٢٧ - ٱلنَّمْل
27 - An-Naml (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
16
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَوَرِثَ سُلَيْمَٰنُ دَاوُودَ } النبوّة والعلم دون باقي أولاده {وَقَالَ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ } أي فهم أصواته {وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَىْءٍ } تؤتاه الأنبياء والملوك {إِنَّ هَذَا } المؤتى {لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ } البيِّن الظاهر.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَوَرِثَ سُلَيْمانُ} نبوة داود وملكه، أو سخر له الشياطين والرياح، أو استخلفه في حياته على بني إسرائيل فسمي ذلك وراثة، وكان لداود تسعة عشر ابناً.
النسفي
تفسير : {وورث سليمان داود} ورث منه النبوة والملك دون سائر بنيه وكانوا تسعة عشر قالوا: أوتي النبوة مثل أبيه فكأنه ورثه وإلا فالنبوة لا تورث {وقال يا أيّها النّاس علّمنا منطق الطّير} تشهيراً لنعمة الله تعالى واعترافاً بمكانها ودعاء للناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير. والمنطق كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير المفيد، وكان سليمان عليه السلام يفهم منها كما يفهم بعضها من بعض. روي أنه صاحب فاختة فأخبر أنها تقول: ليت ذا الخلق لم يخلقوا، وصاح طاوس فقال: يقول: كما تدين تدان، وصاح هدهد فقال: يقول: استغفروا الله يا مذنبين، وصاح خطاف فقال: يقول: قدموا خيراً تجدوه. وصاحت رحمة فقال: تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه. وصاح قمري فأخبر أنه يقول: سبحان ربي الأعلى. وقال: الحدأة تقول كل شيء هالك إلا الله. والقطاة تقول من سكت سلم. والديك يقول: اذكروا الله ياغافلين والنسر يقول: يابن آدم عش ما شئت آخرك الموت. والعقاب يقول: في البعد من الناس أنس. والضفدع يقول: سبحان ربي القدوس {وأوتينا من كلّ شيءٍ} المراد به كثرة ما أوتي كما تقول فلان يعلم كل شيء ومثله {وأوتيت من كل شيء} {إنّ هذا لهو الفضل المبين} قوله وارد على سبيل الشكر كقوله عليه السلام: «حديث : أنا سيد ولد آدم ولا فخر» تفسير : أي أقول هذا القول شكراً ولا أقوله فخراً، والنون في {علمنا} و{أوتينا} نون الواحد المطاع وكان ملكاً مطاعاً فكلم أهل طاعته على الحال التي كان عليها وليس التكبر من لوازم ذلك.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وورث سليمان داود} قال: ورثه نبوته، وملكه، وعلمه. وأما قوله تعالى: {وقال يا أيها الناس} . وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي قال: الناس عندنا: أهل العلم. وأما قوله تعالى: {علمنا منطق الطير} . وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود قال: كنت عند عمر بن الخطاب فدخل علينا كعب الحبر فقال: يا أمير المؤمنين ألا أخبرك بأغرب شيء قرأت في كتب الأنبياء: إن هامة جاءت إلى سليمان فقالت: السلام عليك يا نبي الله، فقال: وعليك السلام يا هام، أخبريني كيف لا تأكلين الزرع؟ فقالت: يا نبي الله لأن آدم عصى ربه في سببه لذلك لا آكله، قال: فكيف لا تشربين الماء؟ قالت: يا نبي الله لأن الله أغرق بالماء قوم نوح من أجل ذلك تركت شربه، قال: فكيف تركت العمران وأسكنت الخراب؟ قالت: لأن الخراب ميراث الله، وأنا أسكن في ميراث الله وقد ذكر الله ذلك في كتابه فقال {أية : وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها}تفسير : [القصص: 58] إلى قوله {أية : وكنا نحن الوارثين}تفسير : [القصص: 58]. وأخرج ابن أبي شيبه وأحمد في الزهد وابن أبي حاتم عن أبي الصديق الناجي قال: خرج سليمان بن داود يستسقي بالناس، فمر بنملة مستلقية على قفاها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن رزقك، فاما أن تسقينا، وإما أن تهلكنا فقال سليمان للناس: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء قال: كان داود يقضي بين البهائم يوماً وبين الناس يوماً، فجاءت بقرة فوضعت قرنها في حلقة الباب ثم تنغمت كما تنغم الوالدة على ولدها، وقالت: كنت شابة كانوا ينتجوني ويستعملوني، ثم إني كبرت فأرادوا أن يذبحوني، فقال داود: أحسنوا إليها ولا تذبحوها ثم قرأ {علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء} . وأخرج الحاكم في المستدرك عن جعفر بن محمد قال: أعطي سليمان ملك مشارق الأرض ومغاربها، فملك سليمان سبعمائة سنة وستة أشهر. ملك أهل الدنيا كلهم من الجن، والإِنس، والدواب، والطير، والسباع، وأعطي كل شيء ومنطق كل شيء، وفي زمانه صنعت الصنائع المعجبة. حتى إذا أراد الله أن يقبضه إليه أوحى إليه: أن استودع علم الله وحكمته أخاه. وولد داود كانوا أربعمائة وثمانين رجلاً أنبياء بلا رسالة. قال الذهبي: هذا باطل. وأخرج الحاكم عن محمد بن كعب قال: بلغنا أن سليمان كان عسكره مائة فرسخ: خمسة وعشرون منها للإِنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب. فيها ثلثمائة صريحة، وسبعمائة سرية، وأمر الريح العاصف فرفعته، فأمر الريح فسارت به. فأوحى الله إليه: إني زدتك في ملكك أن لا يتكلم أحد بشيء إلا جاءت الريح فأخبرتك. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر عن وهب بن منبه قال: مر سليمان بن داود وهو في ملكه قد حملته الريح على رجل حراث من بني إسرائيل، فلما رآه قال - سبحان الله - لقد أوتي آل داود ملكاً. فحملتها الريح، فوضعتها في أذنه، فقال: ائتوني بالرجل، فأتي به فقال: ماذا قلت؟ فأخبره فقال سليمان: إني خشيت عليك الفتنة. لثواب سبحان الله عند الله يوم القيامة أعظم مما أوتي آل داود فقال الحراث: أذهب الله همك كما أذهبت همي قال: وكان سليمان رجلاً أبيض، جسيماً، أشقر، غزاء، لا يسمع بملك إلا أتاه فقاتله فدوخه، يأمر الشياطين فيجعلون له داراً من قوارير، فيحمل ما يريد من آلة الحرب فيها، ثم يأمر العاصف فتحمله من الأرض، ثم يأمر الرخاء فتقدمه حيث شاء. وأخرج ابن المنذر عن يحيى بن كثير قال: قال سليمان بن داود لبني إسرائيل: ألا أريكم بعض ملكي اليوم قالوا: بلى يا نبي الله قال: يا ريح ارفعينا. فرفعتهم الريح فجعلتهم بين السماء والأرض، ثم قال: يا طير أظلينا. فأظلتهم الطير بأجنحتها لا يرون الشمس. قال: يا بني إسرائيل أي ملك ترون؟ قالوا: نرى ملكاً عظيماً قال: قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير؛ خير من ملكي هذا، ومن الدنيا وما فيها. يا بني إسرائيل من خشي الله في السر والعلانية، وقصد في الغنى والفقر، وعدل في الغضب والرضا، وذكر الله على كل حال، فقد أعطي مثل ما أعطيت.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} [الآية: 16]. قال أبو بكر بن طاهر: ورث سليمان من أبيه داود العلم وكذلك كانت وراثة الأنبياء. وقال ابن عطاء رحمه الله: ورث منه صدق الالتجاء الى ربه وتهرقة نفسه فى جميع الأحوال. قوله تعالى: {عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ} [الآية: 16]. سمعت أبا عثمان المغربى يقول: من صدق مع الله فى أحواله فهم عنه كل شىء، وفهم عن كل شىء فيكون له فى أصوات الطير وصرير الأبواب علمًا يعلمه وبيانًا يبينه. قال محمد بن حامد العارف: يرى فضل الله عليه فى جميع الأحوال ولا يرى لنفسه ذلك سببًا ألا ترى الله يقول حاكيًا عن سليمان، ورؤية الفضل عن نفسه فى قوله {عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ}.
القشيري
تفسير : ورث أباه في النبوة، وورثه في أن أقامه مقامه. قوله: {عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ}: وكان ذلك معجزةً له، أظهرها لقومه ليعلموا بها صِدْقَ إخباره عن نبوته. ومَنْ كان صاحبَ بصيرةٍ وحضور قلب بالله يشهد الأشياءَ كلّها بالله ومن الله. ويكون مُكَاشَفاً بها من حيث التفهيم، فكأنه يسمع من كل شيءٍ تعريفاتِ الحقِّ - سبحانه - للعبد مما لا نهاية له، وذلك موجودٌ فيهم مَحْكِيٌّ عنهم. وكما أنَّ ضربَ الطّبْلِ مثلاً دليلٌ يُعْرَفُ - بالمواضعة - عند سماعه وقتُ الرحيلِ والنزولِ فالحقُّ - سبحانه - يخصُّ أهلَ الحضورِ بفنون التعريفاتِ، من سماعِ الأصواتِ وشهودِ أحوال المرئيات في اختلافها، كما قيل: شعر : إذا المرءُ كانت له فِكرةٌ ففي كل شيءٍ له عِبْرَةً
اسماعيل حقي
تفسير : {وورث سليمان داود} اى صار اليه العلم والنبوة والملك بعد موت أبيه دون سائر اولاده فسمى ميراثا تجوزا لان حقيقة الميراث فى المال والانبياء انما يرثون الكمالات النفسانية ولا قدر للمال عندهم حديث : قال عليه السلام لعلى رضى الله عنه "انت اخى ووارثى" قال وما ارثك قال "ماورث الانبياء قبلى كتاب الله وسنتى"تفسير : ، وسأل بعض الاقطاب ربه ان يعطى مقامه لولده فقال له الحق فى سره مقام الخلافة لايكون بالوراثة انما ذلك فى العلوم او الاموال والمريد الصادق يرث من شيخه علوم الحقائق بعد كونه مستعدا لها فتصير تلك الحقائق مقاماته لذلك قال عليه السلام "حديث : العلماء ورثة الانبياء " تفسير : وفى التأويلات النجمية يشير الى ان سليمان القلب يرث داود الروح فان كل وارد والهام واشارة ووحى وفيض ربانى يصدر من الحضرة الالهية يكون عبوره على الروح ومن كمال لطافته يعبر عنه فيصل الى القلب لان القلب بصفاته يقبله وبكثافته وصلابته يحفظه فلهذا شرف القلب على الروح ولذلك قال سليمان اقضى من داود وقال عليه السلام "حديث : ياوابصة استفت قلبك"تفسير : ولم يقل استفت روحك. قال الكاشفى [كويند داودرا نوزده بسر بودند هريك داعيه ملك داشتند حق سبحانه وتعالى نامه مهر كرده از آسمان فرستاد ودرو جند مسئله يادكردوفرمودكه هركه ازاولادتو اين مسائل را جواب دهد بعد از تووارث ملك باشد داود فرزندانرا جمع كرد واحبار واشراف را حاضر كردانيده ومسئلها بر فرزندان عرض كردكه بكوييدكه. نزديكترين جيزها كدامست. ودورترين اشياجيست. وآنكه انس بدو بيشترست كدامست. وآنكه وحشت افزايد جيست. وكدامند دوقائم. ودو مختلف. ودو دشمن. وكدام كارست كه آخرآن ستوده است. وكدام امرست كه عاقبت آن نكوهيده است اولاد حضرت داود از جواب آن عاجز آمدند سليمان فرمودكه اكراجازت باشد من جواب دهم داود ويرادستورى داد سليمان كفت. اقرب اشيا بآدمى موتست. وابعد اشيا آنجه ميكذردازدينا. وآنكه انس بدو بيشرست جسد انسانست باروح. واوحش اشيا بدن خالى از روح. اما قائمان ارض وسما اند. ومختلفان ليل ونهار. ومتباغضان موت وحيات. وكاريكه آخرش محموداست حلم در وقت خشم. وكارى كه عاقبتش مذموم است حدت دروقت غضب وجون جواب مسائل موافق كتاب منزل بود اكابر بنى اسرائيل بفضل وكمال سليمان معترف شدند وداود ملك را بدو تسليم كرد وديكر روزوفات كرد وسليمان برتخت نشت] {وقال} تشهيرا لنعمة الله تعالى ودعاء للناس الى التصديق بذكر المعجزات الباهرة التى اوتيها اى لافخرا وتكبرا. قال البقلى ان سليمان عليه السلام اخبر الخلق بما وهبه الله لان المتمكن اذا بلغ درجة التمكين يجوز له ان يخبر الخلق بما عنده من موهبة الله لزيادة ايمان المؤمنين وللحجة على المنكرين قال تعالى {أية : واما بنعمة ربك فحدث}تفسير : {يا ايها الناس علمنا منطق الطير} النون نون الواحد المطاع على عادة الملوك فانهم متكلمون مثل ذلك رعاية لقاعدة السياسة لاتكبرا وتجبرا وكذا فى أوتينا. وقال بعضهم علمنا اى انا وابى وهذا ينافى اختصاص سليمان بفهم منطق الطير على ماهو المشهور والمنطق والنطق فى التعارف كل لفظ يعبر به عما فى الضمير مفردا او مركبا وقد يطلق على كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير المفيد يقال نطقت الحمامة اذا صوتت. قال الامام الراغب النطق فى التعارف الاصوات المقطعة التى يظهرها اللسان وتعيها الآذان ولا يكاد يقال الا للانسان ولا يقال لغيره الا على سبيل التبع نحو الناطق والصامت فيراد بالناطق ماله صوت بالصامت ما لاصوت له ولا يقال للحيوانات ناطق الا مقيدا او على طريق التشبيه وسميت اصوات الطير منطقا اعتبارا بسليمان الذى كان يفهمه فمن فهم من شىء معنى فذلك الشىء بالاضافة اليه ناطق وان كان صامتا وبالاضافة الى من لا يفهم عنه صامت وان كان ناطقا والطير جمع طائر كركب وراكب وهو كل ذى جناح يسج فى الهواء ويجرى وكان سليمان يعرف نطق الحيوان غير الطير ايضا كما يجيىء من قصة النمل لكنه ادرج هذا فى قوله {واوتينا من كل شىء} وخص منطق الطير لشرف الطير على سائر الحيوان. ومعنى الآية علمنا فهم مايقوله كل طائر اذا صوت: وبالفارسية [اى مردمان آموخته شديم ماكفتار مرغانرا كه ايشان جه ميكويند] وكل صنف من اصناف الطير يتفاهم اصواته: يعنى [هر جماعتى را از طيوز آوازيست كه جزنوع انسان ازان فهم معانى واغراض نكند] والذى علمه سليمان من مطنق الطير هو مايفهمه بعضه من بعض من اغراضه. قال فى انسان ا لعيون وهذا فى طائر لم يفصح العبارة والا فقد سمع من بعض الطيور الافصاح بالعبارة فنوع من الغربان يفصح بقوله الله حق. وعن بعضهم قال شاهدت غرابا يقرأ سورة السجدة واذا وصل محل السجود سجد وقال سجد لك سوادى وآمن بك فؤادى. والدرة تنطق بالعبارة الفصيحة وقد وقع لى انى دخلت منزلا لبعض اصحابنا وفيه درة لم ارها فاذا هى تقول مرحبا بالشيخ البكرى وتكرر ذلك وعجبت من فصاحة عبارتها انتهى ـ حكى ـ ان رجلا خرج من بغداد ومعه اربعمائة درهم لايملك غيرها فوجد فى طريقه افراخ زريات وهو ابو زريق فاشتراها بالمبلغ الذى كان معه ثم رجع الى بغداد فلما اصبح فتح دكانه وعلق الافراخ عليها فهبت ريح باردة فماتت كلها الا فرخا واحدا كان اضعفها واصغرها فايقن الرجل بالفقر فلم يزل يبتهل الى الله تعالى بالدعاء ليله كله ياغياث المستغيثين اغثنى فلما اصبح زال البرد وجعل ذلك الفرخ ينفش ريشه ويصيح بصوت فصيح ياغياث المستغيثين اغثنى فاجتمع الناس عليه يسمعون صوته فاجتازت امة لامير المؤمنين فشرته منه بالف درهم كذا فى حياة الحيوان. قال الامام الدميرى ابو زريق هو القنق وهو طائر على قدر اليمامة واهل الشام يسمونه زريق وهو الوف للناس فيه قبول للتعليم وسرعة ادراك لما تعلم ـ ويحكى ـ ان سليمان عليه السلام مر على بلبل فى شجرة يتصوت ويترقض اى يحرك رأسه ويميل ذنبه فقال لاصحابه أتدرون مايقول فقالوا الله علم ونبيه قال يقول اذا اكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء اى التراب والدروس وبالفارسية [خاك برسر دنيا] ولعله كان صوت البلبل عن شبع وفراغ بال. وصاحت فاختة فاخبر انها تقول ليت ذا الخلق لم يخلقوا ولعله كان صياحها عن مقاساة شدة وتألم قلب. وصاح طاوس فقال يقول كما تديشن تدان. وصاح هدهد فقال يقول استغفروا الله يا مذنبون. وهكذا صاح الصرد فمن ثمة نهى رسول الله عن قتله وهو طائر فوق العصفور وغيرها لأن له صفيرا مختلفا يصفر لكل طائر يريد صيده بلغته فيدعوه الى القرب منه فاذا قرب منه قصمه من ساعته واكله. وفى بعض الروايات يقول الهدهد من لايرحم لايرحم وقد يجمع بينه وبين ماتقدم بانه يجوز ان يقول تارة هذا واخرى ما تقدم. وصاح طيطوى فقال يقول كل حى ميت وكل جديد بال ونسبه فى كشف الاسرار ال الطوطى. وصاح خطاف فقال يقول قدموا خير تجدوه وفى الكشف اذا صاح الخطاف قرأ الحمد لله رب العالمين ويمد الضالين كما يمدها القارىء وهو بضم الخاء المعجمة كرمان جمعه خطاطيف وسمىى زوار الهند وهو من الطيور القواطع الى الناس يقطع البلاد البعيدة اليهم رغبة فى القرب منهم وهذا الطائر يعرف عند الناس بعصفور الجنة لانه زهد عما فى ايديهم من الاقوات فاحبوه لانه انما يتقوت من البعوض والذباب. وصاح القمرىّ فقال يقول سبحان ربى الاعلى. وصاح رخمة او حمامة فاخبر انها تقول سبحان ربى الاعلى ملء سمائه وارضه والرخمة طائر اصم ابكم لايسمع ولا يتكلم ولذلك قالوا ان اطول الطير اعمارا الرخم فالسلامة والبركة فى العمر فى حفظ اللسان. وقال الحدأة تقول كل شىء هالك الا الله وهو بالفارسية [زغن وغليواج] قال خسرو دهلوى شعر : بهر اين مردار جندت كاه زارى كاه زو جون غليواجى كه شش مه ماده وشش مه نرست تفسير : والقطاة تقول من سكت سلم وهى طائر معروف قدر اليمام ويشبهه سميت بحكاية صوتها لانها تقول قطاقطا قال ابن ظفر القطا طائر يترك فراخه ثم يطلب الماء من مسيرة عشرة ايام واكثر فيرده فيما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس ثم يرجع فلا يخطىء لاصادرا ولا واردا اى ذهابا وايابا ولذا يضرب به المثل فيقول "اهدى من قطاة". والببغا يقول ويل لمن كانت الدنيا همه والمراد به الطوطى وهو طائر اخضر. قال الكاشفى[وباز ميكويد سبحان ربى العظيم وبحمده]. قال فى حياة الحيوان البازى لا تكون الا انثى وذكرها من نوع آخر الخدأة والشاهين ولهذا اختلفت اشكالها وهو من اشد الحيوان تكبرا واضيقها خلقها [وهزار دستان ميكويد] سبحان الخالق الدائم والديك يقول اذكرو الله ياغفلون شعر : دلابرخبز وطاعت كن كه طاعت به زهر كارست سعادت آن كسى داردكه وقت صبح بيدارست خروسان در سحر كويند قم ياايها الغافل توازمستى نمى دانى كسى داندكه هشيارست تفسير : وكان له عليه السلام ديك ابيض وفى الحديث "حديث : الديك الابيض صديقى وصديق صديقى وعدو عدوى"تفسير : كما فى الوسيط وهو يصيح عند رؤية الملك كما ان الحمار ينهق عند رؤية الشيطان. والنسر يقول ياابن آدم عش ماشئت آخرك الموت وفى هذا مناسبة لما خص النسر به من طول العمر يقال انه يعمر الف سنة وهو اشد الطير طيرانا واقواها جناحا حتى انه يطير مابين المشرق والمغرب فى يوم واحد وليس فى سباع الطير اكبر جثة منه وهو عريف الطير كما فى حياة الحيوان. والعقاب يقول فى البعد عن الناس انس. والضفدع يقول سبحان ربى القدوس او سبحان المعبود فى لجج البحار ـ وحكى ـ ان نبى الله داود عليه السلام ظن فى نفسه ان احدا لم يمدح خالقه بافضل مما مدحه فانزل الله عليه ملكا وهو قاعد فى محرابه والبركة الى جنبه فقال ياداود افهم ماتصوت به الضفادع فأنصت اليها فاذا هى تقول سبحانك وبحمدك منتهى عملك فقال له الملك كيف ترى قال والذى جعلنى نبيا انى لم امدحه بهذا. وعن انس رضى الله عنه لا تقتلوا الضفادع فانها مرت بنار ابراهيم عليه السلام فحملت فى افواهها الماء وكانت ترشه على النار. ونهى النبى عليه السلام عن قتل خمسة النملة والنحلة والضفدع والصرد والهدهد. ويقول الورشان لدوا للموت وابنوا للخراب وهذه لام العاقبة قيل الورشان طائر يتولد بين الفاختة والحمامة ويوصف بالحنو على اولاده حتى انه ربما قتل نفسه اذا وجدها فى يد القابض. ويقول الدراج الرحمن على العرش استوى. ويقول القنبر اللهم العن مبغضى محمد وآل محمد. ويقول الحمار اللهم العن العشار واسند هذا الى الغراب فى بعض الروايات. ويقول الفرس اذا التقى الصفان سبوح قدوس رب الملائكة والروح. ويقول الزرزور اللهم انى اسألك قوت يوم بيوم يارزاق وهو بضم الزاى طائر صغير من نوع العصفور سمى بذلك لزرزرته اى لصوته: وقال مولانا قدس سره فى بعض كلماته شعر : شيخ مرغانست لك لك لك لكش دانى كه جيست الحمد لك والامر لك والملك لك يامستعان تفسير : قال سليمان عليه السلام ليس من الطيور انصح لبنى آدم واشفق عليهم من البومة تقول اذا وقعت عند حربة اين الذين كانوا يتنعمون فى الدنيا ويسعون فيها ويل لبنى آدم كيف ينامون وامامهم الشدائد تزودوا ياغافلون وتاهبوا لسفركم: قال الحافظ شعر : دع التكاسل تغنم فقد جرى مثل كه زاد راهروان جستيست وجالا كى تفسير : قال مقاتل كان سليمان عليه السلام جالسا اذ مرب به طير يصوت فقال لجلسائه هل تدرون ما يقول هذا الطائر الذى مربنا قالوا انت اعلم قال سليمان انه قال لى السلام عليك ايها الملك المسلط على بنى اسرائيل اعطاك الله الكرامة واظهرك على عدوك انى منطلق الى فروخى ثم امرّ بك الثانية وانه سيرجع الينا الثانية فانظروا الى رجوعه قال فنظر القوم اذ مرّ بهم فقال السلام عليك ايها الملك ان شئت ايذن لى كيما اكتسب على فروخى حتى اشبعها ثم آتيك فتفعل بى ماشئت فاخبرهم سليمان بما قال فاذن له. وفى عرائس البيان اعلم ان اصوات الطيور والوحوش وحركات الاكوان جميعا هى خطاب من الله للانبياء والمرسلين والاولياء العارفين يفهمونها من حيث احوالهم ومقاماتهم فالانبياء والمرسلون يعرفون لغاتها ومعانيها بعينها واما الاولياء فانما يعرفونها بغير لغاتها يعنى يفهمون من اصواتها مايتعلق بحالهم بما يقع فى قلوبهم من الهام الله تعالى لا بانهم يعرفون لغاتها بعينها. والاشارة ان طيور الارواح الناطقة فى الاشباح تنطق بالحق من الحق ونطقها تلفظ الرموز والاسرار بلغة الانوار ولا يسمعها الا ذو فراسة صادقة قلبه وعقله شاهدان والطف الاشارة علمنا منطق اطيار الصفات التى تعبر عن علوم الذات ومنطق اطيار افعاله التى تخبر عن بطون حكم الازليات. قال ابو عثمان المغربى قدس سره من صدق مع الله فى جميع احواله فهم عنه كل شىء اوفهم هو عن كل شىء وكما ان صوت الطبل مثلا دليل يعرفون بسماعه وقت الرحيل والنزول فالحق سبحانه يخص اهل الحضور بفنون التعريفات من سماع الاصوات وشهود احوال المرئيات مع اختلافها كما قيل شعر : اذا المرء كان له فكرة ففى كل شىء له عبرة تفسير : {واوتينا من كل شىء} اراد كثرة ما اوتى به كما يقال فلان يقصده كل احد ويعلم كل شىء ويراد به كثرة قصاده وغزارة علمه. وقال الكاشفى [وداده شديم يعنى مارا عطا كردند هرجيزى كه بدان محتاج بوديم]. وفى كشف الاسرار يعنى الملك والنبوة والكتاب والرياح وتسخير الجن والشياطين ومنطق الطير والدواب ومحاريب وتماثيل وجفان كالجواب وعين القطر وعين الصفر وانواع الخير {ان هذا} المذكور من التعليم والايتاء {لهو الفضل} والاحسان من الله تعالى {المبين} الواضح الذى لايخفى على احد. وفى الوسيط لهو الزيادة الظاهرة على مااعطى غيرنا قاله على سبيل الشكر والحمد كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أنا سيد ولد آدم ولا فخر"تفسير : اى اقول هذه القول شكرا لا فخرا. قيل اعطى سليما مااعطى داود وزيد له تسخير. الجن والريح وفهم نطق الطير وفى زمانه صنعت الصنائع المعجبة التى يتمنع بها الناس وملك سبعمائة سنة وستة اشهر. ولما تولى الملك جاءه جميع الحيوانات يهنئونه الا نملة واحدة فجاءت تعزيه فعاتبها النمل فى ذلك فقالت كيف اهنيه وقد علمت ان الله اذا احب عبدا زوى عنه الدنيا وحبب اليه الآخرة وقد شغل سليمان بامر لايدرى ما عاقبته فهو بالتعزية اولى من التهنئة ذكره السيوطى فى فتاواه. قال عمر رضى الله عنه للنبى عليه السلام اخبرنى عن هذا السلطان الذى ذلت له الرقاب وخضعت له الاجساد ماهو فقال "حديث : ظل الله فى الارض فاذا احسن فله الاجر وعليكم الشكر واذا اساء فعليه الاصر وعليكم الصبر"تفسير : ، وسأل بزدجرد حكيما ماصلاح الملك قال الرفق بالرعية واخذ الحق منها بغير عنف والتودد اليها بالعدل وامن السبل وانصاف المظلوم: قال الشيخ سعدى شعر : رعيت نشايد ببيداد كشت كه مر سلطنت را بناهند وبشت مراعات دهقان كن از بهرخويش كه مزدور خوشدل كند كاربيش
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى أن سليمان ورث داود. واختلفوا فيما ورث منه، فقال اصحابنا إنه ورث المال والعلم. وقال مخالفونا: انه ورث العلم، لقوله (صلى الله عليه وسلم) حديث : نحن معاشر الانبياء لا نورث . تفسير : وحقيقة الميراث هو انتقال تركة الماضي بموته إلى الثاني من ذوي قرابته. وحقيقة ذلك في الاعيان، فاذا قيل ذلك في العلم كان مجازاً. وقولهم: العلماء ورثة الأنبياء، لما قلنا. والخبر المروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) خبر واحد، لا يجوز أن يخص به عموم القرآن ولا نسخه به. وقال بعضهم: إن داود كان له تسعة عشر ولداً ذكوراً وورثه سليمان خاصة، فدل على أنه إنما ورثه العلم والنبوة، فخبر واحد لا يلتفت اليه. وقوله {يا أيها الناس علمنا منطق الطير} أي فهمنا معاني منطقها وما نفهم به بعضها عن بعض، قال المبرد: والعرب تسمي كل مبين عن نفسه ناطقاً ومتكلماً قال رؤبة: شعر : لو انني اوتيت علم الحكل علم سليمان كلام النمل تفسير : وقال الرماني {منطق الطير} صوت يتفاهم به معانيها على صيغة واحدة، بخلاف منطق الناس إذ هو صوت يتفاهمون به معانيهم على صيغ مختلفة، لذلك لم نفهم عنها مع طول مصاحبتها، ولم تفهم هي عنا، لأن افهامها مقصورة على تلك الامور المخصوصة، ولما جعل سليمان يفهم عنها، كان قد علم منطقها. وقوله {وأوتينا من كل شيء} لفظه لفظ العموم، والمراد به الخصوص لانه لم يؤت اشياء كثيرة. وقيل: المعنى {وأوتينا من كل شيء} يطلبه طالب لحاجته اليه وانتفاعه به، ويحتمل أن يكون المراد {وأوتينا من كل شيء} علماً وتسخيراً في كل ما يصلح أن يكون معلوماً لنا ومسخراً، غير ان مخرجه مخرج العموم أبلغ وأحسن. ثم اخبر ان سليمان كان قد قال هذا القول: إن هذا لهو الفضل الظاهر. اعترافاً بنعم الله. ويحتمل أن يكون ذلك اخباراً من الله بأن ما ذكره هو الفضل الظاهر. وقيل: معناه وأعطينا من كل شيء من الخيرات. وقوله {وحشر لسليمان جنوده} أي جمع له من كل جهة جنوده {من الجن والإنس والطير} قال محمد بن كعب القرطي: كان عسكره مئة فرسخ، خمسة وعشرون من الانس، وخمسة وعشرون من الجن، وخمسة وعشرون من الطير، وخمسة وعشرون من الوحش، وقوله {فهم يوزعون} معناه قال ابن عباس: يمنع أولهم على آخرهم وقال ابن زيد: يساقون. وقال الحسن: معناه يتقدمون. وقول ابن عباس أقوى، لانه من قولهم: وزعه من الظلم إذا منعه من ذلك وكفه، قال النابغة: شعر : على حين عاتبت المشيب على الصبى وقلت الما أصح والشيب وازع تفسير : ويقولون لا بد للسلطان من وازعة أي يمنع الناس عنه، وقال الشاعر: شعر : لم يزع الهوى إذ لم توات بلى وسلوت عن طلب العتاة تفسير : وقيل: معنى يوزعون يمنعون ان نزلوا عن مراتبهم بالجمع مرة، وبالتفريق أخرى، حتى يتقدموا في مسيرهم. والايزاع المنع من الذهاب، فانما منع أول الجنود على آخرهم ليتلاحقوا، ولا يتفرقوا، كما تقدم الجيوش اذا كثرت بمثل ذلك. وقوله {حتى أتوا على واد النمل} معناه سار سليمان وجنوده حتى بلغوا واديا فيه النمل و {قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون} قيل: كانت معرفة النمل بسليمان على طريق المعجزة الخارقة للعادة له (ع) على غيره. وهذا غير لازم لانه لا يمتنع ان تعرف البهيمة هذا الضرب كما تعرف كثيراً مما فيه نفعها وضرها فمن معرفة النملة انها تكسر الحبة بقطعتين لئلا تنبت، الا الكربزة فانها تكسرها باربع قطع، لانها تنبت إذا كسرت بقطعتين، فمن هداها إلى هذا هو الذي يهديها إلى ما يحطمها مما لا يحطمها. وقيل: جعل لها منطق تفهم به المعاني، لانه يفهم به المعاني كما تفهم به، كالفم وبكما الفرح قال الشاعر: شعر : عجبت لها أنى تكون غناؤها فصيحاً ولم تفغر بمنطقها فما تفسير : وقيل: انه ظهر من النملة امارات من الرجوع إلى بيتها خوفاً من حطم جنود سليمان إياها، فاعلم به سليمان انها تحرزت، فعبر عن ذلك بالقول مجازاً كما قال الشاعر: شعر : امتلأ الحوض وقال قطني مهلا رويداً قد ملأت بطني تفسير : ولم يكن هناك قول من الحوض. ويقولون: عيناك تشهد بسهرك، ويريدون بذلك امارات السهر التي تظهر في العين، وقوله {لا يحطمنكم سليمان} أي يكسرنكم بأن يطأكم عسكره {وهم لا يشعرون} أي لا يعلمون بوطئكم، فلما فهم سليمان هذا {تبسم ضاحكاً من قولها. وقال رب أوزعني} أي الهمني ما يمنع من ذهاب الشكر عني بما أنعمت به علي وعلى والدي، ووفقني {أن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين} كالانبياء ومن يجري مجراهم ممن يعمل الاعمال الصالحة ولا يرتكب شيئاً من القبائح. وقال ابن زيد: معنى في عبادك مع عبادك.
الجنابذي
تفسير : {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} ما ينبغى ان يرثه منه من الرّسالة والعلم والملك والسّلطنة، ولذلك حذف المفعول الثّانى، قيل للجواد (ع): انّهم يقولون فى حداثة سنّك فقال: انّ الله اوحى الى داود (ع) ان يستخلف سليمان وهو صبىّ يرعى الغنم فأنكر ذلك عبّاد بنى اسرائيل وعلماؤهم، فأوحى الى داود (ع) ان خذ عصا المتكلّمين وعصا سليمان (ع) واجعلهما فى بيتٍ واختم عليهما بخواتيم القوم فاذا كان من الغد فمن كانت عصاه قد اورقت واثمرت فهو الخليفة فأخبرهم داود (ع) فقالوا: قد رضينا وسلّمنا {وَقَالَ} اظهاراً لنعم الله شكراً لها {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا} اتى بعلّم مبنيّاً للمفعول للتّبرّى من الانانيّة وانّ العلم الّذى اعطاه الله تعالى كان من محض فضل الله لا من نفسه {مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا} اتى ههنا باوتينا لما ذكر {مِن كُلِّ شَيْءٍ} انّما قال من كلّ شيءٍ لانّه لا يمكن للممكن ولو بلغ ما بلغ ان يؤتى كلّ شيءٍ الاّ ان يخصّص الشّيء بالممكنات وحينئذٍ لا يكون لغير الخاتم ان يقول واوتينا كلّ شيءٍ، وفى خبرٍ: ليس فيه من وانّما هى واوتينا كلّ شيءٍ، وبعدما ذكر انّه ليس من نفسه فخّمه وعظّمه تعظيماً لانعام الله ونعمه فقال {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ} عن الصّادق (ع) اعطى سليمان بن داود (ع) مع علمه معرفة المنطق بكلّ لسانٍ ومعرفة اللّغات ومنطق الطّير والبهائم والسّباع وكان اذا شاهد الحروب تكلّم بالفارسيّة، واذا قعد لعمّاله وجنوده واهل مملكته تكلّم بالرّوميّة، واذا خلا بنسائه تكلّم بالسّريانيّة والنّبطيّة: واذا قام فى محرابه لمناجاة ربّه تكلّم بالعربيّة، واذا جلس للوفود والخصماء تكلّم بالعبرانيّة، وعنه عن ابيه (ع): اعطى سليمان بن داود (ع) ملك مشارق الارض ومغاربها فملك سبعمائة سنة وستّة اشهر ملك اهل الدّنيا كلّهم من الجنّ والانس والشّياطين والدّوابّ والطّير والسّباع واعطى علم كلّ شيءٍ ومنطق كلّ شيءٍ وفى زمانه صُنعت الصّنائع العجيبة الّتى سمع بها النّاس وذلك قوله علّمنا (الآية) وقد كثر فى اخبارنا انّ الائمّة (ع) اعطوا جميع ما اعطى سليمان (ع) ولهم الفضل عليه.
اطفيش
تفسير : {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} ورث نبوته أو علمه أو ملكه بل جميع ذلك بأن قام مقامه في ذلك بعد موته وكان لداود تسعة عشر ابنا وورثه سليمان فقد لا ارث مال وزيد له تسخير الجن والريح وقيل خص داود بالإنة الحديد قال مقاتل: كان سليمان أعظم ملكا من داود وكان داود أشد تعبدا وسليمان أشكر لنعم الله عز وجل. {وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ} وانما نادى الناس تشهيرا للنعمة وتعظيما لها واعترافا بها ودعاء للناس الى التصديق بذكر المعجزة التي هي معرفة منطق الطير وغير ذلك من عظائم الأمور والمنطق ما يعبر به ويتلفظ مفردا أو مركبا من عاقل أو غيره لقول العرب نطقت الحمامة وهو من غير العاقل حقيقة وقيل مجاز تنزيلا منزلة صوت العاقل ولم يخص سليمان بمعرفة صوت الطير بل كان يعرف أيضا أصوات الحيوان ولم يذكر غير الطير لأن الطير هي الجند المحتاج اليه في التظليل والبعث في الأمور وقيل يختص بالطير وهو قول قتادة قال: والنمل طائر لأنه ربما كان له جناحان، بل قيل: أن النملة التي سمع كلامها وفهمه لها جناحان وكثيرا ما سمع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كلام الجمادات كما اشتهر تسليم الحجارة عليه فكيف بالحيوان وكثير من ذلك في كتب مدحه صلى الله عليه وسلم قال كعب الأحبار: صاح ورشان عند سليمان عليه السلام، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال يقول لدوا للموت وابنوا للخراب، وصاحت فاخة فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال: إنها تقول ليت الخلق لم يخلقوا، وصاح طاووس. فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال انه يقول: كما تدين تدان. وصاح هدهد فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا لا. قال: يقول اتقوا الله يا مذنبين ـ وفي رواية ـ استغفروا الله يا مذنبين. ولذا نهى نبينا صلى الله عليه وسلم عن قتله. وصاح طوطوي فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا لا. قال: يقول كل حي يموت وكل جديد بال. وصاح خطاف فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: يقول سبحان ربي الأعلى ملء سمواته وملء أرضه. وصاح قمري فقال: أتدرون ما يقول؟ فقالوا: لا. قال: يقول سبحان الحي الذي لا يموت وفي رواية عن سليمان يقول الخطاف قدموا لأنفسكم خيرا تجدوه ونهى عن قتله. وفي رواية صاحت حمامة فقال أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال: تقول سبحان ربي الأعلى ملء سمواته وأرضه. وصاح غراب فقال: أتدرون ما يقول؟ فقالوا: لا. قال انه يدعو على العشارين. وصاحت حدأة فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال: تقول كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم واليه ترجعون. وصاحت قطاة فقال: أتدرون ما تقول؟ فقالوا: لا. قال: تقول من سكت سلم. وصاحت الببغاء فقال: أتدرون ما تقول؟ فقالوا: لا. فقال: تقول ويل لمن الدنيا همه. وصاح باز فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: يقول سبحان ربي العظيم وبحمده. وصاح الضفدع وقال: يقول سبحان ربي القدوس والضفدعة تقول سبحان المذكور في كل مكان وفي رواية بكل لسان، وعن مكحول صاح دراج عند سليمان فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: أنه يقول الرحمن على العرش استوى. وعن الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الديك يقول في صياحه أذكروا الله صباحا يا غافلين وعن الحسن بن علي يقول النسر: ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت والعقاب يقول: في البعد من الناس الراحة، والقنبر يقول: اللهم إلعن مبغض آل محمد ـ وفي رواية أن الخطاف يقول: الحمد لله رب العالمين الخ. ويمد {ولا الضالين} كما يمد القارىء ومر سليمان ببلبل فوق شجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه فقال لأصحابه أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال يقول: أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء وفي رواية الدمار، وعن ابن مسعود "حديث : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فمررنا بشجرة فيها أفراخ فأخذناهم فجاءت أمهم الى النبي صلى الله عليه وسلم: من فجع هذه بفراخها فقلنا: نحن فقال: ردوهم الى موضعهم "تفسير : وباضت قنبرة في طريق سليمان فقال زوجها ويحك ألم أنهك أن تبيضي في طريق سليمان الملك لو ركبت لحطم بيضنا. فقالت: ويحك هو أرحم بنا من ذلك فسمع سليمان كلاهما فبعث جنيا حين أراد أن يركب وقال له اجعل بيضها بين رجليك وإياك أن يصيبها شيء فمر بموكبه فجاوزها فقالت: ألم أقل لك أن نبي الله أرحم بنا من ذلك فقال لها: فتعالي نهدي للملك هدية. قالت: وما عندك؟ قال: عندي جرادة ادخرتها لزادي وقالت عندي تمرة ادخرتها لولدي فأخذا التمرة والجرادة ثم طارا حتى وقفا بين يدي سليمان وهو على سريره في مجلسه فوضعاهما بين يديه وسجدا فدعا لهما ومسح على رؤوسهما مما على رأسهما من مسحة. ومر سليمان في مركبه على نملة فقال: سبحان الله لقد أوتي آل داود ملكا عظيما ففسر نطقها لجنده وقال: ألا أنبئكم بأعجب من هذه النملة قالوا: بلى؟ قال: اتقوا الله في السر والعلانية والقصد في الغنى والفقر والعدل في الرضى والغضب. وخرج يوما يستسقي ومر بنملة عرجاء ناشرة جناحيها رافعة رأسها وفي رواية مر بنملة رافعة يديها تقول: اللهم أنا خلق من خلقك لا غنى لنا عن رزقك فلا تؤاخذنا بذنوب بني آدم واسقنا. فقال لمن معه: سقيتم ارجعوا. ودبت عليه نملة فرمى بها فقالت ما هذه الصولة وما هذا البطش أما علمت اني امة من انت عبده فغشي عليه ولما أفاق قال: إئتوني بها فسألها فقالت جلدي رقيق وبدني ضعيف فأخذتني ورميت بي فقال: اجعليني في حل فإني لم أقصد ذلك. قالت: بشروط. قال ما هي؟ قالت: ان لا تنظر الى الدنيا بعين الشهوة ولا تستغرق في ضحك ولا يستعين احد بجاهك إلا بذلت له جهدك. فقال: قد فعلت. قالت: انت في حل. وفي رواية تقول الرخمة: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه وتقول القطاة: من سكت سلم، والعقاب: في البعد من الناس إنس، والضفدع: سبحان ربي القدوس وروي أن جماعة من اليهود قالوا لابن عباس انا سائلوك عن سبعة أشياء فان أخبرتنا بها امنا قال: سلوا تفقها لا تعنتا، قالوا: اخبرنا ما يقول القنبر في صفيره، والديك في صعيقه والضفدع في نقيقه والحمار في نهيقه والفرس في صهيله والزرزور والدراج؟ قال: أما القنبر فانه يقول اللهم إلعن مبغضي محمد وآل محمد. والديك يقول: اذكروا الله يا غافلين. والضفدع يقول: سبحان الله المعبود في البحار. والحمار يقول: لعن الله العشار. والفرس يقول: اذا التقى الجمعان سبوح قدوس رب الملائكة والروح. وأما الزرزور فانه يقول: اللهم اني أسألك قوت يوم بيوم يا رزاق، والدراج يقول: الرحمن على العرش استوى، فأسلموا وحسن إسلامهم وروي ان نصرانيا جاء من الشام في خلافة الصديق رضي الله عنه يسأل عن أشياء إن أخبره بها أسلم وأرسل الى علي. فقال للرسول وهو سليمان أرسل الى الصديق لأجل النصراني فقال له: نعم فجاء فلما رأى النصراني قال له: انت شرحبيل. قال: نعم من أخبرك؟ قال: حبي محمد صلى الله عليه وسلم فسأله عن مسائل واجابه وسأله عما يقول الكلب في نباحه فقال يقول: ويل لأهل النار من غضب الجبار وعما يقول الحمار فقال: ويل لكل عشار، وعما يقول الثور قال: حسبي الله وكفى سمع الله لمن دعاه، وعما يقول الأسد قال: اللهم اني كلب من كلابك فلا تسلطني على أهل المعروف وسلطني على عاق لوالديه ومال لا يزكى وعما يقول البعير قال: سبحان المعبود ولا عين تراه، وعما يقول البلبل: قال رضيت بالله ربا ومن الدنيا بقوت وعما يقول الهدهد قال: شر الناس من لا يعرف خير الناس، وعما تقول الفاختة قال: كل نفس ذائقة الموت، وعما تقول اليمامة قال: سبحان المعبود سبحان من لا يحول ولا يزول وعما يقول الطاووس قال: سبحان من يجود بالنعم وعما يقول الغروج قال: أذكر يا غافل، وعما يقول الضفدع قال: سبحان المعبود في لحج البحار سبحان من تسبح له الأطيار والأشجار، وسأله عن غير ذلك وأجابه فأسلم. {وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيءْ} هذا تكثير لما أوتي لا تعميم على ظاهره كما تقول فلان يقصده كل أحد ويعلم كل شيء والضمير في علمنا وأوتينا لسليمان وقيل له ولابنه وعن ابن عباس وأوتينا من أمر الدنيا والآخرة وقيل ما أوتي الأنبياء والملوك فائد كنت كثيرا ما تخطر ببالي ثم اطلعت عليها في كلام جار الله كما هي عندي قال فان قلت كيف قال علمنا وأوتينا وهو من كلام المتكبرين قلت فيه وجهان احدهما ان يريد نفسه وأباه والثاني أن هذه النون يقال لها نون الواحد المطاع وكان ملكا مطاعا فكلم أهل طاعته على صفته التي كان عليها وليس التكبر من لوازم ذلك وقد تتعلق بتحمل الملك وتفخيمه وإظهار ساسته مصالح فيعود تكلف ذلك واجبا وكان صلى الله عليه وسلم يفعل نحوا من ذلك اذا وفد اليه وفدا وأراد الترجح في عين عدو ألا ترى كيف أمر العباس بأن يحبس أبا سفيان حتى تمر عليه الكتائب. {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الفَضْلُ المُبِينَ} شكر وحمد كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : ولا فخر "تفسير : بعد قوله "حديث : أنا سيد ولد آدم إِني أَقول ذلك شكرا لا فخرا "تفسير : وكان سليمان ملك الدنيا كلها أربعين سنة بانسها وجنها وطيرها ودوابها وعلم مقطفها وفي زمانه صنعت الصنائع العجاب.
اطفيش
تفسير : {وَوَرث سليمان دَاوُد} أباه وراثة علم لا مال، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة"تفسير : قال أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إنَّ العلماء ورثة الأنبياء وأن الأنبياء لم يورثوا دينا ولا درهما، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر"تفسير : رواه أبو داود والترمذى، ومثله عن أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، ولنا أن نقول: ورث سليمان العلم والنبوة والملك، ولا ينافيه الحديث المذكور، لا فيه إرث للمال، لا نفى إرث النبوة والملك، واطلاق الإرث على ذلك مجاز استعارى لجامع القيام مقام من كان لذلك قبل، ووراثة غير المال فى مواضع من القرآن: "أية : ثم أورثنا الكتاب" تفسير : [فاطر: 32] "أية : فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب"تفسير : [الأعراف: 169] وأيضاً لداود تسعة عشر ولداً، فلو كان إرث مال لم يذكر سليمان وحده، إلا أنه لا مانع من ذكره وحده، لأنه خليفته. وقد جاز أن يقال: ورث فلان أباه، ولا يلزم أنه ورثه، وحده إلا أنه لو كان ذلك لترك الايهام الى قوله: وقال سليمان بعد موت أبيه: يا أيها الناس، وأيضاً لا مدح فى إرث المال، والمقام للمدح بالدين، وهو حين موت داود ابن اثنتى عشرة أو ثلاث عشرة سنة، ويقال أوصى له بالملك، ويقال ولاه فى حياته، وربما تقوى بذلك أن الملك غير داخل فى الارث، لأنه بالايصاء أو فى الحياة، إلا ان ما بالايصاء يصح عليه الارث. {وقال} شكراً للنعمة، وإعلاماً وبرهانا للاعجاز، فلا بد من قوله ليصدقوه إذا قال عن الطير: {يا أيها الناس عُلِّمنا} عُلِّمت، وجمع لأنه أعظم قومه وماله يعود نفعه إليهم بالانقياد اليه، لا عُلمت أنا وأبى كما قيل {مَنْطق الطَّيْر} علمنا مضمون نطقها، وتسمية أصواتها نطقاً استعارة أصلية، لأن المصدر الميمى كسائر المصادر غير مشتق، أو سماها أصواتاً تسمية للمطلق بالمقيد، فذلك مجاز مرسل أصلى أو شبه الصوت بالانسان، ورمز الى ذلك بلازم الانسان، وهو النطلق، فالنطق استعارة تخييلية، صاح ورشان فقال: إنه قال: لدوا للموت وابنوا للخراب، وصاحت فاختة فقال: فقالت: ليت هذا الخلق لم يخلقوا، تعنى المكلفين من الجن والانس، وطاوس فقال يقول: كما تدين تدان، وهدهد فقال: يقول استغفروا الله مذنبين. وروى أنه يقول: من لا يرحم لا يرحم، وقائل: استغفروا الله يا مذنبين، الصرد وطيطون فقال يقول: كل حى يموت، وكل جديد بال، وخطاف فقال يقول: قدموا خيراً تجدوه، وقيل يقول الخطاف: الحمد لله رب العالمين، ويمد كالقارىء، ورخمه فقال تقول: سبحان ربى الأعلى ملء سمائه وأرضه، وروى هذا لحمامة وقمرى فقال يقول: سبحان ربى الأعلى، وقيل سبحان ربى الدائم، والغراب يدعو العشار، وقال تقول الحدأة: كل شىء هالك إلا الله تعالى والقطاة: من سكت سلم، والببغاء: ويل لمن الدنيا همه، والديك: اذكروا الله يا غافلين، والنسر يا ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت، والعقاب: فى البعد عن الناس أنس، والقنبرة: اللهم العن مبغض محمد وآل محمد، والزرزور: اللهم أسألك رزق يوم بيوم يا رزاق، والدراج: الرحمن على العرش استوى. ولا يختص علمه بمنطق الطير فإنه مر ببلبل على شجرة يحرك رأسه، ويميل ذنبه، فعلم فعله بلا نطق، وقال: بذلك أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء، وقال يقول الضفدع: سبحان ربى القدوسى، وقيل: سبحان المذكور بكل لسان، وليست طائراً وتنطق له الشجر إنى أنفع لكذا، ولكن خص الطير بالذكر، لأنها من جنوده، ويرسلها وتظلل عليه، وسأل جماعة من اليهود ابن عباس عما يقول سبعة ذكروها، فقال: سلوا تفقهاً فقال ان القنبر يقول: اللهم العن مبغض محمد وآل محمد، والديك: اذكروا الله يا غافلين، والضفدع: سبحان الله المذكور فى البحار، والحمار: اللهم العن العشار، والفرس إذا التقى الجمعان: سبوح قدوس، رب الملائكة والروح، والزرزور: اللهم إنى اسألك قوت يوم بيوم يا رزاق، والدراج: الرحمن على العرش استوى فأسلموا وحسن اسلامهم. {وأوتينَا مِن كلِّ شىءٍ} النبوة والملك، وتسخير الجن والانس والشياطين، والريح أو ما يحتاج اليه الملك من الآت الحرب وغيرها، وما دخل من ذلك على قول فى قوله: {وورث} الخ فغيره داخل هنا، وعن ابن عباس: المراد هنا ما يهمه من الدنيا والآخرة، والمراد بالكلية الكثرة، كناية أو مجازاً مشهوراً تقول: فلان يقصده كل أحد، ويعلم كل شىء تريد الكثرة. {إنَّ هذا} اى المذكور من التعليم والايتاء {لهُو الفَضْل المُبِين} من كلام سليمان كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا سيد ولد آدم ولا فخر"تفسير : أو من كلام الله.
الالوسي
تفسير : {وَوَرِثَ سُلَيْمَـٰنُ دَاوُودَ } أي قام مقامه في النبوة والملك وصار نبياً ملكاً بعد موت أبيه داود عليهما السلام فوراثته إياه مجاز عن قيامه مقامه فيما ذكر بعد موته، وقيل: المراد وراثة النبوة فقط، وقيل: وراثة الملك فقط، وعن الحسن ونسبه الطبرسي إلى أئمة أهل البيت أنها وراثة المال، وتعقب بأنه قد صح «حديث : نحن معاشر الأنبياء لا نورث» تفسير : وقد ذكره الصديق والفاروق رضي الله تعالى عنهما بحضرة جمع من الصحابة وهم الذين لا يخافون في الله تعالى لومة لائم ولم ينكره أحد منهم عليهما. وأخرج أبو داود والترمذي «حديث : عن أبـي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر» تفسير : وروى محمد بن يعقوب الرازي في «الكافي» عن أبـي البحتري عن أبـي عبد الله جعفر الصادق أنه قال ذلك أيضاً. ومما يدل على أن هذه الوراثة ليست وراثة المال ما روى الكليني عن أبـي عبد الله أن سليمان ورث داود وأن محمداً ورث سليمان صلى الله عليه وسلم، وأيضاً وراثة المال لا تختص بسليمان عليه السلام فإنه كان لداود عدة أولاد غيره كما رواه الكليني عنه أيضاً، وذكر غيره أنه عليه السلام توفي عن تسعة عشر ابناً فالإخبار بها عن سليمان ليس فيه كثير نفع وإن كان المراد الإخبار بما يلزمها من بقاء سليمان بعد داود عليهما السلام فما الداعي للعدول عما يفيده من غير خفاء مثل وقال سليمان بعد موت أبيه داود «يا أيها الناس» الخ. وأيضاً السياق والسباق يأبيان أن يكون المراد وراثة المال كما لا يخفى على منصف، والظاهر أن الرواية عن الحسن غير ثابتة وكذا الرواية عن أئمة أهل البيت رضي الله تعالى عنهم، فقد سمعت في رواية الكليني عن الصادق رضي الله تعالى عنه ما ينافي ثبوتها، ووراثة غير المال شائعة في الكتاب الكريم فقد قال عز من قائل: {أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ }تفسير : [فاطر: 32]، وقال سبحانه: {أية : فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } تفسير : [الأعراف: 169] ولا يضر تفاوت القرينة فافهم. وكان عمره يوم توفي داود عليهما السلام اثنتي عشرة سنة أو ثلاث عشرة وكان داود قد أوصى له بالملك فلما توفي ملك وعمره ما ذكر، وقيل: إن داود عليه السلام ولاه على بني إسرائيل في حياته حكاه في «البحر». {وَقَالَ } تشهيراً لنعمة الله تعالى وتعظيماً لقدرها ودعاءً للناس إلى التصديق بنبوته بذكر المعجزات الباهرات التي أوتيها لا افتخاراً {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ } الظاهر عمومه جميع الناس الذين يمكن عادة مخاطبتهم. وقال بعض الأجلة: المراد به رؤساء مملكته وعظماء دولته من الثقلين وغيرهم، والتعبير عنهم بما ذكر للتغليب، وأخرج ابن أبـي حاتم عن الأوزاعي أنه قال: الناس عندنا أهل العلم {عُلّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ } أي نطقه وهو في المتعارف كل لفظ يعبر به عما في الضمير مفرداً أو مركباً، وقد يطلق على كل ما يصوت به على سبيل الاستعارة المصرحة، ويجوز أن يعتبر تشبيه المصوت بالإنسان ويكون هناك استعارة بالكناية وإثبات النطق تخييلاً، وقيل يجوز أيضاً أن يراد بالنطق مطلق الصوت على أنه مجاز مرسل وليس بذاك. ويحتمل الأوجه الثلاثة قوله:شعر : لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت حمامة في غصون ذات أوقال تفسير : وقد يطلق على ذلك للمشاكلة كما في قولهم: الناطق والصامت للحيوان والجماد، والذي علمه عليه السلام من منطق الطير هو على ما قيل ما يفهم بعضه من بعض من معانيه وأغراضه، ويحكى أنه عليه السلام مر على بلبل في شجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه فقال لأصحابه أتدرون ما يقول؟ قالوا: الله تعالى ونبيه أعلم قال: يقول أكلت نصف ثمرة فعلى الدنيا العفاء. وصاحت فاختة فأخبر أنها تقول ليت ذا الخلق لم يخلقوا، وصاح طاوس فقال يقول كما تدين تدان، وصاح هدهد فقال: يقول استغفروا الله تعالى يا مذنبون، وصاح طيطوى فقال: يقول كل حي ميت وكل جديد / بال، وصاح خطاف فقال: يقول قدموا خيراً تجدوه، وصاحت رخمة فقال: تقول سبحان ربـي الأعلى ملء سمائه وأرضه، وصاح قمري فأخبر أنه يقال: سبحان ربـي الأعلى، وقال الحدأ: يقول كل شيء هالك إلا الله تعالى، والقطاة تقول: من سكت سلم، والببغاء يقول: ويل لمن الدنيا همه؛ والديك يقول: اذكروا الله تعالى يا غافلون. والنسر يقول: يا ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت. والعقاب يقول: في البعد من الناس أنس. والضفدع يقول: سبحان ربـي القدوس. والقنبرة تقول: اللهم العن مبغض محمد وآل محمد، والزرزور يقول: اللهم إني أسألك قوت يوم بيوم يا رزاق. والدراج يقول: الرحمن على العرش استوى انتهى. ونظم الضفدع في سلك المذكورات من الطير ليس في محله، ومع هذا الله تعالى أعلم بصحة هذه الحكاية. وقيل: كانت الطير تكلمه عليه السلام معجزة له نحو ما وقع من الهدهد في القصة الآتية. وقيل: علم عليه السلام ما تقصده الطير في أصواتها في سائر أحوالها فيفهم تسبيحها ووعظها وما تخاطبه به عليه السلام وما يخاطب به بعضها بعضاً. وبالجملة علم من منطقها ما علم الإنسان من منطق بني صنفه، ولا يستبعد أن يكون للطير نفوس ناطقة ولغات مخصوصة تؤدي بها مقاصدها كما في نوع الإنسان إلا أن النفوس الإنسانية أقوى وأكمل، ولا يبعد أن تكون متفاوتة تفاوت النفوس الإنسانية الذي قال به من قال. ويجوز أن يعلم الله تعالى منطقها من شاء من عباده ولا يختص ذلك بالأنبياء عليهم السلام، ويجري ما ذكرناه في سائر الحيوانات. وذهب بعض الناس إلى أن سليمان عليه علم منطقها أيضاً إلا أنه نص على الطير لأنها كانت جنداً من جنوده يحتاج إليها في التظليل من الشمس وفي البعث في الأمور، ولا يخفى أن الآية لا تدل على ذلك فيحتاج القول به إلى نقل صحيح، وزعم بعضهم أنه عليه السلام علم أيضاً منطق النبات فكان يمر على الشجرة فتذكر له منافعها ومضارها. ولم أجد في ذلك خبراً صحيحاً. وكثير من الحكماء من يعرف خواص النبات بلونه وهيئته وطعمه وغير ذلك. ولا يحتاج في معرفتها إلى نطقه بلسان القال. والضمير في {علمنا * وأوتينا} قيل: له ولأبيه عليهما السلام وهو خلاف الظاهر. والأولى كونه له عليه السلام. ولما كان ملكاً مطاعاً خاطب رعيته على عادة الملوك لمراعاة قواعد السياسة من التمهيد لما يراد من الرعية من الطاعة والانقياد في الأوامر والنواهي ولم يكن ذلك تعاظماً وتكبراً منه عليه السلام، ومراعاة قواعد السياسة للتوصل بها إلى ما فيه رضا الله عز وجل من الأمور المهمة. وقد أمر نبينا صلى الله عليه وسلم العباس بحبس أبـي سفيان حتى تمر عليه الكتائب يوم الفتح لذلك، و {كُلٌّ } في الأصل للإحاطة وترد للتكثير كثيراً نحو قولك: فلان يقصده كل أحد ويعلم كل شيء وهي كناية في ذلك أو مجاز مشهور. وهذا المعنى هو المراد هنا إذا جعلت {مِنْ } صلة وهو المناسب لمقام التحدث بالنعم، وإن لم تجعل صلة فهي على أصلها فيما قيل. وأنت تعلم أنه لا يتسنى ذلك إلا إذا أريد الكل المجموعي وهو كما ترى. وفي «البحر» أن قوله تعالى: {عُلّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ } إشارة إلى النبوة. وقوله سبحانه: {وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَىْء } إشارة إلى الملك. والجملتان كالشرح للميراث. وعن مقاتل أنه أريد بما أوتيه النبوة والملك وتسخير الجن والإنس والشياطين والريح. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هو ما يهمه عليه السلام من أمر الدنيا والآخرة. وقد يقال: إنه ما يحتاجه الملك من آلات الحرب وغيرها. {إِنَّ هَذَا } إشارة إلى ما ذكر من / التعليم والإيتاء {لَهُوَ ٱلْفَضْلُ } والإحسان من الله تعالى {ٱلْمُبِينُ } الواضح الذي لا يخفى على أحد أو إن هذا الفضل الذي أوتيته لهو الفضل المبين. فيكون من كلامه عليه السلام قطعاً ذيل به ما تقدم منه ليدل على أنه إنما قال ما قال على سبيل الشكر كما قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنا سيد ولد آدم ولا فخر»تفسير : بالراء المهملة آخره كما في الرواية المشهورة أي أقول هذا القول شكراً لا فخراً. ويقرب من هذا المعنى ولا فخز بالزاي كما في الرواية الغير المشهورة.
ابن عاشور
تفسير : طوى خبر ملك داود وبعض أحواله إلى وفاته لأن المقصود هو قصة سليمان كما قدمناه آنفاً. وقد كان داود ملكاً على بني إسرائيل ودام ملكه أربعين سنة وتوفي وهو ابن سبعين سنة. فخلفه سليمان فهو وارث ملكه والقائم في مقامه في سياسة الأمة وظهور الحكمة ونبوءة بني إسرائيل والسمعة العظيمة بينهم. فالإرث هنا مستعمل في معناه المجازي وهو تشبيه الأحوال الجليلة بالمال وتشبيه الخلفة بانتقال ملك الأموال لظهور أن ليس غرض الآية إفادة من انتقلت إليه أموال داود بعد قوله: {أية : ولقد آتينا داوود وسليمان علماً وقالا الحمد لله الذي فضَّلنا}تفسير : [النمل: 15] فتعين أن إرث المال غير مقصود فإنه غرض تافه. وقد كان لداود أحدَ عشر ولداً فلا يختص إرثُ ماله بسليمان وليس هو أكبرهم، وكان داود قد أقام سليمان ملكاً على إسرائيل. وبهذا يظهر أن ليس في الآية ما يحتج به لجواز أن يورث مال النبي، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا نُورث ما تركنَا صدقة»تفسير : ، وظاهره أنه أراد من الضمير جماعة الأنبياء وشاع على ألسنة العلماء: إنا أو نَحن معاشرَ الأنبياء لا نورث، ولا يعرف بهذا اللفظ، ووقع في كلام عمر بن الخطاب مع العباس وعلي في شأن صدقة النبي صلى الله عليه وسلم قال عمر: «أنشدكما الله هل تعلمان أن رسول الله قال: لا نُورث ما تركنا صدقة، يريد رسولُ الله نفسَه» وكذلك قالت عائشة، فإذا أخذنا بظاهر الآية كان هذا حكماً في شرع من قبلنا فينسخ بالإسلام، وإذا أخذنا بالتأويل فظاهر. وقد أجمع الخلفاء الراشدون وغيرهم على ذلك، خلافاً للعباس وعلي، ثم رجعا حين حاجهما عمر. والعلة هي سدّ ذريعة خطور تمني موت النبي في نفس بعض ورثته. قال سليمان هذه المقالة في مجمع عظيم لأن لهجة هذا الكلام لهجة خطبته في مجمع من الناس الحاضرين مجلسه من الخاصة والسامعين من العامة. فهذه الجملة متضمنة شكر الله تعالى ما منحه من علم ومُلك، وليقدر الناس قدره ويعلموا واجب طاعته إذ كان الله قد اصطفاه لذلك، وأطلعه على نوايا أنفر الحيوان وأبعده عن إلف الإنسان وهو الطير، فما ظنك بمعرفة نوايا الناس من رعيته وجنده فإن تخطيط رسوم الملك وواجباته من المقاصد لصلاح المملكة بالتفاف الناس حول ملكهم وصفاء النيات نحوه، وبمقدار ما يحصل ذلك من جانبهم يكون التعاون على الخير وتنزل السكينة الربانية، فلما حصل من جانب سليمان الاعتراف بهذا الفضل لله تعالى فقد أدى واجبه نحو أمته فلم يبق إلا أن تؤدي الأمة واجبها نحو مَلِكها، كما كان تعليم فضائل النبوة من مقاصد الشارع، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : أنا سيِّد ولدِ آدم ولا فخر» تفسير : أي أقوله لقصد الإعلام بواجب التقادير لا لقصد الفخر على الناس، ويعلموا واجب طاعته. وعِلم منطق الطير أوتيه سليمان من طريق الوحي بأن أطلعه الله على ما في تقاطيع وتخاليف صفير الطيور أو نعيقها من دلالة على ما في إدراكها وإرادتها. وفائدة هذا العلم أن الله جعله سبيلاً له يهتدي به إلى تعرف أحوال عالمية يسبق الطير إلى إدراكها بما أودع فيه من القُوى الكثيرة، وللطير دلالة في تخاطب أجناسها واستدعاء أصنافها والإنباء بما حولها ما فيه عون على تدبير ملكه وسياسة أمته، مثل استخدام نوع الهدهد في إبلاغ الأخبار وردها ونحو ذلك. ووراء ذلك كله انشراحُ الصدر بالحكمة والمعرِفة لكثير من طبائع الموجودات وخصائصها. ودلالة أصوات الطير على ما في ضمائرها: بعضُها مشهور كدلالة بعض أصواته على نداء الذكور لإناثها، ودلالة بعضها على اضطراب الخوف حين يمسكه مُمسك أو يهاجمه كاسر، ووراء ذلك دلالات فيها تفصيل، فكل كيفية من تلك الدلالات الإجمالية تنطوي على تقاطيع خفية من كيفيات صوتية يخالف بعضها بعضاً فيها دلالات على أحوال فيها تفضيل لما أجملته الأحوال المجملة، فتلك التقاطيع لا يهتدي إليها الناس ولا يطلع عليها إلا خالقها، وهذا قريب من دلالة مخارج الحروف وصفاتها في لغة من اللغات وفكّها وإدغامها واختلاف حركاتها على معاننٍ لا يهتدي إليها مَن يعرف تلك اللغة معرفة ضعيفة ولم يتقن دقائقها. مثل أن يسمع ضَلَلْت وظَللت، فالله تعالى اطلع سليمان بوحي على مختلف التقاطيع الصوتية التي في صفير الطير وأعلمه بأحوال نفوس الطير عندما تصفر بتلك التقاطيع، وقد كان الناس في حيرة من ذلك كما قال المعري:شعر : أَبَكَتْ تِلكمُ الحمامةُ أمْ غَنّــــ ــــتْ على غصن دوحها الميَّاد تفسير : وقال صاحبنا الشاعر البليغ الشيخ عبد العزيز المسعودي من أبيات في هذا المعنى:شعر : فمن كان مسروراً يراه تَغنياً ومن كان محزوناً يقول ينوح تفسير : والاقتصار على منطق الطير إيجاز لأنه إذا عَلِم منطق الطير وهي أبعد الحيوان عن الركون إلى الإنسان وأسرعها نفوراً منه، علم أن منطق ما هو أكثر اختلاطاً بالإنسان حاصل له بالأحرى كما يدل عليه قوله تعالى فيما يأتي قريباً: {أية : فتبسّم ضَاحكاً من قولها}تفسير : [النمل: 19]، فتدل هذه الآية على أنه علِّم منطق كل صنف من أصناف الحيوان. وهذا العلم سماه العرب علم الحُكْل (بضم الحاء المهملة وسكون الكاف) قال العجاج وقيل ابنه رؤبة:شعر : لو أَنني أوتيتُ علم الحُكْل عِلْم سليمان كَلامَ النمل أو أنني عُمِّرت عُمْر الحِسْل أو عُمر نُوح زَمَن الفِطَحْل كُنتُ رهينَ هَرم أو قَتل تفسير : وعُبر عن أصوات الطير بلفظ {منطق} تشبيهاً له بنطق الإنسان من حيث هو ذو دلالة لسليمان على ما في ضمائر الطير، فحقيقة المنطق الصوتُ المشتمل على حروف تدل على معان. وضمير {عُلِّمنا أُوتينا} مراد به نفسه، جاء به على صيغة المتكلم المشارك؛ إما لقصد التواضع كأنَّ جماعة عُلموا وأُوتوا وليس هو وحده كما تقدم في بعض احتمالات قوله تعالى آنفاً: {أية : وقالا الحمد لله الذي فضّلنا}تفسير : [النمل: 15]، وإما لأنه المناسب لإظهار عظمة الملك، وفي ذلك تهويل لأمر السلطان عند الرعية، وقد يكون ذلك من مقتضى السياسة في بعض الأحوال كما أجاب معاوية عُمر رضي الله عنهما حين لقيه في جند (وأبهة) ببلاد الشام فقال عمر لمعاوية «أَكِسْرَوِيَّةً يا معاوية؟ فقال معاوية: إنا في بلاد من ثغور العدوّ فلا يرهبون إلا مثل هذا. فقال عمر: خَدعة أريب أو اجتهادُ مصيب لا آمرك ولا أنهاك» فترك الأمرَ لعهدة معاوية وما يتوسمه من أساليب سياسة الأقوام. والمراد بــــ{كل شيء} كل شيء من الأشياء المهمة ففي {كل شيء} عمومان عموم {كلّ} وعموم النكرة وكلاهما هنا عموم عرفي، فــــ{كلّ} مستعملة في الكثرة و{شيء} مستعمل في الأشياء المهمة مما له علاقة بمقام سليمان، وهو كقوله تعالى فيما حكى عن أخبار الهدهد. {أية : وأوتِيَتْ من كل شيء}تفسير : [النمل: 23]، أي كثيراً من النفائس والأموال. وفي كل مقام يحمل على ما يناسب المتحدث عنه. والتأكيد في {إن هذا لهو الفضل المبين} بحرف التوكيد ولامه الذي هو في الأصل لام قسم وبضمير الفصل مقصود به تعظيم النعمة أداء للشكر عليها بالمستطاع من العبارة. و{الفضل}: الزيادة من الخير والنفع. و{المبين}: الظاهر الواضح.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودُ}. قد قدمنا أنها وراثة علم ودين لا وراثة مال في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى:{أية : فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ } تفسير : [مريم: 5-6] الآية، وبينا هناك الأدلة على أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لا يورث عنهم المال.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 16- وقد آل الملك والحكم من داود إلى سليمان ابنه، وقال: يا أيها الناس عُلِّمنا لغة الطير، وأوتينا كثيرا مما نحتاج إليه فى سلطاننا: إن هذه النعم لهى الفضل الواضح الذى خصنا الله به. 17- وجمع لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فى صعيد واحد، فهم بحبس أولهم على آخرهم حتى يكونوا جيشاً منظماً خاضعاً. 18- حتى إذا بلغوا وادى النمل قالت نملة: يا أيها النمل ادخلوا مخابئكم، لكيلا تميتكم جنود سليمان وهم لا يحسون بوجودكم.
د. أسعد حومد
تفسير : {سُلَيْمَانُ} {دَاوُودَ} {يٰأَيُّهَا} (16) - وَوَرِثَ سُليمانُ أبَاهُ دَاودَ في المُلْكِ والنُّبُوَّةِ (وَلَيْسَ المُرادُ بالوِرَاثة هُنا وِرَاثةَ المالِ لأَن الأنْبياء لا يُوَرِّثُونَ أَمْوالَهُمْ). وَأخبرَ سُليمانُ مَنْ حَوْلَهُ بما أنْعَمَ اللهُ عَليهِ، وَبمَا وَهَبَهُ مِنَ المُلْكِ العَظِيمِ، حَتَّى إِنَّهُ سَخَّرَ لهُ الإِنْسَ والجِنَّ والطَّيرَ، وكانَ يعرِفُ لُغَةَ الطَّيرِ والحَيَوانَاتِ، وَأُعْطِيَ كُلَّ مَا يَحتَاجُ إِليهِ المُلْكُ، وَهَذَا مِنْ فَضْلِ اللهِ الظاهِرِ البَيِّن عليْهِ. مَنْطِقَ الطيرِ - فَهْمَ أَغْرَاضِهِ كُلِّها مِنْ أَصْوَاتِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله سبحانه: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ..} [النمل: 16] أي: بقيتْ فيه النبوة وحمل المنهج، لا الملك لأن الأنبياء لا تورث كما جاء في الحديث الشريف: "حديث : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة " تفسير : وهذا يدل على أن سليمان جاء بعد داود، وقد ورث عنه النبوة مع أنهما متعاصران، بدليل قوله تعالى في موضع آخر: {أية : وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ}تفسير : [الأنبياء: 78]. إذن: كان سليمان مع داود في هذه الحكومة وفي العلم، لكن الحق سبحانه جعل العلم منازل، بدليل أنه قال: {أية : فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ..}تفسير : [الأنبياء: 79] مع أن أباه موجود، وحكم في القضية بأن يأخذ صاحبُ الزرع الغنم التي أكلت. فلما خرجوا من عند داود سألهم سليمان عن حكم أبيه، فأخبروه بما قال، فقال سليمان: بل يأخذ صاحب الزرع الغنم ينتفع بها، ويأخذ صاحب الغنم الزرع يصلحه حتى يعود كما كان، وعندها يأخذ صاحب الغنم غنمه، وصاحب الزرع زرعه. والحق - تبارك وتعالى - يعطينا هذا المثل مع نبي وأبيه، لا مع نبيين مختلفين بعيدين، وفي هذا إشارة أن حقّ الأبوة على سليمان لم يمنعه من مخالفة أبيه في الحكم؛ لأن الله تعالى قال عنهما {أية : وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ..}تفسير : [الأنبياء: 79] فكلٌّ منهما يحكم على مقتضى علمه الذي منحه الله. ومن هذه الحادثة أخذنا مشروعية الاستئناف والنقض في أحكام المحاكم، فقاضي الاستئناف حينما يُعدِّل في حكم القاضي الابتدائي لا يُعَدُّ هذا طعْناً فيه، إنما كل منهما حكم بناءً على علمه، وعلى ما توفّر له من أدلة ووقائع، وربما فطِن القاضي الثاني لما لم يفطِنْ له القاضي الأول. إذن: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ..} [النمل: 16] لا تعني أنه جاء بعده، إنما هما متعاصران، وورثه في العلم والنبوة والحكمة، لا في الملْك والمال؛ لأن الله تعالى يريد أن يكون الرسول بعيداً في رسالته وتبليغه عن الله عن أيِّ نفع يجيء له، أو لذريته. لذلك كان الفقراء من أهل النبي صلى الله عليه وسلم لا يأخذون من زكاة المؤمنين، لكن أين هذا التشريع الحكيم مما يحدث الآن من الحكام والرؤساء والمسئولين ممَّنْ يوالون أقاربهم، وينهبون البلاد من أجلهم. {وَقَالَ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ ..} [النمل: 16] فالطير له منطق ولغة؛ لأنه كما قال تعالى: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ..}تفسير : [الأنعام: 38] والآن ومع تقدُّم العلم يتحدث العلماء عن لغة للنمل، ولغة للنحل، ولغة للسمك .. إلخ. وهذه المخلوقات تتفاهم بلغاتها بدقَّة تفاهم غريزي، لكننا لا نفهم هذا المنطق، والحق - تبارك وتعالى - يُعلِّمنا: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ..}تفسير : [الإسراء: 44]. فإنْ قلتَ كمَنْ قالوا: هو تسبيح دلالة لا منطقَ ومقال، نقول: طالما أن الله تعالى قال {أية : وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ..}تفسير : [الإسراء: 44] فلا بُدَّ أنه مقال وكلام، ولكن أنت لا تفهمه. وعلماء اللغة يقولون: إن النطق خاصٌّ بالإنسان، أما ما تُحدثه الحيوانات والطيور فأصوات تُحدِثها في كل وقت، مثل مواء القطة، ونُباح الكلب، وخُوَار البقر ونقيق الضفادع، لكن هذه الأصوات لها معنى (فنونوه) القطة حين تجوع غير (نونوتها) حين تخاف. إذن: فهي تُعبِّر، لكننا لا نعرف هذه التعبيرات، كيف ونحن البشر لا يعرف بعضنا لغات بعض؛ لأننا لم نتعلمها، وللغة ضرورة اجتماعية نتواضع عليها أي: نتفق أن هذا اللفظ يعني كذا، فإذا نطقتَ به أفهمك، وإن نطقتُ به تفهمني. واللغة بنت الاستماع، فاللفظ الذي تسمعه تستطيع نُطْقه، والذي لم تسمعه لا تستطيع نُطْقه، حتى لو كان لفظاً عربياً من لغتك، ولا تعرف أيضاً معناه، فلو قلت لك: (إنما الحيزبون و الدردبيس والطخا والنخالح والعصلبيص) فلا شكَّ أنك لا تعرف لهذا معنى؛ لأننا لم نتواضع على معناه. والطفل الذي نشأ في بيئة عربية يتكلم العربية؛ لأنه سمعها ولا يتكلم الإنجليزية مثلاً: لأنه لم يسمعها، ولو وضعتَ نفس الطفل في بيئة إنجليزية لتكلم الإنجليزية؛ لأن اللغة لا ترتبط بجنس ولا دم، اللغة سماع. ومعنى {وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ..} [النمل: 16] أي: من النِّعَم على الإطلاق، وبعد قليل سنسمع نفس هذه العبارة يقولها الهدهد عن ملكة سبأ {أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ..}تفسير : [النمل: 23] إذن: فهي مثله فيما يناسب أمثالها من الملوك لا في النبوة وحَمْل المنهج {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ} [النمل: 16] الفضل المحيط بكل الفضائل. ثم يقول الحق سبحانه: {وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ} قالَ الإِمام زيد بن علي عليهما السلام: إنما أرادَ التَّعليم، إنهُ عُلِّمَ مَنطِق النَّملةِ من الطَّيرِ.
همام الصنعاني
تفسير : 2149- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ}: [الآية: 16]، قال: النملة مِنَ الطَّيْرِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):