٢٧ - ٱلنَّمْل
27 - An-Naml (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
22
Tafseer
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {فَمَكَثَ} الهدهد {غَيْرَ بَعِيدٍ} أي: غاب زماناً يسيراً، ثم جاء فقال لسليمان: {فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} أي: اطلعت على ما لم تطلع عليه أنت ولا جنودك، {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} أي: بخبر صدق حق يقين، وسبأ هم حِمْيَر، وهم ملوك اليمن، ثم قال: {إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ} قال الحسن البصري: وهي بلقيس بنت شراحيل ملكة سبأ، وقال قتادة: كانت أمها جنية، وكان مؤخر قدميها مثل حافر الدابة، من بيت مملكة، وقال زهير بن محمد: هي بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن الريان، وأمها فارعة الجنية، وقال ابن جريج: بلقيس بنت ذي شرخ، وأمها بلتعة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا مسدد، حدثنا سفيان بن عيينة عن عطاء بن السائب عن مجاهد عن ابن عباس قال: كان مع صاحبة سليمان ألف قيل، تحت كل قيل مائة ألف مقاتل، وقال الأعمش عن مجاهد: كان تحت يدي ملكة سبأ اثنا عشر ألف قيل، تحت كل قيل مائة ألف مقاتل. وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ} كانت من بيت مملكة، وكان أولو مشورتها ثلثمائة واثني عشر رجلاً، كل رجل منهم على عشرة آلاف رجل، وكانت بأرض يقال لها: مأرب، على ثلاثة أميال من صنعاء، وهذا القول هو أقرب، على أنه كثير على مملكة اليمن، والله أعلم. وقوله: {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} أي: من متاع الدنيا؛ مما يحتاج إليه الملك المتمكن {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} يعني: سرير تجلس عليه، عظيم هائل مزخرف بالذهب وأنواع الجواهر واللآلىء. قال زهير بن محمد: كان من ذهب، وصفحاته مرمولة بالياقوت والزبرجد، طوله ثمانون ذراعاً، وعرضه أربعون ذراعاً، وقال محمد بن إسحاق: كان من ذهب مفصص بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ، وكان إنما يخدمها النساء، ولها ستمائة امرأة تلي الخدمة، قال علماء التاريخ: وكان هذا السرير في قصر عظيم مشيد رفيع البناء محكم، وكان فيه ثلثمائة وستون طاقة من مشرقه، ومثلها من مغربه، قد وضع بناؤه على أن تدخل الشمس كل يوم من طاقة، وتغرب من مقابلتها، فيسجدون لها صباحاً ومساء، ولهذا قال: {وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَصَدَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} أي: عن طريق الحق، {فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ}. وقوله: {أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ} معناه {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ} أي: لا يعرفون سبيل الحق التي هي إخلاص السجود لله وحده دون ما خلق من الكواكب وغيرها؛ كما قال تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}تفسير : [فصلت: 37] وقرأ بعض القراء {ألا يا اسجدوا لله} جعلها ألا الاستفتاحية، ويا للنداء، وحذف المنادى تقديره عنده: ألا يا قوم اسجدوا لله. وقوله: {ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعلم كل خبيئة في السماء والأرض، وكذا قال عكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغير واحد، وقال سعيد بن المسيب: الخبء: الماء، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: خبء السموات والأرض ما جعل فيهما من الأرزاق؛ المطر من السماء، والنبات من الأرض. وهذا مناسب من كلام الهدهد الذي جعل الله فيه من الخاصية ما ذكره ابن عباس وغيره من أنه يرى الماء يجري في تخوم الأرض وداخلها. وقوله: {وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} أي: يعلم ما يخفيه العباد وما يعلنونه من الأقوال والأفعال، وهذا كقوله تعالى: {أية : سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِٱلَّيْلِ وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ} تفسير : [الرعد: 10] وقوله: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ} أي: هو المدعو الله، وهو الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم، الذي ليس في المخلوقات أعظم منه. ولما كان الهدهد داعياً إلى الخير، وعبادة الله وحده والسجود له، نهي عن قتله؛ كما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرد، وإسناده صحيح.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَمَكَثَ } بضم الكاف وفتحها {غَيْرَ بَعِيدٍ } أي يسيراً من الزمن، وحضر لسليمان متواضعاً برفع رأسه وإرخاء ذنبه وجناحيه فعفا عنه وسأله عما لقي في غيبته {فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ } أي: اطّلعت على ما لم تطلع عليه {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ } بالصرف وتركه قبيلة باليمن سميت باسم جدّ لهم باعتباره صُرِفَ {بِنَبَإٍ } خبرٍ {يَقِينٍ }.
الماوردي
تفسير : قوله: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ} أي أقام غير طويل ويحتمل وجهين: أحدهما: مكث سليمان غير بعيد حتى أتاه الهدهد. الثاني: فمكث الهدهد غير بعيد حتى أتى سليمان. {فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بلغت ما لم تبلغه، قاله قتادة. الثاني: علمت ما لم تعلمه، قاله سفيان. الثالث: اطلعت على ما لم تطلع عليه، قاله ابن عباس، والإحاطة العلم بالشيء من جميع جهاته، وفي الكلام حذف تقديره. ثم جاء الهدهد فسأله سليمان عن غيبته. {وَجِئْتُكَ مِنَ سَبَإٍ بِنَبإٍ يقين} أي بخبر صحيح صدق، وفي {سبأ} قولان: أحدهما: أنها مدينة بأرض اليمن يقال لها مأرب بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال، قاله قتادة، قال السدي: بعث الله إلى سبأ اثني عشر نبياً، وقال الشاعر: شعر : من سبأ الحاضرين مأرب إذ يبنون من دون سيله العرما تفسير : الثاني: أن سبأ حي من أحياء اليمن واختلف قائلو هذا في نسبتهم إلى هذا، فذهب قوم إلى أنه اسم امرأة كانت أمهم، وروى علقمة عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبأ فقال: "حديث : هُوَ وَلَدُ رَجُلٍ لَهُ عَشْرَةُ أَوْلاَدٍ فَبِاليَمَنِ مِنهُم سِتةٌ وبالشَّامِ مِنهُم أَربَعَةٌ، فَأَمَّا اليَمَانِيونَ فَمَذحَجُ وجُهَينَةُ وَكِندَةُ وأنمارُ وَالأُزْدُ وَالأَشعَرِيونَ وأَمَّا الشامِيون فَلَخْمُ وَجذامُ وعَامِلَةُ وَغَسَّانُ " تفسير : وقيل هو سبأ بن يعرب بن قحطان. قال المفضل وسُمِّيَ سبأ لأنه أول من سبا. قوله تعالى: {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُم} قال الحسن: هي بلقيس بنت شراحيل ملكة سبأ، وقال زهير بن محمد: هي بلقيس بنت شرحبيل بن مالك بن الديان وأمها فارعة الجنية، وقيل ولدها أربعون ملكاً آخرهم شرحبيل. قال قتادة كان أولو مشورتها ثلاثمائة واثني عشر رجلاً كل رجل منهم على عشرة آلاف رجل. {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيءٍ} فيه قولان: أحدهما: من كل شيء في أرضها، قاله السدي. الثاني: من أنواع الدنيا كلها، قاله سفيان. {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه السرير، قاله قتادة. الثاني: أنه الكرسي، قاله سفيان. الثالث: المجلس، قاله ابن زيد. الرابع: الملك، قاله ابن بحر. وفي قوله: {عَظِيمٌ} ثلاثة أوجه: أحدها: ضخم. الثاني: حسن الصنعة، قاله زهير. الثالث: لأنه كان من ذهب وقوائمه لؤلؤ وكان مستراً بالديباج والحرير عليه سبعة تعاليق، قاله قتادة. قال ابن إسحاق: وكان يخدمها النساء فكان معها لخدمتها ستمائة امرأة. قوله: {أَلاَّ يَسْجدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبءَ فِي السَّمواتِ وَالأَرْضِ} فيه تأويلان: أحدهما: يعني غيب السموات والأرض، قاله عكرمة، ومجاهد، وقتادة، وابن جبير. الثاني: أن خبء السموات المطر وخبء الأرض النبات، قاله ابن زيد، والخبء بمعنى المخبوء وقع المصدر موقع الصفة. وفي معنى الخبء في اللغة وجهان: أحدهما: أنه ما غاب. الثاني: أنه ما استتر. وقرأ الكسائي {أَلاَ يَسْجُدُواْ} بالتخفيف وقرأ الباقون بالتشديد {أَلاَّ يَسْجُدُواْ} قال الفراء: من قرأ بالتخفيف فهو موضع سجدة، ومن قرأ بالتشديد فليس بموضع سجدة. وفي قائل هذا قولان: أحدهما: أنه قول الله تعالى أمر فيه بالسجود له، وهو أمر منه لجميع خلقه وتقدير الكلام: ألا يا ناس اسجدواْ لله. الثاني: أنه قول الهدهد حكاه الله عنه. ويحتمل قوله هذا وجهين: أحدهما: أن يكون قاله لقوم بلقيس حين وجدهم يسجدون لغير الله. الثاني: أن يكون قاله لسليمان عند عوده إليه واستكباراً لما وجدهم عليه. وفي قول الهدهد لذلك وجهان: أحدهما: أنه وإن يكن ممن قد علم وجوب التكليف بالفعل فهو ممن قد تصور بما ألهم من الطاعة لسليمان أنه نبي مطاع لا يخالف في قول ولا عمل. الثاني: أنه كالصبي منا إذا راهق فرآنا على عبادة الله تصوّر أن ما خالفها باطل فكذا الهدهد في تصوره أن ما خالف فعل سليمان باطل.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَحَطتُ} بلغت، أو علمت، أو اطلعت "ع"، والإحاطة: العلم بالشيء من جميع جهاته. {سَبَإٍ} مدينة بالمين يقال لها مأرب بينها وبين صنعاء ثلاث ليالي، أو حَيُّ من اليمن سموا بأسم أمهم، أو "حديث : سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن سبأ فقال: "هو رجل وُلِدَ له عشرة أولاد باليمن منه ستة وبالشام أربعة فأما اليمانيون؛ فمذحج وحمير وكندة وأنمار والأزد والأشعريون. وأما الشاميون فلخم وجذام وعاملة وغسان" " تفسير : وقيل هو سبأ بن يعرب بن قحطان سمي سبأ لأنه أو من سبى.
النسفي
تفسير : { غير بعيدٍ} أي مكثاً غير طويل أو غير زمان بعيد كقوله «عن قريب» ووصف مكثه بقصر المدة للدلالة على إسراعه خوفاً من سليمان. فلما رجع سأله عما لقي في غيبته {فقال أحطت} علماً شيئاً من جميع جهاته {بما لم تحط به} ألهم الله الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام مع ما أوتي من فضل النبوة والعلوم الجمة ابتلاء له في علمه، وفيه دليل بطلان قول الرافضة أن الإمام لا يخفى عليه شيء ولا يكون في زمانه أحد أعلم منه {وجئتك من سبإٍ} غير منصرف. أبو عمرو جعله اسماً للقبيلة أو المدينة وغيره بالتنوين جعله اسماً للحي أو الأب الأكبر {بنبإٍ يقينٍ} النبأ الخبر الذي له شأن، وقوله من {سبأ بنبإٍ} من محاسن الكلام ويسمى البديع وقد حسن وبدع لفظاً ومعنى هاهنا ألا ترى أنه لو وضع مكان {بنبإ} بخبر لكان المعنى صحيحاً وهو كما جاء أصح لما في النبإ من الزيادة التي يطابقها وصف الحال. {إنّي وجدتّ امرأةً} هي بلقيس بنت شراحيل وكان أبوها ملك أرض اليمن ولم يكن له ولد غيرها فغلبت على الملك وكانت هي وقومها مجوساً يعبدون الشمس. والضمير في {تملكهم} راجع إلى سبأ على تأويل القوم أو أهل المدينة {وأوتيت} حال، و«قد» مقدرة {من كلّ شيءٍ} من أسباب الدنيا ما يليق بحالها {ولها عرشٌ} سرير عظيم {عظيمٌ} كبير. قيل: كان ثمانين ذراعاً في ثمانين ذراعاً وطوله في الهواء ثمانون ذراعاً، وكان من ذهب وفضة وكان مرصعاً بأنواع الجواهر وقوائمه من يا قوت أحمر وأخضر ودر وزمرد، وعليه سبعة أبواب على كل بيت باب مغلق. واستصغر حالها إلى حال سليمان فاستعظم عرضها لذلك، وقد أخفى الله تعالى على سليمان ذلك لمصلحة رآها كما أخفى مكان يوسف على يعقوب عليهما السلام
ابو السعود
تفسير : وقولُه تعالى: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ} أي زماناً غيرَ مديدٍ. وقُرىء بضمِّ الكافِ. وذُكر أنَّه وقعتْ نفحةٌ من الشمس على رأسِ سليمانَ عليه السَّلام فنظر فإذا موضعُ الهدهدِ خالٍ فدعا عرِّيفَ الطيرِ وهو النَّسر فسألَه عنه فلم يجدْ عنده علمَه ثم قال لسيدِ الطيرِ وهو العُقابُ عليَّ به فارتفعتْ فنظرتْ فإذا هو مقبلٌ فقصدتْهُ فناشدها الله وقال بحقِّ الله الذي قوَّاكِ وأقدركِ عليَّ إلاَّ رحِمتنِي فتركتْهُ. وقالتْ: ثكلتكَ أمُّك. إنَّ نبـيَّ الله قد حلفَ ليعذبنَّك. قال: وما استثنَى. قالتْ: بَلَى، قَالَ: أو ليأتينِّي بعذرٍ مبـينٍ، فلمَّا قرُب من سليمانَ عليه السَّلامِ أَرْخى ذنبَه وجناحيِه يجرُّها على الأرضِ تواضعاً له فلما دنا منه أخذ عليه السَّلام برأسه فمدَّه إليه، فقال: يا نبـيَّ الله اذكرُ وقوفكَ بـين يَدَي الله تعالى، فارتعدَ سليمانُ عليه السَّلام وعفا عنه ثم سألَه {فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} أي علماً ومعرفةً وحفظتُه من جميعِ جهاتِه. وقُرىء أحطتُ بادغامِ الطَّاءِ في التَّاءِ بإطباقٍ وبغيرِ إطباقٍ. ولاخفاءَ في أنَّه لم يُرد بما ادَّعى الإحاطةَ به ما هو من حقائق العلومِ ودقائقِ المعارفِ التي تكونُ معرفتُها والإحاطةُ بها من وظائف أربابِ العلمِ والحكمةِ لتوقفها على علمٍ رصينٍ وفضلٍ مبـينٍ حتَّى يكونَ إثباتُها لنفسه بـين يدي نبـيِّ الله سليمانَ عليه السَّلام تعدِّياً عن طورهِ وتجاوزاً عن دائرة قدرهِ، ونفيُها عنه عليه الصَّلاة والسَّلام جنايةً على جنايةٍ، فيُحتاجَ إلى الاعتذار عنه بأنَّ ذلك كان منه بطريق الإلهامِ فكافَحه عليه الصَّلاة والسَّلام بذلك مع ما أُوتي عليه الصَّلاة والسَّلام من فضل النُّبوة والحكمةِ والعلومِ الجمَّة والإحاطةِ بالمعلوماتِ الكثيرةِ ابتلاءً له عليه الصَّلاة والسَّلام في علمِه، وتنبـيهاً على أنَّ في أدنى خلقِه تعالى وأضعفِهم من أحاطَ علماً بما لم يُحط به لتتحاقر إليه نفسُه ويتصاغر إليه علمُه ويكون لطفاً له في تركِ الاعجاب الذي هو فتنةُ العلماء بل أرادَ به ما هو من الأمورِ المحسوسةِ التي لا تُعد الإحاطةُ بها فضليةً ولا الغفلةُ عنها نقيصةً لعدم توقف إدراكِها إلا على مجردِ إحساسٍ يستوى فيه العقلاءُ وغيرُهم. وقد علم أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لم يشاهدْهُ ولم يسمعْ خبره من غيرِه قطعاً فعبَّر عنه بما ذُكر لترويج كلامِه عنده عليه الصَّلاة والسَّلام وترغيبهِ في الإصغاء إلى اعتذاره واستمالةِ قلبهِ نحو قبولِه فإنَّ النفسَ للإعتذارِ المُنبىءِ عن أمرٍ بديعٍ أقبلُ وإلى تلقِّي ما لا تعلمُه أميلُ ثم أيَّده بقولِه. {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} حيثُ فسَّر إبهامَه نوعَ تفسيرٍ وأراه عليه الصَّلاة والسَّلام أنَّه كان بصدد إقامةِ خدمةٍ مهمةٍ له حيثُ عبَّر عمَّا جاء به بالنبأِ الذي هو الخبرُ الخطيرُ والشَّأنُ الكبـيرُ ووصفَهُ بما وصفَهُ وإلاَّ فماذا صدَر عنهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مع ما حُكي عنه ما حُكي من الحمد والشُّكرِ واستدعاءِ الإيزاعِ حتَّى يليقَ بالحكمة الإلهيةِ تنبـيهُه عليه الصَّلاة والسَّلام على تركِه. وسبأٌ منصرفٌ على أنَّه اسمٌ لحيَ سُمُّوا باسم أبـيهم الأكبرِ وهو سبأُ بنُ يشجبَ بنِ يعرُبَ بنِ قَحطانَ. قالُوا اسمُه عبدُ شمسٍ لُقِّب به لكونه أوَّلَ مَنْ سَبَى. وقُرىء بفتحِ الهمزةِ غيرَ مُنصرفٍ على أنَّه اسمٌ للقبـيلةِ ثمَّ سُميت مدينةُ مأربَ بسبأٍ وبـينها وبـينَ صنعاءَ مسيرةُ ثلاثٍ. وعلى هذه القراءةِ يجوزُ أنْ يرادَ به القبـيلةُ والمدينةُ، وأمَّا على القراءةِ الأُولى فالمرادُ هو الحيُّ لا غيرُ. وعدمُ وقوفِ سليمانَ عليه السَّلامُ على نبئِهم قبلَ إنباءِ الهُدهدِ ليس بأمرٍ بديعٍ لا بدَّ له من حكمةٍ داعيةٍ إليه ألبتةَ وإنِ استحال خلوُّ إفعالِه تعالى من الحكمِ والمصالحِ لما أنَّ المسافةَ بـين محطِّه عليه الصَّلاة والسَّلام وبـين مأربَ وإن كانتْ قصيرةً لكن مدةُ ما بـين نزولِه عليه الصَّلاة والسَّلام هناك وبـين مجيءِ الهدهدِ بالخبرِ أيضاً قصيرةٌ. نعم اختصاصُ الهدهدِ بذلك مع كون الجنِّ أقوى منه مبنيٌّ على حِكَمٍ بالغةٍ يستأثرُ بها علاَّمُ الغُيوبِ.
القشيري
تفسير : فلم يلبث الهدهدُ أن جاء، وعََلِمَ أن سليمانَ قد تَهدَّدَه، فقال: أَحَطْتُ علماً بما هو عليك خافٍ، {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ}. ثم ذكر حديث بلقيس، وأنها ملكتهم، وأن لها من المالِ والمُلْكِ والسرير العظيم ما عَدَّه، فلم يتغير سليمانُ - عليه السلام - لذلك، ولم يستفزّه الطمع فيما سَمِعَ عن هذا كما يحدث من عادة الملوك في الطمع في مُلِكِ غيرهم، فلما قال: {وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ...}.
البقلي
تفسير : {فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} فلما قال احطت بما لم تحط به عجب سليمان ثم اسرع فى قوله {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} فلما سمع سليمان قوله وجرأته عنده علم انه تكلم من راس العشق ويجب قوله عجائب فلما الخبر تمام الحكاية سكن سليمان عنه واشتغل باتيان بلقيس وجعله رسولا بينه وبين بلقيس وما اطيب سوال العاشق العشق اذ كان عاشقا انظر الى ظارفة هدهد وطلافه كلامه عند سليمان كيف ذكر {إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً} مرتين ساير ما راى من الملك والبلاء والعساكر ثم ذكر محاسنها بالطلف الاشارة بقول {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} وما ذكر وصف جمالها بالتصريح لانه علم ان ذلك من سوء الادب ولا تعجب ذلك فان الانبياء والاولياء اذا استانسوا بعالم المبكوت لم يصيروا من رؤية المستحسنات الا ترى كيف كان سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه يحب الوجه الحسن ومن فطر حب الله قال حبيب الىّ من دنياكم ثلث الطيب والنساء وتحاش انهم يلتفتون الى شئ لا يكون وسيلة الى الله واحسن وسيلة الى الله عند العارف القفلى الوجه الحسن والصوت الحسن الطيب ورؤية كل مستحسن فى العالم من الارواح والاشباح والجواهر واعراض لان حسنها صدر من معدن حسن الازل ولذلك قال عليه السّلام برؤية الحسن ان حسن الحسن الوجه الحسن والصوت الحسن والخلق الحسن وقال ذو النور من استانس بالله استانس بكل شئ مليح ووجه صبيح وبكل صوت طيب وبكل رائحة طيبة قال الجنيد فى قوله لا عذبنه ولا فرقن بينه وبين الفه وقال جعفر لابنتيه بشتان السر وقال جعفر الخلدى لالزمنه صحبة الاضداد فان ذلك من اشد العذاب قال بعضهم لا بعدنّه من مجالس الذاكرين جئنا الى قصة العشق فى اشارة قوله سبحانه حاكيا عن قول الهدهد.
الجنابذي
تفسير : {فَمَكَثَ} سليمان او الهدهد فى غيبته زماناً {غَيْرَ بَعِيدٍ} او مكاناً غير بعيد ثمّ رجع الى سليمان {فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} يعنى علمت بما لم تعلم به واطّلعت على ما لم تطّلع عليه {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ} مدينة بارض اليمن، قيل: بعث الله الى سبأ اثنى عشر نبيّاً ونقل حديث : عن النّبىّ (ص) انّه سئل عن سبإٍ فقال: هو رجل ولد له عشرة من العرب تيامن منهم ستّة وتشاءم اربعةتفسير : ، وعلى هذا كانت المدينة سمّى باسم هذا الرّجل {بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} لسعة مملكتها ووجدان كلّ ما يحتاج الانسان اليه فيها والمرأة كانت بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن ريّان كما قيل، وقيل: كان ابوها شرجيل وكان آباؤها الى اربعين اباً ملكاً {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} عظمه بالنّسبة اليها او بالنّسبة الى سائر العروش والاّ كان ثلاثين ذراعاً فى عرض ثلاثين ذراعاً فى ارتفاع ثلاثين، وقيل: كان ثمانين فى ثمانين، وقيل: كان مقدّمه من ذهبٍ مرصّعٍ بالياقوت الاحمر والزّمرّد الاخضر، ومؤخّره من فضة مكلّلة بالوان الجواهر وعليه سبعة ابيات على كلّ بيتٍ باب مغلق.
الأعقم
تفسير : {فمكث غير بعيد} أي لبث قليلاً وجاء الهدهد فقال: ما الذي أبطأك؟ {فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإٍ بنبأ يقين} أحطت يعني علمت شيئاً، وسبأ: اسم رجل باليمن، وقيل: اسم مدينة {إني وجدت امرأة تملكهم} أي تملك أهل سبأ اسمها بلقيس {وأوتيت من كل شيء} أخبار عن سعة ملكها {ولها عرش عظيم}، قيل: أن عرشها كان ثمانين ذراعاً في ثمانين وسمك ثمانين، وقيل: ثلاثين، وكان من ذهب وفضة مكللاً بأنواع الجواهر، وكان قوائمه من ياقوت أحمر وأخضر ودُرّ وزمرد {وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزيَّن لهم الشيطان أعمالهم} يعني عبادتهم الشمس، قوله تعالى: {فصدّهم عن السبيل} أي صدّهم عن سبيل الحق {فهم لا يهتدون} إلى طريق الرشد {ألا يسجدوا}، قيل: المراد سجود الصلاة، وقيل: هذا من كلام الهدهد قاله بحضر سليمان، وقيل: هو اعتراض في الكلام {لله الذي يُخرج الخبء}، قيل: الغيب وهو ما غاب عن الإِدراك، يعني يعلم غيب السماوات والأرض، وقيل: خبء السماء المطر والرياح، وخبء الأرض النبات والأشجار {ويعلم ما تخفون وما تعلنون} يعني يعلم السر والعلانية {الله لا إله إلا هو} أي لا شريك له {رب العرش العظيم}، وقيل: أيضاً هذا من كلام الهدهد {قال سننظر} في أمرك {أصدقت أم كنت من الكاذبين} ثم كتب سليمان كتاباً وختمه بالمسك ثم قال للهدهد: {اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون} وروي أنه حمله بمنقاره وطار حتى وقف على رأس المرأة وألقاه إليها وحولها الملأ، وقيل: دخل من كوة البيت وهي نائمة وألقى الكتاب عند رأسها فنبهت ورأت الكتاب ففزعت وخافت أن يكون وقع في ملكها شيء، وقيل: أتى اليها وهي لثلاثة أيام من صنعاء اليمن وكانت عربية كاتبة {فقالت يا أيها الملأ} وهم يومئذ اثني عشر ألف قائد مع كل قائد مائة ألف {إني ألقي إلي كتاب كريم} وسمي كريماً لأنه كان مختوماً، وقيل: شرف بشرف صاحبه ولأن الطائر أتى به {إنه من سليمان} لأنه كتب من عبد الله سليمان إلى بلقيس ملكة سبأ {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم}، وقيل: إنها كانت بخبر سليمان {ألاّ تعلوا عليّ} أي لا تتكبروا عليَّ {وأتوني مسلمين} مؤمنين بالله ورسوله.
اطفيش
تفسير : {فَمَكث} الهدهد، وقيل: سليمان {غَيْر بَعيدٍ} مكث مكثا غير طويل، أو زمانا غير طويل، خوفا من سليمان لما نزل فى الأرض، حلق الهدهد واسمه يعفور، فرأى هدهدا اسمه يعفير، فنزل اليه وأخبره بملك بلقيس، فذهب معه ليرى، فما رجع إلا بعد العصر، ولما فقده سأل عريف الطير وهو النسر، فلم يعلم، وقال لسيد الطير: علىَّ به وهو العقاب، فارتفع العقاب فرآه مقبلا فقصده فقال: ارحمنى بحق الذى قواك علىَّ، فقال: حلف نبى الله ليعذبنك أو ليذبحنك، ولما قال "أية : أو ليأتينى بسلطان"تفسير : [النمل: 21] قال: نجوت، فلما قرب من سليمان جرَّ جناحيه على الأرض مرخيا لهما تواضعا، فأخذ سليمان برأسه يجره اليه، فقال يا بنى الله اذكر وقوفك عند الله، فعفا وارتعد، وذلك لله عز وجل، لا لكونه يبر أباه وأمه ويأتيهما بالطعام لكبرهما ان صح. {فقال} بعد سؤاله: {أحَطْت بما لم تُحطْ به} علماً واتقنته، وهذا استصمالة لقلبه قبل أن يخبره {وجئتك من سبأ} اسم بلد سمى باسم مالكه، او قوم سموا باسم أبيهم ذلك الملك، سبأ بن يشخب بن يعرب بن قحطان، جاء الحديث بأن له عشرة أولاد تيامن منهم ستة: حِمْيَر، وكندة، والأزد، وأشعر، وخثعم، ومذحج، وتشاءم أربعة: لحم، وجذام، وعاملة، وغسان، وقيل سبأ لقب أبى لاحى قحطان، واسمه عبد شمس، أو عامر، وهو أول من سبأ، ودخول أل على سبأ وأندلس وصين وهند وسند خطأ، لأنها أعلام عجمية لا يصلح فيها لمح أصل، وسبب استعماله الغفلة والتقليد، ولو سئل عنه مستعمله من العلماء لأجاب بالمنع {بنبأ} خبر {يقينٍ} راسخ فى الثبوت.
الالوسي
تفسير : {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ } الظاهر أن الضمير للهدهد و {بَعِيدٍ } صفة زمان والكلام بيان لمقدر كأنه قيل: ما مضى من غيبته بعد التهديد؟ فقيل: مكث غير بعيد أي مكث زماناً غير مديد، ووصف زمان مكثه بذلك للدلالة على إسراعه خوفاً من سليمان عليه السلام وليعلم كيف كان الطير مسخراً له، وقيل: الضمير لسليمان وهو كما ترى، وقيل: {بَعِيدٍ } صفة مكان أي فمكث الهدهد في مكان غير بعيد من سليمان، وجعله صفة الزمان أولى، ويحكى أنه حين نزل سليمان عليه السلام حلق الهدهد فرأى هدهداً واسمه فيما قيل عفير واقعاً فانحط إليه فوصف له ملك سليمان وما سخر له من كل شيء وذكر له صاحبه ملك بلقيس، وذهب معه لينظر فما رجع إلا بعد العصر، وفي بعض الآثار أنه عليه السلام لما لم يره دعا عريف الطير وهو النسر فسأله فلم يجد عنده علمه ثم قال لسيد الطير وهو العقاب: على به فارتفعت فنظرت فإذا هو مقبل فقصدته فناشدها الله تعالى وقال: بحق الله الذي قواك وأقدرك عليَّ إلا رحمتني فتركته وقالت: ثكلتك أمك إن نبـي الله تعالى قد حلف ليعذبنك أو ليذبحنك قال: وما استثنى؟ قالت: بلى قال: {أية : أَوْ لَيَأْتِيَنّى بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ } تفسير : [النمل: 21] فقال: نجوت إذا فلما قرب من سليمان أرخى ذنبه وجناحيه يجرها على الأرض تواضعاً له فلما دنا منه أخذ برأسه فمده إليه فقال: يا نبـي الله تعالى اذكر وقوفك بين يدي الله عز وجل فارتعد سليمان وعفا عنه - وعن عكرمة أنه إنما عفا لأنه كان باراً بأبويه يأتيهما بالطعام فيزقهما لكبرهما - ثم سأله: {فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ } أي علماً ومعرفة وحفظته من جميع جهاته، وابتداء كلامه بذلك لترويجه عنده عليه السلام وترغيبه في الإصغاء إلى اعتذاره واستمالة قلبه نحو قبوله فإن النفس للاعتذار المنبىء عن أمر بديع أقبل وإلى تلقي ما لا تعلمه أميل، وأيد ذلك بقوله: {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ } حيث فسر إبهامه السابق نوع تفسير وأراد عليه السلام أنه كان بصدد إقامة خدمة مهمة له حيث عبر عما جاء به بالنبأ الذي هو الخبر الخطير والشأن الكبير ووصفه بما وصفه، وقال الزمخشري: إن الله تعالى ألهم الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام على ما أوتي من فضل النبوة والحكمة والعلوم الجمة والإحاطة بالمعلومات الكثيرة ابتلاء له في علمه وتنبيهاً على أن في أدنى خلقه وأضعفه من أحاط علماً بما لم يحط به لتتحاقر إليه نفسه ويصغر إليه علمه ويكون لطفاً له في ترك الإعجاب الذي هو فتنة العلماء وأعظم بها فتنة انتهى. وتعقب بأن ما أحاط به من الأمور المحسوسة التي لا تعد الإحاطة بها فضيلة ولا الغفلة عنها نقيصة لعدم توقف إدراكها إلا على مجرد إحساس يستوي فيه العقلاء وغيرهم وماذا صدر عنه عليه السلام مع ما حكى عنه ما حكى من الحمد والشكر والدعاء حتى يليق بالحكمة الإلهية تنبيهه عليه السلام على تركه واعترض بأن قوله: {أَحَطتُ } الخ ظاهر في أنه كلام مدل بعلمه مصغر لما عند صاحبه وأن العلم بالأمور المحسوسة وإن لم يكن فضيلة إلا أن فقده بالنسبة إلى سليمان عليه السلام وملكه وإلقاء الريح الأخبار في سمعه يدل على ما يدل، وفي التنبيه المذكور تثبيت منه تعالى له عليه السلام على الحمد والشكر وهو مما يناسب دعاؤه السابق بقوله: {أية : رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ }تفسير : [النمل: 19]، ولعل الأولى والأظهر مع هذا ما ذكر أولاً. و {سَبَإٍ } منصرف على أنه لحي من الناس سموا باسم أبيهم سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. حديث : وفي حديث فروة وغيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سبأ اسم رجل وَلَدَ عشرة من الولد تيامن منهم ستة وتشاءم أربعة تفسير : والستة حمير وكندة والأزد واشعر وخثعم، والأربعة لخم. وجذام وعاملة وغسان؛ وقيل: سبأ لقب لأبـي هذا الحي من قحطان اسمه عبد شمس، وقيل: عامر، ولقب بذلك لأنه أول من سبى. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {مِن سبأ} بفتح الهمزة غير مصروف على أنه اسم للقبيلة ثم سميت به مأرب سبأ وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث، وجوز أن يراد به على الصرف الموضع المخصوص وعلى منع الصرف المدينة المخصوصة، وأشندوا على صرفه قوله:شعر : الواردون وتيم في ذرى سبأ قد عض أعناقهم جلد الجواميس تفسير : وقرأ قنبل من طريق النبال بإسكان الهمزة وخرج على إجراء الوصل مجرى الوقف، وقال مكي: الإسكان في الوصل بعيد غير مختار ولا قوي، وقرأ الأعمش {مِن سَبَإ } بكسر الهمزة من غير تنوين حكاها عنه ابن خالويه وابن عطية، وخرجت على أن الجر بالكسرة لرعاية ما نقل عنه فإنه في الأصل اسم الرجل أو مكان مخصوص وحذف التنوين لرعاية ما نقل إليه فإنه جعل اسماً للقبية أو للمدينة وهو كما ترى، وقرأ ابن كثير في رواية {من سبى} بتنوين الباء على وزن رحى جعله مقصوراً مصروفاً، وذكر أبو معاذ أنه قرأ {مِنْ سبأى} بسكون الباء وهمزة مفتوحة غير منونة على وزن فعلى فهو ممنوع من الصرف للتأنيث اللازم. وروى ابن حبيب عن اليزيدي {مِن سبا} بألف ساكنة كما في قولهم: تفرقوا أيدي سبا، وقرأ فرقة {بنبا} بالألف عوض الهمزة وكأنها قراءة من قرأ سبا بالألف لتتوازن الكلمتان كما توازنت في قراءة من قرأهما بالهمزة المكسورة والتنوين، وفي «التحرير» أن مثل {من سبا بنبا} يسمى تجنيس التصريف وهو أن تنفرد كل من الكلمتين بحرف كما في قوله تعالى: {أية : ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ } تفسير : [غافر: 75] وحديث «حديث : الخيل معقود بنواصيها الخير»تفسير : . وقال الزمخشري: إن قوله تعالى: {من سبا بنبا } من جنس الكلام الذي سماه المحدثون البديع، وهو من محاسن الكلام الذي يتعلق باللفظ بشرط أن يجيء مطبوعاً أو يصيغه عالم بجوهر الكلام يحفظ معه صحة المعنى وسداده، ولقد جاء هٰهنا زائداً على الصحة فحسن وبدع لفظاً ومعنى ألا ترى لو وضع مكان {بنبا } بخبر لكان المعنى صحيحاً، وهو كما جاء أصح لما في النبأ من الزيادة التي يطابقها وصف الحال اهـ. وهذه الزيادة كون الخبر ذا شأن، وكون النبأ بمعنى الخبر الذي له شأن مما صرح به غير واحد من اللغويين. والظاهر أنه معنى وضعي له. وزعم بعضهم أنه ليس بوضعي وليس بشيء، وقول المحدثين: أنبأنا أحط درجة من أخبرنا غير وارد لأنه اصطلاح لهم. وقرأ الجمهور {فمكث} بضم الكاف، والفتح قراءة عاصم وأبـي عمرو في رواية الجعفي وسهل وروح وقرأ أبـي {فمكث ثم قال} وعبد الله {فمكث فقال}، وكلتا القراءتين في الحقيقة على ما في «البحر» تفسير لا قراءة لمخالفتها سواد المصحف. وقرىء في السبعة {أحطت} بإدغام التاء في الطاء مع بقاء صفة الإطباق وليس بإدغام حقيقي. / وقرأ ابن محيصن بإدغام حقيقي. واعترض ابن الحاجب القراءة الأولى بأن الإطباق وهو رفع اللسان إلى ما يحاذيه من الحنك للتصويت بصوت الحرف المخرج لا يستقيم إلا بنفس الحرف وهو الطاء هنا والإدغام يقتضي إبدالها تاء وهو ينافي وجود ذلك لأنه يقتضي أن تكون موجودة وغير موجودة وهو تناقض فالتحقيق أن نحو أحطت بالإطباق ليس فيه إدغام ولكنه لما أمكن النطق بالثاني مع الأول من غير ثقل على اللسان كان كالنطق بالمثل بعد المثل فأطلق عليه الإدغام توسعاً قاله الطيبـي. وفي «النشر» أن التاء تدغم في الطاء في قوله تعالى: {أية : وَأَقِمِ ٱلصَّلَٰوةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ } تفسير : [هود: 114] وفي «التسهيل» أنه إذا أدغم المطبق يجوز إبقاء الاطباق وعدمه. وقال سيبويه: كل كلام عربـي كذا في «الحواشي الشهابية» فتأمل. وفي قوله تعالى: {أَحَطتُ } الخ دليل بإشارة النص والإدماج على بطلان قول الرافضة: إن الإمام ينبغي أن لا يخفى عليه شيء من الجزئيات، ولا يخفى أنهم إن عنوا بذلك أنه يجب أن يكون الإمام عالماً على التفصيل بأحكام جميع الحوادث الجزئية التي يمكن وقوعها وأن يكون مستحضراً الجواب الصحيح عن كل ما يسأل عنه فبطلان كلامهم في غاية الظهور، وقد سئل علي كرم الله تعالى وجهه وهو على منبر الكوفة عن مسألة فقال: لا أدري فقال السائل: ليس مكانك هذا مكان من يقول: لا أدري فقال الإمام كرم الله تعالى وجهه: بلى والله هذا مكان من يقول لا أدري وأما من لا يقول ذلك فلا مكان له يعني به الله عز وجل وإن عنوا أنه يجب أن يكون عالماً بجميع القواعد الشرعية وبكثير من الفروع الجزئية لتلك القواعد بحيث لو حدثت حادثة ولا يعلم حكمها يكون متمكناً من استنباط الحكم فيها على الوجه الصحيح فذاك حق وهو في معنى قول الجماعة يجب أن يكون الإمام مجتهداً. وتمام الكلام في هذا المقام يطلب من محله.
ابن عاشور
تفسير : الفاء لتفريع الحكاية عطفت جملة على جملة وضمير {مكث} للهدهد. والمكث: البقاء في المكان وملازمته زمناً ما، وفعله من باب كرم ونصر. وقرأه الجمهور بالأول. وقرأ عاصم وروح عن يعقوب بالثاني. وأطلق المكث هنا على البُطْء لأنّ الهدهد لم يكن ماكثاً بمكان ولكنه كان يطير وينتقل، فأطلق المكث على البُطء مجاز مرسل لأن المكث يستلزم زمناً. و{غير بعيد} صفة لاسم زمن أو اسم مكان محذوف منصوب على الظرفية، أي مكث زمناً غير بعيد، أو في مكان غير بعيد، وكلا المعنيين يقتضي أنه رجع إلى سليمان بعد زمن قليل. و{غير بعيد} قريب قرباً يوصف بضد البعد، أي يوشك أن يكون بعيداً. وهذا وجه إيثار التعبير بــــ{غيرَ بعيد} لأن {غير} تفيد دفع توهم أن يكون بعيداً، وإنما يتوهم ذلك إذا كان القُرب يُشبه البُعد. والبُعد والقرب حقيقتهما من أوصاف المكان ويستعاران لقلة الحصة بتشبيه الزمن القصير بالمكان القريب وشاع ذلك حتى ساوى الحقيقة قال تعالى: {أية : وما قوم لوط منكم ببعيد}تفسير : [هود: 89]. والفاء في {فقال} عاطفة على «مكُث» وجُعل القول عقيب المكث لأنه لما حضر صدر القول من جهته فالتعقيب حقيقي. والقولُ المسند إلى الهدهد إنْ حمل على حقيقة القول وهو الكلام الذي من شأنه أن ينطق به الناس، فقول الهدهد هذا ليس من دلالة منطق الطير الذي عُلّمه سليمان لأن ذلك هو المنطق الدال على ما في نفوس الطير من المدركات وهي محدودة كما قدمنا بيانه عند قوله تعالى: {أية : علّمنا منطق الطير}تفسير : [النمل: 16]. وليس للهدهد قِبَل بإدراك ما اشتمل عليه القول المنسوب إليه ولا باستفادة الأحوال من مشاهدة الأقوام والبلدان حتى تَخطر في نفسه وحتى يعبر عنها بمنطقه الذي عُلّم سليمانُ دلالتَه كما قدمناه. فهذا وحي لسليمان أجراه الله على لسان الهدهد. وأما قول سليمان {أية : سننظر أصدقتَ أم كنتَ من الكاذبين}تفسير : [النمل: 27] فيجوز أن يكون سليمان خشي أن يكون ذلك الكلام الذي سمعه من تلقاء الهدهد كلاماً ألقاه الشيطان من جانب الهدهد ليضَلّل سليمان ويفتنه بالبحث عن مملكة موهومة ليسخر به كما يسخر بالمتثائِب، فعزم سليمان على استثبات الخبر بالبحث الذي لا يترك ريبة في صحته خزياً للشيطان. ولنشتغل الآن بما اشتمل عليه هذا الكلام فابتداؤه بــــ{أحطتُ بما لم تُحِطْ به} تنبيه لسليمان بأن في مخلوقات الله ممالك وملوكاً تداني مُلكه أو تفوقه في بعض أحوال الملك جعله الله مثلاً له، كما جعل عِلم الخضر مثلاً لموسى عليه السلام لئلا يغتر بانتهاء الأمر إلى ما بلغه هو. وفيه استدعاء لإقباله على ما سيُلقى إليه بشراشره لأهمية هذا المطلع في الكلام، فإن معرفة أحوال الممالك والأمم من أهم ما يعنى به ملوك الصلاح ليكونوا على استعداد بما يُفاجئهم من تلقائها، ولتكون من دواعي الازدياد من العمل النافع للمملكة بالاقتداء بالنافع من أحوال غيرها والانقباض عما في أحوال المملكة من الخلل بمشاهدة آثار مثله في غيرها. ومن فقرات الوزير ابن الخطيب الأندلسي: فأخبارُ الأقطار مما تُنِفق فيه الملوك أسمارها، وترقم ببديع هالاته أقمارها، وتستفيد منه حسن السِيَر، والأمنَ من الغِيَر، فتستعين على الدهر بالتجارب.. وتستدل بالشاهد على الغايب اهــــ. والإحاطة: الاشتمال على الشيء وجعله في حَوزة المحيط. وهي هنا مستعارة لاستيعاب العلم بالمعلومات كقوله تعالى: {أية : وكيف تصبر على ما لم تُحطْ به خُبراً}تفسير : [الكهف: 68] فما صْدَقُ {ما لم تحط به} معلومات لم يحط بها علم سليمان. و{سبأ}: بهمزة في آخره وقد يخفف اسم رجل هو عَبَّشَمْس بن يشْجُب بن يَعرُب ابن قحطان. لُقب بسبأ. قالوا: لأنه أول من سبَى في غزوه. وكان الهمز فيه لتغييره العلمية عن المصدر. وهو جدّ جذم عظيم من أجذام العرب. وذريته كانوا باليمن ثم تفرقوا كما سيأتي في سورة سبأ. وأطلق هذا الاسم هنا على ديارهم لأن {من} ابتدائية وهي لابتداء الأمكنة غالباً. فاسم {سبأ} غلب على القبيلة المتناسلة من سبأ المذكور وهم من الجذم القحطاني المعروف بالعرب المستعربة، أي الذين لم ينشأوا في بلاد العرب ولكنهم نزحوا من العراق إلى بلاد العرب، وأول نازح منهم هو يَعرب (بفتح التحتية وضم الراء) بن قحطان (وبالعبرانية يقطان) بن عَابر بن شالخ بن أرفخشد (وبالعبرانية أرفكشاد) بن سَام بن نوح. وهذا النسب يتفق مع ما في سفر التكوين من سَام إلى عابر، فمن عابر يفترق نسب القحطانيين من نسب العبرانيين؛ فأما أهل أنساب العرب فيجعلون لعابر ابنين أحدهما اسمه قحطان والآخر اسمه (فالغ). وأما سفر التكوين فيجعل أنّ أحدهما اسمه (يقطن) ولا شك أنه المسمى عند العرب قحطان، والآخر اسمه (فالج) بفاء في أوله وجيم في آخره، فوقع تغيير في بعض حروف الاسمين لاختلاف اللغتين. ولما انتقل يعرب سكن جنوب البلاد العربية (اليمن) فاستقر بموضع بنى فيه مدينة ظَفارِ (بفتح الظاء المشالة المعجمة وكسر الراء) فهي أول مدينة في بلاد اليمن وانتشر أبناؤه في بلاد الجنوب الذي على البحر وهو بلاد (حضرموت) ثم بنى ابنه يَشجب (بفتح التحتية وضم الجيم) مدينة صنعاء وسمى البلاد باليمن، ثم خلفه ابنه عَبَّشمس (بتشديد الموحدة ومعناه ضوء الشمس) وساد قومه ولقب سَبأ (بفتحتين وهمزة في آخره) واستقل بأهله فبنى مدينة مأرب حاضرة سبأ، قال النابغة الجعدي:شعر : من سبأ الحاضرين مأرب إذ يبنون من دون سَيْله العَرِما تفسير : وبين مأرب وصنعاء مسيرة ثلاث مراحل خفيفة. ثم جاء بعد سبأ ابنُه حِمْير ويلقب العَرنْجح (أي العتيق)، ويظهر أنه جعل بلاده ظفار بعد أن انتقل أبناء يشجب منها إلى صنعاء. وفي المثَل: من ظَفَّر حَمَّر، أي من دخل ظفار فليتكلم بالحميرية، ولهذا المثل قصة. فكانت البلاد اليمنية أو القحطانية منقسمة إلى ثلاث قبائل: اليمنية، والسبئية، والحميرية. وكان على كل قبية مَلِك منها، واستقلّت أفخاذهم بمواقع أطلقوا على الواحد منها اسم مخلاف (بكسر الميم) وكان لكل مخلاف رئيس يلقب بالقيل ويقال له: ذو كذا، بالإضافة إلى اسم مخلافه، مثل ذو رُعين. والملك الذي تتبعه الأقيال كلها ويحكم اليمن كلّها يلقب تُبَّع لأنه متبوع بأمراء كثيرين. وقد انفردت سبأ بالملك في حدود القرن السابع عشر قبل الهجرة وكان أشهر ملوكهم أو أولَهم الهَدهاد بن شرحبيل ويلقب اليَشَرَّح (بفتح التحتية وفتح الشين المعجمة وفتح الراء مشددة وبحاء مهملة في آخره). ثم وليت بعده بلقيس ابنة شرحبيل أيضاً أو شراحيل ولم تكن ذات زوج فيما يظهر من سياق القرآن. وقيل كانت متزوجة شَدد بن زرعة، فإن صح ذلك فلعله لم تطل مدته فمات. وكان أهل سَبأ صابئة يعبدون الشمس. وبقية ذكر حضارتهم تأتي في تفسير سورة سَبأ. و{أحطت} يقرأ بطاء مشددة لأنه التقاء طاء الكلمة وتاء المتكلم فقلبت هذه التاء طاء وأدغمتا. والباء في قوله: {بنبإ} للمصاحبة لأن النبأ كان مصاحباً للهدهد حين مجيئه، والنبأ: الخبر المهم. وبين بـــ{سبأ} و{بنبإٍ} الجناس المزدوج. وفيه أيضاً جناس الخط وهو أن تكون صورة الكلمتين واحدة في الخَط وإنما تختلفان في النطق. ومنه قوله تعالى: {أية : والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مَرضت فهو يَشفين}تفسير : [الشعراء: 79، 80]. ووصفه بــــ{يقين} تحقيق لكون ما سيلقى إليه شيء محقق لا شبهة فيه فوصف بالمصدر للمبالغة. وجملة: {إنى وجدت امرأة} بيان لــــ{نبأ} فلذلك لم تعطف. وإدخال (إنّ) في صدر هذه الجملة لأهمية الخبر إذ لم يكن معهوداً في بني إسرائيل أن تكون المرأة ملكاً. وفعل {تملكهم} هنا مشتق من المُلك بضم الميم وفعله كفعل مِلك الأشياء. وروي حديث هرقل «هل كان في آبائه مِن مَلَك» بفتح اللام، أي كان مَلكاً، ويفرق بين الفعلين بالمصدر فمصدر هذا مُلك بضم الميم، والآخر بكسرها، وضمير الجمع راجع إلى سبأ. وهذه المرأة أريد بها بلقيس (بكسر الموحدة وسكون اللام وكسر القافِ) ابنة شراحيل وفي ترتيبها مع ملوك سَبأ وتعيين اسمها واسم أبيها اضطراب للمؤرخين. والموثوق به أنها كانت معاصرة سليمان في أوائل القرن السابع عَشر قبل الهجرة وكانت امرأة عاقلة. ويقال: هي التي بَنت سُدّ مَأرب. وكانت حاضرةُ ملكها مأربَ مدينة عظيمة باليمن بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث مراحل وسيأتي ذكرها في سورة سبأ. وتنكير {امرأة} وهو مفعول أول لــــ{وجدت} له حكم المبتدأ فهو كالابتداء بالنكرة إذا أريد بالنكرة التعجب من جنسها كقولهم: بقَرة تكلمتْ، لأن المراد حكاية أمر عجيب عندهم أن تكون امرأة ملكة على قوم. ولذلك لم يقل: وجدتهم تملكهم امرأة. والإيتاء: الإعطاء، وهو مشعر بأن المعطَى مرغوب فيه، وهو مستعمل في لازمه وهو النول. ومعنى {أوتيت من كل شيء} نالت من كل شيء حسن من شؤون الملك. فعموم كل شيء عموم عرفي من جهتين يفسره المقام كما فسر قول سليمان {أية : أوتينا من كل شيء}تفسير : [النمل: 16]، أي أوتيتْ من خصال الملوك ومن ذخائرهم وعددهم وجيوشهم وثراء مملكتهم وزخرفها ونحو ذلك من المحامد والمحاسن. وبناء فِعل {أوتيت} إلى المجهول إذ لا يتعلق الغرض بتعيين أسباب ما نالته بل المقصود ما نالته على أن الوسائل والأسباب شتى، فمنه ما كان إرثاً من الملوك الذين سلفوها، ومنه ما كان كسباً من كسبها واقتنائها، ومنه ما وهبها الله من عقل وحكمة، وما منَح بلادها من خصب ووفرة مياه. وقد كان اليونان يلقبون مملكة اليمن بالعربية السعيدة أخذاً من معنى اليُمْن في العربية، وقال تعالى: {أية : لقد كان لسبإٍ في مساكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكُروا له بلدَةٌ طيبة وربٌ غفور}تفسير : [سبأ: 15]. وأما رجاحة العقول ففي الحديث: «حديث : أتاكم أهل اليمن هُم أرق أفئدة، الإيمان يَمانٍ، والحكمةُ يمانية» تفسير : فليس المراد خصوص ما آتاها الله في أصل خلقتها وخلقة أمتها وبلادها، ولذا فلم يتعين الفاعل عرفاً. وكلّ من عند الله. وخص من نفائس الأشياء عرشها إذ كان عرشاً بديعاً ولم يكن لسليمان عرش مثله. وقد جاء في الإصحاح العاشر من سفر الملوك الأول ما يقتضي أن سليمان صنع كرسيَّهُ البديع بعد أن زارته ملكة سبأ. وسنشير إليه عند قوله تعالى: {أية : أيُّكم يأتيني بعرشها}تفسير : [النمل: 38]. والعظيم: مستعمل في عظمة القَدْر والنفاسة في ضخامة الهيكل والذات. وأعقب التنويه بشأنها بالحط من حال اعتقادهم إذ هم يسجدون، أي يعبدون الشمس. ولأجل الاهتمام بهذا الخبر أعيد فعل وَجَدْتُها إنكاراً لكونهم يسجدون للشمس، فذلك من انحطاط العقلية الاعتقادية فكان انحطاطهم في الجانب الغيبي من التفكير وهو ما يظهر فيه تفاوت عوض العقول على الحقائق لأنه جانب متمحّض لعمل الفكر لا يستعان فيه بالأدلة المحسوسة، فلا جرم أن تضل فيه عقول كثير من أهل العقول الصحيحة في الشؤون الخاضعة للحواس. قال تعالى في المشركين {أية : يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق}تفسير : [الروم: 7، 8] وكان عرب اليمن أيامئذ من عَبدة الشمس ثم دخلت فيهم الديانة اليهودية في زمن تُبّع أسْعَد من ملوك حِمير، ولكونهم عبدة شمس كانوا يسمون عبد شمس كما تقدم في اسم سبأ. وقد جمع هذا القولُ الذي ألقي إلى سليمان أصولَ الجغرافية السياسية من صفة المكان والأديان، وصبغة الدولة وثروتها، ووقع الاهتمام بأخبار مملكة سبأ لأن ذلك أهم لملك سليمان إذ كانت مجاورة لمملكته يفصل بينهما البحر الأحمر، فأمور هذه المملكة أجدى بعمله. وقرأ الجمهور: {من سبأ} بالصرف. وقرأه أبو عمرو والبَزي عن ابن كثير بفتحة غير مصروف على تأويل البلاد أو القبيلة. وقرأه قنبل عن ابن كثير بسكون الهمزة على اعتبار الوقف إجراء للوصل مُجرى الوقف. يجوز أن يكون هذا من جملة الكلام الذي ألقيَ على لسان الهدهد، فالواو للعطف. والأظهر أنه كلام آخر من القرآن ذُيّل به الكلام الملقَى إلى سليمان، فالواو للاعتراض بين الكلام الملقَى لسليمان وبين جواب سليمان، والمقصود التعريض بالمشركين. وقوله: {ألا يسجدوا} قرأه الجمهور بتشديد اللام على أنه مركب في الخط من (أَنْ) و(لاَ) النافية كتبتا كلمة واحدة اعتباراً بحالة النطق بها على كل المعاني المرادة منها. و{يسجدوا} فعل مضارع منصوب. ويقدر لاَم جر يتعلق بــــ{صدَّهم عن السبيل} أي صدهم لأجل أن لا يسجدوا لله، أي فسجدوا للشمس. ويجوز أن يكون المصدر المسبوك من {ألا يسجدوا} بدل بعض من {أعمالهم} وما بينهما اعتراض. وجُوز أن يكون {ألاّ} كلمة واحدة بمعنى (هلاّ) فإن هاءها تبدل همزة. وجَعْل {يسجدوا} مركباً من ياء النداء المستعملة تأكيداً للتنبيه وفعلِ أمر من السجود كقول ذي الرمة:شعر : أَلاَ يا اسلمي يا دَار مَيَّ على البِلَى تفسير : وهو لا يلائم رسم المصحف إلا أن يقال: إنه رسم كذلك على خلاف القياس. وقرأ الكسائي بتخفيف اللام على أنها (أَلاَ) حرفُ الاستفتاح ويتعين أن يكون {يسجدوا} مركباً من ياء النداء وفعل الأمر، كما تقدم وفيه ما تقدم. والوقف في هذه على (أَلاَ). وتزيين الأعمال تقدم في أول السورة عند قوله تعالى: {أية : إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زَّيَّنا لهم أعمالهم فهم يعمهون}تفسير : [النمل: 4]. وإسناده هنا للشيطان حقيقي و{السبيل} مستعار للدين الذي باتباعه تكون النجاة من العذاب وبلوغ دار الثواب. و{الخبء}: مصدر خبأ الشيء إذا أخفاه. أطلق هنا على اسم المفعول، أي المَخبوء على طريقة المبالغة في الخفاء كما هو شأن الوصف بالمصدر. ومناسبة وقوع الصفة بالموصول في قوله: {الذي يخرج الخبء} لحالة خبر الهدهد ظاهرة لأن فيها اطلاعاً على أمر خفِي. وإخراج الخبء: إبرازه للناس، أي إعطاؤه، أي إعطاء ما هو غير معلوم لهم من المطر وإخراج النبات وإعطاء الأرزاق، وهذا مؤذن بصفة القدرة. وقوله: {ويعلم ما يخفون وما يعلنون} مؤذن بعموم صفة العلم. وقرأ الجمهور: {يخفون... ويعلنون} بياء الغيبة. وقرأه الكسائي وحفص عن عاصم بتاء الخطاب فهو التفات. ومجيء جملة: {الله لا إلٰه إلا هو} عقب ذلك استئناف هو بمنزلة النتيجة للصفات التي أجريت على اسم الجلالة وهو المقصود من هذا التذييل، أي ليس لغير الله شُبهة إلهية. وقوله: {رب العرش العظيم} أي مالك الفلك الأعظم المحيط بالعوالم العليا وقد تقدم. وفي هذا تعريض بأن عظمة مُلك بلقيس وعِظَم عرشها ما كان حقيقاً بأن يغرها بالإعراض عن عبادة الله تعالى لأن الله هو رب الملك الأعظم، فتعريف {العرش} للدلالة على معنى الكمال. ووصفه بــــ{العظيم} للدلالة على كمال العظم في تجسم النفاسة. وفي منتهى هذه الآية موضع سجود تلاوة تحقيقاً للعمل بمقتضى قوله: {ألا يسجدوا لله}. وسواء قرىء بتشديد اللام من قوله: {ألاّ يسجدوا} أم بتخفيفها لأن مآل المعنى على القراءتين واحد وهو إنكار سجودهم لغير الله لأن الله هو الحقيق بالسجود.
د. أسعد حومد
تفسير : {سَبَإٍ} {بِنَبَإٍ} (22) - فَغَابَ الهُدْهُدُ زَمَناً يَسيراً (فَمَكَثَ غيرَ بعيدٍ) بَعْدَ أنْ سَأَلَ سُليمانُ عنْهُ، ثمَّ جَاءَ فَقالَ لِسُلَيمانَ: لَقَد اطَّلَعْتُ عَلَى مَا لَمْ تَطَّلِعْ عَليهِ أنْتَ وَجُنودُكَ، وَجئتُكَ مِن سَبَأٍ بِنَبَأٍ صَادِقٍ حَقٍّ (يقينٍ). بِنَبَأٍ - بِخَبَرٍ. سَبَأٍ - مدينةٍ في اليَمَنِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : معنى {فَمَكَثَ ..} [النمل: 22] أقام واستقر {غَيْرَ بَعِيدٍ ..} [النمل: 22] مدة يسيرة، فلم يتأخر كثيراً؛ لأنه يعلم أنه تخلّف عن مجلس سليمان، وذهب بدون إذنه؛ لذلك تعجَّل العودة، وما إنْ وصل إليه إلا وبادره {فَقَالَ ..} [النمل: 22] بالفاء الدالة على التعقيب؛ لأنه رأى سليمان غاضباً مُتحفِّزاً لمعاقبته. لذلك بادره قبل أنْ ينطق، وقبل أنْ ينهره {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ ..} [النمل: 22] أي: عرفتُ ما لم تعرف - هذا الكلام مُوجَّه إلى سليمان الذي ملَك الدنيا كلها، وسخَّر الله له كل شيء؛ لذلك ذُهل سليمان من مقالة الهدهد وتشوَّق إلى ما عنده من أخبار لا يعرفها هو. ثم يستمر الهدهد: {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل:22]. أولاً: نقف عند جمال التعبير في سبأ ونبأ، فبينهما جناس ناقص، وهو من المحسّنات البديعية في لغتنا، ويعطي للعبارة نغمة جميلة تتوافق مع المعنى المراد، والجناس أن تتفق الكلمتان في الحروف، وتختلفا في المعنى، كما في قول الشاعر: شعر : رَحَلْتُ عَنِ الدِّيَارِ لكُم أَسِيرُ وَقَلْبي في محبتكُمْ أَسير تفسير : وقَوْل الآخر: شعر : لَمْ يَقْضِ مِنْ حقِّكم عَليَّ بَعْضَ الذي يَجِبُ قَلْبٌ متَى مَا جَرَت ذِكْرَاكُمُ يَجِبُ تفسير : ومن الجناس التام في القرآن الكريم: {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ ..}تفسير : [الروم: 55]. فالتعبير القرآني {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ ..} [النمل: 22] تعبير جميل لفظاً، دقيق مَعنىً، أَلاَ تراه لو قال (وجئتك من سبأ بخبر) لاختلَّ اللفظ والمعنى معاً؛ لأن الخبر يُرَاد به مُطلْق الخبر، أمّا النبأ فلا تُقال إلا للخبر العجيب الهام الملفِت للنظر، كما في قوله تعالى: {أية : عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [النبأ: 1-2]. والجناس لا يكون جميلاً مؤثراً إلا إذا جاء طبيعياً غير مُتكلّف، ومثال ذلك هذا الجناس الناقص في قوله تعالى: {أية : ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ}تفسير : [الهمزة: 1] فقد ورد اللفظ المناسب مُعبِّراً عن المعنى المراد دون تكلّف، فالهُمَزة هو الذي يعيب بالقول. واللمزة: الذي يعيب بالفعل، فالقرآن لا يتصيَّد لفظاً ليُحدِث جناساً، إنما يأتي الجناس فيه طبيعياً يقتضيه المعنى. ومن ذلك في الحديث الشريف: "حديث : الخيْل معقود بنواصيها الخير"تفسير : فبيْن الخيل والخير جناس ناقص، مُحسِّناً للفظ، مؤدّياً للمعنى. وقد يأتي المحسِّن البديعي مُضطرباً مُتكلَّفاً، يتصيده صاحبه، كقول أحدهم ينحت الكلام نحتاً فيأتي بسجع ركيك: في أثناء ما كنا نسير نزل المطر كأفواه القِرَب، فوقع رجل كان يحمل العنب. ومعنى {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ ..} [النمل: 22] الإحاطة: إدراك المعلوم من كل جوانبه، ومنه البحر المحيط لاتساعه، ويقول سبحانه: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً}تفسير : [النساء: 126] ومنه: الحائط يجعلونه حول البستان ليحميه ويُحدِّده، ومنه: يحتاط للأمر. ومحيط الدائرة الذي يحيط بالمركز من كل ناحية إحاطة مستوية بأنصاف الأقطار. لكن أَيُعَدُّ قول الهدهد لسليمان {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ ..} [النمل: 22] نقصاً في سليمان عليه السلام؟ لا، إنما يُعَدُّ تكريماً له؛ لأن ربه - عز وجل - سخَّر له مَنْ يخدمه، وفَرْق بين أن تفعل أنت الشيء وبين أن يُفعل لك، فحين يفعل لك، فهذه زيادة سيادة، وعُلًُو مكانة. كما أن الله تعالى يُعلِّمنا ألاَّ نكتم مواهب التابعين، وأن نعطي لهم الفرصة، ونُفسِح لهم المجال ليُخرجوا مواهبهم، وأن يقول كل منهم ما عنده حتى لو لم نكُنْ نعرفها؛ لأنها خدمة لي. أليس من الكرامة أن يُحضر سليمان عرش بلقيس وهو في مكانه {أية : قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ..}تفسير : [النمل: 40]. ونلحظ أن الهدهد لم يُعرِّف سبأ ما هي، وهذا دليل على أن سليمان - عليه السلام - يعرف سبأ، وما فيها من ملك، إنما لا يعرف أنه بهذه الفخامة وهذه العظمة. ثم يقول الحق سبحانه: {إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {بِنَبَإٍ يَقِينٍ} معناه بِخيرٍ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):