Verse. 3176 (AR)

٢٧ - ٱلنَّمْل

27 - An-Naml (AR)

وَحُشِرَ لِسُلَيْمٰنَ جُنُوْدُہٗ مِنَ الْجِنِّ وَالْاِنْسِ وَالطَّيْرِ فَہُمْ يُوْزَعُوْنَ۝۱۷
Wahushira lisulaymana junooduhu mina aljinni waalinsi waalttayri fahum yoozaAAoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وحشر» جمع «لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير» في مسير له «فهم يوزعون» يجمعون ثم يساقون.

17

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ} {حُشِرَ} جُمِع والحشر الجمع ومنه قوله عز وجل: {أية : وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً} تفسير : [الكهف: 47] واختلف الناس في مقدار جند سليمان عليه السلام؛ فيقال: كان معسكره مائة فرسخ في مائة: خمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة منكوحة وسبعمائة سَرِيّة. ابن عطية: واختلف في معسكره ومقدار جنده اختلافاً شديداً غير أن الصحيح أن ملكه كان عظيماً ملأ الأرض، وانقادت له المعمورة كلها. {فَهُمْ يُوزَعُونَ} معناهُ يُردّ أولهم إلى آخرهم ويُكفّون. قال قتادة: كان لكل صنف وَزَعة في رتبتهم ومواضعهم من الكرسيّ ومن الأرض إذا مشوا فيها. يقال: وزَعته أوزعه وزَعَا أي كففته. والوازع في الحرب الموكل بالصفوف يزع من تقدم منهم. روى محمد بن إسحاق عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي طوى ـ تعني يوم الفتح ـ قال أبو قحافة وقد كُفَّ بصرُه يومئذٍ لابنته: اظهري بي على أبي قُبَيْس. قالت: فأشرفت به عليه فقال: ما ترين؟ قالت: أرى سواداً مجتمعاً. قال تلك الخيل. قالت وأرى رجلاً من السواد مقبلاً ومدبراً. قال: ذلك الوازع يمنعها أن تنتشر. وذكر تمام الخبر. ومن هذا قوله عليه السلام: حديث : «ما رؤي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما رأى من تنزُّل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر» قيل: وما رأى يا رسول الله؟ قال: «أما أنه رأى جبريل يزع الملائكة» تفسير : خرّجه الموطأ. ومن هذا المعنى قول النابغة:شعر : على حينَ عاتبتُ المَشيبَ على الصِّبَا وقلت أَلَمَّا أَصْحُ والشَّيْبُ وازِعُ تفسير : آخر:شعر : ولما تَلاقَينا جرت من جُفوننا دموعٌ وَزَعْنا غَرْبَها بالأَصابِعِ تفسير : آخر:شعر : ولا يَزَعُ النفس اللَّجُوجَ عن الهوى من الناس إلا وافرُ العقل كامله تفسير : وقيل: هو من التوزيع بمعنى التفريق. والقوم أوزاع أي طوائف. وفي القصة: إن الشياطين نسجت له بساطاً فرسخاً في فرسخ ذهباً في إبريسم، وكان يوضع له كرسيّ من ذهب وحوله ثلاثة آلاف كرسي من ذهب وفضة فيقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة. الثانية: في الآية دليل على اتخاذ الإمام والحكام وَزَعة يكفّون الناس ويمنعونهم من تطاول بعضهم على بعض؛ إذ لا يمكن الحكام ذلك بأنفسهم. وقال ابن عون: سمعت الحسن يقول وهو في مجلس قضائه لما رأى ما يصنع الناس قال: والله ما يُصلح هؤلاء الناسَ إلا وَزَعةٌ. وقال الحسن أيضاً: لا بدّ للناس من وازع؛ أي من سلطان يكفهم. وذكر ابن القاسم قال حدّثنا مالك أن عثمان بن عفان كان يقول: ما يزَعُ الإمام أكثر مما يزَعُ القرآن؛ أي من الناس. قال ابن القاسم: قلت لمالك ما يزع؟ قال: يكف. قال القاضي أبو بكر بن العربي: وقد جهل قوم المراد بهذا الكلام، فظنوا أن المعنى فيه أن قدرة السلطان تردع الناس أكثر مما تردعهم حدود القرآن وهذا جهل بالله وحكمته. قال: فإن الله ما وضع الحدود إلا مصلحة عامّة كافة قائمة لقِوام الخلق، لا زيادة عليها، ولا نقصان معها، ولا يصلح سواها، ولكن الظلمة خاسوا بها، وقصروا عنها، وأتوا ما أتوا بغير نية، ولم يقصدوا وجه الله في القضاء بها، فلم يرتدع الخلق بها، ولو حكموا بالعدل، وأخلصوا النية، لاستقامت الأمور، وصلح الجمهور.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَحُشِرَ } جمع {لِسْلَيْمَٰنَ جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ وَٱلطَّيْرِ } في مسير له {فَهُمْ يُوزَعُونَ } يجمعون ثم يسافرون.

ابن عبد السلام

تفسير : {يُوزَعُونَ} يساقون، أو يدفعون، أو يدفع أخراهم ويوقف أولاهم، أو يسحبون، أو يجمعون، أو يحبسون، أو يُمْنعون، وَزَعه عن الظلم: منعه منه، وقالوا لا بد للسلطان من وَزْعه: أي من يمنع الناس عنه، وقال عثمان: ما وزع الله بالسلطان أكثر مما وزع بالقرآن، والمراد بهذا المنع أن يرد أولهم على آخرهم ليجتمعوا ولا يتفرقوا.

النسفي

تفسير : {وحشر} وجمع {لسليمان جنوده من الجنّ والإنس والطّير} روي أن معسكره كان مائة فرسخ في مائة فرسخ، خمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلثمائة منكوحة وسبعمائة سرية، وقد نسجت له الجن بساطاً من ذهب وابريسم فرسخاً في فرسخ، وكان يوضع منبره في وسطه وهو من ذهب وفضة فيقعد وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة فيقعد وحوله، فيقعد الأنبياء على كراسي الذهب والعلماء على كراسي الفضة وحولهم الناس وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا يقع عليه حر الشمس، وترفع ريح الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر. ويروى أنه كان يأمر الريح العاصف تحمله ويأمر الرخاء تسيره فأوحى الله تعالى إليه وهو يسير بين السماء والأرض إني قد زدت في ملكك أن لا يتكلم أحد بشيء إلا ألقته الريح في سمعك، فيحكى أنه مر بحراث فقال: لقد أوتي آل داود ملكاً عظيماً فألقته الريح في أذنه فنزل ومشى إلى الحراث وقال: إني جئت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه ثم قال: لتسبيحة واحدة يقبلها الله تعالى خير مما أوتي آل داود {فهم يوزعون} يحبس أولهم على آخرهم أي يوقف سلاف العسكر حتى يلحقهم التوالي ليكونوا مجتمعين وذلك للكثرة العظيمة. والوزع: المنع، ومنه قول عثمان رضي الله عنه: «ما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن». {حتّى إذا أتوا على واد النّمل} أي ساروا حتى إذا بلغوا وادي النمل وهو واد بالشام كثير النمل. وعدي بـــــ «على» لأن إتيانهم كان من فوق فأتى بحرف الاستعلاء {قالت نملةٌ} عرجاء تسمى طاخية أو منذرة. وعن قتادة أنه دخل الكوفة فالتف عليه الناس فقال: سلوا عما شئتم فسأله أبو حنيفة رضي الله عنه وهو شاب عن نملة سليمان أكانت ذكراً أم أنثى؟ فأفحم فقال أبو حنيفة رضي الله عنه: كانت أنثى. فقيل له: بماذا عرفت؟ فقال: بقوله {قالت نملة} ولو كانت ذكراً لقال قال نملة، وذلك أن النملة مثل الحمامة في وقوعها على الذكر والأنثى فيميز بينهما بعلامة، نحو قولهم حمامة ذكر وحمامة أنثى وهو وهي {ياأيّها النّمل ادخلوا مساكنكم} ولم يقل «ادخلن» لأنه لما جعلها قائلة والنمل مقولاً لهم كما يكون في أولي العقل أجرى خطابهن مجرى خطابهم {لا يحطمنّكم} لا يكسرنكم، والحطم الكسر وهو نهي مستأنف وهو في الظاهر نهي لسليمان عن الحطم وفي الحقيقة نهي لهن عن البروز والوقوف على طريقة «لا أرينك هاهنا» أي لا تحضر هذا الموضع. وقيل: هو جواب الأمر وهو ضعيف يدفعه نون التوكيد لأنه من ضرورات الشعر {سليمان وجنوده} قيل: أراد لا يحطمنكم جنود سليمان فجاء بما هو أبلغ {وهم لا يشعرون} لا يعلمون بمكانكم أي لو شعروا لم يفعلوا، قالت ذلك على وجه العذر واصفة سليمان وجنوده بالعدل فسمع سليمان قولها من ثلاثة أميال

الخازن

تفسير : {وحشر} أي جمع {لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير} من الأماكن في مسير له {فهم يوزعون} أي يحبسون حتى يرد أولهم على آخرهم، قيل: كان على جنوده وزعة من النقباء ترد أولها على آخرها لئلا يتقدموا في المسير قال محمد بن كعب القرظي كان معسكر سليمان مائة فرسخ خمسة وعشرون منها للإنس وخمسة وعشرون للجن وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير والفرسخ اثنا عشر ألف خطوة فالبريد ثمانية وأربعون ألف خطوة لأنه أربع فراسخ فجملة ذلك خمسة وعشرون بريداً وقيل نسجت الجن له بساطاً من ذهب وحرير، فرسخاً في فرسخ وكان يوضع كرسيه في وسطه، فيقعد وحوله كراسي الذهب والفضة فيقعد الأنبياء على كراسي الذهب والعلماء على كراسي الفضة، والناس حوله والجن والشياطين حول الناس والوحوش حولهم وتظله الطيور بأجنحتها، حتى لا تقع عليه الشمس وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة منكوحة يعني حرة وسبعمائة سرية فيأمر الريح العاصف فترفعه ثم يأمر الرخاء فتسير به وأوحى الله إليه، وهو يسير بين السماء والأرض أني قد زدت في ملكك أنه لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء إلا جاءت الريح وأخبرتك به. قوله عز وجل {حتى إذا أتوا على وادي النمل} أي أشرفوا على وادي النمل روي عن كعب الأحبار قال: كان سليمان إذا ركب حمل أهله وخدمه وحشمه، وقد اتخذ مطابخ ومخابز فيها تنانير الحديد والقدور العظام تسع كل قدر على عشرة من الإبل, فيطبخ الطباخون ويخبز الخبازون وهو بين السماء والأرض واتخذ ميادين للدواب فتجري بين يديه والريح تهوي به فسار من اصطخر يريد اليمن فسلك على مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال سليمان: هذه دار هجرة نبي يكون في آخر الزمان طوبى لمن آمن به، وطوبى لمن اتبعه ولما وصل مكة رأى حول البيت، أصناماً تعبد فجاوزه سليمان فلما جاوزه بكى البيت فأوحى الله إليه ما يبكيك قال يا رب أبكاني هذا نبي من أنبيائك ومعه قوم من أوليائك مروا علي، ولم يهبطوا ولم يصلوا عندي والأصنام تعبد حولي من دونك فأوحى الله إليه لا تبك، فإني سوف أملؤك وجوهاً سجداً وأنزل فيك قرآناً جديداً، وأبعث منك نبياً في آخر الزمان أحب أنبيائي إلي، وأجعل فيك عماراً من خلقي يعبدونني، وأفرض عليهم فريضة يزفون إليك زفيف النسر إلى وكرها ويحنون إليك حنين الناقة إلى ولدها والحمامة إلى بيضها، وأطهرك من الأوثان والأصنام والشيطان ثم مضى سليمان حتى مر بوادي السدير وادٍ من الطائف فأتى على وادي النمل كذا قال كعب الأحبار. وقيل: إنه بالشأم هو واد يسكنه الجن وذلك النمل مراكبهم. وقيل: إن ذلك النمل الذباب. وقيل كالبخاتي والمشهور أنه النمل الصغير {قالت نملة} قيل: كانت عرجاء وكانت ذات جناحين وقيل اسمها طاخية وقيل جرمى {يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم} ولم يقل ادخلن لأنه جعل لهم عقولاً كالآدميين فخوطبوا خطاب الآدميين وهذا ليس بمستعبد أن يخلق الله فيها عقلاً ونطقاً فإنه قادر على ذلك {لا يحطمنكم} أي لا يكسرنكم {سليمان وجنوده وهم لا يشعرون} قال أهل التفسير. علمت النملة أن سليمان نبي ليس فيه جبروتية ولا ظلم، ومعنى الآية أنكم لو لم تدخلوا وطؤوكم، ولم يشعروا فسمع سليمان قولها من ثلاثة أميال وكان لا يتكلم أحد بشيء إلا حملته الريح حتى تلقيه إلى مسامع سليمان، فلما بلغ وادي النمل حبس جنوده حتى دخلوا بيوتهم. فإن قلت: كيف يتصور الحطم من سليمان وجنوده وهو فوق البساط على متن الريح، قلت كأنهم أرادوا النزول عند منقطع الوادي، فلذلك قالت نملة: لا يحطمنكم سليمان وجنوده لأنهم ما دامت الريح تحملهم لا يخاف حطمهم {فتبسم ضاحكاً من قولها} قيل أكثر ضحك الأنبياء تبسم وقيل معنى ضاحكاً متبسماً، وقيل: كان أوله التبسم وآخره الضحك (ق) عن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما رأيت النبي صلّى الله عليه وسلّم مستجمعاً قط ضاحكاً حتى أرى منه لهواته إنما كان يتبسم" عن عبدالله بن الحارث بن جزء قال "ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم" أخرجه الترمذي. فإن قلت: ما كان سبب ضحك سليمان. قلت شيئان: أحدهما ما دل من قولها على ظهور رحمته ورحمة جنوده وشفقتهم، وذلك قولها وهم لا يشعرون يعني أنهم لو شعروا ما يفعلون. الثاني سروره بما آتاه الله مما لم يؤت أحداً من إدراك سمعه، ما قالته النملة وقيل: إن الإنسان إذا رأى أو سمع ما لا عهد له به تعجب وضحك، ثم إن سليمان حمد ربه على ما أنعم به عليه {وقال رب أوزعني} أي ألهمني {أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين} أي أدخلني في جملتهم، وأثبت اسمي مع أسمائهم واحشرني في زمرتهم. قال ابن عباس: يريد مع إبراهيم واسماعيل وإسحاق ويعقوب ومن بعدهم من النبيين وقيل: أدخلني الجنة مع عبادك الصالحين. قوله عز وجل {وتفقد الطير} أي طلبها وبحث عنها والمعنى أنه طلب ما فقد من الطير {فقال ما لي لا أرى الهدهد} وكان سبب تفقده الهدهد وسؤاله عنه إخلاله بالنوبة، وذلك أن سليمان كان إذا نزل منزلاً تظله وجنده الطير من الشمس، فأصابته الشمس من موضع الهدهد فنظر فرآه خالياً. وروي عن ابن عباس أنه كان دليله على الماء وكان يعرف موضع الماء ويرى الماء تحت الأرض كما يرى في الزجاجة، ويعرف قربه من بعده فينقر الأرض فتجيء الشياطين فيحفرونه ويستخرجون الماء منه قال سعيد بن جبير: لما ذكر ابن عباس هذا، قال نافع بن الأزرق بأوصاف, انظر ما تقول إن الصبي منا يضع الفخ ويحثو عليه التراب، فيجيء بالهدهد، وهو لا يبصر الفخ حتى يقع في عنقه، فقال له ابن عباس ويحك إذا جاء القدر حال دون البصر وفي رواية إذا نزل القضاء والقدر ذهب اللب، وعمي البصر فنزل سليمان منزلاً واحتاج إلى الماء، فطلبوه فلم يجدوه فتفقد الهدهد ليدله على الماء فقال ما لي لا أرى الهدهد على تقدير أنه مع جنوده، وهو لا يراه ثم إنه أدركه الشك فقال {أم كان من الغائبين} أي أكان وقيل بل كان من أهل الغائبين، ثم أوعده على غيبته.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير‏، كان يوضع لسليمان عليه السلام ثلثمائة ألف كرسي، فيجلس مؤمنو الإِنس مما يليه، ومؤمنو الجن من ورائهم، ثم يأمر الطير فتظله، ثم يأمر الريح فتحمله، فيمرون على السنبلة فلا يحركونها‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فهم يوزعون‏}‏ قال‏:‏ يدفعون‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فهم يوزعون‏} ‏ قال‏:‏ جعل على كل صنف منهم وزعة ترد أولاها على أخراها لئلا يتقدموا في المسير كما تصنع الملوك‏.‏ وأخرج الطبراني والطستي في مسائله عن ابن عباس‏؛‏ أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله ‏{‏فهم يوزعون‏}‏ قال‏:‏ يحبس أولهم على آخرهم حتى تنام الطير‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أو ما سمعت قول الشاعر‏: شعر : وزعت رعيلها باقب نهد إذا ما القوم شدوا بعد خمس تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد وأبي رزين في قوله ‏ {‏فهم يوزعون‏}‏ قال‏:‏ يحبس أولهم على آخرهم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ‏{‏فهم يوزعون‏}‏ قال‏:‏ يرد أولهم على آخرهم‏.‏

ابو السعود

تفسير : وقولِه تعالى {وَحُشِرَ لِسْلَيْمَـٰنَ جُنُودُهُ} جُمع له عساكرُه {مِنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنْس وَٱلطَّيْرِ} بمباشرة مخاطبـيِه فإنَّهم كانوا رؤساءَ مملكتِه وعظماءَ دولتهِ من الثَّقلينِ وغيرِهم، بتعميم النَّاس للكلِّ تغليباً. وتقديمُ الجنِّ على الإنسِ في البـيانِ للمسارعةِ إلى الإيذانِ بكمالِ قوَّة مُلكِه وعزَّةِ سُلطانِه من أول الأمرِ لما أنَّ الجنَّ طائفةٌ عاتيةٌ وقبـيلةٌ طاغيةٌ ماردةٌ بعيدةٌ من الحشرِ والتسخيرِ. {فَهُمْ يُوزَعُونَ} أي يُحبس أوائلُهم على أواخِرهم أي يُوقف سُلافُ العسكرِ حتى يلحقَهم التَّوالي فيكونُوا مجتمعينَ لا يختلفُ منهم أحدٌ وذلك للكثرة العظيمةِ. ويجوزُ أن يكونَ ذلك لترتيب الصُّفوفِ كما هم المُعتاد في العساكرِ، وفيه إشعارٌ بكمال مسارعتِهم إلى السَّير. وتخصيصُ حسبِ أوائلِهم بالذكر دون سوقِ أواخرهم مع أنَّ التلاحقَ يحصلُ بذلكَ أيضاً لما أنَّ أواخرَهم غيرُ قادرينَ على ما يقدرُ عليه أوائلُهم من السيرِ السريعِ، وهذا إذَا لم يكُن سيرُهم بتسيـيرِ الرِّيح في الجوِّ. رُوي أنَّ معسكرَه عليهِ الصَّلاة والسَّلام كان مائةَ فرسخٍ في مائةٍ، خمسةٌ وعشرونَ للجنِّ وخمسةٌ وعشرونَ للإنس وخمسةٌ وعشروَن للطيرِ وخمسةٌ وعشرونَ للوحشِ. وكان له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ألف بـيتٍ من قواريرَ على الخشبِ ثلاثمائةُ منكوحةٍ وسبعمائةُ سريةٍ، وقد نسجتْ له الجنُّ بساطاً من ذهبٍ وإِبْرِيْسَمَ فرسخاً في فرسخٍ وكان يُوضعُ منبرُه في وسطِه وهو من ذهبٍ فيقعدُ عليه وحوله ستمائة ألفِ كرسيَ من ذهبٍ وفضةٍ فيقعدُ الأنبـياءُ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ على كَرَاسي الذهبِ والعلماءُ على كَرَاسي الفضَّةِ وحولَهم النَّاسُ وحول النَّاسِ الجنُّ والشياطينُ وتظله الطيرُ بأجنحتِها حتَّى لا تقعَ عليه الشمسُ وترفع ريحُ الصَّبا البساطَ فتسيرُ به مسيرةَ شهرٍ. ويُروى أنَّه كان يأمُر الريحَ العاصفَ تحملُه ويأمُر الرُّخاء تسيره فأَوحى الله تعالى إليهِ وهو يسيرُ بـين السماءِ والأرضِ إنَّي قد زدتُ في ملككَ لا يتكلم أحدٌ بشيءٍ إلا ألقته الريحُ في سمعِك فيُحكى أنه مرَّ بحرَّاثٍ فقال: لقد أُوتيَ آلُ داودَ ملكاً عظيماً فألقته الريحُ في أذنِه فنزلَ ومشى إلى الحرَّاثِ وقال: إنَّما مشيتُ إليكَ لئلاَّ تتمنَّى ما لا تقدرُ عليه، ثمَّ قال لتسبـيحةٌ واحدةٌ يقبلها الله تعالى خيرٌ مما أُوتي آلُ داودَ.

القشيري

تفسير : سخَّر اللَّهُ لسليمان - عليه السلام - الجنَّ والطيرَ، فكان الجنُّ مكلَّفين، والطيرُ كانت مُسَخَّرَةً إلا أنه كان عليها شَرْعٌ، وكذلك الحيوانات التي كانت في وقته، حتى النمل كان سليمان يعرف خطابَهم ينفذ عليهم حُكْمه.

اسماعيل حقي

تفسير : {وحشر لسليمان جنوده} الحشر اخراج الجماعة من مقرهم وازعاجهم عنه الى الحرب وغيرها فلا يقال الحشر الا فى الجماعة كما فى المفردات. والحشر [كرد كردن] كما فى التاج والجنود جمع الجند يقال للعسكر الجند اعتبارا بالغلظ من الجند للارض الغليظة التى فيها حجارة ثم يقال لكل مجتمع جند نحو الارواح جنود مجندة، قال فى كشف الاسرار الجند لا يجمع وانما قال جنوده لاختلاف اجناس عساكره {من الجن والانس والطير} فكل جنس من الخلق جند على حدة قال تعالى {حديث : ومايعلم جنود ربك الا هو}تفسير : فالبعوض لنمرود جند والابابيل لاصحاب الفيل جند والهدهد لعسكر عوج جند والعنكبوت والحمامة لرسول الله عليه السلام جند وعلى هذا والمعنى اخرج لسليمان وجمع له عساكره فى مسير وسفر كان له من الشام الى طرف اليمن، وفى فتح الرحمن من اصطخر الى اليمن واصطخر بكسر الهمزة وفتح الطاء بلدة من بلاد فارس كانت دار السلطنة لسليمان عليه السلام من الجن والانس والطير بمباشرة الرؤساء من كل جنس لانه كان اذا اراد سفرا امر فجمع له طوائف من هؤلاء الجنود وتقديم الجند للمسارعة الى الايذان بكمال قوة ملكه من اول امر لما ان الجن طائفة طاغية بعيدة من الحشر والتسخير {فهم يوزعون} الوزع بمعنى الكف والمنع عن التفرق والانتشار الوازع الذى يكف الجيش عن التفرق والانتشار ويكف الرعية عن التظالم والفساد وجمعه وزعة. والمعنى يحبس اوائلهم على اواخرهم ليتلاحقوا ويجتمعوا ولاينتشروا كما هو حال الجيش الكثير وكان لكل صنف من جنوده وزعة ومنعة ترد اولاهم على اخراهم صيانة من التفرق [ودرين اشارت هست كه ايشان باوجود كثرت عدد مهمل وبريشان بنودند بلكه ضبط وربط ايشان بمرتبه بودكه هيجكس ازلشكريان ازمقر مقرر خود بيش وبس نتوانستى رفت] ويجوز ان يكون ذلك لترتيب الصفوف كما هو المعتاد كما قال فى المختار الوازع الذى يتقدم الصف فيصلحه ويقدم ويؤخر وتخصيص حبس اوائلهم بالذكر دون سوق اواخرهم مع ان التلاحق يحصل بذلك ايضا لما ان اواخرهم غير قادرين على ما يقدر عليه اوائلهم من السير السريع وهو اذا لم يسيرهم بتسيير الريح فى الجو، وفى كشف الاسرار {فهم يوزعون} اى يكفون عن الخروج والطاعة ويحبسون عليها وهو قوله تعالى {أية : ومن يزغ منهم عن امرنا نذقه من عذاب السعير}تفسير : انتهى ـ روى ـ ان معسكره عليه السلام كان مائة فرسخ فى مائة خمسة وعشرون للانس وخمسة وعشرون للجن وخمسة وعشرون للطير وخمسة وعشرون للوحش وكان له الف بيت من القوارير مصنوعة على الخشب فيها ثلاثمائة منكوحة سبعمائة سرية وقد نسجت له الجن بساطا من ذهب وابريسم فرسخا فى فرسخ وكان يوضع منبره فى وسطه وهو من ذهب فيقعد عليه وحوله ستمائة الف كرسى من ذهب وفضة فتقعد الانبياء على كراسى الذهب والعلماء على كراسى الفضة وحولهم الناس وحول الناس الجن والشياطين وتظله الطير باجنحتها حتى لاتقع عليه الشمس وترفع ريح الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر ـ ويروى ـ انه كان يأمر الريح العاصف تحمله ويأمر الرخاء تسيره فاوحى الله تعالى اليه وهو يسير بين السماء والارض انى قد زدت فى ملكك ان لايتكلم بشىء الا القته الريح فى سمعك فيحكى انه مرّ بحراث فقال لقد اوتى آل داود ملكا عظيما فالقته الريح فى اذنه فنزل ومشى الى الحراث وقال انما مشيت اليك لئلا تتمنى مالاتقدر عليه ثم قال لتسبيحة واحدة يقبلها الله تعالى خير مما اوتى آل داود ومرّ سليمان بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال هذه دار هجرة نبى فى آخر الزمان طوبى لمن آمن به وطوبى لمن اتبعه وطوبى لمن اقتدى به

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {قالت نملة}: التاء للوحدة، لا للتأنيث. قال الرضي: تكون التاء للفرق بين المذكر والمؤنث، وتكون لآحاد الجنس، كنحلة ونحل، وثمرة وثمر، وبطة وبط، ونملة ونمل، فيجوز أن تكون النملة مذكراً، والتاء للوحدة، وأنث الفعل باعتبار تأنيث اللفظ. هـ. مختصراً. و(لا يحطمنكم): يحتمل أن يكون جواباً للأمر، أو: نهياً بدلاً من الأمر؛ لتقارب المعنى؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده. والضد ينشأ عنه الحطْم، فلا: ناهية، ومثله الحديث: "حديث : فليُمسك بِنَصَالها، لا يعقر مسلماً"تفسير : . هـ. يقول الحق جل جلاله: {وحُشِرَ لسليمانَ} أي: جُمع له {جنودُهُ من الجنِ والإِنس والطيرِ} بمباشرة مخاطبيه، فإنهم رؤساء مملكته، وعظماء دولته، من الثقلين وغيرهم. وتقديم الجن على الإنس للإيذان بكمال قوة ملكه وعزة سلطانه؛ لأن الجن طائفة عاتية، وقبيلة طاغية، ماردة، بعيدة من الحشر والتسخير، {فهم يُوزَعون} أي: يحبس أوائلهم على أواخرهم، أي: يوقف سلاف العسكر حتى يلحقهم الثواني، فيكونوا مجتمعين، لا يختلف منهم أحد، وذلك لكثرة العظمة والقهرية. قال قتادة: فكان لكل صنف منهم وزعة. أو: لترتيب الصفوف، كما هو المعتاد في العساكر. والوزع: المنع، ومنه قول الحسن البصري، حين ولي القضاء: (لا بد للحاكم من وزعة) أي: شُرط يمنعون الناس من الظلم. وتخصيص حبس أوائلهم بالذكر, دون سوق أواخرهم, مع أن التلاحق يحصل بذلك أيضاً: لأن أواخرهم غير قادرين على ما يقدر عليه أوائلهم من السير السريع، وهذا إن لم يكن سيرهم بتسيير الريح في الجو. قال محمد بن كعب: كان عسكر سليمان مائة فرسخ، خمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش. وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلاثمائة منكوحة، وسبعمائة سرية. وقد نسجت له الجن بساطاً من ذهب وإبريسم، فرسخاً في فرسخ، وكان يوضع منبره في وسطه، وهو من ذهب، فيقعد عليه، وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة، فتقعد الأنبياء - عليهم السلام - على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها، حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط، فتسير به مسيرة شهر، من الصباح إلى الرواح. ورُوي أنه كان يأمر الريح العاصف تحمله، ويأمر الرخاء تُسيِّره، فأوحى الله تعالى إليه، وهو يسير بين السماء والأرض: إني زدت في ملكك أنه لا يتكلم أحد بشيء إلا ألقته الريح في سمعك. قال وهب: حدثني أبي: أن سليمان مرّ بحرّاثٍ، فقال: لقد أُوتي آلَ داود مُلكاً عظيماً، فالتفت ونزل إلى الحرّاث، فقال: إني سمعت قولك، وإنما مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه، لتسبيحة واحدة يقبلها الله منك خير لك مما أوتي آلُ داود. هـ. {حتى إذا أتوا على وادِ النمل} أي: فساروا حتى بلغوا وداي النمل، وهو واد بالشام، كثير النمل، قاله مقاتل. أو: بالطائف، قاله كعب. وقيل: هو واد يسكنه الجن، والنمل مراكبهم. وعدي الفعل بـ "على"؛ لأن إتيانهم كان من فوق، فأتى بحرف الاستعلاء. ولعلهم أرادوا أن ينزلوا بأعلى الوادي؛ إذ حينئذٍ يخافهم من في الأرض، لا عند سيرهم في الهواء. وجواب (إذ) قوله: {قالت نملة}، وكأنها لما رأتهم متوجهين إلى الوادي فرّت منهم، فصاحت صيحة، فنبهت بها ما بحضرتها من النمل. قال كعب: مرّ سليمان عليه السلام بوادي السدير، من أودية الطائف، فأتى على واد النمل، فقالت نملة، وهي تمشي، وكانت عرجاء تتكاوس، مثل الذئب في العِظَم. قال الضحاك: كان اسم تلك النملة طاحية، وقيل: منذرة، وقيل: جرمي. وقال نوف الحميري: كان نمل وادي سليمان أمثال الذباب. وعن قتادة: أنه دخل الكوفة، فالتف عليه الناس، فقال: سلوني عما شئتم، فسأله أبو حنيفة، وهو شاب، عن نملة سليمان، أكان ذكراً أو أنثى؟ فأفحم، فقال أبو حنيفة: كانت أنثى، فقيل له: بم عرفت؟ فقال: قوله تعالى: {قالت نملة} ولو كان ذكراً لقال: قال نملة. هـ. قلت: وهو غير صحيح لِمَا تقدم عن الرضي. {قالت نملةٌ يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم} لم يقل: ادخلن؛ لأنه لَمَّا جعلها قائلة،والنمل مقولاً لهم، كما يكون من العقلاء، أجرى خطابهن مجرى ذوي العقل، {لا يَحْطِمَنَّكُمْ}؛ لا يكسرنّكم. والحطم: الكسر، وهو في الظاهر نهى لسليمان عن الحطم، وفي الحقيقة نهى لهم عن البروز والوقوف على طريقه، نحو: لا أرينك ها هنا، أي: لا تتعرضوا فيكسرنكم {سليمانُ وجنودُه}، وقيل: أراد: لا يحطمنكم جنود سليمان، فجاء بما هو أبلغ. {وهم لا يشعرون} لا يعلمون بمكانكم، أي: لو شعروا ما فعلوا. قالت ذلك على وجه العذر، واصفةً سليمان وجنوده بالعدل، فحمل الريح قولها إلى سليمان على ثلاثة أميال. رُوي أن سليمان قال لها: لم حذرت النمل، أَخفتِ ظلمي؟ أما عَلِمتِ أني نبي عدل، فلِمَ قُلتِ: {لا يحطمنكم سليمان وجنوده}؟ فقالت: أما سمعتَ قولي: {وهم لا يشعرون}، مع أني لم أُرد حَطْم النفوس، وإنما أردت حطم القلوب، خشيتُ أن يتمنينَّ ما أُعطيتَ، ويشغلن بالنظر إليك عن التسبيح، فقال لها سليمان: عظيني، فقالت: هل علمتِ لِمَ سُمي أبوك داود؟ قال: لا، قالت: لأنه داوى جرحَه. هل تدري لِمَ سميت سليمان؟ قال: لا، قالت: لأنك سليم، ما ركنت إلى ما أوتيت، لسلامة صدرك، وأنَى لك أن تلحق أباك. ثم قالت: اتدري لِمَ سخر الله لك الريح؟ قال: لا، قالت: أخبرك الله أن الدنيا كلها ريح. قال ابن عباس: ومن هنا "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل أربعة من الدواب: الهدهد، والصُّرد، والنحلة، والنملة". {فتبسم ضاحكاً}، معجباً {من قولها} ومِن حَذَرِها، واهتدائها لمصالحها، ونُصحها للنمل، وفرحاً بظهور عدله. والتبسم: ابتداء الضحك، وأكثر الضحك الأنبياء التبسّم، أي: فتبسم ابتداء، ضاحكاً انتهاء. {وقال ربِّ أوزعني}، الإيزاع في الأصل: الكف، أي: كُفَّني عن كل شيء إلا عن شكر نعمتك، ويطلق على الإلهام، أي: ألهمني {أن أشكرَ نعمتك التي أنعمتَ عليَّ} من النبوة والمُلك والعلم، {وعلى والديَّ}؛ لأن الإنعام على الوالدين إنعام على الولد، {و} ألهمني {أن أعمل صالحاً ترضاه} في بقية عمري، {وأدخِلْني برحمتك} أي: وأدخلني الجنة برحمتك، لا بصالح عملي؛ إذ لا يدخل الجنة إلا برحمتك كما في الحديث. {في عبادك الصالحين} أي: في جملة أنبيائك المرسلين، الذين صلحوا لحضرتك. أو: مع عبادك الصالحين. رُوي أن النملة أحست بصوت الجنود، ولم تعلم أنهم في الهواء فأمر سليمان عليه السلام الريح، فوقفت؛ لئلا يذعرن، حتى دخلن مساكنهن، ثم دعا بالدعوة. قاله النسفي. الإشارة: من أقبل بكليته على مولاه، وأطاعه في كل شيء، سخرت له الأكوان، وأطاعته في كل شيء. ومن أعرض عن مولاه أعرض عنه كلُّ شيء، وصعب عليه كلُّ شيء. "أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدته كانت الأكوانُ معك". فإذا سخرت له الأشياء، وزهد فيها، وأعرض عنها، واختار مقام العبودية، ارتفع قدره، ولم ينقص منه شيئاً، كحال نبينا - عليه السلام -. ومن سخرت له الأشياء، ونظر إليها، انتقص قدره، وإن كان كريماً على الله، ولذلك ورد في الخبر أن سليمان عليه السلام: هو آخر من يدخل الجنة من الأنبياء. ذكره في القوت. وذكر فيه أيضاً: أن سليمان عليه السلام لَبِسَ ذات يوماً ثياباً رفيعة، ثم ركب على سريره، فحملته الريح، وسارت به، فنظر إلى عطفيه نظرة، فأنزلته إلى الأرض، فقال لها: لِمَ أنزلتني ولَمْ آمرك؟ فقالت له: نطعيك إذا أطعت الله، ونعصيك إذا عصيته. فاستغفر وتاب، فحملته. وهذا مما يعتب علىالمقربين؛ لِكِبر مقامهم، فكل نعيم في الدنيا ينقص في الآخرة. والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى: {وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ...}

الجنابذي

تفسير : {وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنِّ} قدّم الجنّ لانّ معظم الامور الّتى تتمشّى من الجنود مثل سرعة السّير والاخبار بالوقائع الواقعة فى النّواحى وصنع الصّنائع العجيبة الّتى يحتاج اليها السّلاطين كان منهم {وَٱلإِنْس وَٱلطَّيْرِ} خصّها من بين سائر الحيوان للاحتياج اليها فى التّظليل {فَهُمْ يُوزَعُونَ} يحبسون حتّى يلتحق اوّلهم بآخرهم اذا كان من وزع كوضع بمعنى كفّ، او يُعزون اذا كان من اوزعه بمعنى اغراه، او يدبّر امورهم ويعلمون من وزع اذا دبّر امور الجيش، او يجعلون جماعاتٍ من الاوزاع بمعنى الجماعات، او يقسّمون من الايزاع كالتّوزيع بمعنى التّقسيم.

اطفيش

تفسير : {وَحُشِرَ} جمع يوما من الأيام. {لِسُلَيْمَانَ جُنُدُهُ مِنَ الجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ} انما قدم الجن لأن جمعها وملكه إياها وإظهارها أعجب غير متفق لأحد وقدم الانس لأنهم أعظم منفعة من الطير وأقرب الى الجن من الطير والطير ربما اجتمع منها اثنان أو ثلاثة أو اكثر الى عشرين وإلى مائة فصاعدا في قفص زيد أو عمرو وعن بعضهم حشر ذلك له في مسيره. {فَهُمْ يُوزَعُونَ} يحبس أولهم ليلحق آخرهم لكثرتهم ولئلا يتقدموا سليمان عليه السلام وقد جعل لذلك نقباء يزعون. قال قتادة: لكل صنف وزعة وتقدم أن عسكره مائه فرسخ فانظر سورة الأنبياء، وقيل نسجت الجن بساطا من ذهب وحرير فرسخا في فرسخ يوضع كرسيه في وسطه فيقعد حوله الأنبياء على كراسي من ذهب وحولهم العلماء على كراسي من فضة وحول العلماء الانس وحول الانس الجن وحول الجن الدواب والوحش وتظله الطير بأجنحتها عن الشمس واذا ركب حمل معه أهله وخدمه وحشمه وقد اتخذ مطابخ ومخابز فيها تنانير الحديد والقدور العظام كل قدر تسع عشرة من الابل فيخبز الخبازون ويطبخ الطباخون والريح تجري بهم واتخذ موضعا للدواب فهي فيه تجري أمامه وروي أن ريح الصبا ترفع بساطه وتجري به وقيل يأمر الريح العاصف فتحمله والرخاء فتسيره وبينما هو يسير أوحى الله اليه اني قد زدت في ملكك أن لا يتكلم أحد بشيء إلا ألقته الريح في سمعك. ومر بحراث فقال: لقد أوتي آل داود ملكا عظيما فالقته الريح في أذنه فأمر الريح فسكنت فنزل ومشى الى الحراث وقال انما مشيت اليك لئلا تتمنى مالا تقدر عليه ولتسبيحة واحدة خير مما أوتي آل داود.

اطفيش

تفسير : {وحُشِر لسُليمانَ جنُودُه} من الأماكن المختلفة القريبة والبعيدة، أى جمعها الله له {من الجن والإنْسِ والطَّيْر} بيان لجنوده، أى هم الجن والإنس، وأل للحقيقة فصدق بأفراد او أنواع، وليس المراد كلهم، ويجوز ان تكون للتبعيض، والمعنى واحد، ويجوز أن تكون للابتداء، أى حصل له منهم الجنود، وأن أريد الكل فعلى من تكون جنوداً؟ أعلى الدواب أو على ماذا؟ ليس الكل مراداً، ويبعد أن يراد بالكل أو البعض الذهاب الى مكة شكراً على بناء بيت المقدس، كما زعم بعض، بل الجمع لقتال المشركين، وهذه بلقيس لم تكن من جنده إلا بعد مضى خمسة وعشرين عاما من ملكه، وذكروا أنه يأتيه من كل صنف من الطير واحد، فكان يأخذ من كل جنس من الطير والجن والانس رئيسا تنقاد له عامته، وللطيور عقول يتعلق أمور بها دون عقول المكلفين، وكذا سائر الحيوانات. ومن قال: إن للحيوانات والطير أنبياء منها، فهو مشرك، وام يسخر له سائر الحيوان، وقدم الجن لأنهم أغرب تسخيراً لعتوهم، ووصل بهم الانس لتقاربهم صوراً، وأكلا وشربا وكلاما وتكليفا، ولم يبق للطير إلا التأخير، ولو كانت أغرب جمعاً كالجن. {فَهُم يُوزعُون} يحبس أولهم ليلحق آخرهم فتستريح الأولون بذلك، ولا يجهد الآخرون بالسير، أو لأنهم لا يقدرون على ما قدر الأولون المقدمون لقوتهم، وهذا لا يتصور إذا سار بهم ريح الصبا مسيرة شهر فى بساط، وكانت تسير بهم الريح، وحول سليمان الأنبياء فى كراسى من ذهب، وحولهم العلماء فى كراسى فضة، وحولهم العامة، والله أعلم بصحة كثرة الأنبياء فى عهد سليمان وفى غيره أولى بالمنع، والبساط من ذهب وفضة، صنعته الجن فرسخاً فى فرسخ، ومر على حراث فقال: سبحان الله، لقد أوتى سليمان ملكا عظيما فألقى الريح كلامه فى أذنه، وقد أوحى الله عز وجل اليه أن لا يتكلم أحد شيئا إلا ألقته الريح فى أذنك، أى مما يهتم به، فأمر الريح فسكت، ومشى الى الحراث تواضعاً، فسأله عما قال؟ فقال: له ثواب سبحان الله عند الله أعظم مما آتانى الله من الملك. ويروى أن معسكره مائة فرسخ فى مائة فرسخ، خمسة وعشرون للإنس، كذا للجن، وكذا للطير، وكذا للوحش، وله ألف بيت من زجاج على الخشب لأزواجه، وهن ثلاثمائة، ولسرارية وهن سبعمائة، وبساط من ذهب وإبريسم، فرسخ فى فرسخ نسجته الجن، ومنبره فى وسطه من ذهب وفضة، وحوله الأنبياء على كراسى الذهب، والعلماء على كراسى الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجن، تظله الطير بأجنحتها، وتحمل ريح الصبا البساط مسيرة شهر. وروى أن الريح العاصف تحمله، والرخاء تسير به، فبينما هو فى الهواء، أوحى الله اليه أنى زدت فى ملكك أن لايتكلم أحد كلاما إلا حملته الريح إليك، ومر بحراث وقال: لقد أتى آل داود ملكا عظيما، فألقته الريح فى أذنه فنزل اليه، وقال: لا تتمن ما لا تقدر عليه، وتسبيحة واحدة يقبلها الله منك خير من ذلك، والفرسخ اثنا عشر ألف خطوة، والبريد أربعة فراسخ.

الالوسي

تفسير : {وَحُشِرَ لِسْلَيْمَـٰنَ جُنُودُهُ } أي جمع له عساكره من الأماكن المختلفة {مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْس وَٱلطَّيْرِ} بيان للجنود كما في «البحر» وغيره. ولا يلزم من ذلك أن يكون الجنود المحشورون له عليه السلام جميع الجن وجميع الإنس وجميع الطير إذ يأبـى ذلك مع قطع النظر عن العقل قصة بلقيس الآتية بعد، وكذا قصة الهدهد. ونقل عن بعضهم أنه عليه السلام كان يأتيه من كل صنف من الطير واحد وهو نص في أن المحشور ليس جميع الطير. ولا يكاد يصح إرادة الجميع في الجميع على ما ذكره الإمام في الآية أيضاً وهو أن المعنى أنه جعل الله تعالى كل هذه الأصناف جنوده لأنه وإن لم يستدع الحضور والاجتماع في موضع واحد بل يكفي فيه مجرد الانقياد والدخول في حيطة تصرفه والاتباع له حيث كانوا لإباء قصة بلقيس أيضاً عنه فإن المناسب الإخبار بهذا الجعل بعد الإخبار بدخولها ومن معها في حيطة تصرفه. والظاهر أن هذا الحشر ليس إلا جمع العساكر ليذهب بهم إلى محاربة من لم يدخل في ربقة طاعته عليه السلام. وكونه ليذهب بهم إلى مكة شكراً على ما وفق له من بناء بيت المقدس خلاف الظاهر، لكن إذا صح فيه خبر قبل، وأن المجموع من الأنواع المذكورة ما يليق بشأنه وأبهته وعظمته سواء جعلت {مِنْ } بيانية أو تبعيضية، وكونه عليه السلام أحد المؤمنين الذين ملكا المعمورة بأسرها إذا سلمنا صحة الخبر الدال عليه وسلامته من المعارض وأنه نص في المطلوب لا يستدعي سوى دخول سكان المعمورة في عداد رعيته وحيطة ملكته وليس ذلك دفعياً بل هو إن صح كان بحسب التدريج. وقد ذكر بعض المؤرخين أن بلقيس إنما دخلت تحت طاعته في السنة الخامسة والعشرين من ملكه، وكانت مدة ملكه عليه السلام أربعين سنة وكذا كانت مدة ملك أبيه داود عليهما السلام. والظاهر أن الحاشر لكل نوع من الأنواع الثلاثة أشخاص منهم فيكون من كل نوع أشخاص مأمورون بذلك معدون له. ولا تستبعد ذلك في الطير إذا كنت من المؤمنين بقصة الهدهد، ولا يلزمك التزام ما قاله الإمام من أن الله تعالى جعل للطير عقلاً في أيام سليمان عليه السلام ولم يجعل لها ذلك في أيامنا فما عليك بأس إذا قلت بأنها على حالة واحدة اليوم وذلك اليوم. ولا نعني بعقلها إلا ما تهتدي به لأغراضها، ووجود ذلك اليوم فيها وكذا في غيرها من سائر الحيوانات مما لا ينكره إلا مكابر، وما علينا أن نقول: إن عقولها من حيث هي كعقول الإنسان من حيث هي. ولعل فيها من يهتدي إلى ما لا يهتدي إليه الكثير من بني آدم كالنحل، ولعمري إنها لو كانت خالية من العقل كما يقال وفرض وجود العقل فيها لا أظن أنها تصنع بعد وجوده أحسن مما تصنعه اليوم وهي خالية منه ولا يجب أن يكون كل عاقل مكلفاً فلتكن الطيور كسائر العقلاء الذين لم يبعث إليهم نبـي يأمرهم وينهاهم، ويجوز أيضاً أن تكون عارفة بربها مؤمنة به جل وعلا من غير أن يبعث إليها نبـي كمن ينشأ بشاهق جبل وحده ويكون مؤمناً بربه سبحانه بل كونها مؤمنة / بالله تعالى مسبحة له وكذا سائر الحيوانات مما تشهد له ظواهر الآيات والأخبار، وقد قدمنا بعضاً من ذلك وليس عندنا ما يجب له التأويل، وبالغ بعضهم فزعم أنها مكلفة وفيها وكذا في غيرها من الحيوانات أنبياء لهم شرائع خاصة واستدل عليه بما استدل والمشهور إكفار من زعم ذلك. وقد نص على إكفاره جمع من الفقهاء، وتخصيص الأنواع الثلاثة بالذكر ظاهر في أنه عليه السلام لم يسخر له الوحش. وفي خبر أخرجه الحاكم عن محمد بن كعب ما هو ظاهر في تسخيره له عليه السلام أيضاً، وسنذكره قريباً إن شاء الله تعالى لكنه لا يعول عليه. وتقديم الجن للمسارعة إلى الإيذان بكمال قوة ملكه عليه السلام وعزة سلطانه من أول الأمر لما أن الجن طائفة عاتية وقبيلة طاغية ماردة بعيدة من الحشر والتسخير. ولم يقدم الطير على الإنس مع أن تسخيرها أشق أيضاً وأدل على قوة الملك وعزة السلطان لئلا يفصل بين الجن والإنس المتقابلين والمشتركين في كثير من الأحكام. وقيل في تقديم الجن: إن مقام التسخير لا يخلو من تحقير وهو مناسب لهم وليس بشيء لأن التسخير للأنبياء عليهم السلام شرف لأنه في الحقيقة لله عز وجل الذي سخر كل شيء. وإذا اعتبر في نفسه فالتعليل بذلك غير مناسب للمقام ويكفي هذا في عدم قبوله. {فَهُمْ يُوزَعُونَ } أي يحبس أولهم ليلحق آخرهم فيكونوا مجتمعين لا يتخلف منهم أحد وذلك للكثرة العظيمة، ويجوز أن يكون ذلك لترتيب الصفوف كما هو المعتاد في العساكر والأول أولى وفيه مع الدلالة على الكثرة والإشعار بكمال مسارعتهم إلى السير الدلالة على أنهم كانوا مسوسين غير مهملين لا يتأذى أحد بهم. وأصل الوزع الكف والمنع، ومنه قول عثمان رضي الله تعالى عنه: ما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن. وقول الحسن لا بد للقاضي من وزعة، وقول الشاعر:شعر : ومن لم يزعه لبه وحياؤه فليس له من شيب فوديه وازع تفسير : وتخصيص حبس أوائلهم بالذكر دون سوق أواخرهم مع أن التلاحق يحصل بذلك أيضاً لأن في ذلك شفقة على الطائفتين، أما الأوائل فمن جهة أن يستريحوا في الجملة بالوقوف عن السير وأما الأواخر فمن جهة أن لا يجهدوا أنفسهم بسرعة السير، وقيل: إن ذلك لما أن أواخرهم غير قادرين على ما يقدر عليه أوائلهم من السير السريع، وأخرج الطبراني، والطستي في «مسائله» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه يحبس أولهم على آخرهم حتى تنام الطير والله تعالى أعلم بصحة الخبر. والظاهر أن هذا الوزع إذا لم يكن سيرهم بتسيير الريح في الجو، والأخبار في قصته عليه السلام كثيرة. فقد أخرج ابن أبـي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كان يوضع لسليمان ثلاثمائة ألف كرسي فيجلس مؤمني الإنس مما يليه ومؤمني الجن من ورائهم ثم يأمر الطير فتظله ثم يأمر الريح فتحمله فيمرون على السنبلة فلا يحركونها، وأخرج الحاكم عن محمد بن كعب قال: بلغنا أن سليمان عليه السلام كان معسكره مائة فرسخ خمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمس وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة منكوحة وسبعمائة سرية فيأمر الريح العاصف فترفعه ثم يأمر الرخاء فتسير به. وأوحى الله عز وجل إليه وهو يسير بين السماء والأرض إني قد زدتك في ملكك أنه لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء إلا جاءت به الريح إليك وألقته في سمعك. ويروى أن الجن نسجت له / عليه السلام بساطاً من ذهب وإبريسم فرسخاً في فرسخ ومنبره في وسطه من ذهب فيصعد عليه وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة فتقعد الأنبياء عليهم السلام على كراسي الذهب والعلماء على كراسي الفضة وحولهم الناس وحول الناس الجن والشياطين وتظله الطير بأجنحتها وترفع ريح الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر. وأخرج عبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» وابن المنذر عن وهب بن منبه قال: مر سليمان عليه السلام وهو في ملكه وقد حملته الريح على رجل حراث من بني إسرائيل فلما رآه قال: سبحان الله لقد أوتي آل داود ملكاً فحملتها الريح فوضعتها في أذنه فقال: ائتوني بالرجل قال: ماذا قلت؟ فأخبره فقال سليمان: إني خشيت عليك الفتنة لثواب سبحان الله عند الله يوم القيامة أعظم مما رأيت آل داود أوتوا فقال الحراث: أذهب الله تعالى همك كما أذهبت همي. وفي بعض الروايات أنه عليه السلام نزل ومشى إلى الحراث وقال: إنما مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه ثم قال: لتسبيحة واحدة يقبلها الله تعالى خير مما أوتي آل داود، وأكثر الأخبار في هذا الشأن لا يعول عليها فعليك بالإيمان بما نطق به القرآن ودلت عليه الأخبار الصحيحة وإياك من الانتصار لما لا صحة له مما يذكره كثير من القصاص والمؤرخين مما فيه مبالغات شنيعة بمجرد أنها أمور ممكنة يصح تعلق قدرته عز وجل بها فتفتح بذلك باب السخرية بالدين والعياذ بالله تعالى، ولا يبعد أن يكون أكثر ما تضمن مثل ذلك من وضع الزنادقة يريدون به التنفير عن دين الإسلام.

ابن عاشور

تفسير : وهب الله سليمانَ قوة من قوى النبوءة يدرك بها من أحوال الأرواح والمجردات كما يدرك منطق الطير ودلالة النمل ونحوها. ويزَع تلك الموجودات بها فيوزعون تسخيراً كما سخر بعض العناصر لبعض في الكيمياء والكهربائية. وقد وهب الله هذه القوة محمداً صلى الله عليه وسلم فصرَف إليه نفراً من الجن يستمعون القرآن، ويخاطبونه. وإنما أمسك رسول الله عن أن يتصرف فيها ويزعها كرامة لأخيه سليمان إذ سأل الله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده فلم يتصرف فيها النبي صلى الله عليه وسلم مع المكنة من ذلك، لأن الله محضه لما هو أهمّ وأعلى فنال بذلك فضلاً مثل فضل سليمان، ورجح بإعراضه عن التصرف تبريراً لدعوة أخيه في النبوءة لأن جانب النبوءة في رسول الله أقوى من جانب الملك، كما قال للرجل الذي رُعد حين مَثَل بين يديه: «حديث : إني لست بِمَلِك ولا جبّار»تفسير : . وقد ورد في الحديث: «حديث : أنه خُيّر بين أن يكون نبيّاً عبداً أو نبيّاً مَلِكاً فاختار أن يكون نبيئاً عبداً»تفسير : ، فرتبة رسول الله صلى الله عليه وسلم رتبة التشريع وهي أعظم من رتبة الملك، وسليمانُ لم يكن مشرِّعاً لأنه ليس برسول، فوهبه الله ملكاً يتصرف به في السياسة، وهذه المراتب يندرج بعضها فيما هو أعلى منه فهو ليس بمَلِك، وهو يتصرف في الأمة تصرف الملوك تصرفاً بريئاً مما يقتضيه المُلك من الزخرف والأُبَّهَة كما بيناه في كتاب «النقد» على كتاب الشيخ علي عبد الرازق المصري الذي سماه «الإسلام وأصول الحكم». والحشر: الجمع. والمعنى: أن جنوده كانت مُحْضَرة في حضرته مسخّرة لأمره حيث هو. والجنود: جمع جند، وهو الطائفة التي لها عمل متّحد تسخَّر له. وغلب إطلاق الجند على طائفة من الناس يُعدّها الملِك لقتال العَدوّ ولحراسة البلاد. وقوله: {من الجن والإنس والطير} بيان للجنود فهي ثلاثة أصناف: صنف الجن وهو لتوجيه القُوى الخفية، والتأثير في الأمور الروحية. وصنف الإنس وهو جنود تنفيذ أوامره ومحاربة العدو وحراسة المملكة، وصنفُ الطير وهو من تمام الجند لتوجيه الأخبار وتلقيها وتوجيه الرسائل إلى قُواده وأمرائه. واقتُصر على الجن والطير لغرابة كونهما من الجنود فلذلك لم يُذكر الخيل وهي من الجيش. والوزْعُ: الكفّ عما لا يراد، فشمل الأمر والنهي، أي فهم يؤمرون فيأتمرون ويُنهون فينتهون، فقد سخر الله له الرعية كلها. والفاء للتفريع على معنى حُشر لأن الحشر إنما يراد لذلك. وفي الآية إشارة إلى أن جمع الجنود وتدريبها من واجبات الملوك ليكون الجنود متعهدين لأحوالهم وحاجاتهم ليشعروا بما ينقصهم ويتذكروا ما قد ينسونه عند تشوش الأذهان عند القتال وعند النفير.

د. أسعد حومد

تفسير : {لِسْلَيْمَانَ} (17) - وَجُمِعَ لِسُلَيمانَ جُنودُهُ مِنَ الجنِّ والإِنسِ والطَّيرِ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَرَكِبَ فيهِمْ في أُبَّهةٍ عظيمةٍ ليُحَارِبَ بهِمْ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ في طَاعَةِ اللهِ، وَكَانَ يَتَولَّى أَمرَ كُلِّ فِئةٍ وازِعُونَ مِنْهُمْ يُلْزِمُونَ كلَّ واحدٍ مَكَانَهُ، لكيْلا يَتَقَدَّمَ عنْهُ في الموْكِبِ، أثْنَاءَ السَّيْرِ. يُوزَعُونَ - يُحْبَسُ أَوَّلُهُمْ عَلَى آخِرِهِمْ حَتَّى يَكْتَمِلَ جَمْعُهُمْ وَيَبْقَوْنَ كُتْلَةً وَاحِدَةً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : حُشِروا: جُمِعوا من كل مكان، ومنه قوله تعالى: {أية : وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ}تفسير : [الشعراء: 36] والحشْر: جَمْع الناس للحساب يوم القيامة. وسُمِّي الجمع حَشْراً؛ لأن تجمع الناس من أماكن متفرقة في مكان واحد، حتى يضيق بهم ويزدحم، وهذا معنى الحشْر المتعارف عليه عندنا، نقول: نحشرهم على بعض. ومعنى {فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل: 17] يعني: يُمنعون، ومنه قوله "إن الله ليزع بالسُّلْطان ما لا يزع بالقرآن" يعني: أن السلطان والقوة والبطش تمنع ما لا يستطيع القرآن منعه؛ ذلك لأنهم يستبعدون القيامة والعذاب، أمّا السلطان فرادع حاضر الآن. لكن، مِمَّ يمنعون وهم في موقف الحشر أمام سليمان؟ قالوا: يُمنعون أن يَسبق بعضهم بعضاً إلى سليمان، إنما نمنعهم حتى يأتي المتأخر منهم، ويدخلون جميعاً عليه مرة واحدة، وفي ذلك إحداثُ توازنٍ بين الرعية كلها. وقد حدَّثونا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من صفاته إذا جلس في مجلس توزعَتْ نظراته وعينه على كل الجالسين حتى يُسوِّي بينهم، ولا ينظر لأحد أكثر من الآخر، ولا يُميز أحداً منهم على أحد، حتى لا يظن أحدهم أن النبي فضَّله على غيره. وكان صلى الله عليه وسلم لا يُقرِّب إلا أهل الفضل والتقوى الذي يُعرف منهم أنهم لا يستغلون هذه المكانة لنيل سلطة بين الناس؛ ولذلك كان صلى الله عليه وسلم لا يُوطِّن الأماكن وينهى عن ذلك على خلاف ما نراه الآن من بعض المصلِّين الذين يضعون سجادة مثلاً في الصف الأول يشغلون بها المكان، ثم يذهب ويقضي حاجاته، ويعود وقد امتلأ المسجد فيتخطّى رقاب الناس ليصل إلى مكان في المقدمة، وهي ليس مكانه عند الله. فالله تعالى قد وزَّع الأماكن على حَسْب الورود، فإتيانك إلى بيت الله أولاً يعطيك ثواب الصف الأول، وإنْ صليت في الصفِّ الأخير، وعدم توطين الأماكن ينشر الأُلْفة بين الناس، ويزيل الفوارق ويساعد على التعارف، فكل صلاة أنت بجانب شخص جديد تتعرف عليه وتعرف أحواله. وهذا معنى {فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل: 17] يمنع السابق أنْ يسبق حتى يأتي اللاحق، ليكونوا سواسية في الدخول على نبي الله سليمان عليه السلام. لكن في ضوء هذا المعنى لمادة (وزع) كيف نفهم قوله تعالى: {أية : رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ..}تفسير : [النمل: 19]. أوزعني هنا يعني: أقْدِرني وامنعني من الغفلة عن نعمتك، لأظلَّ شاكراً لك.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَهُمْ يُوزَعُونَ} معناه يَدفَعون ويَجِئونَ.

همام الصنعاني

تفسير : 2150- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَهُمْ يُوزَعُونَ}: [الآية: 17]، قال: يرد أولهم على آخرهم. 2151- حدّثنا عبد الرزاق، قال معمر، وقال الحسن: يوزعون أن يتقدمُوه.