Verse. 3180 (AR)

٢٧ - ٱلنَّمْل

27 - An-Naml (AR)

لَاُعَذِّبَنَّہٗ عَذَابًا شَدِيْدًا اَوْ لَاَاذْبَحَنَّہٗۗ اَوْ لَيَاْتِيَنِّيْ بِسُلْطٰنٍ مُّبِيْنٍ۝۲۱
LaoAAaththibannahu AAathaban shadeedan aw laathbahannahu aw layatiyannee bisultanin mubeenin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

قال «لأعذبنه عذاباً» تعذيباً «شديداً» بنتف ريشه وذنبه ورميه في الشمس فلا يمتنع من الهوام «أو لأذبحنه» بقطع حلقومه «أو ليأتيني» بنون مشددة مكسورة أو مفتوحة يليها نون مكسورة «بسلطان مبين» ببرهان بين ظاهر على عذره.

21

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {لأُعَذّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً} كنتف ريشه وإلقائه في الشمس، أو حيث النمل يأكله أو جعله مع ضده في قفص. {أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ } ليعتبر به أبناء جنسه.{أَوْ لَيَأْتِيَنّي بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ} بحجة تبين عذره، والحلف في الحقيقة على أحد الأولين بتقدير عدم الثالث لكن لما اقتضى ذلك وقوع أحد الأمور الثلاثة ثلث المحلوف عليه بعطفه عليهما، وقرأ ابن كثير أو «ليأتينني» بنونين الأولى مفتوحة مشددة. {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ} زماناً غير مديد يريد به الدلالة على سرعة رجوعه خوفاً منه، وقرأ عاصم بفتح الكاف. {فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ } يعني حالاً سبأ، وفي مخاطبته إياه بذلك تنبيه له على أن في أدنى خلق الله تعالى من أحاط علماً بما لم يحط به لتتحاقر إليه نفسه ويتصاغر لديه علمه، وقرىء بإدغام الطاء في التاء بإطباق وبغير إطباق. {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ} وقرأ ابن كثير برواية البزي وأبو عمرو غير مصروف على تأويل القبيلة والبلدة والقواس بهمزة ساكنة. {بِنَبَإٍ يَقِينٍ} بخبر متحقق روي أنه عليه الصلاة والسلام لما أتم بناء بيت المقدس تجهز للحج فوافى الحرم وأقام بها ما شاء، ثم توجه إلى اليمن فخرج من مكة صباحاً فوافى صنعاء ظهيرة فأعجبته نزاهة أرضها فنزل بها ثم لم يجد الماء ـ وكان الهدهد رائده لأنه يحسن طلب الماء ـ فتفقده لذلك فلم يجده إذ حلق حين نزل سليمان فرأى هدهداً واقعاً فانحط إليه فتواصفا وطار معه لينظر ما وصف له، ثم رجع بعد العصر وحكى ما حكى، ولعل في عجائب قدرة الله وما خص به خاصة عباده أشياء أعظم من ذلك يستكبرها من يعرفها ويستنكرها من ينكرها. {إِنّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ} يعني بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن الريان، والضمير لسبأ أو لأهلها. {وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَيْء} يحتاج إليه الملوك. {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ } عظمه بالنسبة إليها أو إلى عروش أمثالها. وقيل كان ثلاثين ذراعاً في ثلاثين عرضاً وسمكاً، أو ثمانين من ذهب وفضة مكللاً بالجواهر. {وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ } كأنهم كانوا يعبدونها. {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ } عبادة الشمس وغيرها من مقابح أعمالهم. {فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ } عن سبيل الحق والصواب. {فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ } إليه. {أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ} فصدهم لئلا يسجدوا أو زين لهم أن لا يسجدوا على أنه بدل من {أَعْمَـٰلَهُمْ }، أو {لاَ يَهْتَدُونَ } إلى أن يسجدوا بزيادة{لا }. وقرأ الكسائي ويعقوب {إِلا } بالتخفيف على أنها للتنبيه ويا للنداء ومناداه محذوف أي: ألا يا قوم اسجدوا كقوله:شعر : وَقَالَتْ أَلاَ يَا اسْمَعْ أَعِظكَ بِخطَّةٍ فَقُلْتُ سَمِيعاً فَانْطِقِي وَأَصِيبِي تفسير : وعلى هذا صح أن يكون استئنافاً من الله أو من سليمان والوقف على {لاَ يَهْتَدُونَ }، فيكون أمراً بالسجود وعلى الأول ذماً على تركه وعلى الوجهين يقتضي وجوب السجود في الجملة لا عند قراءتها، وقرىء «هلا» و «هلا» بقلب الهمزة هاء و «ألا تسجدون» و «هلا تسجدون» على الخطاب. {ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا يُخْـفُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} وصف له تعالى بما يوجب اختصاصه باستحقاق السجود من التفرد بكمال القدرة والعلم حثاً على سجوده ورداً على من يسجد لغيره، و {ٱلْخَبْء} ما خفي في غيره وإخراجه إظهاره، وهو يعم إشراق الكواكب وإنزال الأمطار وإنبات النبات بل الإِنشاء فإنه إخراج ما في الشيء بالقوة إلى الفعل والإِبداع، فإنه إخراج ما في الإِمكان والعدم إلى الوجوب والوجود ومعلوم أنه يختص بالواجب لذاته. وقرأ حفص والكسائي »مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ« بالتاء. {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ } الذي هو أول الأجرام وأعظمها والمحيط بجملتها فبين العظيمين بون.

المحلي و السيوطي

تفسير : فلما تحققها قال{لأُعَذّبَنَّهُ عَذَاباً } تعذيباً {شَدِيداً } بنتف ريشه وذنبه ورميه في الشمس فلا يمتنع من الهوام {أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ } بقطع حلقومه {أَوْ لَيَأْتِيَنّى } بنون مشدّدة مكسورة أو مفتوحة يليها نون مكسورة {بِسُلْطَٰنٍ مُّبِينٍ } ببرهان بيِّن ظاهر على عذره.

ابن عبد السلام

تفسير : {لأُعَذِّبَنَّهُ} بنتف ريشه حتى لا يمتنع من شيء "ع"، أو بإحواجه إلى جنسه، أو بجعله مع أضداده. {بِسُلْطَانٍ} حجة بَيِّنة أو عذر ظاهر.

الخازن

تفسير : قال: {لأعذبنه عذاباً شديداً} قيل هو أن ينتف ريشه وذنبه ويلقيه في الشمس ممعطاً لا يمتنع من النمل ولا من غيره وقيل لأودعنه القفص ولأحبسنه مع ضده، وقيل لأفرقنَّ بينه وبين إلفه {أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين} أي بحجة بينة على غيبته وكان سبب غيبة الهدهد على ما ذكر العلماء أن سليمان لما فرغ من بناء بيت المقدس، عزم على الخروج إلى أرض الحرم فتجهز للمسير واستصحب جنوده من الجن والإنس، والطير والوحش فحملتهم الريح فلما وافى الحرم أقام ما شاء الله أن يقيم، وكان في كل يوم ينحر حول مقامه خمسة آلاف ناقة ويذبح خمسة آلاف ثور وعشرين ألف شاة وقال لمن يحضر من أشراف قومه إن هذا المكان يخرج منه نبي عربي صفته كذا و كذا، يعطى النصرة على جميع من ناوأه وتبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبعيد عنده في الحق سواء لا تأخذه من الله لومة لائم قالوا فبأي دين يدين يا نبي الله؟ قال: بدين الحنيفية فطوبى لمن أردكه وآمن به قالوا كم بيننا وبين خروجه يا نبي الله قال مقدار ألف سنة فليبلغ الشاهد الغائب، فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل قال فأقام بمكة حتى قضى نسكه ثم خرج من مكة صباحاً، وسار نحو اليمن فوافى صنعاء زوالاً أي وقت الزوال، وذلك مسيرة شهر فرأى أرضاً حسناء تزهو خضرتها فأحب النزول بها ليصلي ويتغذى فلما نزل قال الهدهد: اشتغل سليمان بالنزول فارتفع نحو السماء لينظر إلى الدنيا، وعرضها فبينما هو ينظر يميناً وشمالاً رأى بستاناً لبلقيس فنزل إليه فإذا هو بهدهد آخر وكان اسم هدهد سليمان يعفور واسم هدهد اليمن يعفير، فقال يعفير ليعفور: من أين أقبلت وأين تريد قال أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود قال ومن سليمان بن داود؟ قال: ملك الإنس والجن والشياطين، والطير والوحش والرياح فمن أين أنت يا يعفير قال أنا من هذه البلاد قال: ومن ملكها؟ قال: امرأة يقال لها بلقيس وإن لصاحبك ملكاً عظيماً، ولكن ليس ملك بلقيس دونه، فإنها تملك اليمن وتحت يدها أربعمائة ملك كل ملك على كورة مع كل ملك أربعة آلاف مقاتل، ولها ثلاثمائة وزير يديرون ملكها ولها اثنا عشر ألف قائد مع كل قائد اثنا عشر ألف مقاتل، فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها قال أخاف أن يفقدني سليمان في وقت الصلاة إذا احتاج إلى الماء قال الهدهد اليماني إن صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة. قال فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها، وأما سليمان فإنه نزل على غير ماء فسأل عن الماء الإنس والجن فلم يعلموا فتفقد الهدهد فلم يره فدعا بعريف الطير، وهو النسر فسأله عن الهدهد فقال أصلح الله الملك ما أدري أين هو، وما أرسلته إلى مكان فغضب سليمان وقال لأعذبنه الآية ثم دعا العقاب وهو أشد الطير، فقال له عليّ بالهدهد هذه الساعة فرفع العقاب في الهواء حتى رأى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم، ثم التفت يميناً وشمالاً فرأى الهدهد مقبلاً من نحو اليمن فانقض العقاب بريده، فعلم الهدهد أن العقاب يقصده بسوء فقال له بحق الله الذي قواك وأقدرك علي إلا ما رحمتني، ولم تتعرض لي بسوء فتركه العقاب وقال ويحك ثكلتك أمك إن نبي الله قد حلف أن يعذبك، أو أن يذبحك ثم طارا متوجهين نحو سليمان فلما انتهيا إلى العسكر تلقاه النسر والطير، فقالوا: ويلك إين غبت في يومك هذا فلقد توعدك نبي الله وأخبروه بما قال سليمان. فقال الهدهد: أو ما استثنى نبي الله قالوا بلى ولكنه قال أو ليأتيني بسلطان مبين. قال نجوت إذاً فانطلق به العقاب: حتى أتيا سليمان وكان قاعداً على كرسيه فقال العقاب قد أتيتك به يا نبي الله فلما قرب منه الهدهد رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعاً لسليمان، فلما دنا منه أخذ برأسه فمده إليه. وقال له: أين كنت لأعذبنك عذاباً شديداً فقال يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله فلما سمع سليمان ذلك ارتعد وعفا عنه، ثم قال ما الذي أبطأك عني فقال الهدهد ما أخبر الله عنه بقوله تعالى {فمكث غير بعيد} معناه أي غير طويل {فقال أحطت بما لم تحط به} أي عملت ما لم تعلم وبلغت ما لم تبلغ أنت ولا جنودك ألهم الله الهدهد هذا الكلام فكافح سليمان تنبيهاً على أن أدنى خلق الله قد أحاط علماً بما لم يحط به ليكون لطفاً له في ترك الإعجاب. والإحاطة بالشيء علماً أن يعلمه من جميع جهاته حتى لا يخفى عليه من معلوم {وجئتك من سبأ} قيل: هو اسم للبلد وهي مأرب والأصح أنه اسم رجل وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وقد جاء في الحديث "حديث : أن النبي صلّى الله عليه وسلّم سئل عن سبأ فقال: "رجل له عشرة من البنين تيامن منهم ستة وتشاءم أربعة""تفسير : {بنبأ} أي بخبر {يقين} فقال سليمان وما ذاك.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً} [الآية: 21]. سئل الجنيد عن هذه الآية: لأفرقن بينه وبين ألفه. قال ابن عطاء: لأحوجنه إلى أجناسه. وقال جعفر: لأبلينه بشقاق السر. وقال الخلدى: لألزمنَّه صحبة الأضداد فإن ذلك من أشد العذاب. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا على الروذبارى يقول: أضيق السجن معاشرة الأضداد. قال الجنيد رحمه الله: لألبسنه ثوب الطمع، ولأحرمنه القناعة. وقال رويم: هو ضعف اليقين، وقلة الصبر. وقال أبو بكر بن طاهر: لأكلفه إلى حوله وقوته. وقال يوسف بن الحسين: لأرينَّه الباطل حقًا والحق باطلاً. قال أبو بكر الوراق: لأعمين عليه طريق رشده. قال: لأبعدنه من مجالس الذاكرين. قال بعضهم: لأسلبنه حلاوة العبادة والأنس بها. قال بعضهم: لألزمنّه خدمة أقرانه.

القشيري

تفسير : في هذه الآية دليل على مقدار الجُرْمِ، وأنه لا عِبْرَةَ بصغر الجثة وعِظَمِها. وفيه دليل على أن الطير في زمانه كانت في جملة التكليف، ولا يبعد الآن أن يكون عليها شَرْعٌ، وأَنَّ لهم من الله إلهاماً وإعلاماً؛ وإِن كان لا يُعْرَفُ ذلك على وجه القَطْع. وتعيين ذلك العذاب الشديدِ غيرُ ممكنٍ قطعاً، إلا تجويزاً واحتمالاً. وعلى هذه الطريقة يَحْتَمِلُ كلَّ ما قيل فيه. ويمكن أن يقال فإن وُجِدَ في شيءٍ نَقْلٌ فهو مُتَّبَعٌ. وقد قيل هو نَتْفُ ريشُه وإلقاؤه في الشمس. وقيل يفرِّق بينه وبين أليفه. وقيل يشتِّت عليه وقتَه. وقيل يُلْزِمُه خدمة أقرانه. والأَوْلَى في هذا أن يقال من العذاب الشديد كيت وكيت، وألا يُقْطَعَ بشيءٍ دون غيره على وجه القطع. فَمِنَ العذاب الشديد أن يُمْنَعَ حلاوة الخدمة فيجد أَلَمَ المشقة. ومن ذلك أن يقطع عنه حُسْنُ التولي لشأْنه ويوكَلَ إلى حَوْلِه ونَفْسِه، ومن ذلك أن يُمْتَحَنَ بالحِرْصِ في الطلب ثم يحال بينه وبين مقصوده ومطلوبه. ومن العذاب الشديد الطمع في اسم العذر ثم لا يرتفع ومن ذلك سَلْبُ القناعة. ومنه عَدَمُ الرضا بما يجري. ومن ذلك توهم الحدثان وحسبان شيءٍ من الخَلْق. ومن ذلك الحاجة إلى الأَخِسَّةِ من الناس. ومن ذلك ذُلُّ السؤال مع الغفلة عن شهود التقدير. ومن ذلك صحبة الأضداد والابتلاء بمعاشرتهم. ومن ذلك ضعف اليقين وقلة الصبر. ومن ذلك التباس طريق الرُّشد. ومنه حسبان الباطل بصفة الحق. والتباس الحقِّ في صورة الباطل. ومنه أن يطالب بما لا تتسع له ذات يده. ومنه الفقر في الغُرْبة.

اسماعيل حقي

تفسير : {لاعذبنه عذابا شديدا} العذاب الايجاع الشديد وعذبه تعذيبا اكثر حبسه فى العذاب اى لاعذبنه تعذيبا شديدا كنتف ريشه والقائه فى الشمس او حيث النمل تأكله او جعله مع ضده فى قفص وقد قيل اضيق الشجون معاشرة الاضداد او بالتفريق بينه وبين الفه بالفارسية [جفت]. وقيل لازوجنه بعجوز كما فى انسان العيون او لالزمنه خدمة اقران [ياازخدمت خودش برآنم] كما قال فى التأويلات لاعذبنه بالطرد عن الحضرة والاسقاط عن عينى الرضى والقبول. وفى الاسئلة المقحمة مامعنى هذا الوعيد لمن لم يكن مكلفا بشىء والجواب هذا الوعيد بعذاب تأديب وغير المكلف يؤدب كالدابة والصبى وكان يلزمه طاعته فاستحق التأديب على تركها. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان الطير فى زمانه كانت فى جملة التكليف ولها وللمسخرين لسليمان من الحيوان والجن والشياطين تكاليف تناسب احوالهم ولهم فهم وادراك واحوال كاحوال الانسان فى قبول الاوامر والنواهى معجزة لسليمان عليه السلام {او لاذبحنه} لتعتبر به ابناء جنسه او حتى لايكون له النسل. وفى التأويلات او لاذبحنه فى شدة العذاب واصل الذبح شق حلق الانسان {او ليأتينى} اصله ليأتيننى بثلاث نونات حذفت النون التى قبل ياء المتكلم {بسلطان مبين} بحجة تبين عذره: وبالفارسية [بابياديد بمن بحجتى روشن كه سبب غيبت او كردد] يشير الى ان حفظ المملكة يكون بكمال السياسة وكمال العدل فلا يتجاوز عن جرم المجرمين ويقبل منهم العذر الواضح بعد البحث عنه والحلف فى الحقيقة على احد الاولين على عدم الثالث فكلمة او بين الاولين للتخيير وفى الثالث للترديد بينه وبينهما ـ حكى ـ انه لما اتم بناء بيت المقدس خرج للحج واقام بالحرم ماشاء وكان يتقرب كل يوم طول مقامه بخمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف بقرة وعشرين الف شاة ثم عزم على المسير الى اليمن فخرج من مكة صباحا يؤم سهيلا فوافى صعناء اليمن وقت الزوال وذلك مسيرة شهر فرأى ارضا حسناء اعجبته خضرتها فنزل يصل فلم يجد الماء وكان الهدهد دليل الماء حيث يراه تحت الارض كما يرى الماء فى الزجاجة ويعرف قربه وبعده فيدل على موضعه بان ينقره بمنقاره فجيىء الشياطين فيسلخون الارض كما يسلخ الاهاب عن المذبوح ويستخرجون الماء فتفقده لذلك واما انه يوضع الفخ ويغطى بالتراب فلا يراه حتى يقع فيه فلان القدر اذا جاء يحول دون البصر وقد كان حين نزل سليمان ارتفع الهدهد الى الهواء لينظر الى عرصة الدنيا فرأى هدهدا آخر اسمه عنفير واقفا فانحط اليه اى فى الهواء فوصف له ملك سليمان وما سخر له من كل شىء ووصف له صاحبه ملك بقليس وان تحت يدها اثنى عشر الف قائد تحت يد كل قائد مائة الف فذهب معه لينظر فما رجع الا بعد العصر وذلك قوله تعالى {فمكث} المكث ثبات مع انتظار {غير بعيد} اى زمانا غير مديد يشير الى ان الغيبة وان كانت موجبة للعذاب الشديد وهو الحرمان من سعادة الحضور ومنافعه ولكنه من امارات السعادة سرعة الرجوع وتدارك الفائت وذكر انه اصابه من موضع الهدهد شمس فنظر فاذا موضعه خال فدعا عريف الطير وهو النسر فسأله عنه فلم يجد علمه عنده ثم قال لسيد الطير وهو العقاب علىّ به فارتفعت فنظرت فاذا هو مقبل فقصدته فناشدها الله تعالى وقال بحق الذى قواك واقدرك الا رحمتنى فتركته وقالت ثكلتك امك ان نبى الله حلف ليعذبنك قال او ما استثنى قالت بلى قال أو ليأتننى بعذر مبين فلما قرب من سليمان ارخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الارض تواضعا له فلما دنا منه اخذ عليه السلام برأسه فمده اليه فقال يانبى الله اذكر وقوفك بين يدى الله فارتعد سليمان [وكفته اند كه باهدهد كفت جه كويى كه بروبالت بكنم وترا بآ فتاب كرم افكنم هدهد كفت دانم كه نكنى كه اين كار صياد انست نه كار بيغمبر آن سليمان كفت كلوت ببرم كفت دانم كه نكنى كه اين كار قصا بانست نه كار بيغمبران كفت ترا باناجنس در قفص كنم كفت اين هم نكنى كه اين كان ناجوانمر دانست وبيغمران ناجوانمرد نباشد سليمان كفت اكنون توبكوى كه باتوجه كنم كفت عفو كنى ودركذا ركه غفو كار بيغمبران وكريمانست] فعفا عنه ثم سأله {فقال احطت} الاحاطة العلم بالشىء من جميع جهاته {بمالم تحط به} اى علما ومعرفة وحفظته من جميع جهاته وذلك لانه كان مما لم يشاهده سليمان ولم يسمع خبره من الجن والانس يشير الى سعة كرم الله ورحمته بان يختص طائرا بعلم لم يعلمه نبى مرسل هذا لايقدح فى حال النبى والرسول بان لايعلم علما غير نافع فى النبوة فان النبى عليه السلام كان يستعيذ بالله منه فيقول "حديث : اعوذبك من علم لاينفع"تفسير : والحاصل ان الذى احاط به الهدهد كان من الامور المحسوسة التى لاتعد الا حاطة بها فضيلة ولا الغفلة عنها نقيصة لعدم توقف ادراكها الا على مجرد احساس يستوى فيه العقلاء وغيرهم. وفى الاسئلة المقحمة هذا سوء ادب فى المخاطبة فكيف واجهه بمثله وقد احتلمه والجواب لانه عقبه بفائدة والخشونة المصاحبة لفائدة قد يحتملها الا كابر انتهى. ثم اشار الى انه بصدد اقامة خدمة مهمة له كما قال {وجئتك من سبأ} [وآمدم بتو از شهر سباكه مآرب كويند] {بنبأ يقين} بخبر خطير محقق لاشك فيه يشير الى ان من شرط المخبر ان لايخبر عن شىء الا ان يكون متيقنا فيه سيما عند الملوك. وسبأ منصرف على انه اسم لحى باليمن سموا باسم ابيهم الا كبر وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان قالوا اسمه عبد الشمس لقب به لكونه اول من سبى ثم سمى مدينة مأرب بسبأ وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة ايام وقيل ان سبأ اول من تتوج من ملوك اليمن وكان له عشرة من البنين تيامن منهم ستة وتشاءم منهم اربعة: يعنى [جهار ازايشان درشام مسكن داشتند لخم وجذام وعامله وغسان وشش دريمن كنده واشعر وازد ومذحج وانمار] حديث : قالوا يارسول الله وما انمار قال "والد خثعم وبجيلة"تفسير : ، وقال فى المفردات سبأ اسم مكان تفرق اهله ولهذا يقال ذهبوا ايادى سبأ اى تفرقوا تفرق اهل ذلك المكان من كل جانب انتهى. قال بعضهم انما خفى نبأ بلقيس على سليمان مع قربه منها لانه كان نازلا بصنعاء وهى بمأرب وبينهما مسيرة ثلاثة ايام كما سبق آنفا او ثلاثة فراسخ او ثلاثة اميال لمصلحة رآها الله تعالى كما خفى على يعقوب مكان يوسف شعر : كهى بر طارم اعلى نشينم كهى بربشت باى خود نبينم

الهواري

تفسير : قوله: {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَاْذْبَحَنَّهُ} وعذابه أن ينتف ريشه وأن يدعه في المنزل حتى يأكله الذرّ والنمل. قوله: {أَوْ لَيَأتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي: بعذر بيّن، وقال ابن عباس: بحجة بيّنة. قوله: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ} أي: رجع من ساعته {فَقَالَ: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} أي: بلغت ما لم تبلغ أنت ولا جنودك، وقال بعضهم: علمت ما لم تعلم. {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} أي: بخبر يقين. وسبأ في تفسير بعضهم أرض باليمن يقال لها مأرب، بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبأ أرجل هو أم امرأة أم أرض. فقال: حديث : بل هو رجل ولد عشرة، فباليمن منهم ستة وبالشام أربعة. فأما الذين باليمن، فمذحج، وكندة، وحمير، وأنمار، والأزد، والأشعريون؛ وأما الشاميون: فلخم، وجذام، وعاملة، وغسان.

اطفيش

تفسير : {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً} هو أن ينتف ريشه وذنبه ثم يلقيه في بيت النحل فتلدغه وقال الضحاك: لأنتفن ريشه ولأشدن رجليه ولأشمسنه وقال مقاتل: لأطلينه بالقطران ولأشمسنه وقيل: لأودعنه القفص وقيل: لأفرقن بينه وبين إلفه وقيل: لأمنعنه من جواري وخدمتي وقيل: لأجمعنه مع غير جنسه وعن ابن عباس: لانتفن ريشه فلا يمتنع عن النمل وقيل: لألزمنه خدمة الأقران والأول قول اكثر المفسرين. {أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ} بالف بعد اللام الف في كتب المغاربة لوجودها في الامام كذلك ومثل هذا مما هو خلاف قاعدة الخط قد اكتبه على رسمه في كتبهم وقد اكتبه قاعدة الخط وان قلت كيف يجوز له ان يعذبه او يذبحه انتقاما انتفاعا؟ قلت: الطير مأمورة بطاعته مكلفة كتكليفنا لكن لا يعذبها الله بنار الآخرة فبمعصيتها لسليمان استوجبت عقابا كما ذكره سليمان وليس عقابه انتقاما لنفسه ولكن لمجرد الردع لذلك الطائر وغيره عن المعصية والتصرف والانصراف بغير إذن وبذلك يتم ملكه الذي أعطاه الله إياه كذا ظهر لي ثم رأيت والحمد لله مثله لجار الله اذ قال: يجوز ان يبيح الله له ذلك لما رآه فيه من المصلحة والمنفعة كما أباح ذبح البهائم والطيور للأكل وغيره من المنافع واذا سخر له الطير ولم يتم ما سخر من اجله الا بالتأديب والسياسة جاز ان يباح له ما سيصنع به. {أَوْ لِيَأتِيَنِّي} وقرأ ابن كثير {أو ليأتينني} بنونين أولاهما مشددة مفتوحة. {بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} برهان ظاهر على عذر والحلف في الحقيقة على التعذيب او الذبح بتقدير عام الاتيان بالسلطان المبين لكن لما اقتضى ذلك وقوع احد الثلاثة ثلث الأمرين بقوله {أَوْ لِيَأتِيَنِّي} كأنه قال والله ليكونن أحد الثلاثة الإتيان بالسلطان المبين او التعذيب او الذبح ان لم يكن الاتيان بالسلطان، ثم دعا العقاب وهو سيد الطير وأشده فقال له: عليَّ بالهدهد الساعة فارتفع حتى رأى الدنيا كالقصعة فالتفت يمينا وشمالا فإذا هو بالهدهد مقبلا من اليمن فانقض العقاب يقصده بسوء فناشده الله وقال بحق الذي قواك وأقدرك عليَّ إلا رحمتني ولم تتعرض لي بسوء وقال ويحك ثكلتك أمك ان نبي الله عليك غضبان وقد حلف ليعذبنك أو يذبحنك ثم طارا متوجهين نحو سليمان عليه السلام فلما انتهى الى العسكر تلقته النسور والطير وقالوا له ويلك أين غبت في يومك هذا فلقد توعدك نبي الله وأخبروه بما قال فقال الهدهد: وما استثنى؟ قالوا: بلا أو ليأتيني بسلطان مبين قال: نجوت اذاً فطار العقاب والهدهد حتى أتيا سليمان وكان قاعدا على كرسيه فقال العقاب: قد أتيتك به يا نبي الله. فلما قرب الهدهد منه رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما إلى الأرض تواضعا لسليمان فلما دنا منه أخذ برأسه فمده اليه فقال: أين كنت لأعذبنك عذابا شديدا أو لأذبحنك؟ فقال الهدهد: أذكر وقوفك بين يدي الله تعالى فارتعد وعفى عنه وما كان وقت غيبته الا قليلا خوفا من سليمان عليه السلام كما قال الله جل وعلا {فَمَكَثَ} بضم الكاف وفتحه وعاصم {غَيْرَ بَعِيدٍ} أي زمانا غير بعيد أي غير طويل فهو ظرف زمان أو الأصل مكثا غير بعيد فهو مفعول مطلق وقدر الله سبحانه مكثه غير بعيد ليعلم كيف كان الطير مسخرا له ولبيان ما أعطي من المعجزة الدالة على نبوته وعلى قدرة الله عز وجل. {فَقَالَ أَحَطتُ} أي فجاء فقال أحطت وقرأ ابن مسعود (فمكث ثم جاء فقال احطت) وقرأ أبي (فتمكث ثم قال احطت) وروي انه قال: (احطت) الخ .. بعد ما سأله سليمان عما لقي في غيبته وقرأه بادغام الطاء بإطباق وبغير إطباق. {بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} الاحاطة بالشيء علما أن يعلم من جميع جهاته لا يخفى منه معلوم أخبره اني علمت ما لم تعلم بنفسك وجنودك نبهه الله على أن في أدنى خلقه وأضعفه علما لم يؤته الله سليمان مع ما أعطاه من علوم كثيرة وحكم ونبوة لتصاغر اليه نفسه وعلمه تصاغرا زائدا على ما عنده من التصاغر ويزداد بعد عن الاعجاب الذي هو أعظم فتنة العلماء وفي ذلك بطلان لقول الرافضة ان الامام لا يخفى عليه شيء ولا يكون في زمانه أحد اعلم منه، وعن عكرمة صرف الله سليمان عن ذبح الهدهد وتعذيبه التعذيب الشديد لبرلك الهدهد بوالديه، وروي انه عذبه عذابا يحتمله مثله ردعا له ولغيره ولم يعذبه عذابا شديدا لاتيانه بسلطان مبين. {وَجِئْتُكَ مِن سَبَأ} بالصرف اسما للموضع واسما للحي سمي الموضع أو الحي باسم الأب الأكبر أو المراد الأب على حذف أبي من موضع سبأ أو حيّه وقرأ ابن كثير في رواية البزي وابو عمرو بمنع الصرف لاعتباره البلدة او القبيلة، وعن الحسن سبأ اسم بلدة وكذا قتادة وقرأه بسكون الباء مع الصرف وعلمه وقرأه سبى بألف محذوفة كفتى على الصرف وسبا بالألف على غير الصرف وقرأ قنبل بسكون الهمزة على نية الوقف وذلك كله هنا وفي سورة سبأ والجمهور على ان سبأ اسم رجل ويؤيده ما جاء من حديث فروة رمسيك انه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبأ؟ فقال: "حديث : كان رجل له عشرة أولاد تيامن منهم ستة وتشاءم أَربعة وسميت به مدينة وهي قارب وبينها وبين صنعاء ثلاثة أيام "تفسير : قال جار الله: ويحتمل ان تراد المدينة والقوم وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان {بِنَبَإِ} هو الخبر العظيم {يَقِينٍ} محقق وبين سبأ ونبأ جناس ناقص لاختلافهما في حرف وهو السين والباء لاحقا لتباعد مخرجي السين والباء مكررا ومرددا ومزدوجا لاتصال اللفظين {إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ} والهاء لسبأ مراد به القبيلة أو لأهله مرادا به الموضع او البلدة وتلك المرأة واسمها بلقيس بنت أسرح ويلقب بالهدهاد وكان ملكا عظيما ولده أربعون ملكا هو آخرهم وملك أرض اليمن وقيل اسمها بلهمة بنت شراحيل بن ذي خدن بن أسرح بن الحارث بن قيس بن صيفي بن سبار بن يشجب بن يعقوب بن قحطان فعلى هذا (أسرح) جدها وقيل بنت مراحيل بن مالك بن الريان وكان أبوها يقول لملوك الأطراف ليس أحدكم كفواً لي فأبى أن يتزوج امرأة من الانس فتزوج جنيه اسمها ريحانة بنت السكن وكان الانس ترى الجن وتخالطهم فولدت له بلقيس لا غير ولا ولد له غيرهما وعنه صلى الله عليه وسلم من طريق أبي هريرة "حديث : أحد أبوي بلقيس جني "تفسير : وقال بعض العمانيين: ان ذلك لم يصح. وقيل سبب اتصاله بالجن حتى خطب منهم: انه كثير الصيد ربما اصطاد الجن على صورة الظباء فيخلي عنهم واصطاد يوما ظبيا فاذا هو ملك الجن فأطلقه وشكره على ذلك فكان صديقا له فزوجه ابنته بعدما خطبها وقيل خرج متصيدا فرأى حيتين يقتتلان بيضاء وسوداء وقد ظهرت السوداء على البيضاء وقتل السوداء وجمل البيضاء وصب عليه الماء فأفاقت وأطلقها ولما رجع الى داره جلس وحده منفردا فاذا معه شاب جميل فخاف منه فقال له لا تخف أنا الحية البيضاء التي أحييتها والأسود الذي قتلته عبد لنا تمرد علينا وقتل عدة منا وعرض عليه المال فقال المال لا حاجة لي به ولكن إن كانت لك بنت فزوجنيها فزوجه ابنته وولدت له بلقيس ولما مات ولم يخلف ولدا غير بلقيس طمعت بلقيس في الملك فبايعها قوم من قومها وعصاها آخرون وملكوا على أنفسهم رجلا كان ابن اخي ابيها وكان خبيثا سيء السيرة حتى انه يمد يده الى حريم رعيته ويفجر بهن ولم يقدر أصحابه على خلعه فأدركت بلقيس الغيرة فأرسلت اليه تعرض نفسها عليه فأجابها وقال: والله ما منعني ان ابتدأ بك بالخطبة إلا الاياس منك. فقالت: والله لا ارغب عنك لانك كفو كريم فأجمع رجالا من قومي واخطبني اليهم فجمعهم وخطبها فقالوا: ما نراها تفعل هذا. فقال لهم: ابتدأتني وأنا احب ان تسمعوا قولها وتشهدوا عليها فلما جاؤوها وذكروا ذلك لها قالت لهم: نعم أجبت الولد ولم أزل أرغب عن هذا فالساعة قد رضيت به فزوجوها منه ولما زفت اليه خرجت في ناس كثير غطوا منازلهم ودورهم ولما جاءته سقته الخمر حتى سكر ثم حزت رأسه وانصرفت من الليل الى منزلها فلما اصبح الناس والملك قتيل ورأسه منصوب على باب داره علموا ان تلك المناكحة كانت مكرا وخديعة منها فاجتمعوا اليها وقالوا لها: انت أحق بهذا الملك من غيرك فقالت لولا العار والشان ما قتلته ولكن عم فساد فأخذتني الحمية حتى فعلت به ما فعلت فملكوها على انفسهم وقيل حزت رأسه وذهبت به الى منزلها ليلا فلما أصبحت أرسلت الى وزرائه فقرعتهم وقالت: أما كان فيكم من يأنف كريمته او كرائم عشيرته؟ ثم أرتهم إياه قتيلا، وقالت: اختاروا رجلا تملّكونه عليكم فقالوا: لا نرضى غيرك فملّكوها. وعن اسماعيل بن مسلم عن الحسن بن ابي بكرة لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ان اهل فارس قد ملكوا على أنفسهم بنت كسرى قال: "حديث : لن يفلح قوم ملّكوا عليهم امرأة ". تفسير : {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} يحتاج اليه الملوك من آلة وعدة لائقة بمثلها. {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} سرير ضخم عال من الذهب مكلل بالدرر والياقوت الأحمر الزبرجد الأخضر وقوائمه من الياقوت والزمرد وعليه سبعة أبيات على كل بيت باب مقفل قال ابن عباس عرشها ثلاثون ذراعا في كل جهة من الجهات الأربع وطوله من في السماء ثلاثون ذراعا وقيل ثمانون في السماء وطوله في غير السماء ثمانون في ثمانين وقيل طوله ثمانون وعرضه اربعون وارتفاعه ثلاثون ذراعا وقيل مقدمه من ذهب مفصص بالياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر ومؤخره من فضة مكلل بأنواع الجواهر وله أربع قوائم قائمة من ياقوت أحمر وقائمة من ياقوت أخضر وقائمة من ياقوت أصفر وقائمة من زمرد أصفر وصفائح السرير من ذهب وانما استعظم الهدهد عرشها مع ما كان يرى من ملك سليمان بالنسبه اليها أو لأن مثله لم يكن لسليمان مع ان ملكه أعظم. قال الشعبي: يروى أن بلقيس لما ملكت أمرت ان يجلب اليها خمس مائة اسطوانة طول كل اسطوانة خمسون ذراعا وأمرت بها فنصبت على تل قريب من مدينة صنعاء وجعل بين كل اسطوانتين عشرة اذرع ثم جعلت فيها سقفا مبسوطا بأنواع الرخام وألحم بعضها الى بعض بالرصاص حتى صارت كلها لوحا واحدا ثم بني فوق ذلك قصر مرتفع من ذهب وفضة مرّصع بأنواع الجواهر الرفيعة وجعلت فيه شراريف مطلية بماء الذهب الاحمر مفصصة بأنواع الجواهر الرفيعة وكانت الشمس اذا طلعت على ذلك القصر التهب الذهب والجواهر كالتهاب النيران يغشى العيون وتحير فيه الأبصار وجعلت باب القصر ما يلي باب المدينة بدرج من الرخام الأبيض والاحمر وفي جانبها حجر لحجابها وبوابها وخدمها وحشمها قدر مراتبهم.

الالوسي

تفسير : {لأُعَذّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً } قيل بنتف ريشه وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج. والظاهر أن المراد جميع ريشه، وقال يزيد بن رومان بنتف ريش جناحيه، وقال ابن وهب بنتف نصف ريشه. وزاد بعضهم مع النتف إلقاءه للنمل وآخر تركه في الشمس، وقيل: ذلك بطليه بالقطران وتشميسه وقيل بحبسه في القفص، وقيل بجمعه مع غير جنسه، وقيل بإبعاده من خدمة سليمان عليه السلام، وقيل بالتفريق بينه وبين إلفه، وقيل بإلزامه خدمة أقرانه. وفي «البحر» الأجود أن يجعل كل من الأقوال من باب التمثيل وهذا التعذيب للتأديب ويجوز أن يبيح الله تعالى له ذلك لما رأى فيه من المصلحة والمنفعة كما أباح سبحانه / ذبح البهائم والطيور للأكل وغيره من المنافع وإذا سخر له الطير ولم يتم ما سخر من أجله إلا بالتأديب والسياسة جاز أن يباح له ما يستصلح به. وفي «الاكليل» للجلال السيوطي قد يستدل بالآية على جواز تأديب الحيوانات والبهائم بالضرب عند تقصيرها في المشي أو إسراعها أو نحو ذلك. وعلى جواز نتف ريش الحيوان لمصلحة بناء على أن المراد بالتعذيب المذكور نتف ريشه. وذكر فيه أن ابن العربـي استدل بها على أن العذاب على قدر الذنب لا على قدر الجسد، وعلى أن الطير كانوا مكلفين إذ لا يعاقب على ترك فعل إلا من كلف به اهـ فلا تغفل. {أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ} كالترقي من الشديد إلى الأشد فإن في الذبح تجريع كأس المنية. وقد قيل:شعر : كل شيء دون المنية سهل تفسير : {أوْ لَيأْتيَنِّي بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ } أي بحجة تبين عذرة في غيبته. وما ألطف التعبير بالسلطان دون الحجة هنا لما أن ما أتى به من العذر انجر إلى الإتيان ببلقيس وهي سلطان، ثم إن هذا الشق وإن قرن بحرف القسم ليس مقسماً عليه في الحقيقة وإنما المقسم عليه حقيقة الأولان وأدخل هذا في سلكهما للتقابل. وهذا كما في «الكشف» نوع من التغليب لطيف المسلك، ومآل كلامه عليه السلام ليكونن أحد الأمور على معنى إن كان الإتيان بالسلطان لم يكن تعذيب ولاذبح وإن لم يكن كان أحدهما فأو في الموضعين للترديد. وقيل: هي في الأول للتخيير بين التعذيب والذبح، وفي الثاني للترديد بينهما وبين الإتيان بالسلطان وهو كما ترى. وزعم بعضهم أنها في الأول للتخيير وفي الثاني بمعنى إلا وفيه غفلة عن لام القسم، وجوز أن تكون الأمور الثلاثة مقسماً عليها حقيقة، وصح قسمه عليه السلام على الإتيان المذكور لعلمه بالوحي أنه سيكون أو غلبة ظنه بذلك لأمر قام عنده يفيدها وإلا فالقسم على فعل الغير في المستقبل من دون علم أو غلبة ظن به لا يكاد يسوغ في شريعة من الشرائع. وتعقب بأن قوله: {أية : سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ }تفسير : [النمل: 27] ينافي حصول العلم وما حاكاه له. ودفع المنافاة بأنه يجوز أن يأتي بحجة لا يعلم سليمان عليه السلام ولا يظن صدقها وكذبها غير سديد إذ قوله: {مُّبِينٌ } يأباه. وبالجملة الوجه ما ذكر أولاً فتأمل. وقرأ عيسى بن عمر {ليأتين} بنون مشددة مفتوحة بغير ياء، وكتب في الإمام {لا أذبحنه } بزيادة ألف بين الذال والألف المتصلة باللام ولا يعلم وجهه كأكثر ما جاء فيه مما يخالف الرسم المعروف، وقيل: هو التنبيه على أن الذبح لم يقع. وقال ابن خلدون في «مقدمة تاريخه»: إن الكتابة العربية كانت في غاية الإتقان والجودة في حمير ومنهم تعلمها مضر إلا أنهم لم يكونوا مجيدين لبعدهم عن الحضارة وكان الخط العربـي أول الإسلام غير بالغ إلى الغاية من الإتقان والجودة وإلى التوسط لمكان العرب من البداوة والتوحش وبعدهم عن الصنائع وما وقع في رسم المصحف من الصحابة رضي الله تعالى عنهم من الرسوم المخالفة لما اقتضته أقيسة رسوم الخط وصناعته عند أهلها كزيادة الألف في {لا أذبحنه} من قلة الإجادة لصنعة الخط واقتفاء السلف رسمهم ذلك من باب التبرك. وتوجيه بعض المغفلين تلك المخالفة بما وجهه بها ليس بصحيح. والداعي له إذا ذلك تنزيه الصحابة عن النقص لما زعم أن الخط كمال ولم يتفطن لأن الخط من جملة الصنائع المدنية المعاشية وذلك ليس بكمال في حقهم إذ الكمال في الصنائع إضافي وليس بكمال مطلق إذ لا يعود نقصه على الذات في الدين ونحوه وإنما يعود على أسباب المعاش. وقد كان النبـي عليه الصلاة والسلام أمياً وكان ذلك كمالاً في حقه وبالنسبة إلى مقامه عليه الصلاة والسلام. ومثل الأمية تنزهه عليه الصلاة والسلام عن الصنائع العملية التي هي أسباب المعاش والعمران ولا يعد / ذلك كمالاً في حقنا إذ هو صلى الله عليه وسلم منقطع إلى ربه عز وجل ونحن متعاونون على الحياة الدنيا ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أنتم أعلم بأمور دنياكم»تفسير : انتهى ملخصاً. وأنت تعلم أن كون زيادة الألف في {لا أذبحنه} لقلة اجادتهم رضي الله تعالى عنهم صنعة الكتابة في غاية البعد، وتعليل ذلك بما تقدم من التنبيه على عدم وقوع الذبح كذلك وإلا لزادوها في {لأعذبنه} لأن التعذيب لم يقع أيضاً. وما أشار إليه من أن الإجادة في الخط ليس بكمال في حقهم إن أراد به أن تحسين الخط وإخراجه على صور متناسبة يستحسنها الناظر وتميل إليها النفوس كسائر النقوش المستحسنة ليس بكمال في حقهم ولا يضر بشأنهم فقده فمسلم لكن هذا شيء وما نحن فيه شيء، وإن أراد به أن الإتيان بالخط على وجهه المعروف عند أهله من وصل ما يصلونه وفصل مايفصلونه ورسم ما يرسمونه وترك ما يتركونه ليس بكمال فهذا محل بحث ألا ترى أنه لا يعترض على العالم بقبح الخط وخروجه عن الصور الحسنة والهيآت المستحسنة ويعترض عليه بوصل ما يفصل وفصل ما يوصل ورسم ما لا يرسم وعدم رسم ما يرسم ونحو ذلك إن لم يكن ذلك لنكتة. والظاهر أن الصحابة الذين كتبوا القرآن كانوا متقنين رسم الخط عارفين ما يقتضي أن يكتب وما يقتضي أن لا يكتب، وما يقتضي أن يوصل وما يقتضي أن لا يوصل إلى غير ذلك لكن خالفوا القواعد في بعض المواضع لحكمة؛ ويستأنس لذلك بما أخرجه ابن الأنباري في كتابه «التكملة» عن عبد الله بن فروخ قال: قلت لابن عباس يا معشر قريش أخبروني عن هذا الكتاب العربـي هل كنتم تكتبونه قبل أن يبعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم تجمعون منه ما اجتمع وتفرقون منه ما افترق مثل الألف واللام والنون؟ قال: نعم قلت: وممن أخذتموه؟ قال: من حرب بن أمية قلت: وممن أخذه حرب؟ قال: من عبد الله بن جدعان قلت: وممن أخذه عبد الله بن جدعان؟ قال: من أهل الأنبار قلت: وممن أخذه أهل الأنبار؟ قال: من طار طرأ عليهم من أهل اليمن قلت: وممن أخذ ذلك الطارىء؟ قال: من الخلجان بن القسم كاتب الوحي لهود النبـي عليه السلام وهو الذي يقول:شعر : في كل عام سنة تحدثونها ورأى على غير الطريق يعبر وللموت خير من حياة تسبنا بها جرهم فيمن يسب وحمير تفسير : انتهى، وفي كتاب «محاضرة الأوائل ومسامرة الأواخر» أن أول من اشتهر بالكتابة في الإسلام من الصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبـي بن كعب وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهم، والظاهر أنهم لم يشتهروا في ذلك إلا لإصابتهم فيها. والقول بأن هؤلاء الأجلة وسائر الصحابة لم يعرفوا مخالفة رسم الألف هنا لما يقتضيه قوانين أهل الخط وكذا سائر ما وقع من المخالفة مما لا يقدم عليه من له أدنى أدب وإنصاف. ومثل هذا القول بأنه يحتمل أنه عرف ذلك من عرف منهم إلا أنه ترك تغييره إلى الموافق للقوانين أو وافقه على الغلط للتبرك، ومن الناس من جوز أن يكون ما وقع من الصحابة من الرسم المخالف بسبب قلة مهارة من أخذوا عنه صنعة الخط فيكون هو الذي خالف في مثل ذلك ولم يعلموا أنه خالف فالقصور إن كان ممن أخذوا عنه وأما هم فلا قصور فيهم إذ لم يخلوا بالقواعد التي أخذوها وإخلالهم بقواعد لم تصل إليهم ولم يعلموا بها / لا يعد قصوراً، وهذا قريب مما تقدم إلا أنه ليس فيه ما فيه من البشاعة، ثم أن الإنصاف بعد كل كلام يقتضي الإقرار بقوة دعوى أن المخالفة لضعف صناعة الكتابة إذ ذاك إن صح أنها وقعت أيضاً في غير الإمام من المكاتبات وغيرها ولعله لم يصح وإلا لنقل فتأمل والله تعالى يتولى هداك.

د. أسعد حومد

تفسير : {لأَذْبَحَنَّهُ} {بِسُلْطَانٍ} (21) - فَقَالَ سُلَيمانُ إِنهُ سَيُعَذِّبُ الهُدْهُدَ عَذَاباً شَدِيداً بِنَتْفِ ريشِهِ وَتَرْكِهِ لِيَأْكُلَهُ الذَّرُّ والنَّمْلُ، أَوْ إنَّهُ سَيقْتُلُهُ إذا لمْ يَأْتِ بِعُذْرٍ مُقْنِعٍ مَقْبُولٍ (مبينٍ)، يَبَرِّرُ بِهِ غَيْبَتَهُ. بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ - بِحُجَّةٍ وَمعْذِرَةٍ تُبَرِّرُ غَيْبَتَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ومعاقبة المخالف أمر ضروري؛ لأن أيَّ مخالفة لا تُقابل بالجزاء المناسب لابُدَّ أن تثمر مخالفات أخرى متعددة أعظم منها، فحين نرى موظفاً مُقصِّرًا في عمله لا يحاسبه أحد، فسوف نكون مثله، وتنتشر بيننا الفوضى والتكاسل واللامبالاة، وتحدث الطَّامة حينما يُثاب المقصر ويُرَقى مَنْ لا يستحق. لذلك توعَّد سليمان الهدهد: {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ ..} [النمل: 21]. وقد تكلَّم العلماء في كيفية تعذيب الهدهد، فقالوا: بنتف ريشه الجميل الذي يزهوا به بين الطيور، حتى يصير لحماً ثم يُسلط عليه النمل فيلدغه، أو يجعْله مع غير بني جنسه، فلا يجد لها إلفاً ولا مشابهاً له في حركته ونظامه، أو: أنْ يُكلِّفه بخدمة أقرانه من الهداهد التي لم تخالف، أو: أجمعه مع أضداده، وبعض الطيور إذا اجتمعتْ تنافرتْ وتشاجرتْ، ونتف بعضها ريش بعض؛ لأنهم أضداد؛ لذلك قالوا: أضيق من السجن عِشْرة الأضداد. والشاعر يقول: شعر : وَمِنْ نكَدِ الدُّنْيا عليَ المرْءِ أنْ يرى عَدُواً لَهُ مَا مِنْ صَدَاقَته بُدُّ تفسير : ثم رقَّى الأمر من العذاب الشديد إلى الذبح، وهذه المسألة أثار حولها المتمردون على منهج الله والذين يريدون أنْ يُعدِّلوا على الله أحكامه، أثاروا إشكالاً حول قوله تعالى في حَدِّ الزنا: {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ..}تفسير : [النور: 2] أما الرَّجْم فلم يَرِدْ فيه شيء، فمن أين أتيتم به؟ نقول أتينا به أيضاً من كتاب الله، حيث قال سبحانه في جَلد الأمَة إنْ زنتْ وهي غير محْصنة: {أية : فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ..}تفسير : [النساء: 25] فقالوا: وكيف نُنصِّف حدَّ الرجم؟ وهذا القول منهم دليل على عدم فهمهم لأحكام الله. فالمعنى {أية : فَعَلَيْهِنَّ ..}تفسير : [النساء: 25] أي: على الإماء الجواري {أية : نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ ..}تفسير : [النساء: 25] الحرائر، ولم يسكت إنما خصص التنصيف هنا بالجَلْد، فقال: {أية : مِنَ ٱلْعَذَابِ ..}تفسير : [النساء: 25] فتجلد الأَمَة خمسين جلدة، وهذا التخصيص يدلُّ على أن هناك عقوبة أخرى لا تُنصف هي الرجْم. وينتهي تهديد سليمان للهدهد بقوله {أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [النمل: 21] أي: حجة واضحة تبرر غيابه، فنفهم من الآية أن المرؤوس يجوز له أنْ يتصرف برأيه، ودون أن يأخذ الإذن من رئيسه إنْ رأى مصلحة للجماعة لا تستدعي التأخير. وعلى الرئيس عندها أن يُقدِّر لمرؤوسيه اجتهاده، ويلتمس له عذراً، فلعله عنده حجة أحمده عليها بل وأكافئه؛ لأن وقت فراغه مني كان في مصلحة عامة، كما نقول في العامية (الغايب حجته معاه). إذن: المرؤوس إنْ رأى خيراً يخدم الفكر العام، ووجد أن فرصته ضيقة يسمح له بالتصرف دون إذن، وفي الحرب العالمية الأولى تصرّف أحد القادة الألمان تصرُّفاً يخالف القواعد الحربية، لكنه كان سبباً في النصر؛ لذلك أعطوه وسام النصر ولم ينسُوا أنْ يُعاقبوه على مخالفة القواعد والقانون. ثم يقول الحق سبحانه: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً} معناه أَنتِفُ رِيشَهُ وأُلقِيهِ في الشَّمسِ للنَملِ. تفسير : وقوله تعالى: {أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} معناه بحُجةٍ وبعُذرٍ بَيّنٍ.

الأندلسي

تفسير : {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً} أبهم العذاب الشديد وفي تعيينه أقوال مضطربة فمنها أنه يحشره مع غير جنسه والسلطان المبين الحجة والعذر وفيه دليل على الاغلاظ على العاصين وعقابهم وبدأ أولاً بأخف العقابين وهو التعذيب ثم أتبعه بالأشد وهو إذهاب المهجة بالذبح وأقسم على هذين لأنهما من فعله وأقسم على الإِتيان بالسلطان وليس من فعله لما نظم الثلاثة في الحكم باه كأنه قال ليكونن أحد هذه الثلاثة والمعنى ان أتى بالسلطان لم يكن تعذيب ولا ذبح وإلا كان أحدهما * والظاهر أن الضمير في مكث عائد على الهدهد أي غير زمن بعيد أي عن قريب ووصف مكثه بقصر المدة للدلالة على إسراعه خوفاً من سليمان وليعلم كيف كان الطير مسخراً له ولبيان ما أعطي من المعجزة الدالة على نبوته وعلى قدرة الله تعالى وكان فيما روي قد أعلم بما أقسم به سليمان فبادر إلى جوابه بما يسكن غيظه عليه وهو أن غيبته كانت لأمر عظيم عرض له. {فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} وفي هذا جسارة من لديه علم لم يكن عند غيره وتبجحه بذلك وإبهام حتى تتشوق النفس إلى معرفة ذلك المبهم ما هو ومعنى الإِحاطة هنا أنه علم علماً ليس عند نبي الله سليمان عليه السلام قال الزمخشري: ألهم الله الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام على ما أوتي من فضل النبوة والحكمة والعلوم الجمة والإِحاطة بالمعلومات الكثيرة إبتلاء له في علمه وتنبيهاً على أن في أدنى خلقه وأضعفه من أحاط علماً بما لم يحط به لتتحاقد إليه نفسه ويصغر إليه علمه ويكون لطفاً له في ترك الإِعجاب الذي هو فتنة للعلماء وأعظم بها فتنة والإِحاطة بالشىء علماً أن يعلم من جميع جهاته لا يخفى منه معلوم قالوا وفيه دليل على بطلان قول الرافضة ان الإِمام لا يخفى عليه شىء ولا يكون في زمانه أحد علم منه "انتهى" ولما أبهم في قوله: بما لم تحط به انتقل إلى ما هو أقل منه إبهاماً وهو قوله: {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} إذ فيه إخبار بالمكان الذي جاء منه وأنه له علم بخبر مستيقن له وقرىء فمكث بضم الكاف وفتحها وذكر أن مثل سبأ بنبأ يسمى تجنيس التصريف قال: وهو أن تنفرد كل كلمة من الكلمتين عن الأخرى بحرف ومنه قول ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون ولفظ بناء لا يكون إلا الخبر الذي له شأن ولفظ الخبر مطلق فيطلق على ماله شأن وما ليس له شأن ولما أبهم الهدهد أولاً ثم أبهم ثانياً دون ذلك الإِبهام صرح بما كان أبهمه فقال: {إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ} ومعنى وجدت هنا أصبت والضمير في تملكهم عائد على سبأ إن كان أريد به القبيلة وإن أريد الموضع فهو على حذف مضاف أي وجئتك من أهل سبأ والمرأة بلقيس بنت شراحيل وكان أبوها ملك اليمن كلها وقد ولده أربعون ملكاً ولم يكن له ولد غيره فغلبت على الملك وكانت هي وقومها مجوساً يعبدون الشمس. {مِن كُلِّ شَيْءٍ} هذا على سبيل المبالغة والمعنى من كل شىء احتاجت إليه أو من كل شىء في أرضها. {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} قيل كرسيها وكان مرصعاً بالجواهر وما أحسن ائتلافات هذه الأخبار بعد تهدد الهدهد وعلمه بذلك أخبر أولاً باطلاعه على ما لم يطلع عليه سليمان تحصناً من العقوبة برتبة العلم الذي حصلت له فتشوق السامع إلى ذلك ثم أخبر ثانياً بمتعلق ذلك العلم وهو أنه من سبأ وأنه أمر متقين لا يشك فيه فزاد تشوق السامع إلى سماع ذلك النبأ ثم أخبر ثالثاً عن الملك الذي أوتيته امرأة وكان سليمان قد سأل الله تعالى أن يؤتيه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده ثم أخبر رابعاً ما ظاهره الاشتراك وبين هذه المرأة التي ليس من شأنها ولا من شأن النساء أن تملك فحول الرجال وهو قول وأوتيت من كل شىء وقوله ولها عرش عظيم وكان سليمان له بساط قد صنع له وكان عظيماً ولم يتأثر سليمان للإِخبار بهذا كله إذ هو أمر دنياوي أخبره خامساً بما يهزه لطلب هذه الملكة ودعائها إلى الإِيمان بالله تعالى وإفراده بالعبادة فقال: {وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} وقرىء إلا بالتخفيف وهو حرف استفتاح وياء للتنبيه واسجدوا فعل أمر وقرىء ألا بالتشديد وهي أدغمت نونها في لا التي للنفي ويسجدوا فعل مضارع منصوب بأن والمعنى فهم لا يهتدون لنفي سجودهم لله تعالى أي الحامل لهم على انتفاء الهداية إنتفاء سجودهم لله تعالى لأن الذنب يجر الذنب فلما انتفى عنهم السجود انتفت الهداية وفي البحر إعراب يوقف عليه فيه * والخبء مصدر أطلق على المخبوء وهو المطر والنبات وغيرهما مما خبأه الله تعالى من غيوبه * والظاهر أن في السماوات متعلق بالخبء أي المخبوء في السماوات * والظاهر أن قوله ألا يسجدوا إلى العظيم من كلام الهدهد ولما فرغ الهدهد من كلامه وأبدى عذره في غيبته أخر سليمان أمره إلى أن يتبين له صدقه فقال: {سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ} والنظر هنا التأمل والتصفيح وأصدقت جملة معلق عنها سننظر وهي في موضع نصب على إسقاط حرف الجر لأن نظر بمعنى التأمل والتفكر إنما يتعدى بحرف الجر الذي هو في وعادل بين الجملتين بأم ولم يكن التركيب أم كذبت لأنه كان ثم كذابون وفي الكلام حذفت تقديره فأمر بكتابة كتاب إليهم وبذهاب الهدهد رسولاً إليهم بالكتاب فقال إذهب بكتابي هذا أي الحاضر المكتوب الآن فألقه إليهم ثم تول عنهم أي تنح عنهم إلى مكان قريب بحيث تسمع ما يصدر منهم وما يرجع به بعضهم إلى بعض من القول وفي قوله إذهب بكتابي هذا فألقه إليهم دليل على إرسال الكتب للمشركين من الإِمام يبلغهم الدعوة ويدعوهم إلى الإِسلام وقد كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر وغيرهما من ملوك العرب وقال وهب أمره بالتولي حسن أدب ليتنحى حسبما يتأدب به مع الملوك بمعنى وكن قريباً بحيث تسمع مراجعتهم * ومعنى فانظر ماذا يرجعون أي تأمل واستحضره في ذهنك وقيل معناه فانتظر وماذا إن كان معنى فانظر معنى التأمل بالفكر كان أنظر معلقاً * وما داما كلمة استفهام في موضع نصب وإما أن تكون ما استفهاماً وذا موصول بمعنى الذي فعلى الأول يكون يرجعون خبراًعن ماذا وعلى الثاني يكون ذا هو الخبر * ويرجعون صلة ذا وإذا كان معنى فانظر فانتظر فليس فعل قلب فيعلق بل يكون ماذا كله موصولاً بمعنى الذي أي فانتظر الذي يرجعون والمعنى فانظر ماذا يرجعون حتى ترد إلى ما يرجعون من القول وفي الكلام حذف تقديره فذهب وألقى الكتاب وتفكر فيما يرجع به إليه. {قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} الآية فقيل ان الهدهد ألقى الكتاب من كوة كانت في القصر وتوارى فيها فأخذت الكتاب ونادت أشراف قومها وكانت قارئة عربية من قوم تبع. {قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ} وكرم الكتاب لطبعه بالخاتم وفي الحديث كرم الكتاب ختمه أو لكونه من سليمان وكانت عالمة بملكه ثم أخبرتهم فقالت: {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ} كأنها قيل لها ممن الكتاب وما هو فقالت إنه من سليمان وإنه كيت وكيت أبهمت أولاً ثم فسرت وفي بنائها ألقي للمفعول دلالة على جهلها بالملقى حيث حذفته أو تحقيراً له حيث كان طائراً إن كانت شاهدته والظاهر أن بداءة الكتابة من سليمان بسم الله الرحمن الرحيم إلى آخر ما قص الله منه خاصة وأن من: {أَلاَّ تَعْلُواْ} مفسرة ولا تعلو فهي لمشاكلة عطف الأمر عليه ولما قرأت على الملأ الكتاب ورأت ما فيه من الأمر بالانتقال إلى سليمان استشارتهم في أمرها وكانت بأرض مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام والمراد هنا أشيروا علي بما عندكم فيما حدث لها من الرأي السديد والتدبير وقصدت بإِشارتهم واستطلاع آرائهم واستعطافهم وتطييب نفوسهم ليمالؤها ويقوموا معها. {مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً} أي مبرمة وفاصلة أمراً. {حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ} أي تحضروا عندي فلا أستبد بأمر بل تكونون حاضرين معي وما كنت قاطعة أمراً عام في كل أمر أي إذ كانت عادتي هذه معكم فكيف لا أستشيركم في هذه الحادثة الكبرى التي هي الخروج من الملك والانسلاك في طاعة غيري والصيرورة تبعاً فراجعها الملأ بما أقر عينها من قولهم نحن أولو قوة أي قوة بالعدة والعدد. و{وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ} أي أصحاب شجاعة وخبرة ثم قالوا. {وَٱلأَمْرُ إِلَيْكِ فَٱنظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} وذلك من حسن محاورتهم إذ وكلوا الأمر إليها وفيه دليل على الطاعة المفرطة أي نحن ذكرنا ما نحن عليه ومع ذلك فالأمر موكول إليك كأنهم أشاروا أولاً بالحرب أو أرادوا نحن أبناء الحرب لا أبناء الاستشارة وأنت ذات الرأي والتدبير الحسن فانظري ماذا تأمرين به نرجع إليك ونتبع رأيك وفانظري من التأمل والتفكر وماذا هو المفعول الثاني لتأمرين والمفعول الأول محذوف لفهم المعنى أي تأمريننا به والجملة معلق عنها أنظري فهي في موضع مفعول لأنظري بعد إسقاط الحرف من إسم الإِستفهام ولما وصل إليها كتاب سليمان لا على يد رجل بل على طائر استعظمت ملك سليمان وعلمت أن من سخر له الطير حتى يرسله بأمر خاص إلى شخص خاص مغلق عليه الأبواب غير ممتنع عليه تدويخ الأرض وملوكها فأخبرت بحال الملوك ومالت إلى المهاداة والصلح فقالت: {إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً} أي تغلبوا عليها. {أَفْسَدُوهَا} أي خربوها بالهدم والحرق والقطع وأذلوا أعزة أهلها بالقتل والنهب والأسر وقولها فيه تزييف لآرائهم في الحرب وخوف عليهم وحياطة لهم واستعظام لملك سليمان عليه السلام وجاء لفظ الهدية مبهماً وقد ذكروا في تعيينها أقوالاً مضطربة وذكروا من حليها في الهدية ومن حال سليمان حين وصلت إليه الهدية وكلامه مع رسلها ما الله أعلم بصحته.

همام الصنعاني

تفسير : 2152- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً}: [الآية: 21]، قال: نتف ريشه. 2153- حدّثنا عبد الرزاق، عن ابن عُيَيْنة، عن حصين، عن عبد الله بن شداد في قوله تعالى: {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً}: [الآية: 21]، قال: نَتْفُهُ وتشميسه. 2154- حدّثنا عبد الرزاق، عن ابن عُيَيْنَة، عن عمْرو بن دينار، قال، قال ابن عباس: نَتْفُهُ. 2155- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ}: [الآية: 21]، قال: بِعُذْرٍ مُبينٍ.