Verse. 3177 (AR)

٢٧ - ٱلنَّمْل

27 - An-Naml (AR)

حَتّٰۗي اِذَاۗ اَتَوْا عَلٰي وَادِ النَّمْلِ۝۰ۙ قَالَتْ نَمْــلَۃٌ يّٰۗاَيُّہَا النَّمْلُ ادْخُلُوْا مَسٰكِنَكُمْ۝۰ۚ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمٰنُ وَجُنُوْدُہٗ۝۰ۙ وَہُمْ لَا يَشْعُرُوْنَ۝۱۸
Hatta itha ataw AAala wadi alnnamli qalat namlatun ya ayyuha alnnamlu odkhuloo masakinakum la yahtimannakum sulaymanu wajunooduhu wahum la yashAAuroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«حتى إذا أتوْا على وادِ النمل» هو بالطائف أو بالشام، نمله صغار أو كبار «قالت نملة» ملكة النمل وقد رأت جند سليمان «يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم» يكسرنكم «سليمان وجنوده وهم لا يشعرون» نزل النمل منزلة العقلاء في الخطاب بخطابهم.

18

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِي ٱلنَّمْلِ} قال قتادة: ذكر لنا أنه واد بأرض الشام. وقال كعب: هو بالطائف. {قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ} قال الشعبي: كان للنملة جناحان فصارت من الطير، فلذلك علم منطقها ولولا ذلك لما علمه. وقد مضى هذا ويأتي. وقرأ سليمان التيمي بمكة: «نَمُلَةٌ» و«النَّمُلُ» بفتح النون وضم الميم. وعنه أيضاً ضمهما جميعاً. وسميت النملة نملة لتنملها وهو كثرة حركتها وقلة قرارها. قال كعب: مرّ سليمان عليه السلام بوادي السَّدير من أودية الطائف، فأتى على وادي النمل، فقامت نملة تمشي وهي عرجاء تتكاوس مثل الذئب في العظم؛ فنادت: {يَأَيُّهَا النَّمْلُ} الآية. الزمخشري: سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال، وكانت تمشي وهي عرجاء تتكاوس؛ وقيل: كان اسمها طاخية. وقال السهيلي: ذكروا اسم النملة المكلِّمة لسليمان عليه السلام، وقالوا اسمها حرميا، ولا أدري كيف يتصوّر للنملة اسم عَلم والنمل لا يسمي بعضهم بعضاً، ولا الآدميون يمكنهم تسمية واحدة منهم باسم عَلَم، لأنه لا يتميز للآدميين بعضهم من بعض، ولا هم أيضاً واقعون تحت ملكة بني آدم كالخيل والكلاب ونحوها، فإن العلمية فيما كان كذلك موجودة عند العرب. فإن قلت: إن العلمية موجودة في الأجناس كثُعَالة وأسَامة وجَعَار وقَثَامِ في الضّبع ونحو هذا كثير؛ فليس اسم النملة من هذا؛ لأنهم زعموا أنه اسم عَلَم لنملة واحدة معينة من بين سائر النمل، وثعالة ونحوه لا يختص بواحد من الجنس، بل كل واحد رأيته من ذلك الجنس فهو ثُعالة، وكذلك أُسامة وابن آوى وابن عرس وما أشبه ذلك. فإن صح ما قالوه فله وجه، وهو أن تكون هذه النملة الناطقة قد سميت بهذا الاسم في التوراة أو في الزبور أو في بعض الصحف سماها الله تعالى بهذا الاسم، وعرفها به الأنبياء قبل سليمان أو بعضهم. وخصت بالتسمية لنطقها وإيمانها فهذا وجه. ومعنى قولنا بإيمانها أنها قالت للنمل: {لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} فقولها: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} التفاتة مؤمن. أي من عدل سليمان وفضله وفضل جنوده لا يحطمون نملة فما فوقها إلا بألاّ يشعروا. وقد قيل: إن تبسم سليمان سرور بهذه الكلمة منها؛ ولذلك أكد التبسم بقوله: {ضَاحِكاً} إذ قد يكون التبسم من غير ضحك ولا رضا، ألا تراهم يقولون تبسم تبسم الغضبان وتبسم تبسّم المستهزئين. وتبسم الضحك إنما هو عن سرور، ولا يُسرّ نبيّ بأمر دنيا؛ وإنما سُرّ بما كان من أمر الآخرة والدّين. وقولها: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} إشارة إلى الدِّين والعدل والرأفة. ونظير قول النملة في جند سليمان: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} قول الله تعالى في جند محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : فَتُصِيبَكمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ} تفسير : [الفتح: 25]. التفاتاً إلى أنهم لا يقصدون هدر مؤمن. إلا أن المثني على جند سليمان هي النملة بإذن الله تعالى، والمثني على جند محمد صلى الله عليه وسلم هو الله عز وجل بنفسه؛ لما لجنود محمد صلى الله عليه وسلم من الفضل على جند غيره من الأنبياء؛ كما لمحمد صلى الله عليه وسلم فضل على جميع النبيين صلى الله عليه وسلم أجمعين. وقرأ شهر بن حوشب: {مَسْكَنَكُمْ} بسكون السين على الإفراد. وفي مصحف أبيّ {مَسَاكِنَكُنَّ لاَ يَحْطِمَنْكُمْ}. وقرأ سليمان التيَّمي {مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنْكُنَّ} ذكره النحاس؛ أي لا يكسرنكم بوطئهم عليكم وهم لا يعلمون بكم. قال المهدوي: وأفهم الله تعالى النملة هذا لتكون معجزة لسليمان. وقال وهب: أمر الله تعالى الريح ألا يتكلم أحد بشيء إلا طرحته في سمع سليمان؛ بسبب أن الشياطين أرادت كيده. وقد قيل: إن هذا الوادي كان ببلاد اليمن وأنها كانت نملة صغيرة مثل النمل المعتاد قاله الكلبيّ. وقال نَوْف الشامي وشَقيق بن سَلَمة: كان نمل ذلك الوادي كهيئة الذئاب في العظم. وقال بُرَيْدَة الأسلمي: كهيئة النعاج. قال محمد بن علي الترمذي: فإن كان على هذه الخلقة فلها صوت، وإنما افتقد صوت النمل لصغر خلقها، وإلا فالأصوات في الطيور والبهائم كائنة، وذلك منطقهم، وفي تلك المناطق معاني التسبيح وغير ذلك، وهو قوله تعالى: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}تفسير : [الإسراء: 44]. قلت: وقوله {لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ} يدل على صحة قول الكلبي؛ إذ لو كانت كهيئة الذئاب والنعاج لما حطمت بالوطء؛ والله أعلم. وقال: {ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ} فجاء على خطاب الآدميين لأن النمل هاهنا أجري مجرى الآدميين حين نطق كما ينطق الآدميون. قال أبو إسحاق الثعلبي: ورأيت في بعض الكتب أن سليمان قال لها لِم حذّرتِ النمل؟ أخفت ظلمي؟ أما علمتِ أني نبيّ عدل؟ فلم قلت: {يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ} فقالت النملة: أما سمعت قولي {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} مع أني لم أرد حطم النفوس، وإنما أردت حطم القلوب خشية أن يتمنين مثل ما أعطيت، أو يفتتن بالدنيا، ويشتغلن بالنظر إلى ملكك عن التسبيح والذكر. فقال لها سليمان: عظيني. فقالت النملة: أما علمت لم سُمِّي أبوك داود؟ قال: لا. قالت: لأنه داوى جراحة فؤاده؛ هل علمت لم سُميت سليمان؟ قال: لا. قالت: لأنك سليم الناحية على ما أوتيته بسلامة صدرك، وإن لك أن تلحق بأبيك. ثم قالت أتدري: لِمَ سخر الله لك الريح؟ قال: لا. قالت: أخبرك أن الدنيا كلها ريح. {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا} متعجباً ثم مضت مسرعة إلى قومها، فقالت: هل عندكم من شيء نهديه إلى نبيّ الله؟ قالوا: وما قدر ما نهدي له! والله ما عندنا إلا نبقة واحدة. قالت: حسنة؛ ايتوني بها. فأتوها بها فحملتها بفيها فانطلقت تجرها، فأمر الله الريح فحملتها، وأقبلت تشق الإنس والجن والعلماء والأنبياء على البساط، حتى وقعت بين يديه، ثم وضعت تلك النبقة من فيها في كفّه، وأنشأت تقول:شعر : ألم تَرنا نُهدِي إلى الله مَا لَهُ وإن كان عنه ذا غنى فهو قابلُهْ ولو كان يُهدَى للجليل بقدره لقصّر عنه البحرُ يوماً وساحلُهْ ولكننا نُهدي إلى من نُحبُّه فيرضى به عنا ويشكر فاعلُهْ وما ذاك إلا من كريمٍ فعالُه وإلا فما في ملكنا ما يشاكلُهْ تفسير : فقال لها: بارك الله فيكم؛ فهم بتلك الدعوة أشكر خلق الله وأكثر خلق الله. وقال ابن عباس: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل أربع من الدواب: الهدهد والصُّرَد والنمّلة والنحلة؛ خرجه أبو داود وصححه أبو محمد عبد الحق وروي من حديث أبي هريرة. وقد مضى في «الأعراف». فالنملة أثنت على سليمان وأخبرت بأحسن ما تقدر عليه بأنهم لا يشعرون إن حطموكم، ولا يفعلون ذلك عن عمد منهم، فنفت عنهم الجور؛ ولذلك نهى عن قتلها، وعن قتل الهدهد؛ لأنه كان دليل سليمان على الماء ورسوله إلى بلقيس. وقال عكرمة: إنما صرف الله شر سليمان عن الهدهد لأنه كان باراً بوالديه. والصُّرَد يقال له الصوّام. وروي عن أبي هريرة قال: أوّل من صام الصُّرد ولما خرج إبراهيم عليه السلام من الشام إلى الحرم في بناء البيت كانت السكينة معه والصُّرَد، فكان الصّرد دليله على الموضع والسكينة مقداره، فلما صار إلى البقعة وقعت السكينة على موضع البيت ونادت وقالت: ابن يا إبراهيم على مقدار ظلّي. وقد تقدّم في «الأعراف» سبب النهي عن قتل الضّفدع وفي «النحل» النهي عن قتل النحل. والحمد لله. الثانية: قرأ الحسن: {لاَ يَحَطِّمَنَّكُمْ} وعنه أيضاً {لاَ يَحِطِّمَنَّكُمْ} وعنه أيضاً وعن أبي رجاء: {لاَ يُحَطِّمَنَّكُمْ} والحطْم الكسر. حطمته حَطْماً أي كسرته وتَحطَّم؛ والتّحطيم التكسير، {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} يجوز أن يكون حالاً من سليمان وجنوده، والعامل في الحال {يَحْطِمَنَّكُمْ}. أو حالاً من النملة والعامل {قَالَتْ}: أي قالت ذلك في حال غفلة الجنود؛ كقولك: قمت والناس غافلون. أو حالاً من النمل أيضاً والعامل {قَالَتْ} على أن المعنى: والنمل لا يشعرون أن سليمان يفهم مقالتها. وفيه بعدٌ وسيأتي. الثالثة: روى مسلم من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أن نملة قرصت نبياً من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله تعالى إليه أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبِّح»تفسير : وفي طريق آخر: «فهلا نملة واحدة». قال علماؤنا: يقال إن هذا النبيّ هو موسى عليه السلام، وإنه قال: يا رب تعذب أهل قرية بمعاصيهم وفيهم الطائع. فكأنه أحب أن يريه ذلك من عنده، فسلّط عليه الحرّ حتى التجأ إلى شجرة مستروحاً إلى ظلّها، وعندها قرية النمل، فغلبه النوم، فلما وجد لذة النوم لدغته النملة فأضجرته، فدلكهنّ بقدمه فأهلكهنّ، وأحرق تلك الشجرة التي عندها مساكنهم، فأراه الله العبرة في ذلك آية: لما لدغتك نملة فكيف أصبت الباقين بعقوبتهاٰ يريد أن ينبهه أن العقوبة من الله تعالى تعم فتصير رحمة على المطيع وطهارة وبركة، وشراً ونقمة على العاصي. وعلى هذا فليس في الحديث ما يدلّ على كراهةٍ ولا حظرٍ في قتل النمل؛ فإن من آذاك حل لك دفعه عن نفسك، ولا أحد من خلقه أعظم حرمة من المؤمن، وقد أبيح لك دفعه عنك بقتل وضرب على المقدار، فكيف بالهوام والدواب التي قد سخرت لك وسلطت عليها، فإذا آذاك أبيح لك قتله. وروي عن إبراهيم: ما آذاك من النمل فاقتله. وقوله: «ألا نملة واحدة» دليل على أن الذي يؤذِي يؤذَى ويقتل، وكلما كان القتل لنفع أو دفع ضرر فلا بأس به عند العلماء. وأطلق له نملة ولم يخص تلك النملة التي لدغت من غيرها؛ لأنه ليس المراد القصاص؛ لأنه لو أراده لقال ألا نملتك التي لدغتك، ولكن قال: ألا نملة مكان نملة؛ فعم البريء والجاني بذلك، ليعلم أنه أراد أن ينبهه لمسألته ربّه في عذاب أهل قرية وفيهم المطيع والعاصي. وقد قيل: إن هذا النبيّ كانت العقوبة للحيوان بالتحريق جائزة في شرعه؛ فلذلك إنما عاتبه الله تعالى في إحراق الكثير من النمل لا في أصل الإحراق. ألا ترى قوله: «فهلا نملة واحدة» أي هلا حرقت نملة واحدة. وهذا بخلاف شرعنا، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد نهى عن التعذيب بالنار. وقال: «حديث : لا يعذّب بالنار إلا الله» تفسير : وكذلك أيضاً كان قتل النمل مباحاً في شريعة ذلك النبيّ؛ فإن الله لم يعتبه على أصل قتل النمل. وأما شرعنا فقد جاء من حديث ابن عباس وأبي هريرة النهي عن ذلك. وقد كره مالك قتل النمل إلا أن يضر ولا يقدر على دفعه إلا بالقتل. وقد قيل: إن هذا النبيّ إنما عاتبه الله حيث انتقم لنفسه بإهلاك جمع آذاه واحد، وكان الأوْلى الصبر والصفح؛ لكن وقع للنبيّ أن هذا النوع مؤذٍ لبني آدم، وحرمة بني آدم أعظم من حرمة غيره من الحيوان غير الناطق، فلو انفرد له هذا النظر ولم ينضم إليه التشفي الطبعي لم يعاتب. والله أعلم. لكن لما انضاف إليه التشفي الذي دلّ عليه سياق الحديث عوتب عليه. الرابعة: قوله: «أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح» مقتضى هذا أنه تسبيح بمقال ونطق، كما أخبر الله عن النمل أن لها منطقاً وفَهِمه سليمان عليه السلام ـ وهذا معجزة له ـ وتبسم من قولها. وهذا يدلّ دلالة واضحة أن للنمل نطقاً وقولاً، لكن لا يسمعه كل أحد، بل من شاء الله تعالى ممن خرق له العادة من نبيّ أو وليّ. ولا ننكر هذا من حيث أنا لا نسمع ذلك؛ فإنه لا يلزم من عدم الإدراك عدم المدرك في نفسه. ثم إن الإنسان يجد في نفسه قولاً وكلاماً ولا يسمع منه إلا إذا نطق بلسانه. وقد خرق الله العادة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم فأسمعه كلام النفس من قوم تحدّثوا مع أنفسهم وأخبرهم بما في نفوسهم، كما قد نقل منه الكثير من أئمتنا في كتب معجزات النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ وكذلك وقع لكثير ممن أكرمه الله تعالى من الأولياء مثل ذلك في غير ما قضية. وإياه عنى النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله: «حديث : إنّ في أمتي محدّثين وإن عمر منهم»تفسير : . وقد مضى هذا المعنى في تسبيح الجماد في {سبحان} وأنه تسبيح لسان ومقال لا تسبيح دلالة حال. والحمد لله. الخامسة: قوله تعالى: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا} وقرأ ابن السّمَيقُع: {ضحكا} بغير ألف، وهو منصوب على المصدر بفعل محذوف يدلّ عليه تبسم، كأنه قال ضحك ضحكاً، هذا مذهب سيبويه. وهو عند غير سيبويه منصوب بنفس {تَبَسَّمَ} لأنه في معنى ضحك. ومن قرأ: {ضَاحِكاً} فهو منصوب على الحال من الضمير في {تَبَسَّمَ}. والمعنى تبسم مقدار الضحك؛ لأن الضحك يستغرق التبسم، والتبسم دون الضحك وهو أوّله. يقال: بَسمَ بالفتح يَبْسِم بَسْماً فهو باسم وابتسم وتبسم، والمَبْسِم الثغر مثل المجلس من جلس يجلس ورجل مِبسام وبسّام كثير التبسم، فالتبسم ابتداء الضحك. والضحك عبارة عن الابتداء والانتهاء، إلا أن الضحك يقتضي مزيداً على التبسم، فإذا زاد ولم يضبط الإنسان نفسه قيل قهقه. والتبسم ضحك الأنبياء عليهم السلام في غالب أمرهم. وفي الصحيح عن جابر بن سَمُرة وقيل له: أكنت تجالس النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ قال: نعم كثيراً؛ كان لا يقوم من مصلاّه الذي يصلّي فيه الصبح ـ أو الغداة ـ حتى تطلع الشمس فإذا طلعت قام، وكانوا يتحدّثون ويأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم. وفيه حديث : عن سعد قال: كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ارمِ فداك أبي وأميّ» قال فنزعت له بسهم ليس فيه نصل فأصبت جنبه فسقط فانكشفت عورته، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نظرت إلى نواجذهتفسير : . فكان عليه السلام في أكثر أحواله يتبسم. وكان أيضاً يضحك في أحوال أُخَر ضحكاً أعلى من التبسم وأقل من الاستغراق الذي تبدو فهي اللَّهَوات. وكان في النادر عند إفراط تعجبه ربما ضحك حتى بدت نواجذه. وقد كره العلماء منه الكثرة؛ كما قال لقمان لابنه: يا بنيّ إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب. وقد روي مرفوعاً من حديث أبي ذرّ وغيره. وضحك النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه حين رمى سعداً الرجل فأصابه، إنما كان سروراً بإصابته لا بانكشاف عورته؛ فإنه المنزَّه عن ذلك صلى الله عليه وسلم. السادسة: لا اختلاف عند العلماء أن الحيوانات كلها لها أفهام وعقول. وقد قال الشافعي: الحمام أعقل الطير. قال ابن عطية: والنمل حيوان فطن قوي شمام جداً يدّخر ويتخذ القرى ويشق الحب بقطعتين لئلا ينبت، ويشق الكزبرة بأربع قطع؛ لأنها تنبت إذا قسمت شقتين، ويأكل في عامه نصف ما جمع ويستبقي سائره عدّة. قال ابن العربي: وهذه خواص العلوم عندنا، وقد أدركتها النمل بخلق الله ذلك لها؛ قال الأستاذ أبو المظفر شاهنور الإسفراييني: ولا يبعد أن تدرك البهائم حدوث العالم وحدوث المخلوقات؛ ووحدانية الإله، ولكننا لا نفهم عنها ولا تفهم عنا، أما أنّا نطلبها وهي تفر منا فبحكم الجنسية. قوله تعالى: {وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ} فـ{ـأن} مصدرية. و{أَوْزِعْنِي} أي ألهمني ذلك. وأصله من وزع فكأنه قال: كفّني عما يسخط. وقال محمد بن إسحاق: يزعم أهل الكتاب أن أم سليمان هي امرأة أوريا التي امتحن الله بها داود، أو أنه بعد موت زوجها تزوّجها داود فولدت له سليمان عليه السلام. وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة «صۤ» إن شاء الله تعالى. {وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ} أي مع عبادك، عن ابن زيد. وقيل: المعنى في جملة عبادك الصالحين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِي ٱلنَّمْلِ } هو بالطائف أو بالشام، نمله صغار أو كبار {قَالَتْ نَمْلَةٌ } هي ملكة النمل وقد رأت جند سليمان {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَٰكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ } يكسرنكم {سُلَيْمَٰنُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } نزل النمل منزلة العقلاء في الخطاب بخطابهم.

ابن عطية

تفسير : ظاهر هذه الآية أن سليمان وجنوده كانوا مشاة في الأرض، وبذلك يتفق حطم النمل، ويحتمل أنهم كانوا في الكرسي المحمول بالريح وأحست النمل بنزولهم في {واد النمل}، وأمال أبو عمرو الواو من {واد}، والجميع فخم، وبالإمالة قرأ ابن إسحاق، وقرأ المعتمر بن سليمان عن أبيه "النمُل" بضم الميم كالسمر، و"قالت نَمُلة" بالضم كسمرة، وروي عنه ضم النون والميم من "النُّمُل"، وقال نوف البكالي: كانت تلك النملة على قدر الذئاب وقالت فرقة: بل كانت صغاراً. قال القاضي أبو محمد: والذي يقال في هذا أن النمل كانت نسبتها من ذلك الخلق نسبة هذا النمل منا فيحتمل أن كان الخلق كله أكمل، وهذه النملة قالت هذا المعنى الذي لا يصلح له إلا هذه العبارة قولاً فهمه عنها النمل، فسمعها سليمان على بعده، وجاءت المخاطبة كمن يعقل، لأنها أمرتهم بما يؤمر به من يعقل، وروي أنه كان على ثلاثة أميال {فتبسم} من قولها، والتبسم ضحك الأنبياء في غالب أمرهم لا يليق بهم سواه، وكان تبسمه سروراً، واختلف بما كان، فقالت فرقة بنعمة الله في إسماعه وإفهامه ونحو ذلك، وقالت فرقة بثناء النملة عليه وعلى جنوده في أن نفت عنهم تعمد القبيح من الفعل فجعلت الحطم {وهم لا يشعرون}، وقرأ شهر بن حوشب "مسْكنكم" بسكون السين على الإفراد، وفي مصحف أبي "مساكنكن"، و {ضاحكاً} نصب على الحال، وقرأ محمد بن السميفع "ضحكاً" وهو نصب على المصدر إما بـ"تبسم" على مذهب المبرد إذ هو في معنى ضحك، وإما بتقدير ضحك على مذهب سيبويه، وقرأ جمهور القراء "لا يحْطمنّكم" بشد النون وسكون الحاء، وقرأ أبو عمرو وفي رواية عبيد " لا يحطمنْكم" بسكون النون وهي قراءة ابن أبي إسحاق، وقرأ الحسن وأبو رجاء "لا يُحَطِّمنّكم" بضم الياء وفتح الحاء وكسر الطاء وشدها وشد النون وعنه أيضاً "يَحِطِّمنكم" بفتح الياء وكسر الحاء والطاء وشدها، وقرأ الأعمش وطلحة "لا يحطمكم" مخففة بغير نون، وفي مصحف أبي بن كعب "لا يحطمنكن" مخففة النون التي قبل الكاف، ثم دعا سليمان إلى ربه في أن يعينه الله تعالى ويفرغه إلى شكر نعمته وهذا هو معنى "إيزاع الشكر"، وباقي الآية بين.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَادِ النَّمْلِ} بالشام، وكان للنملة جناحان فعلم منطقها لأنها من الطير ولولا ذلك لما علمه، قاله الشعبي. {يَحْطِمَنًّكُمْ} يهلكنكم {وَهُمْ} والنمل {لا يَشْعُرُونَ} بسليمان وجنوده، أو وسليمان وجنوده لا يشعرون بهلاك النمل، قيل سمع كلامها من ثلاثة أميال حملته الريح إليه. وسميت نملة لتنملها، وهو كثرة حركتها وقلة قرارها.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏حتى إذا أتوا على وادِ النمل‏} ‏ قال‏:‏ ذكر لنا أنه واد بأرض الشام‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال‏:‏ النملة التي فقه سليمان كلامها كانت من الطير ذات جناحين، ولولا ذلك لم يعرف سليمان ما تقول‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال‏:‏ النمل من الطير‏.‏ وأخرج البخاري في تاريخه، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن نوف قال‏:‏ كان النمل في زمن سليمان بن داود أمثال الذباب‏.‏ وفي لفظ مثل الذباب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحكم قال‏:‏ كان النمل في زمان سليمان أمثال الذباب‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن وهب بن منبه قال‏:‏ أمر الله الريح قال ‏"‏لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء في الأرض بينهم إلا حملته فوضعته في أذن سليمان‏"‏ فبذلك سمع كلام النملة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه سئل عن التبسم في الصلاة، فقرأ هذه الآية ‏{‏فتبسم ضاحكاً من قولها‏} ‏ وقال‏:‏ لا أعلم التبسم إلا ضحكا‏ً.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏أوزعني‏}‏ قال‏:‏ ألهمني‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين‏} قال‏:‏ مع الأنبياء والمؤمنين‏.

ابو السعود

تفسير : {حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِى ٱلنَّمْلِ} حتَّى هي التي يُـبتدأُ بها الكلامُ ومع ذلك هي غايةٌ لما قبلها كالتي في قولِه تعالى: { أية : حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ} تفسير : [سورة هود: الآية 40] الآيةَ وهي ههنا غايةٌ لما يُنبىء عنه قولُه تعالى فهُم يُوزعونَ من السير كأنَّه قيلَ: فسارُوا حتَّى إذا أتَوا الخ ووادي النَّمل وادٍ بالشامِ كثيرُ النَّمل على ما قالَه مقاتلٌ رضي الله عنه، وبالطَّائفِ على ما قالَه كعبٌ رضي الله عنه، وقيلَ هو وادٍ تسكنُه الجنُّ والنملُ مراكبُهم. وتعديةُ الفعلِ إليه بكلمةِ عَلى إمَّا لأنَّ إتيانَهم كان من فوق، وإمَّا لأنَّ المرادَ بالإتيانِ عليه قطعُه، من قولِهم أتَى على الشيءِ إذا أنفَدَه وبلغَ آخرَهُ، ولعلَّهم أرادُوا أنْ ينزلُوا عند مُنتهى الوادي إذْ حينئذٍ يخافُهم ما في الأرضِ لا عند سيرِهم في الهواءِ. وقولُه تعالى {قَالَتْ نَمْلَةٌ} جوابُ إذا كأنَّها لما رأتهُم متوجهينَ إلى الوادي فرَّتْ منهم فصاحتْ صيحةً تنبهتْ بها ما بحضرتِها من النملِ لمرادِها فتبعها في الفرارِ فُشبِّه ذلك بمخاطبةِ العُقلاءِ ومناصحتِهم فأُجروا مُجراهم، جُعلتْ هي قائلةً وما عداها من النملِ مقولٌ لهم حيثُ قيل: {يأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَـٰكِنَكُمْ} مع أنَّه لا يمتنعُ أنْ يخلقَ الله تعالى فيها النُّطقَ وفيما عداها العقلَ والفهمَ. وقُرىء نَمُلة يا أيُّها النَّمُل بضمِّ الميمِ، وهو الأصلُ كالرجُل، وتسكينُ الميمِ تخفيفٌ منه كالسَّبْعِ في السبُع. وقُرىء بضمِّ النونِ والميمِ. قيل: كانتْ نملةً عرجاءَ تمشي وهي تتكاوسُ فنادتْ بما قالتْ فسمعَ سليمانُ عليه السَّلام كلامَها من ثلاثةِ أميالٍ وقيل: كان اسمُها طاخيةً. وقُرىء مسكنَكم. وقولُه تعالى: {لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَـٰنُ وَجُنُودُهُ} نهيٌ في الحقيقيةِ للنَّملِ عن التأخرِ في دخولِ مساكنِهم وإنْ كانَ بحسبِ الظَّاهر نهياً له عليه الصَّلاة والسَّلام ولجنودِه عن الحطْمِ كقولِهم: لا أرينَّك هَهُنا. فهُو استئنافٌ أو بدلٌ من الأمرِ، كقولِ مَنْ قالَ شعر : فقلتُ له ارحلْ لا تُقيمنّ عندنا تفسير : لا جوابَ له فإنَّ النُّون لا تدخلُه في السَّعة. وقُرىء لا يَحَطَمنكم بفتحِ الحاءِ وكسرِها، وأصلُه لا يحتطمنَّكم. وقولُه تعالى: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} حالٌ من فاعلِ يحطمنَّكم مفيدةٌ لتقيـيدِ الحطمِ بحالِ عدمِ شعورِهم بمكانِهم حتَّى لو شعروا بذلك لم يحطَّمُوا، وأرادتْ بذلكَ الإيذانَ بأنَّها عارفةٌ بشؤونِ سليمانَ وسائرِ الأنبـياءِ عليهم الصَّلاة والسَّلام من عصمتِهم عن الظُّلم والإيذاءِ، وقيل: هو استئنافٌ أي فهمَ سليمانُ ما قالتْهُ والقومُ لا يشعرونَ بذلكَ.

السلمي

تفسير : {حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ} [الآية:18]. سمعت أبا الحسن السلامى يقول: تكلمت النملة بعشرة أجناس من الكلام نادت، ونبهت، وسمعت، وأمرت ونصت وجددت، وخصت، وعمت، وأشارت وعذرت، أما النداء فـ "يا" وأما التنبه فـ "يا أيها"، وأما سمعت فقولها "النمل"، وأما أمرت فقولها "أدخلوا" وأما نصّت فقولها "مساكنكم"، وأما جددت فقولها "لا يحطمنكم"، وأما خصت فقولها "سليمان"، وأما عمت فقولها "وجنوده"، وأما أشارت فقولها "وهم"، وأما عزرت فقولها "لا يشعرون"، وأدت خمس حقوق: حق الله، وحقًا له، وحقًا لها، وحقًا لكم، فحق الله أنها استرعيت على النمل فرعتهم وأما حقًا له فأدت حق سليمان فى تنبيهه على حق النمل وأما حق لها فأنها أسقطت حق الله عنها فى تضحيتها لهم، وأما حق لهم فإنها نصحتهم حتى دخلوا مساكنهم وأما حق لكم فللخلق جميعًا فى استرعاء من رعاه الله حقه وحفظ ذلك عليهم قال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ". تفسير : سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت أبا بكر الحواس قال: سمعت محمد بن على الترمذى يقول: لم يضحك سليمان فى عمره إلا مرتين مرة يوم أُخذ الضحاك، ومرة حين أشرف على واد النمل، وذلك أنه رأى النمل على كبر الثعالب لها خراطيم وأنياب، فقال رئيس النمل للنمل: {ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} فخرج كبير النمل فى عظم الجواميس فلما نظر إليه سليمان هاله فأراه الخاتم فخضع له ثم قال له هذه كلها نملٌ فقال: إن النمل أكثر من ذلك إنها ثلاثة أصناف صنف من الجبال، وصنف من القرى، وصنف من المدن. فقال سليمان: اعرضها علىّ، فقال له: قف ثم نادى ملك النمل فأقبلت كراديس وعساكر فبقى سليمان سبعين يومًا واقفًا تمر هى عليه، فقال: هل انقطعت عساكرهن فقال ملك النمل: لو وقفت إلى يوم القيامة ما انقطعت. سمعت الحسين بن يحيى يقول: سمعت جعفر الخلدى يقول: سمعت الجنيد رحمه الله يقول: قال سليمان عليه السلام لعظيم النمل لم قلت للنمل: ادخلوا مساكنكم، أخفت عليهم منى ظلمًا؟ قال: لا، ولكن خشيت أن يفتنوا بما يروا من ملكك فيشغلهم ذلك عن طاعة ربهم.

القشيري

تفسير : قيل إن سليمان استحضر أميرَ النمل الذي قال لقومه: {ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ} وقال له: أمَا عَلِمْتَ أَنِّي معصومٌ، وأَنَّي لن أُمَكِّنْ عسكري مِنْ أَنْ يطؤوكم؟ فأخبره أميرُ النمل أنّه لا يعلم ذلك؛ لأنه ليس بواجبٍ أن يكون النملُ عالماً بعصمة سليمان. ولو قال: لعلكم أبيح لكم ذلك.. لكان هذا أيضاً جائزاً. وقيل إن ذلك النمل قال لسليمان: إني أَحْمِلُ قومي على الزهد في الدنيا، وخَشِيتُ إِنْ يَرَوْكُم في مُلْكِكم أَنْ يرغبوا فيها، فأَمَرْتُهم بدخول مساكنهم لئلا يتشوَّشَ عليهم زُهْدُهُم. ولَئِنْ صَحَّ هذا ففيه دليلٌ على وجوب سياسة الكبار لِمَنْ هو في رعيتهم. وفي الآية دليلٌ على حَسْنِ الاحتراز مِمّا يُخْشَى وقوعُه، وأَنَّ ذلك مما تقتضيه عادةُ النّفْسِ وما فُطِرُوا عليه من التمييز. ويقال إن ذلك النمل قال لسليمان: ما الذي أعطاك اللَّهُ من الكرامة؟ فقال: سَخّرَ لي الريحَ. فقال: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإشارة فيه أنه ليس بيدك مما أُعْطِيتَ إلا الريح؟ وهكذا بيَّنَه الكبيرُ على لسان الصغير!.

اسماعيل حقي

تفسير : {حتى} اتبدائية وغاية للسير المنبىء عنه قوله {أية : فهم يوزعون}تفسير : كأنه قيل فساروا حتى {اذا اتو} اشرفوا {على واد النمل} واتوه من فوق، وقال بعضهم تعدية الفعل بكلمة على لما ان المراد بالاتيان عليه قطعه من قولهم اتى على الشىء اذا انفده وبلغ آخره ولعلهم ارادوا ان ينزلوا عند منتهى الوادى اذ حنيئذ يخافهم مافى الارض لاعند مسيرهم فى الهواء كما فى الارشاد وسيجىء غير هذا. والوادى الموضع الذى يسيل فيه الماء. والنمل معروف الواحدة نملة: بالفارسية [مور] سميت نملة لتنملها وهى كثرة حركتها وقلة قوائمها ومعنى وادى النمل واد يكثر فيه النمل كما يقال بلاد الثلج يكثر فيه الثلج والمراد هنا واد بالشام او بالطائف كثير النمل والمشهور انه النمل الصغير وقيل كان نمل ذلك المكان كالذئاب والبخاتى ولذا قال بعضهم فى وادى النمل هو واد يسكنه الجن والنمل مراكبهم {قالت نملة ياايها النمل ادخلوا مساكنكم} جواب اذا كأنها لما رأتهم متوجهين الى الوادى فرت منهم فصاحت صيحة نبهت بها سائر النمال الحاضرة فتبعتها فى الفرار فشبه ذلك بمخاطبة العقلاء ومناصحتهم ولذلك اجروا مجراهم حيث جعلت هى قائلة وماعداها من النمل مقولا لهم مع انه لايمتنع ان يخلق الله فيها النطق وفيما عداها العقل والفهم. وكانت نملة عرجاء لها جناحان فى عظم الديك او النعجة او الذئب وكانت ملكة النمل: يعنى [مهترمور جكان آن وادى بود] واسمها منذرة او طاخية او جرمى سميت بهذا الاسم فى التوراة أو فى الانجيل او فى بعض الصحف الالهية سماها الله تعالى بهذا الاسم وعرفها به الانبياء قبل سليمان وخصت بالتسمية لنطقها والا فكيف يتصور ان يكون للنملة اسم علم والنمل لايسمى بعضهم بعضا ولا يتميز للآدميين صورة بعضهم من بعض حتى يسمونهم ولا هم واقعون تحت ملك بنى آدم كالخيل والكلاب ونحوهما كما فى كتاب التعريف والاعلام للسهيلى رحمه الله. ونملة مؤنث حقيقى بدليل لحوق علامة التأنيث فعلها لان نملة تطلق على الذكر والانثى فاذا اريد تمييزها احتيج الى مميز خارجى نحو نملة ذكر ونملة انثى وكذلك لفظة حمامة ويمامة من المؤنثات اللفظية، ذكر الامام ان قتادة دخل الكوفة فالتفت عليه الناس فقال سلوا عما شئتم وكان ابوحنيفة حاضرا هو غلام حدث فقال سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكرا ام انثى فسألوه فافحم فقال ابو حنيفة كانت انثى فقيل له من اين عرفت فقال من كتاب الله وهو قوله {قالت نملة} ولو كان ذكر لقال قال نملة وذلك ان النملة مثل الحمامة والشاة فى وقوعها على الذكر والانثى فيميز بينهما بعلامة نحو قولهم حمامة ذكر وحمامة انثى وهو وهى ولايجوز ان يقال قامت طلحة ولا حمزة {لايحطمنكم} لايكسرنكم فان الحطم هو الكسر وسمى حجر الكعبة الحطيم لانه كسر منها {سليمان وجنوده} الجملة استئناف او بدل من الامر لاجواب له فان النون لا تدخله فى السعة وهو نهى لهم عن الحطم والمراد نهيها عن التوقف والتأخر فى دخول مساكنهم بحيث يحطمونها: يعنى [بحيثيتى كه عرضه تلف شوند]، فان قلت بم عرفت النملة سليمان، قلنا مأمورة بطاعته فلا بد ان تعرف من امرت بطاعته ولها من الفهم فوق هذا فان النمل تعرف كثيرا من منافعها من ذلك انها تكسر الحبة قطعتين لئلا تنبت الا الكزبرة فانها تكسرها اربع قطع لانها تنبت اذا كسرت قطعتين واذا وصلت النداوة الى الحبة تخرجها الى الشمس من حجرها حتى تجف، قال فى حياة الحيوان النمل لا يتلاحق ولايتزاوج انما يسقط منه شىء حقير فى الارض فينمو حتى يصير بيظا ثم يتكون منه والبيض كله بالضاد الا بيظ النمل فانه بالظاء {وهم لايشعرون} حال من فاعل يحطمنكم اى والحال انهم لايشعرون انهم يحطمونكم اذ لو شعروا لم يفعلوا اى ان من عدل سليمان وفضله وفضل جنوده انهم لا يحطمون نملة فما فوقها الا بان لايشعروا كأنها شعرت عصمة الانبياء من الظلم والاذى الا على سبيل السهو ونظير قول النملة فى جند سليمان وهم لايشعرون قول الله تعالى فى جند محمد عليه السلام {أية : فتصيبكم منهم معرة بغير علم}تفسير : التفاتا الى انهم لايقصدون ضرر مؤمن الا ان المثنى على جند سليمان هو النملة باذن الله والمثنى على جند محمد هو الله بنفسه لما لجند محمد من الفضل على جند غيره من الانبياء كما كان لمحمد الفضل على جميع النبيين عليهم السلام [آورده اندكه باد اين سخن را أزسه ميل راه يسمع سليمان رسانيد]

الجنابذي

تفسير : {حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا} اى فساروا حتّى اذا اتوا {عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ} قيل هو وادٍ بالطّائف كثير النّمل، وقيل: هو وادٍ بالشّام كثير النّمل، وفى تفسير القمّى قعد على كرسيّه وحملته الرّيح فمرّت به على واد النّمل وهو واد ينبت فيه الذّهب والفضّة وقد وكّل به النّمل وهو قول الصّادق (ع) انّ لله وادياً ينبت الذّهب والفضّة وقد حماه الله باضعف خلقه وهو النّمل لو رامته البخاتى ما قدرت عليه، ونسب الى الرّواية انّ نمل سليمان كانت كأمثال الذّئاب والكلاب {قَالَتْ نَمْلَةٌ} هى رئيسها واميرها كما قيل {يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ} بدل من ادخلوا بدل الاشتمال او مستأنف جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ وهو نهى وليس بنفى مجزوم فى جواب الامر كما قيل لانّ نون التّأكيد لا يدخل فى النّفى والفعل الموجب فى غير الضّرورة {سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} هذا تبرئة من النّملة للنّبىّ (ع) من الظّلم.

الهواري

تفسير : {حَتَّى إِذَآ أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ}، وهو واد بالشام {قَالَتْ نَمْلَةٌ يَآأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أي: والنمل لا يشعرون أن سليمان يفهم كلامهم. قال: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي} أي: ألهمني {أَن أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَن أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} أي: أهل الجنة. قوله: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لآ أَرَى الهُدْهُدَ} أي: أحاضر هو فلا أراه {أَمْ كَانَ مِنَ الغَآئِبِينَ} أي: أم هو غائب. قال بعضهم: ذكر لنا أن سليمان أراد أن يأخذ مفازة فدعا الهدهد، وكان سيد الهداهد، ليعلم له مسافة الماء، وكان قد أعطى من البصر بذلك شيئاً لم يعطه غيره من الطير. وقال الكلبي: كان يدله على الماء إذا نزل الناس. كان ينقر بمنقاره في الأرض، فيخبر سليمان كم بينه وبين الماء من قامة. ذكروا أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس لِمَ تفقّد سليمان الهدهد قال ابن عباس: إنهم كانوا إذا سافروا نقر لهم الهدهد عن أقرب الماء في الأرض. فقال نافع ابن الأزرق: وكيف يعلم أقرب الماء في الأرض ولا يعلم بالفخّ حتى يأخذ بعنقه. فقال ابن عباس: أما علمت أن الحذر لا يغني من القدر شيئاً. قال الحسن: كان سليمان إذا أراد أن يركب جاءته الريح فوضع سرير مملكته عليها ووضعت الكراسي والمجالس على الريح وجلس سليمان على سريره، وجلس وجوه أصحابه على منازلهم في الدين عنده من الجن والإِنس. والجن يومئذ ظاهرة للإِنس، رجال أمثال الإِنس إلا أنهم أُدم يحجون جميعاً، ويصلون جميعاً، ويعتمرون جميعاً، والطير ترفرف على رأسه ورؤوسهم، والشياطين حَرَسَة لا يدعون أحداً يتقدم بين يديه. وهو قوله: {فَهُمْ يُوزَعُونَ}.

اطفيش

تفسير : {حَتَّى إِذَا أَتَوا عَلَى وَادي النَّمْلِ} عدي الاتيان بعلى لأنه من فوق أو من قولك اتيت على الشيء اذا نفذته وبلغت آخره فهم إما يريدون النزول عند منقطعه أو نازلون فيه وعند وصولهم سمعت الأصوات النملة وقالت ما قالت ووادي النمل واد بالشام تسكنه النمل وروي انه واد تسكنه الجن وذلك النمل مراكبهم وهو نمل كالذئاب وقيل كالنجاتي وقيل هو النمل الصغير قيل كنملنا هذا قال بعض وهو المشهور وقيل فيه صغير وكبير وقيل القابلة كالذيب وغيرها صغير وهي ملكتهم وقال كعب: ذلك واد من أودية الطائف واعراب واد مقدر على الياء المحذوفة نطقا وخطا وبعض العرب يعرب الوادي على الدال ويسقط ياءه ويقف هنا بإسكان الدال وكذا في غير هذا الموضع وغيره يقف باثبات الياء والنمل حيوان فطن قوي شمّام جدا يدخّر ويتخذ القرى ويشق الحف قطعتين لئلا ينبت ويشق الكزبرة أربع قطع لانها تنبت اذا قسمت شقين ويأكل في عامه نصف ما جمع ويستقي سايره عدة والحق عندي أن للحيوانات أفهاما وعقولا قصارا لا يتعلق بها التكليف ثم رأيت ابن العربي قال في احكامه: لا خلاف بين العلماء في أن الحيوانات كلها لها أفهام وعقول قال الشافعي: الحمام أعقل الطير وقريء: {على واد النمل} قالت نملة بضم ميمهما وكان الاسكان تخفيف منه وقريء بضم نونهما وميمهما وروي ان سليمان سار من اصطخر يريد اليمن فوصل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذه دار هجرة نبي يكون في آخر الزمان طوبى لمن آمن به واتبعه قال في عرائس القرآن عن كعب الأحبار ثم وافا مكة فرأى حول البيت أصناما تعبد من دون الله فجاوز البيت فبكى البيت فأوحى الله اليه ما يبكيك وهو أعلم فقال: يا رب هذا نبي من انبيائك وقوم من أولياءك مروا علي فلم يهدوا في ولم يصلوا عندي ولم يذكروك بحضرتي والأصنام تعبد حولي من دونك فأوحى الله اليه لا تبك فاني أملك وجوها سجدا وأنزل فيك قرآنا عربيا وأفرض على عبادي فريضة يزفون اليك زفيف النسور الى اوكارها يحنون اليك حنين الناقة الى اولادها والحمامة الى بيضها وأطهرك من الأوثان وعبدة الشياطين ثم أمر سليمان أن ينزل عنده ويصلي فيه ويقرب عنده قربانا ففعل، نحر عنده خمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف ثور وعشرين الف شاة وقال لمن حضر من قومه ان هذا مكان يخرج منه نبي عربي يعطى النصر على جميع من ناوأه ويكون سيفه نقمة على من خالفه وتبلغ هيبته مسيرة شهر القريب والبعيد عنده في الحق سواء لا تأخذه في الله لومة لائم. قالوا: كم بيننا وبينه؟ قال قدر الف عام. {قَالَتْ نَمْلَةٌ} انا إلى الآن لا ادري أهي ذكر أم انثى ولا تغرني تاء (قالت) كما غرت أبا حنيفة فان ما يفرق بينه وبين جمعه بالتاء في المفرد يؤنث مفرده إلا أن تبين مذكره فانه يذكر ودخل قتادة الكوفة فالتف عليه الناس فقال اسألوا عما شئتم وكان أبو حنيفة حاضرا غلاما حدثا فقال أسالوا عن نملة سليمان أذكر أم انثى فسألوه فافحم. فقال أبو حنيفة: كانت أنثى، فقيل له: من أين عرفت؟ فقال: من قوله تعالى (قالت)، ولو كانت ذكر لقال قال نملة وارتضاه جار الله وقال: أن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى فميّز بينهما بعلامة نحو قولهم حمامة ذكر وحمامة انثى وهو وهي وفي قول أبي حنيفة ولو كانت ذكرا منافاة الكلام نفسه فافهم فانه أنّث النملة مع الأخبار عنها بالذكر إلا أن أراد تأويلها بدابة وهي نملة عرجاء تتكاوس، وعن الشعبي: كانت ذات جناحين. قال الضحاك: اسمها طاخية وقيل: جرمي. {يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ} قلت ذلك وقد رأت جند سليمان فقيل سمعت الصوت وخاطبت النمل بضمير العقلاء لأن النمل عقلاء عندها وكل من النمل عاقل عند آخر كما تتخاطب العقلاء منا، زعم بعضهم أنها لم تنطق حقيقة وأنها لما رأتهم متوجهين الى الوادي فرت عنهم مخافة الحكم فتبعها غيرها فصاحت صيحة نبهت بها ما بحضرتها من النمل فتبعها فشبه ذلك بمخاطبة العقلاء ومناصحتهم ولذلك أجروا خلق الله فيها العقل والنطق اهـ ولعل هذا البعض أراد انها لم تنطق بكلام بني آدم وانما نطقت بغيره ففهمه سليمان وانه لا يمتنع ان يخلق الله فيها الكلام بلغة بني آدم والكل محتمل. {لا يَحْطِمَنَّكُمْ} لا يسكرنكم. {سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ} أي سليمان وجنوده. {لا يَشْعُرُونَ} بهلاككم والظاهر عندي أن لا ناهية وهو الأوفق بالتأكيد بالنون وان المراد النهي عما هو ملزوم للحطم وهو عدم الانتقال عن مواضعهن فعبّر باللازم وأراد الملزوم وان شئت فقل عبر بالمسبب وأراد السبب فكأنه قال لا تقعدوا في مواضعكم فيحطمنكم سليمان وجنوده كقولك لا ارينك هاهنا تريد لا تحضر فأراك والظاهر عندي انه كما يمكن خطم الجنود النمل يمكن خطم سليمان إياه بلا عمد فالكلام على ظاهره ويجوز ان يكون المراد لا يحطمنكم جنود سليمان فجاء بم هو أبلغ كقولك اعجبني زيد وعلمه وأنت تريد أعجبني علم زيد ويجوز أن تكون لا نافية وهي وما بعدها جواب للأمر أي ان دخلتم مساكنكم لا نحطمنكم واذا جعلناها ناهية فالجملة مستأنفة أو بدل من ادخلوا كقوله أقول له إرحل لا تقيمن عندنا وقريء {مسكنكم} بالافراد وقريء {لا يحطمنكم} بنون التوكيد الخفيفة وقريء {لا يحطمنكم} بفتح الحاء وتشديد الطاء مكسورة أصله يحتطمنكم قلبت التاء طاء وادغمت في الطاء بعد نقل فتحتها الى الحاء وتوكيد الفعل المنفي بلا قليل غير مقيس وقيل مقيس في السعة والضرورة وجملة هم لا يشعرون مستأنفة أو حال احترزت بها عما لو شعروا بهن فانهم لا يتعمدون حطمهن فإن الانبياء معصومون عن الظلم وقد علمت النملة ان ليس في سليمان ما في الملوك من تجبروتية وان قلت كيف يحطم سليمان وجنوده وهم بين السماء والأرض النمل في الأرض؟ قلت: خافت النملة ان ينزلوا في الموضع الذي هن فيه أو لعل مركبهم تارة يعلو وتارة يقرب من الأرض وقيل أحست بصورة الجند ولم تعلم انهم في الهواء فأمر الريح فسكنت لئلا يذعرن وقيل كانوا في هذا المسير ماشين على الأرض بأرجلهم ودوابهم وسمع سليمان قولها من ثلاثة أميال حملته اليه الريح ولما بلغ وادي النمل حبس جنده حتى دخل النمل بيوتهم وروي انه لما سمع كلامها نزل وقال: ائتوني بها فقال: لها لم حذرت النمل من ظلمي أما علمت اني نبي دعل قالت: أو ما سمعت قولي وهم لا يشعرون مع اني لم ارد حطم الأجسام وانما اردت حطم القلوب خشية أن نتمني مثل ما اعطيت فنفتتن ونشغف بالنظر اليكم عن التسبيح فقال لها عظيني. فقالت: أعلمت لم سمي أبوك داود؟ قال لا. قالت: لأنه داوى جرحه فود. وهل تدري سميت سليمان؟ قال: لا. قالت: لأنك سليم القلب ولذلك أوتيت الملك. قالت أتدري لم سخر الله لك الريح؟ قال: لا. قالت: أخبرك أن الدنيا كلها ريح. وروى انه طار البساط يوما بسليمان وجنوده حتى مس السماء وسمع تسبيح الملائكة ثم هبط حتى مس البحر فنودي جنوده لو أن في قلب صاحبكم مثقال حبة خردل من الكبر لخسف بكم.

اطفيش

تفسير : {حتَّى إذا أتوْا على وادِ النَّمل} حتى ابتدائية، ولا تخلو عن غاية، وهو واد بالشام كثير النمل، أو بالسدير من أرض الطائف، أو بأقصى اليمن، وزعم بعض أنه واد تسكنه الجن والنمل مراكبهم، ومعنى الاتيان عليه، الحضور عنده، والاطلاع عليه، ولذلك تعدى بعلى أو أريد بالاتيان عليه قطعة عن آخره، أى حتى إذا أرادوا قطعة، ولذلك تعدى بعلى او لأنهم أتوا من موضع عال عليه، وذلك أنهم ساروا بالأرجل والدواب أو كانوا فى الهواء، وأرادوا النزول على الوادى. {قالتْ نَملةٌ} تاؤه للوحدة، لا لكون مسماه أنثى، فتاء قالت لا تدل على أنها نملة أنثى كما قال أبو حنيفة، وهو شاب أنها أنثى بدليل تاء قالت، وليس كما قال، فهو لفظ مجمل يؤنث له الفعل والوصف، ولو أريد به مذكر تقول: هذه بقرة، وجاءت بقرة، ولو أردت ذكراً، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يضحى بعوراء ولا عمياء ولا عجفاء"تفسير : فأنث الشاة أو الضحية أو البهيمة مطلقاً، ولو أراد كبشاً أو ثوراً أو جملا، فتقول: جاءت الشاة ولو كبشا، ولا يصح أن يقال اذا أريد مذكر من ذلك لم يؤت بعلامة التأنيث، واذا أريد مؤنث وجبت، ولا يرد أنه لا يقال: جاءت طلحة أو حمزة، لأن الأعلام لا بد من اعتبار المعنى فيها، وأما قولك: هذا بطة ذكر، وهذا حمامة ذكر، فعلى سبيل الجواز والبيان، لا على سبيل الوجوب، وان شئت فقل: هذه، ومن أوجب أخطأ وهى كسائر النمل. وزعم بعض أنها كذئب وأنها عرجاء، ويقال لها جناحان، وأن اسمها طاخية أو جرمى، ولعل أهلها سموها أو سليمان، وكيف يسمى ما لا ينطق ولا يصوت، وما نفع اسمه إلا أن سماه ناطق إلا أن هذه نص الله على أنها تكلمت، وأنه تعالى أفهم النمل كلامها، ولو لم يجر كلام فى النمل قبل، والله قادر ان يجرى فيه كلاماً لا نسمعه، كما الهمها مصالحها أن تدخر القوت للشتاء، وتشق الحبة لئلا تنبت، والكزبرة والعدس أربعاً لأنهما ينبتان ولو شقا نصفين، وتكلم النملة معجزة له عليه السلام، وقد قيل سمعها من ثلاثة أميال باذن الله، أو بارساله تعالى الريح اليه بكلامها. {يا أيُّها النَّمل} هن عقلاء عندها إذ فهمن كلامها، وغلبت ذكورهن فقالت: {ادْخُلوا} بضمير العقلاء للذكور، وكذا ما بعد هذا تبع له {مَسَاكنكم لا يحْطِمنَّكم سُليمانُ وجنُودُه} إذا نزلوا الى الأرض عن البساط للوضوء والصلاة، سمعها من ثلاثة أميال، ألهمها الله تعالى أنهم ينزلون، أو قالت ذلك حين رأتهم ينزلون، نهى لسليمان وجنوده لفظا، والمراد نهيهن عن عدم الحذر عن حطمهنَّ، وهو فى المعنى تأكيد للأمر بدخول المساكن، والحطم الكسر المؤدى الى الاهلاك. {وهُم لا يشْعُرون} حال من الجنود وسليمان، ولا يصح ما قيل إنه دعاها، أو امر أن يؤتى بها، فقال: ألم تر أنى لا أظلم لأنه قد سمع {وهم لا يشعرون} كما سمع {لا يحطمنكم سليمان وجنوده} ولا أنه قال: عظينى، فقالت: سمى داود لأنه داوى جراحة قلبه، وأنت لسلامة قلبك، والريح المسخرة لك اخبار من الله تعالى بأن الدنيا كلها كالريح لا عمدة عليها، ولا انها، قالت: سمى داود لأنه داوى جراحة قلبه، وأنت لسلامة قلبك، والريح المسخرة لك اخبار من الله تعالى بأن الدنيا كلها كالريح لا عمدة عليها، ولا أنها، قالت: أردت بقولى: {لا يحطمنكم} حطم قلوب النمل بتمنى ملك، وكفر ما هن فيه من النعم، والاشتغال بالنظر اليك عن ذكر الله عز وجل، وقبح الله المتصوفة المؤهمين تفسير القرآن بما ليس مراداً.

الالوسي

تفسير : {حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِى ٱلنَّمْلِ } حتى هي التي يبتدأ بها الكلام ومع ذلك هي غاية لما قبلها وهي هٰهنا غاية لما ينبـىء عنه قوله تعالى: {أية : فَهُمْ يُوزَعُونَ } تفسير : [النمل: 17] من السير كأنه قيل: فساروا حتى إذا أتوا الخ، ووادي النمل واد بأرض الشام كثير النمل على ما روي عن قتادة ومقاتل، وقال كعب: هو وادي السدير من أرض الطائف، وقيل: واد بأقصى اليمن وهو معروف عند العرب مذكور في أشعارها، وقيل: هو واد تسكنه الجن والنمل مراكبهم وهذا عندي مما لا يلتفت إليه. وتعدية الفعل إليه بكلمة على مع أنه يتعدى بنفسه أو بإلى - إما لأن إتيانهم كان من جانب عال فعدى بها للدلالة على ذلك كما قال المتنبـي:شعر : ولشد ما جاوزت قدرك صاعداً ولشد ما قربت عليك الأنجم تفسير : لما كان قرب الأنجم، وإن أراد بها أبيات شعره من فوق، وإما لأن المراد بالإتيان عليه قطعه وبلوغ آخره من قولهم: أتى على الشيء إذا أنفده وبلغ آخره. ثم الإتيان عليه بمعنى قطعه مجاز عن إرادة ذلك وإلا لم يكن للتحذير من الحطم الآتي وجه إذ لا معنى له بعد قطع الوادي الذي فيه النمل ومجاوزته، والظاهر على الوجهين أنهم أتوا عليه مشاة، ويحتمل أنهم كانوا يسيرون في الهواء فأرادوا أن ينزلوا هناك فأحست النملة بنزولهم فأنذرت النمل. {قَالَتْ نَمْلَةٌ } جواب (إذا). والظاهر أنها صوتت بما فهم سليمان عليه السلام منه معنى {يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَـٰكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَـٰنُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } وهذا كما يفهم عليه السلام من أصوات الطير ما يفهم، ولا يقدح في ذلك أنه عليه السلام لم يعلم إلا منطق الطير إما لأنها كانت من الطير ذات جناحين كما أخرج ابن أبـي حاتم عن الشعبـي وهو عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة، وكم رأينا نملة لها جناحان تطير بهما، وكون ذلك لا يقتضي عدها من الطير محل نظر وإما لأن فهم ما ذكر وقع له عليه السلام هذه المرة فقط ولم يطرد كفهم أصوات الطير، وليس في الآية / السابقة ولا في الأخبار ما ينفي فهم ما يقصده غير الطير من الحيوانات بدون اطراد، وقال ابن بحر: إنها نطقت بذلك معجزة لسليمان عليه السلام كما نطق الضب والذراع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال مقاتل: وقد سمع عليه السلام قولها من ثلاثة أميال، ويلزم على هذا أنها أحست بنزولهم من هذه المسافة. والسمع من سليمان منها غير بعيد لأن الريح كما جاء في الآثار توصل الصوت إليه أو لأن الله تعالى وهبه إذ ذاك قوة قدسية سمع بها إلا أن إحساس النملة من تلك المسافة بعيد، والمشهور عند العرب بالإحساس من بعيد القراد حتى ضربوا به المثل. وأنت تعلم أنه لا ضرر في إنكار صحة هذا الخبر، وقيل: إنه عليه السلام لم يسمع صوتاً أصلاً وإنما فهم ما في نفس النملة إلهاماً من الله تعالى، وقال الكلبـي: أخبره ملك بذلك وإلى أنه لم يسمع صوتاً يشير قول جرير:شعر : لو كنت أوتيت كلام الحكل علم سليمان كلام النمل تفسير : فإنه أراد بالحكل ما لا يسمع صوته؛ وقال بعضهم: كأنها لما رأتهم متوجهين إلى الوادي فرت عنهم مخافة حطمهم فتبعها غيرها وصاحت صيحة تنبهت بها ما بحضرتها من النمل فتبعتها فشبه ذلك بمخاطبة العقلاء ومناصحتهم ولذلك أجروا مجراهم حيث جعلت هي قائلة وما عداها من النمل مقولاً له فيكون الكلام خارجاً مخرج الاستعارة التمثيلية، ويجوز أن يكون فيه استعارة مكنية. وأنت تعلم أنه لا ضرورة تدعو إلى ذلك. ومن تتبع أحوال النمل لا يستبعد أن تكون له نفس ناطقة فإنه يدخر في الصيف ما يقتات به في الشتاء ويشق ما يدخره من الحبوب نصفين مخافة أن يصيبه الندى فينبت إلا الكزبرة والعدس فإنه يقطع الواحدة منهما أربع قطع ولا يكتفى بشقها نصفين لأنها تنبت كما تنبت إذا لم تشق. وهذا وأمثاله يحتاج إلى علم كلي استدلالي وهو يحتاج إلى نفس ناطقة. وقد برهن شيخ الأشراف على ثبوت النفس الناطقة لجميع الحيوانات. وظواهر الآيات والأخبار الصحيحة تقتضيه كما سمعت قديماً وحديثاً فلا حاجة بك إلى أن تقول: يجوز أن يكون الله تعالى قد خلق في النملة إذ ذاك النطق وفيما عداها من النمل العقل والفهم وأما اليوم فليس في النمل ذلك. ثم إنه ينبغي أن يعلم أن الظاهر أن علم النملة بأن الآتي هو سليمان عليه السلام وجنوده كان عن إلهام منه عز وجل وذلك كعلم الضب برسول صلى الله عليه وسلم حين تكلم معه وشهد برسالته عليه الصلاة والسلام، والظاهر أيضاً أنها كانت كسائر النمل في الجثة، وفيه اليوم ما يقرب من الذبابة ويسمى بالنمل الفارسي، وبالغ بعض القصاص في كبرها ولا يصح له مستند. وفي بعض الآثار أنها كانت عرجاء واسمها طاخية، وقيل: جرمى، وفي «البحر» اختلف في اسمها العلم ما لفظه وليت شعري من الذي وضع لها لفظاً يخصها أبنو آدم أم النمل انتهى، والذي يذهب إلى أن للحيوانات نفوساً ناطقة لا يمنع أن تكون لها أسماء وضعها بعضها لبعض لكن لا بألفاظ كألفاظنا بل بأصوات تؤدى على نحو مخصوص من الأداء ولعله يشتمل على أمور مختلفة كل منها يقوم مقام حرف من الحروف المألوفة لنا إذا أراد أن يترجم عنها من عرفها من ذوي النفوس القدسية ترجمها بما نعرف، ويقرب هذا لك أن بعض كلام الإفرنج وأشباههم لا نسمع منه إلا كما نسمع من أصوات العصافير ونحوها وإذا ترجم لنا بما نعرفه ظهر مشتملاً على الحروف المألوفة. والظاهر أن تاء {نَمْلَةٌ } للوحدة فتأنيث الفعل لمراعاة ظاهر التأنيث فلا دليل في ذلك على أن النملة كانت أنثى قاله بعضهم. / وعن قتادة أنه دخل الكوفة فالتف عليه الناس فقال: سلوا عما شئتم - وكان أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه حاضراً وهو غلام حدث - فقال: سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكراً أم أنثى؟ فسألوه فأفحم فقال أبو حينفة: كانت أنثى فقيل له: من أين عرفت؟ فقال من كتاب الله تعالى وهو قوله تعالى: {قَالَتْ نَمْلَةٌ } ولو كان ذكراً لقال سبحانه قال نملة، وذلك أن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى فيميز بينهما بعلامة نحو قولهم: حمامة ذكر وحمامة أنثى وهو وهي كذا في «الكشاف»، وتعقبه ابن المنير فقال: لا أدري العجب منه أم من أبـي حنيفة إن ثبت ذلك عنه، وذلك أن النملة كالحمامة والشاة تقع على الذكر وعلى الأنثى لأنه اسم جنس فيقال: نملة ذكر ونملة أنثى كما يقولون: حمامة ذكر وحمامة أنثى وشاة ذكر وشاة أنثى فلفظها مؤنث ومعناها محتمل فيمكن أن تؤنث لأجل لفظها وإن كانت واقعة على ذكر بل هذا هو الفصيح المستعمل، ألا ترى قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يضحى بعوراء ولا عمياء ولا عجفاء»تفسير : كيف أخرج عليه الصلاة والسلام هذه الصفات على اللفظ مؤنثة ولا يعني صلى الله عليه وسلم الإناث من الأنعام خاصة فحينئذ قوله تعالى: {قَالَتْ نَمْلَةٌ} روعي فيه تأنيث اللفظ وأما المعنى فيحتمل التذكير والتأنيث على حد سواء، وكيف يسأل أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه بهذا ويفحم به قتادة مع غزارة علمه، والأشبه أن ذلك لا يصح عنهما اهـ. وقال ابن الحاجب عليه الرحمة: التأنيث اللفظي هو أن لا يكون بإزائه ذكر في الحيوان كظلمة وعين، ولا فرق بين أن يكون حيواناً أو غيره كدجاجة وحمامة إذا قصد به مذكر فإنه مؤنث لفظي، ولذلك كان قول من زعم أن النملة في قوله تعالى: {قَالَتْ نَمْلَةٌ } أنثى لورود تاء التأنيث في {قَالَتْ } وهما لجواز أن يكون مذكراً في الحقيقة، وورود تاء التأنيث كورودها في الفعل المؤنث اللفظي نحو جاءت الظلمة. وأجاب بعض فضلاء ما وراء النهر وقال لعمري: أنه قد تعسف هٰهنا ابن الحاجب وترك الواجب حيث اعترض على إمام أهل الإسلام، واعتراضه بقوله: وورود تاء التأنيث كورودها الخ ليش بشيء إذ لو كان جائزاً أن يؤتى بتاء التأنيث في الفعل لمجرد صورة التأنيث في الفاعل المذكر الحقيقي لكان ينبغي جواز أن يقال: جاءتني طلحة مع أنه لا يجوز، وجوابه عن ذلك في «شرحه» بقوله: وليس ذلك كتأنيث أسماء الأعلام فإنها لا يعتبر فيها إلا المعنى دون اللفظ خلافاً للكوفيين. والسر فيه أنهم نقلوها عن معانيها إلى مدلول آخر فاعتبروا فيها المدلول الثاني، ولو اعتبروا تأنيثها لكان اعتباراً للمدلول الأول فيفسد المعنى فلذلك لا يقال: أعجبتني طلحة تناقض محض كأنه نسي ما أمضى في صدر «كتابه» من قوله فإن سمي به مذكر فشرطه الزيادة يعني فإن سمي بالمؤنث المعنوي فشرطه الزيادة على ثلاثة أحرف فلا يخفى على من له أدنى مسكة أن عقرب مع أن علامة التأنيث فيه مقدرة العلمية لا تمنعها عن اعتبار تأنيثها حتى تمنع من الصرف فكيف تمنع العلمية عن اعتبار التأنيث في طلحة مع أن علامة التأنيث فيه لفظية فإذن ليس طرح التاء عن الفعل إلا لأن التاء إنما يجاء بها علامة لتأنيث الفاعل، والفاعل هٰهنا مذكر حقيقي فكذا النملة لو كان مذكراً لكان هو مع طلحة حذو القذة بالقذة. وينصر قول أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه ما نقل عن ابن السكيت: هذا بطة ذكر وهذا حمامة ذكر وهذا شاة إذا عنيت كبشاً وهذا بقرة إذا عنيت ثوراً فإن عنيت به أنثى قلت: هذه بقرة اهـ. وارتضاه الطيبـي ثم قال فظهر أن القول ما قالت حذام والمذهب ما سلكه الإمام. وفي «الكشف» / إن التاء في نملة للوحدة فهي في حكم المؤنث اللفظي جاز أن تعامل معاملته كتمر وتمرة على ما نص عليه في «المفصل»، ولا يشكل بنحو طلحة حيث لم يجز إلحاق فعله التاء لأن أسماء الأعلام يعتبر فيها المعنى دون اللفظ خلافاً للكوفيين إلى آخر ما ذكره ابن الحاجب، ولا نقض باعتبار التأنيث في عقرب إن سمي به مذكر ولا في طلحة نفسه باعتبار منع الصرف على ما ظنه بعض فضلاء ما وراء النهر. وصوبه شيخنا الطيبـي لأن اعتبار المعنى هو فيما يرجع إلى المعنى لا فيما يرجع إلى اللفظ، وإلحاق العلامة باعتبار الفاعل إما للتأنيث الحقيقي وإما لشبه التأنيث من الوحدة أو الجمعية ونحوها فإذا لم يبق المعنى أعني التأنيث وشبه التأنيث فلا وجه للإلحاق. وأما منع الصرف فلا نظر فيه إلى معنى التأنيث بل إلى هذه الزيادة لفظاً أو تقديراً وذلك غير مختلف في المنقول والمنقول عنه، وكفاك دليلاً لاعتبار اللفظ وحده في هذا الحكم تفرقتهم في سقر بين تسمية المذكر به والمؤنث دون عقرب فلو تأمل المناقض لكان ما أورده عليه لا له هذا، وإن الإمام رضي الله تعالى عنه كوفي والقاعدة على أصله مهدومة انتهى. وهو كلام متين. والحزم القول بعدم صحة هذه الحكاية فأبو حنيفة رضي الله تعالى عنه من عرفت وإن كان إذ ذاك غلاماً حدثاً وقتادة بن دعامة السدوسي بإجماع العارفين بالرجال كان بصيراً بالعربية فيبعد كل البعد وقوع ما ذكر منهما والله تعالى أعلم. والحطم الكسر والمراد به الإهلاك. والنهي في الظاهر لسليمان عليه السلام وجنوده وهو في الحقيقة نهى على طريق الكناية للنمل عن التوقف حتى تحطم لأن الحطم غير مقدور لها نحو قولك: لا أرينك هٰهنا فإنه في الظاهر نهي للمتكلم عن رؤية المخاطب والمقصود نهي المخاطب عن الكون بحيث يراه المتكلم فالجملة استئناف أو بدل اشتمال من جملة {ٱدْخُلُواْ مَسَـٰكِنَكُمْ }، وقول بعضهم: إذا كان المعنى النهي عن التوقف حتى تحطم يحصل الاتحاد بين الجملتين يقتضي أنه بدل كل من كل بناء على أن الأمر بالشيء عين النهي عن ضده وعلى ما ذكر لا حاجة إليه؛ وبالجملة اعتراض أبـي حيان على وجه الإبدال باختلاف مدلولي الجملتين ليس في محله، وجوز الزمخشري كون (لا يحطمنكم) جواباً للأمر، أعني - ادخلوا - و {لا } حينئذ نافية وتعقب بأن دخول النون في جواب الشرط مخصوص بضرورة الشعر كقوله:شعر : مهما تشأ منه فزارة تعطه ومهما تشأ منه فزارة يمنعا تفسير : وفي «الكتاب» وهو قليل في الشعر شبهوه بالنهي حيث كان مجزوماً غير واجب. وأرادت النملة على ما في «الكشاف» لا يحطمنكم جنود سليمان فجاءت بما هو أبلغ ونحوه قوله:شعر : عجبت من نفسي ومن إشفاقها تفسير : حيث أراد عجبت من إشفاق نفسي فجاء بما هو أبلغ للإجمال والتفصيل. وتعقب ذلك في «البحر» بأن فيه القول بزيادة الأسماء وهي لا تجوز بل الظاهر إسناد الحطم إليه عليه السلام وإلى جنوده والكلام على حذف مضاف أي خيل سليمان وجنوده أو نحو ذلك مما يصح تقديره وللبحث فيه مجال وجملة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } حال من مجموع المتعاطفين والضمير لهما. وجوز أن تكون حالاً من الجنود والضمير لهم، وأياً ما كان ففي تقييد الحطم بعدم الشعور بمكانهم المشعر بأنه لو شعروا بذلك لم يحطموا ما يشعر بغاية أدب النملة مع سليمان عليه السلام وجنوده، وليت من طعن في أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم تأسى بها فكف عن ذلك وأحسن الأدب، وروي أن سليمان / عليه السلام لما سمع قول النملة: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ} الخ قال ائتوني بها فأتوا بها فقال لم حذرت النمل ظلمي؟ أما علمت أني نبـي عدل فلم قلت: {ٱدْخُلُواْ مَسَـٰكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَـٰنُ وَجُنُودُهُ} فقالت: أما سمعت قولي {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} ومع ذلك أني لم أرد حطم النفوس وإنما أردت حطم القلوب خشيت أن يروا ما أنعم الله تعالى به عليك من الجاه والملك العظيم فيقعوا في كفران النعم فلا أقل من أن يشتغلوا بالنظر إليك عن التسبيح فقال لها سليمان عظيني فقالت أعلمت لم سمي أبوك داود؟ قال: لا قالت: لأنه داوى جراحة قلبه وهل تدري لم سميت سليمان؟ قال: لا قالت: لأنك سليم القلب والصدر. ثم قالت: أتدرى لم سخر الله تعالى لك الريح؟ قال لا قالت أخبرك الله تعالى بذلك أن الدنيا كلها ريح فمن اعتمد عليها فكأنما اعتمد على الريح. وهذا ظاهر الوضع كما لا يخفى وفيه ما يشبه كلام الصوفية والله تعالى أعلم بصحة ما روي من أنها أهدت إليه نبقة وأنه عليه السلام دعا للنمل بالبركة. وجوز أن تكون جملة {هُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} في موضع الحال من النملة والضمير للجنود كالضمائر السابقة في قوله تعالى: {أية : فَهُمْ يُوزَعُونَ }تفسير : [النمل: 17] وقوله سبحانه: {حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا } وهي من كلامه تعالى أي قالت ذلك في حال كون الجنود لا يشعرون به وليس بشيء وقد يقرب منه ما قيل إنه يجوز أن تكون الجملة معطوفة على مقدر وهي من كلامه عزو جل كأنه قيل: فهم سليمان ما قالت والجنود لا يشعرون بذلك. وقرأ الحسن وطلحة ومعتمر بن سليمان وأبو سليمان التيمي (نملة) بضم الميم كسمرة، وكذلك النمل كالرجل والرجل لغتان، وعن أبـي سليمان التيمي (نملة) و(نمل) بضم النون والميم. وقرأ شهر بن حوشب {مسكنكم} على الإفراد. وعن أبـي {ادخلن مساكنكن لا يحطمنكن} مخففة النون التي قبل الكاف. وقرأ الحسن وأبو رجاء وقتادة وعيسى بن عمر الهمداني الكوفي ونوح القاضي بضم الياء وفتح الحاء وشد الطاء والنون مضارع حطم مشدداً. وعن الحسن بفتح الياء وإسكان الحاء وشد الطاء وعنه كذلك مع كسر الحاء وأصله يحتطمنكم من الاحتطام. وقرأ ابن أبـي إسحاق وطلحة ويعقوب وأبو عمرو في رواية عبيد كقراءة الجمهور إلا أنهم سكنوا نون التأكيد، وقرأ الأعمش بحذف النون وجزم الميم. ولا خلاف على هذه القراءة في جواز أن يكون الفعل مجزوماً في جواب الأمر.

ابن عاشور

تفسير : {حتّى} ابتدائية، ومعنى الغاية لا يفارقها، ولكنها مع الابتدائية غاية غيرُ نهاية. و{إذا} ظرف زمان بمعنى حين، وهو يقتضي فعلين بعدهُ يشبهان فعلي الشرط وجوابِه لأن {إذا} مضمَّنة معنى الشرط، و{إذا} معمول لفعل جوابه، وأما فعل شرطه فهو جملة مضاف إليها {إذا}. والتقدير: حتى قالت نملة حينَ أتوا على واد النمل. وواد النمل يجوز أن يكون مراداً به الجنس لأن للنمل شقوقاً ومسالك هي بالنسبة إليها كالأودية للساكنين من الناس، ويجوز أن يراد به مكان مشتهر بالنمل غلب عليه هذا المضاف كما سمي وادي السباع موضع معلوم بين البصرة ومكة. قيل: واد النمل في جهة الطائف، وقيل غير ذلك، وكله غير ظاهر من سياق الآية. و{النمل}: اسم جنس لحشرات صغيرة ذات ست أرجل تسكن في شقوق من الأرض. وهي أصناف متفاوتة في الحجم، والواحد منه نملة بتاء الوحدة، فكلمة نملة لا تدل إلا على فرد واحد من هذا النوع دون دلالة على تذكير ولا تأنيث فقوله: {نملة} مفاده: قال واحدٌ من هذا النوع. واقتران فعله بتاء التأنيث جرى على مراعاة صورة لفظه لشبه هائه بهاء التأنيث وإنما هي علامة الوحدة، والعرب لا يقولون: مشَى شاة، إذا كان الماشي فحلاً من الغنم، وإنما يقولون: مَشت شاة، وطارت حمامة، فلو كان ذلك الفرد ذكراً وكان مما يفرق بين ذكره وأنثاه في أغراض الناس وأرادوا بيان كونه ذكراً قالوا: طارت حمامة ذكر، ولا يقولون طار حمامة، لأن ذلك لا يفيد التفرقة. ألا ترى أنه لا يصلح أن يكون علامة على كون الفاعل أنثى، ألا ترى إلى قول النابغة:شعر : مَاذَا رُزئنا به من حَيَّة ذَكَر نَضناضة بالرزايا صِلِّ أصلال تفسير : فجاء باسم (حية) وهو اسم للجنس مقترن بهاء التأنيث، ثم وصفه بوصف ذكر ثم أجرى عليه التأنيث في قوله: نضناضة، لأنه صفة لــــ(حية). وفي حديث ابن عباس عن صلاة العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم «أقبلتُ راكباً على حمار أتان» فوصف (حمارٍ) الذي هو اسم جنس باسم خاص بأنثاه. ولذلك فاقتران فعل {قالت} هنا بعلامَة التأنيث لمراعاة اللفظ فقط، على أنه لا يتعلق غرض بالتمييز بين أنثى النمل وذكره بلْه أن يتعلق به غرض القرآن لأن القصد وقوع هذا الحادث وبيان علم سليمان لا فيما دون ذلك من السفاسف. وذكر في «الكشاف»: أن قتادة دخل الكوفة فالتف عليه الناس فقال: سلوا عما شئتم، وكان أبو حنيفة حاضراً وهو غلام حَدَث، فقال لهم أبو حنيفة: سلوه عن نملة سليمان: أكانت ذكراً أم أنثى؟ فسألوه، فأفْحِم. فقال أبو حنيفة: كانت أنثى. فقيل له: من أين عرفت؟ قال: من كتاب الله وهو قوله تعالى: {قالت نملة} ولو كانت ذكراً لقال: قال نملة. قال في «الكشاف»: وذلك أن النملة مثل الحمامة والشاة في وُقوعها على الذكر والأنثى فيميز بينهما بعلامةٍ نحو قولهم: حمامةٌ ذكر وحمامةٌ أنثى، وقولِهم: وهُو وهِي. اهــــ. ولعل مراد صاحب «الكشاف» إن كان قَصَدَ تأييدَ قَولة أبي حنيفة أن يقاس على الوصف بالتذكير ما يقوم مقامه في الدلالة على التفرقة بين الذكر والأنثى فتقاس حالة الفعل على حالة الوصف، إلا أن الزمخشري جاء بكلام غير صريح لا يدرى أهو تأييد لأبي حنيفة أم خروج من المضيق. فلم يُقدم على التصريح بأن الفعل يقترن بتاء التأنيث إذا أريد التفرقة في حالة فاعله. وقد رد عليه ابن المنيّر في «الانتصاف» وابن الحاجب في «إيضاح المفصّل» والقزويني في «الكشف على الكشاف». ورأوا أن أبا حنيفة ذهل فيما قاله بأنه لا يساعد قول أحد من أيمة اللغة ولا يشهد به استعمال ولا سيما نحاة الكوفة ببلدِه فإنهم زادوا فجوزوا تأنيث الفعل إذا كان فعله علماً مؤنث اللفظ مثل: طلحة وحمزة. واعلم أن إمامة أبي حنيفة في الدين والشريعة لا تنافي أن تكون مقالته في العربية غير ضليعة. وأعجب من ذهول أبي حنيفة انفحام قتادة من مثل ذلك الكلام. وغالب ظني أن القصة مختلقة اختلاقاً غير متقن. ويجوز أن يخلق الله لها دلالة وللنمل الذي معها فهما لها وأن يخلق فيها إلهاماً بأن الجيش جيشُ سليمان على سبيل المعجزة له. والحطم: حقيقته الكسر لشيء صلب. واستعير هنا للرفس بجامع الإهلاك. و{لا يحطمنّكم} إن جعلت {لا} فيه ناهية كانت الجملة مستأنفة تكريراً للتحذير ودلالة على الفزع لأن المحذِّر من شيء مُفزِع يأتي بجمل متعددة للتحذير من فرط المخافة والنهي عن حطم سليمان إياهن كناية عن نهيهن عن التسبب فيه وإهمال الحذر منه كما يقال: لا أعرفنك تفعل كذا، أي لا تفعله فأَعرِفَك بفعله، والنون توكيد للنهي؛ وإن جعلت {لا} نافية كانت الجملة واقعة في جواب الأمر فكان لها حكم جواب شرط مقدّر. فالتقدير: إن تدخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان، أي يَنْتفِ حطمُ سليمان إياكنّ، وإلاّ حطمكم. وهذا مما جوّزه في «الكشاف». وفي هذا الوجه كون الفعل مؤكداً بالنون وهو منفي بــــ{لا} وذلك جائز على رأي المحققين إلا أنه قليل. وأما من منعه من النحاة فيمنع أن تجعل {لا} نافية هنا. وصاحب «الكشاف» جعله من اقتران جواب الشرط بنون التوكيد لأن جواب الأمر في الحكم جواب الشرط وهو عنده أخف من دخولها في الفعل المنفي بناءً على أن النفي يضاد التوكيد. وتسمية سليمان في حكاية كلام النملة يجوز أن تكون حكاية بالمعنى وإنما دلت دلالة النملة على الحذر من حطم ذلك المحاذي لواديها، فلما حكيت دلالتها حكيتْ بالمعنى لا باللفظ، ويجوز أن يكون قد خلق الله علماً في النملة علمت به أن المارّ بها يُدعى سليمان على سبيل المعجزة وخرق العادة. وتبسُّم سليمان من قولها تبسم تعجب. والتبسّم أضعف حالات الضحك فقوله: {ضاحكاً} حال موكدة لــــ{تبسَّم} وضحك الأنبياء التبسّم، كما ورد في صفة ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ما يقرب من التبسّم مثل بدوّ النواجذ كما ورد في بعض صفات ضحكه. وأما القهقهة فلا تكون للأنبياء، وفي الحديث «حديث : كثرة الضحك تميت القلب»تفسير : . وإنما تعجب من أنها عرفت اسمه وأنها قالت: {وهم لا يشعرون} فوسمته وجندَه بالصلاح والرأفة وأنهم لا يقتلون ما فيه روح لغير مصلحة، وهذا تنويه برأفتِه وعدله الشامل لكل مخلوق لا فساد منه أجراه الله على نملة ليعلَم شرفَ العدل ولا يحتقِرَ مواضعه، وأن وليّ الأمر إذا عدل سرى عدله في سائر الأشياء وظهرت آثاره فيها حتى كأنه معلوم عند ما لا إدراك له، فتسير جميع أمور الأمة على عدل. ويضرب الله الأمثال للناس، فضرب هذا المثل لنبيئه سليمان بالوحي من دلالة نملة، وذلك سر بينه وبين ربّه جعله تنبيهاً له وداعية لشكر ربّه فقال: {رب أوزعني أن أشكر نعمتك}. وأوزع: مزيد (وزع) الذي هو بمعنى كفّ كما تقدم آنفاً، والهمزة للإزالة، أي أزال الوزع، أي الكف. والمراد أنه لم يترك غيره كافّاً عن عمل وأرادوا بذلك الكناية عن ضد معناه، أي كناية عن الحث على العمل. وشاع هذا الإطلاق فصار معنى أوزع أغرى بالعمل. فالمعنى: وفِّقني للشكر، ولذلك كان حقّه أن يتعدى بالباء. فمعنى قوله: {أوزعني} ألهمني وأغْرِني. و{أن أشكُر نعمتك} منصوب بنزع الخافض وهو الباء. والمعنى: اجعلني ملازماً شكر نعمتك. وإنما سأل الله الدوام على شكر النعمة لما في الشكر من الثواب ومن ازدياد النعم، فقد ورد: النعمة وحشية قيِّدوها بالشكر فإنها إذا شُكرت قرّت. وإذا كُفرت فرّت. ومن كلام الشيخ ابن عطاء الله: «من لم يشكر النعمة فقد تعرّض لزوالها، ومن شكرها فقد قيّدها بعقالها». وفي «الكشاف» عند قوله: {أية : ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه}تفسير : [لقمان: 12] وفي كلام بعض المتقدمين «أن كُفران النعم بوار، وقلما أقشعت نافرة فرجعت في نصابها فاستدع شاردها بالشكر، واستدم راهنَها بكرم الجوار، واعلم أن سُبوغ ستر الله متقلص عما قريب إذا أنت لم ترجُ لله وقاراً». وأدرج سليمان ذكر والديه عند ذكره إنعام الله تعالى عليه لأن صلاح الولد نعمة على الوالدين بما يدخل عليهما من مسرة في الدنيا وما ينالهما من دُعائه وصدقاته عنهما من الثواب. ووالداه هما أبوه داود بن يسّي وأمه (بثشبع) بنت (اليعام) وهي التي كانت زوجة (أوريا) الحِثّي فاصطفاها داود لنفسه، وهي التي جاءت فيها قصة نبأ الخصم المذكورة في سورة ص. و{أن أعمَل} عطف على {أن أشكر}. والإدخال في العباد الصالحين مستعار لجعله واحداً منهم، فشبه إلحاقه بهم في الصلاح بإدخاله عليهم في زمرتهم، وسؤاله ذلك مراد به الاستمرار والزيادة من رفع الدرجات لأن لعباد الله الصالحين مراتبَ كثيرة.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَادِ} {يٰأَيُّهَا} {مَسَاكِنَكُمْ} {سُلَيْمَانُ} (18) - حَتَّى إِذا مَرَّ سُلَيمانُ بمنْ مَعَهُ مِنَ الجُنْدَ عَلى وَادٍ للنَّمْلِ قَالَتْ نملةٌ لِصَحْبِهَا: ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ، فإِنَّ سُليمانَ وَجُنُودَهُ قَدْ يَحْطِمُونَكُمْ وهُمْ لا يَشْعُرونَ بِوُجُودِكُمْ، وَلا بِما يَفْعَلُونَ من تَحْطِيمِكُمْ. يَحْطِمَنَّكُمْ - يُدُوسُكُمْ ويُهْلِكُكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الضمير في {أَتَوْا ..} [النمل: 18] يعود على جنود سليمان من الإِنس والجن والطير، أي: جاءوا جميعاً صَفَّاً واحداً ومرُّوا {عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ ..} [النمل: 18] يعني: قرية النمل، وقوله {عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ ..} [النمل: 18] يدلُّ على أنهم جاءوا من أعلى الجبل، أو أنهم قطعوا الوادي كله، كما نقول: فلان أتى على الطعام كله. عندها {قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ ..} [النمل: 18] لماذا هذا التحذير؟ {لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ ..} [النمل: 18] ثم احتاطتْ النملة للأمر، فقالت {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [النمل: 18] فما كان سليمان وجنوده ليُحطِّموا بيوت النمل عن قَصْد منهم. والمعنى: حالة كونهم لا يشعرون بكم، وهذا من عدالة حكمها ومعرفتها بسليمان، وأنه ليس جباراً ولا عاتياً. إذن: فالنملة رأتْ عن بُعْد، ونطقتْ عن حق، وحكمتْ بعدل، لهذا كله تبسَّم سليمان ضاحكاً. وواضح في هذا القول ما تتميز به مملكة النمل من نظام يعرف فيه كُلٌّ مهمته، ويؤديها على أكمل وجه، فهذه النملة لا بُدَّ أنها كانت تقوم بمهمة الحراسة وتقف في الدَّرَك، ترقب الجو من حولها، وكأنها جندي الدورية اليقظ. وسبق أن قُلْنا: لو أنك جلستَ في مكان، وتركتَ فيه بعض فضلات الطعام مثلاً أو الحلوى لرأيتَ بعض النمل يدور حولها دون أنْ يقربها، ثم انصرفوا عنها، وبعد مدة ترى جماعة منهم جاءت وحملت هذه القطعة، وكأن الجماعة الأولى أفراد الاستطلاع الذين يكتشفون أماكن الطعام، ويُقدِّرون كم نملة تستطيع حمل هذا الشيء. بدليل أنك لو ضاعفتَ القطعة الملقاة لرأيتَ عدد النمل الذي جاء لحملها قد تضاعف هو أيضاً. ولو قتلتَ النمل الأول الذي جاء للاستطلاع تلاحظ أن النمل امتنع عن هذا المكان، لماذا؟ لأن النملة التي نجتْ من القتل ذهبت إلى مملكتها، وحذَّرتهم من هذا المكان. وفي مملكة النمل عجائب وآيات، سبحان خالقها، وسبحان مَنْ هداها إلى هذه الهندسة المحكومة بالغريزة. ومن عجائب النمل أنك ترى في عُشِّ النمل الحبوب مفلوقة إلى نصفين حتى لا تنبت، وتهدم عليهم عُشَّهم، لكن حبَّة الكُسْبرة مثلاً تنبت حتى لو انفلقتْ نصفين، حيث ينبت كل نصف على حِدَة، لذلك لاحظوا أن النمل يفلق هذه الحبة بالذات إلى أربعة أقسام. كما لاحظ المهتمون بدراسة النمل وجود حبات بيضاء صغيرة مثل رأس الدبوس أمام أعشاش النمل، وبفحصها تبيَّن أنها زريعة النبات التي تحمل خلايا الإنبات أخرجوها كي لا تنبت. وصدق الله العظيم: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ..}تفسير : [الأنعام: 38]. وقد سمَّى الله تعالى ما قالت النملة قولاً {قَالَتْ نَمْلَةٌ ..} [النملة: 18] ولابُدَّ أن هذا التحذير {ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ ..} [النملة: 18] جاء قبل أنْ يأتي سليمان وجنوده، وهم على مشارف الوادي. وكلمة {مَسَاكِنَكُمْ ..} [النمل: 18] تدل على أن لهم بُيوتاً ومساكنَ، ومجالَ معيشة، وكسْبَ أرزاق، كما نقول (بيلقّطوا رزقهم) من هنا ومن هناك؛ لذلك تجده يتتبع مواضع الطعام والفضلات، ويدخل إليها من أضيق الأماكن، لكن نرى مثلاً محلات الحلوى مليئة بالسكر الذي يعشقه النمل، ومع ذلك لا نجد في هذه المحلات نملة واحدة، لماذا؟ لما تتبَّعوا هذه الظاهرة بالدراسة وجدوا أن النمل لا يدخل المكان إذا كان به سِمْسم، وهذه من عجائب النمل أيضاً. وقوله تعالى: {لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ ..} [النمل: 18] الحَطْم هو التكسير، ومنه قوله سبحانه عن النار: {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحُطَمَةُ}تفسير : [الهمزة: 5] لأنها تحطم ما يُلْقى فيها.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ} معناه لا يَكْسُرنَّكُمْ.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 751 : 1 - حدثنا سفين عن الأعمش عن رجل، يقال له الحكم، عن نوف الشامي في قوله {قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ} قال، كانت النملة مثل الذيب من العظم، [الآية 18].