير طائفة من الجن والطير لتكون تحت إمرته، وطوع أمره، كجنوده من الإنس سواء بسواء. والطائفة التي سخرها له من الطير وهبها إدراكاً خاصاً أعلى من إدراك نظائرها في أمة الطير. يبدو ذلك في قصة الهدهد الذي أدرك من أحوال ملكة سبأ وقومها ما يدركه أعقل الناس وأذكاهم وأتقاهم. وكان ذلك كذلك على طريق الخارقة والإعجاز.. حقيقة إن سنة الله في الخلق جرت على أن يكون للطير إدراك خاص يتفاوت فيما بينه، ولكنه لا يصل إلى مستوى إدراك الإنسان؛ وإن خلقة الطير على هذا النحو حلقة في سلسلة التناسق الكوني العام. وإنها خاضعة ـ كحلقة مفردة ـ للناموس العام، الذي يقتضي وجودها على النحو الذي وجدت به. وحقيقة إن الهدهد الذي يولد اليوم، هو نسخة من الهدهد الذي وجد منذ ألوف أو ملايين من السنين، منذ أن وجدت الهداهد. وإن هناك عوامل وراثة خاصة تجعل منه نسخة تكاد تكون طبق الأصل من الهدهد الأول. ومهما بلغ التحوير فيه، فهو لا يخرج من نوعه، ليرتقي إلى نوع آخر.. وإن هذا ـ كما يبدو ـ طرف من سنة الله في الخلق، ومن الناموس العام المنسق للكون. ولكن هاتين الحقيقتين الثابتتين لا تمنعان أن تقع الخارقة عندما يريدها الله خالق السنن والنواميس. وقد تكون الخارقة ذاتها جزءاً من الناموس العام، الذي لا نعرف أطرافه. جزءاً يظهر في موعده الذي لا يعلمه إلا الله، يخرق المألوف المعهود للبشر، ويكمل ناموس الله في الخلق والتناسق العام. وهكذا وجد هدهد سليمان، وربما كل الطائفة من الطير التي سخرت له في ذلك الزمان. ونعود من هذا الاستطراد إلى تفصيل قصة سليمان بعد وراثته لداود وإعلانه ما حباه الله به من علم وتمكين وإفضال {وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون}.. فهذا هو موكب سليمان محشود محشور. يتألف من الجن والإنس والطير. والإنس معروفون، أما الجن فهم خلق لا نعرف عنهم إلا ما قصه الله علينا من أمرهم في القرآن. وهو أنه خلقهم من مارج من نار. أي من لهيب متموج من النار. وأنهم يرون البشر والبشر لا يرونهم {أية : إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم} تفسير : (الكلام عن إبليس أو الشيطان وإبليس من الجن) وأنهم قادرون على الوسوسة في صدور الناس بالشر عادة والإيحاء لهم بالمعصية ـ ولا ندري كيف ـ وأن منهم طائفة آمنت برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يرهم هو أو يعرف منهم إيمانهم ولكن أخبره الله بذلك إخباراً: {أية : قل: أوحي إليَّ أنه استمع نفر من الجن فقالوا: إنا سمعنا قرآناً عجباً، يهدي إلى الرشد فآمنا به، ولن نشرك بربنا أحداً..} تفسير : ونعرف أن الله سخر طائفة منهم لسليمان يبنون له المحاريب والتماثيل والجفان الكبيرة للطعام، ويغوصون له في البحر، ويأتمرون بأمره بإذن الله. ومنهم هؤلاء الذين يظهرون هنا في موكبه مع إخوانهم من الإنس والطير. ونقول: إن الله سخر لسليمان طائفة من الجن وطائفة من الطير كما سخر له طائفة من الإنس. وكما أنه لم يكن كل أهل الأرض من الإنس جنداً لسليمان ـ إذ أن ملكه لم يتجاوز ما يعرف الآن بفلسطين ولبنان وسوريا والعراق إلى ضفة الفرات ـ فكذلك لم يكن جيمع الجن ولا جميع الطير مسخرين له، إنما كانت طائفة من كل أمة على السواء. ونستند في مسألة الجن إلى أن إبليس وذريته من الجن كما قال القرآن.. {أية : إِن إبليس كان من الجن}..تفسير : وقال في سورة "الناس": {أية : الذي يوسوس في صدور الناس من الجِنَّةِ والناس} تفسير : وهؤلاء كانوا يزاولون الإغواء والشر والوسوسة للبشر في عهد سليمان. وما كانوا ليزاولوا هذا وهم مسخرون له مقيدون بأمره. وهو نبي يدعو إلى الهدى. فالمفهوم إذن أن طائفة من الجن هي التي كانت مسخرة له. ونستند في مسألة الطير إلى أن سليمان حين تفقد الطير علم بغيبة الهدهد. ولو كانت جميع الطيور مسخرة له، محشورة في موكبه، ومنها جميع الهداهد، ما استطاع أن يتبين غيبة هدهد واحد من ملايين الهداهد فضلاً على بلايين الطير. ولما قال: ما لي لا أرى الهدهد؟ فهو إذن هدهد خاص بشخصه وذاته، وقد يكون هو الذي سخر لسليمان من أمة الهداهد، أو يكون صاحب النوبة في ذلك الموكب من المجموعة المحدودة العدد من جنسه. ويعين على هذا ما ظهر من أن ذلك الهدهد موهوب إدراكاً خاصاً ليس من نوع إدراك الهداهد ولا الطير بصفة عامة. ولا بد أن هذه الهبة كانت للطائفة الخاصة التي سخرت لسليمان. لا لجميع الهداهد وجيمع الطيور. فإن نوع الإدراك الذي ظهر من ذلك الهدهد الخاص في مستوى يعادل مستوى العقلاء الأذكياء الأتقياء من الناس! حشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير. وهو موكب عظيم، وحشد كبير، يجمع أوله على آخره {فهم يوزعون} حتى لا يتفرقوا وتشيع فيهم الفوضى. فهو حشد عسكري منظم. يطلق عليه اصطلاح الجنود، إشارة إلى الحشد والتنظيم. {حتى إذا أتوا على وادي النمل. قالت نملة: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم، لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون. فتبسم ضاحكاً من قولها، وقال: رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والديَّ، وأن أعمل صالحاً ترضاه، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين}.. لقد سار الموكب. موكب سليمان من الجن والإنس والطير. في ترتيب ونظام، يجمع آخره على أوله، وتضم صفوفه، وتتلاءم خطاه. حتى إذا أتوا على واد كثير النمل. حتى لقد أضافه التعبير إلى النمل فسماه {وادي النمل} قالت نملة. لها صفة الإشراف والتنظيم على النمل السارح في الوادي ـ ومملكة النمل كمملكة النحل دقيقة التنظيم، تتنوع فيها الوظائف، وتؤدى كلها بنظام عجيب، يعجز البشر غالباً عن اتباع مثله، على ما أوتوا من عقل راق وإدراك عال ـ قالت هذه النملة للنمل، بالوسيلة التي تتفاهم بها أمة النمل، وباللغة المتعارفة بينها. قالت للنمل: ادخلوا مساكنكم ـ كي لا يحطمنكم سليمان وجنوده. وهم لا يشعرون بكم. فأدرك سليمان ما قالت النملة وهش له وانشرح صدره بإدراك ما قالت، وبمضمون ما قالت. هش لما قالت كما يهش الكبير للصغير الذي يحاول النجاة من أذاه وهو لا يضمر أذاه. وانشرح صدره لإدراكه. فهي نعمة الله عليه تصله بهذه العوالم المحجوبة المعزولة عن الناس لاستغلاق التفاهم بينها وقيام الحواجز. وانشرح صدره له لأنه عجيبة من العجائب أن يكون للنملة هذا الإدراك، وأن يفهم عنها النمل فيطيع! أدرك سليمان هذا {فتبسم ضاحكاً من قولها}.. وسرعان ما هزته هذه المشاهدة، وردت قلبه إلى ربه الذي أنعم عليه بنعمة المعرفة الخارقة؛ وفتح بينه وبين تلك العوالم المحجوبة المعزولة من خلقه؛ واتجه إلى ربه في إنابة يتوسل إليه: {رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والدي}.. {رب}.. بهذا النداء القريب المباشر المتصل.. {أوزعني} اجمعني كلي. اجمع جوارحي ومشاعري ولساني وجناني وخواطري وخلجاتي، وكلماتي وعباراتي، وأعمالي وتوجهاتي. اجمعني كلي. اجمع طاقاتي كلها. أولها على آخرها على أولها (وهو المدلول اللغوي لكلمة أوزعني) لتكون كلها في شكر نعمتك عليّ وعلى والديَّ.. وهذا التعبير يشي بنعمة الله التي مست قلب سليمان ـ عليه السلام ـ في تلك اللحظة ويصور نوع تأثره، وقوة توجهه، وارتعاشة وجدانه، وهو يستشعر فضل الله الجزيل، ويتمثل يد الله عليه وعلى والديه، ويحس مس النعمة والرحمة في ارتياع وابتهال. {رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والديّ}.. {وأن أعمل صالحاً ترضاه}.. فالعمل الصالح هو كذلك فضل من الله يوفق إليه من يشكر نعمته، وسليمان الشاكر الذي يستعين ربه ليجمعه ويقفه على شكر نعمته، يستعين ربه كذلك ليوفقه إلى عمل صالح يرضاه. وهو يشعر أن العمل الصالح توفيق ونعمة أخرى من الله. {وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين}.. أدخلني برحمتك.. فهو يعلم أن الدخول في عباد الله الصالحين، رحمة من الله، تتدارك العبد فتوفقه إلى العمل الصالح، فيسلك في عداد الصالحين. يعلم هذا، فيضرع إلى ربه أن يكون من المرحومين الموفقين السالكين في هذا الرعيل. يضرع إلى ربه وهو النبي الذي أنعم الله عليه وسخر له الجن والإنس والطير. غير آمن مكر الله ـ حتى بعد أن اصطفاه. خائفاً أن يقصر به عمله، وأن يقصر به شكره.. وكذلك تكون الحساسية المرهفة بتقوى الله وخشيته والتشوق إلى رضاه ورحمته في اللحظة التي تتجلى فيها نعمته كما تجلت والنملة تقول وسليمان يدرك عنها ما تقول بتعليم الله له وفضله عليه. ونقف هنا أمام خارقتين لا خارقة واحدة. خارقة إدراك سليمان لتحذير النملة لقومها. وخارقة إدراك النملة أن هذا سليمان وجنوده. فأما الأولى فهي مما علمه الله لسليمان. وسليمان إنسان ونبي، فالأمر بالقياس إليه أقرب من الخارقة الأخرى البادية في مقالة النملة. فقد تدرك النملة أن هؤلاء خلق أكبر؛ وأنهم يحطمون النمل إذا داسوه. وقد يهرب النمل من الخطر بحكم ما أودع الله فيه من القوى الحافظة للحياة. أما أن تدرك النملة أن هذه الشخوص هي سليمان وجنوده، فتلك هي الخارقة الخاصة التي تخرج على المألوف. وتحسب في عداد الخوارق في مثل هذه الحال. والآن نأتي إلى قصة سليمان مع الهدهد وملكة سبأ وهي مقطعة إلى ستة مشاهد، بينها فجوات فنية، تدرك من المشاهد المعروضة، وتكمل جمال العرض الفني في القصة، وتتخللها تعقيبات على بعض المشاهد تحمل التوجيه الوجداني المقصود بعرضها في السورة؛ وتحقق العبرة التي من أجلها يساق القصص في القرآن الكريم. وتتناسق التعقيبات مع المشاهد والفجوات تنسيقاً بديعاً، من الناحيتين: الفنية الجمالية، والدينية الوجدانية. ولما كان افتتاح الحديث عن سليمان قد تضمن الإشارة إلى الجن والإنس والطير، كما تضمن الإشارة إلى نعمة العلم، فإن القصة تحتوي دوراً لكل من الجن والإنس والطير. ويبرز فيها دور العلم كذلك. وكأنما كانت تلك المقدمة إشارة إلى أصحاب الأدوار الرئيسية في القصة.. وهذه سمة فنية دقيقة في القصص القرآني. كذلك تتضح السمات الشخصية والمعالم المميزة لشخصيات القصة: شخصية سليمان، وشخصية الملكة، وشخصية الهدهد، وشخصية حاشية الملكة. كما تعرض الانفعالات النفسية لهذه الشخصيات في شتى مشاهد القصة ومواقفها. يبدأ المشهد الأول في مشهد العرض العسكري العام لسليمان وجنوده، بعدما أتوا على وادي النمل، وبعد مقالة النملة، وتوجه سليمان إلى ربه بالشكر والدعاء والإنابة: {وتفقد الطير فقال: ما لي لا أرى الهدهد؟ أم كان من الغائبين؟ لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه، أو ليأتيني بسلطان مبين}.. فها هو ذا الملك النبي. سليمان. في موكبه الفخم الضخم. ها هو ذا يتفقد الطير فلا يجد الهدهد. ونفهم من هذا أنه هدهد خاص، معين في نوبته في هذا العرض. وليس هدهداً ما من تلك الألوف أو الملايين التي تحويها الأرض من أمة الهداهد. كما ندرك من افتقاد سليمان لهذا الهدهد سمة من سمات شخصيته: سمة اليقظة والدقة والحزم. فهو لم يغفل عن غيبته جندي من هذا الحشر الضخم من الجن والإنس والطير، الذي يجمع آخره على أوله كي لا يتفرق وينتكث. وهو يسأل عنه في صيغة مترفعة مرنة جامعة: {ما لي لا أرى الهدهد؟ أم كان من الغائبين؟}. ويتضح أنه غائب، ويعلم الجميع من سؤال الملك عنه أنه غائب بغير إذن! وحينئذ يتعين أن يؤخذ الأمر بالحزم، كي لا تكون فوضى. فالأمر بعد سؤال الملك هذا السؤال لم يعد سراً. وإذا لم يؤخذ بالحزم كان سابقة سيئة لبقية الجند. ومن ثم نجد سليمان الملك الحازم يتهدد الجندي الغائب المخالف: {لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه}.. ولكن سليمان ليس ملكاً جباراً في الأرض، إنما هو نبي. وهو لم يسمع بعد حجة الهدهد الغائب، فلا ينبغي أن يقضي في شأنه قضاء نهائياً قبل أن يسمع منه، ويتبين عذره.. ومن ثم تبرز سمة النبي العادل: {أو ليأتيني بسلطان مبين}. أي حجة قوية توضح عذره، وتنفي المؤاخذة عنه. ويسدل الستار على هذا المشهد الأول في القصة (أو لعله كان ما يزال قائماً) ويحضر الهدهد. ومعه نبأ عظيم، بل مفاجأة ضخمة لسليمان، ولنا نحن الذين نشهد أحداث الرواية الآن! {فمكث غير بعيد فقال: أحطت بما لم تحط به، وجئتك من سبأ بنبأ يقين. إني وجدت امرأة تملكهم، وأوتيت من كل شيء، ولها عرش عظيم. وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله، وزين لهم الشيطان أعمالهم، فصدهم عن السبيل، فهم لا يهتدون ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض، ويعلم ما تخفون وما تعلنون. الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم}.. إنه يعرف حزم الملك وشدته. فهو يبدأ حديثه بمفاجأة تطغى على موضوع غيبته، وتضمن إصغاء الملك له: {أحطت بما لم تحط به، وجئتك من سبأ بنبأ يقين}.. فأي ملك لا يستمع وأحد رعاياه يقول له: {أحطت بما لم تحط به}؟! فإذا ضمن إصغاء الملك بعد هذه المفاجأة أخذ في تفصيل النبأ اليقين الذي جاء به من سبأ ـ ومملكة سبأ تقع في جنوب الجزيرة باليمن ـ فذكر أنه وجدهم تحكمهم امرأة، {أوتيت من كل شيء} وهي كناية عن عظمة ملكها وثرائها وتوافر أسباب الحضارة والقوة والمتاع. {ولها عرش عظيم}. أي سرير ملك فخم ضخم، يدل على الغنى والترف وارتقاء الصناعة. وذكر أنه وجد الملكة وقومها {يسجدون للشمس من دون الله} وهنا يعلل ضلال القوم بأن الشيطان زين لهم أعمالهم، فأضلهم، فهم لا يهتدون إلى عبادة الله العليم الخبير {الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض}. والخبء: المخبوء إجمالاً سواء أكان هو مطر السماء ونبات الأرض، أم كان هو أسرار السماوات والأرض. وهي كناية عن كل مخبوء وراء ستار الغيب في الكون العريض. {ويعلم ما تخفون وما تعلنون} وهي مقابلة للخبء في السماوات والأرض بالخبء في أطواء النفس. ما ظهر منه وما بطن. والهدهد إلى هذه اللحظة يقف موقف المذنب، الذي لم يقض الملك في أمره بعد؛ فهو يلمح في ختام النبأ الذي يقصه، إلى الله الملك القهار، رب الجميع، صاحب العرش العظيم، الذي لا تقاس إليه عروش البشر. ذلك كي يطامن الملك من عظمته الإنسانية أمام هذه العظمة الإلهية: {الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم}.. فيلمس قلب سليمان ـ في سياق التعقيب على صنع الملكة وقومها ـ بهذه الإشارة الخفية! ونجد أنفسنا أمام هدهد عجيب. صاحب إدراك وذكاء وإيمان، وبراعة في عرض النبأ، ويقظة إلى طبيعة موقفه، وتلميح وإيماء أريب.. فهو يدرك أن هذه ملكة وأن هؤلاء رعية. ويدرك أنهم يسجدون للشمس من دون الله. ويدرك أن السجود لا يكون إلا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض، وأنه هو رب العرش العظيم.. وما هكذا تدرك الهداهد. إنما هو هدهد خاص أوتي هذا الإدراك الخاص، على سبيل الخارقة التي تخالف المألوف. ولا يتسرع سليمان في تصديقه أو تكذيبه؛ ولا يستخفه النبأ العظيم الذي جاءه به. إنما يأخذ في تجربته، للتأكد من صحته. شأن النبي العادل والملك الحازم: {قال: سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين. اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم، ثم تول عنهم، فانظر ماذا يرجعون}. ولا يعلن في هذا الموقف فحوى الكتاب، فيظل ما فيه مغلقاً كالكتاب نفسه، حتى يفتح ويعلن هناك. وتعرض المفاجأة الفنية في موعدها المناسب! ويسدل الستار على هذا المشهد ليرفع فإذا الملكة وقد وصل إليها الكتاب، وهي تستشير الملأ من قومها في هذا الأمر الخطير: {قالت: يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم. إنه من سليمان، وإنه باسم الله الرحمن الرحيم. ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين}.. فهي تخبرهم أنه ألقي إليها كتاب. ومن هذا نرجح أنها لم تعلم من ألقى إليها الكتاب، ولا كيف ألقاه. ولو كانت تعرف أن الهدهد هو الذي جاء به ـ كما تقول التفاسيرـ لأعلنت هذه العجيبة التي لا تقع كل يوم. ولكنها قالت بصيغة المجهول. مما يجعلنا نرجح أنها لم تعلم كيف ألقي إليها ولا من ألقاه. وهي تصف الكتاب بأنه {كريم}. وهذا الوصف ربما خطر لها من خاتمه أو شكله. أو من محتوياته التي أعلنت عنها للملأ: {إنه من سليمان، وإنه باسم الله الرحمن الرحيم. ألا تعلو علي وأتوني مسلمين}.. وهي كانت لا تعبد الله. ولكن صيت سليمان كان ذائعاً في هذه الرقعة، ولغة الكتاب التي يحكيها القرآن فيها استعلاء وحزم وجزم. مما قد يوحي إليها بهذا الوصف الذي أعلنته. وفحوى الكتاب في غاية البساطة والقوة. فهو مبدوء باسم الله الرحمن الرحيم. ومطلوب فيه أمر واحد: ألا يستكبروا على مرسله ويستعصوا، وأن يأتوا إليه مستسلمين لله الذي يخاطبهم باسمه. ألقت الملكة إلى الملأ من قومها بفحوى الكتاب؛ ثم استأنفت الحديث تطلب مشورتهم، وتعلن إليهم أنها لن تقطع في الأمر إلا بعد هذه المشورة، برضاهم وموافقتهم: {قالت: يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون}.. وفي هذا تبدو سمة الملكة الأريبة؛ فواضح منذ اللحظة الأولى أنها أُخذت بهذا الكتاب الذي ألقي إليها من حيث لا تعلم، والذي يبدو فيه الحزم والاستعلاء. وقد نقلت هذا الأثر إلى نفوس الملأ من قومها وهي تصف الكتاب بأنه {كريم} وواضح أنها لا تريد المقاومة والخصومة، ولكنها لا تقول هذا صراحة، إنما تمهد له بذلك الوصف. ثم تطلب الرأي بعد ذلك والمشورة! وعلى عادة رجال الحاشية أبدوا استعدادهم للعمل. ولكنهم فوضوا للملكة الرأي: {قالوا: نحن أولو قوة وأولو بأس شديد. والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين}. وهنا تظهر شخصية "المرأة" من وراء شخصية الملكة. المرأة التي تكره الحروب والتدمير، والتي تنضي سلاح الحيلة والملاينة قبل أن تنضي سلاح القوة والمخاشنة: {قالت: إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون. وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون}! فهي تعرف أن من طبيعة الملوك أنهم إذا دخلوا قرية (والقرية تطلق على المدينة الكبيرة) أشاعوا فيها الفساد، وأباحوا ذمارها، وانتهكوا حرماتها، وحطموا القوة المدافعة عنها، وعلى رأسها رؤساؤها؛ وجعلوهم أذلة لأنهم عنصر المقاومة. وأن هذا هو دأبهم الذي يفعلونه. والهدية تلين القلب، وتعلن الود، وقد تفلح في دفع القتال. وهي تجربة. فإن قبلها سليمان فهو إذن أمر الدنيا، ووسائل الدنيا إذن تجدي. وإن لم يقبلها فهو إذن أمر العقيدة، الذي لا يصرفه عنه مال، ولا عرض من أعراض هذه الأرض. ويسدل الستار على المشهد، ليرفع، فإذا مشهد رسل الملكة وهديتهم أمام سليمان. وإذا سليمان ينكر عليهم اتجاههم إلى شرائه بالمال، أو تحويله عن دعوتهم إلى الإسلام. ويعلن في قوة وإصرار تهديده ووعيده الأخير. {فلما جاء سليمان قال: أتمدونن بمال؟ فما آتاني الله خير مما آتاكم. بل أنتم بهديتكم تفرحون. ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها، ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون}.. وفي الرد استهزاء بالمال، واستنكار للاتجاه إليه في مجال غير مجاله. مجال العقيدة والدعوة: {أتمدونن بمال؟} أتقدمون لي هذا العرض التافه الرخيص؟ {فما آتاني الله خير مما آتاكم} لقد آتاني من المال خيراً مما لديكم. ولقد آتاني ما هو خير من المال على الإطلاق: العلم والنبوة. وتسخير الجن والطير، فما عاد شيء من عرض الأرض يفرحني {بل أنتم بهديتكم تفرحون}. وتهشون لهذا النوع من القيم الرخيصة التي تعني أهل الأرض، الذين لا يتصلون بالله، ولا يتلقون هداياه! ثم يتبع هذا الاستنكار بالتهديد: {ارجع إليهم} بالهدية وانتظروا المصير المرهوب: {فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها} جنود لم تسخر للبشر في أي مكان، ولا طاقة للملكة وقومها بهم في نضال: {ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون} مدحورون مهزومون. ويسدل الستار على هذا المشهد العنيف وينصرف الرسل، ويدعهم السياق لا يشير إليهم بكلمة كأنما قضي الأمر، وانتهى الكلام في هذا الشأن. ثم إذا سليمان ـ عليه السلام ـ يدرك أن هذا الرد سينهي الأمر مع ملكة لا تريد العداء ـ كما يبدو من طريقتها في مقابلة رسالته القوية بهدية! ويرجح أنها ستجيب دعوته. أو يؤكد. وقد كان. ولكن السياق لا يذكر كيف عاد رسلها إليها، ولا ماذا قالوا لها، ولا ماذا اعتزمت بعدها. إنما يترك فجوة نعلم مما بعدها أنها قادمة، وأن سليمان يعرف هذا، وأنه يتذاكر مع جنوده في استحضار عرشها، الذي خلفته في بلادها محروساً مصوناً: {قال: يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين؟ قال عفريت من الجن: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك. وإني عليه لقوي أمين. قال الذي عنده علم الكتاب: أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك}.. ترى ما الذي قصد إليه سليمان ـ عليه السلام ـ من استحضار عرشها قبل مجيئها مسلمة مع قومها؟ نرجح أن هذه كانت وسيلة لعرض مظاهر القوة الخارقة التي تؤيده، لتؤثر في قلب الملكة وتقودها إلى الإيمان بالله، والإذعان لدعوته. وقد عرض عفريت من الجن أن يأتيه به قبل انقضاء جلسته هذه. وكان يجلس للحكم والقضاء من الصبح إلى الظهر فيما يروى. فاستطول سليمان هذه الفترة واستبطأها ـ فيما يبدو ـ فإذا {الذي عنده علم من الكتاب} يعرض أن يأتي به في غمضة عين قبل أن يرتد إليه طرفه، ولا يذكر اسمه، ولا الكتاب الذي عنده علم منه. إنما نفهم أنه رجل مؤمن على اتصال بالله، موهوب سراً من الله يستمد به من القوة الكبرى التي لا تقف لها الحواجز والأبعاد. وهو أمر يشاهد أحياناً على أيدي بعض المتصلين، ولم يكشف سره ولا تعليله، لأنه خارج عن مألوف البشر في حياتهم العادية. وهذا أقصى ما يقال في الدائرة المأمونة التي لا تخرج إلى عالم الأساطير والخرافات! ولقد جرى بعض المفسرين وراء قوله: {عنده علم من الكتاب} فقال بعضهم: إنه التوراة. وقال بعضهم: إنه كان يعرف اسم الله الأعظم. وقال بعضهم غير هذا وذاك. وليس فيما قيل تفسير ولا تعليل مستيقن. والأمر أيسر من هذا كله حين ننظر إليه بمنظار الواقع، فكم في هذا الكون من أسرار لا نعلمها، وكم فيه من قوى لا نستخدمها. وكم في النفس البشرية من أسرار كذلك وقوى لا نهتدي إليها. فحيثما أراد الله هدى من يريد إلى أحد هذه الأسرار وإلى واحدة من هذه القوى فجاءت الخارقة التي لا تقع في مألوف الحياة، وجرت بإذن الله وتدبيره وتسخيره، حيث لا يملك من لم يرد أن يجريها على يديه أن يجريها. وهذا الذي عنده علم من الكتاب، كانت نفسه مهيأة بسبب ما عنده من العلم، أن تتصل ببعض الأسرار والقوى الكونية التي تتم بها تلك الخارقة التي تمت على يده، لأن ما عنده من علم الكتاب وصل قلبه بربه على نحو يهيئه للتلقي، ولاستخدام ما وهبه الله من قوى وأسرار. وقد ذكر بعض المفسرين أنه هو سليمان نفسه ـ عليه السلام ـ ونحن نرجح أنه غيره. فلو كان هو لأظهره السياق باسمه. ولما أخفاه. والقصة عنه، ولا داعي لإخفاء اسمه فيها عند هذا الموقف الباهر. وبعضهم قال: إن اسمه آصف ابن برخيا ولا دليل عليه. {فلما رآه مستقراً عنده قال: هذا من فضل ربي، ليبلوني أأشكر أم أكفر؟ ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربي غني كريم}. لقد لمست هذه المفاجأة الضخمة قلب سليمان ـ عليه السلام ـ وراعه أن يحقق الله له مطالبه على هذا النحو المعجز؛ واستشعر أن النعمة ـ على هذا النحو ـ ابتلاء ضخم مخيف؛ يحتاج إلى يقظة منه ليجتازه، ويحتاج إلى عون من الله ليتقوى عليه؛ ويحتاج إلى معرفة النعمة الشعور بفضل المنعم، ليعرف الله منه هذا الشعور فيتولاه. والله غني عن شكر الشاكرين، ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، فينال من الله زيادة النعمة، وحسن المعونة على اجتياز الابتلاء. ومن كفر فإن الله {غني} عن الشكر {كريم} يعطي عن كرم لا عن ارتقاب للشكر على العطاء. وبعد هذه الانتفاضة أمام النعمة والشعور بما وراءها من الابتلاء يمضي سليمان ـ عليه السلام ـ في تهيئة المفاجآت للملكة القادمة عما قليل: {قال: نَكِّروا لها عرشها. ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون}. غيروا معالمه المميزة له، لنعرف إن كانت فراستها وفطنتها تهتدي إليه بعد هذا التنكير. أم يلبس عليها الأمر فلا تنفذ إلى معرفته من وراء هذا التغيير. ولعل هذا كان اختباراً من سليمان لذكائها وتصرفها، في أثناء مفاجأتها بعرشها. ثم إذا مشهد الملكة ساعة الحضور: {فلما جاءت قيل: أهكذا عرشك؟ قالت: كأنه هو}.. إنها مفاجأة ضخمة لا تخطر للملكة على بال. فأين عرشها في مملكتها، وعليها أقفالها وحراسها.. أين هو من بيت المقدس مقر ملك سليمان؟ وكيف جيء به؟ ومن ذا الذي جاء به؟ ولكن العرش عرشها من وراء هذا التغيير والتنكير! ترى تنفي أنه هو بناء على تلك الملابسات؟ أم تراها تقول: إنه هو بناء على ما تراه فيه من أمارات؟ وقد انتهت إلى جواب ذكي أريب: {قالت: كأنه هو} لا تنفي ولا تثبت، وتدل على فراسة وبديهة في مواجهة المفاجأة العجيبة. وهنا فجوة في السياق ـ فكأنما أخبرت بسر المفاجأة. فقالت: إنها استعدت للتسليم والإسلام من قبل. أي منذ اعتزمت القدوم على سليمان بعد رد الهدية. {وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين}.. ثم يتدخل السياق القرآني لبيان ما كان قد منعها قبل ذلك من الإيمان بالله وصدها عن الإسلام عندما جاءها كتاب سليمان؛ فقد نشأت في قوم كافرين، فصدها عن عبادة الله عبادتها من دونه من خلقه، وهي الشمس كما جاء في أول القصة: {وصدها ما كانت تعبد من دون الله. إنها كانت من قوم كافرين}.. وكان سليمان ـ عليه السلام ـ قد أعد للملكة مفاجأة أخرى، لم يكشف السياق عنها بعد، كما كشف عن المفاجأة الأولى قبل ذكر حضورها ـ وهذه طريقة أخرى في الأداء القرآني في القصة غير الطريقة الأولى: {قيل لها: ادخلي الصرح. فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها! قال: إنه صرح ممرد من قوارير! قالت: رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين}.. لقد كانت المفاجأة قصراً من البلور، أقيمت أرضيته فوق الماء، وظهر كأنه لجة. فلما قيل لها: ادخلي الصرح، حسبت أنها ستخوض تلك اللجة. فكشفت عن ساقيها؟ فلما تمت المفاجأة كشف لها سليمان عن سرها: {قال: إنه صرح ممرد من قوارير}! ووقفت الملكة مفجوءة مدهوشة أمام هذه العجائب التي تعجز البشر، وتدل على أن سليمان مسخر له قوى أكبر من طاقة البشر. فرجعت إلى الله، وناجته معترفة بظلمها لنفسها فيما سلف من عبادة غيره. معلنة إسلامها {مع سليمان} لا لسليمان. ولكن {لله رب العالمين}. لقد اهتدى قلبها واستنار. فعرفت أن الإسلام لله ليس استسلاماً لأحد من خلقه، ولو كان هو سليمان النبي الملك صاحب هذه المعجزات. إنما الإسلام إسلام لله رب العالمين. ومصاحبة للمؤمنين به والداعين إلى طريقه على سنة المساواة.. {وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين}. وسجل السياق القرآني هذه اللفتة وأبرزها، للكشف عن طبيعة الإيمان بالله، والإسلام له. فهي العزة التي ترفع المغلوبين إلى صف الغالبين. بل التي يصبح فيها الغالب والمغلوب أخوين في الله. لا غالب منهما ولا مغلوب وهما أخوان في الله. رب العالمين.. على قدم المساواة. ولقد كان كبراء قريش يستعصون على دعوة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إياهم إلى الإسلام. وفي نفوسهم الكبر أن ينقادوا إلى محمد بن عبدالله، فتكون له الرياسة عليهم والاستعلاء. فها هي ذي امرأة في التاريخ تعلمهم أن الإسلام لله يسوي بين الداعي والمدعوين. بين القائد والتابعين. فإنما يسلمون مع رسول الله لله رب العالمين!

ابن عاشور

تفسير : كما كان في قصة موسى وإرساله إلى فرعون آياتٌ عبرةٌ ومَثَل للذين جحدوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم كذلك في قصة سليمان وملكة سبأ وما رأته من آياته وإيمانها به مثَلٌ لعلم النبي صلى الله عليه وسلم وإظهارٌ لفضيلة ملكةِ سبأ إذ لم يصدها مُلكُها عن الاعتراف بآيات سليمان فآمنت به، وفي ذلك مَثَل للذين اهتدَوْا من المؤمنين. وتقديم ذكر داود ليبْنى عليه ذكر سليمان إذ كان ملكه ورثه من أبيه داود. ولأن في ذكر داود مثل لإفاضة الحكمة على من لم يكن متصدياً لها. وما كان من أهل العلم بالكتاب أيامَ كان فيهم أحبارٌ وعلماء؛ فقد كان داود راعياً غَنَم أبيه (يسِّي) في بيت لحم فأمر الله شمويل النبيءَ أن يجعل داود نبيئاً في مدة ملك طالوت (شاول). فما كان عجب في نبوءة محمد الأمي بين الأميين ليعلم المشركون أن الله أعطى الحكمة والنبوءة محمداً صلى الله عليه وسلم ولم يكن يعلم ذلك من قبلُ ولكن في قومه من يعلم ذلك كما قال تعالى: {أية : ما كنتَ تعلمُها أنتَ ولا قومُك من قبل هذا}تفسير : [هود: 49]، فهذه القصة تتصل بقوله تعالى: {أية : وإنك لَتُلَقّى القرآن من لدن حكيم عليم}تفسير : [النمل: 6]. فيصح أن تكون جملة: {ولقد آتينا داود} معطوفاً على {أية : إذ قال موسى لأهله}تفسير : [النمل: 7] إذا جعلنا (إذ) مفعولاً لفعل (اذكر) محذوف. ويصح أن تكون الواو للاستئناف فالجملة مستأنفة. ومناسبة الذكر ظاهرة. وبعدُ ففي كل قصة من قصص القرآن علم وعبرة وأسوة. وافتتاح الجملة بلام القسم وحرف التحقيق لتنزيل المخاطبين به منزلة من يتردد في ذلك لأنهم جحدوا نبوءة مثللِ داود وسليمان إذ قالوا: {أية : لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه}تفسير : [سبأ: 31]. وتنكير {علماً} للتعظيم لأنه علم بنبوءة وحكمة كقوله في صاحب موسى {أية : وعلّمناه من لدُنَّا عِلْماً}تفسير : [الكهف: 65]. وفي فعل {آتينا} ما يؤذن بأنه علم مفاض من عند الله، لأن الإيتاءَ أخصّ من {علّمناه} فلذلك استغني هنا عن كلمة (من لدنّا). وحكاية قولهما {الحمد لله الذي فضلنا} كناية عن تفضيلهما بفضائل غير العلم. ألاَ ترى إلى قوله: {على كثير من عباده المؤمنين} ومنهم أهلُ العلم وغيرهم، وتنويه بأنهما شاكران نعمته. ولأجل ذلك عطف قولهما هذا بالواو دُون الفاء لأنه ليس حمداً لمجرد الشكر على إيتاءِ العلم. والظاهر أن حكاية قوليهما وقعت بالمعنى، بأن قال كل واحد منهما: الحمد لله الذي فضلني، فلما حكي القولان جمع ضمير المتكلم، ويجوز أن يكون كل واحد شكر الله على منحه ومنحِ قريبه، على أنه يكثر استعمال ضمير المتكلم المشارَك لا لقصد التعظيم بل لإخفاء المتكلم نفسه بقدر الإمكان تواضعاً كما قال سليمان عقب هذا {أية : عُلِّمنا منطقَ الطير وأوتينا من كل شيء}تفسير : [النمل: 16]. وجعلا تفضيلهما على كثير من المؤمنين دون جميع المؤمنين؛ إمَّا لأنهما أرادا بالعباد المؤمنين كلّ مَن ثبت له هذا الوصف من الماضين وفيهم موسى وهارون، وكثير من الأفضل والمُساوي، وإمّا لأنهما اقتصدا في العبارة إذ لم يحيطا بمن ناله التفضيل، وإما لأنهما أرادا بالعباد أهلَ عصرهما فعبَّرا بــــ{كثير من عباده} تواضعاً لله. ثم إن كان قولهما هذا جهراً وهو الظاهر كان حجة عَلى أنه يجوز للعالم أن يذكر مرتبته في العلم لفوائد شرعية ترجع إلى أن يَحْذر الناس من الاغترار بمن ليست له أهلية من أهل الدعوى الكاذبة والجعجعة الجالبة، وهذا حكم يستنبط من الآية لأن شرع من قبلنا شرع لنا، وإن قالاه في سرهما لم يكن فيه هذه الحجة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: علمنا: هو علم ما لم يكن لغيرهم كمعرفة لغة الطير إلى جانب علم الشرع كالقضاء ونحوه. وقالا الحمد لله: أي شكراً له. على كثير من عباده المؤمنين: أي بالنبوة وتسخير الجن والإِنس والشياطين. وورث سليمان داوود: أي ورث أباه بعد موته في النبوة والملك والعلم دون باقي أولاده. علمنا منطق الطير: أي فهم أصوات الطير وما تقوله إذا صفرت. وأوتينا من كل شيء: أوتيه غيرنا من الأنبياء والملوك. وحشر لسليمان: أي جمع له جنوده من الجن والإِنس والطير في مسير له. فهو يوزعون: أي يساقون ويرد أولهم إلى آخرهم ليسيروا في نظام. لا يحطمنكم سليمان: أي لا يكسرنكم ويقتلنكم. وهم لا يشعرون: أي بكم. أوزعني أن أشكر: أي ألهمني ووفقني لأن أشكر نعمتك التي أنعمت علي. معنى الآيات: هذا بداية قصص داوود وسليمان عليهما السلام ذكر بعد أن أخبر تعالى أنه يلقن رسوله محمداً ويعلمه من لدنه وهو العليم الحكيم ودلل على ذلك بموجز قصة موسى عليه السلام ثم ذكر دليلاً آخر وهو قصة داوود وسليمان، فقال تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَا} أي أعطينا داوود وسليمان {عِلْماً} أي الوالد والولد علماً خاصاً كمعرفة منطق الطير وصنع الدروع وإلانة الحديد زيادة على علم الشرع والقضاء، وقوله تعالى {وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} أي شكرا ربهما بقولهما {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} أي الشكر لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين بما آتاهما من الخصائص والفواضل. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [14] وأما الآية الثانية [15] فقد أخبر تعالى فيها أنّ سليمان ورث أباه داوود وحده دون باقي أولاده وذلك في النبوة والملك، لا في الدرهم والدينار والشاة والبعير، لأن الأنبياء لا يورثون فما يتركونه هو صدقة. كما أخبر أن سليمان قال في الناس {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ} فما يصفر طير إلا علم ما يقوله في صفيره، وأوتينا من كل شيء أوتيه غيرنا من النبوة والملك والعلم والحكمة {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ} أي فضل الله تعالى البين الظاهر. وقوله تعالى {وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ} أي جمع له جنوده {مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْس وَٱلطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} هو إخبار عن مسير كان لسليمان مع جنده {فَهُمْ يُوزَعُونَ} أي جنوده توزع تساق بانتظام. بحيث لا يتقدم بعضها بعضاً فيرد دائماً أولها إلى آخرها محافظة على النظام في السير، وما زالوا سائرين كذلك حتى أتوا على واد النمل بالشام فقالت نملة من النمل {يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} قالت هذا رحمة وشفقة على بنات جنسها تعلم البشر الرحمة والشفقة والنصح لبني جنسهم لو كانوا يعلمون، واعتذرت لسليمان وجنده بقولها وهم لا يشعرون بكم وإلا لما داسوكم ومشوا عليكم حتى لا يحطمونكم. وما إن سمعها سليمان وفهم كلامها حتى تبسم ضاحكاً من قولها {وَقَالَ رَبِّ} اي يا رب {أَوْزِعْنِيۤ} ألهمني {أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ} أي ويسر لي عملاً صالحاً ترضاه مني، {وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ} اي في جملتهم في دار السلام. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب الشكر على النعم. 2- وراثة سليمان لداوود لم تكن في المال لأن الأنبياء لا يورثون وإنما كانت في النبوة والملك. 3- آية تعليم الله تعالى سليمان منطق الطير وتسخير الجن والشياطين له. 4- فضل النمل على كثير من المخلوقات ظهر في نصح النملة لأخواتها وشفقتها عليهن. ذكاء النمل وفطنته مما أضحك سليمان متعجباً منه. 6- وجوب الشكر عند مشاهدة النعمة ورؤية الفضل من الله عز وجل. 7- تقرير النبوة المحمدية إذ مثل هذا الحديث لا يتأتى له إلا بالوحي الإِلهي.

القطان

تفسير : منطِق الطير: لغته. حشر: جمع. يوزعون: يمنعون من الفوضى ويسيرون بانتظام. لا يحطمنّكم: لا يهلكنكم. أوزِعني: يسِّر لي شكر نعمتك. ذُكرت قصةُ داود في تسع سورة هي: سورة البقرة والنساء والمائدة والأنعام والإسراء والأنبياء وسورة النمل، وسبأ، وص، وورد ذكر سليمان في سبع سور هي: البقرة والنساء والأنعام والأنبياء والنمل وسبأ، وص. وجاء ذكر داود هنا فقط، وبُسطت قصةُ سليمان بتوسع في هذه السورة اكثر منها في اية سورة اخرى، وركزت على قصة سليمان مع الهدهدِ وملكةِ سبأ، ثم مشهد موكبه العظيم، وتحذير نملة لقومها من هذا الموكب، وبذلك سُميت السورة "سورة النمل" وذلك من الآية 15 الى الآية 44. ولقد اعطينا داود وسليمان عِلما، فَحَمِدا الله على ما أولاهما، وفضّلهما بذلك على كثير من المؤمنين. ويتبين لنا من الآية الكريمة فضلُ العلم وشرفه وشرف أهله، وأن الإسلام قام على العلم كما ورد في اول ما نزل منه: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ....} وفي آيات كثيرة، كقوله تعالى: {يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} سورة المجادلة. وقد آل الحكمُ والنبوة من داودَ إلى سليمان ابنه، الذي أخبرَ الناسَ تحدُّثاً بنعم الله عليه بأنه أُوتي فَهْمَ لغة الطير، وانه مُنح من جميع النعم قسطاً وافرا، وان هذا الذي آتاه الله لهو الفضل الكبير. وقد دلّت الابحاث الحديثة على ان لكل جماعةٍ من الطير طريقة خاصة تتفاهم بها الأفراد. وحشر لسليمان جنوده من الجن والانس والطير فهم يتلاحقون، حتى اذا مروا بوادٍ فيه نمل كثير قالت نملة لجماعتها: يا معشر النمل، ادخلوا مساكنكم لا يهلكنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون بكم. فسمعها سليمان فتبسم ضاحكا متعجباً من قولها، وسأل الله تعالى ان يلهمه شكره على ما انعم عليه وعلى والديه من عِلم وملك، وان يوفقه للعمل الصالح الذي يرضاه، وان يدخله في رحمته وكرمه وفضله ويجعله من جملة عباده الصالحين. وقد كتب كثير من الكتاب والباحثين عن معيشة النمل ونظامها، وما لها من عجائبَ في معيشتها وتدبير شئونها، ومثابرتها على العمل. وانها تتخذ القرى في باطن الارض، وتخزن قوتها لأيام الشتاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {آتَيْنَا} {دَاوُودَ} {َسُلَيْمَانَ} (15) - يُخبِرُ اللهُ تَعالى عَمَّا أنْعَمَ بهِ على عَبْدَيْهِ داودَ وسُليمانَ عَلَيهما السَّلامُ، مِنَ النِّعم والمواهِبِ الجَلِيلةِ، وَمَا جَمَعَ لَهُما من سَعَادةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، والمُلْكِ والنُّبوَّةِ، فحَمِدَا الله تعالى على فَضْلِهِ، وَأَثْنَيَا عليهِ بما هُوَ أهْلُهُ، لِمَا تَفَضَّلَ بهِ عليهِما من تَفْضيلِهِ إياهُما على كثيرٍ من عبادِهِ بالعِلْمِ والشريعَةِ ودِرَاسَةِ الأحْكَامِ والنُّبُوَّةِ. فقد عَلَّمَ اللهُ داودَ صَنْعَةَ الدُّرُوعِ، وعَلَّمَ سُليمانَ مَنْطِقَ الطَّيرِ، وَالحيَواناتِ، وَتَسبِيحَ الجِبَالِ، وَسَخَّر لَهُ الجِنَّ والشَّيَاطِينَ.

الثعلبي

تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} نبوّته وعلمه وملكه دون سائر أولاده، وكان لداود (عليه السلام) تسعة عشر ابناً. قال مقاتل: كان سليمان أعظم مُلْكاً من داود وأقضى منه، وكان داود أشدّ تعبّداً من سليمان (عليهما السلام). {وَقَالَ} سليمان شاكراً لنعم الله سبحانه وتعالى عليه {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ} جعل ذلك من الطير كمنطق بني آدم إذ فهمه عنها {وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ}. قال مقاتل في هذه الآية: كان سليمان (عليه السلام) جالساً إذ مرَّ به طائر يطوف فقال لجلسائه: هل تدرون ما يقول الطائر الذي مرَّ بنا؟ قالوا: أنت أعلم، فقال سليمان: إنّه قال لي: السلام عليك أيّها الملك المسلّط على بني إسرائيل، أعطاك الله سبحانه وتعالى الكرامة وأظهرك على عدوّك، إنّي منطلق الى فروخي ثم أمرّ بك الثانية، وإنّه سيرجع إلينا الثانية فانظروا إلى رجوعه. قال: فنظر القوم طويلاً إذ مرَّ بهم فقال: السلام عليك أيّها الملك إن شئت أن تأذن لي كيما أكسب على فروخي حتى يشبّوا ثم آتيك فافعل بي ما شئت، فأخبرهم سليمان بما قال وأذن له. وقال فرقد السخي: مرَّ سليمان على بلبل فوق شجرة يحرّك رأسه ويميل ذَنَبه فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول هذا البلبل؟ قالوا: الله ونبيُّه أعلم، قال: يقول: أكلتُ نصف تمرة فعَلى الدُنيا العَفا. وأخبرني الحسين بن محمد بن الحسن العَدل قال: حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شنبة وأحمد ابن جعفر بن حمدان قالا: حدّثنا الفضل بن العباس الرازي قال: حدّثنا أبو عبيد قال: حدّثنا موسى ابن إبراهيم قال: حدّثنا عباد بن إبراهيم عن الكلبي عن رجل عن كعب قال: صاحت ورشان عند سليمان بن داود (عليه السلام) فقال: أتدرون ما تقول ؟ قالوا: لا. قال: فإنّها تقول: ليت ذا الخلق لم يخلقوا. وصاح طاوُس عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما يقول ؟ قالوا: لا. قال: فإنّه يقول: مَن لا يَرحم لا يُرحَم. وصاح صرد عند سليمان فقال: أتدرون ما يقول ؟ قالوا: لا. قال: فإنّه يقول: استغفروا اللّه يا مذنبين، فمن ثَمَّ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتله. قال: فصاحت طيطوى عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما تقول ؟ قالوا: لا. قال: فإنّها تقول: كلّ حىّ ميّت، وكلّ جديد بال. وصاح خطّاف عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: فإنّه تقول: قدّموا خيراً تجدوه، فمن ثَمَّ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتله. وهدرت حمامة عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما تقول هذه الحمامة؟ قالوا: لا. قال: فإنها تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه. وصاح قُمريّ عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما يقول ؟ قالوا: لا. قال: فإنّه يقول: سبحان ربّي الأعلى، والغراب يدعو على العشّار، والحدأة تقول: كلّ شيء هالك إلاّ الله. والقطاة تقول: من سكت سلم، والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همّه، والضفدع يقول: سبحان ربّي القدّوس، والبازي يقول: سبحان ربي وبحمده، والضفدعة تقول: سبحان المذكور بكلّ مكان. وأخبرنا الحسين بن محمد قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا الفضل بن العباس بن مهران قال: حدّثنا أبو عبيد قال: حدّثنا موسى بن إبراهيم قال: أخبرنا إسماعيل عن عياش عن زرّ عن مكحول قال: صاح درّاج عند سليمان بن داود (عليه السلام) فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال فإنّه يقول: الرَّحْمن على العرش استوى. وبإسناده عن موسى بن إبراهيم قال: أخبرنا صالح الهروي عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الديك إذا صاح يقول: اذكروا الله يا غافلين ". تفسير : وروى جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جدّه عن الحسن بن علي قال: إذا صاح النسر قال: يابن آدم عش ما شئت آخرهُ الموت، وإذا صاح العقاب قال: في البعد من الناس أُنس، وإذا صاح القبّر قال: الهي العن مبغضي آل محمد، وإذا صاح الخطّاف قرأ: الحمد لله ربّ العالمين، يمدّ الضالين كما يمد للقارئ. {وَحُشِرَ} وجُمع {لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْس وَٱلطَّيْرِ} في مسير لهم {فَهُمْ يُوزَعُونَ} أي يُحبَس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا، وذلك أنّه جعل على كلّ صنف منهم وَزَعَةً ترد أُولاها على أُخراها لئلاّ يتقدّموا في المسير كما يصنع الملوك. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: يُوزعون: يدفعون. ابن زيد ومقاتل: يُساقون، السدّي: يوقفون، وأصل الوزع في كلام العرب الكفّ والمنع، ومنه الحديث: مايزع السلطان أكثر ممّا يزع القرآن ويُقال للأمر أوزعه. وفي الخبر: لا بدّ للناس من وزعة. وقال الشاعر: شعر : على حين عاتبت المشيب على الصبا وقلت ألمّا أصحُ والشيب وازع تفسير : أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد وعبيد الله بن أحمد قالا: حدّثنا أبو بكر ابن مجاهد قال: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا سنيد قال: حدّثنا حجاج عن أبي معشر عن محمد بن كعب في هذه الآية قال: بَلَغنا أنَّ سليمان (عليه السلام) كان عسكره مائة فرسخ، خمسة وعشرون منها للإنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة صريحة وسبعمائة سرية، فأمر الريح العاصف فحملته وأمر الرخاء فسرت به، فأوحي إليه وهو يسير بين السماء الأرض إنّي قد زدت في ملكك أنّه لا يتكلّم أحد من الخلائق بشيء إلاّ جاءت الريح فأخبرتك به. وقال مقاتل: نسجت الشياطين لسليمان (عليه السلام) بساطاً فرسخاً في فرسخ ذهباً في إبريسم، وكان يوضع له منبر من الذهب في وسط البساط فيقعد عليه، وحوله ثلاثة آلاف كرسي من ذهب وفضة، يقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجنّ والشياطين، وتظلّه الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط سيرة شهر من الصباح الى الرّواح ومن الرواح إلى الصباح. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك القطيعي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن أيوب قال: حدّثنا أبو بكر يعني ابن عياش عن إدريس ابن وهب بن مُنبه قال: حدّثني أبي قال: إنّ سليمان (عليه السلام) ركب البحر يوماً فمرَّ بحرّاث فنظر إليه الحرّاث فقال: لقد أُوتي آل داود مُلكاً عظيماً، فحملت الريح كلامه في أُذن سليمان فنزل حتى أتى الحرّاث فقال: إنّي سمعت قولك وإنّما مشيت إليك لأن لا تتمنى مالا تقدر عليه، لَتسبيحة واحدة يقبلها الله تعالى خير ممّا أُوتي آل داود، فقال الحرّاث: أذهب الله همّك كما أذهبت همّي. {حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ}. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا مخلد بن جعفر قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: أخبرنا أبو إلياس عن وَهب بن منبه عن كعب قال: إنَّ سليمان (عليه السلام) كان إذا ركب حمل أهله وسائر حشمه وخدمه وكتّابه تلك السقوف بعضها فوق بعض على قدر درجاتهم، وقد اتّخذ مطابخ ومخابز تحمل فيها تنانير الحديد وقدور عظام تسع في قدر عشرة جزائر، وقد اتّخذ ميادين للدوابّ أمامه، فيطبخ الطبّاخون ويخبز الخابزون وتجري الدواب بين يديه بين السماء والأرض والريح تهوي بهم. فسار بمن اصطحبه إلى اليمن، فسلك المدينة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال سليمان: هذه دار هجرة نبىّ في آخر الزمان، طوبى لمن آمن به، وطوبى لمن اتّبعه، وطوبى لمن اقتدى به، ورأى حول البيت أصناماً تُعبد من دون الله سبحانه، فلمّا جاوز سليمان البيت بكى البيت فأوحى الله سبحانه إلى البيت: ما يبكيك؟ فقال: يا ربّ أبكاني هذا نبيّ من أنبيائك وقوم من أولياءك مرّوا عليَّ، فلم يهبطوا فيَّ ولم يصلّوا عندي ولم يذكروك بحضرتي، والأصنام تعبد حولي من دونك، فأوحى الله سبحانه إليه أن لا تبك وإنّي سوف أملأك وجوهاً سجّداً، وأُنزل فيك قرآناً جديداً، وأبعث منك نبيّاً في آخر الزمان أحبّ أنبيائي إليَّ، وأجعل فيك عمّاراً من خلقي يعبدونني وأفرض على عبادي فريضة يرفّون إليك رفّة النّسور الى وكرها و يحنّون إليك حنين الناقة إلى ولدها والحمامة إلى بيضتها، وأُطهّرك من الأوثان وعبدة الشيطان. قال: ثم مضى سليمان حتى مرَّ بوادي السدير، واد من الطائف فأتى على وادي النمل فقالت نملة تمشي، وكانت عرجاء تتكاوس، وكانت مثل المذنب في العظم، فنادت النملة {قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُون} يعني أنّ سليمان يفهم مقالتها وكان لا يتكلّم خلق إلاّ حملت الريح ذلك فألقته في مسامع سليمان (عليه السلام). قال {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ} إلى قوله {فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ} يعني مع عبادك الموحّدين. وقال قتادة ومقاتل: وادي النمل بأرض الشام قال نوف الحميري: كان نمل وادي سليمان مثل الذباب. وقال الشعبي: النملة التي فقه سليمان كلامها كانت ذات جناحين. قال مقاتل: سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال. واختلفوا في اسم تلك النملة. فأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الحسني الدينوري قال: حدّثنا أبو العباس أحمد ابن محمد بن يوسف الصرصري قال: حدّثنا الهيثم بن خلف الدوري قال: حدّثنا هارون بن حاتم البزاز قال: حدّثنا إبراهيم بن الزبرقان التيمي عن أبي روق عن الضحاك قال: كان اسم النملة التي كلّمت سليمان بن داود (عليه السلام) طاحية. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة وعبيد الله قالا: حدّثنا ابن مجاهد قال: حدّثني الفضل بن الحسن قال: حدّثنا أبو محمد النعمان بن شبل الباهلي قال: حدّثنا ابن أبي روق عن أبيه قال: كان اسم نملة سليمان حرمي، وهو قول مقاتل. ورأيت في بعض الكتب أنّ سليمان لمّا سمع قول النملة قال: ائتوني بها، فأتوه بها فقال لها: لِمَ حَذّرتِ النمل ظلمي؟ أما علمتِ أنّي نبي عدل؟ فلِمَ قلتِ: لا يحطمنّكم سليمان وجنوده؟ فقالت النملة: أما سمعت قولي: وهم لا يشعرون؟ مع ما أنّي لم أُرد حطم النفوس وإنّما أردت حطم القلوب،خشيت أن يتمنّين ما أُعطيت ويشتغلن بالنظر عن التسبيح، فقال لها: عظيني، فقالت النملة: هل علمت لِمَ سمّي أبوك داودَ؟ قال: لا. قالت: لأنّه داوى جرحه فردّ. هل تدري لم سمّيت سليمان ؟ قال: لا. قالت: لأنّك سليم وكنت إلى ما أُوتيت لسلامة صدرك وإنّ لك أن تلحق بأبيك ثم قالت: أتدري لِمَ سخّر الله لك الريح؟ قال: لا. قالت: أخبَرك الله أنّ الدنيا كلّها ريح، فتبسّم سليمان ضاحكاً متعجّباً من قولها، وقال {رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ} الى آخر الآية. أخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا ابن شنبة قال: أخبرنا الحضرمي قال: حدّثنا حسن الخلاّل قال: حدّثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: حديث : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أربعة من الدواب: الهدهد والصرد والنحلة والنملة . تفسير : {وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ} أي طلبها وبحث عنها {فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ} فتح ابن كثير وعاصم والكسائي وأيوّب (لي) ههنا وفي سورة يس {أية : وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ}تفسير : [يس: 22] وأرسل حمزة الياء فيهما جميعاً، وأمّا أبو عمرو فكان يرسل الياء في هذه ويفتح في يس، وفرّق بينهما فقال: لأنّ هذه للتي في النمل استفهام والأُخرى انتفاء. {أَمْ كَانَ} قيل: الميم صلة وقيل: أم بمعنى بل كان {مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ * لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً} وكان عذابه أن ينتف ريشه وذَنَبه فيدعه ممعطاً ثم يلقيه في بيت النمل فيلدغه، وقال عبد الله بن شدّاد: نتفه وتشميسه. الضحّاك: لأشدّن رجله ولأُشمسنّه. مقاتل بن حيّان: لاطلينّه بالقطران ولأُشمسنّه. وقيل: لأُودعنّه القفص، وقيل: لأُفرّقنَّ بينه وبين إلفه، وقيل: لأمنعنه من خدمتي، وقيل: لأُبدّدنّ عليه ؟. {أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} حجة واضحة، وأما سبب تفقّده الهُدهد وسؤاله عنه من بين الطير إخلاله بالنوبة التي كان ينوبها واحتياج سليمان (عليه السلام) إلى الماء، فلم يعلم من قصره بعد الماء، وقيل له: عِلْم ذلك عند الهدهد، فتفقدّه فلم يجده فتوعّده وكانت القِصّة فيه على ما ذكره العلماء بسيرة الأنبياء دخل حديث بعضهم في بعض: إنَّ نبي الله سليمان صلى الله عليه وسلم لما فرغ من بناء بيت المقدس عزم على الخروج الى أرض الحرم، فتجهز للمسير واستصحب من الإنس والجنّ والشياطين والطيور والوحوش ما بلغ معسكره مائة فرسخ، وأمر الريح الرخاء فحملتهم، فلمّا وافى الحرم وأقام به ماشاء الله تعالى أن يقيم وكان ينحر كل يوم طول مقامه جملة خمسة آلاف ناقة ويذبح خمسة آلاف ثور وعشرين ألف شاة. وقال لمن حضره من أشراف قومه: إنَّ هذا مكان يخرج منه نبيّ عربيّ صفته كذا وكذا، يعطى النصر على جميع من ناواه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر بالقريب والبعيد عنده في الحق سواء لا تأخذه في الله لومة لائم. قالوا: فبأي دين ندين يا نبي الله؟ قال: بدين الحنيفية فطوبى لمن أدركه وآمن به وصدقه. قالوا: وكم بيننا وبين خروجه يا نبي الله؟ قال: زهاء ألف عام فليبلغ الشاهد منكم الغائب فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل وإن إسمه محمد في زمر الأنبياء. قال: فأقام بمكة حتى قضى نسكه ثم أحب أن [يسعى] إلى أرض اليمن فخرج من مكة صباحاً وسار نحو اليمن يوم نجم سهيل فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر فرأى أرضاً وأزهر خضرتها وأحب النزول بها ليصلي ويتغدى فطلبوا الماء فلم يجدوا وكان الهدهد دليله على الماء، كان يرى الماء من تحت الأرض كما يرى أحدكم كأسه بيده فينقر الأرض فيعرف موضع الماء وبُعده ثم يجيء الشياطين فيسلخونه كما يسلخ الإهاب ثم يستخرجون الماء. قال سعيد بن جبير: ذكر ابن عباس هذا الحديث، فقال له نافع بن الأزرق: فرأيت قولك الهدهد ينقر الأرض فيبصر الماء، كيف يبصر هذا ولا يبصر]حبتي القمح] فيقع في عنقه؟. فقال له ابن عباس: ويحك إن القدر إذا جاء حال دون البصر. وروى قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: "حديث : لا تقتلوا الهدهد فإنه كان دليل سليمان على قرب الماء وبعده، وأحب أن يعبد الله في الأرض حيث يقول {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً} " الآية . تفسير : قالوا: فلما نزل سليمان قال الهدهد: إن سليمان قد إشتغل بالنزول فارتفع نحو السماء فانظر إلى طول الدنيا وعرضها، ففعل ذلك فنظر يميناً وشمالا فرأى بستاناً فمال إلى الخضرة فوقع فيه فإذا هو بهدهد فهبط عليه، وكان إسم هدهد سليمان بن داود عليه السلام: يعفور، وإسم هدهد اليمن عنفر فقال عنفر ليعفور سليمان: من أين أقبلت؟ وأين تريد؟ قال: أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود عليه السلام. فقال الهدهد: ومن سليمان بن داود؟ قال: ملك الجن والإنس والشياطين والطير الوحوش والريح فمن أين أنت؟ فقال: أنا من هذه البلاد. قال: ومن ملكها؟ قال: إمرأة يقال لها: بلقيس، وإن لصاحبكم سليمان مُلكاً عظيماً ولكن ليس ملك بلقيس دونه، فإنها ملكت الشمس كلها وتحت يديها إثنا عشر ألف قائد، تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل. فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها؟ قال: أخاف أن يتفقدني سليمان وقت الصلاة إذا أحتاج إلى الماء. قال الهدهد اليماني: إن صاحبك ليسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة. فإنطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها وما رجع إلى سليمان إلاّ وقت العصر. قال: فلما نزل سليمان ودخل عليه وقت الصلاة طلب الهدهد وذلك أنه نزل على غير ماء فسأل الإنس عن الماء فقالوا: ما نعلم ههنا ماء. فسأل الجن والشياطين فلم يعلموا فتفقد الهدهد ففقده قال ابن عباس: في بعض الروايات: وتعب] من تفحّصِه إلى] الشمس سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خال فدعا عريف الطير وهو النسر فسأله عن الهدهد فقال: أصلح الله الملك ما أدري أين هو وما أرسلته مكاناً، فغضب عند ذلك سليمان عليه السلام وقال {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ}. روى عكرمة عن ابن عباس قال: كل سلطان في القرآن فهو حجة. قالوا: ثم دعا بالعقاب سيد الطير فقال: عليَّ بالهدهد الساعة. فرفع العقاب نفسه دون السماء حتى استقرَّ بالهواء فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم ثم التفت يميناً وشمالا فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن فانقض العقاب نحوه يريده، فلما رأى الهدهد ذلك عَلم أن العقاب يقصده بسوء فناشده فقال: بحق الله الذي قواك فأقدرك عليَّ إلاّ رحمتني ولم تتعرض لي بسوء. قال: فولَّ عنه العقاب وقال له: ويلك ثكلتك أمك إن نبي الله قد حلف أن يعذبك أو يذبحك، ثم طارا متوجهين نحو سليمان فلما إنتهى إلى العسكر تلقاه النسر والطير فقالوا له: ويلك أين غبت في نومك هذا، فلقد توعدك نبي الله وأخبرّوه بما قال. فقال الهدهد: أوما استثنى رسول الله؟ قالوا: بلى، قال: أو ليأتيني بعذر بيّن. ثم طار العقاب والهدهد حتى أتيا سليمان وكان قاعداً على كرسيه. فقال العقاب: قد أتيتك به يا نبي الله. فلما قرب الهدهد منه رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض؛ تواضعاً لسليمان، فلمّا دنا منه أخذ برأسه فمدّه إليه وقال له: أين كنت؟ لأُعذّبنك عذاباً شديداً، فقال له الهدهد: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله سبحانه، فلمّا سمع ذلك سليمان ارتعد وعفا عنه. أخبرني الحسن بن محمد الثقفي قال: حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدّثنا محمد ابن إبراهيم بن أبي الرجال ببغداد قال: حدّثنا إبراهيم بن بسطام عن أبي قتيبة عن الحسن بن أبي جعفر الجعفري عن الزبير بن حريث عن عكرمة قال: إنّما صرف سليمان (عليه السلام) عن ذبح الهدهد لبرّه بوالديه. قالوا: ثم سأله فقال: ما الذي أبطا بك عنّي؟ فقال الهدهد: ما أخبَر الله في قوله {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ} قراءة العامّة بضم الكاف، وقرأ عاصِم ويعقوب وأبو حاتم بفتحه وهما لغتان مشهورتان. {فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} علمتُ ما لم تعلم {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ} قرأ الحسن وأبو عمرو وابن أبي إسحاق وحميد وابن كثير في رواية البزي من سَبأ ولسبأ مفتوحة الهمزتين غير مصروفة، ردّوها الى القبيلة، وهي اختيار أبي عُبيد، وقرأ الباقون بالجرّ، جعلوه اسم رجل وبه نطق الخبر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن سبأ فقال: كان رجلاً له عشرة من البنين يتيامن من ستة ويتشاءم من أربعة، وسنذكر أسماءهم وقصتهم في سورة سبأ إن شاء الله عزّ وجل، وقال الشاعر: شعر : الواردون وتيم في ذرى سبا قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس تفسير : {بِنَبَإٍ} بخبر {يَقِينٍ} لا شكَّ فيه. قال وهب: قال الهدهد: إنّي أدركت ملكاً لم يبلغه مُلكك. {إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ} واسمها بلقيس بنت الشيرح، وهو الهدهَاد وقيل: شراحيل ابن ذي حدن بن اليشرج بن الحرث بن قيس بن صفى بن سبأ بن يشخب بن يعرب بن قحطان، وكان أبو بلقيس الذي يسمّى اليشرج ويلقّب بالهدهاد ملكاً عظيم الشأن قد ولد له أربعون ملكاً، وكان يملك أرض اليمن كلّها وكان يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفواً لي، فأبى أن يتزوّج فيهم فزوّجوه امرأة من الجنّ يُقال لها ريحانة بنت السكن، فولدت له تلمقة وهي بلقيس ولم يكن له وَلد غيرها. ويصدّق هذا ما أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن بشر قال: حدّثنا محمد بن حريم بن مروان قال: حدّثنا هشام بن عّمار قال: حدّثنا الوليد بن مسلم عن سعيد بن بشير عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشر بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "حديث : كان أحد أبوَي بلقيس جنّياً . تفسير : قالوا: فلمّا مات أبو بلقيس ولم يخلّف ولداً غيرها طمعت في الملك وطلبت من قومها أن يبايعوها فأطاعها قوم وعصاها آخرون، فاختاروا عليها رجلاً فملّكوه عليهم، وافترقوا فرقتين كلّ فرقة منها استولت بملكها على طرف من أرض اليمن. ثمّ إنّ هذا الرجل الذي ملّكوه أساء السيرة في أهل مملكته حتى كان يمّد يده إلى حرم رعيّته ويفجر، بهن وأراد أصحابه أن يخلعوه فلم يقدروا عليه، فلمّا رأت بلقيس ذلك أدركتها الغيرة فأرسلت إليه تعرض نفسها عليه، فأجابها الملك: والله ما منعني أن ابتديك بالخطبة إلاّ اليأس منك فقالت: لا أرغب عنك فإنك كفؤ كريم، فاجمع رجال قومي واخطبني إليهم فجمعهم وخطبها إليهم، فقالوا: لا نراها تفعل هذا، فقال لهم: إنّما هي ابتدأتني فأنا أحبّ أن تسمعوا قولها وتشهدوا عليها، فلّما جاؤوها وذكروا لها ذلك قالت: نعم أحببت الولد ولم أزل، كنت أرغب عن هذا فالساعة قد رضيتُ به فزوّجُوها منهُ، فلمّا زُفّت إليه خرجت في ناس كثير من خدمها وحشمها حتى غصّت منازله دوره بهم، فلمّا جاءته سقته الخمر حتى سكر ثم حزّت رأسه وانصرفت من الليل الى منزلها، فلمّا أصبح الناس رأوا الملك قتيلاً ورأسه منصوباً على باب دارها، فعلموا أنّ تلك المناكحة كانت مكراً وخديعة منها فاجتمعوا إليها وقالوا لها: أنتِ بهذا الملك أحقّ من غيرك، فقالت: لولا العار والشنار ما قتلته ولكن عمَّ فساده وأخذتني الحميّة حتى فعلت ما فعلت فملّكوها واستتبّ أمرها». أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن خديجة قال: حدّثنا ابن أبي الليث ببغداد قال: حدّثنا أبو كريب قال: حدّثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن أبي بكرة قال: ذكرت بلقيس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يفلح قوم وَلّوا أمرهم امرأة ". تفسير : {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} يحتاج إليه الملوك من الآلة والعدّة. {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} سرير ضخم حسن، وكان مقدّمه من ذهب مفصّص بالياقوت الأحمر والزمرد الأخضر، ومؤخّره من فضّة مكلّل بألوان الجواهر وله أربع قوائم: قائمة من ياقوت أحمر وقائمة من زمرّد، وقائمة من ياقوت أخضر، وقائمة من درّ، وصفائح السرير من ذهب، وعليه سبعة أبواب كلّ بيت باب مغلق. وقال ابن عباس: كان عرش بلقيس ثلاثين ذراعاً في ثلاثين ذراعاً، وطوله في الهواء ثلاثون ذراعاً. وقال مقاتل: كان ثمانين ذراعاً في ثلاثين ذراعاً وطوله في الهواء ثمانون ذراعاً مُكلّل بالجوَهر. {وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ * أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ} قرأ أبو عبد الرَّحْمن البلخي والحسن وأبو جعفر وحميد والأعرج والكسائي ويعقوب برواية رويس "ألا اسجدوا" بالتخفيف على معنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا، وجعلوه أمراً من الله سبحانه مستأنفاً، وحذفوا هؤلاء بدلالة فاعلهما،وذكر بعضهم سماعاً من العرب: ألا يا أرحمونا، ألا يا تصدّقوا علينا، يريدون ألا يا قوم كقول الأخطل: شعر : ألا يا سلمى يا هند،هند بني بدر وإن كان حيانا عدى آخر الدهر تفسير : فعلى هذه القراءة «اسجدوا» في موضع جزم على الأمر والوقف عليه ألا، ثمّ يبتدي اسجدوا. قال الفرّاء: حدّثني الكسائي عن عيسى الهمذاني قال: ما كنت أسمع المشيخة يقرؤونها إلاّ بالتخفيف على نيّة الأمر، وهي في قراءة عبد الله: هلاّ تسجدوا لله، بالتاء، وفي قراءة أُبي ألا يسجُدون لله، فهاتان القراءتان حجة لمن خفّف، وقرأ الباقون: ألاّ يسجدوا بالتشديد بمعنى وزين لهم الشيطان اعمالهم لئلاّ يسجدوا لله فأنْ موضع نصب ويسجدوا نصب بأن، واختار أبو عبيد هذه القراءة وقال: للتخفيف وجه حسن إلاّ أنّ فيه انقطاع الخبر عن أمر سبأ وقومها، ثم يرجع بعد إلى ذكرهم، والقراءة بالتشديد خبر يتّبع بعضه بعضاً لا انقطاع في وسطه، والوقف على هذه ألا ثمَّ يبتدي يسجِدُوا كما يصل {ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ} الخفيّ المخبوّ {فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} يعني غيب السموات والأرض. وقال أكثر المفسّرين: خبءَ السماء المطر، وخبءَ الأرض النبات، وفي قراءة عبد الله: خرجُ الخبء من السموات، ومن وفي يتعاقبان، يقول العرب: لاستخرجنّ العلم فيكم، يريد منكم، قاله الفرّاء. {وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} قراءة العامة بالياء فيهما، وقرأ الكسائي بالتاء وهي رواية حفص عن عاصم. {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ} الذي كل عرش وإنْ عظم فدونه، لا يشبهه عرش ملكة سبأ ولا غيره قال ابن إسحاق وابن زيد: من قوله {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} الى قوله {{ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ} كلّه كلام الهُدهد.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وتسأل: لقد أعطى الله داود وسليمان - عليهما السلام - نِعَماً كثيرة غير العلم، أَلاَن لداود الحديد، وأعطى سليمان مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وسخَّر له الريح والجن، وعلَّمه منطق الطير .. إلخ ومع ذلك لم يمتنّ عليهما إلا بالعلم وهو منهج الدين؟ قالوا: لأن العلم هو النعمة الحقيقية التي يجب أن يفرح بها المؤمن، لا الملْك ولا المال، ولا الدنيا كلها، فلم يُعتد بشيء من هذا كله؛ لذلك حمد الله على أن آتاه الله العلم؛ لأنه النعمة التي يحتاج إليها كل الخَلْق، أما المُلْك أو الجاه أو تسخير الكون لخدمته، فيمكن للإنسان الاستغناء عنها. والإمام علي - كرم الله وجهه - حينما نُفِى أبو ذر؛ لأنه كان يتكلم عن المال وخطره والأبنية ومسائل الدنيا، فَنَفَوْه إلى الربذة حتى لا يثير فتنة، لكنه قبل أن يذهب مرَّ بالإمام علي كي يتوسط له ليعفوا عنه، لكن الإمام علياً - رضي الله عنه - أراد ألاَّ يتدخل في هذه المسألة حتى لا يقال: إن علياً سلَّط أبا ذر على معارضة أهل الدنيا ومهاجمتهم، فقال له: يا أبا ذر إنك قد غضبتَ لله فارْجُ مَنْ غضبتَ له، فإن القوم خافوك على دُنْياهم ومُلكهم، وخِفْتهم أنت على دينك فاهرب بما خِفْتَهم عليه - يعني: اهرب بدينك - واترك ما خافوك عليه، فما أحوجهم إلى ما منعتهم، وما أغناك عَمَّا منعوك. هكذا أزال الإمام هذه الإشكال، وأظهر أهمية العلم ومنهج الله بحيث لا يستغني عنه المسلم بحال من الأحوال، ولا يعيش بدونه، وبه ينال حياة أخرى رفيعة باقية، في حين يستطيع الإنسان أن يعيش بدون المال وبدون الملك. ولذلك يبعث خليفة المسلمين إلى سيدنا جعفر الصادق: يا ابن بنت محمد صلى الله عليه وسلم ما لك لا تغشانا كما يغشانا الناس؟ أي: تأتينا وتجالسنا وتسمر معنا، فقال: ليس عندي من الدنيا ما أخافك عليه - يعني: ليس عندي مال تصادره - وليس عندك من الآخرة ما أرجوك له. وهذا نفس المنطق الذي تكلم به الإمام علي. وقوله تعالى: {وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [النمل: 15] فالحمد هنا على نعمة العلم وحِفْظ منهج الله، وفي الآية مظهر من مظاهر أدب النبوة، حيث قالا {فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [النمل: 15] فكأن هناك مَنْ هم أفضل مِنّا، وليس التفضيل حَجْراً علينا، وهذا من تواضعهما عليهما السلام. ثم يقول الحق سبحانه: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَ} من سعة جودنا، وعموم فيضنا وفضلنا {لَقَدْ آتَيْنَا} وأعطينا {دَاوُودَ وَ} إبنه {سُلَيْمَانَ عِلْماً} متعلقاً بالحكم والأحكام، وعموم تدبيرات الأنام، وضبط أحوالهم وأوضاعهم المتداولة بينهم من الإنصاف والانتصاف وإقامة الحدود، وسد الثغور وغيرها من الأمور المتعلقة بضبط المملكة. {وَقَالاَ} بعدما آرادا أن يشكرا الله، ويؤديا حقوق نعمه الجليلة، ومنحه الفائضة الجزيلة: {ٱلْحَمْدُ} والمنة، والثناء التام الناشىء من عموم الألسنة، وجميع الجوارح الممنونة من نعمه، المغمورة بموائد لطفه وكرمه {لِلَّهِ} الواحد الأحد الصمد، المستحق لعموم المحامد والأثنية الصادرة من ذرائر الأكوان طوعاً {ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [النمل: 15] له، الموحدين بذاته، المصدقين لأنبيائه ورسله وكتبه، وخصصنا من بينهم بمزيد الكرامة المتعلقة برئاسة الدارين، وسيادة النشأتين، وحكومة الثقلين، والحكمة المتقنة المتعلقة بمرتبتي الناسوت واللاهوت، وحضرة الرحموت والجبروت. {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} يعني: بعدما انقرض داوود استخلف عنه سليمان عليه السلام، وورث من نبوته وحكمته وحكومته، وسخر له جميع ما سخر لداوود مع زيادات خلال عنه أبوه عليه السلام، وهو تسخير الجن والريح ومنطق الطيق، فإنها ما تيسر لأبيه {وَ} بعدما تمكن سليمان عليه السلام على مقر الحكومة والنبوة {قَالَ} يوماً للملأ الجالسين حوله تنويهاً وتشهيراً لنعم الله على نفسه: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا} بلسان الوحي وترجمانه {مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا} من فضل الله علينا {مِن كُلِّ شَيْءٍ} أي: كثير من الأشياء ما لم يُؤت مثله أحدٌ من العالمين {إِنَّ هَـٰذَا} الإعطاء والتخصيص والتفضل {لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ} [النمل: 16] الظاهر اللائح فضله على كل أحد، والملك العظيم الذي لم يؤتَ أحدٌ من الأنبياء. {وَ} اذكر يا أكمل الرسل يوم {حُشِرَ} وجمع {لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْس وَٱلطَّيْرِ} وكان معسكره مسيرة مائة فرسخ، خمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش، تمشي كلُّ طائفة منهم مع بني نوعه صافين مستوين، وإن تسابق بعضهم على بعض {فَهُمْ} حينئذٍ {يُوزَعُونَ} [النمل: 17] ويحبسون؛ حتى يتلاحقوا ويتساوى صفوفهم، وكان سليمان عليه السلام يأمر الريح فترفعه فوق رءوسهم مشرفاً عليهم، فتسير معه رخاءً. ومن كمال فضل الله عليه أنه ما تكلم أحد منهم بكلام إلا حملته الريح وألقته في سمعه، فبينا هو يسير مع عسكره هكذا رآه، وجنده حراث، فقال مستغرباً: والله لقد أوتي آل داوود ملكاً عظيماً، فمشى سليمان عليه السلام إليه، فقال له: إنما مشيت إليك؛ لأوصيك ألاَّ تتمنى ما لا تقدر عليه، ثمَّ قال: والله لتسبيحة واحدة يتقبلها الله خير مما أوتي آل داوود. وكان عليه السلام مع جنوده على الوجه الذي ذكر {حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ} هو وادٍ بالشام كثير النمل؛ لذلك سميت به {قَالَتْ نَمْلَةٌ} بعدما رأت سواد العسكر، و أشعرت بعبورهم على الوادي منادية لإخوانها، صائحة عليهم، صارخة: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ} الضعيف النحيف {ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ} مسرعين متحرزين، ولا تقفوا في الصحراء حتى {لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ} ولا يطأنكم {وَهُمْ} بحوافر خيولهم {سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ} وإن كانوا من أرباب البر والتقوى، محترزين عن أمثال هذا الظلم الصريح إلاَّ أنهم {لاَ يَشْعُرُونَ} [النمل: 18] بكم؛ لصغركم وحقارتكم فيطئوكم بلا شعور وإدراك. وبعدما سمع سليمان عليه السلام من النملة ما سمع {فَتَبَسَّمَ} تبسماً ظاهراً إلى أن صار {ضَاحِكاً} متعجباً {مِّن قَوْلِهَا} المشتمل على أنواع التدابير والخيرات من حسن المعاشرة مع الجيران، وآداب المصاحبة مع الإخوان، والتحذير عن مظان المهالك والمتالف قبل الوقوع فيها وغير ذلك. {وَ} بعدما اطلع سليمان على قولها وغرضها توجه نحو الحق عادّاً على نفسه جلائل نعم الله وآلائه، حيث {قَالَ} حينئذٍ مناجياً إليه سبحانه: {رَبِّ} يا من رباني بأنواع الخيرات والكرامات التي ما أعطاها أحداً من خلقه {أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ} ووفقني على أن أؤدي حقوقها على الوجه الذي ينبغي ويليق بشأنك وشأنها، ولا يتأتى مني هذا إلا بتوفيقك وتيسيرك، وفقني على إتمامها وتكميلها. {وَ} يسير علي {أَنْ أَعْمَلَ} في مدة حياتي عملاً {صَالِحاً تَرْضَاهُ} أي: مقبولاً عندك، مرضياً لك {وَ} بعدما توفيتني {أَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ} وسعة فضلك وجودك {فِي} زمرة {عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ} [النمل: 19] المرضيين عندك، المقبولين دونك، وعندني من عدادهم، واحشرني من زمرتهم، إنك على ما تشاء قدير، وبرجاء المؤملين جدير.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن إعداد من لم يفسد الاستعداد بقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً} [النمل: 15] والإشارة في تحقيق الآيات بقوله {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً} [النمل: 15] يشير إلى داود الروح وسليمان القلب وعلمهم إلهام الرباني وعلم الأسماء الذي علمه الله آدم عليه السلام والعلم اللدني لكم هو أهله {وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [النمل: 15] أي: على الأعضاء والجوارح المستعملة في العبودية، وفيه إشارة إلى تفضيل خواص الإنسان على خواص الملك حيث قال: {أية : وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} تفسير : [الإسراء: 70] أراد بالكثير الجميع كما أراد بقوله: {فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [النمل: 15] أي: على جميع من عباده المؤمنين لأنه لا ريب في أن فضيلة الأنبياء على جميع المؤمنين لا على بعضهم، وإذا كان الكثير بمعنى الجميع يتناول الملائكة وغيرهم. وبقوله: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} [النمل: 16] يشير إلى أن سليمان القلب يرث من داود الروح، فإن كل وارد وإلهام وإشارة ووحي وفيض رباني يصدر من الحضرة الإلهية يكون عبوره على داود الروح ومن كان لطافته يعبر عنه فيصل إلى سليمان القلب؛ لأن القلب بصفائه يقبله وبكثافته وصلابته يحفظه، فلهذا شرف القلب على الروح ولذلك كان سليمان أقضى من داود وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا واصبة استفت قلبك" تفسير : ولم يقل استفت روحك. {وَقَالَ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} [النمل: 16] يخاطب النفوس الناسية {عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ} أي: الخواطر الملائكية والروحانية {وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ} من الاستعداد الفطري، وأسباب السلوك وما يحتاج إليه في الوصول إلى الحضرة {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ} الذي قال تعالى: {أية : ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} تفسير : [الحديد: 21] {وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنِّ} [النمل: 17] أي: صفة الشيطانية {وَٱلإِنْس} أي صفة النفسانية، {وَٱلطَّيْرِ} أي: صفة الملكية {فَهُمْ يُوزَعُونَ} عن طبيعتهم بالشريعة ليسخروا لسليمان القلب وينقادوا له {حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ} [النمل: 18] وهو هدى النفس الحريصة على الدنيا وشهواتها {قَالَتْ نَمْلَةٌ} [النمل: 18] وهي النفس اللوامة. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ} [النمل: 18] أي: الصفات النفسانية {ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ} [النمل: 18] محالكم المختلفة وهي الحواس الخمس {لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ} [النمل: 18] لا تهلكنكم {سُلَيْمَانُ} [النمل: 18] القلب {وَجُنُودُهُ} [النمل: 18] المسخرة له {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [النمل: 18] لأنهم الحق وأنتم الباطل، فإذا جاء الحق وزهق الباطل كما أن الشمس إذا طلعت تبطل الظلمة وتنفيها وهي لا تشعر بحال الظلمة وما أصابها، وقد أكرم الله سليمان القلب بكرامة على المنطق وفهم كل ناطق من عالم الروحانية والنفسانية.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ } إلى آخر القصة. يذكر في هذا القرآن وينوه بمنته على داود وسليمان ابنه بالعلم الواسع الكثير بدليل التنكير كما قال تعالى: {أية : وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا } تفسير : الآية. { وَقَالا } شاكرين لربهما منته الكبرى بتعليمهما: { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ } فحمدا الله على جعلهما من المؤمنين أهل السعادة وأنهما كانا من خواصهم. ولا شك أن المؤمنين أربع درجات: الصالحون، ثم فوقهم الشهداء، ثم فوقهم الصديقون ثم فوقهم الأنبياء، وداود وسليمان من خواص الرسل وإن كانوا دون درجة أولي العزم [الخمسة]، لكنهم من جملة الرسل الفضلاء الكرام الذين نوه الله بذكرهم ومدحهم في كتابه مدحا عظيما فحمدوا الله على بلوغ هذه المنزلة، وهذا عنوان سعادة العبد أن يكون شاكرا لله على نعمه الدينية والدنيوية وأن يرى جميع النعم من ربه، فلا يفخر بها ولا يعجب بها بل يرى أنها تستحق عليه شكرا كثيرا، فلما مدحهما مشتركين خص سليمان بما خصه به لكون الله أعطاه ملكا عظيما وصار له من الماجريات ما لم يكن لأبيه صلى الله عليهما وسلم فقال: { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ }. أي: ورث علمه ونبوته فانضم علم أبيه إلى علمه، فلعله تعلم من أبيه ما عنده من العلم مع ما كان عليه من العلم وقت أبيه كما تقدم من قوله ففهمناها سليمان، وقال شكرا لله وتبجحا بإحسانه وتحدثا بنعمته: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ } فكان عليه الصلاة [والسلام] يفقه ما تقول وتتكلم به كما راجع الهدهد وراجعه، وكما فهم قول النملة للنمل كما يأتي وهذا لم يكن لأحد غير سليمان عليه الصلاة والسلام. { وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ } أي: أعطانا الله من النعم ومن أسباب الملك ومن السلطنة والقهر ما لم يؤته أحدا من الآدميين، ولهذا دعا ربه فقال: {أية : وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي } تفسير : فسخر الله له الشياطين يعملون له كل ما شاء من الأعمال التي يعجز عنها غيرهم، وسخر له الريح غدوها شهر ورواحها شهر. { إِنَّ هَذَا } الذي أعطانا الله وفضلنا واختصنا به { لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ } الواضح الجلي فاعترف أكمل اعتراف بنعمة الله تعالى. { وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ } أي: جمع له جنوده الكثيرة الهائلة المتنوعة من بني آدم، ومن الجن والشياطين ومن الطيور فهم يوزعون يدبرون ويرد أولهم على آخرهم، وينظمون غاية التنظيم في سيرهم ونزولهم وحلهم وترحالهم قد استعد لذلك وأعد له عدته. وكل هذه الجنود مؤتمرة بأمره لا تقدر على عصيانه ولا تتمرد عنه، قال تعالى: {أية : هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ } تفسير : أي: أعط بغير حساب، فسار بهذه الجنود الضخمة في بعض أسفاره. { حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ } منبهة لرفقتها وبني جنسها: { يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } فنصحت هذه النملة وأسمعت النمل إما بنفسها ويكون الله قد أعطى النمل أسماعا خارقة للعادة، لأن التنبيه للنمل الذي قد ملأ الوادي بصوت نملة واحدة من أعجب العجائب. وإما بأنها أخبرت من حولها من النمل ثم سرى الخبر من بعضهن لبعض حتى بلغ الجميع وأمرتهن بالحذر، والطريق في ذلك وهو دخول مساكنهن. وعرفت حالة سليمان وجنوده وعظمة سلطانه، واعتذرت عنهم أنهم إن حطموكم فليس عن قصد منهم ولا شعور، فسمع سليمان عليه الصلاة والسلام قولها وفهمه. { فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا } إعجابا منه بفصاحتها ونصحها وحسن تعبيرها. وهذا حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الأدب الكامل، والتعجب في موضعه وأن لا يبلغ بهم الضحك إلا إلى التبسم، كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم جل ضحكه التبسم، فإن القهقهة تدل على خفة العقل وسوء الأدب. وعدم التبسم والعجب مما يتعجب منه، يدل على شراسة الخلق والجبروت. والرسل منزهون عن ذلك. وقال شاكرا لله الذي أوصله إلى هذه الحال: { رَبِّ أَوْزِعْنِي } أي: ألهمني ووفقني { أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ } فإن النعمة على الوالدين نعمة على الولد. فسأل ربه التوفيق للقيام بشكر نعمته الدينية والدنيوية عليه وعلى والديه، { وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ } أي: ووفقني أن أعمل صالحا ترضاه لكونه موافقا لأمرك مخلصا فيه سالما من المفسدات والمنقصات، { وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ } التي منها الجنة { فِي } جملة { عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ } فإن الرحمة مجعولة للصالحين على اختلاف درجاتهم ومنازلهم. فهذا نموذج ذكره الله من حالة سليمان عند سماعه خطاب النملة ونداءها. ثم ذكر نموذجا آخر من مخاطبته للطير فقال: { وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ } دل هذا على كمال عزمه وحزمه وحسن تنظيمه لجنوده وتدبيره بنفسه للأمور الصغار والكبار، حتى إنه لم يهمل هذا الأمر وهو تفقد الطيور والنظر: هل هي موجودة كلها أم مفقود منها شيء؟ وهذا هو المعنى للآية. ولم يصنع شيئا من قال: إنه تفقد الطير لينظر أين الهدهد منها ليدله على بعد الماء وقربه، كما زعموا عن الهدهد أنه يبصر الماء تحت الأرض الكثيفة، فإن هذا القول لا يدل عليه دليل بل الدليل العقلي واللفظي دال على بطلانه، أما العقلي فإنه قد عرف بالعادة والتجارب والمشاهدات أن هذه الحيوانات كلها، ليس منها شيء يبصر هذا البصر الخارق للعادة، ينظر الماء تحت الأرض الكثيفة، ولو كان كذلك لذكره الله لأنه من أكبر الآيات. وأما الدليل اللفظي فلو أريد هذا المعنى لقال: " وطلب الهدهد لينظر له الماء فلما فقده قال ما قال " أو " فتش عن الهدهد " أو: " بحث عنه " ونحو ذلك من العبارات، وإنما تفقد الطير لينظر الحاضر منها والغائب ولزومها للمراكز والمواضع التي عينها لها. وأيضا فإن سليمان عليه السلام لا يحتاج ولا يضطر إلى الماء بحيث يحتاج لهندسة الهدهد، فإن عنده من الشياطين والعفاريت ما يحفرون له الماء، ولو بلغ في العمق ما بلغ. وسخر الله له الريح غدوها شهر ورواحها شهر، فكيف -مع ذلك- يحتاج إلى الهدهد؟!! وهذه التفاسير التي توجد وتشتهر بها أقوال لا يعرف غيرها، تنقل هذه الأقوال عن بني إسرائيل مجردة ويغفل الناقل عن مناقضتها للمعاني الصحيحة وتطبيقها على الأقوال، ثم لا تزال تتناقل وينقلها المتأخر مسلما للمتقدم حتى يظن أنها الحق، فيقع من الأقوال الردية في التفاسير ما يقع، واللبيب الفطن يعرف أن هذا القرآن الكريم العربي المبين الذي خاطب الله به الخلق كلهم عالمهم وجاهلهم وأمرهم بالتفكر في معانيه، وتطبيقها على ألفاظه العربية المعروفة المعاني التي لا تجهلها العرب العرباء، وإذا وجد أقوالا منقولة عن غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ردها إلى هذا الأصل، فإن وافقته قبلها لكون اللفظ دالا عليها، وإن خالفته لفظا ومعنى أو لفظا أو معنى ردها وجزم ببطلانها، لأن عنده أصلا معلوما مناقضا لها وهو ما يعرفه من معنى الكلام ودلالته. والشاهد أن تفقد سليمان عليه السلام للطير، وفقده الهدهد يدل على كمال حزمه وتدبيره للملك بنفسه وكمال فطنته حتى فقد هذا الطائر الصغير { فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ } أي: هل عدم رؤيتي إياه لقلة فطنتي به لكونه خفيا بين هذه الأمم الكثيرة؟ أم على بابها بأن كان غائبا من غير إذني ولا أمري؟. فحينئذ تغيظ عليه وتوعده فقال: { لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا } دون القتل، { أَوْ لأذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ } أي: حجة واضحة على تخلفه، وهذا من كمال ورعه وإنصافه أنه لم يقسم على مجرد عقوبته بالعذاب أو القتل لأن ذلك لا يكون إلا من ذنب، وغيبته قد تحتمل أنها لعذر واضح فلذلك استثناه لورعه وفطنته. { فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ } ثم جاء وهذا يدل على هيبة جنوده منه وشدة ائتمارهم لأمره، حتى إن هذا الهدهد الذي خلفه العذر الواضح لم يقدر على التخلف زمنا كثيرا، { فَقَالَ } لسليمان: { أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ } أي: عندي العلم علم ما أحطت به على علمك الواسع وعلى درجتك فيه، { وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ } القبيلة المعروفة في اليمن { بِنَبَإٍ يَقِينٍ } أي: خبر متيقن. ثم فسر هذا النبأ فقال: { إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ } أي: تملك قبيلة سبأ وهي امرأة { وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ } يؤتاه الملوك من الأموال والسلاح والجنود والحصون والقلاع ونحو ذلك. { وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ } أي: كرسي ملكها الذي تجلس عليه عرش هائل، وعظم العروش تدل على عظمة المملكة وقوة السلطان وكثرة رجال الشورى. { وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ } أي: هم مشركون يعبدون الشمس. { وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ } فرأوا ما عليه هو الحق، { فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ } لأن الذي يرى أن الذي عليه حق لا مطمع في هدايته حتى تتغير عقيدته. ثم قال: { أَلا } أي: هلا { يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي: يعلم الخفي الخبيء في أقطار السماوات وأنحاء الأرض، من صغار المخلوقات وبذور النباتات وخفايا الصدور، ويخرج خبء الأرض والسماء بإنزال المطر وإنبات النباتات، ويخرج خبء الأرض عند النفخ في الصور وإخراج الأموات من الأرض ليجازيهم بأعمالهم { وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ }. { اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ } أي: لا تنبغي العبادة والإنابة والذل والحب إلا له لأنه المألوه لما له من الصفات الكاملة والنعم الموجبة لذلك. { رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } الذي هو سقف المخلوقات ووسع الأرض والسماوات، فهذا الملك عظيم السلطان كبير الشأن هو الذي يذل له ويخضع ويسجد له ويركع، فسلم الهدهد حين ألقى إليه هذا النبأ العظيم وتعجب سليمان كيف خفي عليه. وقال مثبتا لكمال عقله ورزانته { سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا } وسيأتي نصه { فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ } أي استأخر غير بعيد { فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ } إليك وما يتراجعون به فذهب به فألقاه عليها فقالت لقومها { إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ } أي جليل المقدار من أكبر ملوك الأرض. ثم بينت مضمونه فقالت { إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } أي: لا تكونوا فوقي بل اخضعوا تحت سلطاني، وانقادوا لأوامري وأقبلوا إلي مسلمين. وهذا في غاية الوجازة مع البيان التام فإنه تضمن نهيهم عن العلو عليه، والبقاء على حالهم التي هم عليها والانقياد لأمره والدخول تحت طاعته، ومجيئهم إليه ودعوتهم إلى الإسلام، وفيه استحباب ابتداء الكتب بالبسملة كاملة وتقديم الاسم في أول عنوان الكتاب، فمن حزمها وعقلها أن جمعت كبار دولتها ورجال مملكتها وقالت: { يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي }. أي: أخبروني ماذا نجيبه به؟ وهل ندخل تحت طاعته وننقاد؟ أم ماذا نفعل؟ { مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ } أي: ما كنت مستبدة بأمر دون رأيكم ومشورتكم. { قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ } أي: إن رددت عليه قوله ولم تدخلي في طاعته فإنا أقوياء على القتال، فكأنهم مالوا إلى هذا الرأي الذي لو تم لكان فيه دمارهم، ولكنهم أيضا لم يستقروا عليه بل قالوا: { وَالأمْرُ إِلَيْكَ } أي: الرأي ما رأيت لعلمهم بعقلها وحزمها ونصحها لهم { فَانْظُرِي } نظر فكر وتدبر { مَاذَا تَأْمُرِينَ }. فقالت لهم -مقنعة لهم عن رأيهم ومبينة سوء مغبة القتال- { إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا } قتلا وأسرا ونهبا لأموالها، وتخريبا لديارها، { وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً } أي: جعلوا الرؤساء السادة أشراف الناس من الأذلين، أي: فهذا رأي غير سديد، وأيضا فلست بمطيعة له قبل الاختبار وإرسال من يكشف عن أحواله ويتدبرها، وحينئذ نكون على بصيرة من أمرنا. فقالت: { وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ } منه. هل يستمر على رأيه [ ص 605 ] وقوله؟ أم تخدعه الهدية وتتبدل فكرته وكيف أحواله وجنوده؟ فأرسلت له هدية مع رسل من عقلاء قومها وذوي الرأي: منهم. { فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ } أي: جاءه الرسل بالهدية { قَالَ } منكرا عليهم ومتغيظا على عدم إجابتهم: { أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ } فليست تقع عندي موقعا ولا أفرح بها قد أغناني الله عنها وأكثر علي النعم، { بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ } لحبكم للدنيا وقلة ما بأيديكم بالنسبة لما أعطاني الله. ثم أوصى الرسول من غير كتاب لما رأى من عقله وأنه سينقل كلامه على وجهه فقال: { ارْجِعْ إِلَيْهِمْ } أي: بهديتك { فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ } أي: لا طاقة لهم { بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ } فرجع إليهم وأبلغهم ما قال سليمان وتجهزوا للمسير إلى سليمان، وعلم سليمان أنهم لا بد أن يسيروا إليه فقال لمن حضره من الجن والإنس: { أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } أي: لأجل أن نتصرف فيه قبل أن يسلموا فتكون أموالهم محترمة، { قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ } والعفريت: هو القوي النشيط جدا: { أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ } والظاهر أن سليمان إذ ذاك في الشام فيكون بينه وبين سبأ نحو مسيرة أربعة أشهر شهران ذهابا وشهران إيابا، ومع ذلك يقول هذا العفريت: أنا التزم بالمجيء به على كبره وثقله، وبعده قبل أن تقوم من مجلسك الذي أنت فيه. والمعتاد من المجالس الطويلة أن تكون معظم الضحى نحو ثلث يوم هذا نهاية المعتاد، وقد يكون دون ذلك أو أكثر، وهذا الملك العظيم الذي عند آحاد رعيته هذه القوة والقدرة وأبلغ من ذلك أن { قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ } قال المفسرون: هو رجل عالم صالح عند سليمان يقال له: " آصف بن برخيا " كان يعرف اسم الله الأعظم الذي إذا دعا الله به أجاب وإذا سأل به أعطى. { أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } بأن يدعو الله بذلك الاسم فيحضر حالا وأنه دعا الله فحضر. فالله أعلم [هل هذا المراد أم أن عنده علما من الكتاب يقتدر به على جلب البعيد وتحصيل الشديد] { فَلَمَّا رَآهُ } سليمان { مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ } حمد الله تعالى على إقداره وملكه وتيسير الأمور له و { قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ } أي: ليختبرني بذلك. فلم يغتر عليه السلام بملكه وسلطانه وقدرته كما هو دأب الملوك الجاهلين، بل علم أن ذلك اختبار من ربه فخاف أن لا يقوم بشكر هذه النعمة، ثم بين أن هذا الشكر لا ينتفع الله به وإنما يرجع نفعه إلى صاحبه فقال: { وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ } غني عن أعماله كريم كثير الخير يعم به الشاكر والكافر، إلا أن شكر نعمه داع للمزيد منها وكفرها داع لزوالها، ثم قال لمن عنده: { نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا } أي: غيروه بزيادة ونقص، ونحو ذلك { نَنْظُرْ } مختبرين لعقلها { أَتَهْتَدِي } للصواب ويكون عندها ذكاء وفطنة تليق بملكها { أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ }. { فَلَمَّا جَاءَتْ } قادمة على سليمان عرض عليها عرشها وكان عهدها به قد خلفته في بلدها، و { قِيلَ } لها { أَهَكَذَا عَرْشُكِ } أي: أنه استقر عندنا أن لك عرشا عظيما فهل هو كهذا العرش الذي أحضرناه لك؟ { قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ } وهذا من ذكائها وفطنتها لم تقل " هو " لوجود التغيير فيه والتنكير ولم تنف أنه هو، لأنها عرفته، فأتت بلفظ محتمل للأمرين صادق على الحالين، فقال سليمان متعجبا من هدايتها وعقلها وشاكرا لله أن أعطاه أعظم منها: { وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا } أي: الهداية والعقل والحزم من قبل هذه الملكة، { وَكُنَّا مُسْلِمِينَ } وهي الهداية النافعة الأصلية. ويحتمل أن هذا من قول ملكة سبأ: " وأوتينا العلم عن ملك سليمان وسلطانه وزيادة اقتداره من قبل هذه الحالة التي رأينا فيها قدرته على إحضار العرش من المسافة البعيدة فأذعنا له وجئنا مسلمين له خاضعين لسلطانه ". قال الله تعالى: { وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ } أي: عن الإسلام، وإلا فلها من الذكاء والفطنة ما به تعرف الحق من الباطل ولكن العقائد الباطلة تذهب بصيرة القلب { إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ } فاستمرت على دينهم، وانفراد الواحد عن أهل الدين والعادة المستمرة بأمر يراه بعقله من ضلالهم وخطئهم من أندر ما يكون فلهذا لا يستغرب بقاؤها على الكفر، ثم إن سليمان أراد أن ترى من سلطانه ما يبهر العقول فأمرها أن تدخل الصرح وهي المجلس المرتفع المتسع وكان مجلسا من قوارير تجري تحته الأنهار. فـ { قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً } ماء لأن القوارير شفافة، يرى الماء الذي تحتها كأنه بذاته يجري ليس دونه شيء، { وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا } للخياضة وهذا أيضا من عقلها وأدبها، فإنها لم تمتنع من الدخول للمحل الذي أمرت بدخوله لعلمها أنها لم تستدع إلا للإكرام وأن ملك سليمان وتنظيمه قد بناه على الحكمة ولم يكن في قلبها أدنى شك من حالة السوء بعد ما رأت ما رأت. فلما استعدت للخوض قيل لها: { إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ } أي: مملس { مِنْ قَوَارِيرَ } فلا حاجة منك لكشف الساقين. فحينئذ لما وصلت إلى سليمان وشاهدت ما شاهدت وعلمت نبوته ورسالته تابت ورجعت عن كفرها و { قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }. فهذا ما قصه الله علينا من قصة ملكة سبأ وما جرى لها مع سليمان، وما عدا ذلك من الفروع المولدة والقصص الإسرائيلية فإنه لا يتعلق بالتفسير لكلام الله وهو من الأمور التي يقف الجزم بها، على الدليل المعلوم عن المعصوم، والمنقولات في هذا الباب كلها أو أكثرها ليس كذلك، فالحزم كل الحزم، الإعراض عنها وعدم إدخالها في التفاسير. والله أعلم.