٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
26
Tafseer
الرازي
تفسير : إعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل التوحيد والنبوّة، وصحة دين الإسلام، ثم قال لرسوله {أية : فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ } تفسير : [آل عمران:20] ثم ذكر من صفات المخالفين كفرهم بالله، وقتلهم الأنبياء والصالحين بغير حق، وذكر شدة عنادهم وتمردهم في قوله {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [آل عمران: 23] ثم ذكر شدة غرورهم بقوله {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلا أَيَّامًا مَّعْدُودٰتٍ } تفسير : [آل عمران: 24] ثم ذكر وعيدهم بقوله {أية : فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَـٰهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } تفسير : [آل عمران: 25] أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعاء وتمجيد يدل على مباينة طريقه وطريق أتباعه، لطريقة هؤلاء الكافرين المعاندين المعرضين، فقال معلماً نبيّه كيف يمجّد ويعظم ويدعو ويطلب {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلف النحويون في قوله {ٱللَّهُمَّ } فقال الخليل وسيبويه {ٱللَّهُمَّ } معناه: يا الله، والميم المشددة عوض من يا، وقال الفرّاء: كان أصلها، يا الله أم بخير: فلما كثر في الكلام حذفوا حرف النداء، وحذفوا الهمزة من: أم، فصار {ٱللَّهُمَّ } ونظيره قول العرب: هلم، والأصل: هل، فضم: أم إليها، حجة الأولين على فساد قول الفرّاء وجوه الأول: لو كان الأمر على ما قاله الفراء لما صحّ أن يقال: اللّهم افعل كذا إلا بحرف العطف، لأن التقدير: يا الله أمنا واغفر لنا، ولم نجد أحداً يذكر هذا الحرف العاطف والثاني: وهو حجة الزجاج أنه لو كان الأمر كما قال، لجاز أن يتكلم به على أصله، فيقال (الله أم) كما يقال (ويلم) ثم يتكلم به على الأصل فيقال (وَيْلٌ أُمُّهُ ) الثالث: لو كان الأمر على ما قاله الفراء لكان حرف النداء محذوفاً، فكان يجوز أن يقال: يا اللّهم، فلما لم يكن هذا جائزاً علمنا فساد قول الفراء بل نقول: كان يجب أن يكون حرف النداء لازماً، كما يقال: يا الله اغفر لي، وأجاب الفراء عن هذه الوجوه، فقال: أما الأول فضعيف، لأن قوله (يا الله أم) معناه: يا الله اقصد، فلو قال: واغفر لكان المعطوف مغايراً للمعطوف عليه فحينئذ يصير السؤال سؤالين أحدهما: قوله {أمنا} والثاني: قوله {أية : وَٱغْفِرْ لَنَا } تفسير : [البقرة:286] أما إذا حذفنا العطف صار قوله: اغفر لنا تفسيراً لقوله: أمنا. فكان المطلوب في الحالين شيئاً واحداً فكان ذلك آكد، ونظائره كثيرة في القرآن، وأما الثاني فضعيف أيضاً، لأن أصله عندنا أن يقال: يا الله أمنا. ومن الذي ينكر جواز التكلم بذلك، وأيضاً فلأن كثيراً من الألفاظ لا يجوز فيها إقامة الفرع مقام الأصل، ألا ترى أن مذهب الخليل وسيبويه أن قوله: ما أكرمه، معناه أي شيء أكرمه ثم إنه قط لا يستعمل هذا الكلام الذي زعموا أنه الأصل في معرض التعجب فكذا ههنا، وأما الثالث: فمن الذي سلم لكم أنه لا يجوز أن يقالّ: يا اللّهم وأنشد الفرّاء:شعر : وأما عليك أن تقولي كلما سبحت أو صليت يا اللّهما تفسير : وقول البصريين: إن هذا الشعر غير معروف، فحاصله تكذيب النقل، ولو فتحنا هذا الباب لم يبق شيء من اللغة والنحو سليماً عن الطعن، وأما قوله: كان يلزم أن يكون ذكر حرف النداء لازماً فجوابه أنه قد يحذف حرف النداء كقوله {أية : يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصّدِيقُ أَفْتِنَا } تفسير : [يوسف: 46] فلا يبعد أن يختص هذا الاسم بإلزام هذا الحذف، ثم احتج الفراء على فساد قول البصريين من وجوه الأول: أنا لو جعلنا الميم قائماً مقام حرف النداء لكنا قد أخرنا النداء عن ذكر المنادى، وهذا غير جائز ألبتة، فإنه لا يقال ألبتة (الله يا) وعلى قولكم يكون الأمر كذلك الثاني: لو كان هذا الحرف قائماً مقام النداء لجاز مثله في سائر الأسماء، حتى يقال: زيدم وبكرم، كما يجوز أن يقال: يا زيد ويا بكر والثالث: لو كان الميم بدلاً عن حرف النداء لما اجتمعا، لكنهما اجتمعا في الشعر الذي رويناه الرابع: لم نجد العرب يزيدون هذه المييم في الأسماء التامة لإفادة معنى بعض الحروف المباينة للكلمة الداخلة عليها، فكان المصير إليه في هذه اللفظة الواحدة حكماً على خلاف الاستقراء العام في اللغة وأنه غير جائز، فهذا جملة الكلام في هذا الموضع. المسألة الثانية: {مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ } في نصبه وجهان الأول: وهو قول سيبويه أنه منصوب على النداء، وكذلك قوله {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الزمر: 46] ولا يجوز أن يكون نعتاً لقوله {ٱللَّهُمَّ } لأن قولنا {ٱللَّهُمَّ } مجموع الاسم والحرف، وهذا المجموع لا يمكن وصفه والثاني: وهو قول المبرد والزجاج أن {مَـٰلِكَ } وصف للمنادى المفرد، لأن هذا الاسم ومعه الميم بمنزلته ومعه (يا) ولا يمتنع الصفة مع الميم، كما لا يمتنع مع الياء. المسألة الثالثة: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم، فقال المنافقون واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم، وهم أعز وأمنع من ذلك، وروي أنه عليه الصلاة والسلام لما خط الخندق عام الأحزاب، وقطع لكل عشرة أربعين ذراعاً، وأخذوا يحفرون خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم لم تعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فخبره، فأخذ المعول من سلمان فلما ضربها ضرب صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها كأنه مصباح في جوف ليل مظلم، فكبّر وكبر المسلمون، وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب» تفسير : ثم ضرب الثانية، فقال: «حديث : أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم» تفسير : ثم ضرب الثالثة فقال: «حديث : أضاءت لي منها قصور صنعاء وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة على كلها فأبشروا» تفسير : فقال المنافقون: ألا تعجبون من نبيّكم يعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومداين كسرى، وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق من الخوف لا تستطيعون أن تخرجوا فنزلت هذه الآية والله أعلم، وقال الحسن إن الله تعالى أمر نبيّه أن يسأله أن يعطيه ملك فارس والروم ويرد ذل العرب عليهما، وأمره بذلك دليل على أنه يستجيب له هذا الدعاء، وهكذا منازل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا أمروا بدعاء استجيب دعاءهم. المسألة الرابعة: {ٱلْمَلِكُ } هو القدرة، والمالك هو القادر، فقوله {مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ } معناه القادر على القدرة، والمعنى إن قدرة الخلق على كل ما يقدرون عليه ليست إلا بإقدار الله تعالى فهو الذي يقدر كل قادر على مقدوره، ويملك كل مالك مملوكه، قال صاحب «الكشاف» {مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ } أي يملك جنس الملك فيتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون، واعلم أنه تعالى لما بيّن كونه {مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ } على الإطلاق، فصل بعد ذلك وذكر أنواعاً خمسة: النوع الأول: قوله تعالى: {تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ } وذكروا فيه وجوهاً الأول: المراد منه: ملك النبوّة والرسالة، كما قال تعالى: {أية : فَقَدْ ءَاتَيْنَا ءَالَ إِبْرٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءاتَيْنَـٰهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً } تفسير : [النساء: 54] والنبوّة أعظم مراتب الملك لأن العلماء لهم أمر عظيم على بواطن الخلق والجبابرة لهم أمر على ظواهر الخلق والأنبياء أمرهم نافذ في البواطن والظواهر، فأما على البواطن فلأنه يجب على كل أحد أن يقبل دينهم وشريعتهم، وأن يعتقد أنه هو الحق، وأما على الظواهر فلأنهم لو تمردوا واستكبروا لاستوجبوا القتل، ومما يؤكد هذا التأويل أن بعضهم كان يستبعد أن يجعل الله تعالى بشراً رسولاً فحكى الله عنهم قولهم {أية : أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً } تفسير : [الإسراء: 94] وقال الله تعالى: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلاً } تفسير : [الأنعام: 9] وقوم آخرون جوزوا من الله تعالى أن يرسل رسولاً من البشر، إلا أنهم كانوا يقولون: إن محمداً فقير يتيم، فكيف يليق به هذا المنصب العظيم على ما حكى الله عنهم أنهم قالوا {أية : لَوْلاَ نُزّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } تفسير : [الزخرف: 31] وأما اليهود فكانوا يقولون النبوّة كانت في آبائنا وأسلافنا، وأما قريش فهم ما كانوا أهل النبوّة والكتاب فكيف يليق النبوّة بمحمد صلى الله عليه وسلم؟ وأما المنافقون فكانوا يحسدونه على النبوّة، على ما حكى الله ذلك عنهم في قوله {أية : أم يحْسُدونَ ٱلناس على مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } تفسير : [النساء: 37]. وأيضاً فقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: {أية : قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } تفسير : [آل عمران: 12] أن اليهود تكبروا على النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة عددهم وسلاحهم وشدتهم، ثم إنه تعالى رد على جميع هؤلاء الطوائف بأن بيّن أنه سبحانه هو مالك الملك فيؤتي ملكه من يشاء، فقال {تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ }. فإن قيل: فإذا حملتم قوله {تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَاءُ } على إيتاء ملك النبوّة، وجب أن تحملوا قوله {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ } على أنه قد يعزل عن النبوّة من جعله نبياً، ومعلوم أن ذلك لا يجوز. قلنا: الجواب من وجهين الأول: أن الله تعالى إذا جعل النبوّة في نسل رجل، فإذا أخرجها الله من نسله، وشرَّف بها إنساناً آخر من غير ذلك النسل، صح أن يقال إنه تعالى نزعها منهم، واليهود كانوا معتقدين أن النبوّة لا بد وأن تكون في بني إسرائيل، فلما شرف الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم بها، صح أن يقال: إنه ينزع ملك النبوّة من بني إسرائيل إلى العرب. والجواب الثاني: أن يكون المراد من قوله {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ } أي تحرمهم ولا تعطيهم هذا الملك لا على معنى أنه يسلبه ذلك بعد أن أعطاه، ونظيره قوله تعالى:{أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } تفسير : [البقرة: 257] مع أن هذا الكلام يتناول من لم يكن في ظلمة الكفر قط، وقال الله تعالى مخبراً عن الكفار أنهم قالوا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام {أية : أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا }تفسير : [الأعراف: 88] وأولئك الأنبياء قالوا {أية : وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاءَ ٱللَّهُ } تفسير : [الأعراف: 89] مع أنهم ما كانوا فيها قط، فهذا جملة الكلام في تقرير قول من فسّر قوله تعالى: {تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَاءُ } بملك النبوة. القول الثاني: أن يكون المراد من الملك، ما يسمى ملكاً في العرف، وهو عبارة عن مجموع أشياء أحدها: تكثير المال والجاه، أما تكثير المال فيدخل فيه ملك الصامت والناطق والدور والضياع، والحرث، والنسل، وأما تكثير الجاه فهو أن يكون مهيباً عند الناس، مقبول القول، مطاعاً في الخلق والثاني: أن يكون بحيث يجب على غيره أن يكون في طاعته، وتحت أمره ونهيه والثالث: أن يكون بحيث لو نازعه في ملكه أحد، قدر على قهر ذلك المنازع، وعلى غلبته، ومعلوم أن كل ذلك لا يحصل إلا من الله تعالى، أما تكثير المال فقد نرى جمعاً في غاية الكياسة لا يحصل لهم مع الكد الشديد، والعناء العظيم قليل من المال، ونرى الأبله الغافل قد يحصل له من الأموال ما لا يعلم كميته، وأما الجاه فالأمر أظهر، فإنا رأينا كثيراً من الملوك بذلوا الأموال العظيمة لأجل الجاه، وكانوا كل يوم أكثر حقارة ومهانة في أعين الرعية، وقد يكون على العكس من ذلك وهو أن يكون الإنسان معظماً في العقائد مهيباً في القلوب، ينقاد له الصغير والكبير، ويتواضع له القاصي والداني، وأما القسم الثاني وهو كونه واجب الطاعة، فمعلوم أن هذا تشريف يشرف الله تعالى به بعض عباده، وأما القسم الثالث، وهو حصول النصرة والظفر فمعلوم أن ذلك مما لا يحصل إلا من الله تعالى، فكم شاهدنا من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، وعند هذا يظهر بالبرهان العقلي صحة ما ذكره الله تعالى من قوله {تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَاءُ }. واعلم أن للمعتزلة ههنا بحثا قال الكعبي قوله {تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ } ليس على سبيل المختارية، ولكن بالاستحقاق فيؤتيه من يقوم به، ولا ينزعه إلا ممن فسق عن أمر ربه ويدل عليه قوله {أية : لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [البقرة: 124] وقال في حق العبد الصالح {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ } تفسير : [البقرة: 247] فجعله سبباً للملك، وقال الجبائي: هذا الحكم مختص بملوك العدل، فأما ملوك الظلم فلا يجوز أن يكون ملكهم بإيتاء الله، وكيف يصح أن يكون ذلك بإيتاء الله، وقد ألزمهم أن لا يتملكوه، ومنعهم من ذلك فصح بما ذكرنا أن الملوك العادلين هم المختصون بأن الله تعالى آتاهم ذلك الملك، فأما الظالمون فلا، قالوا: ونظير هذا ما قلناه في الرزق أنه لا يدخل تحته الحرام الذي زجره الله عن الانتفاع به، وأمره بأن يرده على مالكه فكذا ههنا، قالوا: وأما النزع فبخلاف ذلك لأنه كما ينزع الملك من الملوك العادلين لمصلحة تقتضي ذلك فقد ينزع الملك عن الملوك الظالمين ونزع الملك يكون بوجوه: منها بالموت، وإزالة العقل، وإزالة القوى، والقدر والحواس، ومنها بورود الهلاك والتلف عن الأموال، ومنها أن يأمر الله تعالى المحق بأن يسلب الملك الذي في يد المتغلب المبطل ويؤتيه القوة والنصرة، فإذا حاربه المحق وقهره وسلب ملكه جاز أن يضاف هذا السلب والنزع إليه تعالى، لأنه وقع عن أمره، وعلى هذا الوجه نزع الله تعالى ملك فارس على يد الرسول، هذا جملة كلام المعتزلة في هذا الباب. واعلم أن هذا الموضع مقام بحث مهم وذلك لأن حصول الملك للظالم، إما أن يقال: إنه وقع لا عن فاعل وإنما حصل بفعل ذلك المتغلب، أو إنما حصل بالأسباب الربانية، والأول: نفي للصانع والثاني: باطل لأن كل أحد يريد تحصيل الملك والدولة لنفسه، ولا يتيسر له ألبتة فلم يبق إلا أن يقال بأن ملك الظالمين إنما حصل بإيتاء الله تعالى، وهذا الكلام ظاهر ومما يؤكد ذلك أن الرجل قد يكون بحيث تهابه النفوس، وتميل إليه القلوب، ويكون النصر قريناً له والظفر جليساً معه فأينما توجه حصل مقصوده، وقد يكون على الضد من ذلك، ومن تأمل في كيفية أحوال الملوك اضطر إلى العلم بأن ذلك ليس إلا بتقدير الله تعالى، ولذلك قال حكيم الشعراء:شعر : لو كان بالحيل الغنى لوجدتني بأجل أسباب السماء تعلقي لكن من رزق الحجا حرم الغنى ضدان مفترقان أي تفرق ومن الدليل على القضاء وكونه بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق تفسير : والقول الثاني: أن قوله {تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَاء } محمول على جميع أنواع الملك فيدخل فيه ملك النبوّة، وملك العلم، وملك العقل، والصحة والأخلاق الحسنة، وملك النفاذ والقدرة وملك المحبة، وملك الأموال، وذلك لأن اللفظ عام فالتخصيص من غير دليل لا يجوز. وأما قوله تعالى: {وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء } فاعلم أن العزة قد تكون في الدين، وقد تكون في الدنيا، أما في الدين فأشرف أنواع العزة الإيمان قال الله تعالى: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [المنافقون: 8] إذا ثبت هذا فنقول: لما كان أعز الأشياء الموجبة للعزة هو الإيمان، وأذل الأشياء الموجبة للمذلة هو الكفر، فلو كان حصول الإيمان والكفر بمجرد مشيئة العبد، لكان إعزاز العبد نفسه بالإيمان وإذلاله نفسه بالكفر أعظم من إعزاز الله عبده بكل ما أعزه به، ومن إذلال الله عبده بكل ما أذله به ولو كان الأمر كذلك لكان حظ العبد من هذا الوصف أتم وأكمل من حظ الله تعالى منه، ومعلوم أن ذلك باطل قطعاً، فعلمنا أن الإعزاز بالإيمان والحق ليس إلا من الله، والإذلال بالكفر والباطل ليس إلا من الله، وهذا وجه قوي في المسألة، قال القاضي: الإعزاز المضاف إليه تعالى قد يكون في الدين، وقد يكون في الدنيا أما الذي في الدين فهو أن الثواب لا بد وأن يكون مشتملاً على التعظيم والمدح والكرامة في الدنيا والآخرة، وأيضاً فإنه تعالى يمدهم بمزيد الألطاف ويعليهم على الأعداء بحسب المصلحة، وأما ما يتعلق بالدنيا فبإعطاء الأموال الكثيرة من الناطق والصامت وتكثير الحرث وتكثير النتاج في الدواب، وإلقاء الهيبة في قلوب الخلق. واعلم أن كلامنا يأبى ذلك لأن كل ما يفعله الله تعالى من التعظيم في باب الثواب فهو حق واجب على الله تعالى ولو لم يفعله لانعزل عن الإلٰهية ولخرج عن كونه إلٰهاً للخلق فهو تعالى بإعطاء هذه التعظيمات يحفظ إلٰهية نفسه عن الزوال فأما العبد، فلما خص نفسه بالإيمان الذي يوجب هذه التعظيمات فهو الذي أعز نفسه فكان إعزازه لنفسه أعظم من إعزاز الله تعالى إياه، فعلمنا أن هذا الكلام المذكور لازم على القوم. أما قوله {وَتُذِلُّ مَن تَشَاء } فقال الجبائي في «تفسيره»: إنه تعالى إنما يذل أعداءه في الدنيا والآخرة ولا يذل أحداً من أوليائه وإن أفقرهم وأمرضهم وأحوجهم إلى غيرهم، لأنه تعالى إنما يفعل هذه الأشياء ليعزهم في الآخرة، إما بالثواب، وإما بالعوض فصار ذلك كالفصد والحجامة فإنهما وإن كانا يؤلمان في الحال إلا أنهما لما كانا يستعقبان نفعاً عظيماً لا جرم لا يقال فيهما: إنهما تعذيب، قال وإذا وصف الفقر بأنه ذل فعلى وجه المجاز كما سمى الله تعالى لين المؤمنين ذلا بقوله {أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [المائدة: 54]. إذا عرفت هذا فنقول: إذلال الله تعالى عبده المبطل إنما يكون بوجوه منها بالذم واللعن ومنها بأن يخذلهم بالحجة والنصرة، ومنها بأن يجعلهم خولاً لأهل دينه، ويجعل مالهم غنيمة لهم ومنها بالعقوبة لهم في الآخرة هذا جملة كلام المعتزلة، ومذهبنا أنه تعالى يعز البعض بالإيمان والمعرفة، ويذل البعض بالكفر والضلالة، وأعظم أنواع الإعزاز والإذلال هو هذا والذي يدل عليه وجوه الأول: وهو أن عز الإسلام وذل الكفر لا بد فيه من فاعل وذلك الفاعل إما أن يكون هو العبد أو الله تعالى والأول باطل، لأن أحداً لا يختار الكفر لنفسه، بل إنما يريد الإيمان والمعرفة والهداية فلما أراد العبد الإيمان ولم يحصل له بل حصل له الجهل، علمنا أن حصوله من الله تعالى لا من العبد الثاني: وهو أن الجهل الذي يحصل للعبد إما أن يكون بواسطة شبهة وإما أن يقال: يفعله العبد ابتداء، والأول باطل إذ لو كان كل جهل إنما يحصل بجهل آخر يسبقه ويتقدمه لزم التسلسل وهو محال، فبقي أن يقال: تلك الجهات تنتهي إلى جهل يفعله العبد ابتداء من غير سبق موجب البتة لكنا نجد من أنفسنا أن العاقل لا يرضى لنفسه أن يصير على الجهل ابتداء من غير موجب فعلمنا أن ذلك بإذلال الله عبده وبخذلانه إياه الثالث: ما بينا أن الفعل لا بد فيه من الداعي والمرجح، وذلك المرجح يكون من الله تعالى فإن كان في طرف الخير كان إعزازاً، وإن كان في طرف الجهل والشر والضلالة كان إذلالاً، فثبت أن المعز والمذل هو الله تعالى. أما قوله تعالى: {بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ }. فاعلم أن المراد من اليد هو القدرة، والمعنى بقدرتك الخير والألف واللام في الخير يوجبان العموم، فالمعنى بقدرتك تحصل كل البركات والخيرات، وأيضاً فقوله {بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ } يفيد الحصر كأنه قال بيدك الخير لا بيد غيرك، كما أن قوله تعالى: {أية : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ } تفسير : [الكافرين: 6] أي لكم دينكم أي لا لغيركم وذلك الحصر ينافي حصول الخير بيد غيره، فثبت دلالة هذه الآية من هذين الوجهين على أن جميع الخيرات منه، وبتكوينه وتخليقه وإيجاده وإبداعه، إذا عرفت هذا فنقول: أفضل الخيرات هو الإيمان بالله تعالى ومعرفته، فوجب أن يكون الخير من تخليق الله تعالى لا من تخليق العبد، وهذا استدلال ظاهر ومن الأصحاب من زاد في هذا التقدير فقال: كل فاعلين فعل أحدهما أشرف وأفضل من فعل الآخر كان ذلك الفاعل أشرف وأكمل من الآخر، ولا شك أن الإيمان أفضل من الخير، ومن كل ما سوى الإيمان فلو كان الإيمان بخلق العبد لا بخلق الله لوجب كون العبد زائداً في الخيرية على الله تعالى، وفي الفضيلة والكمال، وذلك كفر قبيح فدلت هذه الآية من هذين الوجهين على أن الإيمان بخلق الله تعالى. فإن قيل: فهذه الآية حجة عليكم من وجه آخر لأنه تعالى لما قال: {بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ } كان معناه أنه ليس بيدك إلا الخير، وهذا يقتضي أن لا يكون الكفر والمعصية واقعين بتخليق الله. والجواب: أن قوله {بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ } يفيد أن بيده الخير لا بيد غيره، وهذا ينافي أن يكون بيد غيره ولكن لا ينافي أن يكون بيده الخير وبيده ما سوى الخير إلا أنه خص الخير بالذكر لأنه الأمر المنتفع به فوقع التنصيص عليه لهذا المعنى قال القاضي: كل خير حصل من جهة العباد فلولا أنه تعالى أقدرهم عليه وهداهم إليه لما تمكنوا منه، فلهذا السبب كان مضافاً إلى الله تعالى إلا أن هذا ضعيف لأن على هذا التقدير يصير بعض الخير مضافاً إلى الله تعالى، ويصير أشرف الخيرات مضافاً إلى العبد، وذلك على خلاف هذا النص. أما قوله {إِنَّكَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } فهذا كالتأكيد لما تقدم من كونه مالكاً لإيتاء الملك ونزعه والإعزاز والإذلال. أما قوله تعالى: {تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ } فيه وجهان الأول: أن يجعل الليل قصيراً ويجعل ذلك القدر الزائد داخلاً في النهار وتارة على العكس من ذلك وإنما فعل سبحانه وتعالى ذلك لأنه علق قوام العالم ونظامه بذلك والثاني: أن المراد هو أنه تعالى يأتي بالليل عقيب النهار، فيلبس الدنيا ظلمة بعد أن كان فيها ضوء النهار، ثم يأتي بالنهار عقيب الليل فيلبس الدنيا ضوءه فكان المراد من إيلاج أحدهما في الآخر إيجاد كل واحد منهما عقيب الآخر، والأول أقرب إلى اللفظ، لأنه إذا كان النهار طويلاً فجعل ما نقص منه زيادة في الليل كان ما نقص منه داخلاً في الليل. وأما قوله {وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وحمزة والكسائي {ٱلْمَيّتِ } بالتشديد، والباقون بالتخفيف، وهما لغتان بمعنى واحد، قال المبرد: أجمع البصريون على أنهما سواء وأنشدوا:شعر : إنمـا الميـت ميـت الأحيـاء تفسير : وهو مثل قوله: هين وهين، ولين ولين، وقد ذهب ذاهبون إلى أن الميت من قد مات، والميت من لم يمت. المسألة الثانية: ذكر المفسرون فيه وجوهاً أحدها: يخرج المؤمن من الكافر كإبراهيم من آزر، والكافر من المؤمن مثل كنعان من نوح عليه السلام والثاني: يخرج الطيب من الخبيث وبالعكس والثالث: يخرج الحيوان من النطفة، والطير من البيضة وبالعكس والرابع: يخرج السنبلة من الحبة وبالعكس، والنخلة من النواة وبالعكس، قال القفّال رحمه الله: والكلمة محتملة للكل أما الكفر والإيمان فقال تعالى: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ } تفسير : [الأنعام: 122] يريد كان كافراً فهديناه فجعل الموت كفراً والحياة إيماناً، وسمى إخراج النبات من الأرض إحياء، وجعل قبل ذلك ميتة فقال {أية : يحيي الأرض بعد موتها } تفسير : [الروم: 19] وقال: {أية : فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } تفسير : [فاطر: 9] وقال: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } تفسير : [البقرة: 28]. أما قوله {وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } ففيه وجوه الأول: أنه يعطي من يشاء ما يشاء لا يحاسبه على ذلك أحد، إذ ليس فوقه ملك يحاسبه بل هو الملك يعطي من يشاء بغير حساب والثاني: ترزق من تشاء غير مقدور ولا محدود، بل تبسطه له وتوسعه عليه كما يقال: فلان ينفق بغير حساب إذا وصف عطاؤه بالكثرة، ونظيره قولهم في تكثير مال الإنسان: عنده مال لا يحصى والثالث: ترزق من تشاء بغير حساب، يعني على سبيل التفضل من غير استحقاق لأن من أعطى على قدر الاستحقاق فقد أعطى بحساب، وقال بعض من ذهب إلى هذا المعنى: إنك لا ترزق عبادك على مقادير أعمالهم، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قال عليّ رضي الله عنه قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: حديث : «لما أراد الله تعالى أن ينزل فاتحة الكتاب وآية الكرسي وشهد الله وقل اللهمّ مالك الملك إلى قوله بغير حساب تعلقن بالعرش وليس بينهن وبين الله حجاب وقلن يا رب تهبط بنا دار الذنوب وإلى من يعصيك فقال الله تعالى وعزتي وجلالي لا يقرأكنّ عبد عقِب كل صلاة مكتوبة إلا أسكنته حظيرة. القدس على ما كان منه، وإلا نظرت إليه بعيني المكنونة في كل يوم سبعين نظرة، وإلا قضيت له في كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة، وإلا أعدته من كل عدوّ ونصرته عليه ولا يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت» حديث : وقال معاذ بن جبل: اُحتبست عن النبيّ صلى الله عليه وسلم يوماً فلم أصلّ معه الجمعة فقال: «يا معاذ ما منعك من صلاة الجمعة»؟ قلت: يا رسول الله، كان ليوحنا بن بارِياً اليهوديّ عليّ أوقِيّة من تِبْر وكان على بابي يرصدني فأشفقت أن يحبسني دونك. قال: «أتحب يا معاذ أن يقضي الله دينك»؟ قلت نعم. قال: «قل كل يوم قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ـ إلى قوله ـ بِغَيْرِ حِسَابٍ رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما تعطي منهما من تشاء وتمنع منهما من تشاء ٱقض عني ديني فلو كان عليك ملء الأرض ذهبا لأدّاه الله عنك»تفسير : . خرّجه أبو نعيم الحافظ، أيضاً عن عطاء الخراسانيّ أن معاذ بن جبل قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم آياتٍ من القرآن؛ أو كلماتٍ ـ ما في الأرض مسلم يدعو بهنّ وهو مكروب أو غارم أو ذو ديْن إلا قضى الله عنه وفرّج همه، ٱحتبست عن النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فذكره. غريب من حديث عطاء أرسله عن معاذ. وقال ٱبن عباس وأنس بن مالك: لما ٱفتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ووعد أُمّته ملك فارس والروم قال المنافقون واليهود: هيهات هيهات! من أين لمحمد ملك فارس والرومٰ هم أعز وأمنع من ذلك، ألم يكف محمداً مكة والمدينة حتى طمِع في ملك فارس والروم؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقيل: نزلت دامغة لباطل نصارى أهل نجران في قولهم: إن عيسى هو الله؛ وذلك أن هذه الأوصاف تبيِّن لكل صحيح الفطرة أن عيسى ليس في شيء منها. قال ٱبن إسحاق: أعلم الله عز وجل في هذه الآية بعنادهم وكفرهم، وأن عيسى صلى الله عليه وسلم وإن كان الله تعالى أعطاه آياتٍ تدل على نبوّته من إحياء الموتى وغير ذلك فإن الله عز وجل هو المنفرد بهذه الأشياء؛ من قوله: {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ}. وقوله: {أية : تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [آل عمران: 27] فلو كان عيسى إلٰهاً كان هذا إليه؛ فكان في ذلك ٱعتبار وآية بينة. قوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُمَّ} ٱختلف النحويون في تركيب لفظة «اللهم» بعد إجماعهم أنها مضمومة الهاء مشدّدة الميم المفتوحة، وأنها منادى؛ وقد جاءت مخففة الميم في قول الأعشى:شعر : كدعوة من أبي رَبَاحٍ يسمعها اللَّهُمَّ الكُبَار تفسير : قال الخليل وسيبويه وجميع البصريين: إن أصل اللهم يا أللَّه، فلما ٱستعملت الكلمة دون حرف النداء الذي هو «يا» جعلوا بدله هذه الميم المشدّدة فجاءوا بحرفين وهما الميمان عوضاً من حرفين وهما الياء والألف، والضمة في الهاء هي ضمة الاسم المنادى المفرد. وذهب الفرّاء والكوفيون إلى أن الأصل في اللهم يا ألله أُمُّنا بخير؛ فحذف وخلط الكلمتين، وأنّ الضمة التي في الهاء هي الضمة التي كانت في أُمُّنَا لما حذفت الهمزة ٱنتقلت الحركة. قال النحاس: هذا عند البصريين من الخطأ العظيم، والقول في هذا ما قاله الخليل وسيبويه. قال الزجاج: محال أن يترك الضم الذي هو دليل على النداء المفرد، وأن يجعل في ٱسم الله ضمة أُمّ، هذا إلحاد في ٱسم الله تعالى. قال ٱبن عطية: وهذا غلوّ من الزجاج، وزعم أنه ما سمع قط يا أَللَّهُ أُمّ، ولا تقول العرب يا اللَّهُمّ. وقال الكوفيون: إنه قد يدخل حرف النداء على «اللهم» وأنشدوا على ذلك قول الراجِز:شعر : غفــرتَ أو عــذّبت يــا اللّهمــا تفسير : آخر:شعر : وما عليكِ أن تقولي كلّما سبّحْتِ أو هلّلتِ يا اللهُمّ ما اردُدْ علينا شيخَنا مسلَّما فإننا من خيره لن نُعْدَما تفسير : آخر:شعر : إني إذا ما حَدَثٌ أَلَمَّا أقول يا اللّهُمّ يا اللّهُمّا تفسير : قالوا: فلو كان الميم عوضاً من حرف النداء لما ٱجتمعا. قال الزجاج: وهذا شاذٌّ ولا يعرف قائله، ولا يترك له ما كان في كتاب الله وفي جميع دَيْوان العرب؛ وقد ورد مثله في قوله:شعر : هما نَفَثا في فيّ من فَمَوَيْهِما على النّابِح العَاوِي أشَدَّ رِجَامِ تفسير : قال الكوفيون: وإنما تزاد الميم مخفَّفة في فَم وٱبْنُم، وأما ميم مشدّدة فلا تزاد. وقال بعض النحويين: ما قاله الكوفيون خطأ؛ لأنه لو كان كما قالوا كان يجب أن يقال: «اللهم» ويُقتصر عليه لأنه معه دعاء. وأيضاً فقد تقول: أنت اللهم الرزّاق. فلو كان كما ٱدّعوا لكنت قد فصلت بجملتين بين الابتداء والخبر. قال النّضْر بن شُمَيْل: من قال اللهم فقد دعا الله تعالى بجميع أسمائه كلها. وقال الحسن: اللهم تجمع الدعاء. قوله تعالى: {مَالِكَ ٱلْمُلْكِ} قال قتادة: بلغني أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سأل الله عز وجل أن يعطِي أمته ملك فارس فأنزل الله هذه الآية. وقال مقاتل: سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يجعل الله له ملك فارس والروم في أمّته؛ فعلّمه الله تعالى بأن يدعو بهذا الدعاء. وقد تقدّم معناه. و «مالك» منصوب عند سيبويه على أنه نداء ثان؛ ومثله قوله تعالى: {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الزمر: 46] ولا يجوز عنده أن يوصف اللّهمّ؛ لأنه قد ضمت إليه الميم. وخالفه محمد بن يزيد وإبراهيم بن السريّ الزجاج فقالا: «مالك» في الإعراب صفة لاسم الله تعالى، وكذلك «فَاطِرَ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ». قال أبو عليّ؛ هو مذهب أبي العباس المبرد؛ وما قاله سيبويه أصْوَب وأبْيَن؛ وذلك أنه ليس في الأسماء الموصوفة شيء على حدّ «اللهم» لأنه اسم مفرد ضم إليه صوت، والأصوات لا توصف؛ نحو غَاقْ وما أشبهه. وكان حكم الاسم المفرد ألا يوصف وإن كانوا قد وصفوه في مواضِع. فلما ضُمّ هنا ما لا يوصف إلى ما كان قياسه ألا يوصف صار بمنزلة صوت ضم إلى صوت؛ نحو حَيّهل فلم يوصف. و {ٱلْمُلْكِ} هنا النبوّة؛ عن مجاهد. وقيل، الغلَبة. وقيل: المال والعبيد. الزجاج: المعنى مالك العباد وما ملكوا. وقيل: المعنى مالك الدنيا والآخرة. ومعنى {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ} أي الإيمان والإسلام. {مَن تَشَآءُ} أي من تشاء أن تؤتيه إياه، وكذلك ما بعده، ولا بدّ فيه من تقدير الحذف، أي وتنزع الملك ممن تشاء أن تنزعه منه، ثم حذف هذا، وأنشد سيبويه:شعر : ألا هل لهذا الدّهر من مُتَعَلّل على الناس مهما شاء بالناسِ يَفْعَلِ تفسير : قال الزجاج: مهما شاء أن يفعل بالناس يفعل. وقوله: {وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ} يقال: عز إذا علا وقهر وغلب؛ ومنه، {أية : وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ} تفسير : [صۤ: 23]. {وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ} ذل يذِل ذُلاّ (إذا غلب وعلا وقهر). قال طرفة:شعر : بطيءٍ عن الجُلّي سريعٍ إلى الخَنَا ذليلٍ بأَجْماع الرجال مُلَهَّدِ تفسير : {بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ} أي بيدك الخير والشر فحذف؛ كما قال: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ}تفسير : [النحل: 81]. وقيل: خص الخير لأنه موضع دعاء ورغبة في فضله. قال النقاش: بيدك الخير، أي النصر والغنيمة. وقال أهْل الإشارات. كان أبو جهل يملك المال الكثير، ووقع في الرس يوم بدر، والفقراء صُهَيْب وبِلال وخَبّاب لم يكن لهم مال، وكان ملكهم الإيمان {قُلِ اللَّهُمّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ} تقيم الرسولَ يتيمَ أبي طالب على رأس الرسِّ حتى ينادِي أبدانا قد ٱنقلبت إلى القلِيب: يا عُتْبَة، يا شَيْبَة تعِز من تشاء وتُذِلّ من تشاء. أي صُهَيْب، أي بِلال، لا تعتقدوا أنا منعناكم من الدنيا ببغضكم. بيدك الخير ما مَنْعُكم مِن عَجْز {إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ} إنْعامُ الحقّ عامٌّ يتولى من يشاء.
ابن كثير
تفسير : يقول تبارك وتعالى: {قُلْ} يا محمد معظماً لربك، وشاكراً له، ومفوضاً إليه، ومتوكلاً عليه: {ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ} أي: لك الملك كله {تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ} أي: أنت المعطي، وأنت المانع، وأنت الذي ما شئت كان، وما لم تشأ لم يكن. وفي هذه الآية تنبيه وإرشاد إلى شكر نعمة الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم وهذه الأمة؛ لأن الله تعالى حول النبوة من بني إسرائيل إلى النبي العربي القرشي الأمي المكي، خاتم الأنبياء على الإطلاق، ورسول الله إلى جميع الثقلين: الإنس والجن، الذي جمع الله فيه محاسن من كان قبله، وخصه بخصائص لم يعطها نبياً من الأنبياء، ولا رسولاً من الرسل في العلم بالله وشريعته، واطلاعه على الغيوب الماضية والآتية، وكشفه له عن حقائق الآخرة، ونشر أمته في الآفاق في مشارق الأرض ومغاربها، وإظهار دينه وشرعه على سائر الأديان والشرائع، فصلوات الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين ما تعاقب الليل والنهار. ولهذا قال تعالى: {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ} الآية، أي: أنت المتصرف في خلقك، الفعال لما تريد. كما رد تعالى على من يحكم عليه في أمره حيث قال: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}تفسير : [الزخرف: 31]، قال الله رداً عليهم: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ}تفسير : [الزخرف: 32] الآية، أي: نحن نتصرف فيما خلقنا كما نريد بلا ممانع ولا مدافع، ولنا الحكمة البالغة، والحجة التامة في ذلك، وهكذا يعطي النبوة لمن يريد، كما قال تعالى: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} وقال تعالى: {أية : ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}تفسير : [الإسراء: 21] الآية، وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة إسحاق بن أحمد من تاريخه، عن المأمون الخليفة، أنه رأى في قصر ببلاد الروم مكتوباً بالحميرية، فعرب له، فإذا هو بسم الله ما اختلف الليل والنهار، ولا دارت نجوم السماء في الفلك إلا بنقل النعيم عن ملك قد زال سلطانه إلى ملك، ومُلْكُ ذي العرش دائم أبداً ليس بفان ولا بمشترك. وقوله تعالى: {تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ} أي: تأخذ من طول هذا فتزيده في قصر هذا، فيعتدلان، ثم تأخذ من هذا في هذا فيتفاوتان، ثم يعتدلان، وهكذا في فصول السنة ربيعاً وصيفاً وخريفاً وشتاء، وقوله تعالى: {وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ} أي: تخرج الزرع من الحب، والحب من الزرع، والنخلة من النواة، والنواة من النخلة، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، وما جرى هذا المجرى من جميع الأشياء {وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي: تعطي من شئت من المال ما لا يعد ولا يقدر على إحصائه، وتقتر على آخرين؛ لما لك في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة والعدل. قال الطبراني: حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، حدثناجعفر بن جسْر بن فرقد، حدثنا أبي عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في هذه الآية من آل عمران: { قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل لما وعد النبي صلى الله عليه وسلم أُمته مُلك فارس والروم فقال المنافقون هيهات: {قُلِ ٱللَّهُمَّ } يا الله {مَٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى } تعطي {ٱلْمُلْكَ مَن تَشَاءُ } من خلقك {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ } بإيتائه {وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ } بنزعه منه {بِيَدِكَ } بقدرتك {ٱلْخَيْرُ } أي والشر {إِنَّكَ عَلَىٰ كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ }.
الشوكاني
تفسير : قوله: {قُلِ ٱللَّهُمَّ }. قال الخليل، وسيبويه، وجميع البصرين: إن أصل اللهم: يا الله، فلما استعلمت الكلمة دون حرف النداء الذي هو «يا» جعلوا بدله هذه الميم المشددة، فجاءوا بحرفين، وهما الميمان عوضاً من حرفين، وهما الياء والألف، والضمة في الهاء هي: ضمة الاسم المنادي المفرد. وذهب الفراء، والكوفيون إلى أن الأصل في اللهم: يا ألله أمنا بخير، فحذف، وخلط الكلمتان، والضمة التي في الهاء هي: الضمة التي كانت في أمنا لما حذفت الهمزة انتقلت الحركة. قال النحاس: هذا عند البصريين من الخطأ العظيم، والقول في هذا ما قاله الخليل، وسيبويه، قال الكوفين، وقد يدخل حرف النداء على اللهم، وأنشدوا في ذلك قول الراجز:شعر : غفرت أو عذبت يا اللهما تفسير : وقول الآخر:شعر : وَمَا عَلَيْكِ أنْ تَقُولي كُلَّمَا سَبَّحتِ أوْ هللتَ يَاللَّهُمـا تفسير : وقول الآخر:شعر : إني إذَا مَـا حَدَث ألَمَّـا أقَولُ يَاللَّهُـم ياللهـما تفسير : قالوا: ولو كان الميم عوضاً من حرف النداء لما اجتمعتا. قال الزجاج: وهذا شاذ لا يعرف قائله. قال النضر بن شميل: من قال: اللهم، فقد دعا الله بجميع أسمائه. قوله: {مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ } أي: مالك جنس الملك على الإطلاق، ومالك منصوب عند سيبويه على أنه نداء ثان، أي: يا مالك الملك، ولا يجوز عنده أن يكون، وصفاً لقوله: {ٱللَّهُمَّ } لأن الميم عنده تمنع الوصفية. وقال محمد بن يزيد المبرد، وإبراهيم بن السري الزجاج: إنه صفة لاسم الله تعالى، وكذلك قوله تعالى: {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } تفسير : [الزمر: 46]. قال أبو علي الفارسي: وهو مذهب المبرد، وما قاله سيبويه أصوب، وأبين، وذلك لأنه اسم مفرد ضم إليه صوت، والأصوات لا توصف نحو غاق، وما أشبهه. قال الزجاج: والمعنى مالك العباد، وما ملكوا. وقيل: المعنى مالك الدنيا، والآخرة، وقيل: الملك هنا: النبوة، وقيل: الغلبة، وقيل: المال والعبيد، والظاهر: شموله لما يصدق عليه اسم الملك من غير تخصيص {تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَاء } أي: من تشاء إيتاءه إياه {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء } نزعه منه. والمراد بما يؤتيه من الملك، وينزعه هو نوع من أنواع ذلك الملك العام. قوله: {وَتُعِزُّ مَن تَشَاء } أي: في الدنيا، أو في الآخرة، أو فيهما، يقال عزّ: إذا غلب، ومنه: {أية : وَعَزَّنِى فِى ٱلْخِطَابِ } تفسير : [صۤ: 23]. وقوله: {وَتُذِلُّ مَن تَشَاء } أي: في الدنيا، أو في الآخرة، أو فيهما، يقال ذلّ يذلّ ذلاً: إذا غلب وقهر. وقوله: {بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ } تقديم الخبر للتخصيص، أي: بيدك الخير لا بيد غيرك، وذكر الخير دون الشرّ؛ لأن الخير بفضل محض بخلاف الشرّ، فإنه يكون جزاء لعمل وصل إليه. وقيل: لأن كلّ شرّ من حيث كونه من قضائه سبحانه هو: متضمن للخير، فأفعاله كلها خير، وقيل: إنه حذف، كما حذف في قوله: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } تفسير : [النحل: 81] وأصله بيدك الخير والشرّ، وقيل: خص الخير؛ لأن المقام مقام دعاء. قوله: {إِنَّكَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } تعليل لما سبق، وتحقيق له. قوله: {تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ } أي: تدخل ما نقص من أحدهما في الآخر، وقيل: المعنى تعاقب بينهما، ويكون زوال أحدهما، ولوجاً في الآخر. قوله: {وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ } قيل: المراد: إخراج الحيوان، وهو حيّ من النطفة، وهي ميتة، وإخراج النطفة، وهي ميتة من الحيوان، وهو حيّ، وقيل المراد: إخراج الطائر، وهو حي من البيضة، وهي ميتة، وإخراج البيضة، وهي ميتة من الدجاجة، وهي حية، وقيل المراد: إخراج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. قوله: {بِغَيْرِ حِسَابٍ } أي: بغير تضييق، ولا تقتير، كما تقول: فلان يعطي بغير حساب، والباء متعلقة بمحذوف وقع حالاً. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يجعل ملك فارس، والروم في أمته، فنزلت الآية. وأخرج الطبراني، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: اسم الله الأعظم {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ } إلى قوله: {بِغَيْرِ حِسَابٍ } وأخرج ابن أبي الدنيا، والطبراني، عن معاذ «أنه شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ديناً عليه، فعلمه أن يتلو هذه الآية، ثم يقول: حديث : رحمن الدنيا، والآخرة، ورحيمهما، تعطي من تشاء منهما، وتمنع من تشاء، ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك، اللهم أغنني من الفقر، واقض عني الدين»تفسير : . وأخرج الطبراني في الصغير من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «حديث : ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل جبل أحد دينا لأداه الله عنك»تفسير : فذكره، وإسناده جيد، وقد تقدم عند تفسير قوله تعالى: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } تفسير : [آل عمران: 18] بعض فضائل هذه الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَاء } قال: النبوة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن مسعود في قوله: {تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلْنَّهَارِ } الآية، قال: تأخذ الصيف من الشتاء، وتأخذ الشتاء من الصيف {وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ } تخرج الرجل الحيّ من النطفة الميتة {وَتُخْرِجُ ٱلَمَيّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ } تخرج النطفة الميتة من الرجل الحيّ. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس {تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلْنَّهَارِ } قال: ما نقص من النهار تجعله في الليل، وما نقص من الليل تجعله في النهار. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي نحوه. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد، نحوه. وأخرج عبد بن حميد، عن الضحاك، نحوه أيضاً. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس: {تُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ } قال: تخرج النطفة الميتة من الحي، ثم تخرج من النطفة بشراً حياً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة {تُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ } قال: هي البيضة تخرج من الحيّ، وهي: ميتة، ثم يخرج منها الحيّ. وأخرج ابن جرير عنه قال: النخلة من النواة، والنواة من النخلة، والحبة من السنبلة، والسنبلة من الحبة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي مالك مثله. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن الحسن قال: المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. والمؤمن عبد حيّ الفؤاد، والكافر عبد ميت الفؤاد. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن سلمان الفارسي، نحوه. وأخرج ابن مردويه، عنه مرفوعاً نحوه، وأخرجه أيضاً عنه، أو عن ابن مسعود، مرفوعاً. وأخرج عبد الرزاق، وابن سعد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن عبيد الله بن عبد الله: «أن خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: حديث : من هذه؟ تفسير : قيل: خالدة بنت الأسود، قال: حديث : سبحان الذي يخرج الحيّ من الميت»تفسير : وكانت امرأة صالحة، وكان أبوها كافراً. وأخرج ابن سعد، عن عائشة مثله.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلكِ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يريد به ملك أمر الدنيا والآخرة. والثاني: مالك العباد وما ملكوه، قاله الزجاج. والثالث: مالك النبوة، قاله مجاهد. {تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن المُلك هنا النبوة، قاله مجاهد. والثاني: أنه الإيمان. والثالث: أنه السلطان. روى قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يجعل مُلْك فارس والروم في أمته، فأنزل الله هذه الآية. {وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ} يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: تعز من تشاء بالطاعة، وتذل من تشاء بالمعصية. والثاني: تعز من تشاء بالنصر، وتذل من تشاء بالقهر. والثالث: تعز من تشاء بالغنى، وتذل من تشاء بالفقر. {بِيَدِكَ الْخَيْرُ} أي أنت قادر عليه، وإنما خَصَّ الخير بالذكر وإن كان قادراً على الخير والشر، لأنه المرغوب في فعله. قوله تعالى: {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} فيه قولان: أحدهما: معناه تدخل نقصان الليل في زيادة النهار، ونقصان النهار في زيادة الليل، وهو قول جمهور المفسرين. والثاني: أن معناه تجعل الليل بدلاً من النهار، وتجعل النهار بدلاً من الليل، وهو قول بعض المتأخرين. {وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} قرأ نافع وحمزة والكسائي: الميّت بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف. واختلفوا في معناه بالتخفيف والتشديد، فذهب الكوفيون إلى أن الميْت بالتخفيف الذي قد مات، وبالتشديد الذي لم يمت بعد. وحكى أبو العباس عن علماء البصريين بأسرهم أنهما سواء، وأنشد لابن الرعلاء القلابي: شعر : ليس من مات فاستراح بميت إنما المْيتُ ميّت الأحياء إنما الميْتُ من يعيش كئيباً كاسفاً بالُه قليل الرجاء تفسير : وفي تأويل إخراج الحي من الميت قولان: أحدهما: أنه يخرج الحيوان الحي في النطفة الميتة، ويخرج النطفة الميتة من الحيوان الحي، وهذا قول ابن مسعود، ومجاهد، وقتادة، والسدي. والثاني: أنه يخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن، وهذا قول الحسن. وقال قتادة: وإنما سَمَّى الله يحيى بن زكريا بيحيى لأن الله عز وجل أحياه بالإيمان. {وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} فيه ثلاثة أقاويل مضت.
ابن عطية
تفسير : قال بعض العلماء: إن هذه الآية لباطل نصارى نجران في قولهم: إن عيسى هو الله وذلك أن هذه الأوصاف تبين لكل صحيح الفطرة أن عيسى عليه السلام ليس في شيء منها، وقال قتادة: ذكر لنا أن النبي عليه السلام سأل ربه أن يجعل في أمته ملك فارس والروم فنزلت الآية في ذلك. وقال مجاهد: {الملك} في هذه الآية النبوة، والصحيح أنه {مالك الملك} كله مطلقاً في جميع أنواعه، وأشرف ملك يؤتيه سعادة الآخرة وروي أن الآية نزلت بسبب أن النبي عليه السلام بشّر أمته بفتح ملك فارس وغيره فقالت اليهود والمنافقون: هيهات وكذبوا ذلك، واختلف النحويون في تركيب لفظة {اللهم} بعد إجماعهم على أنها مضمومة الهاء مشددة الميم المفتوحة وأنها منادى، ودليل ذلك أنها لا تأتي مستعملة في معنى خبر، فمذهب الخليل وسيبويه والبصريين، أن الأصل "يالله" فلما استعملت الكلمة دون حرف النداء الذي هو- يا- جعلوا بدل حرف النداء هذه الميم المشددة، والضمة في الهاء هي ضمة الاسم المنادى المفرد، وذهب حرفان فعوض بحرفين، ومذهب الفراء والكوفيين، أن أصل {اللهم} يا لله أم: أي أم بخير وأن ضمة الهاء هي ضمة الهمزة التي كانت في أم نقلت، ورد الزجاج على هذا القول وقال: محال أن يترك الضم الذي هو دليل على نداء المفرد وأن تجعل في اسم الله ضمة أم، هذا إلحاد في اسم الله تعالى. قال القاضي أبو محمد: وهذا غلو من الزجاج، وقال أيضاً: إن هذا الهمز الذي يطرح في الكلام فشأنه أن يؤتى به أحياناً قالوا: "ويلمه" في ويل أمه والأكثر إثبات الهمزة، وما سمع قط "يالله أم" في هذا اللفظ، وقال أيضاً: ولا تقول العرب "ياللهم"، وقال الكوفيون: إنه قد يدخل حرف النداء على {اللهم} وأنشدوا على ذلك: [الرجز] شعر : وما عليك أن تقولي كلما سبحت أو هللت ياللهم ما اردُدْ عَلَيْنَا شَيْخَنَا مُسَلَّما تفسير : قالوا: فلو كانت الميم عوضاً من حرف النداء لما اجتمعا، قال الزجاج، وهذا شاذ لا يعرف قائله ولا يترك له ما في كتاب الله وفي جميع ديوان العرب، قال الكوفيون: وإنما تزاد الميم مخففة في "فم وابنم" ونحوه فأما ميم مشددة فلا تزاد، قال البصريون: لما ذهب حرفان عوض بحرفين، ومالك نصب على النداء، نص سيبويه ذلك في قوله تعالى: {أية : قل اللهم فاطر السماوات والأرض} تفسير : [الزمر: 46] وقال: إن {اللهم} لا يوصف لأنه قد ضمت إليه الميم، قال الزجاج: ومالك عندي صفة لاسم الله تعالى وكذلك {فاطر السموات} قال أبو علي: وهو مذهب أبي العباس، وما قال سيبويه أصوب وذلك أنه ليس في الأسماء الموصوفة شيء على حد {اللهم} لأنه اسم مفرد ضم إليه صوت والأصوات لا توصف نحو،غاق وما أشبهه، وكأن حكم الاسم المفرد أن لا يوصف وإن كانوا قد وصفوه في مواضع فلما ضم هنا ما لا يوصف إلى ما كان قياسه أن لا يوصف صار بمنزلة صوت ضم إلى صوت نحو، "حيهل" فلم يوصف، قال النضر بن شميل: من قال {اللهم} فقد دعا الله بجميع أسمائه كلها، وقال الحسن: {اللهم} مجمع الدعاء. وخص الله تعالى: {الخير} بالذكر وهو تعالى بيده كل شيء، إذ الآية في معنى دعاء ورغبة فكأن المعنى {بيدك الخير} فأجزل حظي منه، وقيل المراد {بيدك الخير} والشر فحذف لدلالة أحدهما على الآخر، كما قال {أية : تقيكم الحر} تفسير : [النحل:81] قال النقاش: {بيدك الخير} أي النصر والغنيمة فحذف لدلالة أحدهما: وقال ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي وابن زيد في معنى قوله تعالى: {تولج الليل في النهار} الآية: أنه ما ينتقص من النهار فيزيد في الليل وما ينتقص من الليل فيزيد في النهار دأباً كل فصل من السنة، وتحتمل ألفاظ الآية أن يدخل فيها تعاقب الليل والنهار كأن زوال أحدهما ولوج في الآخر. واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: {وتخرج الحي من الميت} الآية، فقال الحسن: معناه تخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، وروي نحوه عن سلمان الفارسي، وروى الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على بعض أزواجه فإذا بامرأة حسنة النغمة فقال: من هذه؟ قالت أحدى خالاتك فقال: إن خالاتي بهذه البلدة لغرائب، أي خالاتي هي؟ قالت: خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث فقال النبي عليه السلام: سبحان الذي يخرج الحي من الميت، وكانت امرأة صالحة وكان أبوها كافراً وهو أحد المستهزئين الذين كفيهم النبي عليه السلام. قال أبو محمد: فالمراد على هذا القول موت قلب الكافر وحياة قلب المؤمن والحياة والموت مستعاران، وذهب جمهور كثير من العلماء إلى أن الحياة والموت في الآية إنما هو الحياة حقيقة والموت حقيقة لا باستعارة، ثم اختلفوا في المثل التي فسروا بها فقال عكرمة: هو إخراج الدجاجة وهي حية من البيضة وهي ميتة وإخراج البيضة وهي ميتة من الدجاجة وهي حية ولفظ الإخراج في هذا المثال وما ناسبه لفظ متمكن على عرف استعماله، وقال عبد الله بن مسعود في تفسير الآية: هي النطفة تخرج من الرجل وهي ميتة وهو حي ويخرج الرجل منها وهي ميتة. قال القاضي أبو محمد: ولفظ الإخراج في تنقل النطفة حتى تكون رجلاً إنما هو عبارة عن تغير الحال كما تقول في صبي جيد البنية: يخرج من هذا رجل قوي، وهذا المعنى يسميه ابن جني: التجريد أي تجرد الشيء من حال إلى حال هو خروج، وقد يحتمل قوله تعالى: {ويخرج الميت من الحي} أن يراد به أن الحيوان كله يميته فهذا هو معنى التجريد بعينه وأنشد ابن جني على ذلك: شعر : أَفَاءَتْ بَنُو مَرْوانَ ظُلْماً دِمَاءَناَ وفي اللَّهِ -إنْ لَمْ يُنْصِفُوا- حَكَمٌ عَدْلُ تفسير : وروى السدي عن أبي مالك قال في تفسير الآية: هي الحبة تخرج من السنبلة والسنبلة تخرج من الحبة، والنواة تخرج من النخلة والنخلة تخرج من النواة والحياة في النخلة والسنبلة تشبيه، وقوله تعالى: {بغير حساب} قيل معناه بغير حساب منك لأنه تعالى لا يخاف أن تنتقص خزائنه، هذا قول الربيع وغيره، وقيل معنى {بغير حساب} أي من أحد لك، لأنه تعالى لا معقب لأمره، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر:الميْت" بسكون الياء في جميع القرآن، وروى حفص عن عاصم "من الميّت" بتشديد الياء، وقرأ نافع وحمزة والكسائي "الميّت" بتشديد الياء في هذه الآية، وفي قوله: {أية : لبلد ميت} تفسير : [الأعراف: 57]، و {أية : إلى بلد ميت} تفسير : [فاطر:9] وخفف حمزة والكسائي غير هذه الحروف، قال أبو علي: {الميت} هو الأصل والواو التي هي عين منه انقلبت ياء لإدغام الياء فيها وميت التخفيف محذوف منه عينه أعلت بالحذف كما أعلت بالقلب، والحذف حسن والإتمام حسن وما مات وما لم يمت في هذا الباب يستويان في الاستعمال. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وذهب قوم إلى أن "الميْت" بالتخفيف إنما يستعمل فيما قد مات، وأما "الميّت" بالتشديد فيستعمل فيما مات وفيما لم يمت بعد.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَالِكَ} مالك الدنيا والآخرة، أو مالك العباد وما ملكوه، أو مالك النبوة {تُؤْتِى الْمُلْكَ} النبوة، أو السطان. دعا الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يجعل الله ـ تعالى ـ ملك فارس والروم في أمته فنزلت {بِيَدِكَ الْخَيْرُ} خص بالذكر، لأنه المعروف من فعله.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {الحي من الميت والميت من الحي} بالتشديد على "فيعل" حيث كان: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وعاصم غير أبي بكر وحماد. الباقون بالتخفيف على "فيل". {منهم تقية} بكسر القاف وفتح الياء وتشديدها: أبو زيد عن المفضل وسهل ويعقوب. الباقون {تقاة} بضم التاء. وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة. الوقوف: {ممن تشاء} ط لتناهي الجملتين المتضايفتين معنى إلى جملتين مثلهما {ونذل من تشاء} ط {الخير} ط {قدير} ه، {في الليل} ز للفصل بين الجملتين المتضادتين {من الحي} ز لعطف المتفقتين {حساب} ه، {المؤمنين} ج {تقاة} ط {نفسه} ط {المصير} ه، {يعلمه الله} ط {وما في الأرض} ط {قدير} ه، {محضرا} ج والأجوز أن يوقف على {سوء} تقديره وما عملت من سوء كذلك. {بعيداً} ط {نفسه} ط {بالعباد} ه {ذنوبكم} ط {رحيم} ه {والرسول} ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب. {الكافرين} ه، {العالمين} (لا) لأن {ذرّية} بدل. {من بعض} ج {عليم} (لا) لاحتمال أن "إذ" متعلق بالوصفين أي سمع دعاءها وعلم رجاءها حين قالت، أو اصطفى آل عمران وقت قولها ولاحتمال نصب "إذ" بإضمار "اذكر". /التفسير: إنه سبحانه لما ذكر من طريقة المعاندين ما ذكر، علم نبيه صلى الله عليه وسلم طريقة مباينة لطريقتهم من كيفية التمجيد والتعظيم فقال: {قل اللهم} ومعناه عند سيبويه يا الله والميم المشددة عوض عن الياء. وإنما أخرت تبركاً باسم الله تعالى وهذا من خصائص اسم الله. كما اختص بدخول تاء القسم، وبدخول حرف النداء عليه مع لام التعريف، وبقطع همزته في يا الله. وعند الكوفيين أصله يا الله أمنا بخير أي أقصدنا، فلما كثر في الكلام حذفوا حرف النداء. وخففت الهمزة من أمّ. وزيف بأن التقدير لو كان كذلك لزم أن يذكر الدعاء بعده بالعطف مثل: اللهم واغفر لنا. ولجاز أن يتكلم به على أصله من غير تخفيف الهمزة وبإثبات حرف النداء وأجيب بأنه إنما لم يوسط العاطف لئلا يصير السؤال سؤالين ضرورة مغايرة المعطوف للمعطوف عليه بخلاف ما لو جعل الثاني تفسيراً للأول فيكون آكد. وبأن الأصل كثيراً ما يصير متروكاً مثل: ما أكرمه فإنه لا يقال: شيء ما أكرمه في التعجب. {ومالك الملك} نداء مستأنف عند سيبويه. فإن النداء باللهم لا يوصف كما لا توصف أخواته من الأسماء المختصة بالنداء نحو: يا هناه ويا نومان ويا ملكعان وفل. وأجاز المبرد نصبه على النعت كما جاز في "يا ألله". عن ابن عباس وأنس بن مالك حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم فقال المنافقون واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم؟ هم أعز وأمنع من ذلك تفسير : فنزلت الآية. وعن عمرو بن عون "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خط الخندق عام الأحزاب وقطع لكل عشرة أربعين ذراعاً وأخذوا يحفرون، خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم لم تعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخبره صلى الله عليه وسلم، فأخذ المعول من سلمان فضربها صلى الله عليه وسلم ضربة صدعتها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها كالمصباح في جوف بيت مظلم، وكبر صلى الله عليه وسلم وكبر المسلمون وقال صلى الله عليه وسلم: أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب، ثم ضرب الثانية فقال صلى الله عليه وسلم: أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم، ثم ضرب صلى الله عليه وسلم الثالثة فقال: أضاءت لي قصور صنعاء، وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة على كلها فأبشروا. فقال المنافقون: ألا تعجبون يمنيكم ويعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا" تفسير : فنزلت. وقال الحسن: إن الله تعالى أمر نبيه أن يسأله أن يعطيه ملك فارس والروم ويرد ذل العرب عليهما. وأمره بذلك دليل على أن يستجيب له صلى الله عليه وسلم هذا الدعاء وهكذا منازل الأنبياء إذا أمروا بدعاء استجيب دعاؤهم. {مالك الملك} أي تملك جنس الملاك فيتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون، وفيه أن قدرة الخلق في كل ما يقدرون عليه ليست إلا بأقدار / الله تعالى. ثم لما بين كونه مالك الملك وأنه هو الذي يقدر كل قادر على مقدوره ويملك كل مالك على مملوكه فصل ذلك بقوله: {تؤتى الملك من تشاء} أي النصيب الذي قسمت له واقتضته حكمتك. فالأول عام شامل والآخر بعض من الكل. وهذا الملك قيل: ملك النبوة لأنها أعظم مراتب الملك لأن العلماء لهم أمر على بواطن الخلق، والجبابرة لهم أمر على ظواهر الخلق. والأنبياء أمرهم نافذ في البواطن والظواهر، فعلى كل أحد أن يقبل شريعتهم ولهم أن يقتلوا من أرادوا من المتمردين. ولهذا استبعد بعض الجهلة أن يكون النبي بشراً {أية : أبعث الله بشراً رسولاً} تفسير : [الإسراء: 94] ومن المجوّزين من كان يقول إن محمداً صلى الله عليه وسلم فقير يتيم فكيف يليق به هذا المنصب العظيم؟ {أية : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} تفسير : [الزخرف: 31] وكانت اليهود تقول: النبوة في أسلافنا فنحن أحق بها. وقد روينا في تفسير قوله: {أية : قل للذين كفروا ستغلبون} تفسير : [آل عمران: 12] أن اليهود تكبروا على النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة عددهم وعددهم فرد الله تعالى على جميع هؤلاء الطوائف بأنه سبحانه مالك الملك يؤتي الملك - وهو النبوة - من يشاء، وينزع الملك - النبوة - ممن يشاء لا بمعنى أنه يعزله عن النبوة فإن ذلك غير جائز بالإجماع بل بمعنى أنه ينقلها من نسل إلى نسل كما نزع عن بني إسرائيل ووضع في العرب، أو بمعنى أنه لا يعطيه النبوة ابتداء كقوله: {أية : الله وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} تفسير : [البقرة: 257] فإنه يتناول من لم يكن في ظلمة الكفر قط. ومثله {أية : أو لتعودنّ في ملتنا} تفسير : [الأعراف: 88] مع أن الأنبياء لم يكونوا في ملتهم قط حتى يتصور العود إليها. وقيل: المراد من الملك التسلط الظاهر وهو الاقتدار على المال بأنواعه وعلى الجاه، وهو أن يكون مهيباً عند الناس وجيهاً غالباً مظفراً مطاعاً. ومن المعلوم أن كل ذلك بإيتاء الله تعالى. فكم من عاقل قليل المال، ورب جاهل غافل رخي البال، وقد رأينا كثيراً من الملوك بذلوا الأموال لتحصيل الحشمة والجاه وما ازدادوا إلا حقارة وخمولاً، فعلمنا أن الكل بإيتاء الله تعالى سواء في ذلك ملوك العدل وملوك الجور، لأن حصول الملك للجائر إن لم يقع بفاعل ففيه سد باب إثبات الصانع، وإن حصل بفعل المتغلب فكل أحد يتمنى حصول الملك والدولة لنفسه ولا يتيسر له. فلم يبق إلا أن يكون من مسبب الأسباب وفاعل الكل ومدبر الأمور وناظم مصالح الجمهور. شعر : لو كان بالحيل الغنى لوجدتني بتخوم أقطار السماء تعلقي لكن من رزق الحجى حرم الغنى ضدان مفترقان أيّ تفرق ومن الدليل على القضاء وكونه بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق تفسير : وكذا الكلام في نزع الملك فإنه كما ينزع الملك من الظالم فقد ينزعه من العادل لمصلحة تقتضي ذلك. والنزع يكون بالموت وبإزالة العقل والقوى والقدرة والحواس وبتلف الأموال وغير ذلك. في بعض الكتب "أنا الله ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة. وإن العباد عصوني جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم" وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : كما تكونوا يولى عليكم" تفسير : والصحيح أن الملك عام يدخل فيه النبوة والولاية والعلم والعقل والصحة والأخلاق الحسنة وملك النفاذ والقدرة وملك محبة القلوب وملك الأموال والأولاد إلى غير ذلك، فإن اللفظ عام ولا دليل على التخصيص {وتعز من تشاء وتذل من تشاء} كل من الإعزاز والإذلال في الدين أو في الدنيا، ولا عزة في الدين كعزة الإيمان {أية : ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} تفسير : [المنافقون: 8] وفي ضده لا ذلة كذلة الكفر وعزة الدنيا كإعطاء الأموال الكثيرة من الناطق والصامت، وتكثير الحرث وتكثير النتاج في الدواب وإلقاء الهيبة في قلوب الخلق، وكل ذلك بتيسير الله تعالى وتقديره {بيدك الخير} أي بقدرتك يحصل كل الخيرات وليس في يد غيرك منها شيء. وإنما خص الخير بالذكر وإن كان بيده الخير والشر والنفع والضرّ، لأن الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو الذي أنكرته الكفرة، أي بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك، أو لأن جميع أفعاله من نافع وضار لا يخلو عن حكمة ومصلحة وإن كنا لا نعلم تفصيلها فكلها خير، أو لأن القادر على إيصال الخير أقدر على إيصال الشر فاكتفى بالأول عن الثاني. وللاحتراز عن لفظ الشر مع أن ذلك صار مذكورا بالتضمن في قوله: {إنك على كل شيء قدير} ولأن الخير يصدر عن الحكم بالذات والشر بالعرض فاقتصر على الخير. {تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل} وذلك بأن يجعل الليل قصيراً ويدخل ذلك القدر في النهار وبالعكس. ففي كل منهما قوام العالم ونظامه. أو يأتي بالليل عقيب النهار فيلبس الدنيا ظلمته بعد أن كان فيها ضوء النهار، ثم يأتي بالنهار عقيب الليل فيلبس الدنيا ضوأه. فالمراد بالإيلاج إيجاد كل منهما عقيب الآخر والأول أقرب إلى اللفظ، فإن الإيلاج الإدخال فإذا زاد من هذا في ذلك فقد أدخله فيه {وتخرج الحي من الميت} المؤمن من الكافر {أية : أو من كان ميتاً فأحييناه} تفسير : [الأنعام: 22] أي كافراً فهديناه، أو الطيب من الخبيث، أو الحيوان من النطفة، أو الطير من البيضة وبالعكس. والنطفة تسمى ميتاً {أية : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاًَ فأحياكم} تفسير : [البقرة: 28] أو يخرج السنبلة من الحبة، والنخلة من النواة وبالعكس. فإخراج النبات من الأرض يسمى إحياء {أية : يحيي الأرض بعد موتها} تفسير : [الحديد: 17] {وترزق من تشاء بغير حساب} تقدم مثله في البقرة. وإذا كان كذلك فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم / ويذلهم ويؤتيه العرب ويعزهم. ثم لما علم كيفية التعظيم لأمر الله أردفه بشريطة الشفقة على خلق الله، أو نقول: لما ذكر أنه مالك الملك وبيده العزة والذلة والخير كله. بيّن أنه ينبغي أن تكون الرغبة فيما عنده وعند أوليائه دون أعدائه فقال: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين} بالجزم، ولكن كسر الذال للساكنين. قال الزجاج: ولو رفع على الخبر جاز، ولكنه لم يقرأ. والخبر والطلب يقام كل منهما مقام الآخر. وقوله: {من دون المؤمنين} يعني أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين فلا تؤثروهم على المؤمنين. عن ابن عباس قال: حديث : كان الحجاج بن عمرو وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد وهؤلا كانوا من اليهود يباطنون نفراً من الأنصار يفتنونهم عن دينهم. فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود. فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم تفسير : فنزلت هذه الآية. وعن ابن عباس أيضاً في رواية الضحاك: حديث : نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدرياً نقيباً، وكان له حلفاء من اليهود. فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب قال عبادة: يا نبي الله، إن معي خمسمائة رجل من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو تفسير : فنزلت. وقال الكلبي: نزلت في المنافقين - عبد الله بن أبيّ وأصحابه - كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية، ونهى المؤمنين عن مثل فعلهم. وقد كرر ذلك في آيات أخر كثيرة {أية : لا تتخذوا بطانة من دونكم} تفسير : [آل عمران: 118] {أية : لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء} تفسير : [المائدة: 51] {أية : لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} تفسير : [المجادلة: 22] وكون المؤمن موالياً للكافر يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون راضياً بكفره والرضا بالكفر كفر فيستحيل أن يصدر عن المؤمن فلا يدخل تحت الآية لقوله: {يا أيها الذين آمنوا} وثانيها المعاشرة الجميلة في الدنيا بحسب الظاهر وذلك غير ممنوع منه والثالث كالمتوسط بين القسمين وهو الركون إليهم والمعونة والمظاهرة لقرابة أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك، ولهذا قال مقاتل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره، وكانوا يظهرون المودّة لكفار مكة مع اعتقاد أن دينهم باطل، فهذا لا يوجب الكفر إلا أنه منهي عنه حذراً من أن يجره إلى استحسان طريقته والرضا بدينه حتى يخصه بالموالاة دون المؤمنين، فلا جرم هدد فقال: {من يفعل ذلك فليس من الله} أي من ولايته أو من دينه {في شيء} يقع عليه اسم الولاية يعني أنه منسلخ عن ولاية الله رأساً، وهذا كالبيان لقوله: {من دون المؤمنين} ليعلم أن الاشتراك بينهم وبين المؤمنين في الموالاة غير متصوّر وهذا أمر معقول، فإن موالاة الولي وموالاة عدوه ضدان قال: شعر : تود عدوّي ثم تزعم أنني صديقك ليس النوك عنك بعازب تفسير : قال بعض الحكماء: هذا ليس بكلي فإنه قد يكون المشفق على العدوّ مشفقاً على العدو الآخر كالملك العادل فإنه محب لهما، فإن أراد أحد أن يعم الحكم لا بد له أن يزيد عليه إذا كانوا في مرتبة واحدة {إلا أن تتقوا منهم تقاة} قال الجوهري: يقال اتقى تقية وتقاة مثل اتخم تخمة، وفاؤها واو كتراث. فالتقاة اسم وضع موضع المصدر. قال الواحدي: ويجوز أن يجعل "تقاة" ههنا مثل "دعاة" و "رماة" فيكون حالاً مؤكدة، وعلى هذين الوجهين يكون تتقوا مضمناً معنى تحذروا أو تخافوا ولذا عدي بـ"من". ويحتمل أن يكون التقاة أو التقية بمعنى المتقي مثل: ضرب الأمير لمضروبه، فالمعنى إلا أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه. رخص لهم في موالاتهم إذا خافوهم، والمراد بتلك الموالاة محالفة ومعاشرة ظاهرة والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء وانتظار زوال المانع من قشر العصا وإظهار الطوية كقول عيسى عليه السلام: كن وسطاً وامش جانباً أي ليكن جسدك بين الناس وقلبك مع الله. وللتقية عند العلماء أحكام منها: إذا كان الرجل في قوم كفار يخاف منهم على نفسه جاز له أن يظهر المحبة والموالاة ولكن بشرط أن يضمر خلافه ويعرّض في كل ما يقول ما أمكن، فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلب. ومنه أنها رخصة فلو تركها كان أفضل لما "حديث : روى الحسن أنه أخذ مسيلمة الكذاب رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأحدهما: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم. - وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة ومحمد رسول قريش - فتركه ودعا الآخر وقال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ فقال: نعم نعم نعم. فقال: أتشهد أني رسول الله؟ فقال: إني أصم ثلاثاً، فقدمه وقتله. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال: أما هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيأ له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه"تفسير : . ونظير هذه الآية {أية : إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان}تفسير : [النحل: 106] ومنها أنها إنما تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة والمعاداة. وقد يجوز أن تكون أيضاً فيما يتعلق بإظهار الدين، فأما الذي يرجع ضرره إلى الغير كالقتل والزنا وغصب الأموال وشهادة الزور وقذف المحصنات وإطلاع الكفار على عورات المسلمين فذلك غير جائز ألبتة. ومنها أن الشافعي جوز التقية بين المسلمين كما جوّزها بين الكافر محاماة على النفس. ومنها أنها جائزة لصون المال على الأصح كما أنها جائزة لصون النفس لقوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : حرمة مال المسلم كحرمة دمه" تفسير : و "حديث : من قتل دون ماله فهو شهيد " تفسير : ولأن الحاجة إلى المال شديدة ولهذا يسقط فرض الوضوء ويجوز الاقتصار على / التيمم إذا بيع الماء بالغبن. قال مجاهد: كان هذا في أول الإسلام فقط لضعف المؤمنين. وروى عوف عن الحسن أنه قال: التقية جائزة إلى يوم القيامة. وهذا أرجح عند الأئمة. {ويحذركم الله نفسه} قيل: أي عقاب نفسه. وفيه تهديد عظيم لمن تعرّض لسخطه بموالاة أعدائه لأن شدة العقاب على حسب قدرة المعاقب. وفائدة ذكر النفس تصريح بأن الذي حذر منه هو عقاب يصدر من الله لا من غيره. وقيل: الضمير يعود إلى اتخاذ الأولياء أي ينهاكم الله عن نفس هذا الفعل. ثم حذر عن جعل الباطن موافقاً للظاهر في وقت التقية فقال: {قل إن تخفوا ما في صدوركم} أي قلوبكم وضمائركم لأن القلب في الصدر فجاز إقامة الظرف مقام المظروف {أو تبدوه يعلمه الله} يتعلق به علمه الأزلي. ثم استأنف بياناً أشفى وتحذيراً أوفى فقال: {ويعلم ما في السموات وما في الأرض} ثم قال إتماماً للتحذير {والله على كل شيء قدير} ثم خلط الوعيد بالوعد والترهيب بالترغيب فقال: {يوم تجد} وفي عامله وجوه قال ابن الأنباري: وإلى الله المصير يوم تجد. وقيل: والله على كل شيء قدير يوم تجد، وخص ذلك اليوم بالذكر وإن كان غيره من الأيام بمنزلته في قدرة الله تعالى تعظيماً لشأنه مثل {أية : مالك يوم الدين} تفسير : [الفاتحة: 3] وقيل: انتصابه بمضمر أي اذكر. والأظهر أن العامل فيه {تود} والضمير في {بينه} لليوم أي تود كل نفس يوم تجد ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء محضراً أيضاً لو أن بينها وبين ذلك اليوم وهو له أمداً بعيداً. والأمد الغاية التي ينتهي إليها مكاناً كانت أو زماناً. والمقصود تمني بعده كقوله: {أية : يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين} تفسير : [الزخرف: 38] ومعنى كون العمل محضراً هو أن يكون ما كتب فيه العمل من الصحائف حاضراً، أو يكون جزاؤه حاضراً إذ العمل عرض لا يبقى. ثم إن لم يكن يوم متعلقاً بـ {تود} احتمل أن يكون {تود} صفة {سوء} والضمير في {بينه} يعود إليه، واحتمل أن يكون حالاً، واحتمل أن يكون {ما عملت} مبتدأ من الصلة والموصول و{تود} خبره وهو الأكثر، واحتمل أن يكون "ما" شرطية و{تود} جزاء له وهو قليل كقوله: شعر : وإن أتاه خليل يوم مسغبة يقول لا غائب ما لي ولا حرم تفسير : وقراءة عبد الله {ودت} يحتملها على السواء إلا أن الحمل على الابتداء والخبر أوقع في المعنى لأنه حكاية الكائن في ذلك اليوم {ويحذركم الله نفسه} تأكيد للوعيد {والله رؤوف بالعباد} قال الحسن: ومن رأفته أن حذرهم نفسه وعرّفهم كمال علمه وقدرته، وأنه يمهل ولا يهمل، ورغبهم في استيجاب رحمته، وحذرهم من استحقاق غضبه. ويجوز أن يراد أنه / رؤوف بهم حيث أمهلهم للتوبة والتلافي، أو هو وعد كما أن التحذير وعيد، أو المراد بالعباد عباده المخلصون كقوله:{أية : عيناً يشرب بها عباد الله} تفسير : [الدهر: 6] كما هو منتقم من الفساق ومحذرهم نفسه فهو رؤوف بالعباد المطيعين والمحسنين. ثم إنه تعالى دعا القوم إلى الإيمان به ورسوله من طريق آخر سوى طريق التهديد والتحذير فقال: {قل إن كنتم تحبون الله} قال الحسن وابن جريج: زعم أقوام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم يحبون الله فقالوا: يا محمد إنا نحب ربنا فأنزل الله هذه الآية. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: "حديث : وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قريش وهم في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام وجعلوا في آذانها الشنوف وهم يسجدون لها فقال: يا معشر قريش، لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل ولقد كانا على الإسلام. فقالت قريش: يا محمد إنا نعبد هذه حباً لله ليقربونا إلى الله زلفى"تفسير : . فأنزل الله {قل إن كنتم تحبون الله} وتعبدون الأصنام لتقربكم إليه {فاتبعوني يحببكم الله} فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم. وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنها نزلت حين زعمت اليهود أنهم أبناء الله وأحباؤه. وقيل: نزلت في نصارى نجران زعموا أنهم يعظمون المسيح ويعبدونه حباً لله وتعظيماً له. والحاصل أن كل من يدعي محبة الله تعالى من فرق العقلاء فلا بد أن يكون في غاية الحذر مما يوجب سخطه، فإذا قامت الدلائل العقلية والمعجزات الحسية على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وجبت متابعته. فليس في متابعته إلا أنه يدعوهم إلى طاعة الله وتعظيمه وترك تعظيم غيره. فمن أحب الله كان راغباً فيه لأن المحبة توجب الإقبال بالكلية على المحبوب والإعراض بالكلية عن غيره، وقد مر في تفسير قوله: {أية : والذين آمنوا أشد حباً لله} تفسير : [البقرة: 165] تحقيق المحبة وأنها من الله تعالى عبارة عن إعطاء الثواب. وقال: {ويغفر لكم ذنوبكم} ليدل مع إيفاء الثواب على إزالة العقاب وهذه غاية ما يطلبه كل عاقل. {والله غفور} في الدنيا يستر على عبده أنواع المعاصي {رحيم} في الآخرة يثيبه على مثقال الذرة من الطاعة والحسنة. يروى أنه لما نزل {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني} قال عبد الله بن أبيّ إن محمداً يجعل طاعته كطاعة الله ويأمرنا أن نحبه كما أحب النصارى عيسى فنزلت {قل أطيعوا الله والرسول} وذلك أن الآية الأولى لما اقتضت وجوب متابعته ثم إن المنافق ألقى شبهة في البين أمره الله تعالى أن يقول: إنما أوجب الله عليكم متابعتي لا لما يقوله النصارى في عيسى بل لكوني رسولاً من عند الله ومبلغ تكاليفه {فإن تولوا} أعرضوا أو تعرضوا على أن يكون التاء الأولى محذوفة ويدخل في جملة ما يقوله الرسول لهم، فإنه لا يحصل للكافرين محبة الله لأنها عبارة عن الثناء لهم وإيصال الثواب إليهم، والكافر يستحق الذم واللعن وهذا ضد المحبة. ثم إنه تعالى لما بين أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسل بيّن / علو درجات الرسل وسموّ طبقاتهم فقال: {إن الله اصطفى آدم ونوحاً} الآية أي جعلهم صفوة خلقه والمختارين من بينهم تمثيلاً بما يشاهد من الشيء الذي يصفى وينقى من الكدورة، وذلك باستخلاصهم من الصفات الذميمة وتحليتهم بالخصال الحميدة كقوله: {أية : الله أعلم حيث يجعل رسالته} تفسير : [الأنعام: 124] وقيل: المعنى أن الله اصطفى دين آدم ودين نوح ولكن الأصل عدم الإضمار. وذكر الحليمي في كتاب المنهاج أن الأنبياء عليهم السلام مخالفون لغيرهم في القوى الجسمانية والقوى الروحانية. أما القوى الجسمانية فهي إما مدركة أو محركة. أما المدركة فهي الحواس الظاهرة أو الباطنة أما الظاهرة فقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها "تفسير : وقوله: "حديث : أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري" تفسير : وهذا يدل على كمال القوة الباصرة ونظيرها ما حصل لإبراهيم عليه السلام {أية : وكذلك نُرِي إبراهيم ملكوت السموات والأرض} تفسير : [الأنعام: 75] ذكروا في تفسيره أن الله تعالى قوّى بصره حتى شاهد جميع الملكوت وليس بمستبعد، فإنه يروى أن زرقاء اليمامة كانت تبصر من مسيرة ثلاثة أيام. ويقال: إن النسر وغيره من عظام الجوارح يرتفع فيرى صيده من مائة فرسخ. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أطت السماء وحق لها أن تئط " تفسير : فسمع أطيط السماء. ومثله ما زعمت الفلاسفة أن فيثاغورس راض نفسه حتى سمع حفيف الفلك. وقد سمع سليمان كلام النمل وفهمه. ومثله ما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم مع الذئب ومع البعير، وقد وجد يعقوب صلى الله عليه وسلم ريح يوسف من مسيرة أيام. وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : إن هذا الذراع يخبرني أنه مسموم" تفسير : وهو دليل كمال قوة الذوق. وجعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم، قيل: وهو دليل قوة اللمس كما في النعامة والسمندل وفيه نظر، إذ لا إدراك ههنا فكيف يستدل به على قوة الإدراك؟ بل يجب أن يحمل هذا على معنى آخر وهو أنه تعالى لا يبعد أن يجعل المنافي ملائماً للإعجاز أو لخاصية أودعها في المنافي حتى يصير ملائماً. وأما الحواس الباطنة فمنها قوة الحفظ قال تعالى: {أية : سنقرئك فلا تنسى} تفسير : [الأعلى: 6] ومنها قوة الذكاء قال علي رضي / الله عنه: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف باب من العلم فاستنبطت من كل باب ألف باب. وإذا كان حال الولي هكذا فكيف حال النبي؟ وأما القوة المحركة فكعروج النبي صلى الله عليه وسلم وعروج عيسى عليه السلام إلى السماء، وكرفع إدريس وإلياس على ما ورد في الأخبار. وأما القوة الروحانية العقلية فنقول: إن النفس القدسية النبوية مخالفة بماهيتها لسائر النفوس، أو كالمخالفة صفاء ونورية وانجذاباً إلى عالم الأرواح، فلا جرم تجري عليها الأنوار الفائضة من المبادىء العالية أتم من سائر النفوس وأكمل، ولهذا بعثت مكملة للناقصين ومعلمة للجاهلين ومرشدة للطالبين مصطفاة على العالمين من جميع سكان الأرضين عند من يقول الملك أفضل من البشر، أو من سكان السموات أيضاً عند من يرى البشر أفضل المخلوقات. ثم إن القرآن دل على أن أول الأنبياء اصفطاء آدم صفي الله وخليفته. ثم إنه وضع كمال القوة الروحانية في شعبة معينة من أولاد آدم وهم: شيث وأولاده إلى إدريس، ثم إلى نوح ثم إلى إبرهيم ثم انشعب من إبراهيم صلى الله عليه وسلم شعبتان: إسماعيل وإسحق. فجعل إسماعيل مبدأ لظهور الروح القدسية لمحمد صلى الله عليه وسلم، وجعل إسحق مبدأ لشعبتين يعقوب وعيص. فوضع النبوة في نسل يعقوب، ووضع الملك في نسل عيص، واستمر ذلك إلى زمان محمد صلى الله عليه وسلم. فلما ظهر محمد صلى الله عليه وسلم نقل نور النبوة ونور الملك إليه صلى الله عليه وسلم وبقي الدين والملك في أمته صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، فالمراد بآل إبراهيم أولاده عليهم الصلاة والسلام وهو المطلوب بقوله: {أية : ومن ذريتي} تفسير : [البقرة: 124] بعد قوله: {أية : إني جاعلك للناس إماماً} تفسير : [البقرة: 124] وأما آل عمران فقيل: أولاد عمران بن يصهر والدموسي وهارون. وقيل: المراد بعمران والد مريم وهو عمران بن ماثان بدليل قوله عقيبه {أية : إذ قالت امرأة عمران} تفسير : [آل عمران: 35] ولا شك أنه عمران بن ماثان جد عيسى من قبل الأم، ولأن الكلام سيق للنصارى الذين يحتجون على إلهية عيسى عليه السلام بالخوارق التي ظهرت على يده. فالله تعالى يقول: إن ذلك باصطفاء الله إياه لا لكونه شريكاً للإله ولأن هذا اللفظ شديد المطابقة لقوله تعالى: {أية : وجعلناها وابنها آية للعالمين} تفسير : [الأنبياء: 91]. {ذرية} بدل ممن سوى آدم {بعضها من بعض} قيل: أي في التوحيد والإخلاص والطاعة كقوله: {أية : المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض} تفسير : [التوبة: 67] وذلك لاشتراكهم في النفاق. وقيل: معناه أن غير آدم كانوا متوالدين من آدم. وقيل: يعني أن الآلين ذرية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض، موسى وهارون من عمران، وعمران من يصهر، ويصهر من قاهث، وقاهث من لاوي، ولاوي من يعقوب، ويعقوب من إسحق. وكذلك عيسى من مريم، ومريم بنت عمران بن ماثان. ثم قال في الكشاف: ماثان بن سليمان بن داود بن ايشا بن يهوذا بن يعقوب بن إسحق وفيه نظر، لأن بين ماثان وسليمان قوماً آخرين، وكذلك بين ايشا ويهوذا. {والله / سميع} لأقوال العباد {عليم} بضمائرهم وأفعالهم فيصطفي من خلقه من يعلم استقامته قولاً وفعلاً. ويحتمل أن يكون الكلام مع اليهود والنصارى الذين كانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه تغريراً للعوام مع علمهم ببطلان هذا الكلام، فيكون أول الكلام تشريفاً للمرسلين وآخره تهديداً للمبطلين كأنه قيل: والله سميع لأقوالهم الباطلة، عليم بأغراضهم الفاسدة فيجازيهم بحسب ذلك. ويحتمل أن يتعلق بما بعده كما في الوقوف. التأويل: مالك هو ملك الوجود فلا وجود بالحقيقة إلا له، تؤتي الوجود من تشاء وتنزع الوجود ممن تشاء، فتخلق بعض الموجودات مستعداً للبقاء كالملائكة والإنسان، توجد بعضها قابلاً للفناء كالنبات والحيوان غير الإنسان. {وتعز من تشاء} بعزة الوجود النوري، {وتذل من تشاء} بذل القبض القهري، بيدك الخير. {إنك على كل شيء قدير} تضمين للدعاء بذكر السبب كما يقال للجواد إنك الذي يقدر على إعطاء كل خير فأتنا وأعزنا يا مفيض كل خير، ويا كاشف كل ضير. تولج ليل ظلمات الصفات البشرية النفسانية في نهار أنوار الصفات الروحانية وبالعكس، تخرج القلب الحي بالحياة الحقيقية من النفس الميتة، وتخرج القلب الميت عن الحياة الحقيقية من النفس الحية بالحياة المجازية الحيوانية. لا يتخذ القلب المؤمن والروح والسر وصفاتها الكافرين من النفس الأمّارة والشيطان والهوى والدنيا أولياء من دون المؤمنين من القلب والروح والسر، ومن يفعل ذلك من القلوب فليس من أنوار الله وألطافه في شيء إلا أن تخافوا من هلاك النفوس. فالنفس مركب الروح فتواسوها كيلا تعجز عن السير في الرجوع وتهلك في الطريق من شدة الرياضات وكثرة المجاهدات. {ويحذركم الله نفسه} أي من صفات قهره {قل إن تخفوا ما في صدوركم} من معاداة الحق في ضمن موالاة النفس {ويعلم ما في السموات} قلوبكم {وما في الأرض} نفوسكم {يوم تجد كل نفس ما عملت} أثر الخير والشر ظاهر في ذات المرء وصفاته، وبحسب ذلك يبيض وجه قلبه أو يسود ولكنه في غفلة من هذا محجوب عنه بحجاب النفس والجسم كمثل نائم لدغته حية كحية الكفر والخصال الذميمة فلا يحس بها ما دام نائماً نوم الغفلة، فإذا مات انتبه وأحس، ثم أخبر عن طريق الوصول أنه في متابعة الرسول. واعلم أن للاتباع ثلاث درجات، ولمحبة المحب ثلاث درجات، ولمحبة الله للمحب التابع على حسب الاتباع ثلاث درجات. أما درجات الاتباع فالأولى درجة عوام المؤمنين وهي متابعة أعماله صلى الله عليه وسلم، والثانية درجة الخواص وهي متابعة أخلاقه، والثالثة درجة أخص الخواص وهي متابعة أحواله. وأما درجات محبة المحب فالأولى محبة العوام وهي مطالعة المنة من رؤية إحسان المحسن "حديث : جبلت القلوب على حب من أحسن إليها"تفسير : وهذا حب / يتغير بتغير الإحسان وهو لمتابعي الأعمال الذين يطمعون في الأجر على ما يعملون وفيه قال أبو الطيب: شعر : وما أنا بالباغي على الحب رشوة ضعيف هوى يرجى عليه ثواب تفسير : والثانية محبة الخواص المتبعين للأخلاق الذين يحبونه إعظاماً وإجلالاً له، ولأنه أهل لذلك كما قالت رابعة: شعر : أحبك حبين حب الهوى وحب لأنك أهل لذاكا تفسير : ويضطر هذا المحب في هذه الدرجة إلى إيثار الحق على غيره، وهذا الحب يبقى على الأبد بقاء الكمال والجلال على السرمد وفيه قال: شعر : سأعبد الله لا أرجو مثوبته لكن تعبد إعظام وإجلال تفسير : والثالثة محبة أخص الخواص المتبعين للأحوال وهي الناشئة من الجذبة الإلهية في مكان من "حديث : كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف" تفسير : وأهل هذه المحبة هم المستعدون لكمال المعرفة بسبق العناية، شعر : غذينا بالمحبة يوم قالت له الدنيا أتينا طائعينا تفسير : وحقيقة هذه المحبة أن يفنى المحب بسطوتها وتبقى المحبة فيه بلا هو كما أن النار تفني الحطب بسطوتها وتبقى النار منه بلا هو. وحقيقة هذه المحبة نار لا تبقي ولا تذر. وأما درجات محبة الله للعبد فاعلم أن كل صفة من صفات الله تعالى من العلم والقدرة والإرادة وغيرها فإنها لا تشبه في الحقيقة صفات المخلوقين، حتى الوجود فإنه وإن عم الخالق والمخلوق إلا أن وجوده واجب بنفسه ووجود غيره ممكن في ذاته واجب به، فليس في الكون إلا الله وأفعاله. قرأ القارى بين يدي الشيخ أبي سعيد بن أبي الخير رحمه الله قوله: {أية : يحبهم ويحبونه} تفسير : [المائدة: 54] فقال: بحق يحبهم لأنه لا يحب إلا نفسه فليس في الوجود إلا هو، وما سواه فهو من صنعه. والصانع إذا مدح صنعه فقد مدح نفسه. والغرض أن محبة الله للخلق عائدة إليه حقيقة إلا أنه لما كان مرورها على الخلق فبحسب ذلك اختلفت مراتبها، مع أنها صدرت عن محل واحد هو محل "حديث : كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف" تفسير : فما تعلقت إلا بأهل المعرفة وذلك قوله: "حديث : فخلقت الخلق لأعرف" تفسير : لكنها تعلقت بالعوام من أهل المعرفة بالرحمة ومشربهم الأعمال فقيل لهم {فاتبعوني} بالأعمال الصالحة {يحببكم الله} يخصكم بالرحمة {ويغفر لكم} ذنوبكم التي صدرت منكم على خلاف / المتابعة. وتعلقت بالخاص من أهل المعرفة بالفضل ومشربهم الأخلاق فقيل لهم: {فاتبعوني} بمكارم الأخلاق يحببكم بالفضل يخصكم بتجلي صفات الجمال {ويغفر لكم ذنوبكم} يستر ظلمة صفاتكم بأنوار صفاته. وتعلقت بالأخص من أهل المعرفة بالجذبات ومشربهم الأحوال فقيل لهم {فاتبعوني} ببذل الوجود {يحببكم الله} يخصكم بجذبكم إلى نفسه {ويغفر لكم} ذنوب وجودكم فيمحوكم عنكم ويثبتكم به كما قال: "حديث : فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً" تفسير : فهم بين روضة المحو وغدير الإثبات أحياء غير أموات، ويكون في هذا المقام المحب والمحبوب والمحبة واحداً كما أن الرائي في المرآة يشاهد ذاته بذاته وصفاته بصفاته فيكون الرائي والمرئي والرؤية واحداً. {قل أطيعوا الله والرسول} فإن متابعته صورة جذبة الحق وصدف درّة محبته لكم. {إن الله اصطفى آدم} وذلك أن الله تعالى خلق العالمين سبعة أنواع: الجماد والمعدن والنبات والحيوان والنفوس والعقول والأرواح، وجمع في آدم جميع الأنواع وخصه بتشريف ثامن هو تشريف {أية : ونفخت فيه من روحي} تفسير : [ص: 72] فهو المظهر لجميع آياته وصفاته وذاته وهو معنى جعله خليفة ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : وإن الله خلق آدم على صورته" تفسير : ثم ذكر خواص أولاد آدم نوحاً وآل إبراهيم وآل عمران والمراد بالآل كل مؤمن تقي {بعضها من بعض} بالوراثة الدينية " حديث : العلماء ورثة الأنبياء" تفسير : فالعالم كشجرة وثمرتها أهل المعرفة {والله سميع} لدعائهم {عليم} بأحوالهم وخصالهم.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ...} الآية: هو سبحانه وتعالى مالكُ الملكِ كلِّه مطلقاً في جميع أنواعه، وأشرفُ ملكٍ يؤتيه عباده سعادةُ الآخرة، رُوِيَ أنَّ الآية نزلَتْ بسبب أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بشَّر أُمَّتَه؛ بفتح مُلْك فارس وغيره، فقالَتِ اليهودُ والمنافقُونَ: هَيْهَاتَ، وكذَّبوا بذلك. ومذهب البصريِّين أن الأصل في «اللَّهُمَّ»: يَا أَللَّهُ، فعوِّض من ياء النداءِ ميماً مشدَّدة. و {مَـٰلِكَ}: نصْبٌ على النداء، وخص تعالى الخَيْر بالذكْر، وهو تعالى بيده كلُّ شيء؛ إِذ الآية في معنى دعاء ورغبة، فكأنَّ المعنَىٰ: بِيَدِكَ الخَيْرُ فأجزِلْ حظِّي منه، قال النوويُّ: ورُوِّينَا في كتاب «التِّرْمذيِّ» وغيره، عن عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب (رضي اللَّه عنه)؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : مَنْ دَخَلَ السُّوقَ، فَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّه وَحْده لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وهو عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ــ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ»تفسير : ، ورواه الحاكمُ أبو عبد اللَّه في «المُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ»؛ من طرق كثيرةٍ، وزاد فيه في بعْضِ طرقه: «حديث : وَبَنَىٰ لَهُ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ» تفسير : قال الحاكمُ: وفي البابِ، عن جابرٍ، وأبي هريرة، وبُرَيْدَة الأسلميِّ. اهـ من «الحلية». وقال ابن عبَّاس وغيره في معنَىٰ قوله تعالى: {تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ...} الآية: إنه ما ينتقصُ من النهار، فيزيد في الليل، وما ينتقصُ من الليلِ، فيزيدُ في النَّهار دَأَباً كلَّ فَصْلٍ من السنة، وتحتملُ ألفاظُ الآية أنْ يدخل فيها تعاقُبُ الليلِ والنهارِ؛ كأن زوالَ أحدهما وُلُوجٌ في الآخر. واختلف في معنَىٰ قوله تعالى: {وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ...} الآيةَ: فقال الحسَنُ: معناهُ: يُخْرِجُ المؤمِنَ من الكافر، والكافِرَ من المؤمن، وروي نحْوَه، عن سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ، وروى الزُّهْرِيُّ، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، لمَّا سَمِعَ نَغْمَةَ خَالِدَةَ بِنْتِ الأَسْوَدِ ابْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، فَقَالَ: «حديث : مَنْ هَذِهِ»تفسير : فأُخْبِرَ بِهَا، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : سُبْحَانَ الَّذِي يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ»تفسير : ، وكَانَتِ ٱمْرَأَةً صَالِحَةً، وكَانَ أَبُوهَا كَافِراً، والمرادُ علَىٰ هذا: موتُ قلبِ الكافرِ، وحياةُ قَلْب المؤمن. وذهب جمهورٌ كثيرٌ إِلى أنَّ الحياة والمَوْتَ في الآية حقيقةٌ، لا أنها استعارةٌ، ثم اختلفوا في المُثُلِ التي فسَّروا بها. فقال ابن مسعود: هي النُّطْفة، تخْرُج من الرجُلِ، وهي ميتة، وهو حيٌّ، ويخرج الرجلُ منْها، وهي ميتة. وقال عكرمة: هو إِخراج الدَّجَاجة، وهي حية، مِن البَيْضَة، وهي ميتة، وإِخراج البيضة، وهي ميتة من الدَّجَاجة، وهي حية. وروى السُّدِّيُّ، عن أبي مالكٍ، قال: هي الحبَّة تَخْرُجُ من السنبلةِ، والسنبلةُ تخرجُ من الحبَّة، وكذلك النَّوَاة. وقوله تعالى: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاءَ...} الآية: هذا النهْيُ عن الاِتخاذِ، إِنما هو عن إِظهار اللُّطْفِ للكفَّار، والميلِ إِليهم، فأما أنْ يتخذوا بالقَلْب، فلا يفعل ذلك مؤمن، ولفظ الآية عامٌّ في جميع الأعصار. واختلف في سَبَب نزولها، فقال ابنُ عَبَّاس في كَعْبِ بْنِ الأَشْرَف وغيره، قد بطنوا بنَفَرٍ من الأنصار، ليفتنُوهم عن دِينِهِمْ، فنزلَتْ في ذلك الآيةُ، وقال قومٌ: نزلَتْ في قصَّة حاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، وكتابِه إلى أهْل مكَّة، والآيةُ عامَّة في جميع هذا. وقوله تعالى: {فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ}: معناه: في شيءٍ: مَرْضِيٍّ؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا»تفسير : ، ثم أباح سبحانه إِظهار ٱتخاذهِمْ بشرط الاِتقاءِ، فأما إِبطانه، فلا يصحُّ أن يتصف به مؤمنٌ في حالٍ. وقوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ...} إلى آخر الآية: وعيدٌ وتنبيهٌ ووعظٌ وتذكيرٌ بالآخرة. وقوله: {نَفْسَهُ}: نائبةٌ عن «إيَّاهُ»، وهذه مخاطبةٌ علَىٰ معهود ما يفهمه البشَرُ، والنَّفْسُ في مثْلِ هذا راجعٌ إِلى الذاتِ، وفي الكلامِ حذْفُ مضافٍ؛ لأن التحذير إِنما هو من عقابٍ وتنكيلٍ ونحوه، قال ابنُ عَبَّاس، والحسن: ويحذِّركم اللَّه عقابه. وقوله تعالى: {قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ...} الآية: الضميرُ في «تُخْفُوا» هو للمؤمنين الذين نُهُوا عن الكافرين، والمعنَىٰ: إِنكم إِن أبطنتم الحرْصَ على إِظهار موالاتهم، فإِن اللَّه يعلم ذلك، وَيَكْرَهُهُ منكم.
ابن عادل
تفسير : لمَّا بيَّن دلائلَ التوحيدِ والنبوَّةِ، وصحة دينِ الإسلام، وذكر صفاتِ المخالفين، وشدةَ عنادِهم وغُرُورِهم، ثم ذكر وعيدَهم بجمعهم يوم القيامة، أمر رسوله - عليه السلام - بدعاءٍ وتمجيدٍ يخالف طريقةَ هؤلاءِ المعاندين. قوله: "اللَّهُمَّ" اختلف البصريون والكوفيون في هذه اللفظةِ. قال البصريون: الأصل: يا الله، فحُذِفَ حَرْفُ النداءِ، وعُوِّضَ عنه هذه الميمُ المشددة، وهذا خاصٌّ بهذا الاسم الشريف، فلا يجوز تعويضُ الميم من حرف النداء في غيره، واستدلوا على أنها عِوَضٌ من "يا" بأنهم لم يجمعوا بينهما إلا في ضرورة الشعر، كقوله: [الرجز] شعر : 1378- وَمَا عَلَيْكِ أنْ تَقُولِي كُلَّمَا سَبَّحْتِ أوْ هَلَّلْتِ يَا اللَّهُمَّ مَا أُرْدُدْ عَلَيْنَا شَيْخَنَا مُسَلَّمَا فَإنَّنَا مِنْ خَيْرِهِ لَنْ نُعْدَمَا تفسير : وقَوْلِ الآخر: [الرجز] شعر : 1379- إنِّي إذَا مَا حَدَث ألَمَّا أقُولُ: يَا اللَّهُمَّ، يَا اللَّهُمَّا تفسير : وقال الكوفيون: الميم المشددة بَقِيَّةُ فِعْل محذوفٍ، تقديره: أمَّنَا بخير، أي: اقْصِدنا به، من قولك: أمَمْتُ زيداً، أي: قصدته، ومنه: {أية : وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ} تفسير : [المائدة: 2] أي: قاصديه، وعلى هذا فالجمع بين "يا" والميم ليس بضرورةٍ عندهم، وليست عوضاً منها. وقد رَدَّ عليهمُ البصريون هذا بأنه قد سُمِعَ: اللهمَّ أمَّنا بخير، وقال تعالى: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً} تفسير : [الأنفالِ: 32] فقد صرَّح بالمدعُوِّ به، فلو كانت الميمُ بقيةَ "أمَّنَا" لفسد المعنى، فبان بُطْلانهُ. وهذا من الأسماء التي لزمت النداءَ، فلا يجوز أن يقع في غيره، وقد وقع في ضرورة الشعر كونه فاعلاً، أنشد الفرّاء: [مخلّع البسيط] شعر : 1380- كَحَلْفَةٍ مِنْ أبِي دِثَارٍ يَسْمَعُهَا اللَّهُمَ الْكُبَارُ تفسير : استعمله - هاهنا - فاعلاً بقوله: يسمعها. ولا يجوز تخفيفُ الميم، وجوَّزه الفراء، وأنشد البيت: بتخفيف الميم؛ إذ لا يمكن استقامةُ الوزن إلا بذلك. قال بعضهم: هذا خطأ فاحشٌ، وذلك لأن الميم بقية "أمَّنَا" - على رأي الفراء - فكيف يجوزه الفراء؟ وأجاب عن البيت بأن الرواية ليست كذلك، بل الرواية: [مخلّع البسيط] شعر : 1381-.......................... يَسْمَعُهَـــا لاَهُـــهُ الْكُـبَـــارُ تفسير : قال شهابُ الدينِ: "وهذا لا يعارِض الرواية الأخرى؛ فإنه كما صحّت هذه صحت تلك". ورد الزّجّاج مذهب الفراء بأنه لو كان الأصل: يا الله آمَّنا للفْظِ به مُنَبِّهاً على الأصل، كما قالوا - في وَيلمِّهِ -: وَيْلٌ لأمِّهِ. وردوا مذهب الفراءِ - أيضاً - بأنه يلزم منه جواز أن تقول: يا اللهم، ولما لم يَجُزْ ذلك علمنا فساد قولِ الفراءِ، بل نقول: كان يجب أن يكون حرف النداء لازماً، كما يقال: يا الله اغفر لي، وأجاب الفراء عن قول الزَّجَّاجِ بأن أصله - عندنا - أن يقال: يا الله أمَّنا - ومن يُنْكِر جوازَ التكلم بذلك -؟ وأيضاً فلأن كثيراً من الألفاظ لا يجوز فيها إقامةُ الفرع مُقامَ الأصل، ألا ترى أنَّ مذهب الخليل وسيبويه أن "ما أكرمه" معناه: شيء أكرمه، ثم إنه - قط - لا يُسْتَعْمَل هذا الكلام - الذي زعموا أنه هو الأصل - في معرض التعجُّب، فكذا هنا. وأجاب عن الرد الثاني بقوله: مَن الذي يُسَلِّم لكم أنه لا يجوز أن يقال: يا اللهمَّ، وأنشد قول الراجز المتقدم يا اللّهمّ، وقول البصريين: هذا الشعر غير معروف، فحاصله تكذيب النقل، ولو فتحنا هذا البابَ لم يَبْقَ من اللغة والنحو شيءٌ سَلِيماً من الطعن. وقولهم: كان يلزم ذكر حرف النداء، فقد يُحْذَف حرف النداءِ، كقوله: {أية : يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ} تفسير : [يوسف: 46] فلا يبعد أن يُخَصَّ هذا الاسم بالتزام الحذف. واحتج الفراء على فساد قول البصريين بوجوه: أحدها: أنا لو جعلنا الميم قائماً مقام حرف النداء، لكنا قد أجزنا تأخير حرف النداء عن ذكر المنادى فيقال: الله يا، وهذا لا يجوز ألبتة. ثانيها: لو كان هذا الحرف قائماً مقام النداء لجاز مثلُه في سائر الأسماءِ، فيقال: زيدُمَّ، وبكرُمَّ كما يجوز يا زيد، يا بَكر. ثالثها: لو كانت الميم بدلاً عن حرف النداء لما اجتمعا، لكنهما اجتمعا في الشعر الذي رويناه. ومن أحكام هذه اللفظة أنها كثر دورها، حتى حذفت منها الألف واللام - في قولهم: لا هُمَّ - أي: اللهم. قال الشاعرُ: [الرجز] شعر : 1382- لاهُمَّ إنَّ عَامِرَ بْنَ جَهْمِ أحْرَمَ حَجًّا فِي ثِيَابٍ دُسْمِ تفسير : وقال آخرُ: [الرجز] شعر : 1383- لاهُمَّ إنَّ جُرْهُماً عِبَادُكَا النَّاسُ طُرْقٌ وَهُمْ بِلادُكَا تفسير : قوله: {مَالِكَ ٱلْمُلْكِ} فيه أوجه: أحدها: أنه بدل من "اللَّهُمَّ". الثاني: أنه عطف بيان. الثالث: أنه منادًى ثانٍ، حُذِف منه حرف النداء، أي: يا مالكَ الملك، وهذا هو البدل في الحقيقة؛ إذ البدل على نية تكرار العامل؛ إلا أن الفرق أن هذا ليس بتابعٍ. الرابع: أنه نعت لـ "اللَّهُمَّ" على الموضع، فلذلك نُصِبَ، وهذا ليس مذهبَ سيبويه؛ لأنه لا يُجيز نعتَ هذه اللفظة؛ لوجود الميم في آخرها؛ لأنها أخرجتها عن نظائِرها من الأسماء، وأجاز المبرّدُ ذلك، واختارَه الزّجّاج، قالا: لأن الميم بدل من "يا" والمنادى مع "يا" لا يمتنع وصفه، فكذا مع ما هو عوضٌ منها، وأيضاً فإن الاسمَ لم يتغير عن حكمه؛ ألا ترى إلى بقائه مبنيًّا على الضم كما كان مبنيًّا مع "يا". وانتصر الفارسيّ لسيبويه، بأنه ليس في الأسماء الموصوفة شيء على حد "اللَّهُمَّ"، فإذا خالف ما عليه الأسماء الموصوفة، ودخل في حيِّز ما لا يوصَف من الأصوات، وجب أن لا يُوصف. والأسماء المناداة، المفردة، المعرفة، القياس أن لا تُوصَف - كما ذهب إليه بعضُ الناسِ؛ لأنها واقعة موقع ما لا يوصف وكما أنه لما وقع موقع ما لا ذهب إليه بعضُ الناسِ؛ لأنها واقعة موضع ما لا يوصف وكما أنه لما موقع ما لا يعرب لم يعرب، كذلك لما وقع موقع ما لا يوصف لم يوصف، فأما قوله: [الرجز] شعر : 1384- يا حَكَمُ الْوَارِثُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكْ تفسير : [وقوله]: [الرجز] شعر : 1385- يَا حَكَمُ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَارُودْ سُرَادِقُ الْمَجْدِ عَلَيْكَ مَمْدُودْ تفسير : وقوله: [الوافر] شعر : 1386- فَمَا كَعْبُ بْنُ مَامَةَ وَابْنُ سُعْدَى بِأجْوَدَ مِنْكَ يَا عُمَرَ الجَوادَا تفسير : فإن الأول على أنت. والثاني على نداء ثانٍ. والثالث: على إضمار أعني. فلما كان هذا الاسم الأصل فيه أن لا يوصَف؛ لما ذكرنا، كان "اللهم" أولى أن لا يوصَف، لأنه قبل ضَمِّ الميم إليه واقعٌ موقع ما لا يوصَف، فلما ضُمَّت إليه الميم صِيغ معها صياغةً مخصوصةً فصار حكمه حكم الأصْوات، وحكم الأصوات أن لا توصف نحو غاقٍ، وهذا - مع ما ضُمَّ إليه من الميم - بمنزلة صوت مضمومٍ إلى صوتٍ نحو حَيَّهَلْ، فحقه أن لا يوصَف، كما لا يوصَف حيَّهَلْ. قال شهابُ الدينِ: "هذا ما انتصر به أبو علي لسيبويه، وإن كان لا ينتهض مانعاً". قوله: "تُؤتِي" هذه الجملة، وما عُطِفَ عليها يجوز أن تكون مستأنفةً، مبينة لقوله: {مَالِكَ ٱلْمُلْكِ} ويجوز أن تكون حالاً من المنادى. وفي انتصاب الحال من المنادى خلاف، الصحيح جوازه؛ لأنه مفعول به، والحال - كما يكون لبيان هيئة الفاعل - يكون لبيان هيئةِ المفعول، ولذلك أعرَبَ الْحُذَّاقُ قولَ النابغة: [البسيط] شعر : 1387- يَا دَار مَيَّة بِالْعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ أقْوَتْ وَطَالَ عَلَيْهَا سَالِفُ الأبدِ تفسير : "بالعلياء" حالاً من "دار مية"، وكذلك "أقوت". والثالث من وجوه "تُؤتِي": أن تكون خبرَ مُبتدأ مضمر، أي: أنت تؤتي، فتكون الجملة اسمية وحينئذ يجوز أن تكون مستأنفةً، وأن تكون حالية. قوله: "تشاء" أي: تشاء إيتاءَه، وتشاء انتزاعه، فحذف المفعول بعد المشيئة؛ للعلم به، والنزع: الجذب، يقال: نَزَعَه، ينزعه، نزعاً - إذا جذَبَهُ - ويُعَبَّر به عن المَيْل، ومنه: نزعت نفسه إلى كذا كأن جاذباً جذبها، ويعبر به عن الإزالة، يقال نزع الله عنك الشر - أي: أزاله - ومنه قوله تعالى: {أية : يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا} تفسير : [الأعراف: 27] ومثله هذه الآية، فإن المعنى وتُزيل الملك. فصل في بيان سبب النزول في سبب النزول وجوهٍ: أحدها: قال ابن عباس وأنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة - وعد أمته ملك فارس والروم، فقال المنافقون واليهود: هيهاتَ، هيهاتَ، من أين لمحمد ملك فارس والروم - وهم أعزُّ وأمْنَعُ من ذلك -! ألم يكفِ محمداً مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم؟ فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. وثانيها: حديث : روي أنه - عليه السلام - لما خَطَّ الخندق عام الأحزاب، وقطع لكل عشرة أربعين ذراعاً وأخذوا يحفرون، خرج من وسط الخندق صخرة كالتل العظيم، لم تعمل فيها المَعَاوِلُ. فوجهوا سَلْمَان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ المعول من سلمان، فلما ضربها صدعها وبرق منها بَرْقٌ أضاء ما بين لابتَيْها، كأنه مصباح في جوف ليلٍ مظلمٍ، فكبر، وكبر المسلمون، وقال عليه السلام: أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلابِ، ثم ضرب الثانية فقال: أضاءت لي منها قصور صنعاء، ثم ضرب الثالثة فقال: أخبرني جبريل - عليه السلام - أن أمتي ظاهرة على كلها، فأبشرواتفسير : فقال المنافقون: ألا تعجبوا من نبيكم، يَعِدُكم الباطل، يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة، ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم، وأنتم تحفرون الخندق من الخوف لا تستطيعون أن تخرجوا، فنزلت هذه الآية. وثالثها: قال الحسنُ: إن الله - تعالى - أمر نبيه أن يَسأله أن يعطيه ملك فارس والروم، ويردَّ ذل العرب عليهما، وأمره بذلك دليل على أنه يستجيب له هذا الدعاءَ، وهكذا منازل الأنبياء - إذا أمِرُوا بدعاء استُجِيب دعاؤهم. وقيل: نزلت دامغةً لنصارى نجرانَ، في قولهم: إن عيسى هو الله، وذلك أن هذه الأوصافَ تبين - لكل صحيح الفطرة - أن عيسى ليس فيه شيءٌ منها. قال ابن إسحاق: أعلم الله - تعالى - في هذه الآية - بعنادهم وكُفْرهم، وأن عيسى - عليه السلام - وإن كان الله - تعالى - أعطاه آياتٍ تدل على نبوته، من إحياءِ الموتى - وغير ذلك - فإن الله - عز وجل - هو المنفردُ بهذه الأشياءِ - من قوله: {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ} إلى قوله: {وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. فصل قوله: {مَالِكَ ٱلْمُلْكِ} أي: مالك العباد وما ملكوا. وقيل: مالك السموات والأرض قال الله تعالى - في بعض كتبه -: "أَنَا اللهُ، مالك الملك وملك الملوك، قُلُوبُ المُلُوكِ ونواصِيهم بِيَدِي، فإِن العِبَادُ أطاعوني جَعَلْتُهُم عَلَيهم رحمةً، وإن عصوني جعلتُهُم عليهم عقوبةً، فلا تشغلوا أنفسَكم بسَبِّ الملوكِ، ولكن توبوا إليَّ فأُعَطِّفَهُم عَلَيكُم". فصل قال الزمخشريُّ: "مالك الملك، أي: يملك جنس الملك، فيتصرف فيه تصرُّفَ المُلاَّك فيما يملكون". قال مجاهدٌ وسعيدٌ بنُ جُبَيْر والسُّدِّي: "تُؤتِي الْمُلْكَ" يعني النبوَّة والرسالة، كما قال تعالى: {أية : فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 54]، فالنبوة أعظم مراتب الملك؛ لأن العلماء لهم أمر عظيم على بواطن الخلقِ، والجبابرة لهم أمر على ظواهر الخلق والأنبياء أمرهم نافذ ظاهراً وباطناً، أما باطناً؛ فلأنه يجب على كل أحد أن يقبل دينهم وشريعتَهم، وأن يعتقدَ أنه هو الحقُّ، وأما ظاهراً؛ فلأنهم لو خالفوهم لاستوجبوا القتلَ. فإن قيل: قوله: {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ} يدل على أنه قد يَعْزِل عن النبوة مَنْ جعله نَبِيًّا، وذلك لا يجوزُ. فالجوابُ من وجهين: الأول: أن الله تعالى - إذا جعل النبوة في نسل رجلٍ، فإذا أخرجها الله تعالى من نسله، وشرَّف بها إنساناً آخرَ - من غير ذلك النسل - صح أن يقال: إنه - تعالى - نَزَعَهَا منهم، واليهود كانوا معتقدين أن النبوةَ لا تكون إلا في بني إسرائيل، فلما شرَّف الله بها محمَّداً صلى الله عليه وسلم صَحّ أن يُقَالَ: إنه نزع مُلْكَ النبوةِ من بني إسرائيلَ إلى العرب. الثاني: أن يكون المراد من قوله: {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ}، أي: تحرمهم، ولا تعطيهم هذا الملك، لا على معنى أنه يسلب ذلك بعد إعطائه، ونظيره قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} تفسير : [البقرة: 257] مع أن هذا الكلام يتناول مَن لم يكن في ظلمة الكفرِ قطّ. وحكي عن الكفار قولهم - للأنبياء عليهم السلام -: {أية : أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} تفسير : [الأعراف: 88] وقول الأنبياء: {أية : وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا} تفسير : [الأعراف: 89] مع أنهم لم يكونوا فيها - قط -. وعلى هذا القول تكون الآية رَدًّا على أربع فِرَقٍ: إحداها: الذين استبعدوا أن يجعل الله بَشَراً رسولاً. الثانية: الذين جوَّزوا أن يكون الرسول من البشر، إلا أنهم قالوا: إن محمداً فقير {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. الثالثة: اليهود الذين قالوا: إن النبوة في أسلافِنَا، وإن قريشاً ليست أهلاً للكتاب والنبوة. الرابعة: المنافقون، فإنهم ك انوا يحسدونه على النبوة - على ما حكى عنهم في قوله: {أية : أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} تفسير : [النساء: 54]. وقيل: المراد ما يُسَمَّى مُلْكاً في العُرْف، وهو عبارة عن أشياء: أحدها: كثرة المال والجاه. الثاني: أن يكون بحيث يجب على غيره طاعتُه، ويكون تحت أمرِه ونهيِه. الثالث: أن يكونَ بحيث لو نازعه في مُلْكه أحدٌ قَدَرَ على قهر ذلك المنازع. أما كثرةُ المالِ فقد نرى الرجل اللبيب لا يحصل له - مع العناء العظيم، والمعرفة الكثيرة - إلا قليل من المال، ونرى الأبْلَهَ الغافلَ قد يحصل له من الأموال ما لا يعلم كميتها. وأما الجاه، فالأمر فيه أظهر، أما القسم الثاني - وهو وجوب طاعة الغير له - فمعلوم أن ذلك لا يحصل إلا من الله. وأما القسم الثالث - وهو حصول النصرة والظفر - فمعلوم أن ذلك لا يحصل إلا من الله تعالى؛ فكم شاهدنا من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله تعالى. فصل قال الكعبيُّ: قوله: {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ}، أي: بالاستحقاق، فتؤتيه من يقوم به، وتنزعه من الفاسقِ؛ لقوله تعالى: {أية : لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [البقرة: 124] وقوله - في العبد الصالح -: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ} تفسير : [البقرة: 247] فجعله سبباً للملك. وقال الجبائيُّ: هذا الملك مختص بملوك العَدْل، فأما ملوك الظلم، فلا يجوز أن يكون ملكُهم بإيتاء الله - تعالى - وكيف يصح أن يكون بايتاء الله - تعالى - وقد ألزمهم أن لا يمتلكوه، ومنعهم من ذلك، فقد صح - بما ذكرناه - أن الملوك العادلين هم المخصوصون بأن الله - تعالى - آتاهم ذلك الملكَ: وأما الظالمون فلا، قالوا: ونظيرُ هذا ما قلنا في الرزق أنه لا يكون من الحرام الذي زَجَرَ الله - تعالى - عنه، وأمره بأن يرده على مالكه، فكذا ههنا. قالوا: وأما النزعُ، فإنه بخلاف ذلك؛ لأنه - كما ينزع الملكَ من الملوك العادلين؛ لمصلحة تقتضي ذلك - قد ينزع الملكَ عن الملوك الظالمين، ونزع الملك يكون بوجوه: منها: بالموت، وإزالة العقل، وإزالة القوى، والقدرة، والحواسّ. ومنها: بورود الهلاكِ، والتلف على الأموال. ومنها: أن يأمر الله - تعالى - المُحِقَّ بأن يسلبَ الملكَ الذي في يد المتغلب المُبْطِل، ويؤتيه القُوة، والنُّصرة عليه، فيقهره، ويسلب ملكه، فيجوز أن يُضاف هذا السلب، و النزع إلى الله - تعالى - لأنه واقع عن أمره، كما نزع الله - تعالى - مُلْكَ فارسِ، على يد الرسول - عليه السلام. فالجوابُ: أن تقول: حصولُ المُلْكِ للظالِمِ إما أن يكون حصل لا عَنْ فاعل، وذلك يقتضي نفي الصانع، وإما أن يكون حصل بفعل المتغلِّب، وذلك باطل؛ لأن كل أحد يريد تحصيل الملك والدولة لنفسه، ولا يتيسر له ألبتة، فلم يبق إلا أن يقال: بأن ملك الظالمين إنما حصل بإيتاء الله تعالى - وهذا أمرٌ ظاهر؛ فإن الرجلَ قد يكون مُهَاباً، والقلوب تميل إليه، والنصر قريب له، والظفر جليس معه، وأينما توجه حصل مقصوده، وقد يكون على الضد من ذلك، ومن تأمل في كيفية أحوالِ الملوكِ اضطر إلى العلم بأن ذلك ليس إلا بتقدير الله. ولذلك قال بعض الشعراءِ: [الكامل] شعر : 1388- لَوْ كَانَ بِالْحِيَلِ الْغِنَى لَوَجَدتنِي بِأجَلِّ أسْبَابِ السَّمَاءِ تَعَلُّقِي لَكِنَّ مَنْ رُزِقَ الْحِجَا حُرِمَ الغِنَى ضِدَّانِ مُفْتَرقَانِ أيَّ تَفَرُّقِ وَمِنَ الدَّلِيل عَلَى الْقَضَاءِ وَكَوْنِهِ بُؤسُ اللَّبِيبِ وَطِيبُ عَيْشِ الأحْمَقِ تفسير : وقيل: قوله تعالى: {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ} محمول على جميع أنواع الملكِ، فيدخل فيه ملك النبوةِ، وملكُ العلمِ، وملكُ العقلِ والأخلاقِ الحسنةِ، وملكُ البقاءِ والقدرةِ، وملك محبة القلوبِ، وملك الأموال؛ لأن اللفظ عام، فلا يجوز التخصيص من غير دليل. وقال الكلبيُّ: {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ} محمَّداً وأصحابه, {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ} أبا جهل وصناديد قريش. وقيل: {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ} العرب، {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ} فارس والروم. وقال آخرون: {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ} آدم وولده، {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ} من إبليس وجنده. قوله: {وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ}. قال عطاء: {وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ} المهاجرين والأنصار، {وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ} فارس والروم. وقيل: {وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ} محمداً وأصحابه، حين دخلوا مكة في عشرة آلاف ظاهرين عليها، {وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ} أبا جهل وأصحابه، حين حُزَّت رؤوسُهم، وألْقُوا في القليب. وقيل: {وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ} بالإيمان والهداية، {وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ} بالكفر والضلالة. وقيل: {وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ} بالطاعة، {وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ} بالمعصيةِ. وقيل: {وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ} بالنصر، {وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ} بالقهرِ. وقيل: {وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ} بالغنى، {وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ} بالفقرِ. وقيل: {وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ} بالقناعة والرِّضا، {وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ} بالحرص والطمع. قوله: {بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ} في الكلام حذف معطوف، تقديرُهُ: والشَّرُّ، كقَوْلِهِ تَعَالى {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} تفسير : [النحل: 81]، أي: وَالبَرْدَ. وكَقَوْلِهِ: [الطويل] شعر : 1389- كأنَّ الْحَصَى مِنْ خَلْفِهَا وَأمامِهَا إذَا أنْجَلَتْهُ رِجْلُهَا خَذْفُ أعْسَرَا تفسير : أي ويدها. قال الزمَخْشَريُّ: "فَإن قُلْتَ: كَيْفَ قَالَ: "بِيَدِكَ الْخَيْرُ" دُونَ الشَّرِّ؟ قلت: لأنَّ الكَلامَ إنَّما وَقَعَ في الْخَيْرِ الَّذِي يَسُوْقُهُ اللهُ إلى الْمُؤمِنين، - وَهُوَ الَّذِي أنْكَرتهُ الْكَفَرةُ. فقال: {بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ} تؤتِيْه أوْلِياءَكَ عَلى رَغْم مِنْ أعْدائِكَ". وقيل: خَصَّ الخيرَ؛ لأنَّه فِي مَوْضِعِ دُعَاءٍ، وَرَغْبَةٍ فِي فَضْلِهِ. وقيل: هَذَا مِنْ آدابِ الْقُرآنِ؛ حَيْثُ لَمْ يُصَرِّح إلاَّ بِمَا هُوَ مَحْبُوبٌ لِخَلْقِه، وَمِثْلُه: "والشر ليس إليك"، وَقَوْلُهُ تَعَالى: {أية : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}تفسير : [الشعراء: 80]. فصل الألف وَاللامُ فِي "الْخَيْرِ" يُوجِبَانِ العُمُوم، وَالْمَعْنَى: [أنَّ الْخَيْرَاتِ تَحْصُلُ] بقدرتك، فَقولُهُ: "بِيَدِكَ" لاَ بِيَدِ غَيْركَ، كَقَوْلِهِ: {أية : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} تفسير : [الكافرون: 6]، أي: لَكُم دِيْنُكُمْ لا لغيركم، وذَلِكَ الحَصْرُ منَافٍ لِحُصُولِ الْخَيْرِ بِيَدِ غَيْرِه فثبت دلالةُ الآيةِ عَلَى أنَّ الْجَمِيع مِنهُ بِخَلْقِه وتكوينه، وَإيْجَادِهِ وَفَضْلِهِ، وَأفضلُ الخيرات هو الإيمان بالله، فوجب أن يكون الخير من تخليق الله لا مِنْ تَخْلِيق الْعَبْدِ، وَهَذا استدلالٌ ظَاهرٌ. وزاد بَعْضُهُم فَقَالَ: كُلُّ فَاعِلَيْنِ فِعْلُ أحدِهمَا أفْضَلُ مِنْ فِعْلِ الآخَرِ، كَانَ ذَلِكَ الفَاعِلُ أشْرَفَ وَأكْملَ من الآخرِ، وَلاَ شَكَّ أنَّ الإيمانَ أفْضَلُ مِنْ الْخَيْرِ، ومِنْ كُلِّ مَا سِوى الإيْمانِ، فَلَوْ كَانَ الإيمانُ بِخَلْقِ العبد - لا بِخَلْقِ اللهِ تعالى - لوجَبَ كَوْنُ العبْدِ زَائِداً في الخَيْرِية على اللهِ - تَعَالى - وَذَلِكَ كفر قبيح، فدلت الآية - من هذين الوجهين - على أنَّ الإيْمَانَ بِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى. فإن قيل: هَذِه الآيةُ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ مِنْ وَجهٍ آخر؛ لأنه لما قال: {بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ} كان معناه: ليس بيدك إلا الخير، وهذا يقتضي أن لا يكونَ الكفرُ والمعصيةُ بيده. فالجوابُ: أن قوله: {بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ} يُفيد أن بيدك الخير - لا بيد غيرك - فهذا ينافي أن يكون الخير بيد غيره، لكن لا ينافي أن يكون بيده الخير، وبيده ما سوى الخيرِ، إلا أنه خَصّ الخير بالذكر؛ لأنه الأمر المنتفَع به، فوقع التنصيص عليه لهذا المعنى. قال القاضي: "كل خير حصل من جهة العباد فلولا أنه - تعالى - أقدرهم عليه، وهداهم إليه، لما تمكنوا منه، فلهذا السبب كان مضافاً إلى الله تعالى". قال ابن الخطيبِ: "وهذا ضعيفٌ؛ لأن بعضَ الخير يصير مضافاً إلى الله - تعالى - ويصير أشرف الخيرات مضافاً إلى العبد، وهذا خلافُ النص". وقوله: {إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} كالتأكيد لما تقدم من كونه مالكاً لإيتاء الملك ونَزْعه، والإعزار، و الإذلال. قوله: {تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ} يقال: وَلَجَ، يَلِجُ، وُلُوجاً، وَلِجَةً - كعِدَة - ووَلْجاً - كـ "وَعْدًا"، واتَّلَجَ، يتَّلِجُ، اتِّلاجاً، والأصل: اوْتَلج، يَوْتَلِجُ، اوتِلاَجاً، فقُلبت الواوُ تاءً قبل تاء الافتعال، نحو: اتَّعَدَ يتَّعِد اتِّعاداً. قال الشاعر: [الطويل] شعر : 1390- فَإنَّ القَوَافِي يَتَّلِجْنَ مَوَالِجاً تَضَايَقَ عَنْهَا أنْ تَوَلَّجَهَا الإبَرْ تفسير : الولوج: الدخول، والإيلاج: الإدخالُ - ومعنى الآية على ذلك. وقول من قال: معناه النقص فإنما أراد اللازم؛ لأنه - تبارك وتعالى - إذا أدخل من هذا في هذا فقد نقص المأخوذ منه المُدْخَل في ذلك الآخر. وزعم بعضهم أن تولج بمعنى ترفع، وأن "في" بمعنى "على" وليس بشيءٍ. وقيل: المعنى: أنه - تعالى - يأتي بالليل عقيب النهار -، فيُلْبس الدنيا ظُلْمَتَه - بعد أن كان فيها ضوءُ النهارِ - ثم يأتي بالنهار عقيب الليل، فيُلْبس الدنيا ضَوْءَه، فكأن المراد من إيلاج أحدهما في الآخر إيجاد كل واحد منهما عقيب الآخر. قال ابن الخطيب: "والقول بأن معناه النقص أقرب إلى اللفظ؛ لأنه إذا كان النهار طويلاً، فجعل ما نقص منه زيادةٍ في الليل، كان ما نقص منه زيادة في الآخر". قوله: {وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} اختلف القراء في لفظة "الْمَيِّتِ" فقرأ ابنُ كثير وأبو عَمْرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم لفظ "الْمَيْتِ" من غير تاء تأنيث - مُخَفَّفاً، في جميع القرآن، سواء وصف به الحيوان نحو: {وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} [آل عمران: 27] أو الجماد نحو: {أية : فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ}تفسير : [فاطر: 9] - مُنَكَّراً أو معرفاً كما تقدم ذكره - إلا قوله تعالى: {أية : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} تفسير : [الزمر: 30]، وقوله: {أية : وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} تفسير : [إبراهيم: 17] - في إبراهيم - مما لم يمت بعد، فإن الكل ثقلوه، وكذلك لفظ "الميتة" في قوله: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ}تفسير : [يس: 33] دون الميتة المذكورة مع الدم - فإن تلك لم يشدِّدْها إلا بعضُ قُرَّاء الشواذ - وكذلك قوله: {أية : وَإِن يَكُن مَّيْتَةً} تفسير : [الأنعام: 139]، وقوله: {أية : فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً} تفسير : [الزخرف: 11]، وقوله: {أية : إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَة} تفسير : [الأنعام: 145] فإنها مخَفَّفاتٌ عند الجميع، وثَقّل نافعٌ جميعَ ذلك، والأخوان وحفص - عن نافع - وافقوا ابن كثير ومن معه في الأنعام في قوله: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاه} تفسير : [الأنعام: 122]، وفي الحجرات: {أية : أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتا}تفسير : [الحجرات: 12]، وفي يس: {أية : ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ}تفسير : [يس: 33]، ووافقوا نافعاً فيما عدا ذلك، فجمعوا بين اللغتين؛ إيذاناً بأن كلاًّ من القراءتين صحيح، وهما بمعنًى؛ لأن "فَيْعِل" يجوز تخفيفه في المعتل بحَذْف إحْدى ياءَيْه، فيقال: هَيْن وهيِّن، لَيْن وليِّن، ميْت وميِّت، وقد جمع الشاعر بين اللغتين في قوله: [الخفيف] شعر : 1391- لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ إنَّمَا الْمَيْتُ مَيِّتُ الأحْيَاءِ إنَّمَا الْمَيْتُ مَنْ يَعِيشُ كَئِيباً كَاسِفاً بِالُهُ قَليلَ الرَّجَاءِ تفسير : وزعم بعضهم أن "ميتاً" بالتخفيف - لمن وقع به الموت، وأن المشدّد يُستعمَل فيمن مات ومن لم يَمُتْ، كقولهً - تعالى -: {أية : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ}تفسير : [الزمر: 30], وهذا مردودٌ بما تقدم من قراءة الأخوين, وحفص؛ حيث خففوا في موضع لا يمكن أن يُراد به الموت, وهو قوله تعالى: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاه} تفسير : [الأنعام: 122]؛ إذ المراد الكفر - مجازاً - هذا بالنسبة إلى القراء, وإن شئت ضَبَطته باعتبار لفظ "الميت" فقلت: هذا اللفظ بالنسبة إلى قراءة السبعة ثلاثة أقسام: اسم لا خلاف في تثقيله - وهو ما لم يَمُتْ - نحو: {أية : وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} تفسير : [إبراهيم: 17], و {أية : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} تفسير : [الزمر: 30]. وقسم لا خلاف في تخفيفه - وهو ما تقدم في قوله: {ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ} {أية : وَإِن يَكُن مَّيْتَةً} تفسير : [الأنعام: 139] {إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَة}، وقوله: {أية : فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً} تفسير : [الزخرف: 11]. وقسم فيه الخلاف - وهو ما عدا ذلك - وتقدم تفصيله وقد تقدم أيضاً أن أصل "ميِّت" مَيْوِت، فأدغم، وفي وزنه خلاف، هل وزنه "فَيْعِل" - وهو مذهب البصريين - أو "فَعْيِل" - وهو مذهب الكوفيين - وأصله مَوْيِتٌ، قالوا: لأن فَيْعِلاً مفقود في الصحيح؛ فالمعتل أولى أن لا يوجد فيه، وأجاب البصريون عن قولهم: لا نظير له في الصحيح بأن قُضَاة - في جمع قاضٍ - لا نظير له في الصحيح، وتفسير هذا الجواب: أنا لا نسلم أن يكون له نظير في الصحيح، ويدل على عَدم التلازم "قُضاة" جمع قاضٍ وفي "قضاة" خلاف طويل ليس هذا موضعه. واعترض عليهم البصريون بأنه لو كان وزنه "فَعْيِلاً" لوجب أن يصح، كما صحت نظائره من ذوات الواو نحو: طويل، وعويل، وقويم، فحيث اعتل بالقلب والإدغام امتنع أن يُدَّعى أن أصله "فَعْيِل" لمخالفة نظائره، وهو ردٌّ حسنٌ. فصل قال ابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة: يُخْرِجُ الحيوانَ من النطفة - وهي ميتة - والطير من البيضة، وبالعكس. وقال الحسنُ وعطاء: يُخْرِج المؤمن من الكافر - كإبراهيم من آزر - والكافر من المؤمن - مثل كنعان من نوح. وقال الزَّجَّاج: يُخْرِج النبات الغضَّ الطريَّ من الحب اليابس، ويخرج الحب اليابس من النبات، قال القفّال: "والكلمة محتملة للكل. أما الحيوان والنطفة فقال تعالى: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ} تفسير : [البقرة: 28]. وأما الكافر والمؤمن فقال تعالى: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ} تفسير : [الأنعام: 122]، أي: كافراً فهديناه". قال القرطبيُّ: روى معمر عن الزهريِّ "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على نسائه، فإذا بامرأة حسنة النعمة، قال: مَنْ هذه؟ قلن: إحدى خالاتك، قال: ومَنْ هِي؟ قلن: خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الذي يخرج الحي من الميت ". تفسير : وكانت امرأة صالحة، وكان أبوها كافراً. وأما النبات والحب فقال تعالى: {أية : فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} تفسير : [فاطر: 9]. قوله: {وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} يجوز أن تكون الباء للحال من الفاعل، أي: ترزقه وأنت لم تحاسبه، أي: لم تُضَيِّقْ عليه، أو من المفعول، أي: غير مُضَيِّقٍ عليه وقد تقدم الكلام على مثل هذا مشبعاً في قوله تعالى في البقرة: {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. واشتملت هذه الآيةُ على أنواع من البديع: منها: التجنيس المماثل في قوله تعالى: {مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ}. ومنها: الطباق، وهو الجمع بين متضادين أو شبههما - في قوله: "تُؤتي" و "تَنْزعُ" وتعزُّ وتُذِلُّ وفي قوله: {بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ} أي: والشَّرُّ - عند بعضهم -، وفي قوله: "اللَّيْل" و "النَّهَار" و "الحيّ" و "الميّت". ومنها رَدُّ الأعجازِ على الصدورِ، والصدورِ على الأعجاز في قوله: {تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ}، وفي قوله: {وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ} ونحوه عادات الشاذات شاذات العاداتِ. وتضمنت من المعاني التوكيد بإيقاع الظاهر موقع المُضْمَر في قوله: {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ} وفي تجوُّزه بإيقاع الحرف مكان ما هو بمعناه، والحذف لفهم المعنى. فصل قال أبو العبَّاس المقرئ: ورد لفظ الحساب في القرآن على ثلاثة أوجهٍ: الأول: بمعنى التعبِ، قال تعالى: {وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. الثاني: بمعنى العدد، كقوله: {أية : إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [الزمر: 10] أي: بغير عَددٍ. الثالث: بمعنى المطالبة، قال تعالى: {أية : فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [ص: 39] [أي: بغير مطالبة]. فصل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ فاتحةَ الكتابِ، وآية الكرسي، وآيتين من آل عمرانَ - وهما {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ}، {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} مُعلَّقاتٌ، ما بينهُنَّ وبَيْنَ اللهِ حجابٌ، قُلْنَ: يا ربِّ، تُهْبِطُنا إلى أرْضك، وإلى مَنْ يَعْصِيك؟ قال الله - عز وجل -: إنِّي حَلَفْتُ لا يقرؤكُنَّ أحدٌ من عبادي دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ إلا جَعَلْتُ الجنةَ مثواهُ - على ما كان منه - ولأسْكَنْتُه حَظيرةَ القدس، ولنظرتُ إليه بعين مكنونة كلَّ يَوْم سَبْعِينَ مرةً، ولقضيتُ له كلَّ يومٍ سبعين حاجةً أدناها المغفرة - ولأعذته من كلِّ عدوٍّ وحاسدٍ، ونصرتُه منهم "
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال "ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يجعل له ملك فارس والروم في أمته. فأنزل الله {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء....} الآية". وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال "جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد سل ربك {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء} إلى قوله {وترزق من تشاء بغير حساب} ثم جاءه جبريل فقال: يا محمد فسل ربك {أية : وقل رب أدخلني مدخل صدق...}تفسير : [الإسراء: 80] الآية. فسأل ربه بقول الله تعالى فأعطاه ذلك". وأخرج الطبراني عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في هذه الآية من آل عمران {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء...} إلى آخر الآية ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: اسم الله الأعظم {قل اللهم مالك الملك} إلى قوله {بغير حساب} . وأخرج ابن أبي الدنيا في الدعاء عن معاذ بن جبل قال: "حديث : شكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ديناً كان عليَّ فقال: يا معاذ أتحب أن يقضى دينك؟ قلت: نعم. قال {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير} رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطي منهما ما تشاء، وتمنع منهما ما تشاء، اقض عني ديني فلو كان عليك ملء الأرض ذهباً أدي عنك ". تفسير : وأخرج الطبراني "حديث : عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتقده يوم الجمعة، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى معاذاً فقال: يا معاذ ما لي لم أرك؟ فقال اليهودي عليَّ وقية من تبر، فخرجت إليك فحسبني عنك فقال: ألا أعلمك دعاء تدعو به فلو كان عليك من الدين مثل صبير أداه الله عنك، فادع الله يا معاذ {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعزُّ من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب} رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطي من تشاء منهما وتمنع من تشاء منهما، ارحمني رحمة تغنني بها عن رحمة من سواك، اللهم أغنني من الفقر، واقض عني الدين، وتوفني في عبادتك وجهاد في سبيلك ". تفسير : وأخرج الطبراني في الصغير بسند جيد عن أنس بن مالك قال "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل جبل أحد ديناً لأداه الله عنك؟ قل يا معاذ {اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير} رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطيهما من تشاء وتمنع منهما من تشاء ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {تؤتي الملك من تشاء} قال: النبوة. وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير {قل اللهم مالك الملك} أي رب العباد الملك لا يقضي فيهم غيرك {تؤتي الملك من تشاء} أي أن ذلك بيدك لا إلى غيرك {إنك على كل شيء قدير} أي لا يقدر على هذا غيرك بسلطانك وقدرتك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود في قوله {تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل} قال: يأخذ الصيف من الشتاء ويأخذ الشتاء من الصيف {وتخرج الحي من الميت} يخرج الرجل الحي من النطفة الميتة {وتخرج الميت من الحي} يخرج النطفة الميتة من الرجل الحي. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله {تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل} قال: قصر أيام الشتاء في طول ليله، وقصر ليل الصيف في طول نهاره. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس {تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل} قال: ما نقص من الليل يجعله في النهار وما نقص من النهار يجعله في الليل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي {تولج الليل في النهار} حتى يكون الليل خمس عشرة ساعة والنهار تسع ساعات {وتولج النهار في الليل} حتى يكون النهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل} قال: أخذ أحدهما من صاحبه. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك في قوله {تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل} قال: يأخذ النهار من الليل حتى يكون أطول منه ويأخذ الليل من النهار حتى يكون أطول منه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {تخرج الحي من الميت} قال: يخرج النطفة الميتة من الحي، ثم يخرج من النطفة بشراً حياً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي} قال: الناس الأحياء من النطف والنطف ميتة تخرج من الناس الأحياء، ومن الأنعام والنبات كذلك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة {تخرج الحي من الميت} قال: هي البيضة تخرج من الحي وهي ميتة ثم يخرج منها الحي. وأخرج ابن جرير عن عكرمة {تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي} قال: النخلة من النواة والنواة من النخلة، والحبة من السنبلة والسنبلة من الحبة. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك. مثله. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن {تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي} يعني المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، والمؤمن عبد حي الفؤاد والكافر عبد ميت الفؤاد. وأخرج سعد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات وأبو الشيخ في العظمة عن سلمان قال: خمر الله طينة آدم أربعين يوماً، ثم وضع يده فيه فارتفع على هذه كل طيب، وعلى هذه كل خبيث، ثم خلط بعضه ببعض، ثم خلق منها آدم. فمن ثم {تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي} يخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر من المؤمن. وأخرج ابن مردويه من طريق أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما خلق الله آدم عليه السلام أخرج ذريته فقبض قبضة بيمينه فقال: هؤلاء أهل الجنة ولا أبالي، وقبض بالأخرى قبضة فجاء فيها كل رديء فقال: هؤلاء أهل النار ولا أبالي، فخلط بعضهم ببعض فيخرج الكافر من المؤمن ويخرج المؤمن من الكافر"تفسير : . فذلك قوله {تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي}. وأخرج ابن مردويه من طريق أبي عثمان النهدي عن ابن مسعود أو عن سلمان "حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم {تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي} قال: المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق الزهري في قوله {تخرج الحي من الميت} عن عبدالله بن عبدالله حديث : أن خالدة ابنة الأسود بن عبد يغوث دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من هذه؟ قيل: خالدة بنت الأسود قال: سبحان الله الذي يخرج الحي من الميت. وكانت امرأة صالحة وكان أبوها كافراً "تفسير : . وأخرج ابن مسعود من طريق أبي سلمة بن عبدالرحمن عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم. مثله. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس، أنه كان يقرأ "يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي" خفيفة. وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن وثاب، أنه قرأ "يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي" وقرأ {إلى بلد ميت} [فاطر: 9] مثقلات كلهن. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في قوله {وترزق من تشاء بغير حساب} قال: لا يخرجه بحساب يخاف أن ينقص ما عنده. أن الله لا ينقص ما عنده. وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران {بغير حساب} قال: غدقاً. وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير {تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي} أي بتلك القدرة التي تؤتي الملك بها من تشاء وتنزعها ممن تشاء {وترزق من تشاء بغير حساب} لا يقدر على ذلك غيرك، ولا يصنعه إلا أنت. أي وإن كنت سلطت عيسى عليه السلام على الأشياء التي تزعمونه إنه إله. من إحياء الموتى، وإبراء الأسقام، وخلق الطير من الطين، والخبر عن الغيوب لأجعله به آية للناس، وتصديقاً له في نبوته التي بعثته بها إلى قومه، فإن من سلطاني وقدرتي ما لم أعطه. تمليك الملوك بأمر النبوّة ووضعها حيث شئت، وإِيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل، وإخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي، ورزق من شئت من بر وفاجر بغير حساب، وكل ذلك لم أسلط عيسى عليه ولم أملكه إياه، أفلم يكن لهم في ذلك عبرة وبينة أن لو كان له إلهاً كان ذلك كله إليه، وهو في علمهم يهرب من الملوك، وينتقل منهم في البلاد من بلد إلى بلد.
التستري
تفسير : قوله: {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ}[26] يعني المعرفة والتوحيد وشرائع دينك الإسلام والعاقبة المحمودة، وهو أن يتولى الله العبد ولا يكله إلى نفسه.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ} [الآية: 26]. قال الواسطى: عَزَّى المُلوكَ بذلك فأعلمهم أنهم مجبُورُونَ فى مُلكهم وأن المُلكَ عَوارى لديهم بقولهِ: {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ}. قال أبو عثمان: الملك: الايمان وهذا دليل أن الإيمان لا يتحقق على شخص إلا بعد الكشف والسلامة له فى الانقلاب إلى ربه، فربما يكون عارية وربما يكون عطاء. قال الله تعالى: {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ} فهو مترسمٌ برسم الملوكِ، وقد نُزعَ منه مُلكُه. قال محمد بن على: المعرفةُ، تُعطى معرفتك من تشاءُ من عبادك وتنزعُها ممن تشاء، وتعز من تشاء باصطفائك واجتبائك، وتذلُّ من تشاءُ بالإعراض عنه، بيدك الخيرُ أى منك الاصطفاءُ والاجتباءُ قبل إظهار عبادةِ العابدين. قال الحسينُ: تؤتى الملك من تشاء "فتشغله به، وتنزع الملك ممَّن تشاءُ أى ممن اصطفيتهُ لك، فلا يؤثرُ فيه أسبابُ الملك، لأنه فى أسرَارِ الملك، وتُعزُ من تشاءُ بإظهار عزتك عليه وتُذل من تشاءُ بإنصافه برسُومِ الهياكل. قال الواسطىُ في هذه الآية: طُوبى لمن مُلكُه قلبُه وجوارحهُ كى يسلمَ من شُرورهما. قال الشبلى رحمه الله فى قوله تعالى: {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ} هذه الآية الملكُ: الاستغناءُ بالمكوّنِ عن الكونين.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ}. "اللهم" معناها يا الله والميم في آخرها بدل عن حرف النداء وهو يا. فهذا تعليم الحق كيفية الثناء على الحق، أي صِفْني بما أسْتَحِقُّه من جلال القَدْر فَقُلْ: يا مالكَ المُلْكِ لا شريكَ لكَ ولا مُعينَ، ولا ظهير ولا قرين، ولا مُقاسِمَ لكَ في الذات، ولا مُسَاهِمَ في المُلْك، ولا مُعَارِضَ في الإبداع. {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ}. حتى نعلم أن الملك لك، والمَلِكُ من المخلوقين مَنْ تَذَلَّلَ له، ومنزوعٌ المُلْكُ ممن تكبَّر عليه؛ فَتَجمُّلُ الخَلْقِ في تذللهم للحق، وعِزُّهم في محوهم فيه، وبقاؤهم في فنائهم به. {وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ}. بعز ذاتك. {وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ}. بخذلانك. وتعز من تشاء بأن تهديه ليشهدك ويوحدك، وتذل من تشاء بأن يجحدك ويفقدك وتعزُّ من تشاء بيُمْنِ إقبالك، وتذل من تشاء بوحشة إعراضك. و تعزُّ من تشاء بأن تؤنسه بك، وتذل من تشاء بأن توحشه عنك. وتعز من تشاء بأن تشغله بك، وتذل من تشاء بأن تشغله عنك. وتعز من تشاء بسقوط أحكام نفسه، وتذل من تشاء بغلبة غاغة نفسه. وتعز من تشاء بطوالع أُنسه وتذل من تشاء بطوارق نفسه. وتعز من تشاء ببسطه بك، وتذل من تشاء بقبضه عنك. و {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ} يشد نطاق خدمتك، {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ} بنفيه عن بساط عبادتك. توتي الملك من تشاء بإفراد سِرِّه لك وتنزع الملك ممن تشاء بأن تربط قلبه بمخلوق، {وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ} بإقامته بالإرادة، {وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ} يردُّه إلى ما عليه أهل العادة. {بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ}. ولم يذكر الشر حفظاً لآداب الخطاب، وتفاؤلاً بذكر الجميل، وتطيراً من ذكر السوء. {إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. من الحجب والجذب، (والنصرة) والخذلان، والأخذ والرد، والفرق والجمع، والقبض والبسط.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل اللهم} اصله يا الله فالميم عوض عن حرف النداء ولذلك لا يجتمعان وهذا من خصائص الاسم الجليل وشددت لقيامها مقام حرفين. وقيل اصله يا الله امنا بخير اى اقصدنا به فخفف بحذف حرف النداء ومتعلقات الفعل وهمزته {مالك الملك} اى مالك جنس الملك على الاطلاق ملكا حقيقا بحيث يتصرف فيه كيف يشاء له ايجاد واعداما واحياء واماتة وتعذيبا واثابة من غير مشارك ولا ممانع وهو نداء ثان عند سيبويه فان الميم عنده تمنع الوصفية لانه ليس فى الاسماء الموصوفة شىء على حد اللهم {تؤتى الملك} بيان لبعض وجوه التصرف الذى يستدعيه مالكية الملك وتحقيق لاختصاصها به تعالى وكون مالكية الغير بطريق المجاز كما ينبىء عنه ايثار الايتاء الذى هو مجرد الاعطاء على التمليك المؤذن بثبوت المالكية حقيقة {من يشاء} ايتاءه اياه {وتنزع الملك ممن تشاء} نزعه منه فالملك الاول حقيقى عام ومملوكيته حقيقية والآخران مجازيان خاصان ونسبيتهما الى صاحبهما مجازية {وتعز من تشاء} ان تعزه فى الدنيا او فى الآخرة او فى فيهما بالنصر والوفيق {وتذل من تشاء} ان تذله فى احداهما او فيهما من غير ممانعة من الغير ولا مدافعة {بيدك الخير} وتعريف الخير للتعميم وتقديم الخبر للتخصيص اى بقدرتك الخير كله لا بقدرة احد من غيرك تتصرف فيه قبضا وبسطا حسبما تقتضيه مشيئتك وتخصيص الخير بالذكر لان الكلام انما وقع فى الخير الذى يسوقه الى المؤمنين وهو الذى انكرته الكفرة فقال بيدك الخير تؤتيه اولياءك على رغم من اعدائك ولان كل افعال الله تعالى من نافع وضار صادر عن الحكمة والمصلحة فهو خير كله كأيتاء الملك ونزعه او لمراعاة الادب فان فى الخطاب بان الشر منك وبيدك ترك ادب وإن كان الكل من الله تعالى - روى - "حديث : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خط الخندق عام الاحزاب وقطع لكل عشرة من اهل المدينة اربعين ذراعا وجميع من وافى الخندق من القبائل عشرة آلاف واخذوا يحفرونه خرج من بطن الخندق صخرة كالقيل العظيم لم تعمل فيها المعاول فوجهوا سلمان الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره فجاء عليه السلام واخذ المعول من سلمان فضربها ضربة صدعتها مقدار ثلثها وبرق منها برق اضاء ما بين لابتيها كانه مصباح فى جوف بيت مظلم فكبر وكبر معه المسلمون وقال "اضاءت لى منها قصور الحيرة كانها انياب الكلاب" ثم ضرب الثانية فقال "أضاءت لى منها القصور الحمر فى ارض الروم" ثم ضرب الثالثة فقال "اضاءت لى قصورة صنعاء واخبرنى جبريل عليه السلام ان امتى ظاهرة على الامم كلها فابشروا" فقال المنافقون ألا تعجبون يمنيكم ويعدكم الباطل ويخبركم انه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وانها تفتح لكم وانتم انما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون ان تبرزوا فنزلت {انك على كل شىء قدير}"تفسير : من الاعزاز والاذلال.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {اللهم} منادى مبني على الضم، حذفت منه الياء المتضمنة للفرق، وعوضت منها الميم المُؤْذِنة بالجمع، لئلا يبقى بين الداعي والمدعو فَرْقٌ، و {مالك}: نعت لمحل المنادي؛ لأنه مفعول، ومنادى ثانٍ عند سيبويه، لأن الميم عنده تمتع الوصفية. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} يا محمد في استنصارك على عدوك: {اللهم} يا {مالك الملك}؛ مُلك الدنيا وملك الآخرة، {تؤتي الملك} والنصر {من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء}، فهب لنا ملك الدارين، والنصر على الأعداء في كل أين، وانزع الملك من يد عدونا، وانقله إلينا وإلى من تبعنا إلى يوم الدين. قال قتادة: (ذُكر لنا أن النبيّ صلى الله عيله وسلم سأل ربه أن يجعل مُلك فارس والروم في أمته، فأنزل الله تعالى هذه الآية). {وتعز من تشاء} بالإيمان والطاعة {وتذل من تشاء} بالكفر والمعصية، أو تعز من تشاء بالمعرفة، وتذل من تشاء بالفكرة، أو تعز من تشاء بالقناعة والورع، وتذل من تشاء بالحرص والطمع، أو تعز من تشاء بالتوفيق والإذعان، وتذل من تشاء بالكسل والخذلان، {بيدك الخير} كله، فأعطنا من خيرك الجزيل، وأجرنا من الشر الوبيل، فالأمور كلها بيدك. قال البيضاوي: ذكر الخير وحده؛ لأنه المقضي بالذات، والشر مقضي بالعرض؛ إذ لا يوجد شر جزئي ما لم يتضمن خيراً كليّاً. أو لمراعاة الأدب في الخطاب، أو لأن الكلام وقع فيه، إذ رُوِيَ أنه عليه الصلاة والسلام - لَمَّا خَطَّ الخَنْدَقَ، وقَطَعَ لكل عَشَرَة أربعينَ ذِرَاعاً، وأخذوا يَحْفرُون، فظهر فيه صخْرَةٌ عظيمةٌ لم تَعْمَلْ فيها المَعَاوِلُ، فَوَجَّهُوا سلْمَانَ إلى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يُخبرُه، فجاء عليه الصلاة والسلام، فأخذ المعْول منه، فَضَرب به ضَرْبَةً صدعَهَا، وَبَرَقَ مِنْهَا أضَاءَ ما بَيْنَ لابَتَيْها، لكأن مصباحاً في جوْف بَيتِ مُظلم، فكَبَّرَ، وكَبَّرَ معه المسلمونَ، وقال:حديث : أضَاءَتْ لي مِنْهَا قُصُور الحيرة، كأنها أنيابُ الكلاب،تفسير : ثم ضرب الثانية، فقال:حديث : أضَاءَتْ لي مِنْها القُصور الحمر من أرض الرومتفسير : ، ثم ضرب الثالثة، فقال:حديث : أضاءت لي منها قُصُورُ صَنعاء، وأخْبرَنِي جِبْريل أنَّ أُمَّتِي ظَاهرةٌ علَى كُلِّها، فأبشرواتفسير : ، فقال المنافقون: ألا تَعْجَبُون! يمنيكم ويعدكم الباطل، ويُخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحِيَرةِ، وأنَّها تُفْتحُ لَكُمْ، وأنتم إنما تَحْفُرون الخنْدَقَ مِنَ الفَرَق فنزلت، أي: الآية. ونبّه على أن الشر أيضاً بيده بقوله: {إنك على كل شيء قدير}. هـ. ثم استدلّ على نفوذ قدرته بقوله: {تولج الليل في النهار} أي: تُدخل أحدَهما في الآخر بالتعقيب، أو بالزيادة أو النقص، فيولج الليل في النهار، إذا طال النهار حتى يكون خمس عشرة ساعة، وفي الليل تِسْعٌ، ويُولج النهار في الليل، إذا طال الليل كذلك، وفيه دلالة على أن مَنْ قدر على ذلك قدر على معاقبة العز بالذل، والمُلك بنزعه. {وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي}؛ كالحيوانات من النُّطَف، وبالعكس، والنباتات من الحبوب، وبالعكس، أو المؤمن من الكافر والعالم من الجاهل، وبالعكس، {وترزق من تشاء} من الأقوات والعلوم والأسرار، {بغير حساب}، ولا تقدير ولا حصر. اللهم ارزقنا من ذلك الحظ الأوفر، {إنك على كل شيء قدير}. "حديث : روى معاذ رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال له: يا معاذُ، أتحبُّ أن يقضيَ اللّهُ عنك دَيْنك؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: قل" {اللهم مالك الملك} إلى قوله: {بغير حساب}، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطي منهما ما تشاء، وتمنع منهما ما تشاء اقضِ عني ديني، فلو كان عليك ملءُ الأرض ذهباً وفضة لأدَّاه الله عنك ". تفسير : ورُوِيَ عن عليّ رضي الله عنه أنه قال: الفاتحة، وآية الكرسي، و {شهد الله}، و {قل اللهم مالك الملك...} إلى {... بغير حساب}، لمّا أراد الله أن ينزلهن، تعلقن بالعرش وقلن: تهبطنا إلى دار الذنوب فقال الله عزّ وجلّ: "حديث : وعزّتي وجلالي لا يقرؤكن عبد، دبر كل صلاة مكتوبة، إلا أسكنته حظيرة القدس، على ما كان فيه، وإلا نظرت إليه بعيني المكنونة في كل يوم سبعين نظرة، وقضيت له في كل يوم سبعين حاجة، وأعززته من كل عدو، نصرته عليه... "تفسير : الحديث. انظر الثعلبي. الإشارة: من ملك نفسه وهواه فقد ملكه الله ملك الدارين، ومن ملكته نفسه وهواه فقد أذلّه الله في الدراين ومن ملك نفسه لله فقد مكنه الله من التصرف في الكون بأسره، وكان حرّاً حقيقة، وفي ذلك يقول الشاعر: شعر : دَعَوْنِي لمُلْكِهم، فلمَّا أجبتُهم قالُوا: دَعَوْنَاك للمُلْك لا للمِلْكِ تفسير : ومن أذلَّ نفسه لله فقد أعزّه الله، قال الشاعر: شعر : تَذَلَّلّ لِمَنْ تَهوَى لِتَكْسِبَ عِزَّةً فَكَمْ عزَّةٍ قَدْ نَالَهَا المَرْء بالذُّلِّ إذَا كانَ مَنْ تَهْوى عَزِيزاً وَلَم تَكُنْ ذَلِيلاً لَهُ، فَاقْرِ السَّلامَ عَلَى الْوصْلِ تفسير : قال ابن المبارك: (قلت لسفيان الثوري: من الناس؟ قال: الفقهاء، قلت: فمن الملوك؟ قال: الزهادن قلت: فمن الأشراف؟ قال: الأتقياء، قلت: فمن الغوغاء؟ قال: الذين يكتبون الحديث ليستأكلوا به أموال الناس، قلت: أخبرني ما السفلة؟ قال: الظلمة). وقال الشبلي: (المُلك هو الاستغناء بالمكون عن الكونين). وقال الوراق: (تُعز من تشاء بقهر النفس ومخالفة الهوى، وتذل من تشاء باتباع الهوى). قلت: وفي ذلك يقول البرعي رضي الله عنه: شعر : لا تَتْبَع النَّفْسَ في هَوَاهَا إنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى هَوَانُ تفسير : وقال وهب: "خرج الغِنَى والعز يجولان، فلقيا القناعة فاستقرا". وقال عيسى عليه السلام لأصحابه: أنتم أغنى من الملوك، قالوا: يا روح الله؛ كيف، ولسنا نملك شيئاً؟ قال: أنتم ليس عنكم شيء ولا تريدونها، وهم عندهم أشياء ولا تكفيهم هـ. قال الشافعي رضي الله عنه: شعر : أَلاَ يا نفسُ إن ترضَيْ بِقُوتٍ فأنت عزيزةٌ أبداً غنيهْ دَعِي عنكِ المطامِعَ والأمانِي فكمْ أُمْنِيَّةٍ جَلبَتْ مَنِيهْ تفسير : وقال آخر: شعر : أَفَادتني القناعةُ كلَّ عزٍّ وهَلْ عِزٍّ أعزُّ مِنْ القَنَاعَهْ فَصَيِّرْها لنفسِكَ رأسَ مالٍ وصَيِّرْ بعدها التَّقْوى بِضَاعَهْ تَنَل عِزّاً وتَغْنَى عَنْ لَئِيمٍ وتَرْحَلْ للجِنَان بصبْرِ ساعَهْ تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام:"حديث : مِن أَصْبَحَ آمِناً فِي سِرْبِه، مُعَافى فِي بَدنه، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيا بحذافيرها ". تفسير : تولج ليل القبض في نهار البسط، وتولج نهار البسط في ليل القبض، وترزق من تشاء فيهما من العلوم والأسرار، بغير حساب ولا مقدار، أو تولج ليل العبودية في نهار الحرية، وتولج نهار الحرية في ليلة العبودية، فمن كان في نهار الحرية تاه على الوجود، ومن كان في ليل العبودية عطل ذله ذل اليهود، والعبد لا يخلو من هذين الحالين، يتعاقبان عليه تعاقب الليل والنهار، والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : اللغة: قيل في زيادة الميم في اللهم قولان: أحدهما - قال الخليل: إنها عوض من ياء التي هي أداة للنداء بدلالة أنه لا يجوز أن تقول غفر اللهم لي، ولا يجوز أيضاً مع (يا) في الكلام. والثاني - ما قاله الفراء: إنها الميم في قولك يا الله أمنا بخير فألقيت الهمزة وطرحت حركتها على ما قبلها. ومثله هلم وإنما هي هل أم، قال: وما قاله الخليل لا يجوز لأن الميم إنما تزاد مخففة في مثل فم وابنم، ولأنها قد اجتمعت مع (يا) في قول الشاعر: شعر : وما عليك أن تقولي كلما سبحت أو صليت يا اللهما أردد علينا شيخنا مسلما تفسير : قال الرماني: لا يفسد قول الخليل بما قاله، لأنها عوض من حرفين فشددت كما قيل قمتن وضربتن لما كانت النون عوضاً من حرفين في قمتم، وذهبتم، فأما قمن وذهبن فعوض من حرف واحد، وأما البيت فانما جاز فيه لضرورة الشعر، وأما هل، فلا تدخل على (أم) بوجه من الوجوه. والاصل في (ها) أنها للتنبيه دخلت على (لم) في قول الخليل. الاعراب: وقوله: {مالك الملك} أكثر النحويين على أنه منصوب بأنه منادى مضاف وتقديره يا مالك الملك. وقال الزجاج: يحتمل هذا ويحتمل أيضاً أن يكون صفة من اللهم، لأن اللهم منادى، والميم في آخره عوض من ياء في أوله ثم وصفه بعد ذلك كما تقول يا زيد ذا الحجة. المعنى: ومعني الآية قيل فيه أربعة أقوال: أحدها - أن الملك ها هنا النبوة ذكره مجاهد. و [الثاني] قال الزجاج: مالك العباد، وما ملكوا. و [الثالث] قال قوم: مالك أمر الدنيا والآخرة. والرابع: انه أفاد صفة لا تجوز الا له من أنه مالك كل ملك. وقوله: {تؤتي الملك من تشاء} تقديره من تشاء أن تؤتيه وتنزع الملك ممن تشاء أن تنزعه، كما تقول: خذ ما شئت واترك ماشئت. ومعناه ما شئت أن تتركه. اللغة: والنزع: قلع الشيء عن الشيء، نزع ينزع نزعاً. ومنه قوله: {والنازعات غرقاً} قال أبو عبيدة هي النجوم تنزع أي تطلع والنزع الشبه للقوم نزع إلى أخواله أي نزع إليهم بالشبه، فصار واحداً منهم بشبهه لهم. والنزاع: الحنين إلى الشيء والمنازعة: الخصومة. والنزوع عن الشيء الترك له. والنزع: ذهاب الشعر عن مقدم الرأس. والمنزعة: آلة النزع. وأصل الباب النزع: القلع. المعنى: وقال البلخي والجبائي لا يجوز أن يعطي الله الملك للفاسق لأنه تمليك الأمر العظيم من السياسة والتدبير مع المال الكثير، لقوله: {أية : لا ينال عهدي الظالمين}تفسير : والملك من أعظم العهود، ولا ينافي ذلك قوله: {أية : ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك}تفسير : لأمرين: أحدهما - قال مجاهد الهاء كناية عن إبراهيم والملك المراد به النبوة والتقدير أن آتى الله إبراهيم النبوة. والثاني - أن يكون المراد بالملك المال دون السياسة، والتدبير فان قيل: ما الفرق بين تمليك الكافر العبيد والاماء وبين تمليكه السياسة والتدبير: قيل: لأن لا يجعل للجاهل أن يسوس العالم، وهذا الذي ذكره البلخي بعينه يُستدل به على الامام يجب أن يكون معصوماً، ولا يكون في باطنه كافراً، ولا فاسقاً. فان قيل: إن ذلك عادة وجاز أن يكلفنا الله اختياره على ظاهر العدالة فاذ أبان فسقه انخلعت إمامته وإنما لا يجوز أن يختار الله (تعالى) من في باطنه فاسق، لأنه يعلم البواطن لما جاز منا أن نختاره؟ قلنا عن ذلك جوابان: أحدهما - أن الامام - عندنا - الله (تعالى) يختاره، فوجب أن يكون مأمون الباطن على ما قلتموه. وما الفرق بين أن يختار من في باطنه فاسق وبين أن يكلفنا ذلك مع علمه بأنا لا نختار إلا الفاسق. والجواب الثاني - أنه إذا كانت علة الحاجة إلى الامام ارتفاع العصمة فلو كان الامام غير معصوم لاحتاج إلى امام آخر وأدى ذلك إلى التسلسل وذلك باطل. وقوله: {بيدك الخير} معناه إنك قادر على الخير وإنما خص الخير بالذكر وإن كان بيده كل شيء من خير أو شر، لأن الغرض ترغيب العبد، وإنما يرغب في الخير دون الشر، وقال الحسن، وقتادة: هذه الآية نزلت جواباً لما سأل الله النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يجعل لأمته ملك فارس والروم فأنزل الله الآية.
الجنابذي
تفسير : {قُلِ ٱللَّهُمَّ} اصله يا الله حذف اداة النداء واتى بالميم المشدّدة فى الآخر عوضاً عنها تعظيماً لاسمه الشّريف ان يؤتى بصورة النّداء وتفخيماً للفظه واشعاراً باشتداد المحبّة فانّ شدّة الحبّ كشدّة الغضب تقتضى التّشديد فى اللّفظ وقيل اصله يا الله اُمّ بخير فخفّف بحذف حرف النّداء وهمز القطع وعدم التفوّه بهذا الاصل وعدم اجتماع الميم مع حرف النّداء دليل الاوّل {مَالِكَ ٱلْمُلْكِ} صفة اللّهمّ او منادى بحذف حرف النّداء والاتيان به قبل الحكم للبراعة، وليكون مشعراً بعلّة الحكم، والمراد بالملك عالم الملك المقابل للملكوت ويقال لعالم الطّبع عالم الملك لانّه ليس فيه الاّ حيثيّة المملوكيّة بخلاف الملكوت والجبروت لانّ فيهما حيثيّة المالكيّة اظهر من حيثيّة المملوكيّة والملك بتثليث الميم وبالفتحتين وبالضّمّتين ما تملكه وتستبدّ بالتصرّف فيه، او المراد به مطلق عالم الامكان من الملك والملكوت والجبروت، او مطلق مراتب العالم الصّغير والكبير حتّى يشمل ملك القلوب ودولة الرّسالة والنّبوّة وخلافتهما {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ} حال او مستأنف جواب لسؤالٍ مقدّرٍ او مستأنف للمدح والمراد بالملك الثّانى امّا عين الاوّل كما هو المتبادر من تكرار المعرفة، او المراد به بعض معانى الاوّل {مَن تَشَآءُ} ان تؤتيه من غير مانع وعجز {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ} اعزازه والعزّة هاهنا مقابل الذّلّة والمراد به امّا عزّ الملك فيكون تأكيداً لمفهوم الاوّل، او غير العزّة اللازمة للملك فيكون تأسيساً {وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ} لا بيد غيرك جنس {ٱلْخَيْرُ} او جميع انواعه وافراده وهذه الجملة حال او مستأنف جواباً لسؤالٍ مقدّرٍ او لمدح وتخصيص الخير بالذّكر امّا لكون المقام للتّرغيب فيما عنده والمناسب له ذكر الخير، او لانّ الشرّ عدمىّ راجع الى العدم والعدم لا شيء محض لا يجرى عليه حكم الشّيء {إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تعميم بعد تخصيص والجملة كالجمل السّابقة فى الاعراب.
اطفيش
تفسير : {قُلِ اللَّهُمَّ...} الآية: وقال قتادة: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه عز وجل أن يجعل ملك فارس والروم فى أمته، فأنزل الله لآية فى ذلك، وعداً له. حديث : وروى أنه صلى الله عليه وسلم لما خط الخندق عام الأحزاب، وقطع لكل عشرة رجال أربعين ذراعاً، وأخذوا يحفرون، ظهرت من بطن الخندق صخرة عظيمة لا تعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخبره فأخذ المعول من يد سلمان، فضربها ضربة صدعها فبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها لكأن مصباحاً فى جوف بيت مظلم وكبر وكبر المسلمون، وقال: أضاءت منها قصور الحيرة، كانها أنياب الكلاب، ثم ضرب الثانية فقال: أضاءت لى منها قصور الحمر من أرض الروم، ثم ضرب الثالثة فقال: أضاءت لى قصور صنعاء، وأخبرنى جبريل أن أمتى ظاهرة عليها كلها، فأبشروا، فقال المنافقون: لا تعجبون يمنيكم ويعدكم الباطل، ويخبركم أنه من يبصر من يثرب قصور الحيرة، ومدائن كسرى، وإنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق، لا تستطيعون أن تبرزواتفسير : . فنزلت الآية. أى والله لكأن، وخبر كأن أى: كأن مصباحاً ظهر ولاتبا المدينة، أرضان بينهما المدينة فيهما حجارة سود، ووجه التشبيه بأنياب الكلاب، صفر قصور الحيرة وانضمامها، وقيل: إن اليهود قالوا: والله لا نطيع رجلا ينقل النبوة من بنى إسرائيل إلى غيرهم، فنزلت الآية. وذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: تقاتلون جزيرة العرب فيفتح الله عليكم، وتقاتلون فارساً فيفتح الله عليكم، وتقاتلون الدجال فيفتح الله عليكم، وكان عتبة بن نافع يحلف بالله لا يخرج حتى تفتح الروم. والميم فى {اللهم} عوض عن حرف النداء، ولذلك لا يجتمعان إلا فى الشعر، أى: يا الله، وشددت لأن {يا} حرفان، وتعويض الميم عن حرف النداء من خصائص هذا الإسم، كما خص أيضاً باجتماع حرف النداء وأل، وكما خص بتاء القسم، وقلت فى غيره كتالرحمن، وتربى، وتحياتك وبقطع همزته فى النداء جوازاً، وهى همزة وصل، وذلك مذهب البصريين. وقال الكوفيون: الميم بقية فعل الدعاء، والأصل بالله أمنا بخير، أى: اقصدنا بخير، فحذف حرف النداء، وحرفت همزة "أم" والمفعول "وبخير" ولو كان كذلك لجاز حذف النداء معه، ولكن ما بعده بالعطف مثل: اللهم واغفر لنا، ولم يسمع، ولعلهم يجعلون ما بعده بدلا. {مَالِكَ الْمُلْكِ}: كلهُ فى الدنيا والآخرة، يتصرف فيه بما يشاء تصرف الملاك فيما يملكون، فالأشياء ملك لله تعالى، جعلها بيد غيره، ينتفع به غيره دنيا وأخرى، وقيل: معناه مالك الملك عن الملوك بالإرث منهم بعد أن كان عارية فى أيديهم، يوم لا يدعى أحد الملك، وقيل: معناه مالك الملك الذى بيده الملوك، هو ملك لهن وهو بأيديهم. كما قال تعالى الله: "حديث : أنا الله مالك الملوك، ومالك الملك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدى، فإن العباد أطاعونى جعلتهم عليهم رحمة، وإن هم عصونى جعلتهم عليهم عقوبة فلا تشتغلوا بسبب الملوك، ولكن توبوا إلىّ أعطفهم عليكم " تفسير : . وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : كما تكونون يول عليكم ". تفسير : و{مالك}: صفة للفظ الجلالة على المحل، أو منادى بحرف محذوف. وقال سيبويه: لا يوصف الله إذا كانت فى آخر الميم، بل هو منادى بمحذوف والأول مذهب الزجاج والمبرد ووجهه: أنه كما يوصف عند حرف النداء يوصف عند الميم. {تُؤْتِى الْمُلْكَ مَنْ تَشَآءُ}: المراد بهذا الملك بعض الملك الأول، إذ لم يعط الله ملك السماوات، وما فوقهما والأرضين، والبحر المحيط، وما وراه أحداً، بل يعطى من يشاء نصيبه فى الملك. {وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ}: ترده منه لميقات وعدته، فى علمك وقيل: نؤتى الملك محمداً صلى الله عليه وسلم، وأمته وتنزعه من فارس والروم وقيل: تؤتى الملك محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتنزع الملك من أبى جهل وصناديد قريش، وقيل: تؤتى الملك آدم وذريته، وتنزعه من إبليس وجنوده إذ كانوا فى الأرض مالكين لها قبل آدم، ويبحث فى هذا بأن تؤتى وتنزع إما للحال أو للاستقبال، أو للحال مع الدلالة على التكرير بواسطة عرف العرب فى بعض عبارتهم، إلا أن يقال بمعنى الماضى مجازاً، أو منزل منزلة الحال المشاهد، وقال سعيد بن جبير ومجاهد والسدى: تؤتى النبوة والرسالة وذلك أنهما أعظم مراتب الملك، لأن ملك الأنبياء على باطن الخلق وظاهرهم، ولا يجوز عصيان نبى، ولا يشكل قوله تعالى: {وتنزع الملك ممن تشاء} من حيث أن النبوة أو الرسالة لا ينزعهما الله ممن جعهما فيه، لأن صاحب هذا القول يقول معنى نزعها ممن يشاء، أنهُ نقلها من بنى إسرائيل إلى العرب بعد أن كانت فى بنى إسرائيل، ولأنه يجوز إطلاق النزع على معنىعدم الإعطاء، كما لا يجوز أن تقول لمن لم يكن فى الشرك أصلا أخرجه الله منه أى عصمه عنه، وكما تقول لمن لم يكن فيهِ، لا يعود إليه. وقيل: الملك القدرة، والمعنى: ليست قدرة الخلق على ما يقدرون، إلا بإقدار الله تعالى، فهو قادر على كل قادر، ومقدروه، وعلى كل مالك ومملوكه، وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهُ قال: "حديث : من دخل السوق فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حى لا يموت بيده الخير وهو على كل شىء قدير.. كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف الف درجة، وينزله بيتا فى الجنة"تفسير : . وعن على ابن أبى طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أن فاتحة الكتاب، وآية الكرسى والآيتين من آل عمران: شهدا لله أنه لا إله إلا هو - وقل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء إلى قوله بغير حساب.. مشفعات فيمن يتلوهن يقول الله تعالى إنه لا يقرأكن أحد من عبادى دَبر كل صَلاَةٍ مكتوبة، إلا جعلت الجنة مأواه وإلا أسكنته حضرت قدسى، وإلا قضيت لهُ كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة"تفسير : ، ومعنى مشفعات بفتح الفاء: مقبولات الشفاعة، أو مصيرة شافعات. {وَتُعِزُّ مَنْ تَشَآءُ}: إعزازه فى الدنيا أو فى الآخرة، أو فيهما بالنصر والتوفيق. {وَتُذِلُّ مَنْ تَشَآءُ}: إذلاله كذلك بالخذلان، وقد أعز الله سبحانه وتعالى محمداً صلى الله عليه وسلم، وأصحابه وأمته، وأذل المشركين من العرب واليهود والنصارى والفرس، وغيرهم وذلك على عمومة. وقيل: المراد يعز محمداً صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة، ويذل اليهود بالجزية. وقيل: تعز المهاجرين والأنصار، وتذل فارساً والروم، وقيل: تعز محمداً وأصحابه إذ دخلوا مكة فى عشر آلاف ظاهرين عليها، وتذل من تشاء أبا جهل وأصحابه، قتلوا وألقوا فى قليب بدر يوم بدر، وقيل: تعز من تشاء بالطاعة، وتذل من تشاء بالمعصية. وقيل: تعز من تشاء بالغنى، وتذل من تشاء بالفقر. وقيل: تعز من تشاء بالقناعة والرضا، وتذل من تشاء بالحرص والطمع. {بِيَدِكَ الْخَيْرُ}: كله. ومنه الخير الذى يحسدنى عليهِ اليهود والنصارى ويجوز أن يكون الخير هو ما حسدوه عليه، وعلى كل حال خص الخير، لأن الكلام فيه وللأدب فى الكلام مع الله تعالى، وإلا فالخير والشر بيده تعالى والخير حسدوه عليه النبوة والرسالة، وفتح القرى والغنيمة والنصر. وقدم {بِيَدِك} للحصر، أى فى قدرتك لا فى قدرة غيرك، ويجوز أن يراد بالخير: كل أفعال الله من نافع وضار، لأن فعلهُ كله حكمة وجميل، ويجوز أن يكون ذكر الخير وحده، لأن الله تعالى قضاء بالذات سبقت رحمتهُ غضبه، وخلقهُ ودعا إليهِ عباده، وأباح لهم دنيوية، والشر مقتضى بالفرض، خلقه ونهى عنهُ، إلا ترى أنه لا يوجد شر جزء إلا وقد تضمن خيراً كلياً، فخلق آلة القطع ليتوسل بها إلى الله فى طاعة، وخلق الكفار والخنازير لنقتلهم، فنؤجر إن شاء الله، وخلق المعصية لنهى عنها، وهكذا ودخل الشر فى قوله عز وجل أيضاً. {إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}: من الإعزاز والإذلال وإتياء الملك ونزعه وغير ذلك.
اطفيش
تفسير : {قُلِ اللَّهُمَّ} منادى، والميم عوض عن أصل حروف النداء، وهو يا، ولكونه حرفين ياء وألف شددت الميم فتكون حرفين، وخصت الميم لشبهها بالواو التى هى حرف علة كثرت زيادتها، وتكون مع الألف حرف نداء فى الندبة، وقلت فى غيرها، ولأنها أخت الياء التى هى بعض يا {مَالِكَ المُلْكِ} كله، يتصرف فى الأشياء بما يشاء، إيجاد وإعداما، وإماتة وإحياء، وتعذيبا وإثابة، وتنبئة وإرسالا، وغير ذلك، على الإطلاق بلا مشاركة، وزعم بعض أنه النبوة، وقيل، المال والعبيد، وقيل، الدنيا والآخرة، وقيل، المعنى مالك الملوك ووراثهم، كما جاء، حديث : أنا الله مالك الملوك، ومالك الملك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدى، فإن العباد أطاعونى جعلهم عليهم رحمة، وإن هم عصونى جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسب الملوك، ولكن توبوا إلىّ أعطفهم عليكمتفسير : ، ونصب مالك على النداء، وقيل على التقية لله، إذ محله النصب، وهو قول المبرد والزجاج ويبحث فيه بأن اتصال الميم به شبهه باسم الصوت واسم الفعل، وخالف سائر المركبات التى تنعت كسيبويه فإن حرف البناء فيه قبل الميم وهو الهاء المضمومة، وضمة النداء تشبه حركة الإعراب، قيل، ولو نعت لكان بعد النعت، لأنها عوض حرف النداء، وهو لا يكون وسطاً {تُؤْتِى المُلْكَ} المعهود فى الأذهان، وهو بعض الملك العام، أو تؤتى الملك العام المذكور، أو العام المذكور، أى بعضه {مَن تَشَآء} من عبادك {وَتَنزِعُ الْمُلْكَ} المعهود في الأذهان، أو العام المذكور، أى بعضه {مِمَّن تَشَآءُ} منهم، قال البيهقى وابن جرير حديث : إنه صلى الله عليه وسلم لما خط الخندق وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا، وأخذوا يحفرون ظهرت فيه صخرة عظيمة لم تعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره، فجاء، فأخذ المعول منه، فضربها ضربة صدعتها، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها، حتى لكأن مصباحا فى جوف بيت مظلم، فكبر وكبر معه المسلمون، فقال: أضاءت لى منها قصور الحيرة، كأنها أنياب الكلاب، أى بياضا وصفرة، وانضماما وتمايزا بشرافات، ثم ضرب الثانية فقال، أضاءت لى منها القصور الحمر من أرض الروم، لأنها بالآجرّ، ولقدمها، ثم ضرب الثالثة، فقال أضاءت لى منها قصور صنعاء، وأخبرنى جبريل بأن أمتى ظاهرة عليها كلها فأبشرواتفسير : ، فقال الكافرون: ألا تعجبون، يمنيكم ويعدكم الباطل، ويخيركم أنه يرى من يثرب قصور الحيرة وأنها تفتح لكم، وإنما تحفرون الخندق من الخوف، فنزلت الآية: قل اللهم مالك الملك، وبسطت الحديث فى شرح النونية: شعر : تيمم نجدا فى تلهفه الجانى يؤم رسول الله للإنس والجان تفسير : ولما فتح مكة ذكر أنه سيفتح الله الروم والفرس له، فقال بعض المنافقين: يكفيه مكة والمدينة، وأما فارس والروم فهم أبعد شىء أن ينالهما فقيل: نزلت الآية فى هذا متأخرة عن زمان الحفر، والخندق معرّب كُندة، قيل وأنياب الكلاب ذم لهم وإهانة لما لهم، والمراد بالكافرين المنافقون بإضمار الشرك كما صرح فى رواية بالمنافقين، والمراد بالنزع ترك الإعطاء من أول، كقولك: ضيق فم البئر، أى احفره ضيقا، أو مطلق الترك فيشمل النزع بعد الإعطاء وعدم الإعطاء من أول فهو من عموم المجاز، أو على ظاهره،على أن الملك الثانى النبوة، والرسالة بعض الملك العام، أو معهود ذهنا، والثالث عهد الثانى، أى تنزع النبوة والرسالة من بنى إسرائيل، وتؤتاها العرب، ولا ضعف فى وصف هذا بالنزع والنقل، بل جاء مثله فى أحاديث، أو أريد الترك من أول، نعم إطلاق الملك على النبوة مجاز يجتاج لقرينة تخصها لكن قد فسر بذلك قوله تعالى: {أية : فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما} تفسير : [النساء: 54]، والنزع بالموت و الجنون والمرض، وإزالة إبراهيم الكتاب والحواس وتلف الأموال، وقوة النزاع، ومن المسلم للكافر، ومن الكفر للمسلم، ومن كافر لكافر، ومسلم لمسلم، ومن عادل لجائر أو عادل، أو منه لعادل أو جائر {وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ} بإيتاء الملك كالنبى والمؤمنين {وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ} بنزعة، كفارس والروم والمشركين من العرب وغيرهم، واليهود والنصارى بالقتل والجزية أو تعز من تشاء فى الدنيا بالنصر والتوفيق، أو بهما فى الدنيا والآخرة، وتذل من تشاء فيهما بعدم النصر أو بعدم التوفيق، أو بهما أو تعز من تشاء فى الدنيا أو الآخرة، أو فيهما، وتذل من تشاء كذلك {بِيَدِكَ الخَيْرُ} والشر، دنيا وأخرى، وخص الخير بالذكر لأنه مرغوب فيه وأنسب بما نزلت فيه الآية من ملك الحيرة والروم واليمن، ولأنه مقضى بالذات والشر بالعرض، ولأنه أنسب بالخطاب المراد به الجلب باللين {إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} ومن قدرته ما فى قوله تعالى: {تُولِجُ} تدخل {الَّيْلَ فِى النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِ} بإدخال ما ينقص من أحدهما فى الآخر، ولا حصر فى الآية، فلا يشكل يوم الاستواء وليلته، ولا استياؤهما دائما عند خط الاستواء، والمعتبر الغالب، وقيل الإيلاج تعقيب كل بالآخر، والقادر على ذلك قادر على أن ينزع الملك من الأقوياء الكثيرين عددا ومالا وبدنا كالروم وفارس، ويعطيه الأفلاّء الضعفاء فى ذلك، وقدم الليل لتقدم الظلمة على النور {وَتُخْرِجُ} أى تنشىء {الْحَىِّ} كالإنسان ونحوه، والطائر ونحوه، والحوت {مِنَ المَيِّتِ} كالنطفة لسائر الدواب والإنسان، وكالبيضة للطائر والحية ونحوهما، وكالماء للحوت والجراد الخارج من البحر، أو تنشىء الحى وتميته {وَتُخْرِجُ المَيْتَ} كالنطفة والبيضة {مِنَ الْحَىِّ} أو تخرج المسلم من الكافر، والكافر من المسلم، فالإسلام كالروح، والكفر كسلب الروح، قال الله جل وعز:" أية : أو من كان ميتاً فأحييناه" تفسير : [الأَنعام: 122] وهو حق، إى أن الآية سيقت للإستدلال، والكافر لا يعتبر بهذا، أو كل ذلك جمعاً بين الحقيقة والمجاز، أو حملا على عموم المجاز، فتخرج النطفة من الحيوان، والنخلة من النواة، والنواة من النخلة، والطيب من الخبيث، والخبيث من الطيب، والعالم من الجاهل، والجاهل من العالم، والذكى من البليد، والبليد من الذكى حديث : لما خلق الله آدم أخرج ذريته، فقبض قبضة فقال: هؤلاء أهل الجنة ولا أبالي، وقبض قبضة فقال: هؤلاء أهل النار ولا أبالي فخلطهم أهل الجنة وأهل النار، فيخرج الكافر من المؤمن والمؤمن من الكافر، فذلك قوله تعالى: وتخرج الحى من الميت تفسير : ألخ رواه ابن مرويه عن سلمان مرفوعا {وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسابٍ} أى رزقاً واسعاً، فى الدنيا والآخرة، أو فيهما، أو بغير استحقاق وبلا بتعة. وقد يكون التوسيع فى الدنيا استدراجا، وكثيراً مايوسع على الأبله والمجنون والطفل، ويضيق على الحادق المحتال. شعر : لو كان بالحيل الكثيرُ وجدتنى بأجل أسباب السماء تعلقى لكن من رزق الحجا حرم الغنى ضدان مفترقان أى تفرق ومن الدليل من القضاء وكونه بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق تفسير : روى الديلمى حديث : أنه قال على عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما أمر الله تعالى أن تنزل فاتحة الكتاب وآية الكرسى، وشهد الله، وقل اللهم مالك إلى قوله بغير حساب تعلقن بالعرش وقلن: يا رب، بهبطنا إلى دار الذنوب، وإلى من يعصيك، فقال الله تعالى: وعزتى وجلالى، لا يقرؤكن عبد عقب كل صلاة مكتوبة إلا أسكنته حظيرة القدس على ما كان منه، أى بتوفيقه للتوبة، وإلا نظرت إليه بعينى المكنونة فى كل يوم سبعين نظرة، وإلا قضيت له فى كل يوم سبعين حاجة، أدناها المغفرة، وإلا أعذته من عدوه بنصرته عليه ولا يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموتتفسير : . قال معاذ بن جبل: حديث : شكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ديناً كان علىّ، فقال: يا معاذ، أتحب أن يقضى دينك؟ قلت: نعم، قال: قل، اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير، إنك على كل شىء قدير، رحمان الدنيا والآخرة رحيم ما تعطى منهما من تشاء وتمنع منهما من تشاء، اقض عنى دينى، فلو كان عليك ملء الأرض ذهباً قضاه اللهتفسير : ، رواه ابن أبى الدنيا، ورواه الطبرانى، لكن إلى بغير حساب، والباء متعلق بترزق بمعنى مع، أو بمحذوف حال من ضمير ترزق، كأنه قيل، غير محاسب، بكسر السين، أو مِنَ مَن، كأنه قيل: غير محاسب بفتحها.
الالوسي
تفسير : {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ } تأكيد لما تشعر به الآية السابقة من مزيد عظمته تعالى وعظيم قدرته؛ وفيه أيضاً إفحام لمن كذب النبـي صلى الله عليه وسلم ورد عليه لاسيما المنافقين الذين هم أسوأ حالاً من اليهود والنصارى، وبشارة له صلى الله عليه وسلم بالغلبة الحسية على من خالفه كغلبته بالحجة على من جادله، وبهذا تنتظم هذه الآية الكريمة بما قبلها. روى الواحدي عن ابن عباس وأنس بن مالك أنه لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وعد أمته ملك فارس والروم قالت المنافقون واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم هم أعز وأمنع من ذلك ألم يكف محمداً مكة والمدينة حتى يطمع في ملك فارس والروم؟!! فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروى أبو الحسن الثعالبـي عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف قال: حدثني أبـي عن أبيه قال: حديث : خط رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق عام الأحزاب ثم قطع لكل عشرة أربعين ذراعاً قال عمرو بن عوف: كنت أنا وسلمان الفارسي وحذيفة والنعمان بن مقرن المزني، وستة من الأنصار في أربعين ذراعاً فحفرنا فأخرج الله تعالى من بطن الخندق صخرة مدورة كسرت حديدنا وشقت علينا فقلنا: يا سلمان إرق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره خبر هذه الصخرة فإما أن نعدل عنها أو يأمرنا فيها بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه قال: فرقى سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ضارب عليه قبة تركية فقال: يا رسول الله خرجت صخرة بيضاء مدورة من بطن الخندق وكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يحتك فيها قليل ولا كثير فمرنا فيها بأمر فإنا لا نحب أن نجاوز خطك فهبط رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سلمان الخندق والتسعة على شفير الخندق فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم المعول من سلمان فضربها ضربة صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم وكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح فكبر المسلمون ثم ضربها صلى الله عليه وسلم الثانية فبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم وكبر صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون ثم ضربها عليه الصلاة والسلام الثالثة فكسرها وبرق منها برق كذلك فكبر صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون وأخذ بيد سلمان ورقي فقال: سلمان بأبـي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت شيئاً/ ما رأيت مثله قط فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القوم فقال: رأيتم ما يقول سلمان؟ قالوا نعم يا رسول الله قال: ضربت ضربتي الأولى فبرق لي الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها ثم ضربت الثانية فبرق لي الذي رأيتم أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق لي الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلام وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعد صدق وعدنا النصر بعد الحفر فقال المنافقون: ألا تعجبون ويعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا للقتال تفسير : فأنزل الله تعالى القرآن: {أية : وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً } تفسير : [الأحزاب: 12] وأنزل هذه الآية {قُلِ ٱللَّهُمَّ } الخ. وأصل (اللهم) ـ يا الله ـ فحذفت (يا) وعوض عنها ـ الميم ـ وأوثرت لقربها من الواو التي هي حرف علة، وشددت لكونها عوضاً عن حرفين وجمعها مع ـ يا ـ كما في قوله:شعر : إني إذا ما حدث ألمّا أقول ـ يا اللهم ـ يا اللهما تفسير : شاذ، وهذا من خصائص الاسم الجليل كعدم حذف حرف النداء منه من غير ميم ودخوله عليه مع حرف التعريف وقطع همزته ودخول تاء القسم عليه واللام في القسم التعجبـي نحو ـ لله لا يؤخر الأجل ـ ودخول أيمن ويمين عليه في القسم أيضاً، وميم في ـ م الله ـ ووقوع همزة الاستفهام خلفاً عن حرف القسم نحو الله وحرف التنبيه في نحو ـ لاها الله ذا ـ وغير ذلك فسبحانه من إله كل شأنه غريب، وزعم الكوفيون أن أصله ـ يا الله آمنا بخير ـ أي أقصدنا به فخفف بحذف حرف النداء ومتعلقات الفعل وهمزته، ويجوز الجمع عندهم بين يا ـ والميم بلا بأس ـ ولا يخفى ما فيه ـ ويقتضي أن لا يلي هذه الكلمة أمر دعائي آخر إلا بتكلف الإِبدال من ذلك الفعل أو العطف عليه بإسقاط حرف العطف ـ وأل ـ في الملك للجنس أو الاستغراق. و (الملك) بالضم على ما ذكره بعض أئمة التحقيق ـ نسبة بين من قام به ومن تعلق، وإن شئت قلت: صفة قائمة بذاته متعلقة بالغير تعلق التصرف التام المقتضي استغناء المتصرف وافتقار المتصرف فيه ولهذا لم يصح على الإطلاق إلا لله تعالى جده وهو أخص من الملك بالكسر لأنه تعلق باستيلاء مع ضبط وتمكن من التصرف في الموضوع اللغوي وبزيادة كونه حقاً في الشرع من غير نظر إلى استغناء وافتقار ـ فمالك الملك ـ هو الملك الحقيقي المتصرف بما شاء كيف شاء إيجاداً وإعداماً إحياءاً وإماتة وتعذيباً وإثابة من غير مشارك ولا ممانع، ولهذا لا يقال: ملك الملك إلا على ضرب من التجوز، وحمل (الملك) على هذا المعنى أوفق بمقام المدح، وقيل: المراد منه النبوة ـ وإليه ذهب مجاهد ـ وقيل: المال والعبيد، وقيل: الدنيا والآخرة. وانتصاب {مَـٰلِكَ } على الوصفية عند المبرد والزجاج، وسيبويه يوجب كونه نداءاً ثانياً، ولا يجوز أن يكون صفة ـ لأللهم ـ لأنه لاتصال الميم به أشبه أسماء الأصوات وهي لا توصف، ونقض دليل سيبويه بسيبويه فإنه مع كونه فيه اسم صوت يوصف، وأجيب بأن اسم الصوت تركب معه وصار كبعض حروف الكلمة بخلاف ما نحن فيه، ومن هنا قال أبو علي: قول سيبويه عندي أصح لأنه ليس في الأسماء الموصوفة شيء على حد ـ اللهم ـ ولذلك خالف سائر الأسماء ودخل في حيز ما لا يوصف نحو حيهل فإنهما صارا بمنزلة صوت مضموم إلى اسم فلم يوصف ـ والعلامة التفتازاني/ على هذا ـ وأيد أيضاً بأن وقوع خلف حرف النداء بين الموصوف والصفة كوقوع حرف النداء بينهما فلو جاز الوصف لكان مكان الخلف بعده. {تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَاء } جملة مستأنفة مبينة لبعض وجوه التصرف الذي يستدعيه مالكية الملك وجوز جعلها حالا من المنادى وفي انتصاب الحال عنه خلاف، وصحح الجواز لأنه مفعول به، والحال تأتي منه كما تأتي من الفاعل، وجعل الجملة خبراً لمبتدأ محذوف أي أنت تؤتي ـ وإِن اختاره أبو البقاء ـ ليس فيه كثير نفع {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء } عطف على {تُؤْتِى } وحكمه حكمه، ومفعول {تَشَاء } في الموضعين محذوف أي من تشاء إيتاءه إياه وممن تشاء نزعه منه، و (الملك) الثالث هو الثاني واللام فيهما للجنس أو العهد وليسا هما عين الأول لأن الأول عند المحققين حقيقي عام ومملوكيته حقيقية والآخران مجازيان خاصان ونسبتهما إلى صاحبهما مجازية، واعتبر بعضهم في التفرقة كون المراد من الأول الجميع ومن الآخرين البعض ضرورة أن المؤتى لا يمكن أن يكون الجميع والمنزوع هو ذاك لأنه معرفة معادة، ويراد بها إن لم يمنع مانع عين الأول ولأنه إذا لم يمكن إيتاء الكل لم يمكن نزع الكل لأن الثاني مسبوق بالأول. ومن الناس من حمل (الملك) هنا على النبوة ومعنى نزعها هنا نقلها من قوم إلى قوم أي تؤتى النبوة بني إسرائيل وتنقلها منهم إلى العرب، وقيل: المعنى تعطي أسباب الدنيا محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته وتسلبها من الروم وفارس فلا تقوم الساعة حتى تفتح بلادهم ويملك ما في أيديهم المسلمون، وروي ذلك عن الكلبـي، وقيل: تنزعه من صناديد قريش. {وَتُعِزُّ مَن تَشَاء } أن تعزه في الدنيا (أو في)والآخرة أو فيهما بالنصر والتوفيق {وَتُذِلُّ مَن تَشَاء } أن تذله في إحداهما أو فيهما من غير ممانعة الغير، وقيل: المراد تعز محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأن تدخلهم مكة ظاهرين وتذل أبا جهل وأضغاث الشرك بالقتل والإلقاء في القليب، وقال عطاء: تعز المهاجرين والأنصار وتذل فارس والروم، وقيل: تعز المؤمنين بالظفر والغنيمة وتذل اليهود بالقتل والجزية، وقيل: تعز بالإخلاص وتذل بالرياء، وقيل: تعز الأحباب بالجنة والرؤية وتذل الأعداء بالنار والحجاب؛ وقيل: تعز بالقناعة والرضا وتذل بالحرص والطمع وقيل وقيل. وينبغي حمل سائر الأقوال على التمثيل لأنه لا مخصص في الآية، و {تعز} مضارع أعز ضد أذل، والمجرد من الهمزة منه ـ عز ـ ومضارعه يعز بكسر العين، ومنه ما في دعاء قنوت الشافعية، وله استعمالان آخران الضم والفتح، وقد نظم ذلك الإمام السيوطي بقوله:شعر : يا قارئاً كتب الآداب كن يقظا وحرر الفرق في الأفعال تحريراً (عز) المضاعف يأتي في مضارعه تثليث عين بفرق جاء مشهورا فما كقل وضد (الذل) مع عظم كذا كرمت علينا جاء مكسوراً وما ـ كعز ـ علينا الحال أي صعبت فافتح مضارعه إن كنت نحريرا وهذه الخمسة الأفعال لازمة واضمم مضارع فعل ليس مقصوراً (عززت) زيداً بمعنى قد غلبت كذا أعنته فكلا ذا جاء مأثوراً وقيل: إذا كنت في ذكر القنوت ولا (يعز) يا رب من عاديت مكسورا واشكر لأهل علوم الشرع إذ شرحوا لك الصواب وأبدوا فيه تذكيراً تفسير : {بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ } جملة مستأنفة، وأجراها بعضهم على طرز ما قبلها، وتعريف الخير للتعميم وتقديم الخبر/ للتخصيص أي: بيدك التي لا يكتنه كنهها، وبقدرتك التي لا يقدر قدرها الخير كله تتصرف به أنت وحدك حسب مشيئتك لا يتصرف به أحد غيرك ولا يملكه أحد سواك، وإنما خص الخير بالذكر تعليماً لمراعاة الأدب وإلا فذكر الإعزاز والإذلال يدل على أن الخير والشر كلاهما بيده سبحانه، وكذا قوله تعالى المسوق لتعليل ما سبق وتحقيقه {إِنَّكَ عَلَىٰ كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } فلا يبعد أن تكون الآية من باب الاكتفاء، وقيل: إنما اقتصر عليه لما أن سبب نزول الآية ما آتى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم من البشارة بالفتوح وترادف الخيرات، وقيل: لما أن الأشياء باعتبار الشر وعدمه تنقسم إلى خمسة أقسام. الأول: ما لا شر فيه أصلاً. والثاني: ما يغلب خيره على شره. والثالث: ما يكون شراً محضاً. والرابع: ما يكون شره غالباً على خيره. والخامس: ما يتساوى الخير والشر فيه، والموجود من هذه الأقسام في العالم ـ القسم الأول والثاني ـ ((والشر الذي فيه غير مقصود بالذات بل إنما قضاه الله تعالى لحكمة بالغة وهو وسيلة إلى خير أعظم وأعم نفعاً؛ والشر اليسير متى كان وسيلة إلى الخير الكثير كان ارتكابه مصلحة تقتضيها الحكمة ولا يأباها الكرم المطلق، ألا ترى أن الفصد والحجامة وشرب الدواء الكريه وقطع السلعة ونحوها من الأمور المؤلمة لكونه وسيلة إلى حصول الصحة يحسن ارتكابه في مقتضى الحكمة ويعد خيراً لا شراً وصحة لا مرضاً وكل قضاء الله تعالى بما نراه شراً من هذا القبيل، ولهذا ورد في الحديث «حديث : لا تتهم الله تعالى على نفسك»تفسير : وورد «حديث : لا تكرهوا الفتن فإن فيها حصاد المنافقين»تفسير : . وجاء «حديث : لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر من ذلك العجب العجب» تفسير : ومن هنا قيل: يا من إفساده صلاح فما قدر من المفاسد لتضمنه المصالح العظيمة اغتفر ذلك القدر اليسير في جنبها لكونه وسيلة إليها وما أدى إلى الخير فهو خير فكل شر قدره الله تعالى لكونه لم يقصد بالذات لأن أحكام القضاء والقدر كما قالوا: جارية على سنن ما اتفقت عليه الشرائع كلها من النظر إلى جلب المصالح وذبّ المفاسد بل بالعرض لما يستلزمه من الخير الأعظم والنفع الأتم يصدق عليه بهذا الاعتبار أنه خير فدخل في قوله سبحانه: {بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ } فلذا اقتصر على الخير على وجه أنه شامل لما قصد أصلاً ولما وقع استلزاماً، وهذا من باب ـ ليس في الإمكان أبدع مما كان ـ وقد درج حكماء الإسلام عليه ولا يعبأ بمن وجه سهام الطعن إليه، وفي «شرح الهياكل» أن الشر مقضي بالعرض وصادر بالتبع لما أن بعض ما يتضمن الخيرات الكثيرة قد يستلزم الشر القليل فكان ترك الخيرات الكثيرة لأجل ذلك الشر القليل شراً كثيراً فصدر عنك ذلك الخير فلزمه حصول ذلك الشر وهو من حيث صدوره عنك خير إذ عدم صدوره شر لتضمنه فوات ذلك الخير فأنت المنزه عن الفحشاء مع أنه لا يجري في ملكك إلا ما تشاء وليس هذا من القول بوجوب الأصلح، ولا ينافيه {أية : لاَّ يُسْـئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ } تفسير : [الأنبياء: 23] إذ لا يفعل ما يسئل عنه كرماً وحكمة وجوداً ومنة «ولو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع».
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي المقصود منه التعريض بأهل الكتاب بأنّ إعراضهم إنّما هو حسد على زوال النبوءة منهم، وانقراض الملك منهم، بتهديدهم وبإقامة الحجة عليهم في أنّه لا عجب أن تنتقل النبوءة من بني إسرائيل إلى العرب، مع الإيماء إلى أنّ الشريعة الإسلامية شريعة مقارنة للسلطان والمُلك. و{اللهم} في كلام العرب خاص بنداء الله تعالى في الدعاء، ومعناه يا الله. ولما كثر حذف حرف النداء معه قال النحاة: إنّ الميم عوض من حرف النداء يريدون أنّ لحاق الميم باسم الله في هذه الكلمة لما لم يقع إلاّ عند إرادة الدعاء صار غنيّاً عن جلب حرف النداء اختصاراً، وليس المراد أنّ الميم تفيد النداء. والظاهر أنّ الميم علامة تنوين في اللغة المنقول منها كلمة (اللَّهم) من عبرانية أو قحطانية وأنّ أصلها لاَ هُم مرداف إله. ويدل على هذا أنّ العرب نطقوا به هكذا في غير النداء كقول الأعشى شعر : : كدعوةٍ من أبي رباح يَسْمَعُها اللهُم الكبير تفسير : وأنّهم نطقوا به كذلك مع النداء كقولِ أبي خراش الهذلي: شعر : إنِّي إذا ما حَدَتٌ ألَمَّا أقُول يا اللهُمّ يا اللهُمّا تفسير : وأنّهم يقولون يا الله كثيراً. وقال جمهور النحاة: إنّ الميم عوض عن حرف النداء المحذوف وإنّه تعويض غير قياسي: وإنّ ما وقع على خلاف ذلك شذوذ. وزعم الفراء أنّ اللهم مختزل من اسم الجلالة وجملة أصلها «يا الله أمّ» أي أقبل علينا بخير، وكل ذلك تكلّف لا دليل عليه. والمالك هو المختصّ بالتصرّف في شيء بجميع ما يتصرّف في أمثاله مما يُقصد له من ذواتها، ومنافعها، وثمراتها، بما يشاء فقد يكون ذلك بالانفراد، وهو الأكثر، وقد يكون بمشاركةٍ: واسعةٍ، أو ضيّقة. والمُلك بضم الميم وسكون اللام نوع من المِلك بكسر الميم - فالملك بالكسر - جنسٌ والمُلك - بالضم - نوعٌ منه وهو أعلى أنواعه، ومعناه التصرّف في جماعة عظيمة، أو أمة عديدة تصرُّف التدبير للشؤون، وإقامةِ الحقوق، ورعاية المصالح، ودفع العدوان عنها، وتوجيهها إلى ما فيه خيرها، بالرغبة والرهبة. وانظر قوله تعالى: {أية : قالوا أنّى يكون له المُلك علينا}تفسير : في سورة البقرة (247) وقد تقدم شيء من هذا عند قوله تعالى:{أية : مالك يوم الدين}تفسير : [الفاتحة: 4]، فمعنى مالك الملك أنّه المتصرّف في نوع الملك (بالضم) بما يشاء، بأن يراد بالمُلك هذا النوع. والتعريف في المُلك الأول لاستغراق الجنس: أي كل ملك هو في الدنيا. ولما كان المُلك ماهية من المواهي، كان معنى كون الله مالك المُلك أنّه المالك لتصريف المُلك، أي لإعطائه، وتوزيعه، وتوسيعه، وتضييقه، فهو على تقدير مضاف في المعنى. والتعريف في المُلك الثاني والثالث للجنس، دون استغراق أي طائفة وحصّة من جنس المُلْك، والتعويل في الفرق بين مقدار الجنس على القرائن. ولذلك بينت صفة مالك الملك بقوله: {أية : تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء}تفسير : [آل عمران: 26] فإنّ إيتاءه ونزعه مقول عليه بالتشكيك: إيجاباً، وسلباً، وكثرة وقلّة. والنزع: حقيقة إزالة الجِرم من مكانه: كنزع الثوب، ونزع الماء من البئر، ويستعار لإزالة الصفات والمعاني كما قال تعالى: {أية : ونزعنا ما في صدورهم من غلّ}تفسير : [الأعراف: 43] بتشبيه المعنى المتمكّن بالذات المتّصلة بالمكان، وتشبيه إزالته بالنزع، ومنه قوله هنا: {تنزع الملك} أي تزيل وصف الملك ممّن تشاء. وقوله: {بيدك الخير} تمثيل للتصرّف في الأمر؛ لأنّ المتصرّف يكون أقوى تصرّفه بوضع شيء بيده، ولو كان لا يوضع في اليد، قال عنترة بن الأخرس المَعْني الطائي شعر : : فما بيديك خير أرتجيه وغيرُ صدودَك الخطبُ الكبير تفسير : وهذا يعدّ من المتشابه لأنّ فيه إضافة اليد إلى ضمير الجلالة، ولا تشابه فيه: لظهور المراد من استعماله في الكلام العربي. والاقتصار على الخير في تصرّف الله تعالى اكتفاء كقوله تعالى: {أية : سرابيل تقيكم الحر}تفسير : [النحل: 81] أي والبرد. وكان الخير مقتضى بالذات أصالة والشرّ مقتضى بالعَرَض قال الجلال الدواني في شرح ديباجة هياكل النور: «وخُص الخير هنا لأنّ المقام مقام ترجّي المسلمين الخيرمن الله، وقد علم أنّ خيرهم شرّ لضدّهم كما قيل شعر : : مصائب قوم عند يوم فوائدُ تفسير : أي «الخير مقتضَى الذات والشرّ مقتضى بالعرض وصادر بالتَبع لِمَا أنّ بعض ما يتضمن خيرات كثيرة هو مستلزم لشرّ قليل، فلو تركت تلك الخيرات الكثيرة لذلك الشرّ القليل، لصار تركها شرّاً كثيراً، فلما صدر ذلك الخير لزمه حصول ذلك الشرّ». وحقيقة «تُولج» تدخل وهو هنا استعارة لتعاقب ضوء النهار وظلمة الليل، فكأنَّ أحدهما يدخل في الآخر، ولازدياد مدة النهار على مدة الليل وعكسه في الأيام والفصول عدا أيام الاعتدال وهي في الحقيقة لحظات قليلة ثم يزيد أحدهما لكنّ الزيادة لا تدرك في أولها فلا يعرفها إلاّ العلماء، وفي الظاهر هي يومان في كل نصف سنة شمسية قال ابن عرفة: «كان بعضهم يقول: القرآن يشتمل على ألفاظ يفهمها العوامّ وألفاظ يفهمها الخواصّ وما يفهمه الفريقات ومنه هذه الآية؛ فإنّ الإيلاج يشمل الأيام التي لا يفهمها إلاّ الخواص والفصولَ التي يدركها سائر العوام». وفي هذا رمز إلى ما حدث في العالم من ظلمات الجهالة والإشراك، بعد أن كان الناس على دين صحيح كدين موسى، وإلى ما حدث بظهور الإسلام من إبطال الضلالات، ولذلك ابتدىء بقوله: {تولج الليل في النهار}، ليكون الانتهاء بقوله: {وتولج النهار في الليل}، فهو نظير التعريض الذي بيّنته في قوله: {تؤتي الملك من تشاء} الآية. والذي دل على هذا الرمز افتتاح الكلام بقوله: {اللهم مالك الملك} إلخ. وإخراج الحي من الميّت كخروج الحيوان من المضغة، ومن مُح البيضة. وإخراج الميت من الحي في عكس ذلك كلّه، وسيجيء زيادة بيان لهذا عند قوله: {أية : ومن يخرج الحي من الميّت}تفسير : في سورة يونس (31). وهذا رمز إلى ظهور الهُدى والملك في أمّة أمية، وظهور ضلال الكفر في أهل الكتابين، وزوال الملك من خَلَفهم يعد أن كان شعار أسلافهم، بقرينة افتتاح الكلام بقوله: اللهم مالك الملك} إلخ. وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر، وخلف: «الميّت» بتشديد التحتية. وقرأه ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم، ويعقوب: بسكون التحتية وهما وجهان في لفظ الميت. وقوله: {وترزق من تشاء بغير حساب} هو كالتذييل لذلك كلّه. والرزق ما يَنتفع به الإنسان فيطلق على الطعام والثمارَ كقوله: {أية : وجد عندها رزقاً}تفسير : [آل عمران: 37] وقوله: {أية : فليأتكم برِزق منه}تفسير : [الكهف: 19]، ويطلق على أعمّ من ذلك ممّا ينتفع به كما في قوله تعالى: {أية : يَدْعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب. وعندهم قاصرات الطَّرف أتراب ثم قال إنّ لهذا لَرِزْقُنا مَالَه من نَفَاد}تفسير : [ص: 51 ــــ 54] وقوله: {قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله} ومن ثم سميت الدراهم والدنانير رزقاً: لأنّ بها يعوض ما هو رزق، وفي هذا إيماء إلى بشارة للمسلمين بما أخبىء لهم من كنوز الممالك الفارسية والقيصرية وغيرها.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 26- قل - يا أيها النبى - ضارعاً إلى الله مقراً بجبروته: اللهم أنت - وحدك - مالك التصرف فى الأمر كله، تمنح من تشاء من الحكم والسلطان، وتنزعه ممن تشاء، وتهب العزة من تريد من عبادك بتوفيقه إلى الأخذ بأسبابها، وتضرب الذل والهوان على من تشاء، فأنت - وحدك - تملك الخير، لا يعجزك شئ عن تنفيذ مرادك، وما تقتضيه حكمتك فى نظام خلقك. 27- وأنت بما أنشأت ووضعت من الأسباب والسنن، تُدْخِل من الليل فى النهار ما يزيد به النهار طولا، وتدخل من النهار فى الليل ما يزيد به الليل طولا، وتخرج المتصف بمظاهر الحياة من فاقدها، كما تخرج فاقد الحياة من الحى المتمكن من أسباب الحياة، وتهب عطاءك الواسع من تشاء كما تريد على نظام حكمتك، فلا رقيب يحاسبك، ومن كان هذا شأنه لا يعجزه أن يمنح رسوله وأصفياءه السيادة والسلطان والغنى واليسار كما وعدهم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: اللهم: يا الله حذف حرف النداء "يا" وعوِّض عنه الميم المشدَّدة وهو خاصّ بنداء الله تعالى. مالك: المالك: الحاكم المتصِّرف يفعل في الملك ما يشاء ويحكم ما يريد لعظم سلطانه وقوة إرادته. الملك: المملوك: والمقصود به ما سوى المالك عز وجل، من سائر الكائنات. تؤتي الملك: السلطان والتصرف في بعض الملكوت. تولج الليل في النهار: تدخل الليل في النهار فلا يبقى ليل، وتولج النهار في الليل فلا يبقى نهار. تخرج الحي من الميت: أي تخرج جسماً حياً من جسم ميت في المحسوسات كالدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، ومن المعنويات تخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. بغير حساب: بغير عدد ولا حد لواسع فضله وغناه عما سواه. معنى الآيتين: من المناسبات التي قيلت في نزول هاتين الآيتين: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أخبر أصحابه أن ملك أمته سيبلغ كذا وكذا في أحايث صحاح سخر اليهود والمنافقون من إخبار الرسول بذلك مستبعدين له غاية البعد لجهلهم وكفرهم فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين ضمن الرد على نصارى نجران فأمره أن يقول: {ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ..} الخ.. أمره أن يقول ذلك ليعطيه ما وعده به من إتساع ملك أمته حتى يشمل ملك فارس والروم، وليرد على ضلال النصارى في تأليه عيسى عليه السلام، إذ المعبود بحق المستحق للعبادة والتأليه دون سواه مَنْ هو مالك الملك كله، ويتصرف فيه وحده يؤتي منه ما يشاء لمن يشاء، ينزع ممن أعطاهم ما شاء ومتى شاء لا يحول دون تصرفه حائل، ولا يقف دون إعطائه أو نزعه واقف. يعز الذليل متى شاء ويذل العزيز متى شاء. بيده الخير لا بيد غيره يُفِيضه على من يشاء، ويمنعه عمّن يشاء وهو على كل شيء قدير. يولج النهار في الليل فلا يبقى نهار، ويولج الليل في النهار فلا يبقى ليل، مظهر من مظاهر القدرة الموجبة لألوهيته وطاعته ومحبته، ويدخل ساعات من الليل في النهار فيقصر الليل ويطول النهار، ويدخل ساعات من النهار في الليل فيطول، مظهر من مظاهر الحكمة والقدرة والرحمة، يخرج الحي من الميت الإنسان من النطفة والنبتة من الحبة ويخرج الميت من الحي النطفة من الإِنسان الحي، والبيضة من الدجاجة، والكافر الميت من المؤمن الحي، والعكس كذلك، هذه مظاهر ربوبيته المستلزمة لألوهيته فتقرر أنه الإِله الحق، لا رب غيره ولا إله سواه، وبذلك تأكد أمران: الأول: أن الله قادر على إعطاء رسوله ما وعده لأمته، وقد فعل، والثاني: أن عيسى لم يكن إلا عبدا مربوباً لله بالعبودية وشرفه بالرسالة وأيده بالمعجزات. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- فضل الدعاء بهاتين الآيتين بأن يقرأهما العبد ثم يقول: (رحمن الدنيا والآخرة ورحيمها تعطي منهما من تشاء، وتمنع من تشاء اقض عني ديني)، فإنه يقضى بإذن الله تعالى ويعطى إن سأل حاجة له من حوائج الدنيا والآخرة. 2- استجابة الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم وإنجازه ما وعده في أمته. 3- بطلان ألوهية عيسى عليه السلام وثبوت عبوديته ورسالته وكرامته.
القطان
تفسير : اللهم: يا الله. تنزع الملك: تخلع الملك. قل يا أيها النبي ضارعاً الى الله: يارب، أنت وحدك مالك كل شيء، تمنح من تشاء الحكْم وتخلع ذلك عمن تشاء، وتهب العزة لمن تشاء من عبادك، وتضرب الذل والهوان على من تشاء. ان بقدرتك الخيرَ كله تتصرف فيه وحدك كما تشاء، وأنت على كل شيء قدير.
د. أسعد حومد
تفسير : {مَالِكَ} (26) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ مُعَظِّماً رَبَّكَ، وَشَاكِراً لَهُ أَنْعُمَهُ عَلَيكَ: اللَّهُمَّ لَكَ المُلْكُ وَالسُّلْطَانُ الأعْلَى، وَالتَّصَرُّفُ التَّامُّ فِي تَدْبِيرِ الأمُورِ، تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ، وَتُعْطِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ، وَتَمْنَعُهُ وَتَنْزِعُهُ عَمَّنْ تَشَاءُ، إِنَّكَ أَنْتَ الفَعَّالُ لِمَا تُرِيدُ، بِيَدِكَ الخَيْرُ وَحْدَكَ، وَأَنْتَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، لاَ يُعْجِزُكَ شَيْءٌ عَنْ تَنْفِيذِ مُرَادِكَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وساعة تسمع كلمة "ملك"، فلنا أن نعرف أن هناك كلمة هي "مُلك" بضم الميم، وكلمة أخرى هي "مِلك" بكسر الميم. إن كلمة "مِلك" تعني أن للإنسان ملكية بعض من الأشياء، كملكية إنسان لملابسه وكتبه وأشيائه، لكن الذي يملك مالك هذا الملك فهذا تسميه "مُلك"، فإذا كانت هذه الملكية في الأمر الظاهر لنا، فإننا نسميه "عالم الملك"، وهو العالم المُشاهد، وإذا كانت هذه الملكية في الأمر الخفي فإننا نسميه "عالم الملكوت". إذن، فنحن هنا أمام "مِلك"، و"مُلك" و "ملكوت". ولذلك فعندما تجلى الحق سبحانه وتعالى على سيدنا إبراهيم خليل الرحمن وكشف له ما خفي عن العيون وما ظهر، قال سبحانه: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ}تفسير : [الأنعام: 75]. أي أن الله سبحانه وتعالى أراد لسيدنا إبراهيم أن يشاهد الملكوت في السماوات والأرض، أي كل الأشياء الظاهرة والخافية المخفية عن عيون العباد. وهكذا نرى مراحل الحيازة كالآتي: ملك، أي أن يملك الإنسان شيئاً ما، وهذا نسميه مالكاً للأشياء فهو مالك لأشيائه، ومالك لمتاعه، أما الذي يملك الانسان الذي يملك الأشياء فإننا نسميه "مُلك"، أي أنه يملك من يملك الأشياء، والظاهرة في الأولى نسميها "مِلْك" فكل إنسان له ملكية بعض الأشياء، وبعد ذلك تنحاز الى الأقل؛ أي أن تنسب ملكية أصحاب الأملاك إلى ملك واحد. فالملكية بالنسبة للإنسان تتلخص في أن يملك الإنسان شيئاً فيصير مالكاً، وإنسان آخر يوليه الله على جماعة من البشر فيصير مَلِكاً، هذا في المجال البشري. أما في المجال الإلهي، فإننا نُصعد لنرى من يملك كل مالك وملك، إنه الله سبحانه وتعالى. ولا يظن أحد أن هناك إنساناً قد يملك شيئاً؛ أو جاهاً في هذه الدنيا بغير مراد الله فيه, فكل إنسان يملك بما يريده الله له من رسالة, فإذا انحرف العباد, فلا بد أن يولى الله عليهم ملكاً ظالماً، لماذا؟ لأن الأخيار قد لا يحسنون تربية الناس. {أية : وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}تفسير : [الأنعام: 129]. وكأن الحق سبحانه يقول: يأيها الخيِّر - بتشديد الياء - ضع قدماً على قدم ولا تلوث يدك بأن تنتقم من الظالم، فسوف أضع ولاية ظالم أكبر على هذا الظالم الصغير، إنني أربأ بك أن تفعل ذلك، وسأنتقم لك، وأنت أيها الخيِّر منزه عندي عن ارتكاب المظالم, ولذلك نجد قول الحق: {أية : وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}تفسير : [الأنعام: 129]. ونحن جميعاً نعرف القول الشائع: "الله يسلط الظالمين على الظالمين". ولو أن الذين ظلموا مُكِّن منهم من ظلموهم ما صنعوا فيهم ما يصنعه الظالمون في بعضهم بعضاً. إن الحق يسلط الظالمين على الظالمين، وينجي أهل الخير من موقف الانتقام ممن ظلموهم. إذن فنحن في هذه الحياة نجد "مالك", و "ملك" وهناك فوق كل ذلك "مالك الملك"، ولم يقل الله: إنه "ملك الملك"؛ لأننا إذا دققنا جيداً في أمر الملكية فإننا لن نجد مالكاً إلا الله. {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ} [آل عمران: 26] إنه المتصرف في ملكه، وإياكم أن تظنوا أن أحداً قد حكم في خلق الله بدون مراد الله، ولكن الناس حين تخرج عن طاعة الله، فإن الله يسلط عليهم الحاكم الظالم، ولذلك فالحق سبحانه يقول في حديثه القدسي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يطوي الله - عز وجل - السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرض بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ". تفسير : إياك أيها المؤمن أن تظن أن أحداً قد أخذ الملك غصباً من الله. إنما الملك يريده الله لمن يؤدب به العباد. وإن ظلم الملك في التأديب فإن الله يبعث له من يظلمه، ومن رأى ظلم هذا الملك أو ذاك الحاكم، فمن الجائز أن يريه الله هذا الملك أو ذلك الحاكم مظلوماً. إنه القول الحكيم يؤكد لنا أنه سبحانه وتعالى مالك الملك وحده. إن الحق سبحانه يأمر رسوله الكريم: {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ} [آل عمران: 26] إن كلمة "اللهم" وحدها فيها عجب من العجائب اللغوية، إن القرآن قد نزل باللسان العربي, وأمة العرب فصيحة اللسان والبيان والبلاغة، وشاء الحق أن يكون للفظ الجلالة "الله" خصوصية فريدة في اللغة العربية. إن اللغة العربية تضع قاعدة واضحة وهي ألا يُنادي ما فيه، أداة التعريف، مثل "الرجل" بـ "يا" فلا يقال: "يا الرجل" بل يقال: "يأيها الرجل" لكن اللغة التي يسرها الله لعباده تخص لفظ الجلالة بالتقديس، فيكون من حق العباد أن يقولوا: "يا الله". وهذا اللفظ بجلاله له تميز حتى في نطقه. ولنا أن نلحظ أن العرب من كفار قريش وهم أهل فصاحة لم يفطنوا إلى ذلك، فكأن الله يرغم حتى الكافرين بأن يجعل للفظ الجلالة تميزاً حتى في أفواه الكافرين فيقولون مع المؤمنين: "يا الله". أما بقية الأسماء التي تسبقها أداة التعريف فلا يمكن أن تقول: "يا الرجل" أو "يا العباس" لكن لا بد أن تقول "يأيها الرجل"، أو "يأيها العباس"، ولا تقول حتى في نداء النبي: "يا النبي"، إنما تقول: "ياأيها النبي". لكن عند التوجه بالنداء إلى الله فإننا نقول: "يا الله"، إنها خصوصية يلفتنا لها الحق سبحانه بأنه وحده المخصوص بها، وأيضاً ما رأينا في لغة العرب عَلَماً دخلت عليه "التاء" كحرف القسم إلا الله، فإننا نقول "تا لله"، ولم نجد أبداً من يقول "تزيد" أو "تعمرو". إننا لا نجد التاء كحرف قسم إلا في لفظ الجلاله، ولا نجد أيضاً علماً من الأعلام في اللغة العربية تحذف منه "يا" في النداء وتستبدل بالميم إلا في لفظ الجلالة فنقول: "اللهم" كل ذلك ليدل على أن اللفظ في ذاته له خصوصية المسمى. "قل اللهم" وكأن حذف حرف النداء هنا يُعلمنا أن الله هو وحده المستدعى بدون حرف نداء. "اللهم" وفي بعض الألسنة يجمعون الياء والميم، مثل قول الشاعر: شعر : إني إذا ما حادث ألمَّا أقول اللهم يا اللهمَّا تفسير : إنها خصوصية لصاحب الخصوصية الأعلى. {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ} [آل عمران: 26] وقد يسأل إنسان لماذا لم يقل الحق: "ملك الملك"؟ هنا لا بد أن نعرف أنه سيأتي يوم لا تكون فيه أي ملكية لأي أحد إلا الله، وهو المالك الوحيد، فهو سبحانه يقول: {أية : رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ * يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}تفسير : [غافر: 15-16]. إن قول الحق هنا: "مالك الملك" توضح لنا أن ملكية الله وهي الدائمة والقادرة واضحة، وجلية، ومؤكدة، ولو قال الله في وصف ذاته: "ملك الملك" لكان معنى ذلك أن هناك بشراً يملكون بجانب الله، لا، إنه الحق وحده مالك الملك. وما دام الله هو مالك الملك، فإنه يهبه لمن يشاء، وينزعه ممن يشاء. وهنا نلاحظ أن قول الحق: إنه مالك الملك يعطي الملك لمن يشاء وينزع الملك ممن يشاء تأتي بعد عملية المحاجَّة، وبعد أن تهرب بعض من أهل الكتاب من تطبيق حكم الله بعد أن دعوا إليه، فتولى فريق منهم وأعرض عن حكم الله، وعللوا ذلك بادعاء أنهم أبناء الله وأحباؤه وأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودات. كل هذه خيارات من لطف الله وضعها أمام هؤلاء العباد، خيارات بين اتباع حكم الله أو اتباع حكم الهوى، لكنهم لم يختاروا إلا الاختيار السيىء، حكم الهوى. ولذلك يأتي الله بخبر اليوم الذي سوف يجيء، ولن يكون لأحد أي قدرة، أو اختيار. إن حق الاختيار موجود لنا في هذه الدنيا، وعلينا أن نحسن الاختيار في ضوء منهج الله. ولنتأمل هذا المثل الذي حدثتنا عنه السيرة النبوية الطاهرة، حينما جاءت غزوة الأحزاب التي اجتمع فيها كل خصوم الدعوة، واشتغل اليهود بالدس والوقيعة، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحفر بمشورة سلمان الفارسي خندقاً حول المدينة المنورة. ومعنى "الخندق"، أي مساحة من الأرض يتم حفرها بما يعوق التقدم. وكان المقاتلون يعرفون أن الفرس يستطيع أن يقفز مسافة ما من الأمتار. لقد حاول المؤمنون أثناء حفر الخندق أن يكون اتساع أكبر من قدرة الخيل، ولننظر إلى دقة الإدارة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن سلمان الفارسي قد اقترح أن يتم حفر الخندق، وفيما يبدو أنه قد أخذ الفكرة من بيئته وقبل الرسول صلى الله عليه وسلم الفكرة وأقرها، وفعلها المسلمون. إذن فليس كل ما يفعله الكفار كان مرفوضاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل تطبيق كل الأعمال النافعة، سواء أكان قد فعلها الكفار من قبل أم لا، ورأى الرسول صلى الله عليه وسلم أن عملية الحفر مرهقة بسبب جمود الأرض وصخريتها في بعض المواقع، لذلك وضع حصة قدرها أربعون ذراعاً لكل عشرة من الصحابة، وبذلك وزع الرسول الكريم العمل والمسئولية، ولم يترك الأمر لكل جماعة خشية أن يتوكلوا على غيرهم. وتوزيع المسئولية يعني أن كل جماعة تعرف القدر الواضح من العمل الذي تشارك به مع بقية الجماعات وقد يسأل سائل: ولماذا لم يوزع الرسول صلى الله عليه وسلم التكليف لكل واحد بمفرده؟ ونقول: إنها حكمة الإدارة والحزم هي التي جعلت الرسول صلى الله عليه وسلم يتعرف على حقيقة واضحة، وهي أن الذين يحفرون من الصحابة ليسوا متساوين في القدرة والمجهود، لذلك أراد لكل ضعيف أن يكون مسنوداً بتسعة من الصحابة. إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يجعل الأمر مشاعاً، بل كان هناك تحديد للمسئولية، لكنه لم يجعل المسئولية مشخصة تشخيصاً أولياً ومحدداً بكل فرد، وذلك حتى يساعد الأقوياء الضعيف من بينهم. لقد ستر الرسول صلى الله عليه وسلم الضعيف بقوة إخوانه، وساعة أن يوجد ضعيف بين عشرة من الإخوان يحملون عنه ويحفرون، فإن موقفه من أصحابه يكون المحبة والألفة، ويكون القوي قد أفاض على الضعيف. وكان عمرو بن عوف ضمن عشرة منهم سلمان الفارسي رضي الله عنه، فلما جاءوا ليحفروا صادفتهم منطقة يقال عنها: "الكئود"، ومعنى "الكئود" هي المنطقة التي تكون صلبة أثناء الحفر، فالحافر إذا ما حفر الأرض قد يجد الأرض سهلة ويواصل الحفر، أما إذا صادفته قطعة صلبة في الأرض فإنه لا يقدر عليها بمعوله لأنها صخرية صماء، فيقال له: "أكدى الحافر". وعندما صادف عمرو بن عوف وسلمان الفارسي والمغيرة وغيرهم هذه الصخرة الكئود، قالوا لسلمان: "اذهب فارفع أمرنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم". ومن هذا نتعلم درساً وهو أن المُكَلّفَ مِنْ قِبَل مَنْ يكلفه بأمر إذا وجد شيئا يعوقه عن أداء المهمة فلا بد أن يعود إلى من كلفه بها. وذهب سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سلمان إلى الموقع وأخذ المعول وجاء على الصخرة الكئود وضربها، فحدث شرر أضاء من فرط قوة الاصطدام بين الحديد والصخرة، فهتف رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر فُتِحَتْ قصور بصرى بالشام، ثم ضرب ضربة أخرى، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر فُتِحَتْ قصور الحمراء بالروم. وضرب ضربة ثالثة وقال: الله أكبر، فُتِحَتْ قصور صنعاء باليمن، فكأنه حين ضرب الضربة أوضح الله له معالم الأماكن التي سوف يدخلها الإسلام فاتحاً ومنتصراً، فلما بلغ ذلك القول أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الأعداء للصحابة: يمنيكم محمد بفتح قصور صنعاء في اليمن، والحمراء في الروم، وفتح قصور بصرى، وأنتم لا تستطيعون أن تبرزوا لنا للقتال فأنزل الله قوله: {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ ...} [آل عمران: 26]. إن المسألة ليست عزماً من هؤلاء المؤمنين، إنما هي نية على قدر الوسع، فإن فعلت أي فعل على النية بقدر الوسع فانتظر المدد من المُمِد الأعلى سبحانه وتعالى. إن الله سبحانه هو الذي يعطي الملك، وهو الإله الحق الذي ينزع ملك الكفر في كسرى والروم وصنعاء، يعطي سبحانه الملك لمحمد رسول الله وأصحابه، وينزعه من قريش، وينزع الملك من يهود المدينة حيث كانوا يريدون الملك. إن قول الحق: {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ} [آل عمران: 26] تجعلنا نتساءل: ما النزع؟ إنه القلع بشدة، لأن الملك عادة ما يكون متمسكاً بكرسي الملك، متشبثاً به، لماذا؟ لأن بعضاً ممن يجلسون على كراسي السلطان ينظرون إليه كمغنم بلا تبعات فلا عرق ولا سهر ولا مشقة أو حرص على حقوق الناس، إنهم يتناسون سؤال النفس "وماذا فعلت بالناس"؟ إن الواحد من هؤلاء لا يلتفت إلى ضرورة رعاية حق الله في الخلق فيسهر على مصالح الناس ويتعب ويكد ويشقى ويحرص على حقوق الناس. إننا ساعة نرى حاكماً متكالباً على الحكم، فلنعلم أن الحكم عنده مغنم، لا مغرم. ولنر ماذا قال سيدنا عمر بن الخطاب عندما قالوا له: إن فقدناك - ولا نفقدك - نولى عبد الله بن عمر، وهو رجل قرقره الورع .. فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: بحسب آل الخطاب أن يُسأل منهم عن أمة محمد رجل واحد، لماذا؟ لأن الحكم في الإسلام مشقة وتعب. لقد جاء الحق بالقول الحكيم: {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ} [آل عمران: 26] وذلك لينبهنا إلى هؤلاء المتشبثين بكراسي الحكم وينزعهم الله منها، إن المؤمن عندما ينظر إلى الدول في عنفوانها وحضاراتها وقوتها ونجد أن المُلك فيها يسلب من الملك فيها على أهون سبب. لماذا؟ إنها إرادة الخالق الأعلى، فعندما يريد فلا راد لقضائه. إن الحق إما أن يأخذ الحكم من مثل هذا النوع من الحكام، وإما أن يأخذه هو من الحكم، ونحن نرى كل ملك وهو يوطن نفسه توطيناً في الحكم، بحيث يصعب على من يريد أن يخلعه منه أن يخلعه بسهولة، لكن الله يقتلع هذا الملك حين يريد سبحانه. وبعد ذلك يقول الحق: {وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ} [آل عمران: 26] لأن ظواهر الكون لا تقتصر على من يملك فقط، ولكن كل ملك حوله أناس هم "ملوك ظل". ومعنى "ملوك ظل" أي هؤلاء الذين يتمتعون بنفوذ الملوك وإن لم يكونوا ظاهرين أمام الناس، ومن هؤلاء يأتي معظم الشر. إنهم يستظلون ويستترون بسلطان الملك، ويفعلون ما يشاءون، أو يفعل الآخرون لهم ما يأمرون به، وحين يُنزع الملك فلا شك أن المغلوب بالظالمين يعزه الله، وأما الظالمون لأنفسهم فيذلهم الله؛ لذلك كان لا بد أن يجيء بعد {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ} [آل عمران: 26] هذا القول الحق: {وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ} [آل عمران: 26]. لماذا؟ لأن كل ملك يعيش حوله من يتمتع بجاهه ونفوذه، فإذا ما انتهى سلطان هذا الملك، ظهر هؤلاء المستمعون على السطح. وهذا نشاهده كل يوم وكل عصر. {وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْر} [آل عمران: 26]. ونلاحظ هنا: أن إيتاء الملك في أعراف الناس خير. ونزع الملك في أعراف الناس شر. ولهؤلاء نقول: إن نزع الملك شر على من خُلِعَ منه، ولكنه خير لمن أوتي الملك. وقد يكون خيراً لمن نزع منه الملك أيضاً. لأن الله حين ينزع منه الملك، أو ينزعه من الملك يخفف عليه مؤونة ظلمه فلو كان ذلك الملك المخلوع عاقلاً، لتقبل ذلك وقال: إن الله يريد أن يخلصني لنفسه لعلي أتوب .. إذن فلو نظرت إلى الجزئيات في الأشخاص، ونظرت إلى الكليات في العموم لوجدت أن ما يجري في كون الله من إيتاء الملك وما يتبعه من إعزاز، ثم نزع الملك وما يتبعه من إذلال، كل ذلك ظاهرة خير في الوجود، ولذلك قال الحق هنا: {بِيَدِكَ ٱلْخَيْر} [آل عمران: 26] ولو دقق كل منا النظر إلى مجريات الأمور، لوجد أن: الله هو الذي يؤتي، والله هو الذي ينزع، والله هو الذي يعز، والله هو الذي يذل، ولا بد أن يكون في كل ذلك صور للخير في الوجود، فيقول: {بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26]. إن إيتاء الملك عملية تحتاج إلى تحضير بشرى وبأسباب بشرية، وأحياناً يكون الوصول إلى الحكم عن طريق الانقلابات العسكرية، أو السياسية، وكذلك نزع الملك يحتاج إلى نفس الجهد. إن الحق سبحانه وتعالى يوضح لنا المعنى فيقول: ليس ذلك بأمر صعب على قدرتي اللانهائية، لأنني لا أتناول الأفعال بعلاج، أو بعمل، إنما أنا أقول: "كن" فتنفعل الأشياء لإرادتي، ويأتي الحق بعد ذلك ليدلل بنواميس الكون وآيات الله في الوجود على صدق قضية {إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26] فيقول وقوله الحق: {تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لمّا ذكر تعالى في الآيات السابقة دلائل التوحيد والنبوة وصحة دين الإِسلام، أعقبه بذكر البشائر التي تدل على قرب نصر الله للإِسلام والمسلمين، فالأمر كله بيد الله يعز من يشاء ويذل من يشاء، وأمر رسوله بالدعاء والابتهال إِلى الله بأن يعزّ جند الحق وينصر دينه المبين. اللغَة: {ٱللَّهُمَّ} أصله يا ألله حذفت أداة النداء واستعيض عنها بالميم المشدّدة هكذا قال الخليل وسيبويه {تَنزِعُ} تسلب ويعبّر به عن الزوال يقال: نزع الله عنه الشر أي أزاله {تُولِجُ} الإِيلاج: الإِدخال يقال: ولج يلج ولوجاً ومنه {أية : حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ} تفسير : [الأعراف: 40] {أَمَدَاً} الأمد: غاية الشيء ومنتهاه وجمعه آماد {تُقَاةً} تقيَّةً وهي مداراة الإِنسان مخافة شره. سَبَبُ النّزول: أ - لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ووعد أمته ملك فارس والروم، قال المنافقون واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم!! هم أعزُّ وأمنع من ذلك ألم يكفه مكة حتى طمع في ملك فارس والروم فأنزل الله {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ...} الآية. ب - عن ابن عباس أن "عُبادة بن الصامت" - وكان بدرياً تقياً - كان له حلفٌ مع اليهود، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب قال له عبادة: يا نبيَّ الله إِن معي خمسمائة من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو فأنزل الله {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ} الآية. التفسِير: {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ} أي قل: يا ألله يا مالك كل شيء {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ} أي أنت المتصرف في الأكوان، تهب الملك لمن تشاء وتخلع الملك ممن تشاء {وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ} أي تعطي العزة لمن تشاء والذلة لمن تشاء {بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي بيدك وحدك خزائن كل خير وأنت على كل شيء قدير {تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} أي تدخل الليل في النهار كما تدخل النهار في الليل، فتزيد في هذا وتنقص في ذاك والعكس، وهكذا في فصول السنة شتاءً وصيفاً {وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ} أي تخرج الزرع من الحب والحب من الزرع، والنخلةَ من النواة والنواة من النخلة، والبيضةَ من الدجاجة والدجاجةَ من البيضة، والمؤمن من الكافر والكافر من المؤمن هكذا قال ابن كثير، وقال الطبري: "وأولى التأويلات بالصواب تأويل من قال: يخرج الإِنسان الحيَّ والأنعام والبهائم من النطف الميتة، ويخرج النطفة الميتة من الإِنسان الحي والأنعام والبهائم الأحياء" {وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي تعطي من تشاء عطاءً واسعاً بلا عدٍّ ولا تضييق.. ثم نهى تعالى عن اتخاذ الكافرين أنصاراً وأحباباً فقال {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي لا توالوا أعداء الله وتتركوا أولياءه فمن غير المعقول أن يجمع الإِنسان بين محبة الله وبين محبة أعدائه قال الزمخشري: نهُوا أن يوالوا الكافرين لقرابةٍ بينهم أو صداقة أو غير ذلك من الأسباب التي يُتَصادق بها ويُتَعاشر {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ} أي من يوالِ الكفرة فليس من دين الله في شيء {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً} أي إِلا أن تخافوا منهم محذوراً أو تخافوا أذاهم وشرهم، فأظهروا موالاتهم باللسان دون القلب، لأنه من نوع مداراة السفهاء كما روي "إِنّا لنبش في وجوه أقوامٍ وقلوبنا تلعنهم" {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} أي يخوّفكم الله عقابه الصادر منه تعالى {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} أي المنقلب والمرجع فيجازي كل عاملٍ بعمله {قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ} أي إِن أخفيتم ما في قلوبكم من موالاة الكفار أو أظهرتموه فإِن الله مطلع عليه لا تخفى عليه خافية {وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي عالم بجميع الأمور، يعلم كل ما هو حادث في السماوات والأرض {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي وهو سبحانه قادر على الانتقام ممن خالف حكمه وعصى أمره، وهو تهديد عظيم {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً} أي يوم القيامة يجد كل إِنسان جزاء عمله حاضراً لا يغيب عنه، إِن خيراً فخير وإِن شراً فشر، فإِن كان عمله حسناً سرّه ذلك وأفرحه {وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً} أي وإِن كان عمله سيئاً تمنّى أن لا يرى عمله، وأحبَّ أن يكون بينه وبين عمله القبيح غايةً في نهاية البعد أي مكاناً بعيداً كما بين المشرق والمغرب {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} أي يخوفكم عقابه {وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ} أي رحيم بخلقه يحبّ لهم أن يستقيموا على صراطه المستقيم {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} أي قل لهم يا محمد إِن كنتم حقاً تحبون الله فاتبعوني لأني رسوله يحبكم الله {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي باتباعكم الرسول وطاعتكم لأمره يحبكم الله ويغفر لكم ما سلف من الذنوب قال ابن كثير: "هذه الآية الكريمة حاكمةٌ على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، فإِنه كاذب في دعواه تلك حتى يتّبع الشرع المحمدي في جميع أقواله وأفعاله" ثم قال تعالى: {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} أي أطيعوا أمر الله وأمر رسوله {فإِن تَوَلَّوْاْ} أي أعرضوا عن الطاعة {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ} أي لا يحب من كفر بآياته وعصى رسله بل يعاقبه ويخزيه {أية : يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} تفسير : [التحريم: 8]. البَلاَغَة: جمعت هذه الآيات الكريمة من ضروب الفصاحة وفنون البلاغة ما يلي: 1- الطباق في مواضع مثل "تؤتي وتنزع" و "تعز وتذل" و "الليل والنهار" و "الحي والميت" و "تخفوا وتبدوا" وفي "خير وسوء" و "محضراً وبعيداً". 2- والجناس الناقص في "مالك الملك" وفي "تحبون ويحببكم" وجناس الاشتقاق بين "تتقوا وتقاة" وبين "يغفر وغفور". 3- رد العجز على الصدر في {تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ} {وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ}. 4- التكرار في جمل للتفخيم والتعظيم كقوله {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ}. 5- الإِيجاز بالحذف في مواطن عديدة كقوله {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ} أي من تشاء أن تؤتيه ومثلها وتنزع، وتعز، وتذل. 6- {تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ} قال في تلخيص البيان: وهذه استعارة عجيبة وهي عبارة عن إِدخال هذا على هذا، وهذا على هذا فما ينقصه من الليل يزيده في النهار والعكس، ولفظ الإِيلاج أبلغ لأنه يفيد إِدخال كل واحد منهما في الآخر بلطيف الممازجة وشديد الملابسة. 7- {تُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ} الحيُّ والميت مجاز عن المؤمن والكافر فقد شبه المؤمن بالحي والكافر بالميت والله أعلم. فَائِدَة: في الاقتصار على ذكر الخير {بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ} دون ذكر الشر تعليمٌ لنا الأدب مع الله فالشر لا ينسب إِلى الله تعالى أدباً وإِن كان منه خلقاً وتقديراً {أية : قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} تفسير : [النساء: 78]. تنبيه: روى مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إِن الله إِذا أحبَّ عبداً دعا جبريل فقال: إِني أحب فلاناً فأحبَّه قال فيحبُّه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إِن الله يحب فلاناً فأحبوه قال فيحبه أهل السماء، وإِذا أبغض عبداً دعا جبريل فيقول: إِني أبغض فلاناً فأبغضْه قال فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إِن الله يبغض فلاناً فأبغضوه فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض ".
الجيلاني
تفسير : {قُلِ} يا أيها المتحقق بمقام الشهود الذاتي، المكاشف بوحدة الحق دعاء صادراً من لسان مرتبتك الجامعة الشاملة لجميع المراتب {ٱللَّهُمَّ} يا {مَالِكَ ٱلْمُلْكِ} أي: المتصرف المستقبل في مظاهر ذاتك {تُؤْتِي} تعطي وتكشف بلطفك {ٱلْمُلْكَ} أي: التوحيد الذاتي {مَن تَشَآءُ} من خواص مظاهر صفاتك وأسمائك {وَتَنزِعُ} تمنع وتستر بقهرك {ٱلْمُلْكَ} المذكور {مِمَّنْ تَشَآءُ} من عوامهم؛ تتميماً لمقتضيات أوصاف جمالك وجلالك {وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ} بالوصول إلى فضاء فنائك {وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ} وراء حجاب سرادقات جلالك، وبالجملة: {بِيَدِكَ} وقدرتك وسلطانك ومشيئتك وإرادتك {ٱلْخَيْرُ} أي: كله الوجود، وظهوره على أنحاء شتى {إِنَّكَ} بذاتك {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} من مظاهر وجودك {قَدِيرٌ} [آل عمران: 26] لا تنتهي قدراتك أصلاً. ومن جملة مقدوراتك: إنك {تُولِجُ} تدخل وتدرج {ٱللَّيْلَ} أي: العدم {فِي} صورة {ٱلْنَّهَارِ} أي: الوجود إظهاراً لقدرتك وجمالك {وَتُولِجُ} أيضاً {ٱلنَّهَارَ} نور الوجود {فِي ٱلْلَّيْلِ} أي: مشكاة العدم؛ إظهاراً لقدرتك وجلالك {وَتُخْرِجُ} تظهر {ٱلْحَيَّ} والحق الحقيق مع غاية صفائها وظهورها {مِنَ ٱلْمَيِّتِ} العدم الأصلي الذي هو مرآة التعينات {وَ} أيضاً {تُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ} أي: العدم الجامد الذي ما شم رائحة الحياة أصلاً بامتداد أضلال أسمائك وصفاتك عليه {مِنَ ٱلْحَيِّ} الذي لا يموت أبداً وهو ذاتك {وَتَرْزُقُ} بلطفك {مَن تَشَآءُ} من مظاهرك من موائد فضلك وإنعامك ونوال جودك وإحسانك {بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 27] تفضلاً لهم وامتناناً عليهم بلا مظاهرة أحد. هب لنا بلطفك من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. ثم لما بين سبحانه أن الهداية إلى طريق التوحيد والإضلال عنه بقدرته واختياره، يؤتي ملك توحيده من يشأ من عباده ويمنعه عمن يشاء، أراد أن ينبه على خلص توحيد عباده ما يقربهم إلى الهداية ويبعدهم عن الضلا فقال تحذيراً لهم: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} المتوجهون نحو توحيد الذات، الطالبون إفناء ذواتهم في ذات الله، لخوضوا في لجج بحر التوحيد، ويفوزوا بدرر المعارف والحقائق الكامنة فيها {ٱلْكَافِرِينَ} الساترين بهوياتهم الكثيفة المظلة نور الوجود {أَوْلِيَآءَ} ولا يصاحبون معهم، ولا يجالسون موالاة لهم ومؤخاة معهم لقرابة طينية وصداقة جاهلية، مع كوهم خالين معهم {مِن دُونِ} حضور {ٱلْمُؤْمِنِينَ} الماظهرين لهم؛ لئلا يسري كفرهم ونفاقهم إليهم؛ إذ الطبائع تسرق والأمراض تسري، سيما الكفر و الفسوق؛ إذ الطبائع مائلة إليها {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} ولم يترك مصاحبتهم ولا موالاتهم {فَلَيْسَ مِنَ} ولاية {ٱللَّهِ} وطريق توحيده {فِي شَيْءٍ} بل ملحق بهم معدود من عداوتهم بل أسوءهم حالاً وأشدهم جرماً عند الله بعدما نهاهم الله ولم ينتهوا {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ} وتخافوا {تُقَـٰةً} توجب الموالات المصاحبة ضرورة من إتلاف النفس المال والعرض، وعند ذلك المحذور موالاتهم جائزة ومؤاختهم معذورة مداهنة ومداراة {وَ} مع وجود تلك الضرورة المستلزمة للموالاة الضرورةي {يُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} أي: يحذركم يا أهل العزائم عن نفسه على وجه المبالغة، حتى لا تأمنوا عن سخطه ولا تغفلوا عن غضبه، ولا تميلوا عنه سبحانه بارتكاب ما نهيتم عنه {وَ} اعلموا أن المحذورات كلها راجعة {إِلَىٰ ٱللَّهِ} إيجاداً وإظهاراً؛ إذ إليه {ٱلْمَصِيرُ} [آل عمران: 28] في الخير والشر والنفع والضر، لا مرجع سواه ولا منتهى إلا إياه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم { قل اللهم مالك الملك } أي: أنت الملك المالك لجميع الممالك، فصفة الملك المطلق لك، والمملكة كلها علويها وسفليها لك والتصريف والتدبير كله لك، ثم فصل بعض التصاريف التي انفرد الباري تعالى بها، فقال: { تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء } وفيه الإشارة إلى أن الله تعالى سينزع الملك من الأكاسرة والقياصرة ومن تبعهم ويؤتيه أمة محمد، وقد فعل ولله الحمد، فحصول الملك ونزعه تبع لمشيئة الله تعالى، ولا ينافي ذلك ما أجرى الله به سنته من الأسباب الكونية والدينية التي هي سبب بقاء الملك وحصوله وسبب زواله، فإنها كلها بمشيئة الله لا يوجد سبب يستقل بشيء، بل الأسباب كلها تابعة للقضاء والقدر، ومن الأسباب التي جعلها الله سببا لحصول الملك الإيمان والعمل الصالح، التي منها اجتماع المسلمين واتفاقهم، وإعدادهم الآلات التي يقدروا عليها والصبر وعدم التنازع، قال الله تعالى: {أية : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم } تفسير : الآية فأخبر أن الإيمان والعمل الصالح سبب للاستخلاف المذكور، وقال تعالى: {أية : هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم } تفسير : الآية وقال تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين } تفسير : فأخبر أن ائتلاف قلوب المؤمنين وثباتهم وعدم تنازعهم سبب للنصر على الأعداء، وأنت إذا استقرأت الدول الإسلامية وجدت السبب الأعظم في زوال ملكها ترك الدين والتفرق الذي أطمع فيهم الأعداء وجعل بأسهم بينهم، ثم قال تعالى: { وتعز من تشاء } بطاعتك { وتذل من تشاء } بمعصيتك { إنك على كل شيء قدير } لا يمتنع عليك أمر من الأمور بل الأشياء كلها طوع مشيئتك وقدرتك { تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل } أي: تدخل هذا على هذا، وهذا على هذا، فينشأ عن ذلك من الفصول والضياء والنور والشمس والظل والسكون والانتشار، ما هو من أكبر الأدلة على قدرة الله وعظمته وحكمته ورحمته { وتخرج الحي من الميت } كالفرخ من البيضة، وكالشجر من النوى، وكالزرع من بذره، وكالمؤمن من الكافر { وتخرج الميت من الحي } كالبيضة من الطائر وكالنوى من الشجر، وكالحب من الزرع، وكالكافر من المؤمن، وهذا أعظم دليل على قدرة الله، وأن جميع الأشياء مسخرة مدبرة لا تملك من التدبير شيئا، فخلقه تعالى الأضداد، والضد من ضده بيان أنها مقهورة { وترزق من تشاء بغير حساب } أي: ترزق من تشاء رزقا واسعا من حيث لا يحتسب ولا يكتسب، ثم قال تعالى: { لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):