٢٧ - ٱلنَّمْل
27 - An-Naml (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
20
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن سليمان عليه السلام لما تفقد الطير أوهم ذلك أنه إنما تفقده لأمر يختص به ذلك الطير، واختلفوا فيما لأجله تفقده على وجوه: أحدها: قول وهب أنه أخل بالنوبة التي كان ينوبها فلذلك تفقده وثانيها: أنه تفقده لأن مقاييس الماء كانت إليه، وكان يعرف الفصل بين قريبه وبعيده، فلحاجة سليمان إلى ذلك طلبه وتفقده وثالثها: أنه كان يظله من الشمس، فلما فقد ذلك تفقده. أما قوله: {فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَائِبِينَ } فأم هي المنقطعة نظر إلى مكان الهدهد فلم يبصره فقال ما لي لا أراه، على معنى أنه لا يراه وهو حاضر لساتر ستره أو غير ذلك ثم لاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك وأخذ يقول: أهو غائب؟ كأنه يسأل عن صحة ما لاح له، ومثله قولهم: إنها لإبل أم شاء. أما قوله: {لأُعَذّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنّى بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ } فهذا لا يجوز أن يقوله إلا فيمن هو مكلف أو فيمن قارب العقل فيصلح لأن يؤدب، ثم اختلفوا في قوله: {لأُعَذّبَنَّهُ } فقال ابن عباس إنه نتف الريش والإلقاء في الشمس، وقيل أن يطلى بالقطران ويشمس، وقيل أن يلقى للنمل فتأكله، وقيل إيداعه القفص، وقيل التفريق بينه وبين إلفه، وقيل لألزمنه صحبة الأضداد، وعن بعضهم: أضيق السجون معاشرة الأضداد، وقيل لألزمنه خدمة أقرانه. أما قوله: {فَمَكَثَ } فقد قرىء بفتح الكاف وضمها {غَيْرَ بَعِيدٍ } (غير زمان بعيد) كقولك عن قريب، ووصف مكثه بقصر المدة للدلالة على إسراعه خوفاً من سليمان وليعلم كيف كان الطير مسخراً له. أما قوله: {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ } ففيه تنبيه لسليمان على أن في أدنى خلق الله تعالى من أحاط علماً بما لم يحط به، فيكون ذلك لطفاً في ترك الإعجاب والإحاطة بالشيء علماً أن يعلم من جميع جهاته. أما قوله: {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ } فاعلم أن سبأ قرىء بالصرف ومنعه، وقد روي بسكون الباء، وعن ابن كثير في رواية سبا بالألف كقولهم ذهبوا أيدي سبا وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، فمن جعله اسماً للقبيلة لم يصرف، ومن جعله اسماً للحي أو للأب الأكبر صرف، ثم سميت مدينة مأرب بسبأ وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام، والنبأ الخبر الذي له شأن. وقوله: {مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ } من محاسن الكلام الذي يتعلق باللفظ وشرط حسنه صحة المعنى، ولقد جاء ههنا زائداً على الصحة فحسن لفظاً ومعنى، ألا ترى أنه لو وضع مكان (بنبأ) بخبر لكان المعنى صحيحاً، ولكن لفظ النبأ أولى لما فيه من الزيادة التي يطابقها وصف الحال. أما قوله: {إِنّى وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ } فالمرأة بلقيس بنت شراحيل، وكان أبوها ملك أرض اليمن وكانت هي وقومها مجوساً يعبدون الشمس، والضمير في تملكهم راجع إلى سبأ، فإن أريد به القوم فالأمر ظاهر، وإن أريدت المدين فمعناه تملك أهلها. وأما قوله: {وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء } ففيه سؤال وهو أنه كيف قال: {وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء } مع قول سليمان { أية : وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَىْء } تفسير : [النمل: 16] فكأن الهدهد سوى بينهما جوابه: أن قول سليمان عليه السلام يرجع إلى ما أوتي من النبوة والحكمة، ثم إلى الملك وأسباب الدنيا، وأما قول الهدهد فلم يكن إلا إلى ما يتعلق بالدنيا. وأما قوله: {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ } ففيه سؤال، وهو أنه كيف استعظم الهدهد عرشها مع ما كان يرى من ملك سليمان؟ وأيضاً فكيف سوى بين عرش بلقيس وعرش الله تعالى في الوصف بالعظيم؟ والجواب عن الأول: يجوز أن يستصغر حالها إلى حال سليمان فاستعظم لها ذلك العرش، ويجوز أن لا يكون لسليمان مع جلالته مثله كما قد يتفق لبعض الأمراء شيء لا يكون مثله عند السلطان، وعن الثاني: أن وصف عرشها بالعظم تعظيم له بالإضافة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك ووصف عرش الله بالعظم تعظيم له بالنسبة إلى سائر ما خلق من السموات والأرض، واعلم أن ههنا بحثين: البحث الأول: أن الملاحدة طعنت في هذه القصة من وجوه: أحدها: أن هذه الآيات اشتملت على أن النملة والهدهد تكلما بكلام لا يصدر ذلك الكلام إلا من العقلاء وذلك يجر إلى السفسطة، فإنا لو جوزنا ذلك لما أمنا في النملة التي نشاهدها في زماننا هذا، أن تكون أعلم بالهندسة من إقليدس، وبالنحو من سيبويه، وكذا القول في القملة والصئبان، ويجوز أن يكون فيهم الأنبياء والتكاليف والمعجزات، ومعلوم أن من جوز ذلك كان إلى الجنون أقرب وثانيها: أن سليمان عليه السلام كان بالشام فكيف طار الهدهد في تلك اللحظة اللطيفة من الشام إلى اليمن ثم رجع إليه؟ وثالثها: كيف خفي على سليمان عليه السلام حال مثل تلك الملكة العظيمة مع ما يقال إن الجن والإنس كانوا في طاعة سليمان، وإنه عليه السلام كان ملك الدنيا بالكلية وكان تحت راية بلقيس على ما يقال اثنا عشر ألف ملك تحت راية كل واحد منهم مائة ألف، ومع أنه يقال إنه لم يكن بين سليمان وبين بلدة بلقيس حال طيران الهدهد إلا مسيرة ثلاثة أيام ورابعها: من أين حصل للهدهد معرفة الله تعالى ووجوب السجود له وإنكار سجودهم للشمس وإضافته إلى الشيطان وتزيينه؟ والجواب عن الأول: أن ذلك الاحتمال قائم في أول العقل، وإنما يدفع ذلك بالإجماع، وعن البواقي أن الإيمان بافتقار العالم إلى القادر المختار يزيل هذه الشكوك. البحث الثاني: قالت المعتزلة قوله: {يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ } يدل على أن فعل العبد من جهته لأنه تعالى أضاف ذلك إلى الشيطان بعد إضافته إليهم ولأنه أورده مورد الذم ولأنه بين أنهم لا يهتدون والجواب من وجوه: أحدها: أن هذا قول الهدهد فلا يكون حجة وثانيها: أنه متروك الظاهر، فإنه قال: {فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ } وعندهم الشيطان ما صد الكافر عن السبيل إذ لو كان مصدوداً ممنوعاً لسقط عنه التكليف، فلم يبق ههنا إلا التمسك بفصل المدح والذم والجواب: قد تقدم عنه مراراً فلا فائدة في الإعادة، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه ثماني عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: {وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ} ذكر شيئاً آخر مما جرى له في مسيره الذي كان فيه من النمل ما تقدّم. والتفقد تطلّب ما غاب عنك من شيء. والطير اسم جامع والواحد طائر، والمراد بالطير هنا جنس الطير وجماعتها. وكانت تصحبه في سفره وتظله بأجنحتها. واختلف الناس في معنى تفقده للطير؛ فقالت فرقة: ذلك بحسب ما تقتضيه العناية بأمور الملك، والتَّهمُّم بكل جزء منها؛ وهذا ظاهر الآية. وقالت فرقة: بل تفقد الطير لأن الشمس دخلت من موضع الهدهد حين غاب؛ فكان ذلك سبب تفقد الطير؛ ليتبيّن من أين دخلت الشمس. وقال عبد الله ابن سَلاَم: إنما طلب الهدهد لأنه احتاج إلى معرفة الماء على كم هو من وجه الأرض؛ لأنه كان نزل في مفازة عُدِم فيها الماء، وأن الهدهد كان يرى باطن الأرض وظاهرها؛ فكان يخبر سليمان بموضع الماء، ثم كانت الجنّ تخرجه في ساعة يسيرة؛ تسلخ عنه وجه الأرض كما تسلخ الشاة؛ قاله ابن عباس فيما روى عن ابن سَلاَم. قال أبو مِجْلَز قال ابن عباس لعبد الله بن سَلاَم: أريد أن أسألك عن ثلاث مسائل قال: أتسألني وأنت تقرأ القرآن؟ قال: نعم ثلاث مرات. قال: لم تفقد سليمان الهدهد دون سائر الطير؟ قال: احتاج إلى الماء ولم يعرف عمقه ـ أو قال مسافته ـ وكان الهدهد يعرف ذلك دون سائر الطير فتفقده. وقال في كتاب النقاش: كان الهدهد مهندساً. وروي أن نافع بن الأزرق سمع ابن عباس يذكر شأن الهدهد فقال له: قف يا وقّاف كيف يرى الهدهد باطن الأرض وهو لا يرى الفخّ حين يقع فيه؟ٰ فقال له ابن عباس: إذا جاء القدر عَمِي البصر. وقال مجاهد: قيل لابن عباس كيف تفقّد الهدهد من الطير؟ فقال: نزل منزلاً ولم يدر ما بُعْد الماء، وكان الهدهد مهتدياً إليه، فأراد أن يسأله. قال مجاهد: فقلت كيف يهتدي والصبيّ يضع له الحِبَالة فيصيده؟ٰ فقال: إذا جاء القدر عَمِيَ البصر. قال ابن العربي: ولا يقدر على هذا الجواب إلا عالم القرآن. قلت: هذا الجواب قد قاله الهدهد لسليمان كما تقدّم. وأنشدوا:شعر : إذا أراد الله أمراً بامرىءٍ وكان ذا عقلٍ ورأيٍ ونَظَرْ وحيلةٍ يعملها في دفع ما يأتي بِه مكروهُ أسبابِ القَدَرْ غَطَّى عليه سمعَه وعقلَه وسَلَّه من ذهنه سلَّ الشّعَرْ حتى إذا أنفذ فيه حكمه ردّ عليه عقلَه ليعتبرْ تفسير : قال الكلبي: لم يكن له في مسيره إلا هدهد واحد. والله أعلم. الثانية: في هذه الآية دليل على تفقد الإمام أحوال رعيته؛ والمحافظة عليهم. فانظر إلى الهدهد مع صغره كيف لم يخف على سليمان حاله، فكيف بعظام المُلْك. ويرحم الله عمر فإنه كان على سيرته؛ قال: لو أن سخلة على شاطىء الفرات أخذها الذئب ليسأل عنها عمر. فما ظنك بوالٍ تذهب على يديه البلدان، وتضيع الرعية ويضيع الرعيان. وفي الصحيح عن عبد الله بن عباس أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام، حتى إذا كان بَسْرَغٍ لقيه أمراء الأجناد: أبو عبيدة وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام. الحديث؛ قال علماؤنا: كان هذا الخروج من عمر بعد ما فتح بيت المقدس سنة سبع عشرة على ما ذكره خليفة بن خياط. وكان يتفقد أحوال رعيته وأحوال أمرائه بنفسه، فقد دلّ القرآن والسنة وَبيَّنا ما يجب على الإمام من تفقد أحوال رعيته، ومباشرة ذلك بنفسه، والسفر إلى ذلك وإن طال. ورحم الله ابن المبارك حيث يقول:شعر : وهل أفسدَ الدينَ إلاَّ الملوكُ وأحبارُ سوءٍ ورهبانُها تفسير : الثالثة: قوله تعالى: {مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ} أي ما للهدهد لا أراه؛ فهو من القلب الذي لا يعرف معناه. وهو كقولك: ما لي أراك كئيباً. أي مالك. والهدهد طير معروف وهدهدته صوته. قال ابن عطية: إنما مقصد الكلام الهدهد غاب لكنه أخذ اللازم عن مغيبه وهو أن لا يراه، فاستفهم على جهة التوقيف على اللازم وهذا ضرب من الإيجاز. والاستفهام الذي في قوله: {مَالِيَ} ناب مناب الألف التي تحتاجها أم. وقيل: إنما قال: {مَالِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ}؛ لأنّه اعتبر حال نفسه، إذ علم أنه أوتي الملك العظيم، وسخر له الخلق، فقد لزمه حق الشكر بإقامة الطاعة وإدامة العدل، فلما فقد نعمة الهدهد توقع أن يكون قصّر في حق الشكر، فلأجله سلبها فجعل يتفقد نفسه؛ فقال: {مَالِيَ}. قال ابن العربي: وهذا يفعله شيوخ الصوفية إذا فقدوا مالهم، تفقدوا أعمالَهم؛ هذا في الآداب، فكيف بنا اليوم ونحن نقصّر في الفرائضٰ. وقرأ ابن كثير وابن محيصن وعاصم والكسائي وهشام وأيوب: {مَالِيَ} بفتح الياء وكذلك في «يۤس» {أية : وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي} تفسير : [يۤس: 22]. وأسكنها حمزة ويعقوب. وقرأ الباقون المدنيون وأبو عمرو بفتح التي في «يۤس» وإسكان هذه. قال أبو عمرو: لأن هذه التي في «النمل» استفهام، والأخرى انتفاء. واختار أبو حاتم وأبو عبيد الإسكان «فَقَالَ مَالِي». وقال أبو جعفر النحاس: زعم قوم أنهم أرادوا أن يفرّقوا بين ما كان مبتدأ، وبين ما كان معطوفاً على ما قبله، وهذا ليس بشيء؛ وإنما هي ياء النفس، من العرب من يفتحها ومنهم من يسكِنها، فقرؤوا باللغتين؛ واللغة الفصيحة في ياء النفس أن تكون مفتوحة؛ لأنها اسم وهي على حرف واحد، وكان الاختيار ألا تسكن فيجحف الاسم. {أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ} بمعنى بل. الرابعة: قوله تعالى: {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ} دليل على أن الحدّ على قدر الذنب لا على قدر الجسد، أما أنه يرفق بالمحدود في الزمان والصفة. روي عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج أن تعذيبه للطير كان بأن ينتف ريشه. قال ابن جريج: ريشه أجمع. وقال يزيد بن رومان: جناحاه. فعل سليمان هذا بالهدهد إغلاظاً على العاصين، وعقاباً على إخلاله بنَوْبته ورتبته؛ وكأن الله أباح له ذلك، كما أباح ذبح البهائم والطير للأكل وغيره من المنافع. والله أعلم. وفي «نوادر الأصول» قال: حدّثنا سليمان بن حميد أبو الربيع الإيادي، قال: حدّثنا عون بن عمارة، عن الحسين الجَعْفيّ، عن الزبير بن الخِرِّيت، عن عكرمة، قال: إنما صرف الله شر سليمان عن الهدهد لأنه كان باراً بوالديه. وسيأتي. وقيل: تعذيبه أن يجعل مع أضداده. وعن بعضهم: أضيق السجون معاشرة الأضداد. وقيل: لألزمنه خدمة أقرانه. وقيل: إيداعه القفص. وقيل: بأن يجعله للشمس بعد نتفه. وقيل: بتبعيده عن خدمتي، والملوك يؤدّبون بالهجران الجسدَ بتفريق إلفه. وهو مؤكد بالنون الثقيلة، وهي لازمة هي أو الخفيفة. قال أبو حاتم: ولو قرئت «لأَعَذِّبَنْهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنْهُ» جاز. {أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي بحجة بينة. وليست اللام في {لَيَأْتِيَنِّي} لام القسم لأنه لا يقسم سليمان على فعل الهدهد؛ ولكن لما جاء في أثر قوله: {لأُعَذِّبَنَّهُ} وهو مما جاز به القسم أجراه مجراه. وقرأ ابن كثير وحده {لَيَأْتيَنَّنِي} بنونين. الخامسة: قوله تعالى: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ} أي الهدهد. والجمهور من القراء على ضم الكاف، وقرأ عاصم وحده بفتحها. ومعناه في القراءتين أقام. قال سيبويه: مَكَث يمكُث مُكُوثاً كما قالوا قعد يقعد قعوداً. قال: ومَكُث مثل ظَرُف. قال غيره: والفتح أحسن لقوله تعالى: {أية : مَّاكِثِينَ} تفسير : [الكهف: 3] إذ هو من مكث؛ يقال: مَكَث يمَكُث فهو ماكثٌ؛ ومَكُث يمكُث مثل عَظُم يعظُم فهو مكِيثٌ؛ مثل عظيم. ومَكُث يمكُث فهو ماكثٌ؛ مثل حَمُض يَحمُض فهو حامض. والضمير في {مَكَثَ} يحتمل أن يكون لسليمان؛ والمعنى: بقي سليمان بعد التفقد والوعيد غير طويل أي غير وقت طويل. ويحتمل أن يكون للهدهد وهو الأكثر. فجاء {فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} وهي: السادسة: أي علمت ما لم تعلمه من الأمر فكان في هذا ردّ على من قال: إن الأنبياء تعلم الغيب. وحكى الفراء «أَحَطُّ» يدغم التاء في الطاء. وحكى «أَحَتُّ» بقلب الطاء تاء وتدغم. السابعة: قوله تعالى: {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} أعلم سليمان ما لم يكن يعلمه، ودفع عن نفسه ما توعده من العذاب والذبح. وقرأ الجمهور: «سبإٍ» بالصرف. وابن كثير وأبو عمرو «سَبَأَ» بفتح الهمزة وترك الصرف؛ فالأوّل على أنه اسم رجل نسب إليه قوم، وعليه قول الشاعر:شعر : الواردون وتيم في ذُرَى سبإٍ قد عَضّ أعناقَهُمْ جلدُ الجواميسِ تفسير : وأنكر الزجاج أن يكون اسم رجل، وقال: «سبأ» اسم مدينة تعرف بمأرب باليمن بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام؛ وأنشد للنابغة الجعدي:شعر : من سَبَأَ الحاضِرين مَأرِبَ إذْ يَبْنُون من دون سَيْلِهِ العَرِمَا تفسير : قال: فمن لم يصرف قال إنه اسم مدينة، ومن صرف وهو الأكثر فلأنه اسم البلد فيكون مذكراً سمي به مذكر. وقيل: اسم امرأة سميت بها المدينة. والصحيح أنه اسم رجل، كذلك في كتاب الترمذي من حديث فروة بن مُسَيْكٍ المرادي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: وسيأتي إن شاء الله تعالى. قال ابن عطية: وخفي هذا الحديث على الزجاج فخبط عشواء. وزعم الفرّاء أن الرُّؤاسيّ سأل أبا عمرو بن العلاء عن سبإ فقال: ما أدري ما هو. قال النحاس: وتأوّل الفرّاء على أبي عمرو أنه منعه من الصرف لأنه مجهول، وأنه إذا لم يعرف الشيء لم ينصرف. وقال النحاس: وأبو عمرو أجلُّ من أن يقول مثل هذا، وليس في حكاية الرُّؤاسي عنه دليل أنه إنما منعه من الصرف لأنه لم يعرفه، وإنما قال لا أعرفه، ولو سئل نحويّ عن اسم فقال لا أعرفه لم يكن في هذا دليل على أنه يمنعه من الصرف، بل الحق على غير هذا؛ والواجب إذا لم يعرفه أن يصرفه؛ لأن أصل الأسماء الصرف؛ وإنما يمنع الشيء من الصرف لعلة داخلة عليه؛ فالأصل ثابت بيقين فلا يزول بما لا يعرف. وذكر كلاماً كثيراً عن النحاة وقال في آخره: والقول في «سبإ» ما جاء التوقيف فيه أنه في الأصل اسم رجل، فإن صرفته فلأنه قد صار اسماً للحيّ، وإن لم تصرفه جعلته اسماً للقبيلة مثل ثمود إلا أن الاختيار عند سيبويه الصرف وحجته في ذلك قاطعة؛ لأن هذا الاسم لما كان يقع له التذكير والتأنيث كان التذكير أولى؛ لأنه الأصل والأخف. الثامنة: وفي الآية دليل على أن الصغير يقول للكبير والمتعلم للعالم عندي ما ليس عندك إذا تحقّق ذلك وتيقنه. هذا عمر بن الخطاب مع جلالته رضي الله عنه وعلمه لم يكن عنده علم بالاستئذان. وكان علم التيمّم عند عمّار وغيره، وغاب عن عمر وابن مسعود حتى قالا: لا يتيمم الجنب. وكان حكم الإذن في أن تنفر الحائض عند ابن عباس ولم يعلمه عمر ولا زيد بن ثابت. وكان غسل رأس المحرم معلوماً عند ابن عباس وخفي عن المِسْوَر بن مَخْرَمة. ومثله كثير فلا يطوّل به. التاسعة: قوله تعالى: {إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ} لما قال الهدهد: {جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} قال سليمان: وما ذلك الخبر؟ قال: {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ} يعني بلقيس بنت شراحيل تملك أهل سبإ. ويقال: كيف خفي على سليمان مكانها وكانت المسافة بين محطِّهِ وبين بلدها قريبة، وهي من مسيرة ثلاث بين صنعاء ومأرب؟ والجواب أن الله تعالى أخفى ذلك عنه لمصلحة، كما أخفى على يعقوب مكان يوسف. ويروى أن أحد أبويها كان من الجن. قال ابن العربي: وهذا أمر تنكره الملحِدة، ويقولون: الجن لا يأكلون ولا يلدون؛ كذبوا لعنهم الله أجمعين؛ ذلك صحيح ونكاحهم جائز عقلاً فإن صح نقلاً فبها ونعمت. قلت: خرج أبو داود من حديث عبد الله بن مسعود أنه قال: قدم وفد من الجن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد انْهَ أمتك أن يستنجوا بعَظْم أو رَوْثة أو جمجمة فإن الله جاعل لنا فيها رزقاً. وفي «صحيح مسلم»: فقال: حديث : «لكم كل عَظْم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً وكل بعرة علف لدوابكم» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم الجن» تفسير : وفي «البخاري» حديث : من حديث أبي هريرة قال: فقلت: ما بال العَظْم والرّوثة؟ فقال: «هما من طعام الجن وإنه أتاني وفدُ جِنِّ نِصيبِين ونِعْم الجِنُّ فسألوني الزاد فدعوت الله تعالى ألا يمروا بعظم ولا رَوْثة إلا وجدوا عليها طعاماً» تفسير : وهذا كله نص في أنهم يطعمون. وأما نكاحهم فقد تقدّمت الإشارة إليه في {سبحان} عند قوله: {أية : وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ} تفسير : [الإسراء: 64]. وروى وهيب بن جرير بن حازم عن الخليل بن أحمد عن عثمان بن حاضر قال: كانت أم بلقيس من الجنّ يقال لها بلعمة بنت شيصان. وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى. العاشرة: روى البخاريّ من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن أهل فارس قد ملّكوا بنت كسرى قال: «حديث : لن يُفلح قوم وَلَّوا أمرَهم امرأة» تفسير : قال القاضي أبو بكر بن العربي: هذا نص في أن المرأة لا تكون خليفة ولا خلاف فيه؛ ونقل عن محمد بن جرير الطبري أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية، ولم يصح ذلك عنه، ولعله نقل عنه كما نقل عن أبي حنيفة أنها إنما تقضي فيما تشهد فيه وليس بأن تكون قاضية على الإطلاق؛ ولا بأن يكتب لها مسطور بأن فلانة مقدّمة على الحكم، وإنما سبيل ذلك التحكيم والاستنابة في القضية الواحدة، وهذا هو الظن بأبي حنيفة وابن جرير. وقد روي عن عمر أنه قدّم امرأة على حِسبة السوق. ولم يصح فلا تلتفتوا إليه، فإنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث. وقد تناظر في هذه المسألة القاضي أبو بكر بن الطيب المالكي الأشعري مع أبي الفرج بن طَرَار شيخ الشافعية، فقال أبو الفرج: الدليل على أن المرأة يجوز أن تحكم أن الغرض من الأحكام تنفيذ القاضي لها، وسماع البينة عليها، والفصل بين الخصوم فيها، وذلك ممكن من المرأة كإمكانه من الرجل. فاعترض عليه القاضي أبو بكر ونقض كلامه بالإمامة الكبرى؛ فإن الغرض منه حفظ الثغور، وتدبير الأمور وحماية البَيْضة، وقبض الخراج ورده على مستحقه، وذلك لا يتأتى من المرأة كتأتيه من الرجل. قال ابن العربي: وليس كلام الشيخين في هذه المسألة بشيء؛ فإن المرأة لا يتأتى منها أن تبرز إلى المجلس، ولا تخالط الرجال، ولا تفاوضهم مفاوضة النظير للنظير؛ لأنها إن كانت فتاة حرم النظر إليه وكلامها، وإن كانت بَرْزَة لم يجمعها والرجال مجلس واحد تزدحم فيه معهم، وتكون مناظرة لهم؛ ولن يفلح قطّ من تصور هذا ولا من اعتقده. الحادية عشرة: قوله تعالى: {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} مبالغة؛ أي مما تحتاجه المملكة. وقيل: المعنى أوتيت من كل شيء في زمانها شيئاً فحذف المفعول؛ لأن الكلام دلّ عليه. {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} أي سرير؛ ووصفه بالعظم في الهيئة ورتبة السلطان. قيل: كان من ذهب تجلس عليه. وقيل: العرش هنا الملك؛ والأوّل أصح؛ لقوله تعالى: {أية : أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا} تفسير : [النمل: 38]. الزمخشري: فإن قلت كيف سوّى الهدهد بين عرش بلقيس وعرش الله في الوصف بالعظيم؟ قلت: بين الوصفين بون عظيم؛ لأن وصف عرشها بالعظيم تعظيم له بالإضافة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك، ووصف عرش الله بالعظيم تعظيم له بالنسبة إلى ما خلق من السموات والأرض. قال ابن عباس: كان طول عرشها ثمانين ذراعاً، وعرضه أربعين ذراعاً، وارتفاعه في السماء ثلاثين ذراعاً، مكلل بالدر والياقوت الأحمر، والزبرجد الأخضر. قتادة: وقوائمه لؤلؤ وجوهر، وكان مُستَّراً بالديباج والحرير، عليه سبعة مغاليق. مقاتل: كان ثمانين ذراعاً، وارتفاعه من الأرض ثمانون ذراعاً، وهو مكلل بالجواهر. ابن إسحاق: وكان يخدمها النساء، وكان معها لخدمتها ستمائة امرأة. قال ابن عطية: واللازم من الآية أنها امرأة ملكت على مدائن اليمن، ذات ملك عظيم، وسرير عظيم، وكانت كافرة من قوم كفار. الثانية عشرة: قوله تعالى: {وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} قيل: كانت هذه الأمة ممن يعبد الشمس؛ لأنهم كانوا زنادقة فيما يروى. وقيل: كانوا مجوساً يعبدون الأنوار. وروي عن نافع أن الوقف على {عرش}. قال المهدوي: فعظيم على هذا متعلق بما بعده، وكان ينبغي على هذا أن يكون عظيم أن وجدتها؛ أي وجودي إياها كافرة. وقال ابن الأنباري: {وَلهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} وقف حسن، ولا يجوز أن يقف على {عرش} ويبتدىء {عَظِيمٌ وَجَدْتُهَا} إلا على من فتح؛ لأن عظيماً نعت لعرش فلو كان متعلقاً بوجدتها لقلت عظيمة وجدتها؛ وهذا محال من كل وجه. وقد حدّثني أبو بكر محمد بن الحسين بن شهريار، قال: حدّثنا أبو عبد الله الحسين بن الأسود العِجليّ، عن بعض أهل العلم أنه قال: الوقف على {عرش} والابتداء {عظيم} على معنى عظيم عبادتهم الشمس والقمر. قال: وقد سمعت من يؤيد هذا المذهب، ويحتج بأن عرشها أحقر وأدق شأناً من أن يصفه الله بالعظيم. قال ابن الأنباري: والاختيار عندي ما ذكرته أوّلاً؛ لأنه ليس على إضمار عبادة الشمس والقمر دليل. وغير منكر أن يصف الهدهد عرشها بالعظيم إذ رآه متناهي الطول والعرض؛ وجريه على إعراب {عرش} دليل على أنه نعته. {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} أي ما هم فيه من الكفر. {فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} أي عن طريق التوحيد. وبيّن بهذا أن ما ليس بسبيل التوحيد فليس بسبيل ينتفع به على التحقيق. {فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ} إلى الله وتوحيده. الثالثة عشرة: قوله تعالى: {أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ} قرأ أبو عمرو ونافع وعاصم وحمزة: {أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ} بتشديد {أَلاَ} قال ابن الأنباري: {فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ} غير تام لمن شدّد {أَلاَّ} لأن المعنى: وزين لهم الشيطان ألا يسجدوا. قال النحاس: هي {أن} دخلت عليها {لا} و{أن} في موضع نصب؛ قال الأخفش: بـ{ـزين} أي وزين لهم لئلا يسجدوا لله. وقال الكسائي: بـ{ـفصدّهم} أي فصدهم ألا يسجدوا. وهو في الوجهين مفعول له. وقال اليزيدي وعلي بن سليمان: {أن} بدل من {أعمالهم} في موضع نصب. وقال أبو عمرو: و{أن} في موضع خفض على البدل من السبيل. وقيل العامل فيها {لاَ يَهْتَدُونَ} أي فهم لا يهتدون أن يسجدوا لله؛ أي لا يعلمون أن ذلك واجب عليهم. وعلى هذا القول {لا} زائدة؛ كقوله: {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ}تفسير : [الأعراف: 12] أي ما منعك أن تسجد. وعلى هذه القراءة فليس بموضع سجدة؛ لأن ذلك خبر عنهم بترك السجود، إما بالتزيين، أو بالصدّ، أو بمنع الاهتداء. وقرأ الزهري والكسائي وغيرهما: {أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ} بمعنى ألا يا هؤلاء اسجدوا؛ لأن {يا} ينادى بها الأسماء دون الأفعال. وأنشد سيبويه:شعر : يا لعنةُ اللَّهِ والأقوامِ كلِّهِمُ والصَّالحين على سِمْعَانَ من جَارِ تفسير : قال سيبويه: (يا) لغير اللعنة، لأنه لو كان للعنة لنصبها، لأنه كان يصير منادى مضافاً، ولكن تقديره يا هؤلاء لعنة الله والأقوام على سِمعان. وحكى بعضهم سماعاً عن العرب: ألا يا ارحموا ألا يا اصدُقوا. يريدون ألا يا قوم ارحموا آصدُقوا، فعلى هذه القراءة {اسْجُدُوا} في موضع جزم بالأمر والوقف على {أَلاَ يَا} ثم تبتدىء فتقول: {اسْجُدُوا}. قال الكسائي: ما كنت أسمع الأشياخ يقرؤونها إلا بالتخفيف على نية الأمر. وفي قراءة عبد الله: {أَلاَ هَلْ تَسْجُدُونَ لِلَّهِ} بالتاء والنون. وفي قراءة أبيّ «أَلاَ تَسْجُدُونَ لِلَّهِ» فهاتان القراءتان حجة لمن خفف. الزجاج: وقراءة التخفيف تقتضي وجوب السجود دون التشديد. واختار أبو حاتم وأبو عبيدة قراءة التشديد. وقال: التخفيف وجه حسن إلا أن فيه انقطاع الخبر من أمر سبأ، ثم رجع بعد إلى ذكرهم، والقراءة بالتشديد خبر يتبع بعضه بعضاً لا انقطاع في وسطه. ونحوه قال النحاس؛ قال: قراءة التخفيف بعيدة؛ لأن الكلام يكون معترضاً، وقراءة التشديد يكون الكلام بها متسقاً، وأيضاً فإن السواد على غير هذه القراءة؛ لأنه قد حذف منها ألفان، وإنما يختصر مثل هذا بحذف ألف واحدة نحو يا عيسى ابن مريم. ابن الأنباري: وسقطت ألف {اسجدوا} كما تسقط مع هؤلاء إذا ظهر، ولما سقطت ألف {يا} واتصلت بها ألف {اسْجُدُوا} سقطت، فعد سقوطها دلالة على الاختصار وإيثاراً لما يخفّ وتقل ألفاظه. وقال الجوهري في آخر كتابه: قال بعضهم: إن {يا} في هذا الموضع إنما هو للتنبيه كأنه قال: ألا اسجدوا لله، فلما أدخل عليه {يا} للتنبيه سقطت الألف التي في {اسْجُدُوا} لأنها ألف وصل، وذهبت الألف التي في {يا} لاجتماع الساكنين؛ لأنها والسين ساكنتان. قال ذو الرُّمّة:شعر : أَلاَ يا اسْلَمِي يا دارَ مَيَّ على البِلَى وَلاَ زَالَ مُنْهَلاًّ بجَرْعَائِكِ الْقَطْرُ تفسير : وقال الجرجانيّ: هو كلام معترض من الهدهد أو سليمان أو من الله. أي ألا ليسجدوا كقوله تعالى: {أية : قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ} تفسير : [الجاثية: 14] قيل: إنه أمر أي ليغفروا. وتنتظم على هذا كتابة المصحف؛ أي ليس هاهنا نداء. قال ابن عطية: قيل هو من كلام الهدهد إلى قوله {العظِيمِ} وهو قول ابن زيد وابن إسحاق؛ ويعترض بأنه غير مخاطب فكيف يتكلم في معنى شرع. ويحتمل أن يكون من قول سليمان لما أخبره الهدهد عن القوم. ويحتمل أن يكون من (قول) الله تعالى فهو اعتراض بين الكلامين وهو الثابت مع التأمل، وقراءة التشديد في {ألاّ} تعطي أن الكلام للهدهد، وقراءة التخفيف تمنعه، والتخفيف يقتضي الأمر بالسجود لله عز وجل للأمر على ما بيناه. وقال الزمخشري: فإن قلت أسجدة التلاوة واجبة في القراءتين جميعاً أم في إحداهما؟ قلت هي واجبة فيهما جميعاً؛ لأن مواضع السجدة إمّا أمرٌ بها، أو مدحٌ لمن أتى بها، أو ذم (لمن) تركها، وإحدى القراءتين أمر بالسجود والأخرى ذم للتارك. قلت: وقد أخبر الله عن الكفار بأنهم لا يسجدون كما في «الانشقاق» وسجد النبي صلى الله عليه وسلم فيها، كما ثبت في «البخاريّ» وغيره فكذلك «النمل». والله أعلم. الزمخشري: وما ذكره الزجاج من وجوب السجدة مع التخفيف دون التشديد فغير مرجوع إليه. {ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ} خَبْء السماء قطرها، وخَبْء الأرض كنوزها ونباتها. وقال قتادة: الخَبْء السر. النحاس: وهذا أولى. أي ما غاب في السموات والأرض، ويدلّ عليه {مَا يُخْفُونُ وَمَا يُعْلِنُونَ}. وقرأ عكرمة ومالك بن دينار: {الخب} بفتح الباء من غير همز. قال المهدوي: وهو التخفيف القياسي؛ وذكر من يترك الهمز في الوقف. وقال النحاس: وحكى أبو حاتم أن عكرمة قرأ: {الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبَا} بألف غير مهموزة، وزعم أن هذا لا يجوز في العربية، واعتلّ بأنه إن خفّف الهمزة ألقى حركتها على الباء فقال: {الْخَبَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} وأنه إن حوّل الهمزة قال: الْخَبْيَ بإسكان الباء وبعدها ياء. قال النحاس: وسمعت علي بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول: كان أبو حاتم دون أصحابه في النحو ولم يلحق بهم إلا أنه إذا خرج من بلده لم يلق أعلم منه. وحكى سيبويه عن العرب أنها تبدل من الهمزة ألفاً إذا كان قبلها ساكن وكانت مفتوحة، وتبدل منها واواً إذا كان قبلها ساكن وكانت مضمومة، وتبدل منها ياء إذا كان قبلها ساكن وكانت مكسورة؛ فتقول: هذا الْوَثْوُ وعجبت من الوَثْيِ ورأيت الْوَثَا؛ وهذا من وَثِئَت يدُه؛ وكذلك هذا الْخَبْوُ وعجبت من الخَبْيِ، ورأيت الخَبَا؛ وإنما فعل هذا لأن الهمزة خفيفة فأبدل منها هذه الحروف. وحكى سيبويه عن قوم من بني تميم وبني أسد أنهم يقولون: هذا الخبأُ؛ يضمون الساكن إذا كانت الهمزة مضمومة، ويثبتون الهمزة ويكسرون الساكن إذا كانت الهمزة مكسورة، ويفتحون الساكن إذا كانت الهمزة مفتوحة. وحكى سيبويه أيضاً أنهم يكسرون وإن كانت الهمزة مضمومة، إلا أن هذا عن بني تميم؛ فيقولون: الرِّدِيءُ؛ وزعم أنهم لم يضموا الدال لأنهم كرهوا ضمة قبلها كسرة؛ لأنه ليس في الكلام فِعُلٌ. وهذه كلّها لغات داخلة على اللغة التي قرأ بها الجماعة؛ وفي قراءة عبد الله {الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبَا مِنَ السَّمَوَاتِ} و{من} و{في} يتعاقبان؛ تقول العرب: لأستخرجنّ العلم فيكم يريد منكم؛ قاله الفراء. {وَيَعْلَمُ مَا يُخْفُونَ وَما يُعْلِنُونَ} قراءة العامة فيهما بياء، وهذه القراءة تعطي أن الآية من كلام الهدهد، وأن الله تعالى خصّه من المعرفة بتوحيده ووجوب السجود له، وإنكار سجودهم للشمس، وإضافته للشيطان، وتزيينه لهم، ما خص به غيره من الطيور وسائر الحيوان؛ من المعارف اللطيفة التي لا تكاد العقول الراجحة تهتدي لها. وقرأ الجحدريّ وعيسى بن عمر وحفص والكسائي: {تُخْفُونَ} و{تُعْلِنُونَ} بالتاء على الخطاب؛ وهذه القراءة تعطي أن الآية من خطاب الله عز وجل لأمة محمد صلى الله عليه وسلم. {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ} قرأ ابن محيصن {العظِيمُ} رفعا نعتاً لله. الباقون بالخفض نعتاً للعرش. وخص بالذكر لأنه أعظم المخلوقات وما عداه في ضمنه وقبضته. الرابعة عشرة: قوله تعالى: {سَنَنظُرُ} من النظر الذي هو التأمل والتصفح. {أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} في مقالتك. و{كنت} بمعنى أنت. وقال: {سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ} ولم يقل سننظر في أمرك؛ لأن الهدهد لما صرح بفخر العلم في قوله: {أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} صرح له سليمان بقوله: سننظر أصدقت أم كذبت، فكان ذلك (كفاء) لما قاله. الخامسة عشرة: في قوله: {أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} دليل على أن الإمام يجب عليه أن يقبل عذر رعيته، ويدرأ العقوبة عنهم في ظاهر أحوالهم بباطن أعذارهم؛ لأن سليمان لم يعاقب الهدهد حين اعتذر إليه. وإنما صار صدق الهدهد عذراً لأنه أخبر بما يقتضي الجهاد، وكان سليمان عليه السلام حبب إليه الجهاد. وفي «الصحيح»:«حديث : ليس أحدٌ أحبَّ إليه العذرُ من الله من أجل ذلك أنزل الكتابَ وأرسل الرسل»تفسير : . وقد قبل عمر عذر النعمان بن عديّ ولم يعاقبه. ولكن للإمام أن يمتحن ذلك إذا تعلق به حكم من أحكام الشريعة. كما فعل سليمان؛ فإنه لما قال الهدهد: {إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} لم يستفزه الطمع، ولا استجرّه حبّ الزيادة في الملك إلى أن يعرض له حتى قال: {وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} فغاظه حينئذٍ ما سمع، وطلب الانتهاء إلى ما أخبر، وتحصيلِ علم ما غاب عنه من ذلك، فقال: {سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} ونحو منه ما رواه الصحيح عن المِسْور بن مَخْرَمة، حين استشار عمر الناس في إملاص المرأة وهي التي يضرب بطنها فتلقي جنينها؛ فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبيّ صلى الله عليه وسلم قضى فيه بغُرّةِ عبدٍ أو أمة. قال فقال عمر: ايتني بمن يشهد معك؛ قال: فشهد له محمد بن مسلمة وفي رواية فقال: لا تبرح حتى تأتي بالمخرج من ذلك؛ فخرجت فوجدت محمد بن مسلمة فجئت به فشهد. ونحوه حديث أبي موسى في الاستئذان وغيره. السادسة عشرة: قوله تعالى: {ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ} قال الزجاج: فيها خمسة أوجه {فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ} بإثبات الياء في اللفظ. وبحذف الياء وإثبات الكسرة دالّة عليها {فَأَلِقِهِ وإِلَيْهِمِ}. وبضم الهاء وإثبات الواو على الأصل {فَأَلْقِهُ إِلَيْهِمْ}. وبحذف الواو وإثبات الضمة {فَأَلْقِهُ إِلَيْهِمْ}. واللغة الخامسة قرأ بها حمزة بإسكان الهاء {فَأَلْقِهْ إلَيْهِمْ}. قال النحاس: وهذا عند النحويين لا يجوز إلا على حيلة بعيدة تكون: يقدّر الوقف؛ وسمعت علي بن سليمان يقول: لا تلتفت إلى هذه العلة، ولو جاز أن يصل وهو ينوي الوقف لجاز أن يحذف الإعراب من الأسماء. وقال: {إليهِم} على لفظ الجمع ولم يقل إليها؛ لأنه قال: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ} فكأنه قال: فألقه إلى الذين هذا دينهم؛ اهتماماً منه بأمر الدِّين، واشتغالاً به عن غيره، وبنى الخطاب في الكتاب على لفظ الجمع لذلك. وروي في قصص هذه الآية أن الهدهد وصل فألفى دون هذه الملكة حجُبَ جدران؛ فعمد إلى كُوّة كانت بلقيس صنعتها لتدخل منها الشمس عند طلوعها لمعنى عبادتها إياها، فدخل منها ورمى الكتاب على بلقيس وهي ـ فيما يروى ـ نائمة؛ فلما انتبهت وجدته فراعها، وظنت أنه قد دخل عليها أحد، ثم قامت فوجدت حالها كما عهدت، فنظرت إلى الكُوّة تَهمُّما بأمر الشمس، فرأت الهدهد فعلمت. وقال وهب وابن زيد: كانت لها كُوّة مستقبلة مطلع الشمس، فإذا طلعت سجدت، فسدها الهدهد بجناحه، فارتفعت الشمس ولم تعلم، فلما استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى الصحيفة إليها، فلما رأت الخاتم ارتعدت وخضعت، لأن ملك سليمان عليه السلام كان في خاتمه، فقرأته فجمعت الملأ من قومها وخضعت، لأن مُلك سليمان عليه السلام كان في خاتمه؛ فقرأته فجمعت الملأ من قومها فخاطبتهم بما يأتي بعد. وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره، وطار حتى وقف على رأس المرأة وحولها الجنود والعساكر، فرفرف ساعة والناس ينظرون إليه، فرفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها. السابعة عشرة: في هذه الآية دليل على إرسال الكتب إلى المشركين وتبليغهم الدعوة، ودعائهم إلى الإسلام. وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر وإلى كل جبّار؛ كما تقدّم في «آل عمران»: الثامنة عشرة: قوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ} أمره بالتولّي حسن أدب ليتنحى حسب ما يتأدب به مع الملوك. بمعنى: وكن قريباً حتى ترى مراجعتهم؛ قاله وهب بن منبّه. وقال ابن زيد: أمره بالتولّي بمعنى الرجوع إليه؛ أي ألقه وارجع. قال وقوله: {فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} في معنى التقديم على قوله: {ثُمَّ تَوَلّ} واتساق رتبة الكلام أظهر؛ أي ألقه ثم تول، وفي خلال ذلك فانظر أي انتظر. وقيل: فاعلم؛ كقوله: {أية : يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} تفسير : [النبأ: 40] أي اعلم ماذا يرجعون أي يجيبون وماذا يردّون من القول. وقيل: {فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} بينهم من الكلام.
ابن كثير
تفسير : قال مجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما عن ابن عباس وغيره: كان الهدهد مهندساً يدل سليمان عليه السلام على الماء، إذا كان بأرض فلاة، طلبه، فنظر له الماء في تخوم الأرض، كما يرى الإنسان الشيء الظاهر على وجه الأرض، ويعرف كم مساحة بعده من وجه الأرض، فإذا دلهم عليه، أمر سليمان عليه السلام الجان، فحفروا له ذلك المكان حتى يستنبط الماء من قراره، فنزل سليمان عليه السلام يوماً بفلاة من الأرض، فتفقد الطير ليرى الهدهد، فلم يره، {فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ}؟ حدث يوماً عبد الله بن عباس بنحو هذا، وفي القوم رجل من الخوارج يقال له نافع بن الأزرق، وكان كثير الاعتراض على ابن عباس، فقال له: قف يابن عباس غلبت اليوم، قال: ولم؟ قال: إنك تخبر عن الهدهد أنه يرى الماء في تخوم الأرض، وإن الصبي ليضع له الحبة في الفخ، ويحثو على الفخ تراباً، فيجيء الهدهد ليأخذها، فيقع في الفخ، فيصيده الصبي، فقال ابن عباس، لولا أن يذهب هذا فيقول رددت على ابن عباس، لما أجبته، ثم قال له: ويحك إنه إذا نزل القدر، عمي البصر، وذهب الحذر، فقال له نافع: والله لا أجادلك في شيء من القرآن أبداً. وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عبد الله البرزي من أهل برزة في غوطة دمشق، وكان من الصالحين، يصوم الاثنين والخميس، وكان أعور قد بلغ الثمانين، فروى ابن عساكر بسنده إلى أبي سليمان بن زيد أنه سأله عن سبب عوره، فامتنع عليه، فألح عليه شهوراً، فأخبره أن رجلين من أهل خراسان نزلا عنده جمعة في قرية برزة، وسألاه عن واد بها، فأريتهما إياه، فأخرجا مجامر، وأوقدا فيها بخوراً كثيراً حتى عجعج الوادي بالدخان، فأخذا يعزمان، والحيات تقبل من كل مكان إليهما، فلا يلتفتان إلى شيء منها، حتى أقبلت حية نحو الذراع، وعيناها تتوقدان مثل الدينار، فاستبشرا بها عظيماً، وقالا: الحمد لله الذي لم يخيب سفرنا من سنة، وكسرا المجامر، وأخذا الحية، فأدخلا في عينها ميلاً، فاكتحلا به، فسألتهما أن يكحلاني فأبيا، فألححت عليهما وقلت: لا بد من ذلك، وتوعدتهما بالدولة، فكحلا عيني الواحدة اليمنى، فحين وقع في عيني، نظرت إلى الأرض تحتي مثل المرآة أنظر ما تحتها كما ترى المرآة، ثم قالا لي: سر معنا قليلاً، فسرت معهما، وهما يحدثاني، حتى إذا بعدت عن القرية، أخذاني فكتفاني، وأدخل أحدهما يده في عيني ففقأها، ورمى بها، ومضيا، فلم أزل كذلك ملقى مكتوفاً حتى مر بي نفر، ففك وثاقي، فهذا ما كان من خبر عيني. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن عمرو الغساني، حدثنا عباد بن ميسرة المنقري عن الحسن قال: اسم هدهد سليمان عليه السلام عنبر، وقال محمد بن إسحاق: كان سليمان عليه السلام إذا غدا إلى مجلسه الذي كان يجلس فيه، تفقد الطير، وكان فيما يزعمون يأتيه نوب من كل صنف من الطير، كل يوم طائر، فنظر فرأى من أصناف الطير كلها من حضره، إلا الهدهد، {فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ} أخطأه بصري من الطير، أم غاب فلم يحضر؟ وقوله: {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً} قال الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد عن ابن عباس: يعني: نتف ريشه، وقال عبد الله بن شداد: نتف ريشه وتشميسه، وكذا قال غير واحد من السلف: إنه نتف ريشه وتركه ملقى يأكله الذر والنمل. وقوله: {أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ} يعني: قتله، { أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ} بعذر بيّن واضح، وقال سفيان بن عيينة وعبد الله بن شداد: لما قدم الهدهد، قالت له الطير: ما خلفك؟ فقد نذر سليمان دمك، فقال: هل استثنى؟ قالوا: نعم، قال: {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ} قال: نجوت إذاً، قال مجاهد: إنما دفع الله عنه ببره بأمه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ } ليرى (الهُدْهُد) الذي يرى الماء تحت الأرض ويدل عليه بنقره فيها فتستخرجه الشياطين لاحتياج سليمان إليه للصلاة فلم يره {فَقَالَ مَالِيَ لِىَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ } أي أعرض لي ما منعني من رؤيته؟ {أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَائِبِينَ } فلم أره لغيبته
الماوردي
تفسير : قوله: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَال لِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ} قيل إن سليمان كان إذا سافر أظله الطير من الشمس، فأخل الهدهد بكانه، فبان بطلوع الشمس منه بعده عنه، وكان دليله على الماء، وقيل: إن الأرض كانت كالزجاج للهدهد، يرى ما تحتها فيدل على مواضع الماء حتى يحضر، قال ابن عباس: فكانوا إذا سافروا نقر لهم الهدهد عن أقرب الماء في الأرض، فقال نافع بن الأزرق: فكيف يعلم أقرب الماء إلى الأرض ولا يعلم بالفخ حتى يأخذه بعنقه؟ فقال ابن عباس: ويحك يا نافع ألم تعلم أنه إذا جاء القدر ذهب الحذر؟ فقال سليمان عن زوال الهدهد عن مكانه {مَا لِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبينَ} أي انتقل عن مكانه أم غاب. {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه نتف ريشه حتى لا يمتنع من شيء، قاله ابن عباس. الثاني: أن يحوجه إلى جنسه. الثالث: أن يجعله مع أضداده. {أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسْلطَانٍ مُبِينٍ} فيه وجهان: أحدهما: بحجة بينة. الثاني: بعذر ظاهر، قاله قتادة.
ابن عطية
تفسير : اختلف الناس في معنى "تفقده الطير"، فقالت فرقة ذلك بحسب ما تقتضيه العناية بأمور الملك والتهمم بكل جزء منها. قال القاضي أبو محمد: وظاهر الآية أنه تفقد جميع الطير، وقالت فرقة: بل "تفقد الطير" لأن الشمس دخلت من موضع {الهدهد} حين غاب، فكان ذلك سبب تفقد الطير ليبين من أين دخلت الشمس، وقال عبد الله بن سلام إنما طلب {الهدهد} لأنه احتاج إلى معرفة الماء على كَم هو من وجه الأرض، لأنه كان نزل في مفازة عدم فيها الماء، وأن {الهدهد} كان يرى باطن الأرض وظاهرها كانت تشف له وكان يخبر سليمان بموضع الماء، ثم كانت الجن تخرجه في ساعة يسيرة تسلخ عنه وجه الأرض كما تسلخ شاة قاله ابن عباس فيما روي عن أبي سلام وغيره، وقال في كتاب النقاش كان {الهدهد} مهندساً، وروي أن نافع بن الأزرق سمع ابن عباس يقول هذا فقال له: قف يا وقاف كيف يرى {الهدهد} باطن الأرض وهو لا يرى الفخ حين يقع فيه. فقال له ابن عباس رضي الله عنه: إذا جاء القدر عمي البصر. وقال وهب بن منبه: كانت الطير تنتاب سليمان كل يوم من كل نوع واحد نوبة معهودة ففقد {الهدهد}، وقوله {ما لي لا أرى} إنما مقصد الكلام {الهدهد} غاب لكنه أخذ اللازم عن مغيبه وهو أن لا يراه فاستفهم على جهة التوقيف عن اللازم، وهذا ضرب من الإيجاز، والاستفهام الذي في قوله {ما لي}، ناب مناب الألف التي تحتاجها أم، ثم توعده عليه السلام بالعذاب، وروي عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج أن تعذيبه للطير كان بأن تنتف، قال ابن جريج: ريشه أجمع، وقال يزيد ابن رومان: جناحاه، وروي ابن وهب أنه بأن تنتف أجمع وتبقى بضعة تنزو، و"السلطان" الحجة حيث وقع في القرآن، قاله عكرمة عن ابن عباس، وقرأ ابن كثير وحده "ليأتينني" بنونين، وفعل سليمان هذا بالهدهد إغلاظاً عن العاصين وعقاباً على إخلاله بنوبته ورتبته، وقرأ جمهور القراء، "فمكُث" بضم الكاف، وقرأ عاصم وحده "فمكَث" بفتحها، ومعناه في القراءتين أقام، والفتح في الكاف أحسن لأنها لغة القرآن في قوله {أية : ماكثين} تفسير : [الكهف: 3] إذ هو من مكَث بفتح الكاف، ولو كان من مكُث بضم الكاف لكان جمع مكيث، والضمير في "مكث" يحتمل أن يكون لسليمان أو لـ {الهدهد}، وفي قراءة ابن مسعود "فتمكث ثم جاء فقال" وفي قراءة أبي بن كعب "فتمكث" ثم قال {أحطت} وقوله {غير بعيد} كما في مصاحف الجمهور يريد به في الزمن والمدة، وقوله {أحطت} أي علمت علماً تاماً ليس في علمك، واختلف القراء في {سبأ}، فقرأ جمهور القراء "سبأ" بالصرف. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو "سبأ" بفتح الهمزة وترك الصرف، وقرأ الأعمش "من سبإ" بالكسر وترك الصرف وروى ابن حبيب عن اليزيدي "سبا" بألف ساكنة، وقرأ قنبل عن النبال بسكون الهمزة، فالأولى على أنه اسم رجل وعليه قول الشاعر: [البسيط] شعر : الواردون وتيم في ذرى سبإ قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس تفسير : وقال الآخر: "من سبأ الحاضرين مآرب"، وهذا على أنها قبيلة والثانية على أنها بلدة، قاله الحسن وقتادة، وكلا القولين قد قيل، ولكن روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث فروة بن مسيك وغيره أنه اسم رجل ولد عشرة من الولد تيامن منهم ستة، وتشاءم أربعة، وخفي هذا الحديث على الزجاج فخبط عشوى، والثالثة على البناء والرابعة والخامسة لتوالي الحركات السبع فسكن تخفيفاً للتثقيل في توالي الحركات، وهذه القراءة لا تبنى على الأولى بل هي إما على الثانية أو الثالثة، وقرأت فرقة "بنبأ" وقرأت فرقة دون تنوين على الإضافة، وقرأت فرقة "بنبا" بالألف مقصورة وقوله {وأوتيت من كل شيء} مبالغة أي مما تحتاج المملكة قال الحسن: من كل أمر الدنيا، ووصف عرشها بالعظم في الهيئة ورتبة السلطان، وروي عن نافع الوقف على {عرش} فــ{عظيم} على هذا يتعلق بما بعده، وهذه المرأة هي بلقيس بنت شراحيل فيما قال بعضهم، وقيل بنت الفشرح، وقيل كانت أمها جنية، وأكثر بعض الناس في قصصها بما رأيت اختصاره لعدم صحته وإنما اللازم من الآية أنها امرأة ملكة على مدائن اليمن ذات ملك عظيم وكانت كافرة من قوم كفار.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ} كان إذا سافر أظله الطير من الشمس، فلما غاب الهدهد أتت الشمس من مكانه وكانت الأرض للهدهد كالزجاج يرى ما تحتها فيدل على مواضع الماء حتى تحفر {أمْ كَانَ مِنَ الْغَآئِبِينَ} أي انتقل عن مكانه، أو غاب.
النسفي
تفسير : {وتفقّد الطّير فقال مالي} مكي وعلي وعاصم، وغيرهم بسكون الياء. والتفقد صلب ما غاب عنك {لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين} «أم» بمعنى بل والمعنى أنه تعرف الطير فلم يجد فيها الهدهد فقال: مالي لا أراه على معنى أنه لا يراه وهو حاضر لساتر ستره أو غير ذلك، ثم لاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك وأخذ يقول: بل هو غائب. وذكر أن سليمان عليه السلام لما حج خرج إلى اليمن فوافى صنعاء وقت الزوال فنزل ليصلي فلم يجد الماء وكان الهدهد قنّاقنه وكان يرى الماء من تحت الأرض كما يرى الماء في الزجاجة فتستخرج الشياطين الماء فتفقده لذلك. وذكر أنه وقعت نفحة من الشمس على رأس سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خال، فدعا عريف الطير ــ وهو النسر ــ فسأله عنه فلم يجد عنده علمه ثم قال لسيد الطير وهو العقاب: عليّ به، فارتفع فنظر فإذا هو مقبل فقصده فناشده الله فتركه، فلما قرب من سليمان أرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض وقال: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله فارتعد سليمان وعفا عنه {لأعذّبنّه عذاباً شديداً} بنتف ريشه وإلقائه في الشمس، أو بالتفريق بينه وبين إلفه، أو بإلزامه خدمة أقرآنه، أو بالحبس مع أضداده. وعن بعضهم أضيق السجون معاشرة الأضداد. أو بإبداعه القفص أو بطرحه بين يدي النمل ليأكله. وحل له تعذيب الهدهد لما رأى فيه من المصلحة كما حل ذبح البهائم والطيور للأكل وغيره من المنافع، وإذا سخر له الطير لم يتم التسخير إلا بالتأديب والسياسة {أو لأذبحنّه أو ليأتينّي} بالنون الثقيلة ليشاكل قوله {لأعذبنه} وحذف نون العماد للتخفيف. {ليأتيني} بنونين: مكي الأول للتأكيد والثاني للعماد {بسلطانٍ مّبينٍ} بحجة له فيها عذر ظاهر على غيبته. والإشكال أنه حلف على أحد ثلاثة أشياء: اثنان منها فعله ولا مقال فيه، والثالث فعل الهدهد وهو مشكل لأنه من أين درى أنه يأتي بسلطان حتى قال: والله ليأتيني بسلطان؟ وجوابه أن معنى كلامه ليكونن أحد الأمور يعني إن كان الإتيان بالسلطان لم يكن تعذيب ولا ذبح، وإن لم يكن كان أحدهما وليس في هذا دعاء دراية {فمكث}الهدهد بعد تفقد سليمان إياه، وبضم الكاف غيره عاصم وسهل ويعقوب، وهما لغتان
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ} الآية "تَفَقَّدَ الطَّيْرَ": طلبها وبحث عنها، والتفقد طلب ما فقد، والمعنى طلب ما فقد من الطير، واختلفوا فيما تفقده من أجله، فقيل: لأنه أخل بالنوبة التي كان ينوبها، وقيل: لأن هندسة الماء كانت لديه، وكان يرى الماء تحت الأرض كما يرى في الزجاجة وكان يعرف قربه وبعده في عمق الأرض. قال سعيد بن جبير: لما ذكر ابن عباس هذا قال له نافع بن الأزرق: يا وصاف، انظر ما يقول: إن الصبي منا يضع الفخ ويحثو عليه التراب، فيجيء الهدهد ولا يبصر الفخ، حتى يقع في عنقه، فقال له ابن عباس: ويحك إذا نزل القضاء والقدر ذهب اللب وعمي البصر، وهذا القول فيه نظر، لأن الجن أعرف بالأرض من الهدهد، فإنهم سكانها، وقيل: لأنه كان يظله من الشمس. قوله: {مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ}، هذا استفهام توقيف ولا حاجة إلى ادعاء القلب وأن الأصل: ما للهدهد لا أراه؟ إذ المعنى قوي دونه، والهدهد معروف، وتصغيره على هديهد، وهو القياس، وزعم بعض النحويين أنه تقلب ياء تصغيره ألفاً، فيقال: هداهد، وأنشد: شعر : 3945 - كَهُدَاهِــدٍ كَسَــرَ الرُّمَــاةُ جَنَاحَــهُ يَدْعُــوا بِقَارِعَــةِ الطَّرِيــقِ هَدِيــلاً تفسير : كما قالوا: دُوَابَّة وشُوَابَّة، في: دُوَيْبَة وشُوَيْبَة، ورده بعضهم بأن الهداهد الحمام الكثير ترجيع الصوت. تزعم العرب أن جارحاً في زمن الطوفان اختطف فرخ حمامة تسمى الهديل، قالوا: فكل حمامة تبكي فإنما تبكي على الهديل. قوله: "أم كان"، هذه "أم" المنقطعة، وتقدم الكلام فيها، وقال ابن عطية: قوله {مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ} مقصد الكلام: الهدهد غاب، ولكنه أخذ اللازم عن مغيبه وهو أن لا يراه، فاستفهم على جهة التوقيف عن اللازم، وهذا ضرب من الإيجاز، والاستفهام الذي في قوله "مَا لِيَ" ناب مناب الألف التي تحتاجها "أم"، قال أبو حيان: فظاهر كلامه أن "أم" متصلة، وأن الاستفهام الذي في قوله: "ما لي" ناب مناب ألف الاستفهام، فمعناه: أغاب عني الآن فلم أره حال التفقد أم كان ممن غاب قبل، ولم أشعر بغيبته؟. قال شهاب الدين: ولا يظن بأبي محمد ذلك، فإنه لا يجهل أن شرط المتصلة تقدم همزة الاستفهام أو التسوية لا مطلق الاستفهام. قوله: "عذاباً"، أي تعذيباً، فهو اسم مصدر أو مصدر على حذف الزوائد كـ {أية : أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً}تفسير : [نوح: 17]، وقد كتبوا: "أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ" بزيادة ألف بين لام ألف والذال، ولا يجوز أن تُقْرَأ بها، وهذا كما تقدم أنهم كتبوا: {أية : ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ}تفسير : [التوبة: 47] بزيادة ألف بين لام ألف والواو. قوله: "أو لَيَأْتِينِّي"، قرأ ابن كثير بنون التوكيد المشددة بعدها نون الوقاية، وهذا هو الأصل، واتبع مع ذلك رسم مصحفه، والباقون بنون مشددة فقط، والأظهر أنها نون التوكيد الشديدة، توُصِّلَ بكسرها لياء المتكلم، وقيل: بل هي نون التوكيد الخفيفة أدغمت في نون الوقاية، وليس بشيء لمخالفة الفعلين قبله، وعيسى بن عمر بنون مشددة مفتوحة لم يصلها بالياء. فصل قال المفسرون: معنى الآية: ما للهدهد لا أراه، تقول العرب: ما لي أراك كئيباً؟ فقال: ما لي لا أرى الهدهد، على تقدير أنه مع جنوده وهو لا يراه، ثم أدركه الشك في غيبته فقال: أم كان من الغائبين، يعني أكان من الغائبين؟ والميم صلة، وقيل: أم بمعنى بل، ثم أوعد على غيبته، فقال: {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً}، فقيل: بنتف ريشه ووضعه لهوام الأرض، وقيل: بحبسه في القفص، وقيل: بأن يفرق بينه وبين إلفه، وقيل: بحبسه مع ضده، {أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} حُجَّة ظاهرة. قوله: "فَمَكَثَ" قرأ عاصم بفتح الكاف، والباقون بضمها، وهما لغتان، إلا أن الفتح أشهر، ولذلك جاءت الصفة على ماكث، دون مكيث، واعتذر عنه بأن فاعلاً قد جاء لفَعُل بالضم، نحو: حَمُضَ فهو حامض، وخَثُر فهو خاثر، وفَرُهَ فهو فاره. قوله: "غَيْرَ بعِيدٍ"، يجوز أن يكون صفة للمصدر، أي مكثاً غير بعيد، وللزمان أي: زماناً غير بعيد، وللمكان أي: مكاناً غير بعيد، والظاهر أن الضمير في مكث للهدهد، وقيل: لسليمان - عليه السلام - فقال: {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ}، والإحاطة: العلم بالشيء من جميع جهاته، يقول: علمت ما لم تعلم، وبلغت ما لم تبلغه أنت ولا جنودك. قوله: "مِنْ سَبَأ"، قرأ البزِّيّ، وأبو عمرو بفتح الهمزة، جعلاه اسماً للقبيلة أو البقعة، فمنعاه من الصرف للعلمية والتأنيث، وعليه قوله: شعر : 3946 - مِـنْ سَبَـأَ الحَاضِـرِينَ مَـأْربَ إِذْ يَبْنُـونَ مِـنْ دُون سَيْلِـهِ العَرِمَـا تفسير : وقرأ قُنْبُل بسكون الهمزة، كأنه نوى الوقف وأجرى الوصل مجراه، والباقون بالجر والتنوين، جعلوه اسماً للحيِّ او المكان، وعليه قوله: شعر : 3947 - الـوَارِدُونَ وَتَيْـمٌ فِـي ذُرَى سَبَـأٍ قَـدْ عَـضَّ أَعْنَاقَهُـمْ جِلْـدُ الجَوَامِيـسِ تفسير : وهذا الخلاف جارٍ بعينه في سورة سبأ. وفي قوله: {مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ} فيه من البديع التجانس، وهو: تجنيس التصريف، وهو عبارة عن انفراد كل كلمة من الكلمتين عن الأخرى بحرف كهذه الآية، ومثله: {أية : تَفْرَحُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ}تفسير : [غافر: 75]. وفي الحديث: "حديث : الخَيْلُ مَعْقُود بِنَواصِيهَا الخَيْرُ"تفسير : وقال آخر: شعر : 3948 - لِلَّـهِ مَـا صَنَعَــتْ بِنَــا تِلْـكَ المَعَاجِـرُ وَالمَحَاجِــرْ تفسير : وقال الزمخشري: وقوله {مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ} من جنس الكلام الذي سماه المحدثون البديع، وهو من محاسن الكلام الذي يتعلق باللفظ بشرط أن يجيء مطبوعاً، أو يصنعه عالم بجوهر هذا الكلام، يحفظ معه صحة المعنى وسداده، ولقد جاء هنا زائداً على الصحة، فحسن وبدع لفظاً ومعنى، ألا ترى أنه لو وضع مكان: "بنبأ": "بخبر" لكان المعنى صحيحاً، وهو كما جاء أصح لما في النبأ من الزيادة التي يطابقها وصف الحال. يريد بالزيادة: أن النبأ أخص من الخبر، لأنه لا يقال إلا فيما له شأن من الأخبار، بخلاف الخبر، فإنه يطلق على ما له شأن، وعلى ما لا شأن له، فكلّ نبأ خبر من غير عكس. وبعضهم يعبر عن نحو: {مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ} في علم البديع بالترديد، قاله صاحب التحرير، وقال غيره: إن الترديد عبارة عن رد أعجاز البيوت على صدورها، أو ردّ كلمة من النصف الأول إلى النصف الثاني، فمثال الأول قوله: شعر : 3949 - سَـرِيـعٌ إِلَـى ابْـنِ العَـمِّ يَلْطـمُ وَجْهَـهُ وَلَيْـسَ إلَـى دَاعِـي الخَنَـا بِسَرِيــعِ تفسير : ومثال الثاني قوله: شعر : 3950 - وَاللَّيَـالِـي إِذَا نَأَيْتُـمْ طِـوَالٌ واللَّيَالِـي إذَا دَنَوْتُـمْ قِصَـارُ تفسير : وقرأ ابن كثير في رواية: "مِنْ سباً" مقصوراً منوناً، وعنه أيضاً: "مِنْ سَبْأَ" بسكون الباء وفتح الهمزة، جعله على فَعْل ومنعه من الصرف، لما تقدم. وعن الأعمش: "من سَبَإِ" بهمزة مكسورة غير منونة، وفيها إشكال؛ إذ لا وجه للبناء، والذي يظهر أن تنوينها لا بد وأن يقلب ميماً وصلاً، ضرورة ملاقاته للباء، فسمعها الراوي؛ فظن أنه كسر من غير تنوين. وروي عن أبي عمرو: "مِنْ سَبَا" بالألف صريحة، كقولهم: تفرقوا أيدي سبا. وكذلك قرىء "بِنَبَا" بألف خالصة، وينبغي أن يكونا لقارىء واحد وسبأ في الأًصل: اسم رجل من قحطان، واسمه: عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وسبأ لقب له، وإنما لقب به: لأنه أول من سبأ. قوله: {إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ} لما قال الهدهد لسليمان: {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ}، قال سليمان: وما ذاك؟ قال: {إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ} وكان اسمها بلقيس بنت شراحيل، وكان أبوها ملك أرض اليمن من نسل يعرب بن قحطان، وكان ملكاً عظيم الشأن، وكان يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفؤاً لي، وأبى أن يتزوج منهم فزوجوه امرأة من الجن يقال لها: ريحانة بنت السكن، فولدت له بلقيس ولم يكن له ولد غيرها، وفي الحديث: "إن أحد أبوي بلقيس كان جنِّياً" وكانت هي وقومها مجوساً يعبدون الشمس، والضمير في "تملكهم" راجع إلى "سبأ"، فإن أريد به القوم فالأمر ظاهر، وإن أريد المدينة فمعناه: تملك أهلها، قال عليه السلام لما بلغه أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى: "حديث : لن يفلح قوم ولَّوْا أمرهم امرأة ". تفسير : قوله: {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} يجوز أن يكون معطوفاً على "تَمْلِكُهُمْ"، وجاز عطف الماضي على المضارع، (لأن المضارع) بمعناه، أي: ملكتهم، ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال من مرفوع "تملكهم". و "قَدْ" معها مضمرة عند من يرى ذلك. وقوله: {مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} عام مخصوص بالعقل؛ لأنها لم تؤت ما أوتيه سليمان. قوله: "وَلَهَا عَرْشٌ" يجوز أن تكون هذه جملة مستقلة بنفسها سيقت للإخبار بها، وأن تكون معطوفة على "أُوتِيَتْ"، وأن تكون حالاً من مرفوع "أُوتِيَتْ"، والأحسن أن يجعل الحالَ الجارُّ، "وعَرْشٌ" مرفوع به، وبعضهم يقف على "عَرْشٌ" ويقطعه عن نعته. قال الزمخشري: ومن نَوْكى القُصَّاصِ من يقف على قوله: "وَلَهَا عَرْشٌ"، ثم يبتدىء، "عَظِيمٌ وَجَدْتها"، يريد: أمرٌ عظيم أَنْ وجدتها، فرَّ من استعظام الهدهد عرشها، فوقع في عظيم، وهي مسخ كتاب الله. قال شهاب الدين: النَّوكَى: الحمقى جمع أَنْوَك وهذا الذي ذكره من أمر الوقف نقله الدّاني عن نافع وقرره أبو بكر بن الأنباري ورفعه إلى بعض أهل العلم، فلا ينبغي أن يقال (نَوْكَى القُصَّاص)، وخرجه الداني على أن يكون "عَظِيمٌ" مبتدأ، و "وَجَدْتُهَا" الخبر، وهذا خطأ، كيف يبتدىء بنكرة من غير مسوِّغ، ويخبر عنها بجملة لا رابط بينهما وبينه، والإعراب ما قاله الزمخشري من أن عظيماً صفة لمحذوف خبراً مقدماً، و "وَجَدْتُهَا" مبتدأ مؤخراً مقدراً معه حرف مصدري أي: أمر عظيم وجداني إياها وقومها غير عابدي الله. قوله: "وَجَدْتُهَا"، هي التي بمعنى لقيت وأصبت، فيتعدى لواحد، فيكون "يَسْجُدُونَ" حالاً من مفعولها وما عطف عليه، فإن قيل: كيف استعظم الهدهد عرشها مع ما كان يرى من ملك سليمان، وأيضاً: فكيف سوَّى بين عرش بلقيس وعرش الله في الوصف بالعظم؟. فالجواب عن الأول: يجوز أن يستصغر حالها إلى حال سليمان، فاستعظم لها ذلك العرش ويجوز أن يكون لسليمان - مع جلالته - مثله كما قد يكون لبعض الأمراء شيء لا يكون مثله للسلطان. وعن الثاني: أنه وصف عرشها بالعظم بالنسبة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك، وَوَصْفُ عرشِ اللَّهِ بالعظم تعظيمٌ له بالنسبة إلى سائر ما خلق من السماوات والأرض. قال المفسرون: العرش السرير الضخم كان مضروباً من الذهب مكلّلاً بالدرّ والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر وقوائمه من الياقوت والزمرد، وعليه سبعة أبواب على كل بيت باب مغلق. قال ابن عباس: كان عرشها ثلاثين ذراعاً في ثلاثين ذراعاً وطوله في السماء ثلاثون ذراعاً. واعلم أن قوله: {أية : ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [النمل: 26] إن قلنا: إنه من كلام الهدهد، فالهدهد قد استدرك على نفسه، واستقلّ عرشها بالنسبة إلى عظمة عرش الله، وإن قلنا: إنه من كلام الله تعالى، فالله رد عليه استعظامه لعرشها. فصل طعنت الملاحدة في هذه القصة من وجوه: أحدها: أَنَّ هذه الآيات اشتملت على أنَّ النملة والهدهد تكلما بكلام لا يصدر ذلك إلاَّ عن العقلاء وذلك يجر إلى السَّفْسَطَة، فإنَّا لو جوَّزنا ذلك لما أمِنّا من النملة التي نشاهدها في زماننا هذا أَنْ تكون أعلم بالهندسة من إقليدس، وبالنحو من سيبويه، وكذا القول في القملة والضئبان، ولجوزنا أن يكون فيهم الأنبياء والمعجزات والتكاليف، ومعلوم أنَّ مَنْ جوّزه كان إلى الجنون أقرب. وثانيها: أنَّ سليمان - عليه السلام - كان بالشام، فكيف طار الهدهد في تلك اللحظة اللطيفة من الشام إلى اليمن، ثم رجع إليه؟. وثالثها: كيف خفي على سليمان (عليه السلام)؟ تلك المملكة العظيمة مع أنَّ الجن والإنس كانوا في طاعته، وأنه - عليه السلام - كان ملك الدنيا كلها، وكان تحت طاعة بلقيس - على ما يقال - اثنا عشر ألف تحت يد كل واحد منهم مائة ألف، مع ما يقال إنه لم يكن بين سليمان وبين بلدة بلقيس حال طيران الهدهد إلاَّ مسيرة ثلاثة أيام؟ رابعها: من أين حصل للهدهد إنكار سجودهم للشمس وإضافته للشيطان وتزيينه؟ والجواب عن الأول: أنّ ذلك الاحتمال قائم في أول العقل، وإنما يدفع ذلك بالإجماع. وعن البواقي: أنَّ الإيمان بافتقار العالم إلى القادر المختار يزيل هذه الشكوك. فصل قالت المعتزلة: قوله {يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} يدل على أنَّ فعل العبد من جهته، لأنه تعالى أضاف ذلك إلى الشيطان بعد إضافته إليهم، وأورده مورد الذم، وبين أنهم لا يهتدون. والجواب من جوه: أحدها: أَنَّ هذا قول الهدهد فلا يكون حجة. وثانيها: أنه متروك الظاهر: فإنه قال: {فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ}، وعندكم الشيطان، فإنه ما صدّ الكافر عن السبيل، إذ لو صدّه الشيطان عن السبيل لكان معذوراً ممنوعاً، فيسقط عنه التكليف فلم يبق إلاَّ التمسك بالمدح والذم، وجوابه قد تقدم. قوله: "ألاَّ يَسْجُدُوا" قرأ الكسائي بتخفيف "أَلاَ"، والباقون بتشديدها، فأمَّا قراءة الكسائي، "أَلاَ" فيها تنبيه واستفتاح، و "يَا" بعدها حرف نداء، أو تنبيه أيضاً على ما سيأتي، و "اسْجُدُوا": فعل أمرٍ، فكان حق الخط على هذه القراءة أن يكون يَا اسجُدُوا، ولكن الصحابة أسقطوا ألف "يَا" وهمزة الوصل من "اسْجُدُوا" خَطاً لما سقط لَفْظاً، ووصلوا الياء بسين "اسْجُدُوا"، فصارت صورته "يَسْجُدُوا" كما ترى، فاتحدت القراءتان لفظاً وخطّاً، واختلفا تقديراً. واختلف النحويون في "يَا" هذه، هل هي حرف تنبيه أو للنداء والمنادى محذوف، تقديره: يَا هَؤُلاَءِ اسْجُدُوا، وقد تقدم ذلك عند قوله في سورة النساء: "يَا لَيْتَنِي" والمُرَجَّحُ أَنْ تكون للتنبيه، لِئَلاَّ يؤدي إلى حذفٍ كثير من غير بقاءِ ما يدلّ على المحذوف، ألا ترى أنَّ جملة النداء حذفت، فلو ادَّعَيْتَ حَّذْفَ المنَادى كَثُرَ الحذف، ولم يبق معمولٌ يدل على عامله؛ بخلاف ما إذا جعلتَها للتنبيه. ولكن عَارَضنا هنا أَنَّ قبلها حرف تنبيه آخر، وهو "أَلا" وقد اعتُذِر عن ذلك بأنه جُمِعَ بينهما تأكيداً، وإذا كانوا قد جمعوا بين حرفن عاملين للتأكيد، كقوله: شعر : 3951 - فَأَصْبَحْـنَ لاَ يَسْأَلْنْنِـي عَـنْ بِمَـا بِـهِ تفسير : فغير العاملين أولى، وأيضاً فقد جمعوا بين حرفين عاملين مُتّحدي اللفظ والمعنى كقوله: شعر : 3952 - فَـلاَ وَاللَّـهِ لاَ يُلْفَـى لِمَـا بِـي وَلاَ لِلمـا بِهِـمْ أَبَـداً دَوَاءُ تفسير : فهذا أولى، وقد كثر مباشرة "يا" لفعل الأَمر، وقبلها "أَلاَ" التي للاستفتاح، كقوله: شعر : 3953 - أَلاَ يَا اسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي ثُمَّتَ اسْلَمِي ثَلاَثَ تَحِيَّاتٍ وَإِنْ لَمْ تَكَلَّمِ تفسير : وقوله: شعر : 3954 - أَلاَ يَا اسْلَمِي دَارَ مَيٍّ عَلَى البِلَى وَلاَ زالَ مُنْهَلاًّ بِجَرْعَائِـكَ القَطْـرُ تفسير : وقوله: شعر : 3955 - أَلاَ يا اسْلَمِي ذَات الدَّمَالِيـجِ وَالعُقَـد وذات اللثاث الحُمِّ والفَاحِمِ الجَعْـدِ تفسير : وقوله: شعر : 3956 - أَلاَ يا اسْلَمِي يا هِنْدُ هِنْدَ بَنِي بَكْرِ وَإِنْ كَانَ حَيَّانا عِدًى آخِرَ الـدَّهْـرِ تفسير : وقوله: شعر : 3957 - أَلاَ يَـا اسْقِيَـانِي قَبْلَ خَيْـلِ أَبِـي بَكْـر لَعَلَّ مَنَايانَا قَرُبـنَ ولاَ نَـدْرِي تفسير : وقوله: شعر : 3958 - أَلاَ يـا اسْقِيانِي قَبْلَ غَـارَةٍ سنجـال تفسير : وقوله: شعر : 3959 - فَقَالَـتْ أَلاَ يَا اسْمَـعْ أَعِظْـكَ بخطبـةٍ وقلتُ سمِعْنَـا فَانطِقِـي وأَصِيبِي تفسير : وقد جاء ذلك وإن لم يكن قبلها "أَلاَ"، كقوله: شعر : 3960 - يـا دَارَ هِنْـدٍ يَـا اسْلَمِـي ثُـمَّ اسْلَمِـي بِسَمْسَـمٍ أَوْ عَـنْ يَمِيـنِ سَمْسَـمِ تفسير : فعلم أنه قراءة الكسائي قوية، لكثرة دَوْرِها في لغتهم، وقد سمع ذلك في النَّثْر، سُمِعَ بَعْضُهم يقول: أَلاَ يَا ارحَمُوني، أَلاَ يا تصدَّقُوا علينا، وأما قوله: شعر : 3961 - يَا لَعْنَةُ اللَّهِ والأَقْوَامِ كُلِّهِم والصَّالِحِينَ عَلَى سَمْعَانَ مِنْ جِارِ تفسير : فيحتمل أن تكون "يَا" للنداء، والمنادى محذوف، وأن يكون للتنبيه، وهو الأرجح لِمَا مَرَّ. واعلم أَنَّ الوقف عند الكسائي على "يَهْتَدُونَ" تام، وله أن يقف على "أَلاَ يَا" معاً، ويبتدىء "اسْجُدُوا" بهمزة مضمومة. وله أن يقف على "أَلاَ" وحدها، وعلى "يَا" وحدها، لأنهما حرفان منفصلان وهذا الوقفان وقفاً اخْتبارٍ لا اختيار، لأنهما حرفان لا يتم معناهما إلاَّ بما يتصلان به، وإنما فعله القراء امتحاناً وبياناً. فهذا توجيه قراءة الكسائي، والخَطْبُ فيها سهل. وأما قراءة الباقين فتحتاج إلى إِمْعَان نظرٍ، وفيها أوجه كثيرة: أحدها: أنَّ "أَلاَّ" أصلها: أَنْ لا، فأَنْ ناصبة للفعل بعدها، ولذلك سقطت نون الرفع، و "لاَ" بعدها حرفُ نَفْي، وأَنْ وما بعدها في موضع مفعول "يَهْتَدُونَ" على إسقاط الخافض أي: إلى أَنْ لا يسجُدُوا، و "لاَ" مزيدة كزيادتها في: {أية : لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ}تفسير : [الحديد: 29]، والمعنى: فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا. الثاني: أنه بدل من "أَعْمَالَهُمْ" وما بينهما اعتراض تقديره: وزَيَّنَ لهم الشيطانُ عدم السجود لله. الثالث: أنه بدل من "السَّبِيلِ" على زيادة "لاَ" أيضاً، والتقدير: فَصَدَّهُمْ عن السجود لله. الرابع: أَنَّ "أَلاَّ يَسْجُدُوا" مفعولاً له، وفي متعلّقه وجهان: أحدهما: أنه "زَيَّنَ" أي: زيَّنَ لهم لأجل أَلاَّ يسجدوا. والثاني: انها متعلق بـ "صَدَّهُمْ"، أي: صَدَّهُمْ لأجل أن لاَ يسجُدُوا، وفي "لاَ" حينئذٍ وجهان: أحدهما: انها ليست مزيدة (بل باقية على معناها من النفي. والثاني: أنها مزيدة) والمعنى: وزيَّنَ لهم لأجل توقعه سجودهم، أو لأجل خوفه من سُجُودهم، وعدم الزيادة أظهر. الخامس: أنه خبرأ مبتدأ مضمر، وهذا المبتدأ إما أن يُقَدَّر ضميراً عائداً على "أَعْمَالَهُمْ"، والقدير هي ألا يسجدوا، فتكون "لاَ" على بابها من النفي، وإما أن يُقَدَّر ضميراً عائداً على "السَّبِيل"، التقدير: هو أن لا يسجدوا، فتكون "لاَ" مزيدة - على ما تقدم - ليصح المعنى. وعلى الأوجه الأربعة المتقدمة لا يجوز الوقفُ على "يَهْتَدُونَ"، لأنَّ ما بعده إمَّا معمول له أو لِمَا قبله من "زَيَّنَ" و صَدَّ" أو بدل مما قبله أيضاً من "أَعْمَالَهُمْ" أو من "السَّبِيل" على ما قُرِّرَ، بخلاف الوجه الخامس، فإنه مَبنيٌّ على مبتدأ مضمر، وإنْ كان ذلك الضمير مُفَسراً بما سبق قبله، وقد كتبت "أَلاَّ" موصولة غير مفصولة، فلم تُكْتَبْ "أَنْ" منفصلة من "لاَ"، فمن ثَمَّ: امتنع أن يُوقَف هؤلاء في الابتلاء والامتحان على "أَنْ" وحدها، لاتصالها بلا في الكتابة، بل يُوقَف لهم على "أَلاَّ" بجملتها، كذا قال القُرَّاءُ، والنحويون متى سُئِلوا عن مثل ذلك وقفوا لأجل البيان على كل كلمةٍ على حدتها. لضرورة البيان، كونها كُتِبَت متصلة بـ "لا" غير مانعٍ من ذلك. ثُمَّ قول القُرَّاءِ: كتبت متصلة فيه تجوُّزٌ وتسامُح، لأَنَّ حقيقة هذا أن يُثْبِتُوا صورة نُونٍ ويصلونها بلاء، فيكتبونها "أَنْلاَ"، ولكن لما أدغمت فيما بعدها لفظاً، وذهب لفظها إلى لفظ ما بعدها قالوا ذلك تسامحاً. وقد رتَّبَ أبو إسحاق على القراءتين حُكْماً، وهو وجوب سجود التلاوة وعدمه، فَأَوْجَبَهُ مع قراءة الكسائي، وكأنه لأجل الأمرِ بِهِ، ولم يوجبه في قراءة الباقين لعدم وجود الأمر فيها، إِلاَّ أَنَّ الزمخشري لم يرتضه منه، فإنه قال: فَإِنْ قُلْتَ: أَسَجدةُ التلاوة واجبة في القراءتين جميعاً أو في واحدة منهما؟ قُلْتُ: هي واجبة فيهما. وإحدى القراءتين أمر بالسجود والأخرى ذم للتارك، وما ذكره الزجاج من وجوب السجدة مع التخفيف دون التشديد مرجوع إليه. قال شهاب الدين: وكأن الزجاج أخذ بظاهر الأمر، وظاهره الوجوب وهذا لو خلينا الآية لكان السُّجُودُ واجباً، ولكن دلَّت السنةُ على استحبابه دون وجوبه، على أَنَّا نقول: هذا مبنيٌّ على نظر آخر، وهو أَنَّ هذا الأمر من كلام الله تعالى أو من كلام الهدهد محكيّاً عنه، فإن كان من كلام الله تعالى فيقال: يقتضي الوجوب إلاَّ أَنْ يجيء دليل يصرفه عن ظاهره، وإنْ كان من كلام الهدهد - وهو الظاهر - ففي انتهاضة دليلاً نظر، وهذا الذي ذكروه ليس بشيء، لأنَّ المراد بالسجود هاهنا عبادة الله لا عبادة الشمس، وعبادة الله واجبة وليس المراد من الآية سجود التلاوة، وأين كانت التلاوة في زمن سليمان عليه السلام ولم يكن ثم قرآن. وقرأ الأعمش "هَلاَّ" و "هَلاَ" بقلب الهمزة هاء مع تشديد "لاَ" وتخفيفها، وكذا هي في مصحف عبد الله، (وقرأ عبد الله) "تَسْجُدُونَ" بتاء الخطاب ونون الرفع، وقرىء كذلك بالياء من تحت، فَمَنْ أَثْبَتَ نون الرفع فـ "أَلاَّ" بالتشديد أو التخفيف للتحضيض، وقد تكون المخففة للعرض أيضاً نحو أَلاَ تنزلُ عندنا فتحدَّثُ، وفي حرف عبد الله أيضاً {أَلاَ هَلْ تَسْجُدُونَ} بالخطاب. قوله: {ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ} يجوز أن يكون مجرور المحل نعتاً "للَّه" أو بدلاً منه أو بياناً، و"منصوبة على المدح، ومرفوعة على خبر ابتداءٍ مضمر. و "الخَبْءَ" مصدر خَبَأْتُ الشيء أَخْبَؤُهُ خَبْئاً أي: سَتَرَْتُهُ، ثم أطلِقَ على الشيء المَخْبُوءِ وَنَحْوُهُ {أية : هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ}تفسير : [لقمان: 11] قال المفسرون: الخَبْء في السَّماواتِ المطر، وفي الأرض النبات، والخَابِيَةُ من هذا إلاَّ أَنَّهُم التزموا فيها ترك الهمزة كالبَريَّة والذّريّة عند بعضهم. وقيل: الخبء الغيب أي: يعلم غيب السموات والأرض، وقرأ أبيّ وعيسى "الخَبَ" بنقل حركة الهمزة إلى الباء وحذف الهمزة فيصير نحو: رأيت لَبَ، وقرأ عبد الله وعكرمة ومالك بن دينار "الخَبَا" بألفٍ صريحةٍ، وجهها أنه أبدل الهمزة ألفاً فلزم تحريك الباء، وذلك على لغة مَنْ يقف من العرب بإبدال الهمزة حرفاً يجانس حركتها، فيقول: هذا الخَبُو، ورأيت الخبا، ومررت بالخبي، ثم أُجْرِي الوَصْلُ مَجْرَى الوقْفِ، وقيل: إنه لمَّا نَقَلَ حركة الهمزة إلى الساكن قبلها لم يحذفها بل تركها، فَسَكَنَتْ بعد فتحةٍ فَدُبِرَتْ بحركة ما قبلها وهي لغة ثابتة، يقولون: المراة والكماة بألف مكان الهمزة بهذه الطريقة، وقد طعن أبو حاتم على هذه القراءة وقال: لا يجوز في العربية، لأَنَّه إن حذف الهمزة أَلْقَى حركتها على الباء، فقال الخَبَ، وإن حوَّلَها قال الخَبْي، بسكون الباء وياء بعدها. قال المبرد: كان أبو حاتم دون أصحابه في النحو، لم يَلْحَقْ بهم إلاَّ أنه إذا خرج من بلدهم لم يلق أَعْلَم منه. قوله: "في السَّماوَاتِ" فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق بـ"الخَبْءَ"، أي؛ المَخْبُوءُ في السموات. والثاني: أنه متعلق بـ"يُخْرِجُ" على أنَّ معنى (في) بمعنى (مِنْ)، أي: يخرجه من السموات، و "مِنْ" و "فِي" يتعاقبان، يقول العرب: لأستخرجن العلم فيكم، أي منكم - قاله الفراء -، وقرأ عبد الله: {يُخْرِجُ الخَبْءَ مِنَ السَّماواتِ}. قوله: "مَا تُخْفُونَ" قرأ الكسائي وحفص بالتاء من فوق فيهما، والباقون بالياء من تحت، فالخطاب ظاهر على قراءة الكسائي، لأن ما قبله أَمرهُمْ بالسجود وخطابهم به والغيبة على قراءة الباقين غير حفص ظاهرة أيضاً، لتقدم الضمائر الغائبة في قوله: "لَهُمْ"، و "أَعْمَالَهُمْ" و "صَدَّهُمْ" و "فَهُمْ" وأما قراءة حفص فتأويلها أنه خرج إلى خطاب الحاضرين بعد أن أَتَمَّ قصة أهل سبأ، ويجوز أن يكون التفاتاً على أنه نزل الغائب منزلة الحاضر، فخاطبه ملتفتاً إليه. وقال ابن عطية: القراءة بياء الغيبة تُعْطِي أَنَّ الآية من كلام الهدهد، وبتاء الخطاب تعطي أنها من خطاب الله لأُمّة محمد - صلى الله عليه وسلم - وقد تقدم أن الظاهر أنه من كلام الهدهد مطلقاً.
البقاعي
تفسير : ولما كان التقدير: فوصل إلى المنزل الذي قصده فنزله وتفقد أحوال جنوده كما يقتضيه العناية بأمور الملك، أي تجنب فقدهم بأن تعرف من هو منهم موجود ومن هو منهم مفقود، الذي يلزمه أن لا يغيب أحد منهم: {وتفقد الطير} إذ كانت أحد أركان جنده ففقد الهدهد {فقال ما لي} أي أيّ شيء حصل لي حال كوني {لا أرى الهدهد} أي أهو حاضر، وستره عني ساتر، وقوله: {أم كان من الغائبين*} كما أنه يدل على ما قدرته يدل على أنه فقد جماعة من الجند، فتحقق غيبتهم وشك في غيبته، وذكره له دونهم يدل على عظيم منزلة الهدهد فيما له عنده من النفع، وأن غيبة غيره كانت بأمره عليه السلام. ثم قال على سبيل الاستئناف إقامة لسياسة الملك ما يدل أيضاً على عظمته، قالوا: إنه يرى الماء في الأرض كما يرى الإنسان الماء من داخل الزجاج فينقر الأرض فتأتي الشياطين فتستخرجه: {لأعذبنه} أي بسبب غيبته فيما لم آذن فيه {عذاباً شديداً} أي مع إبقاء روحه تأديباً له وردعاً لأمثاله {أو لأذبحنه} أي تأديباً لغيره {أو ليأتيني} أي ليكونن أحد هذه الثلاثة الأشياء، أو تكون {أو} الثانية بمعنى إلا أن فيكون المعنى: ليكونن أحد الأمرين: التعذيب أو الذبح: إلا أن يأتيني {بسلطان مبين*} أي حجة واضحة في عذره، فكأنه قال: والله ليقيمن عذره أو لأفعلن معه أحد الأمرين {فمكث} أي فترتب على ذلك أنه مكث بعد الحلف بالتهديد زماناً قريباً {غير بعيد} من زمان التهديد، وأتى خوفاً من هيبة سليمان عليه السلام، وقياماً بما يجب عليه من الخدمة، قرأه عاصم وروح عن يعقوب بفتح الكاف على الأغلب في الأفعال الماضية، وضمه الجماعة إشارة إلى شدة الغيبة عن سليمان عليه السلام ليوافق إفهام حركة الكلمة ما أفهمه تركيب الكلام {فقال} عقب إتيانه مفخماً للشأن ومعظماً لرتبة العلم ودافعاً لما علم أنه أضمر من عقوبته: {أحطت} أي علماً {بما لم تحط به} أي أنت من اتساع علمك وامتداد ملكك، والإحاطة: العلم بالشيء من جميع جهاته، وفي هذه المكافحة التنبيه على أن أضعف الخلق قد يؤتي ما لا يصل إليه أقواهم لتتحاقر إلى العلماء علومهم ويردوا العلم في كل شيء إلى الله، وفيه إبطال لقول الرافضة: إن الإمام لا يخفى عليه شيء، ولا يكون في زمانه من هو أعلم منه. ولما أبهمه تشويقاً، وأخذ بمجامع القلب إلى تعرفه، ثنى بمدح الخبر مجلياً بعض إبهامه، هزاً للنفس إلى طلب إتمامه، فقال: {وجئتك} أي الآن {من سبإ} قيل: إنه اسم رجل صار علماً لقبيلة، وقيل: أرض في بلاد اليمن، وحكمة تسكين قنبل له بنية الوقف الإشارة إلى تحقير أمرهم بالنسبة إلى نبي الله سليمان عليه السلام بأنهم ليست لهم معه حركة أصلاً على ما هم فيه من الفخامة والعز والبأس الشديد {بنبإ} أي خبر عظيم {يقين*} وهو من أبدع الكلام موازنة في اللفظ ومجانسة في الخط مع ما له من الانطباع والرونق، فكأنه قيل: ما هو؟ فقال: {إني وجدت امرأة} وهي بلقيس بنت شراحيل {تملكهم} أي أهل سبأ. ولما كانت قد أوتيت من كل ما يحتاج إليه الملوك أمراً كبيراً قال: {وأوتيت} بنى الفعل للمفعول إقراراً بأنها مع ملكها مربوبة {من كل شيء} تهويلاً لما رأى من أمرها. ولما كان عرشها - أي السرير الذي تجلس عليه للحكم - زائداً في العظمة، خصه بقوله: {ولها عرش} أي سرير تجلس عليه للحكم {عظيم*} أي لم أر لأحد مثله. ولما كان في الخدمة أقرب أهل ذلك الزمان إلى الله فحصل له من النورانية ما هاله لأجله إعراضهم عن الله، قال مستأنفاً تعجيباً: {وجدتها وقومها} أي كلهم على ضلال كبير، وذلك أنهم {يسجدون للشمس} مبتدئين ذلك {من دون الله} أي من أدنى رتبة من رتب الملك الأعظم الذي لا مثل له، وهي الرتبة الأفعال لأنها مصنوع من مصنوعاته تعالى سواء كان ذلك مع الاستقلال أو الشرك {وزين لهم الشيطان أعمالهم} أي هذه القبيحة حتى صاروا يظنونها حسنة. ولما تسبب عن ذلك أنه أعماهم عن طريق الحق قال: {فصدهم عن السبيل} أي الذي لا سبيل إلى الله غيره، وهو الذي بعث به أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام. ولما تسبب عن ذلك ضلالهم، قال: {فهم} أي بحيث {لا يهتدون*} أي لا يوجد لهم هدى، بل هم في ضلال صرف، وعمى محض.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل كيف تفقد سليمان الهدهد من بين الطير؟ قال: إن سليمان نزل منزلاً فلم يدر ما بعد الماء، وكان الهدهد يدل سليمان على الماء، فأراد أن يسأله عنه ففقده. وقيل كيف ذاك والهدهد ينصب له الفخ يلقي عليه التراب، ويضع له الصبي الحبالة فيغيبها فيصيده؟ فقال: إذا جاء القضاء ذهب البصر. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن يوسف بن ماهك أنه حدث: أن نافع بن الأزرق صاحب الازارقة كان يأتي عبد الله بن عباس؛ فإذا أفتى ابن عباس؛ يرى هو أنه ليس بمستقيم فيقول: قف من أين افتيت بكذا وكذا، ومن أين كان؟ فيقول ابن عباس رضي الله عنهما: أو مات من كذا وكذا. حتى ذكر يوماً الهدهد فقال: يعرف بعد مسافة الماء في الأرض فقال له ابن الأزرق: قف قف.. يا ابن العباس. كيف تزعم أن الهدهد يرى مسافة الماء من تحت الأرض، وهو ينصب له الفخ فيذر عليه التراب فيصطاد؟ فقال ابن عباس: لولا أن يذهب هذا فيقول: كذا وكذا لم أقل له شيئاً. إن البصر ينفع ما لم يأت القدر، فإذا جاء القدر حال دون البصر. فقال ابن الأزرق: لا أجادلك بعدها في شيء. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: كان سليمان إذا أراد أن ينزل منزلاً دعا الهدهد ليخبره عن الماء. فكان إذا قال: ههنا شققت الشياطين الصخور فجرت العيون من قبل أن يضربوا أبنيتهم، فأراد أن ينزل منزلاً فتفقد الطير فلم يره، فقال {ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين} . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: ذكر لنا أن سليمان أراد أن يأخذ مفازة فدعا بالهدهد وكان سيد الهداهد ليعلم مسافة الماء. وكان قد اعطي من البصر بذلك شيئاً لم يعطه شيء من الطير. لقد ذكر لنا: أنه كان يبصر الماء في الأرض كما يبصر أحدكم الخيال من وراء الزجاجة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال: اسم هدهد سليمان: عنبر. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {لأعذبنه عذاباً شديداً} قال: نتف ريشه. وأخرج الفريابي وابن جرير وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه {لأعذبنه عذاباً شديداً} قال: نُتِفَ ريشه كله. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة. مثله. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال: نتف ريشة وإلقاؤه للنمل في الشمس. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن يزيد بن رومان قال: إن عذابه الذي كان يعذب به الطير: نتف ريش جناحه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {أو ليأتيني بسلطان مبين} قال: خبر الحق الصدق البين. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله {أو ليأتيني بسلطان مبين} قال: بعذر بين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة قال: قال ابن عباس: كل سلطان في القرآن حجة، ونزع الآية التي في سورة سليمان {أو ليأتيني بسلطان} قال: وأي سلطان كان للهدهد. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: إنما دفع الله عن الهدهد ببره والدته. وأخرج الحكيم الترمذي وأبو الشيخ في العظمة عن عكرمة قال: إنما صرف الله عذاب سليمان عن الهدهد لأنه كان باراً بوالديه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {أحطت بما لم تحط به} قال: اطلعت على ما لم تطلع عليه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وجئتك من سبإ بنبإ يقين} قال: خبر حق. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وجئتك من سبإ} قال: سبأ بأرض اليمن يقال لها: مأرب. بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال {بنبإ يقين} قال: بخبر حق. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن لهيعة قال: يقولون إن مأرب مدينة بلقيس. لم يكن بينها وبين بيت المقدس الا ميل، فلما غضب الله عليها بعدها، وهي اليوم باليمن، وهي التي ذكر الله في القرآن {أية : لقد كان لسبإ في مساكنهم} تفسير : [سبأ: 15]. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: بعث إلى سبأ اثنا عشر نبياً منهم: تبع. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه قرأ {من سبإ بنبإ يقين} قال: بجعله أرضاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أنه قرأ {من سبإ بنبإ} قال: يجعله رجلاً. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {إني وجدت امرأة تملكهم} قال: كان اسمها بلقيس بنت أبي شبرة، وكانت هلباء شعراء. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {إني وجدت امرأة تملكهم} قال: هي بلقيس بنت شراحيل ملكة سبأ. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة قال: بلغني إنها امرأة تسمى بلقيس بنت شراحيل، أحد أبويها من الجن. مؤخر إحدى قدميها مثل حافر الدابة. وكانت في بيت مملكة. وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد قال: هي بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن ريان، وأمها فارعة الجنية. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: بلقيس بنت أبي شرح، وأمها بلقته. وأخرج ابن مردويه عن سفيان الثوري، مثله. وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال: كانت ملكة سبأ اسمها ليلى، وسبأ مدينة باليمن، وبلقيس حميرية. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه وابن عساكر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : إحدى أبوي بلقيس كان جنياً ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن قتادة قال: ذكر لنا أن ملك سبأ كانت امرأة باليمن. كانت في بيت مملكة يقال لها بلقيس بنت شراحيل. هلك أهل بيتها فملكها قومها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد قال: صاحبة سبأ كانت أمها جنية. وأخرج الحكيم الترمذي وابن مردويه عن عثمان بن حاضر قال: كانت أم بلقيس امرأة من الجن يقال لها: بلقمة بنت شيصان. وأخرج ابن عساكر عن الحسن أنه سئل عن ملكة سبأ فقال: إن أحد أبويها جني. فقال: الجن لا يتوالدون! أي أن المرأة من الإِنس لا تلد من الجن. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان لصاحبة سليمان اثنا عشر ألف قيل، تحت كل قيل مائة ألف. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: لما قال {إني وجدت امرأة تملكهم} أنكر سليمان أن يكون لأحد على الأرض سلطان غيره. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {وأوتيت من كل شيء} قال: من كل شيء في أرضها. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله {وأوتيت من كل شيء} قال: من أنواع الدنيا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {ولها عرش عظيم} قال: سرير كريم من ذهب، وقوائمه من جوهر ولؤلؤ، حسن الصنعة، غالي الثمن. وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله {ولها عرش عظيم} قال: سرير من ذهب، وصفحتاه مرمول بالياقوت والزبرجد، طوله ثمانون ذراعاً في عرض أربعين ذراعاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن رومان في قوله {وجدتها وقومها يسجدون للشمس} قال: كانت لها كوّة في بيتها إذا طلعت الشمس نظرت إليها فسجدت لها. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {يخرج الخبء} قال: يعلم كل خفية في السماء والأرض. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {يخرج الخبء} قال: الغيب. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {يخرج الخبء} قال: السر. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة. مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في قوله {يخرج الخبء} قال: الماء. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن حكيم بن جابر في قوله {يخرج الخبء} قال: المطر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في الآية قال: خبء السموات والأرض؛ ما جعل من الأرزاق، والقطر من السماء، والنبات من الأرض. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين} قال: لم يصدقه ولم يكذبه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {اذهب بكتابي هذا} قال: كتب معه بكتاب فقال {اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم} يقول: كن قريباً منهم {فانظر ماذا يرجعون} فانطلق بالكتاب حتى إذا توسط عرشها ألقى الكتاب إليها، فقرأه عليها فإذا فيه {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: كانت صاحبة سبأ إذا رقدت غلقت الأبواب، وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها. فلما غلقت الأبواب وآوت إلى فراشها، جاءها الهدهد حتى دخل من كوّة بيتها، فقذف الصحيفة على بطنها بين فخذيها، فأخذت الصحيفة فقرأتها فقالت {يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم} تقول: حسن ما فيه. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس {إني ألقي إليّ كتاب كريم} قال: مختوم. وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله {كتاب كريم} قال: تريد مختوم. وكذلك الملوك تختم كتبها. لا تجيز بينها كتاباً إلا بخاتم. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} قال: لم يزد زعموا على هذا الكتاب على ما قص الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن رومان قال: كتب بسم الله الرحمن الرحيم. من سليمان بن داود إلى بلقيس بنت ذي شرح وقومها. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد: أن سليمان بن داود كتب إلى ملكة سبأ. بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ السلام على من اتبع الهدى. أما بعد: فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: لم يكن في كتاب سليمان إلى صاحبة سبأ إلا ما تقرأون في القرآن {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألاَّ تعلوا علي} يقول: لا تخالفوا علي {وأتوني مسلمين} قال: وكذلك كانت الأنبياء تكتب جميلا. يطلبون ولا يكثرون. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق سفيان بن منصور قال: كان يقال كان سليمان بن داود أبلغ الناس في كتاب وأقله كلاماً. ثم قرأ {إنه من سليمان}. وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الشعبي قال: كان أهل الجاهلية يكتبون باسمك اللهم. فكتب النبي صلى الله عليه وسلم أول ما كتب: باسمك اللهم. حتى نزلت {بسم الله مجراها ومرساها} فكتب (بسم الله) ثم نزلت {أية : ادعوا الله أو ادعوا الرحمن}تفسير : [الإسراء: 110] فكتب (بسم الله الرحمن) ثم أنزلت الآية التي في {طسۤ... إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} فكتب (بسم الله الرحمن الرحيم). وأخرج أبو عبيد في فضائله عن الحرث العكلي قال: قال لي الشعبي: كيف كان كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إليكم؟ قلت: باسمك اللهم فقال: ذاك الكتاب الأول كتب النبي صلى الله عليه وسلم "باسمك اللهم" فجرت بذلك ما شاء الله أن تجري، ثم نزلت {بسم الله مجراها ومرساها} فكتب (بسم الله) فجرت بذلك ما شاء الله أن تجري، ثم نزلت {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} فكتب (بسم الله الرحمن) فجرت بذلك ما شاء الله أن تجري، ثم نزلت {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} فكتب بذلك. وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتب "باسمك اللهم" حتى نزلت {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} . وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة قال: لم يكن الناس يكتبون إلا "باسمك اللهم" حتى نزلت {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} . وأخرج أبو داود في مراسيله عن أبي مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكتب "باسمك اللهم" فلما نزلت {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} كتب "بسم الله الرحمن الرحيم". وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى، وقيصر، والنجاشي"حديث : أما بعد: فتعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون"تفسير : فلما أتى كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر فقرأه قال: إن هذا الكتاب لم أره بعد سليمان بن داود "بسم الله الرحمن الرحيم".
القشيري
تفسير : تَطَلّبَه فَلَمَّا لم يَرَه تَعَرَّف ما سبب تأخره وغيبته. ودلَّ ذلك على تيقظ سليمان في مملكته، وحسن قيامه وتكفله بأمور أمته ورعيته، حيث لم تَخْفَ عليه غيبةُ طيرٍ هو من أصغر الطيور لم يحضر ساعةً واحدةً. وهذا أحسن ما قيل. ثم تَهَدَّدَه إن لم يكن له عُذْرٌ بعذاب شديدٍ، وذلك يدلُّ على كمال سياسته وعَدْلِه في مملكته. وقال قومٌ إنما عَرَفَ أن الهدهد يعرف أعماقَ الماء بإلهام خُصَّ به، وأنَّ سليمان كان قد نزل منزلاً ليس به ماء، فطلبَ الهدهد ليهديَهم إلى مواضع الماء، وهذا ممكن؛ لأن في الهدهد كَثْرَةً. وغيبةُ واحدةٍ منها لا يحصل منها خَلَلٌ - اللهم إلاّ إِنْ كان ذلك الواحد مخصوصاً بمعرفة مواضع وأعماق الماء... والله أعلم. وروي أن ابن عباس سُئِلَ عن ذلك، وأنه قيل له: إنْ كان الهدهدُ يرى الماءَ تحت الترابِ ويعرفه فكيف لا يرى الفَخَّ مخفيّاً تحت التراب؟ فقال: إذا جاء القضاء عَمِيَ البصر. ويقال: إن الطير كانت تقف فوق رأس سليمان مُصْطَفّةً، وكانت تستر انبساط الشمس وشعاعها بأجنحتها، فوقع شعاعُ الشمسِ على الأرض، فنظر سليمانُ فرأى موضع الهدهد خالياً منه، فَعَرَفَ بذلك غَيْبَته.. وهذا أيضاً ممكن، ويدل على كمال تَفَقُّدِه، وكمال تَيَقُّظِه - كما ذكرنا.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ} دقيقة الاشارة ان طير الحقيقة لسليمان طير قلبه فتفقده ساعة وكان قلبه غائبا فى غيب الحق مشغولا بالمذكور عن الذكر فتفقده وما وجده فتعجب من شانه اين قلبه ان لم يكن معه وما كان فى الكونين فظن انه غائب عن الحق وكان فى الحق غائبا وهذا شان غيبة اهل الحضور من العارفين ساعات لا يعرفون اين هم وهذا من كمال استغراقهم فى الله فقال {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} لا عذبنه بالصبر على دوام المراقبة والرعاية والنية فى بحر النكرة فى المعرفة ليفنى ثم يفنى عن الفناء او اذبحنه بسيف المحبة او بسيف العشق او ليأتنى من الغيب بسواطع انوار اسرار الازل وعلى صورة الظاهر نكتها ان سليمان احب الهدهد لانه راى ذلك الهدهد فى مكان العشق وراى عليه اثار العشق فاستانس به وكان للهدهد خاصية انه عرف مواقيت صلوته وراى الماء بين الطين والحجر وكان يدل الجن الى الماء لوضوئه وطهارته حيث نزل وكان بين هدهد سليمان وهدهد بلقيس عشق فغاب عن سليمان عند نزوله تلاقيا الهدهد ان فلما تفقده علم انه عند معشوق فغار عليه اذا اشتغل بغيره من خدمته فطلبه وامر العقاب ان ياتى به فطار العقاب وراى هدهد سليمان عنه هدهد بلد سبا فاتى به الى سليمان عليه السّلام فقال لاعذبنه عذابا شديد اى لاحبسنه فى موقع فراقه عن معشوقه فلما جاء اليه الهدهد تخير فى شانه ايش يقول فعلم ان سليمان فى مقام انس الله وعشقه ويجب ان يستانس بمستحسن فاحتال بان يذكر عند سليمان ما راى من حسن بلقيس وعظم شانها العشق.
اسماعيل حقي
تفسير : {وتفقد الطير}. قال فى القاموس تنفقده طلبه عن غيبة. وفى كشف الاسرار التفقد طلب المفقود انما قيل له التفقد لان طالب الشىء يدرك بعضه ويفقد بعضه. وفى المفردات التفقد التعهد لكن حقيقة التفقد تعرف فقدان الشىء والتعهد تعرف العهد المقدم. والطير اسم جامع للجنس كما فى الوسيط والمعنى وتعرف سليمان احوال الطير ولم ير الهدهد فيما بينها وكان رئيس الهداهد واسمه يعفور {فقال مالى} اى أى شىء حصل لى حال كونى {لاارى الهدهد} لساتر ستره او لشىء آخر ثم بداله ان كان غائبا فاضرب عنه فاخذ يقول {ام كان من الغائبين} بل أهو غائب فام منقطعة مقدرة ببل والهمزة: وبالفارسية [جيست مراكه درخيل طير نمى بينم هدهدرا ياجشم من بروى نمى افتد ياهست ازغائب شد كان زين جمع]. وفى الوسيط مالى لاارى الهدهد اى ما للهدهد لااراه تقول العرب مالى اراك كئيبا معناه مالك ولكنه من القلب الذى يوضحه المعنى. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان الواجب على الملوك التيقظ فى مملكتهم وحسن قيامهم وتكفلهم بامور رعاياهم وتفقد اصغر رعيتهم كما يتفقدون اكبرها بحيث لم يخف عليهم غيبة الا صاغر والا كابر منهم كما ان سليمان عليه السلام تفقد حال اصغر طير من الطيور ولم يخف عليه غيبته ساعة ثم غاية شفقته على الرعية احال النقص والتقصير الى نفسه فقال {مالى لاارى الهدهد} وماقال ما للهدهد لم اره لرعاية مصالح الرعية وتأديبهم قال {ام كان من الغائبين} يعنى من الذين غابوا عنى بلا اذنى. وفى حياة الحيوان الهدهد منتن الريح طبعا لانه يبنى افحوصه فى الزبل وهذا عام فى جنسه وان بخر المجنون بعرف الهدهد ابرأه ولحمه اذا بخر به معقود عن المرأة او مسحور ابرأه. وفى الفتاوى الزينية سئل عن اكل الهدهد أيجوز ام لا اجاب نعم يجوز انتهى. ثم هدده ان لم يكن عذر لغيبته
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وتفقَّدَ} سليمانُ {الطيرَ} أي: تعرف أحوال الطير تعرف َالمَلِك لمملكته، حسبما تقتضيه عناية الملك بمملكته، والاهتمام بكل جزء منها، أو: تفقده لمعرفته بالماء، أو لغير ذلك على ما يأتي. فلما تفقده لم ير الهدهد فيما بينها. والتفقد: طلب ما غاب عنك. {فقال ماليَ لا أرى الهدهد} أساتر ستره؟ {أم كان من الغائبين}، و"أم": بمعنى "بل". كأنه قال: ما لي لا أراه؟ ثم بدا له أنه غائب، فأضرب عنه، وقال: بل هو من الغائبين. {لأُعذِّبَنَّه عذاباً شديداً}، قيل: كان عذابه للطير: نتفه ريشه وتشميسه، أو: يجعله مع أضداده في قفص، أو: بالتفريق بينه وبين إلفه. وعن بعضهم: أضيق السجون معاشرة الأضداد، ومفارقة الأحباب. أو: نتفه، وطرحه بين يدي النحل تلدغه، أو: النمل تأكله. وحلّ له تعذيب الهدهد لينزجر غيره، ولِما سخرت له الحيوانات - ولا يتم التسخير إلا بالتأديب - حلّ له التأديب. {أو لأذْبحنَّه}؛ ليعتبر به أبناء جنسه، {أو لَيَأْتِيَنِّي بسلطانٍ مبين}؛ بحُجة تُبين عذره، والحلف في الحقيقة على أحد الأمرين، على تقدير عدم الثالث. قال بعضهم: وسبب طلبته للهدهد، لإخلاله بالنوبة التي كان ينوبها. وقيل: كانت الطير تظله، فأصابته لمعة من الشمس، فنظر، فرأى موضع الهدهد خالياً، فتفقده، وقيل: احتاج إلى الماء، وكان عِلْمُ ذلك إلى الهدهد، فتفقده، فلم يجده، فتوعده. والسبب فيه: أن سليمان عليه السلام لَمَّا فرغ من بناء بيت المقدس، عزم على الخروج إلى أرض الحرم، للحج، فتجهز للمسير، وخرج بجنوده - كما تقدم - فبلغ الحرم، وأقام به، وكان ينحر كل يوم بمكة خمسة آلاف ناقة، ويذبح خمسة آلاف ثور، وعشرين ألف شاة، قرباناً. وقال: إن هذا مكان يخرج منه نبي عزيزُ، صفته كذا وكذا، يُعطَى النصر على جميع من ناوأه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبعيد في الحق عنده سواء، لا تأخذه في الله لومة لائم، دينه دين الحنيفية، فطوبى لمن أدركه وآمن به، وبيننا وبين خروجه زهاء ألف عام. ثم قضى نسكه، وخرج نحو اليمن صباحاً، يؤم سهيلاً، فوافى صنعاء وقت الزوال، وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضاً حسناء، تزهو خضرتها، فأحب النزول بها؛ ليصلي, ويتغذى، فطلبوا الماء فلم يجدوه، وكان الهدهد دليله على الماء، كان يرى الماء من تحت الأرض، كما نرى الماء في الزجاجة، فينقر الأرض فتجيء الشياطين يستخرجونه. وبحث فيه القشيري بأن الهدهد متعدد في عسكره، إذا فقدوا واحداً بقي آخر، قال: اللهم إلا أن يكون ذلك الواحد مخصوصاً بمعرفة ذلك، والله أعلم. هـ. قال سعيد بن جبير: لما ذكر ابن عباس هذا الحديث: قال له نافع بن الأزرق: كيف ينظر الماء تحت الأرض، ولا يبصر الفخ حتى يقع فيه؟ قال ابن عباس: ويحك إذا جاء القدر حال دون البصر. هـ. قلت: ونافع هذا هو رأس الخوارج والمعتزلة. فلما نزل سليمانُ، قال الهدهد: إن سليمان قد اشتغل بالنزول، فارتفع نحو السماء، ونظر طول الدنيا وعرضها، ونظر يميناً وشمالاً، فرأى بستاناً لبلقيس فيه هدهد. وكان اسم هدهد سليمان "يعفور" واسم هدهد اليمن "عنفير". فقال هدهد اليمن لهدهد سليمان: من أين أقبلتَ وأين تريد؟ قال: أقبلتُ من الشام، مع صاحبي سليمان بن داود، قال: ومَن سليمان؟ قال: ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحوش والرياح، فمِن أين أنت؟ قال من هذه البلد، ملكها امرأة، يقال لها "بلقيس" تحت يديها اثنا عشر ألف قائد، تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل. فانطلق معه، ونظر إلى بلقيس ومُلكها، ورجع إلى سليمان وقت العصر. وكان سليمان قد فقده وقت الصلاة، فلم يجده، وكان على غير ماء. قال ابن عباس: فدعا عريف الطير - وهو النسر - فسأله؟، فقال: ما أدري أين هو، فغضب سليمان وقال: (لأُعذبنه...) إلخ، ثم دعا بالعقاب، سيد الطير، فقال: عليّ بالهدهد الساعة، فرفع العقاب نفسه نحو السماء، حتى التزق بالهواء، فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم، فإذا هو بالهدهد مُقبلاً من نحو اليمن، فانقضّ نحوه، فقال له الهدهد: بحق الحق الذي قوّاك إلا ما رحمتني، فقال: ويلك، إن نبي الله حلف أن يعذبك ويذبحك. ثم تلقته النسور والطير في العسكر، وقالوا له: لقد توعدك نبيُّ الله. قال: أوَ ما استثنى؟ قالت: بلى، قال: {أوْ لَيأتيني بسلطان مبين}. ثم دخل على سليمان، فرفع رأسه، وأرخَى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض، تواضعاً لله ولسليمان، فقال سليمان: أين كنت؟ لأعذبنَّك... فلما دنا منه أخذ سليمان برأسه، فمده إليه، فقال له الهدهد: يا نبي الله؛ اذكر وقوفك بين يدي الله تعالى، بمنزلة وقوفي بين يديك، فارتعد سليمان وعفا عنه. وقال عكرمة: إنما صُرف سليمان عن ذبح الهدهد لبره بوالديه، كان يلتقط الطعام ثم يزقه لهما. قال تعالى: {فَمَكَثَ غيرَ بعيدٍ} أي: تفقد مكث سليمان حين تفقد الهدهد، وأرسل من ورائه غير زمان بعيد، وهو من الظهر إلى العصر - كما تقدم - أو: فمكث الهدهد في غيبته غير بعيد، خوفاً من سليمان، فالضمير إما لسليمان، أو: للهدهد، وهو الظاهر، ويرجحه قراءة: (فتمكث). وفي "مكث" لغتان: الضم والفتح. ولما قدِمَ من غيبته، أحضر بين يديه، على الهيئة المتقدمة، ثم سأله عن غيبته، {فقال أَحطتُ بما لم تُحِطْ به} أي: أدركت علماً لم تُحط به أنت، أَلهم الله الهدهدَ فكافح سليمانَ بهذا الكلام، مع ما أوتي من فضل النبوة والعلوم الجمة، ابتلاء له عليه السلام في علمه، وتنبيهاً على أن في أدنى خلقه ,اضعفهم من أحاطه الله علماً بما لم يُحط به؛ لتتصاغر إليه نفسه، ويصغر في عينه وعلمه، في جانب علم الله، رحمة به ولُطفاً في ترك الإعجاب، الذي هو فتنة العلماء. ثم قال: {وجئتك من سبأ} - بالصرف - اسماً للحيّ، أو: للأب الأكبر، وبعدمه اسماً للقبيلة. {بنبأٍ يقين}، والنبأ: الخبر الذي له شأن. وقوله: {من سبأ بنبإٍ} من محاسن الكلام ويسمى البديع. وقد حسن وبرع لفظاً ومعنىً، حيث فسر إبهامه بأبدع تفسير، وأراه أنه كان بصدد إقامة خدمة مهمة. وعبّر عما جاء به بالنبأ، الذي هو الخبر الخطير والشأن الكبير، ووصفه بما وصفه به. {وإني وجدتُ امرأةَ تملكهم}؛ هو استئناف لبيان ما جاء به من النبأ، وتفسير له إثر الإجمال. وهي بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن ريان. وكان أبوها ملك أرض اليمن كلها، ورث الملك من أربعين أباً. وقيل: كان أبوها - اسمه الهدهاد - ملكاً عظيم الشأن، ملك أرض اليمن كلها، وأبى أن يتزوج منهم، فزوجوه امرأة من الجن، يقال لها "ريحانة" فولدت له بلقيس، ولم يكن له ولد غيرها. قال أبو هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : كان أحد أبوي بلقيس جنياً" تفسير : فمات أبوها، فاختلف قومه فرقتين، وملّكوا أمرهم رجلاً قائماً بسيرته، حتى فجَر بحرم رعيته، فأدركت بلقيس الغيرة، فعرضت عليه نفسها، فتزوجته، فسقته الخمر، فسكر، فجزت رأسه، ونصبته على باب دارها فملكوها. {وأُوتِيَتْ من كل شيءٍ} تحتاج إليه الملوك، من العدة والآلة، {ولها عرشٌ عظيم}: كبير، قيل: كان ثلاثين ذراعاً في ثلاثين عرضاً، وقيل: كان ثمانين ذراعاً في ثمانين، وطوله في الهواء: ثمانون. وكان من ذهب وفضة، مرصعاً بأنواع الجواهر، وقوائمه من ياقوت أحمر وأخضر، ودرّ، وزبرجد، وعليه سبعة أبيات، في كل بيت باب مغلق. واستصغر الهدهد حالها إلى حال سليمان، فلذلك عظّم عرشها. وقد أخفى الله تعالى ذلك على سليمان؛ لحكمة، كما أخفى مكان يوسف على يعقوب، ليتحقق ضعف العبودية في جانب علم الربوبية. وكانت بلقيس مجوسية، فلذلك قال: {وجدتُها وقومَها يسجدون للشمس من دون الله} أي: يعبدونها متجاوزين عبادة الله. {وزيَّن لهم الشيطانُ أعمالهم} التي هي عبادة الشمس، ونظائرها من أصناف الكفر والمعاصي، {فصدَّهم عن السبيل}؛ عن سبيل الرشد والصواب، وهو التوحيد {فهم لا يهتدون} إليه. ولا يَبْعد من الهدهد التهدّي إلى معرفة الله، ووجوب السجود له، وحرمة السجود للشمس، إلهاماً من الله له، كما ألهمه وغيره من الطيور وسائر الحيوانات والمعارف اللطيفة، التي لا يكاد العقلاء، الراجحة العقول، يهتدون إليها. وهذا من أسرارالربوبية، التي سرت في الأشياء، فوحّدَت الله تعالى، ولهجت بحمده. {ألاَّ يسجدوا} بالتشديد، أي: فصدّهم عن السبيل لئلا، فحذف الجار، أي: لأجل ألا يسجدوا لله. ويجوز أن تكون "لا" مزيدة، أي: فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا. وقرئ: هلا يسجدون. ومن قرأ بالتخفيف. فالتقدير عنده: ألا يا هؤلاء؛ اسجدوا، فألاَ للتنبيه، والمنادي محذوف، فمن شدّد لم يقف على {يهتدون}، ومن خفف وقف ثم استأنف: ألا يا هؤلاء اسجدوا {لله الذي يُخرجُ الخَبْءَ}؛ الشيء المخبوء المستور {في السماوات والأرض}، قال قتادة: خبء السموات: المطر، وخبء الأرض: النبات. واللفظ أعم من ذلك، {ويعلم ما يُخفون وما يُعلنون} عطف على "يخرج"، إشارة إلى أنه تعالى يُخرج ما في العالم الإنساني من الخفايا، كما يُخرج ما في العالم الكبير من الخبايا. {الله لا إله إلا هو ربُّ العرش العظيم} الذي هو أول الأجرام وأعظمهما. ووصفُ الهدهد عرشَ الله بالعظم تعظيم له بالنسبة إلى سائر ما خلق من السموات والأرض. وفي الخبر: "حديث : إن السموات والأرض في جانب العرش كحلقة في فلاة" تفسير : ووصفه عرش بلقيس تعظيم له بالنسبة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك. هذا آخر كلام الهدهد. ثم دلهم على الماء فحفروا وشربوا، وملؤوا الركايا، والله تعالى أعلم. الإشارة: هُدهد كل إنسان نفسه، فإذا تفقدها فوجدها غائبة عن الله، في أودية الغفلة، هددها بالعذاب الشديد، وبذبحها بأنواع المخالفة، حتى تأتيه بحجة واضحة، تعذر بها، فإن لم تأت بحجة عذَّبها وذبحها، بإدخالها في كل ما تكره ويثقل عليها، فتمكث غير بعيد، فتأتيه بالعلوم اللدنية، والأسرار الربانية، التي لم يحط بها علماً قبل ذلك، وتجيئه بالخبر اليقين، في العلم بالله، من عين اليقين، أو حق اليقين، فتخبره عن أحوال عامة أهل الحجاب، فتقول: إني وجدت إمرأة تملكهم، وهي نفسهم الأمارة، وأوتيت من كل شيء تشتهيه وتهواه، من غير وازع ولا قامع، ولها عرش عظيم، وهو سرير الغفلة والانهماك في حب الدنيا والشهوات. أو: لها تسلط كبير على من ملكته، وجدتها وقومها يسجدون للسّوى، ويخضعون للهوى من دون الله، وزيّن لهم الشيطانُ ذلك، فصدهم عن طريق الوصول، فهم لا يهتدون إلى الوصول إلى الحضرة أبداً ما داموا كذلك؛ لأن حضرة ملك الملوك محرمة على من هو لنفسه مملوك. ألا يسجدوا بقلوبهم لله وحده، فإنه مطلع على خبايا القلوب والأسرار، وعلى ما يُسرون من الإخلاص، وما يُعلنون من الأعمال، التي توجب الاختصاص. وبالله التوفيق. ولما سمع سليمان كلام الهدهد أرسله بكتابه إلى بلقيس، كما قال تعالى: {قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ...}
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير {أو ليأتينني بسلطان مبين} بنونين الأولى مشددة مفتوحة والثانية مكسورة. الباقون بنون واحدة مشددة مكسورة. وقرأ {مكث} عاصم وروح - بفتح الكاف - الباقون بضمها، وهما لغتان. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {من سبأ بنبأ} غير مصروف. الباقون مصروفاً، منوناً. من لم يصرفه فلأنه معرفة ومؤنث، لانه قيل: ان {سبأ} حي من احياء اليمن. وقيل: هو اسم أمهم. وقد قال الزجاج: {سبأ} مدينة تعرف بمأرب من اليمن، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام، فاذا صرفته فعلى البلد، وإذا لم تصرفه، فعلى المدينة. وقيل: من صرفه جعله إسماً للمكان، ومن لم يصرفه جعله اسماً للبقعة. قال جرير: شعر : الواردون وتيم في ذوي سبأ قد عض أعناقهم جلد الجواميس تفسير : وقال آخر في ترك صرفه: شعر : من سبأ الحاضرين مأرب اذ يبنون من دون سيله العرما تفسير : وقرأ الكسائي وابو جعفر ورويس {ألا يا اسجدوا} بتخفيف (ألا). الباقون {ألا يسجدوا} مشددة. وجه قراءة الكسائي أنه جعل (ألا) للتنبيه (يا) هؤلاء على حذف المنادي "اسجدوا" على الامر، قال الأخطل: شعر : ألا يا اسلمي يا هند هند بني بدر وإن كان حيانا عدى آخر الدهر تفسير : أي ألا يا هند. وقرأ ابن مسعود {هلا} وذلك يقوى قراءة من قرأ بالتخفيف. ومن قرأ بالتشديد فمعناه وزين لهم الشيطان ضلالتهم لئلا يسجدوا لله، وشاهد الأول قول الشاعر: شعر : ألا اسلمي يا دارمي على البلى ولا زال منهلا بجرعائك القطر تفسير : وقال العجاج: شعر : يا دار سلمي يا اسلمي ثم اسلمى عن سمسم أو عن يمين سمسم تفسير : اخبر الله سبحانه عن سليمان أنه {تفقد الطير، فقال ما لي لا أرى الهدهد} قيل كان سبب تفقده الهدهد أنه احتاج اليه في سيره ليدله على الماء، لأنه يقال: انه يرى الماء في بطن الأرض. كما نراه في القارورة - وذكره ابن عباس - وقال وهب بن منية: كان تفقده إياه لاخلاله بنوبته. وقيل: كان سبب تفقده أن الطير كانت تظله من الشمس، فلما أخل الهدهد بمكانه بان بطلوع الشمس عليه. وقوله {أم كان من الغائبين} معنى {أم} بل. وقيل: معناه أتأخر عصياناً {أم كان من الغائبين} لعذر وحاجة. ثم قال {لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين} وهذا وعيد منه للهدهد أنه متى لم يأت سليمان بحجة ظاهرة في تأخره يفعل به أحد ما قاله، عقوبة له على عصيانه. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: تعذيب الهدهد نتف ريشه وطرحه في الشمس. قوله {فمكث غير بعيد} أي لبث غير بعيد، وفى ماضيه لغتان - فتح الكاف وضمها - ثم جاء سليمان، فقال معتذراً عن تأخره، واخلاله بموضعه {أحطت بما لم تحط به} أي علمت ما لم تعلم، وعلم الاحاطة هو أن يعلمه من جميع جهاته التي يمكن أن يعلم عليها تشبيهاً بالسور المحيط بما فيه. ثم قال له {وجئتك من سبأ} يا سليمان يا نبي الله {بنبأ} و (سبأ) مدينة أو قبيلة على ما بيناه. وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) ان (سبأ) رجل واحد له عشرة من العرب فتيامن ستة وتشاءم أربعة، فالذين تشاءموا: لخم، وجذام، وغسان، وعاملة. والذين تيامنوا: كندة، والاشعرون، والازد، ومذحج، وحمير، وانمار، ومن الانمار خثعم وبجيلة. وقوله {بنبأ يقين} أي بخبر لا شك فيه، وانه يحتاج إلى معرفته، لما فيه من الاصلاح لقوم قد تلاعب بهم الشيطان في ذلك، فعذره عند ذلك سليمان [وقيل: عذر الهدهد بما أخبره بما يحبه لما فيه من الأجر وإصلاح الملك الذي وهبه الله] ثم شرح الخبر فقال {إني وجدت امرأة تملكهم} وتتصرف فيهم بحيث لا يعترض عليها أحد ومع ذلك {أوتيت من كل شيء} أي أعطيت كل شيء، لفظه لفظ العموم والمراد به المبالغة في كثرة ما أوتيت من نعم الدنيا وسعة الملك. وقيل: انها أوتيت كل شيء يؤتى الملوك، والعرش العظيم سرير كريم معمول من ذهب وقوائمه من لؤلؤ وجوهر - في قول ابن عباس - ثم اخبر انه وجدها {وقومها يسجدون للشمس من دون الله} وأن الشيطان زين ذلك لهم فهم لا يهتدون إلى سبيل الحق والتوحيد واخلاص العبادة لله تعالى. ثم قال الهدهد على وجه التوبيخ والتهجين لفعلهم {ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبأ في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون} والخبء هو المخبوء، وهو ما أحاط به غيره حتى منع من إدراكه. وضع المصدر موضع الصفة خبأته اخبائه خبأ. وما يوجده الله ويخرجه من العدم إلى الوجود فهو بهذه المنزلة فخبء السماء الامطار والرياح، وخبء الارض الاشجار والنبات {ويعلم ما تخفون وما تعلنون} فمن قرأ بالتاء جعله للمخاطبين. ومن قرأ بالياء فللغائبين. والخبء والخفاء نظائر، وقيل الخبء الغيب، وهو كل ما غاب عن الادراك. وقوله {فهم لا يهتدون} دليل على أن المعارف ليست ضرورة، لانه اراد لا يهتدون إلى دين الله. وقال الجبائي: لم يكن الهدهد عارفاً بالله وإنما أخبر بذلك، كما يخبر مراهقوا صبياننا، لأنه لا تكليف عليهم ولا تكيف إلا على الملائكة والجن والانس، وهذا الذي ذكره خلاف الظاهر، لأن الاحتجاج الذي حكاه الله عن الهدهد احتجاج عارف بالله وبما يجوز عليه وما لا يجوز، لانه قال {وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله} ولا يجوز أن يفرق بين الحق في السجود لله وبين الباطل الذي هو السجود للشمس، وان احدهما حسن والآخر قبيح إلا من كان عارفاً بالله وبما يجوز عليه وما لا يجوز، وذلك ينافي حال الصبيان، ثم نسب تزيين عملهم إلى الشيطان، وهذا قول من عرفه وعرف ما يجوز عليه في عدله، وأن القبيح لا يجوز عليه، ثم حكى أنه قال إن الشيطان صدهم عن السبيل: الحق باغوائهم، وانهم مع هذا الصد لا يهتدون إلى الحق من توحيد الله وعدله. وقال ابو عبد الله البصري في بعض المواضع: إن الهدهد كان رجلا من البشر اسمه هدهد، ولم يكن من الطير وهذا غلط لأن الله تعالى قال {وتفقد} يعني سليمان تفقد {الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد} فكيف يحمل ذلك على انه إسم رجل؟! إن هذا من بعيد الأقوال. وقال الفراء: من قرأ "ألا" بالتخفيف، فهو موضع سجدوا، ومن ثقل، فلا ينبغي أن يكون موضع سجدوا وقد يجوز السجود على مخالفة تزيين الشيطان. ومعنى {ويعلم ما يخفون وما يعلنون} أي ما يسرون في نفوسهم، وما يظهرونه. وقرأ الكسائي وحفص {ما تخفون وما تعلنون} بالتاء فيهما على الخطاب. الباقون بالياء على الخبر. ثم اخبر فقال {الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم} إلى ها هنا تمام حكاية ما قاله الهدهد. و (العرش) سرير الملك الذي عظمه الله ورفعه فوق السموات السبع وجعل الملائكة تحف به وترفع أعمال العباد اليه، وتنشأ البركات من جهته فهو عظيم الشأن، كما وصفه تعالى.
الجنابذي
تفسير : {وَتَفَقَّدَ} تجسّس {ٱلطَّيْرَ} طلباً لفقدانهم فلم ير منها الهدهد {فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ} اصله ماله لا اراه لكنّه قلّب واستعمل فى هذا المعنى فى العرب والعجم، او هو على الاصل {أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً} بنتف ريشه والقائه فى الشّمس، او بجعله مع غير جنسه كما قيل {أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ} حجّةٍ {مُّبِينٍ} واضحٍ فى عذره او موضحٍ عذره فى غيبته وتفقّده للطّيور وعتابه للهدهد على غيبته لجريه على طريقة الملوك وامراء الجند فانّ امير العسكر اذا فقد واحداً من اجزاء العسكر عاتبه واخذه بجرمه لانّ كلاًّ من اجزاء العسكر له شغل وعمل اذا فقد بدون الاذن والبدل اختلّ امر العسكر، ولعلّ فقدان واحدٍ منها يصير سبباً لهلاك الكلّ وكان الهدهد كما فى الخبر يدلّه على الماء لانّه كان يرى الماء فى بطن الارض كما يرى احدٌ الدّهن فى القارورة، او كان الطّير تظلّ كرسيّه من الشّمس فبان الشّمس على حجره.
اطفيش
تفسير : {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ} نظر اليها ليرى احوالها ونظر اليها ليرى الهدهد الذي يرى الماء تحت التراب لاحتياجه الى الماء للصلاة وهو قول ابن سلام أو لما أحس بالشمس من موضع الطير تفقدها وهو قول فرقة. {فَقَالَ مَالِيَ} وفتح الياء ابن كثير وعاصم والكسائي وهشام. {لا أَرَى} حال من الياء. {الهُدْهُدَ} استفهم لم لم يرد ما لساتر مثلا أو لضعف في بصره ولما حقق النظر ظهر له انه لم يكن مع الطير فاضرب عن ذلك بقوله {أَمْ} أي بل. {أَمْ كَانَ مِنَ الغَائِبِينَ} فأم منقطعة لمجرد الاضراب الابطالي ويحتمل ان يكون عند قوله {أَمْ كَانَ مِنَ الغَائِبِينَ} غير متحقق غيبوبته فأم منقطعة للاضراب والاستفهام أي بل كان من الغائبين ويجوز ان يكون الاستفهام تعجبا لانه لا يغيب إلا بإذن سليمان فلما لم يبصره مكانه تعجب من حال نفسه في عدم ابصاره اياه روي أن نبي الله سليمان عليه السلام لما فرغ من بناء بيت المقدس عزم على الخروج إلى أرض الحرم وتجهيز للمسير واستصحب كل الجن والانس والطير والوحش وبلغ عسكره مائة فرسخ وكانت الجن يومئذ تظهر للانس يحجون ويعتمرون ويصلون جميعا ويرتب الناس في مسيره وجلوسه على قدر منازلهم في الدين ولما وافى الحرم أقام به ما شاء الله كل يوم ينحر خمسة آلاف ناقة ويذبح خمسة آلاف ثور وعشرين الف شاة ما أقام فيه وقرب وقضى المناسك وبشر أهله ومن حضر من الأشراف بخروج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وانه سيد المرسلين وخاتم النبيين فليخبر الشاهد الغائب وسار الى اليمن من مكة صباحا فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر فرأى ارضا حسناء تزهر خضرتها فأحب النزول بها ليصلي ويتغذى فطلب الماء فلم يجده وكان الهدهد دليله على الماء كان يرى ما تحت الأرض، كما يرى أحدكم كأسه بيده فينقر الأرض فيعرف موضع الماء وعمقه ثم تجيء الشياطين فيسلخونه كما يسلخ الجلد ويستخرجون الماء وذلك الهدهد سيد الهداهد وقد أعطيت الهداهد معرفة الماء ورؤيته في الأرض دون الطير وروى انه اذا نقر في الأرض عرف سليمان كم بينه وبين الماء. قال سعيد المسيب: ذكر ابن عباس ذلك فقال له نافع بن الأزرق يا وصاف انظر ما تقول ان الصبي منا يضع الفخ ويحثو عليه التراب فيجبي الهدهد وهو لا يبصر الفخ فيقع فيه فقال له ابن عباس رحمه الله: ويحك إذا جاء القدر حال دون البصر وفي رواية اذا نزل القضاء والقدر ذهب اللب وعمي البصر وبعد فان كلام ابن عباس انما هو في الماء انه يراه الهدهد لا في كل ما تحت الأرض وقد صدق قول ابن عباس قوله صلى الله عليه وسلم رواه انس: "حديث : أنهاكم عن قتل الهدهد فانه كان دليل سليمان على قرب الماء من بعده وأحب أن يحمد الله في الارض "تفسير : ووجه غيبة الهدهد انه رأى سليمان مشتغلا بالنزول فارتفع نحو السماء لينظر طول الدنيا وعرضها فنظر يمينا وشمالا فرأى بستانا لبلقيس فمال الى الخضرة فوقع فيه فإذا هو بهدهد آخر فهبط عليه وكان اسمه يعفور واسم الهدهد اليمن يعفير فقال يعفير اليمن ليعفور سليمان من أين أقبلت وأين تريد؟ قال أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود ملك الجن والانس والشياطين والطير والوحش والرياح. قال له يعفور سليمان من أين انت؟ قال: من هذه البلاد وان لنا امرأة ملكت أهل اليمن وتحت يديها مائة الف قيل مع كل قيل مائة الف مقاتل والقيل هو القائد بلغة اهل اليمن وملك صاحبك عظيم ولكن ملكها عظيم أيضا فهل انت منطلق معي حتى تنظر الى ملكها؟ قال: أخاف أن يفقدني سليمان لوقت الصلاة اذا احتاج الى الماء. قال: الهدهد اليمني ان صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة فانطلق معه ونظر الى بلقيس وملكها وما رجع الى سليمان إلا وقت العصر وطلب سليمان الماء في وقت الظهر وقد نزل على غير ماء فسأل الانس عن الماء فقالوا لا نعلم هنا ماء فسأل الجن والشياطين ولم يعلموا فتفقد عند ذلك الهدهد وتهدده وتوعده، قال ابن عباس في رواية عنه: وقعت الشمس على رأس سليمان فنظر فإذا هو موضع الهدهد فدعا عريف الطير وهو النسر فسأله عن الهدهد فقال أصلح الله الملك ما ادري اين هو وما أرسلته موضع فغضب عند ذلك سليمان عليه السلام فقال كما قال الله عنه: {لأعذبنه عذابا...}
اطفيش
تفسير : {وتَفقَّد الطَّيْر} اختبر أحوالها إجمالا، مراعاة للرعية، ولا سيما الضعفاء كالطير، فلم ير الهدهد، أو جاءته الشمس فى جنبه الأيمن، وهو موضع الهدهد فوق فى الاظلال، أو طلبه ليدله على الماء فى مفازة تحت الأرض، وكان الهدهد يرى الماء فى داخلها، فتسلح الجن الأرض اليه فى سرعة فلم يره {فَقَال مالى لا أرى الهُدهُد} مع أنه معنا، وأى ساتر له إذ قد يستتر بما هو أعظم {أمْ كان من الغَائبينَ}، ولم أشعر بغيبته، واختار بعض أن ام منقطعة، أى بل أكان من لغائبين، وما ذكر من أن الهدهد يرى الماء تحت الأرض، ذكر عن ابن عباس، واعترضه نافع بن الأزرق بأنه ينصب له فخ وتستر له حبة بالتراب فيصاد، وأجاب بأنه اذا جاء القدر حال دون البصر، فقال: لا أعارضك بعد، وأجبنا بأنه اختص هدهد سليمان بذلك، أو يرى الحبة ولا يعرف أن أخذها من الفخ يوجب صيده، أو يعرف ويظن أنه ينجو بوجه، وصحح الحاكم ما ذكر من رؤيته الماء تحت الأرض. ويروى أنه سار الى مكة شكراً على بناء بيت المقدس، والمشهور أنه مر عليها فى طريقه الى اليمن، وقال: يخرج من هنا نبى عربى ينصر على من عاداه، ويسير النصر أمامه شهراً، يجىء بدين ابراهيم، طوبى لمن أدركه وآمن به وهو خاتم الأنبياء والرسل، فبلغوا ذلك لغيركم وبينكم وبينه ألف عام، وسار منها الى اليمن صباحا يوم سهيلا، فوافى صنعاء وقت الزوال، فرأى أرضا أعجبته خضرتها، فنزل ليتوضأ ويصلى، فتفقد الطير للهدهد يدله على الماء. وعن كعب الأحبار أنه سار من اصطخر يريد اليمن، فمر على المدينة فقال: هذه مهاجر نبى يكون آخر الزمان، طوبى لمن اتبعه، ورأى أصناما حول الكعبة فجاوزها، فبكت فأوحى الله اليها ما يبكيك؟ قالت: نبيك وأولياؤك لم ينزلوا عندى، ويصلوا، وحولى أصنام، فأوحى الله تعالى: إنى سأعمرك بأفضل الأنبياء وأفضل الأمم، وأفرض عليهم الحج راغبين أشد الرغبة فيك، يزفون اليك زفيف النسر الى وكره، والحمامة الى بيضها، والناقة الى ولدها، وأطهرك من الأصنام، وذكروا أنه تقرب كل يوم فى اقامته فى مكة على رواية دخولها بخمسة آلاف بقرة، وخمسة آلاف ناقة، وعشرين ألف شاة، وهذا بعيد، وهل يوجد فى الشام أكثر من هذا، حتى أخذ منه هذا، وهل حمله فى البساط أو وجده فى مكة، ولم خص النوق، وهلا قيل: بعير فنؤمن بانه أكثر القربان، وأنه قصد اليمن، وتفقد الطير ولم ير الهدهد فقال: {لأعذبنَّه عذابا شديداً} بنتف ريشه كله أو نصفه أو ريش جناحيه، وذلك مع إلقائه فى النمل أو فى الشمس، أو بطليه بالقطران، وإلقائه فيها، أو بحبسه فى القفص، أو بتفريقه عن الفه، أو بحشره مع غير جنسه، ويقال: أضيق السجون معاشرة الأضداد، او بابعاده من خدمته، أو بالزامه خدمة أقرانه أو نحو ذلك، أباح الله له ذلك تأديباً، كما تضرب الدابة والعقاب على قدر الفعل، لا على قدر الجسد. {أو لأذبحنَّه أو ليأتينِّى بسُلطانٍ مُبينٍ} حجة ظاهرة، وفى اللفظ مناسبة لسببها فى جلب سلطان وهو بلقيس، والقسم على الأولين متردداً أو مخيراً لا على الثالث، فانه ساقه على طريق النجاة به عنهما.
الالوسي
تفسير : {وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ } أي أراد معرفة الموجود منها من غيره، وأصل التفقد معرفة الفقد، والظاهر أنه عليه السلام تفقد كل الطير وذلك بحسب ما تقتضيه العناية بأمور الملك والاهتمام بالرعايا لا سيما الضعفاء منها؛ قيل وكان يأتيه من كل صنف واحد فلم ير الهدهد، وقيل: كانت الطير تظله من الشمس وكان الهدهد يستر مكانه الأيمن فمسته الشمس فنظر إلى مكان الهدهد فلم يره، وعن عبد الله بن سلام أن سليمان عليه السلام نزل بمفازة لا ماء فيها وكان الهدهد يرى الماء في باطن الأرض فيخبر سليمان بذلك فيأمر الجن فتسلخ الأرض عنه في ساعة كما تسلخ الشاة فاحتاجوا إلى الماء فتفقد لذلك الطير فلم ير الهدهد. {فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ } وهو طائر معروف منتن يأكل الدم فيما قيل ويكنى بأبـي الأخبار وأبـي الربيع وأبـي ثمامة وبغير ذلك مما ذكره الدميري، وتصغيره على القياس هديهد، وزعم بعضهم أنه يقال في تصغيره هداهد بقلب الياء ألفاً، وأنشدوا:شعر : كهداهد كسر الرماة جناحه تفسير : ونظير ذلك دوابه وشوابه في دويبه وشويبه. والظاهر أن قوله عليه السلام ذلك مبني على أنه ظن حضوره ومنع مانع له من رؤيته أي عدم رؤيتي إياه مع حضوره لأي سبب ألساتر أم لغيره ثم لاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك وأخذ يقول: {أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَائِبِينَ } كأنه يسأل عن صحة ما لا ح له، فأم هي المنقطعة كما في قولهم إنها لا بل أم شاء. وقال ابن عطية: مقصد الكلام الهدهد غاب ولكنه أخذ اللازم من مغيبه وهو أن لا يراه فاستفهم على جهة التوقيف عن اللازم وهذا ضرب من الإيجاز، والاستفهام الذي في قوله {مَالِيَ } ناب مناب الهمزة التي تحتاجها (أم) انتهى. وظاهره أن (أم) متصلة والهمزة قائمة مقام همزة الاستفهام فالمعنى عنده أغاب عني الآن فلم أره حال التفقد أم كان ممن غاب قبل ولم أشعر بغيبته والحق ما تقدم، وقيل في الكلام قلب والأصل ما للهدهد لا أراه، ولا يخفى أنه لا ضرورة إلى ادعاء ذلك، نعم قيل هو أوفق بكون التفقد للعناية. وذكر أن اسم هذا الهدهد يعفور، وكون الهدهد يرى الماء تحت الأرض رواه ابن أبـي شيبة، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبـي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وأخرج ابن أبـي حاتم وسعيد بن منصور عن يوسف بن ماهك أن ابن عباس حين قال ذلك اعترض عليه نافع بن الأزرق كعادته بأنه كيف ذاك والهدهد ينصب له الفخ ويوضع فيه الحبة وتستر بالتراب فيصطاد فقال رضي الله تعالى عنه إن البصر ينفع ما لم يأت القدر فإذا جاء القدر حال دون البصر فقال ابن الأزرق: لا أجادلك بعدها بشيء ولا مانع من أن يقال: يجوز أن يرى الحبة أيضاً إلا أنه لا يعرف أن التقاطها من الفخ يوجب اصطياده، وكثير من الطيور وسائر الحيوانات يصطاد بما يراه بنوع حيلة. ويجوز أيضاً أن يراها ويعرف المكيدة في وضعها إلا أن القدر يغلب عليه فيظن أنه ينجو إذا التقطها بأحد وجوه يتخيلها فيكون نظير من يخوض المهالك لظن النجاة مع مشاهدة هلاك الكثير ممن خاضها قبله وإذا أراد الله تعالى بقوم أمراً سلب من ذوي العقول عقولهم، نعم أن رؤيته الماء تحت الأرض وإن جاز على ما تقتضيه أصول الأشاعرة أمر يستبعده العقل جداً ولا جزم لي بصحة الخبر السابق، وتصحيح الحاكم / محكوم عليه عند المحدثين بما تعلم، ومثله ما تقدم عن ابن سلام وكذا غيره من الأخبار التي وقفت عليها في هذا الشأن، وليس في الآية إشارة إلى ذلك بل الظاهر بناء على ما يقتضيه حال سليمان عليه السلام إن التفقد كان منه عليه السلام عناية بأمور ملكه واهتماماً بضعفاء جنده، وكأنه عليه السلام أخرج كلامه كما حكاه النظم الجليل لغلبة ظنه أنه لم يصبه ما أهلكه وليكون ذلك مع التفقد من باب الجمع بين صفتي الجمال والجلال وهو الأكمل في شأن الملوك، ولعل ما وقع من حديث النملة كان كالحالة المذكورة له عليه السلام للتفقد. وعلى ما تقدم عن ابن سلام أن الحالة المذكرة بل الداعية هي النزول في المفازة التي لا ماء فيها، وكون الهدهد قناقنه، ويحكون في ذلك أن سليمان عليه السلام حين تم له بناء بيت المقدس تجهز ليحج بحشره فوافى الحرم وأقام به ما شاء وكان يقرب كل يوم طول مقامه خمسة آلاف بقرة وخمسة آلاف ناقة وعشرين ألف شاة وقال لأشراف من معه إن هذا مكان يخرج منه نبـي عربـي صفته كذا وكذا يعطي النصر على من عاداه وينصر بالرعب من مسيرة شهر القريب والبعيد عنده سواء في الحق لا تأخذه في الله تعالى لومة لائم قالوا: فبأي دين يدين يا نبـي الله؟ فقال: بدين الحنيفية فطوبـى لمن آمن به وأدركه فقالوا: كم بيننا وبين خروجه؟ قال: مقدار ألف عام فليبلغ الشاهد منكم الغائب فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل عليهم السلام، ثم عزم على السير إلى اليمن فخرج من مكة صباحاً يؤم سهيلاً فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر فرأى أرضاً أعجبته خضرتها فنزل ليتغذى ويصلي فلم يجدوا الماء فكان ما كان. وفي بعض الآثار ما يعارض حكاية الحج، فقد روي عن كعب الأحبار أن سليمان عليه السلام سار من اصطخر يريد اليمن فمر على مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام فقال: هذه دار هجرة نبـي يكون آخر الزمان طوبـى لمن اتبعه، ولما وصل إلى مكة رأى حول البيت أصناماً تعبد فجاوزه فبكى البيت فأوحى الله تعالى إليه ما يبكيك؟ قال يا رب أبكاني أن هذا نبـي من أنبيائك ومعه قوم من أوليائك مروا عليَّ ولم يهبطوا ولم يصلوا عندي والأصنام تعبد حولي من دونك فأوحى الله تعالى إليه لا تبك فإني سوف أبكيك وجوهاً سجداً وأنزل فيك قرآناً جديداً وأبعث منك نبياً في آخر الزمان أحب أنبيائي إليَّ وأجعل فيك عماراً من خلقي يعبدونني وأفرض عليهم فريضة يرفون إليك رفيف النسر إلى وكره ويحنون إليك حنين الناقة إلى ولدها والحمامة إلى بيضها وأطهرك من الأوثان وعبدة الشيطان، ثم مضى سليمان حتى أتى على وادي النمل، ولا يظهر الجمع بين الخبرين، ولعل المقدار الذي يصح من الأخبار أنه عليه السلام لما تم له بناء بيت المقدس حج وأكثر من تقريب القرابين وبشر بالنبـي صلى الله عليه وسلم وقصد اليمن وتفقد الطير فلم ير الهدهد فتوعده بقوله: {لأُعَذّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً}.
ابن عاشور
تفسير : صيغة التفعُّل تدل على التكلف، والتكلف: الطلب. واشتقاق {تفقّد} من الفَقْد يقتضي أن {تفقّد} بمعنى طلب الفَقد. ولكنهم توسعوا فيه فأطلقوه على طلب معرفة سبب الفقد، أي معرفة ما أحدثه الفقد في شيء، فالتفقد: البحث عن الفقد ليعرف بذلك أن الشيء لم ينقص وكان الطير من جملة الجند لأن كثيراً من الطير صالح للانتفاع به في أمور الجند فمنه الحمام الزاجل، ومنه الهُدهد أيضاً لمعرفة الماء، ومنه البزاة والصقور لصيد الملك وجنده ولجلب الطعام للجند من الصيد إذا حل الجند في القفار أو نفد الزاد. وللطير جنود يقومون بشؤونها. وتفقد الجند من شعار الملك والأمراء وهو من مقاصد حشر الجنود وتسييرها. والمعنى: تفقَّد الطيرَ في جملة ما تفقده، فقال لمن يلون أمر الطير: {ما لي لا أرى الهدهد}. ومن واجبات ولاة الأمور تفقد أحوال الرعية وتفقد العمال ونحوهم بنفسه كما فعل عمر في خروجه إلى الشام سنة سبع عشرة هجرية، أو بمن يكل إليه ذلك، فقد جعل عمر محمد بن مسلمة الأنصاري يتفقد العمال. و{الهُدهد}: نوع من الطير وهو ما يقرقر، وفي رائحته نتن وفوق رأسه قَزَعة سوداء، وهو أسود البراثن، أصفر الأجفان، يقتات الحبوب والدود، يرى الماء من بُعد ويحس به في باطن الأرض، فإذا رَفرف على موضع عُلم أن به ماء، وهذا سبب اتخاذه في جند سليمان. قال الجاحظ: يزعمون أنه هو الذي كان يدل سليمان على مواضع الماء في قعور الأرضين إذا أراد استنباط شيء منها. وقوله: {ما لي لا أرى الهدهد} استفهام عن شيء حصل له في حال عدم رؤيته الهدهد، فــــ{ما} استفهام. واللام من قوله: {لي} للاختصاص. والمجرور باللام خبر عن {ما} الاستفهامية. والتقدير: ما الأمر الذي كان لي. وجملة: {لا أرى الهدهد} في موضع الحال من ياء المتكلم المجرورة باللام، فالاستفهام عما حصل له في هذه الحال، أي عن المانع لرؤية الهدهد. والكلام موجه إلى خفرائه، يعني: أكان انتفاء رؤيتي الهدهد من عدم إحاطة نظري أم من اختفاء الهدهد؟ فالاستفهام حقيقي وهو كناية عن عدم ظهور الهدهد. و{أم} منقطعة لأنها لم تقع بعد همزة الاستفهام التي يطلب بها تعيين أحد الشيئين. و{أم} لا يفارقها تقدير معنى الاستفهام بعدها، فأفادت هنا إضراب الانتقال من استفهام إلى استفهام آخر. والتقدير: بل أكان من الغائبين؟ وليست {أم} المنقطعة خاصة بالوقوع بعد الخبر بل كما تقع بعد الخبر تقع بعد الاستفهام. وصاحب «المفتاح» مثَّل بهذه الآية لاستعمال الاستفهام في التعجب والمثال يكفي فيه الفرض. ولما كان قول سليمان هذا صادراً بعد تقصّيه أحوال الطير ورجح ذلك عنده أنه غاب فقال: {لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه} لأن تغيبه من دون إذن عصيان يقتضي عقابه، وذلك موكول لاجتهاد سليمان في المقدار الذي يراه استصلاحاً له إن كان يرجى صلاحه، أو إعداماً له لئلا يلقِّن بالفساد غيرَه فيدخل الفساد في الجند وليكون عقابه نكالاً لغيره. فصمم سليمان على أنه يفعل به عقوبة جزاء على عدم حضوره في الجنود. ويؤخذ من هذا جواز عقاب الجندي إذا خالف ما عُيّن له من عمل أو تغيب عنه. وأما عقوبة الحيوان فإنما تكون عند تجاوزه المعتاد في أحواله. قال القرافي في «تنقيح الفصول» في آخر فصوله: سئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام عن قتل الهرّ الموذي هل يجوز؟ فكتب وأنا حاضر: إذا خرجت أذيته عن عادة القطط وتكرر ذلك منه قتل اهــــ. قال القرافي: فاحترز بالقيد الأول عما هو في طبع الهر من أكل اللحم إذا تُرك فإذا أكله لم يقتل لأنه طبعه، واحترز بالقيد الثاني عن أن يكون ذلك منه على وجه القلة فإن ذلك لا يوجب قتله. قال القرافي: وقال أبو حنيفة: إذا آذت الهرة وقصد قتلها لا تعذب ولا تخنق بل تذبح بموسى حادة لقوله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة»تفسير : اهــــ. وقال الشيخ ابن أبي زيد في «الرسالة»: ولا بأس إن شاء الله بقتل النمل إذا آذت ولم يُقدَر على تركها. فقول سليمان {لأعذبنه عذاباً شديداً} شريعة منسوخة. أما العقاب الخفيف للحيوان لتربيته وتأديبه كضرب الخيل لتعليم السير ونحو ذلك فهو مأذون فيه لمصلحة السير، وكذلك السبق بين الخيل مع ما فيه من إتعابها لمصلحة السير عليها في الجيوش. و{أو} تفيد أحَدَ الأشياء فقوله: {أو ليأتيني بسلطان مبين} جعله ثالث الأمور التي جعلها جزاء لغيبته وهو أن يأتي بما يدفع به العقاب عن نفسه من عذر في التخلف مقبول. والسلطان: الحجة. والمبين: المظهر لحق المحتج بها. وهذه الزيادة من النبي سليمان استقصاء للهدهد في حقه لأن الغائب حجته معه. وأكد عزمه على عقابه بتأكيد الجملتين {لأعذبنه - لأذبحنه} باللام الموكدة التي تسمى لام القسم وبنون التوكيد ليَعلم الجند ذلك حتى إذا فُقِد الهدهد ولم يرجع يكون ذلك التأكيد زاجراً لباقي الجند عن أن يأتوا بمثل فَعْلته فينالهم العقاب. وأما تأكيد جملة: {أو ليأتيني بسلطان مبين} فلإفادة تحقيق أنه لا منجى له من العقاب إلا أن يأتي بحجة تبرّر تغيبه، لأن سياق تلك الجملة يفيد أن مضمونها عديل العقوبة. فلما كان العقاب مؤكّدا محققاً فقد اقتضى تأكيد المخرج منه لئلا يبرئه منه إلا تحقق الإتيان بحجة ظاهرة لئلا تتوهم هوادةٌ في الإدلاء بالحجة فكان تأكيد العديل كتأكيد مُعادله. وبهذا يظهر أن {أو} الأولى للتخيير و{أو} الثانية للتقسيم. وقيل جيء بتوكيد جملة: {ليأتيني} مشاكلة للجملتين اللتين قبلها وتغليباً. واختاره بعض المحققين وليس من التحقيق. وكتب في المصاحف {لا أذبحنه} بلاَم ألفٍ بعدها ألفٌ حتى يخال أنه نفي الذبح وليس بنفي، لأن وقوع نون التوكيد بعده يؤذن بأنه إثبات إذ لا يؤكد المنفي بنون التأكيد إلا نادراً في كلامهم، ولأن سياق الكلام والمعنى حارس من تطرق احتمال النفي، ولأن اعتماد المسلمين في ألفاظ القرآن على الحفظ لا على الكتابة، فإن المصاحف ما كتبت حتى قرىء القرآن نَيِّفاً وعشرين سنة. وقد تقع في رسم المصحف أشياء مخالفة لما اصطلح عليه الراسمون من بعد لأن الرسم لم يكن على تمام الضبط في صدر الإسلام وكان اعتماد العرب على حوافظهم. وقرأ ابن كثير: {أو ليأتينَّني} بنونين، الأولى مشددة وهي نون التوكيد، والثانية نون الوقاية. وقرأ الباقون بنون واحدة مشددة بحذف نون الوقاية لتلاقي النونات.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وتفقد الطير: أي تعهدها ونظر فيها. مالي لا أرى الهدهد: أعرض لي ما منعني من رؤيته أم كان من الغائبين؟ لأعذبنه عذاباً شديداً: أي بِنَتْفِ ريشه ورميه في الشمس فلا يمتنع من الهوام. بسلطان مبين: أي بحجة واضحة على عذرة في غيبته. فمكث غير بعيد: أي قليلاً من الزمن وجاء سليمان متواضعاً. أحطت بما لم تحط به: أي اطلعت على ما لم تطلع عليه. وجئتك من سبأ: سبأ قبيلة من قبائل اليمن. إني وجدت امرأة: هي بلقيس الملكة. ولها عرش عظيم: أي سرير كبير. فصدهم عن السبيل: أي طريق الحق والهدى. ألا يسجدوا لله: أصلها أن يسجدوا أي فهم لا يهتدون أن يسجدوا لله. وزيدت فيها "لا" وأدغمت فيها النون فصارت ألاَّ نظيرها لئلا يعلم أهل الكتاب من آخر سورة الحديد. يخرج الخبأ في السماوات: أي المخبوء في السماوات من الأمطار والأرض من النباتات والأرض. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في قصص سليمان عليه السلام قوله تعالى {وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ} أي تفقد سليمان جنده من الطير طالباً الهدهد لأمر عنَّ له أي ظهر وهو يتهيأ لرحلة هامة، فلم يجده فقال ما أخبر تعالى به عنه: {مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ} ألعارضٍ عَرَض لي فلم أره، {أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ} أي بل كان من الغائبين، {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً} بأن ينتف ريشه ويتركه للهوام تأكله فلا يمتنع منها {أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ} بقطع حلقومه، {أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي بحجة واضحة على سبب غيبته. قوله تعالى الآية [21] {فَمَكَثَ} أي الهدهد {غَيْرَ بَعِيدٍ} أي زمناً قليلاً، وجاء فقال في تواضع رافعاً عنقه مرخياً ذنبه وجناحيه {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} أي اطلعت على ما لم تطلع عليه {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} وسبأ قبيلة من قبائل اليمن، والنبأ اليقين الخبر الصادق الذي لا شك فيه. وأخذ يبين محتوى الخبر فقال {إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً} هي بلقيس {تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} من أسباب القوة ومظاهر الملك، {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} أي سرير ملكها الذي تجلس عليه وصفه بالعظمة لأنه مرصع بالجواهر والذهب، وقوله {وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أخبر أولاً عن أحوالهم الدنيوية وأخبر ثانياً عن أحوالهم الدينية وقوله {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} أي الباطلة الشركية {فَصَدَّهُمْ} بذلك {عَنِ ٱلسَّبِيلِ} أي سبيل الهدى والحق فهم لذلك لا يهتدون لأن يسجدوا لله الذي يخرج الخبء أي المخبوء فهو من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول في السماوات من أمطار والأرض من نباتات، ويعلم سبحانه وتعالى ما يخفون في نفوسهم، وما يعلنون عنه بألسنتهم الله لا إله هو رب العرش العظيم. وصف الرب تعالى بالعرش العظيم ليقابل وصف بلقيس به، وأين عرش مخلوقة وإن كانت ملكة بنت ملك هو شراحيل من عرش الله الخالق لكل شيء والمالك لكل شيء. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- مشروعية استعراض الجيوش وتفقد أحوال الرعية. 2- مشروعية التعزير لمن خالف أمر السلطان بلا عذر شرعي. 3- مشروعية اتخاذ طائرات الاستكشاف ودراسة جغرافية العالم. 4- تحقيق قول الرسول صلى الله عليه وسلم لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة إذ لم يلبثوا أن غلب عليهم سليمان. 5- بيان أن هناك من كانوا يعبدون الشمس إذ سجودهم لها عبادة. 6- بيان أن الأحق بالعبادة الله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم. 7- مشروعية السجود لمن تلا هذه الآية أو استمع إلى تلاوتها: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ }.
القطان
تفسير : تفقّد الشيء: سأل عنه وطلب معرفة احواله. بسلطان مبين: بحجة واضحة. أحطتُ بما لم تحط به: علمتُ أشياء لا تعرفها. سبَأ: ابو قبيلة من اليمن، ومملكة ظهرت في شرق المنطقة المعروفة الآن باسم صِرواح ومأرِب فسميت البلاد باسمها، واليها تنسب اللغة السبئية والديانة السبئية. بنبأ: بخبر عظيم. العرش: سرير الملك. فصدّهم عن السبيل: منعهم عن طريق الحق والصواب. يُخرج الخبء: يخرج المخبوء من كل شيء. وتفقد سليمانُ جماعةَ الطير التي تجتمع عنده فلم يجد الهدهد، فقال: أين الهدهد، اين الهدهد، اين غاب عني؟ ثم توعده بالعذاب اذا لم يجدْ سبباً يبرر به غيبته، او يأتِهِ بحجّة واضحة تظهر له عذره. وجاء الهدهد بعد غيابٍ قليل وقال لسليمان: علمتُ ما لم تعلم، وجئتك من دولة سبأ بخبرٍ ذي شأن عظيم. إني وجدتُ في سبأ امرأةً تحكمهم، أوتيتْ من كل شيء يحتاج اليه الملوك في تَرَفِهم، ولها عرش عظيم. وهي وقومها يعبدون الشمس ولا يعبدون الله، لقد زيَّنَ الشيطانُ لهم عبادتهم وأبعدهم عن دين الله فهم لا يهتدون، وأمَرَهم ان لا يسجدوا لله الذي يُخرج كل شيء مخبوء في السماوات والأرض، ويعلم ما يخفيه العباد وما يعلنونه {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ}. وهنا موضع سجدة. قراءات: قرأ ابن كثير: "اوليأتينَّني" بنونين، والباقون: "او ليأتينّي" بنون واحدة. قرأ عاصم: "ومكَث" بفتح الكاف. والباقون: "ومكُث" بضم الكاف وهما لغتان. وقرأ ابن كثير: وابو عمرو "من سبأَ" بفتح الهمزة على انه ممنوع من الصرف، والباقون: "من سبأ" بالتنوين والجر.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْغَآئِبِينَ} (20) - قالَ ابنُ عباسٍ: كَانَ الهُدْهُدُ يَدُلُّ سُلَيْمَانَ عَلَى مَواقِعِ الماءِ في بَاطِنِ الأَرضِ فَيَأْمُرُ سُليمانُ الجِنَّ بالحَفْرِ لِيُسْتنبَطَ الماءُ. وفي يومٍ نَزَلَ سليمانُ في أرض فَلاَةٍ فَتَفَقَّدَ الطَّيرَ لِيَرَى الهُدْهُدَ، فَلَمْ يَرَهُ فَسَألَ عَنْهُ، وقالَ: مَا لِيَ لا أَرى الهُدْهُدَ، هَلْ أخْطَأَهُ بَصَرِي منَ الطَّيْرِ، أمْ إِنَّهُ غابَ فَلَمْ يَحْضُرْ؟ وَلمْ أشْعُرْ بِغَيْبَتِهِ.؟
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : مادة: فقد الفاء والقاف والدال، وكل ما يُشتقّ منها تأتي بمعنى ضاع منه الشيء، ومنه قوله تعالى في قصة إخوة يوسف: {أية : قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ}تفسير : [يوسف: 71]، فإنْ جاءت بصيغة (تفقَّد) بالتضعيف دلَّتْ على أن الشيء موجود وأنا أبحث عنه في مظانّه. فمعنى {وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ ..} [النمل: 20] أن الرئيس أو المهيمن على شيء لا بُدَّ له من متابعته، وسليمان - عليه السلام - ساعةَ جلس في مجلس العلم أو مجلس القضاء نظر للحاضرين من مملكته، كأنه القائد يستعرض جنوده، وفي هذا إشارة إلى أنه - عليه السلام - مع أن هذا ملكه ومُسخَّر له ومُنقَاد لأمره، إلا أنه لم يتركه هَمَلاً دون متابعة. لكن، لماذا تفقَّد الطير بالذات؟ قالوا: لأنه أراد أنْ يقوم برحلة في الصحراء، والهدهد هو الخبير بهذه المسألة؛ لأنه يعلم مجاهلها، ويرى حتى الماء في باطن الأرض، يقولون: كما يرى أحدكم الزيت في وعائه. لذلك نرى أن من مميزات الهدهد أن الله تعالى جعل له منقاراً طويلاً؛ لأنه لا يأكل مما على سطح الأرض، إنما ينبش بمنقاره ليُخرج طعامه من تحت الأرض. ألاَ تراه حين كلَّم سليمان في دقائق العقيدة والإيمان بالله يقول عن أهل سبأ: {أية : أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..}تفسير : [النمل: 25] فاختار هذه المسألة بالذات؛ لأنه الخبير بها ورزقه منها. ولما لم يجد الهدهد في الحاضرين قال {فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ} [النمل: 20] فساعةَ يستفهم الإنسان عن شيء يعلم حقيقته، فإنه لا يقصد الاستفهام، إنما هو يستبعد أنْ يتخلَّف الهدهد عن مجلسه. لذلك قال {مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ ..} [النمل: 20] يعني: ربما هو موجود، لكنِّي لا أراه لعلّة عندي أنا، فلما دَقّق النظر وتأكد من خُلوِّ مكانه بين الطيور، قال {أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ} [النمل: 20] إذن: لابد من معاقبته: {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: كان كرسي سليمان بن داود يوضع على الريح، ومن سار معه من الجن والإِنس، فتحملهم الريح، وتظلهم الطير من فوقهم. فعطش ذات يوم، فطلب الماءَ، فسأَل عنه الجن والأِنس فلم يعلموا بمكانه {وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ} [الآية: 20] عند ذلك، فلم يجدوا الهدهد. فأَوعده وقال: {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً}. يعني: أَن ينتف ريشه ويشمسه، {أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [الآية: 21]. يعني. بعذر بين. فلما جاءَ الهدهد استقبلته الطير فقالت له: قد أَوعدك سليمان فقال لهم الهدهد: هل استثنى؟ قالوا: نعم، قدا قال: /55 و/ إِلا أَن يجيء بعذر بين. فجاءَه بالعذر الذي في القرآن. لما أَقبلت بلقيس ملكة سبأ، فكانت من سليمان على قدر فرسخ ذكر سليمان السرير فقال: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [الآية: 38]. فأُتي به، فأَمر به سليمان فَغُيِّر. فلما جاءَت قيل لها: {أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ} [الآية: 42]. فقيل {لَهَا ٱدْخُلِي ٱلصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا} [الآية: 44]. فاذا امرأَة شعراءُ، فقال: سليمان ما يذهب بهذا الشعر؟ فقيل له: النُّورة. فاتخذت النورة يومئذ. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد : {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً} [الآية: 21]. يقول: أَنتف ريشه كله. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ} [الآية: 25]. قال: يخرج الغيث. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} [الآية: 35]. قال: أَرسلت بجوار لباسهن لباس الغلمان، وبغلمان لباسهم لباس الجواري. أَنبا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا} [الآية: 38]. قال: سريراً في أَريكة. أَنبا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن حصين عن مجاهد قال: خرج السرير من نفق تحت الأَرض [الآية: 38]. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ} [الآية: 39]. يعني: من مقعدك. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ} [الآية: 40]. قال: كان عنده الإِسم الذي إِذا دعى به أَجاب. وهو: ياذا الجلال والإِكرام. أَنبا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد : { قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا} [الآية: 41]. يقول: غيّروه. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَأُوتِينَا ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا} [الآية: 42]. قال: هذا قول سليمان، صلى الله عليه وسلم. أَنبا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِ} [الآية: 43]. قال: يعني كفرها بقضاءِ الله عنه، غير الوثن صدها أَن تهتدي للحق. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد : {نَنظُرْ أَتَهْتَدِيۤ أَمْ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ} [الآية: 41]. يعني: أَتعرفه؟. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ٱلصَّرْحَ} [الآية: 44]. قال: الصرح بركة من ماءٍ ضرب عليها سليمان، عليه السلام، قوارير أَلبسها القوارير. وكانت بلقيس هلباءَ شعراءَ، قدمها حافرحمار، وكانت أُمها جنية.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لا تزال الآيات تتحدث عن "سليمان بن داود" الذي جمع الله له بين " النبوة والمُلْك" فكان نبياً ملكاً، وسخر له الإِنس والجن وعلمه منطق الطير، وتذكر الآيات هنا قصته مع "بلقيس" ملكة سبأ وما كان من الأمور العجيبة التي حدثت في زمانه. اللغَة: {تَفَقَّدَ} التفقد: طلب ما غاب عن الإِنسان {ٱلْخَبْءَ}: الشيءُ المخبوء من خبأتُ الشيء أخبؤه خبأَ إذا سترته {صَاغِرُونَ} أذلاء مهانون من الصَّغار وهو الذل {عِفْرِيتٌ} العفريب: القويُ المارد من الشياطين ومن الإِنس، والخبيث الماكر {ٱلصَّرْحَ} القصر، وكلُّ بناءٍ عال مرتفع يسمى صرحاً ومنه قول فرعون "يا هامان ابن لي صَرْحاً" {مُّمَرَّدٌ} الممرَّد: المملَّس، والأمرد الذي لم تخرج لحيته بعد إداركه، وشجرةٌ مرداء: لا ورقَ عليها {قَوارِيرَ} جمع قارورة وهي الزجاجة. التفسِير: {وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ} أي بحث سليمان وفتش عن جماعة الطير {فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ} أي لم لا أرى الهُدهد هٰهنا؟ قال المفسرون: كانت الطير تصحبه في سفره وتظله بأجنحتها، فلما فصل سليمان عن وادي النمل ونزل في قفرٍ من الأرض عطش الجيش فسألوه الماء، وكان الهدهد يدله، على الماء فإِذا قال: هٰهنا الماء شقت الشياطين وفجَّرت العيون، فطلبه في ذلك اليوم فلم يجده فقال مالي لا أراه {أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ} أمْ منقطعة بمعنى "بل" أي بل هو غائب، ذهب دون إذنٍ مني {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي لأعاقبنه عقاباً أليماً بالسجن أو نتف الريش أو الذبح أو ليأتيني بحجة واضحة تبيّن عذره {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ} أي فأقام الهدهد زماناً يسيراً ثم جاء إلى سليمان {فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} أي اطلعت على ما لم تطّلع عليه وعرفت ما لم تعرفه {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} أي وأتيتك من مدينة سبأ - باليمن - بخبرٍ هامٍ، وأمر صادقٍ خطير {إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ} أي من عجائب ما رأيت أن امرأة - تسمى بلقيس - هي ملكة لهم، وهم يدينون بالطاعة لها {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} أي وأُعطيت من كل شيء من الأشياء التي يحتاج إليها الملوك من أسباب الدنيا من سعة المال وكثرة الرجال ووفرة السلاح والعتاد {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} أي ولها سرير كبير مكلَّل بالدر والياقوت قال قتادة: كان عرشُها من ذهب، قوائمُه من جوهر، مكلَّل باللؤلؤ قال الطبري: وعنى بالعظيم في هذا الموضع العظيم في قدره وخطره، لا عِظمه في الكبر والسعة، ولهذا قال ابن عباس: {عَرْشٌ عَظِيمٌ} أي سرير كريم حسن الصنعة، وعرشُها سريرٌ من ذهب قوائمُه من جوهرٍ ولؤلؤ، ثم أخذ يحدثه عما هو أعظم وأخطر فقال {وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي وجدتهم جميعاً مجوساً يعبدون الشمس ويتركون عبادة الواحد الأحد {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} أي حسَّن لهم إبليس عبادتهم الشمس وسجودهم لها من دون الله {فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} أي منعهم بسبب هذا الضلال عن طريق الحق والصواب {فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ} أي فهم بسبب إغواء الشيطان لا يهتدون إلى الله وتوحيده، ثم قال الهدهد متعجباً {أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي أيسجدون للشمس ولا يسجدون للّهِ الخالق العظيم، الذي يعلم الخفايا ويعلم كل مخبوء في العالم العلوي والسفلي؟ قال ابن عباس: يعلم كل خبيئةٍ في السماء والأرض {وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} أي ويعلم السرَّ والعلن، ما ظهر وما بطن {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ} أي هو تعالى المتفرد بالعظمة والجلال، ربُّ العرش الكريم المستحق للعبادة والسجود، وخصَّ العرش بالذكر لأنه أعظم المخلوقات، وإِلى هنا انتهى كلام الهُدهد {قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} أي قال سليمان: سننظر في قولك ونتثبت هل أنت صادقٌ أم كاذب فيه؟ قال ابن الجوزي: وإِنما شكَّ في خبره لأنه أنكر أن يكون لغيره سلطان، ثم كتب كتاباً وختمه بخاتمه ودفعه إلى الهُدهد وقال {ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ} أي اذهب بهذا الكتاب وأوصلْه إلى ملكة سبأ وجندها {ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ} أي تنحَّ إلى مكان قريب مستتراً عنهم {فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} أي فانظر ماذا يردون من الجواب؟ قال المفسرون: أخذ الهدهد الكتاب وذهب إلى بلقيس وقومها، فرفرف فوق رأسها ثم ألقى الكتاب في حجرها {قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} أي قالت لأشراف قومها إنه أتاني كتاب عظيم جليل {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} أي إن هذا الكتاب مرسل من سليمان ثم فتحته فإِذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم وهو استفتاح شريفٌ بارع فيه إعلان الربوبية للّه ثم الدعوة إلى توحيد الله والانقياد لأمره {أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} أي لا تتكبروا عليَّ كما يفعل الملوك وجيئوني مؤمنين قال ابن عباس: أي موحدين، وقال سفيان: طائعين {قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِيۤ أَمْرِي} أي أشيروا عليَّ في الأمر {مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ} أي ما كنتُ لأقضي أمراً بدون حضوركم ومشورتكم {قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ} أي نحن أصحابُ كثرةٍ في الرجال والعتاد، وأصحابُ شدةٍ في الحرب {وَٱلأَمْرُ إِلَيْكِ فَٱنظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ}؟ أي وأمرنا إليكِ فمرينا بما شئتِ نمتثل أمرك، وقولهم هذا دليلٌ على الطاعة المفرطة قال القرطبي: أخذتْ في حسن الأدب مع قومها ومشاورتهم في أمرها في كل ما يعرض لها، فراجعها الملأ بما يُقر عينها من إعلامهم إياها بالقوة والبأس، ثم سلّموا الأمر إلى نظرها، وهذه محاورة حسنة من الجميع قال الحسن البصري: فوَّضوا أمرهم إلى عِلجةٍ يضطرب ثدياها، فلما قالوا لها ما قالوا كانت هي أحزم منهم رأياً وأعلم {قَالَتْ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا} أي إن عادة الملوك أنهم إذا استولوا على بلدةٍ عنوةً وقهراً خربوها {وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً} أي أهانوا أشرافها وأذلوهم بالقتل والأسر والتشريد {وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ} أي وهذه عادتهم وطريقتهم في كل بلدٍ يدخلونها قهراً، ثم عدلت إلى المهادنة والمسالمة فقالت {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ} أي وإِني سأبعث إليه بهدية عظيمة تليقُ بمثله، فأنظر هل يقبلها أم يردُّها؟ قال قتادة: ما كان أعقلها في إسلامها وشركها!! علمتْ أن الهدية تقع موقعاً من الناس، وقال ابن عباس: قالت لقومها إن قبِلَ الهدية فهو ملك يريد الدنيا فقاتلوه، وإِن لم يقبلها فهو نبيٌ صادق فاتبعوه {فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ}؟ أي فلما جاء رسل بلقيس إلى سليمان بالهدية العظيمة قال منكراً عليهم: أتصانعونني بالمال والهدايا لأترككم على كفركم وملككم؟ {فَمَآ آتَانِيَ ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ} أي فما أعطاني الله من النبوة والمُلك الواسع خيرٌ مما أعطاكم من زينة الحياة فلا حاجة لي بهديتكم {بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} أي أنتم تفرحون بالهدايا لأنكم أهل مفاخرةٍ ومكاثرة في الدنيا، ثم قال لرئيس الوفد {ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا} أي ارجع إليهم بهديتهم فواللهِ لنأتينَّهم بجنودٍ لا طاقة لهم بمقابلتها، ولا قدرة لهم على مقاتلتها {وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} أي ولنخرجنهم من أرضهم ومملكتهم أذلاء حقيرين إن لم يأتوني مسلمين قال ابن عباس: لما رجعت رسلُ بلقيس إليها من عند سليمان وأخبروها الخبر قالت قد عرفت ما هذا بملك، وما لنا به طاقة، وبعثت إلى سليمان إني قادمة إليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك، وما تدعو إليه من دينك ثم ارتحلْت إلى سليمان في اثني عشر ألف قائد {قَالَ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ}؟ أي قال سليمان لأشراف من حضره من جنده: أيكم يأتيني بسريرها المرصَّع بالجواهر قبل أن تصل إليَّ مع قومها مسلمين؟ قال البيضاوي: أراد بذلك أن يريها بعض ما خصه الله به من العجائب، الدالة على عظيم القدرة، وصدقه في دعوى النبوة، ويختبر عقلها بأن ينكّر عرشها فينظر أتعرفه أم تنكره؟ {قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن ٱلْجِنِّ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ} أي قال ماردٌ من مردة الجنِّ: أنا أحضره إليك قبل أن تقوم من مجلس الحكم - وكان يجلس من الصبح إلى الظهر في كل يوم - وغرضُه أنه يأتيه به في أقل من نصف نهار {وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} أي وإِني على حمله لقادرٌ، وأمينٌ على ما فيه من الجواهر والدُّر وغير ذلك {قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} قال المفسرون: هو "آصف بن برخيا" كان من الصِّدقين يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وهو الذي أتى بعرش بلقيس وقال لسليمان: أنا آتيك به قبل أن يرتدَّ إليك طرفك أي آتيك به بلمح البصر فدعا الله فحضر العرشُ حالاً {فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي} أي فلما نظر سليمان ورأى العرش - السرير - حاضراً لديه قال: هذا من فضل الله عليَّ، وإِحسانه إليَّ {لِيَبْلُوَنِيۤ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ}؟ أي ليختبرني أأشكر إنعامه، أم أجحد فضله وإِحسانه؟ {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} أي ومن شكر فمنفعة الشكر لنفسه، لأنه يستزيد من فضل الله {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} تفسير : [إبراهيم: 7] {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} أي ومن لم يشكر وجحد فضل الله فإِن الله مستغنٍ عنه وعن شكره، كريمٌ بالإِنعام على من كفر نعمته.. ولما قرُب وصولُ ملكة سبأ إلى بلاده أمر بأن تُغيَّر بعضُ معالم عرشها امتحاناً لها {قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا} أي غيّروا بعض أوصافه وهيئته كما يتنكر الإِنسان حتى لا يُعرف {نَنظُرْ أَتَهْتَدِيۤ أَمْ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ} أي لننظر إذا رأته هل تهتدي إلى أنه عرشها وتعرفه أم لا؟ أراد بذلك اختبار ذكائها وعقلها {فَلَمَّا جَآءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ}؟ أي أمثل هذا العرش الذي رأيتيه عرشك؟ ولم يقل: أهذا عرشك؟ لئلا يكون تلقيناً لها {قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ} أي يشبهه ويقاربه ولم تقل: نعم هو، ولا ليس هو قال ابن كثير: وهذا غاية في الذكاء والحزم {وَأُوتِينَا ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ} هذا من قول سليمان أي قال سليمان تحدثاً بنعمة الله: لقد أوتينا العلم من قبل هذه المرأة بالله وبقدرته وكنا مسلمين لله من قبلها، فنحن أسبقُ منها علماً وإِسلاماً {وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي منعها عن الإِيمان بالله عبادتُها القديمة للشمس والقمر {إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ} أي بسبب كفرها ونشوئها بين قوم مشركين {قِيلَ لَهَا ٱدْخُلِي ٱلصَّرْحَ} أي ادخلي القصر العظيم الفخم {فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا} أي فلما رأت ذلك الصرح الشامخ ظنته لجة ماء - أي ماءً غمراً كثيراً - وكشفت عن ساقيها لتخوض فيه {قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوارِيرَ} أي قال سليمان: إنه قصر مملَّس من الزجاج الصافي {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} أي قالت بلقيس حينئذٍ: ربّ إني ظلمت نفسي بالشرك وعبادة الشمس {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي وتابعتُ سليمان على دينة فدخلت في الإِسلام مؤمنةً برب العالمين، قال ابن كثير: والغرضُ أن سليمان عليه السلام اتخذ قصراً عظيماً منيفاً من زجاج لهذه الملكة، ليريها عظمة سلطانه وتمكنه، فلما رأت ما آتاه الله وجلالة ما هو فيه وتبصرت في أمره، انقادت لأمر الله تعالى وعرفت أنه نبيٌ كريم، وملِكٌ عظيم، وأسلمت لله عز وجل. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- أسلوب التعجب {مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ}؟ 2- التأكيد المكرر {لأُعَذِّبَنَّهُ.. أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ.. أَوْ لَيَأْتِيَنِّي} لتأكيد الأمر. 3- طباق السلب {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} وكذلك {تَهْتَدِيۤ.. لاَ يَهْتَدُونَ}. 4- الجناس اللطيف {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ} ويسمى الجناس الناقص لتبدل بعض الحروف. 5- الطباق في اللفظ {تُخْفُونَ.. وتُعْلِنُونَ} وكذلك {أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ}. 6- الطباق في المعنى {أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ}. قال علماء البيان: والمطابقة هنا بالمعنى أبلغ من اللفظ لأنه عدول عن الفعل إلى الإِسم فيفيد الثبات فلو قال "أصدقت أم كذبت" لما أدَّى هذا المعنى لأنه قد يكذب في هذا الأمر ولا يكذب في غيره، وأما قوله {أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} فإِنه يفيد أنه إذا كان معروفاً بالانخراط في سلك الكاذبين كان كاذباً لا محالة فلا يوثق به أبداً. 7- جناس الاشتقاق {أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ} وكذلك {أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ}. 8- التشبيه {كَأَنَّهُ هُوَ} أي كأنه عرشي في الشكل والوصف ويسمى "مرسلاً مجملاً". 9- الاستعارة البديعة {قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} شبَّه سرعة مجيئه بالعرش برجوع الطرف للإِنسان، وارتدادُ الطرف معناه التقاء الجفنين وهو أبلغ ما يمكن أن يوصف به في السرعْة ومثله "وما أمرُ الساعةِ إلا كلمح البصر أو هو أقرب" فاستعار للسرعة الفائقة ارتداد الطرف. 10- توافق الفواصل في كثير من الآيات، ولها وقعٌ في النفس رائع مثل {أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ} {أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} إلى آخر ما هنالك. لطيفَة: أخذ بعض العلماء من قوله تعالى {وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ} استحباب تفقد الملك لأحوال الرعية، وكذلك تفقد الأصدقاء، والإِخوان، والخلان وأنشد بعضهم: شعر : سنَّ سُليمانُ لنا سُنَّةً وكان فيما سنَّه مُقْتدى تفقَّد الطيرَ على مُلْكه فقال: مالِيَ لا أرى الهُدْهدا؟
الجيلاني
تفسير : ثمَّ لمَّا سار سليمان - صلوات الرحمن عليه وسلام - ف يبعض أسفاره، وكان الهدهد دائماً رائده، وبريد عسكره ودليلهم على الماء عند الاحتياج؛ إذ هو عالم به إلى حيث تعرفه تحت الأرض وتعين موضعه، و كان يأمر سليمان عفاريت الجن ليحفروها ويخرجوا منها الماء لدى الحاجة. فاحتاج سليمان عليه السلام يوماً من الأيام إلى الماء، ولم يكن الهدهد حاضراً عنده فغضب عليه {وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ} وتعرفه مفصلاً؛ حتى يجده بينهم فلم يوجد مغاضباً عليه: {فَقَالَ} مغاضباً عليه: {مَالِيَ} أي: أي شيء عرض علي حتى صرت {لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ} بين الطيور، أهو حاضر عندي، مستور علي فلم أره {أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ} [النمل: 20] المتخلفين عن خدمتي ورفاقتي؟. فوالله لو وجدته {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً} إلى حيث آمر بنتف ريشه وحبسه في حر الشمس مع ضده في محبس ضيق {أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ} حداً؛ ليعتبر منه سائر الخَدَمَة {أَوْ لَيَأْتِيَنِّي} وليقيمنَّ على الإثبات عذره {بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [النمل: 21] حجة واضحة ظاهرة الدلالة، مقبولة من ذوي الأعذار عند أولي الأبصار والاعتبار. {فَمَكَثَ} الهدهد بعد تفقد سليمان وتهديده زماناً {غَيْرَ بَعِيدٍ} مديد متطاول، ثمَّ حضر عنده بلا تراخٍ طويل {فَقَالَ} معتذراً لغيبته ومكثه: إنما مكثت وغبت عن خدمتك؛ لأني {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} أنت يا سيدي؛ يعني: تعلق إدراكي بمعلوم لم يتعلق به قبل لا علمي ولا علمك، ولا علم أحد من جنودك {وَ} بعد وقوفي واطلاعي به {جِئْتُكَ مِن} بلاد قبيلة {سَبَإٍ} من نواحي المغرب، وبمن ملك عليها {بِنَبَإٍ} وخبر {يَقِينٍ} [النمل: 22] مطابق للواقع. قال سليمان مبتهجاً، مزيلاً لغيظه وغضبه، مستكشفاً عنه: وما الخبر؟ قال الهدهد: {إِنِّي} بعدما وصلت إلى ديارهم بأقصر مدة {وَجَدتُّ} وصادفت {ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ} اسمها بلقيس بنت شراحيل، من نسل يعرب بن قحطان، وأمها جنية؛ لأنه ما كان يرى التزويج من الإنس، ولم يكن له ولد غيرها؛ لذلك ورثت منه الملك فملكت {وَ} من كمال عظمتها وشوكتها {أُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} نفائسه وعجائبه ما لا يُعد ولا يُحصى {وَلَهَا} من جملة البدائع {عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل: 23] من جميع عروش أرباب الولاية والملك. قيل: كان ثمانين ذراعاً في ثمانين، وارتفاعه ثلاثين أو ثمانين أيضاً، وهو متخذ من الذهب والفضة، مكلل بالدر والزمرد، والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، وكانت قوائمه من ياقوت أحمر وأخضر وزمرد، وعليه سبعة بيوتات على كل بيت باب مغلق. {وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ} ويعبدونها {مِن دُونِ ٱللَّهِ} المستحق للتذلل والعبادة {وَ} من غاية جهلهم بالله، وغفلتهم عن كمال أوصافه وأسمائه الحسنى {زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} هذه وعبادتهم للشمس {فَصَدَّهُمْ} وصرفهم بتزيينه وتغريره {عَنِ ٱلسَّبِيلِ} السوي، الموصل إلى توحيد الحق الحقيقي بالعبودية والتذلل {فَهُمْ} بسبب تضليل الشيطان وتغريره، ورسوخهم على ما زُين لهم {لاَ يَهْتَدُونَ} [النمل: 24] إلى التوحيد بمقتضى فطرتهم الأصلية وجبلتهم الحقيقية. فلا بدَّ لهم من مرشد كامل، وهادٍ مشفق يهديهم إلى سواء السبيل، مع أنهم من زمرة العقلاء المميِّزين بين الهداية والضلالة، ولكنهم بانهماكهم في الغفلة والغرور، زيَّن لهم الشيطان عبادة الشمس التي هي من جملة مظاهر الحق، مقتصرين العبادة عليها؛ لقصور نظرهم، ولو نبههم منبه نبيه على توحيد الله واستقلاله سبحانه في جميع مظاهره، لعل الله يوقظهم من منام الغفلة. بأن قال لهم منادياً إياهم: {أَلاَّ يَسْجُدُواْ} يعني: تنبهوا أيها الفاقدون قبلة سجودكم وجهة معبودكم، أيها القوم الضالون المنصرفون عن المسجود الحقيقي والمعبود المعنوي، بل اسجدوا وتذللوا {للَّهِ} المتجلي في الأكوان، المنزه عن الحلول في الجهات والمكان، المقدس عن تتابع الساعات وتعاقب الأزمان، بل له شأن لا يشغله شأن ولا يجري عليه زمان ومكان {ٱلَّذِي يُخْرِجُ} يمقتضى علمه المحيط، وقدرته الكاملة الشاملة {ٱلْخَبْءَ} أي: الخفي المطوي المكنون {فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: سماوات الأسماء الإلهية، وأوصافه الذاتية الفاعلة، وأرض الطبيعة القابلة لقبول الانعكاس من الأسماء والأوصاف {وَيَعْلَمُ} سبحانه بعلمه الحضوري {مَا تُخْفُونَ} في سرائركم وضمائركم، بل بخفياتكم التي لا اطلاع عليها أصلاً بمقتضى قابلياتهم واستعداداتهم {وَمَا تُعْلِنُونَ} [النمل: 25] من أفعالهم وأحوالهم. وكيف لا يظهر المكنون من الأمور، ولا يعلم خفيات الصدور {ٱللَّهُ} الواحد الأحد الصمد، الحي القيوم الذي {لاَ إِلَـٰهَ} أي: لا موجود في الوجود {إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ} [النمل: 26] المحيط بجميع ما لمع عليه برق تجلياته المتشعشة المتحددة المترتبة على أسمائه الذاتية الكاملة، المستدعية للظهور والبروز بإظهار ما كمن من الكمالات، المندمجة في الذات الأحدية إلى فضاء الوجود.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):