٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
27
Tafseer
القرطبي
تفسير : قال ٱبن عباس ومجاهِد والحسن وقتادة والسدي في معنى قوله {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ} الآية، أي تدخل ما نقص من أحدهما في الآخر، حتى يصير النهار خمس عشرة ساعة وهو أطولُ ما يكون، والليل تسع ساعات وهو أقصرُ ما يكون، وكذا {وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} وهو قول الكلبي، وروي عن ٱبن مسعود. وتحتمل ألفاظ الآية أن يدخل فيها تعاقب الليل والنهار، كأن زوال أحدهما ولوج في الآخر. وٱختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: {وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} فقال الحسن: معناه تُخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، ورُوي نحوه عن سَلْمَان الفارسي. وروى مَعْمر عن الزهريحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على نسائه فإذا بٱمرأة حسنة الهيئة قال: «من هذه»؟ قلن إحدى خالاتك. قال: «ومن هي»؟ قلن: هي خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «سبحان الذي يخرج الحيّ من الميت»تفسير : . وكانت ٱمرأة صالحة وكان أبوها كافراً. فالمراد على هذا القول موت قلب الكافر وحياة قلب المؤمن؛ فالموت والحياة مستعاران. وذهب كثير من العلماء إلى أن الحياة والموت في الآية حقيقتان؛ فقال عِكرمة: هي إخراج الدَّجاجة وهي حية من البيضة وهي ميتة، وإخراج البيضة وهي ميتة من الدجاجة وهي حية. وقال ٱبن مسعود: هي النطفة تخرج من الرجل وهي ميتة وهو حي، ويخرج الرجل منها حياً وهي ميتة. وقال عِكرمة والسّدي: هي الحبة تخرج من السنبلة والسنبلة تخرج من الحبة، والنواة من النخلة والنخلة تخرج من النواة؛ والحياة في النخلة والسنبلة تشبيه. ثم قال: {وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي بغير تضييق ولا تقتير؛ كما تقول: فلان يعطِي بغير حساب؛ كأنه لا يحسب ما يعطي.
المحلي و السيوطي
تفسير : {تُولِجُ } تدخل { ٱلَّيْلَ فِى ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهارَ} تدخله {في الْليْلِ } فيزيد كل منهما بما نقص من الآخر {وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ } كالإنسان والطائر من النطفة والبيضة {وَتُخْرِجُ ٱلَمَيّتَ } كالنطفة والبيضة {مِنَ ٱلْحَىِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } أي رزقاً واسعاً.
ابن عبد السلام
تفسير : {تُولِجُ الَّيلَ فِى النَّهَارِ} تجعل كل واحد منهما بدلاًَ من الآخر، أو تدخل نقصان كل واحد منهما في زيادة الآخر. {وَتُخْرِجُ الْحَىَّ} الحيوان من النطفة، والنطفة من الحيوان، أو المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، الميْت والميّت واحد، أو الميْت الذي مات وبالتشديد الذي لم يمت.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {تولج اللّيل في النهار} الآية. لما ذكر الله تعالى أنه مالك الملك أردفه بذكر قدرته الباهرة في حال الليل والنهار، وفي المعاقبة بينهما وحال إخراج الحي من الميت ثم عطف عليه أنه يرزق من يشاء بغير حساب، وفي ذلك دلالة على أن قدر على تلك الأفعال العظيمة المحيرة لذوي الأفهام والعقول، فهو قادر أن ينزع الملك من فارس والروم واليهود ويذلهم ويؤتيه العرب ويعزهم فقوله تعالى: {تولج الليل في النهار} يعني تدخل الليل في النهار وهو أن تجعل الليل قصيراً وما نقص منه زائداً في النهار حتى يكون النهار خمس عشرة ساعة ذلك غاية طول النهار، ويكون الليل تسع ساعات وذلك غاية قصر الليل، {وتولج النهار في الليل} حتى يكون الليل خمس عشرة ساعة وذلك غاية طوله، ويكون النهار تسع ساعات وذلك غاية قصره، وقيل: المراد أنه تعالى يأتي بسواد الليل عقيب ضوء النهار، ويأتي بضوء النهار بعد ظلمة الليل والقول الأول أصح وأقرب إلى معنى الآية لأنه إذا نقص الليل كان ذلك القدر زيادة في النهار وبالعكس وهو معنى الولوج. {وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي} وهو أنه تعالى يخرج الإنسان الحي من النطفة وهي ميتة، ويخرج النطفة من الإنسان ويخرج الفرخ وهو حي من البيضة وهي ميتة وبالعكس، وكذلك سائر الحيوان. وقيل: يخرج النبات الغض الأخضر من الحب اليابس، ويخرج النخلة من النواة وبالعكس. وقيل: معناه أنه تعالى يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن لأن المؤمن حي الفؤاد، والكافر ميته {وترزق من تشاء بغير حساب} يعني من غير تضييق ولا تقتير، بل تبسط الرزق لمن تشاء وتوسعه عليه. قوله عز وجل: {أية : لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين}تفسير : [آل عمران: 28] قال ابن عباس: كان الحجاج بن عمرو وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد يبطنون بنفرٍ من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة بن المنذر وعبدالله بن جبير وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود لا يفتنونكم عن دينكم، فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقيل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره ممن كان يظهر المودة لكفار مكة. وقيل: نزلت في عبدالله بن أبي وأصحابه كانوا يتولون المشركون واليهود ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية ونهى المؤمنين عن مثل ذلك. وقيل: إن عبادة بن الصامت كان له حلفاء من اليهود فقال يوم الأحزاب: يا رسول الله إن معي خمسمائة من اليهود وقد رأيت أن أستظهر بهم على العدو فنزلت هذه الآية.
البقاعي
تفسير : فلما ثبتت خصوصيته سبحانه وتعالى بصفة القدرة على الوجه الأعم ذكر بعض ما تحت ذلك مما لم يدخل شيء منه تحت قدرة غيره فقال: - وقال الحرالي: ولما كانت هذه الآية متضمنة تقلبات نفسانية في العالم القائم الآدمي اتصل بها ذكر تقلبات في العالم الدائر ليؤخذ لكل منها اعتبار من الآخر. ولما ظهر في هذه الآية افتراق النزع والإيتاء والإعزاز والإذلال أبدى في الآية التالية توالج بعضها في بعض ليؤذن بولوج العز في الذل والذل في العز، والإيتاء في النزع والنزع في الإيتاء، وتوالج المفترقات والمتقابلات بعضها في بعض، ولما كانت هذه السورة متضمنة لبيان الإحكام والتشابه في منزل الكتاب بحكم الفرقان أظهر تعالى في آياتها ما أحكم وبين في خلقه وأمره وما التبس وأولج في خلقه وأمره، فكان من محكم آية في الكائن القائم الآدمي ما تضمنه إيتاء الملك ونزعه والإعزاز والإذلال، وكان من الاشتباه إيلاج العز في الذل وإيلاج الذل في العز، فلما صرح بالإحكام ببيان الطرفين في الكائن القائم الآدمي، وضمن الخطاب اشتباهه في ذكر العز والذل صرح به في آية الكون الدائر، فذكر آية الآفاق وهو الليل والنهار بما يعاين فيها من التوالج حيث ظهر ذلك فيها وخفي في توالج أحوال الكائن القائم، لأن الإحكام والاشتباه متراد بين الآيتين: آية الكائن القائم الآدمي وآية الكون الدائر العرشي، فما وقع اشتباهه في أحدهما ظهر إحكامه في الآخر فقال سبحانه وتعالى: {تولج} من الولوج، وهو الدخول في الشيء الساتر لجملة الداخل {الَّيل في النهار} فيه تفصيل من مضاء قدرته، فهو سبحانه وتعالى يجعل كل واحد من المتقابلين بطانة للآخر والجاً فيه على وجه لا يصل إليه منال العقول لما في المعقول من افتراق المتقابلات، فكان في القدرة إيلاج المتقابلات بعضها في بعض وإيداع بعضها في بعض على وجه لا يتكيف بمعقول ولا ينال بفكر - انتهى. {وتولج النهار في الَّيل} أي تدخل كلاً منهما في الآخر بعد ظهوره حتى يذهب فيه فيخفى ولا يبقى له أثر. قال الحرالي: ولما جعل المتعاقبين من الليل والنهار متوالجين جعل المتباطنين من الحي والميت مخرجين، فما ظهر فيه الموت بطنت فيه الحياة، وما ظهرت فيه الحياة بطن فيه الموت؛ انتهى. فقال سبحانه وتعالى: {وتخرج الحي} أي من النبات والحيوان {من الميت} منهما {وتخرج الميت} منهما {من الحي} منهما كذلك. قال الحرالي: فهذه سنة الله وتعالى وحكمته في الكائن القائم وفي الكون الدائر، فأما في الكون الدائر فبإخراج حي الشجر والنجم من موات البذر والعجم، وبظهوره في العيان كان أحكم في البيان مما يقع في الكائن القائم، كذلك الكائن القائم يخرج الحي المؤمن الموقن من الميت الكافر الجاهل {أية : وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه}تفسير : [التوبة: 14] ويخرج الكافر الآبي من المؤمن الراحم {أية : يا نوح إنه ليس من أهلك}تفسير : [هود: 46] أظهر سبحانه وتعالى بذلك وجوه الإحكام والاشتباه في آيتي خلقه ليكون ذلك آية على ما في أمره، وليشف ذلك عما يظهر من أمر علمه وقدرته على من شاء من عباده كما أظهر في ملائكته وأنيبائه، وكما خصص بما شاء من إظهار عظيم أمره في المثلين الأعظمين: مثل آدم وعيسى عليهما الصلاة والسلام، فأنزلت هذه السورة لبيان الأمر فيما اشتبه على من التبس عليه أمر عيسى عليه الصلاة والسلام، فهو تعالى أظهر من موات الإنسانية ما شاء من الإحياء بإذنه، وأظهر في آدم عليه الصلاة والسلام ما شاء من علمه حين علم آدم الأسماء كلها, كذلك أظهر في عيسى عليه الصلاة والسلام ما شاء من قدرته كما أظهر في الخلق ما شاء من ملكه، فملك من شاء ونزع الملك ممن شاء، وأعز من شاء وأذل من شاء، وأظهر بالنهار ما شاء وطمس بالليل ما شاء، وأولج المتقابلين بعضهما في بعض وأخرج المتباطنين بعضهما من بعض - انتهى. ولما بدأ الآية سبحانه وتعالى مما يقتضي الترغيب بما هو محط أحوال الأنفس من الملك وأنواع الخير ختمها بمثل ذلك مما لا يقوم الملك ولا يطيب العيش إلا به فقال: {وترزق من تشاء} قوياً كان أو ضعيفاً {بغير حساب *} أي تعطيه عطاء واسعاً جداً متصلاً من غير تضييق ولا عسر، كما فعل بأول هذه الأمة على ما كانوا فيه من القلة والضعف حيث أباد بهم الأكاسرة والقياصرة وآتاهم كنوزهم وأخدمهم أبناءهم وأحلهم ديارهم. وقال الحرالي: ولما ذكر سبحانه وتعالى هذا الإحكام والاشتباه في أمر العلية من الخلق وفيه من الإحكام والاشتباه نحو ما في الإيتاء والنزع ولما فيه من الوزن والإيتاء بقدر ختم بأعزيه وهو الإرزاق الذي لا يقع على وزن ولا يكون بحساب، وفيه إشعار بالإرزاق الختمي الذي يكون في آخر اليوم المحمدي للذين يؤتيهم الله سبحانه وتعالى ما شاء من ملكه وعزه وسعة رزقه بغير حساب، فكما ختم الملك لبني إسرائيل بملك سليمان عليه الصلاة والسلام في قوله سبحانه وتعالى {أية : هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب} تفسير : [ص: 39] كذلك يختم لهذه الأمة بأن يرزقهم بغير حساب حين تلقي الأرض بركاتها وتتطهر من فتنتها، فتقع المكنة في ختم اليوم المحمدي بالهداية والهدنة كما انقضت لبني إسرائيل بالملك والقوة - انتهى. ولما بان بهذه الآية أن لا شيء في يد غيره، واقتضى ذلك قصر الهمم عليه، وكان نصارى نجران إنما داموا على موالاة ملوك الروم لمحض الدنيا مع العلم ببطلان ما هم عليه حذر المؤمنين من مداناة مثل ذلك مع كونهم مؤمنين كما وقع لحاطب بن أبي بلتعة رضي الله تعالى عنه مما قص في سورة الممتحنة إشارة إلى أنه لا تجتمع موالاة المؤمنين وموالاة الكافرين في قلب إلا أوشكت إحداهما أن تغلب على الأخرى فتنزعها، فقال تعالى منبهاً على ذلك كله سائقاً مساق النتيجة لما قبله - وقال الحرالي: ولما كان مضمون هاتين الآيتين بشرى لخصوص هذه الأمة وعمومها بالعز والملك وختم الرزق الذي لا حساب فيه كان من الحق أن تظهر على المبشرين عزة البشرى فلا يتولوا غيره، ولما قبض ما بأيدي الخلق إليه في إيتاء الملك ونزعه والإعزاز والإذلال، وأظهر إحاطة قدرته على كل شيء وإقامة امتحانه بما أولج وأخرج، وأنبأ عن إطلاق حد العد عن أرزاقه فسد على النفس الأبواب التي منها تتوهم الحاجة إلى الخلق؛ نهي المؤمنين الذين كانت لهم عادة بمباطنة بعض كفرة أهل الكتاب وغيرهم من المشركين ومن شمله وصف الكفر أن يجروا على عادتهم في موالاتهم ومصافاتهم والحديث معهم، لأن المؤمنين يفاوضونهم بصفاء، والكافرون يتسمعون ويأخذون منهم بدغل ونفاق عليهم كما قال تعالى {أية : هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم} تفسير : [آل عمران: 119] فنهاهم الله سبحانه وتعالى عما غاب عنهم خبرته وطيته فقال تعالى ـ: {لا يتخذ المؤمنون} أي الراسخون في الإيمان, وعبر في أضدادهم بالوصف لئلا يتوهم ذلك في كل من تلبس بكفر في وقت ما فقال: {الكافرين أولياء} ونبه بقوله: {من دون المؤمنين} على أن ولاية أوليائه من ولايته، وأن المنهي عنه إنما هو الولاية التي قد توهن الركون إلى المؤمنين لأن في ذلك - كما قال الحرالي - تبعيد القريب وتقريب البعيد، والمؤمن أولى بالمؤمن كما قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً "تفسير : فأقواهم له ركن، وضعيفهم مستند لذلك الركن القوي، فإذا والاه قوى به مما يباطنه ويصافيه، وإذا اتخذ الكافر ولياً من دون مؤمنه القوي ربما تداعى ضعفه في إيمانهم إلى ما ينازعه فيه من ملابسة أحوال الكافرين، كما أنهم لما أصاخوا إليهم إصاخة أوقعوا بينهم سباب الجاهلية كما في قوله تعالى {أية : يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين}تفسير : [آل عمران: 100] وكما قال سبحانه وتعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين} تفسير : [آل عمران:149]، ولم يمنع سبحانه وتعالى من صلة أرحام من لهم من الكافرين، ولا من خلطتهم في أمر الدنيا فيما يجري مجرى المعاملة من البيع والشرى والأخذ والعطاء وغير ذلك ليوالوا في الدين أهل الدين، ولا يضرهم أن يباروا من لم يحاربهم من الكافرين - انتهى. ولما كان التقدير: فمن تولاهم وكل إليهم وكان في عدادهم، لأنه ليس من الراسخين في صفة الإيمان عطف عليه ترهيباً لمن قد تتقاصر همته فيرضى بمنزلة ما دون الرسوخ قوله: {ومن يفعل ذلك} أي هذا الأمر البعيد من أفعال ذوي الهمم الذي يكون به في عداد الأعداء بعد هذا البيان ومع رفع هذا الحجاب الذي كان مسدولاً على أكثر الخلق {فليس من الله} أي الذي بيده كل شيء فلا كفوء له {في شيء} قال الحرالي: ففي إفهامه أن من تمسك بولاية المؤمنين فهو من الله في شيء بما هو متمسك بعنان من هو له وسيلة إلى الله سبحانه وتعالى من الذين إذا رؤوا ذكر الله - انتهى. ولما كان من الناس القوي والضعيف والشديد واللين نظر إلى أهل الضعف سبحانه وتعالى فوسع لهم بقوله: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} أي إلا أن تخافوا منهم أمراً خطراً مجزوماً به، لا كما خافه نصارى نجران وتوهمه حاطب، فحينئذ يباح إظهار الموالاة وإن كانت درجة من تصلب في مكاشرتهم وتعزز لمكابرتهم ومكاثرتهم، وإن قطع أعظم فإياكم أن تركنوا إليهم! فإن الله سبحانه وتعالى يحذركم إقبالكم على عدوه، فإن ذلك موجب لإعراضه عنكم {ويحذركم الله} أي الملك الأعظم {نفسه} فإنه عالم بما تفعلونه. وهو الحكم في الدنيا كما ترون من إذلاله العزيز وإعزازه الذليل، وهذا المحذر منه وهو نفسه سبحانه وتعالى - كما قال الحرالي - مجموع أسماء تعاليه المقابلة بأسماء أوصافهم التي مجموعها أنفسهم. وموجود النفس ما تنفس، وإن كانت أنفس الخلق تنفس على ما دونها إلى حد مستطاعها، فكان ما حذره الله من نفسه أولى وأحق بالنفاسة في تعالي أوصافه وأسمائه أن تنفس على من يغنيه فلا يستغني، ويكفيه فلا يكتفي ويريه مصارف سد خلاته وحاجاته فلا ينصرف إليها ولا يتوجه نحوها، فهو سبحانه وتعالى يعذب من تعرف له بنفسه فلم يعرفه أشد من عذاب من يتعرف له بآياته فلا يعتبر بها، بما أن كل ما أبداه من نفسه بلا واسطة فهو أعظم مما أبداه بالواسطة من نعيم وعذاب، فلا أعظم من نعيم من تعرف له بنفسه فعرفه، ولا أشد من عذاب من تعرف له بنفسه فأنكره - انتهى. ولما كانت مصائب الدنيا قد تستهان قال سبحانه وتعالى عاطفاً على نحو ما تقديره: فمن الله المبدأ: - وقال الحرالي: ولما كان الزائل أبداً مؤذناً بترك الاعتماد عليه أقام تعالى على المتمسك بما دونه حجة بزواله، فلا يستطيع الثبات عليه عند ما تناله الإزالة والإذهاب، ويصير الأمر كله لله، فأعلم أن المصير المطلق إلى الله سبحانه وتعالى، فنم تعرف إليه فعرفه نال أعظم النعيم، ومن تعرف إليه فأنكره نال أشد الجحيم - انتهى؛ فقال -: {وإلى الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {المصير *} أي وإن طال إملاؤه لمن أعرض عنه فيوشك أن ينتقم منه. ولما كانت الموالاة بالباطن المنهي عنها مطلقاً ودائماً قد تفعل ويدعى نفيها لخفائها أمره صلى الله عليه وسلم بتحذيرهم من موالاة أعدائه على وجه النفاق أو غيره فقال: - وقال الحرالي: ولما كان حقيقة ما نهى عنه في الولاية والتقاة أمراً باطناً يترتب عليه فعل ظاهر فوقع التحذير فيه على الفعل كرر فيه التحذير على ما وراء الفعل مما في الصدور ونبه فيه على منال العلم خفية، فإنه قد يترك الشيء فعلاً ولا تترك النفس الغية صغواً ونزوعاً إليه في أوقات، وكرر في ختمه التحذير ليتثنى التحذيران ترقياً من الظاهر في الفعل إلى باطن الحماية في العلم خفية، فإنه قد يترك الشيء فعلاً ولا تترك النفس الغية صغواً ونزوعاً إليه في أوقات، وكرر في ختمه التحذير ليتثنى التحذيران ترقياً من الظاهر في الفعل إلى باطن الحماية في العلم كما تثنى الأمران في الظاهر والباطن، وكان في إجراء هذا الخطاب على لسان النبي صلى الله عليه وسلم حجة عليهم بما أنه بشر مثلهم يلزمهم الاقتداء به فيما لم يبادروا إلى أخذه من الله في خطابه الذي عرض به نحوهم؛ انتهى. فقال تعالى -: {قل إن تخفوا} أي يا أيها المؤمنون {ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله} أي المحيط قدرة وعلماً، ثم قال عاطفاً على جملة الشرط التي هي مقول القول إرادة التعميم: {ويعلم ما} أي جميع ما {في السموات} ولما كان الإنسان مطبوعاً على ظن أنه إذا أخفي شيئاً في نفسه لا يعلمه غيره أكد بإعادة الموصول فقال: {وما} أي وجميع ما {في الأرض} ظاهراً كان أو باطناً. ولما كان ذو العلم لا يكمل إلا بالقدرة، وكان يلزم من تمام العلم شمول القدرة - كما سيأتي إن شاء الله تعالى برهانه في سورة طه - كان التقدير: فالله بكل شيء عليم، فعطف عليه قوله: {والله} أي بما له من صفات الكمال {على كل شيء قدير *} ومن نمط ذلك قوله سبحانه وتعالى: {أية : إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء}تفسير : [آل عمران: 5] مع ذكر التصوير كيف يشاء والختم بوصفي العزة والحكمة، وقد دل سبحانه وتعالى بالتفرد بصفتي العلم والقدرة على التفرد بالألوهية. ولما تم الوصف بالعلم والقدرة بعد التحذير من سطواته ذكر يوم المصير المحذر منه، المحصى فيه كل كبير وصغير، المعامل فيه كل عامل بما يليق به، الذي يتم فيه انكشاف الأوصاف لكل ذكي وغبي فقال تعالى: {يوم} وهو معمول لعامل من معنى "يحذر" {تجد كل نفس} والذي يرشد إلى تعيين تقدير هذا العامل - إذا جعل العامل مقدراً - قوله سبحانه وتعالى {ويحذركم الله نفسه} [آل عمران: 28] سابقاً لها ولا حقاً، ويجوز أن يكون بدلاً من يوم في قوله {أية : ليوم لا ريب فيه} تفسير : [آل عمران: 9] وتكون فتحته للبناء لإضافته إلى الجملة - والله سبحانه وتعالى أعلم، والمراد بالنفس - والله سبحانه وتعالى أعلم - المكلفة {ما عملت من خير محضراً} أي لا نقص فيه ولا زيادة، بأمر القاهر القادر على كل شيء {وما عملت من سوء} حاضراً ملازماً، فما عملت من خير تود أنها لا تفارقه ولا ينقص منه شيء [وما عملت من سوء {تود} أي تحب حباً شديداً {ولو أن بينها وبينه} أي ذلك العمل السوء {أمداً} أي زماناً. قال الحرالي: وأصله مقدار ما يستوفي جهد الفرس من الجري، فهو مقدار ما يستوفي ظهور ما في التقدير إلى وفاء كيانه {بعيداً} من البعد، وهو منقطع الوصلة في حس أو معنى - انتهى. فالآية من الاحتباك: ذكر إحضار الخير دلالة على حضور السوء، وود بعد السوء دلالة على ود لزوم الخير. ولما ذكر هول ذلك اليوم كان كأنه قال: فاتقوه فإن الله يحذركموه {ويحذركم الله} أي الذي له العظمة التي لا يحاط بها {نفسه} فالله سبحانه وتعالى منتقم ممن تعدى طوره ونسي أنه عبد، قال الحرالي: أن تكون لكم أنفس فتجد ما عملت، ويلزمها وطأة هذه المؤاخذة، بل الذي ينبغي أن يبرىء العبد من نفسه تبرئته من أن يكون له إرادة، وأن يلاحظ علم الله وقدرته في كلية ظاهره وباطنه وظاهر الكون وباطنه - انتهى. ولما كان تكرير التحذير قد ينفر بين أن تحذيره للاستعطاف، فإنه بنصب الأدلة وبعث الدعاة والترغيب في الطاعة والترهيب من المعصية المسبب عنه سعادة الدارين، فهو من رأفته بالمحذرين فقال بانياً على ما تقديره: ويعدكم الله سبحانه وتعالى فضله ويبشركم به لرأفته بكم: {والله} أي والحال أن الذي له وحده الجلال والإكرام {رؤوف بالعباد *} قال الحرالي: فكان هذا التحذير الخاتم ابتدائياً، والتحذير السابق انتهائياً، فكان هذا رأفة سابقة، وكان الأول الذي ترتب على الفعل تحذيراً لاحقاً متصلاً بالمصير إلى الله، وهذا الخاتم مبتدأً بالرأفة من الله. والرأفة - يقول أهل المعاني - هي أرق الرحمة، والذي يفصح عن المعنى - والله سبحانه وتعالى أعلم - أنها عطف العاطف على من يجد عنده منه وصلة، فهي رحمة ذي الصلة بالراحم، فنم تحقق أن الأمر لله سبحانه وتعالى وجد رفقه وفضله ورحمته عليه لما برىء من دعوى شيء من نسبة الخير إلى نفسه، فأحبه لذلك، قيل لأعرابي: إنك تموت وتبعث وترجع إلى الله؟ فقال: أتهددونني بمن لم أر الخير قط إلا منه فلذلك إذا تحقق العبد ذلك من ربه أحبه بما وحّده وبما وجده في العاجلة فحماه أن يجد عمل نفسه في الآجلة - انتهى. وقد علم أن الآية من الاحتباك: التحذير أولاً دال على الوعد بالخير ثانياً، والرأفة ثانياً دالة على الانتقام أولاً - والله سبحانه وتعالى الموفق. ولما فطمهم سبحانه وتعالى عن موالاة الكفار ظاهراً وباطناً بما اقتضى القصر على موالاة أهل الله لنفيه من تولي الكفر عن أن يكون في شيء من الله، وكان الإنسان ربما وإلى الكافر وهو يدعي محبة الله سبحانه وتعالى، وختم برأفته سبحانه و تعالى بعباده، وكانت الرأفة قد تكون عن المحبة الموجبة للقرب، فكان الإخبار بها ربما دعا إلى الاتكال، ووقع لأجله الاشتباه في الحزبين، جعل لذلك سبحانه وتعالى علامه فقال: - وقال الحرالي: لما كان أعظم ما يترامى إليه مقامات السالكين إلى الله سبحانه وتعالى القاصدين إليه من مبدإ حال الذكر الذي هو منتهى المقامات العشر المترتبة في قوله سبحانه وتعالى {إن المسلمين} محبة الله سبحانه وتعالى بما أن المحبة وصلة خفية يعرف الحاس بها كنهها، أقام سبحانه وتعالى الحجة على المترامين لدعوى القرب من الله والادعاء في أصل ما يصل إليه القول من محبته بما أنبأنهم أن من انتهى إلى أن يحب الله سبحانه وتعالى فليتبع هذا النبي الذي أحبه الله سبحانه وتعالى فمن اتبعه أحبه الله، فقامت بذلك الحجة على كل قاصد وسالك ومتقرب، فإن نهاية الخلق أن يحبوا الله، وعناية الحق أن يحب العبد، فرد سبحانه وتعالى جميع من أحاط به الاصطفاء والاجتباء والاختصاص، ووجههم إلى وجهة الاتباع لحبيبه الذي أحبه، كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : لو أن موسى بين أظهركم ما وسعه إلا اتباعي " تفسير : وإذا كان ذلك في موسى عليه الصلاة والسلام كان في المنتحلين لملته ألزم بما هم متبعون لمتبعه عندهم، وأصل ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما كان في في الأبد وجب أن يكون النهاية في المعاد، فألزم الله سبحانه وتعالى على الخليقة ممن أحب الله سبحانه وتعالى أن يتبعوه، وأجرى ذلك على لسان إشعاراً بما فيه من الخير والوصول إلى الله سبحانه وتعالى من حيث إنه نبي البشرى، وليكون ذلك أكظم لمن أبى اتباعه - انتهى، فقال سبحانه وتعالى -: {قل إن كنتم تحبون الله} أي المحيط بصفات الكمال مخلصين في حبه لاعتقاد أنه على غاية الكمال، فإن الكمال محبوب لذاته {فاتبعوني} قال الحرالي: قد فسر صلى الله عليه وسلم ظاهر اتباعه فقال "في البر" وأصل حقيقته الإيمان بالله والإيثار لعباده، والتقوى وهي ملاك الأمر وأصل الخير، وهي إطراح استغناء العبد بشيء من شأنه، لا من مِلك ولا من مُلك ولا من فعل ولا من وصف ولا من ذات حتى يكون عنده كما هو عند ربه في أزله قبل أن يكون موجوداً لنفسه ليكون أمره كله بربه في وجوده كما كان أمره بربه قبل وجوده لنفسه، وقد فسر حق التقاة التي هي غاية التقوى بأن يكون العبد يشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى، ويطيع فلا يعصى - انتهى. قال الإمام: المحبة توجب اإقبال بالكلية على المحبوب والإعراض عن غيره - انتهى. فمن ادعى محبته وخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كذاب، وكتاب الله سبحانه وتعالى يكذبه {يحببكم الله} أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى حباً ظهرت أماراته بما أعلم به الفك، فإن الأمر المنجي غاية النجاة إنما هو محبة الله سبحانه وتعالى للعبد، لا محبة العبد لله، فإنه ربما كانت له حالة يظن بها أنه يحب الله والواقع أنه ليس كما ظن لكونه يعمل بما يسخطه سبحانه وتعالى، والأمارة الصحيحة لذلك رد الأمر كله إلى الله، وحينئذ يفعل الله مع العبد فعل المحب من حسن الثناء والإكرام بالثواب. قال الحرالي: فإن من رد الأمانة إلى الله سبحانه وتعالى أحبه الله فكان سمعه وبصره ويده ورجله، وإذا أحب الله عبداً أراحه وأنقذه من مناله في أن يكون هو يحب الله، فمن أحب الله وله، ومن أحبه الله سكن ي ابتداء عنايته وثبته الله سبحانه وتعالى - انتهى. فقد أشار سبحانه وتعالى إلى أن الدلالة الناشئة عن الرافة من الإكرام بالنعم من الهداية بالبيان والإبلاغ في الإحسان عامة للمحبوب وغيره، وأن الدليل على المحبة الإلهية هو الاتباع الداعي "حديث : اعملوا فكل ميسر لما خلق له فأما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة" "حديث : ما تقرب المتقربون إليّ بمثل أداء ما افترضته عليهم، ولا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ". تفسير : ولما كان الدين شديداً لن يشاده أحد إلا غلبه، لما عليه العبد من العجز والمعبود من عظيم الأمر أتبع ذلك الإعلام بأنه مع إيصال الثواب يرفع العقاب فقال - وقال الحرالي: ولما كان من آية حب الله له صلى الله عليه وسلم ما أنزل عليه من قوله: {أية : إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} تفسير : [الفتح: 1, 2] أجرى لمن أحبه الله باتباعه حظ منه في قوله -: {ويغفر لكم ذنوبكم} أي مطلقاً، وذنب كل عبد بحسبه، لأن أصل معنى الذنب أدنى مقام العبد، فكل ذي مقام أعلاه حسنته وأدناه ذنبه، ولذلك في كل مقام توبة، حتى تقع التوبة من التوبة فيكمل الوجود والشهود. ولما كان هذا الأمر من أخص ما يقع، وكان مما دونه مقامات خواص الخلق فيما بين إسلامهم إلى محبتهم لله سبحانه وتعالى ختم تعالى بما يفهم أحوال ما يرجع إلى من دون هذا الكمال فقال: {والله} أي الذي له الكمال كله {غفور رحيم *} أي لمن لم ينته لرتبة حب الله له بما يقع في أثناء أحواله من موجب المغفرة واستدعاء الرحمة حيث لم يصل إلى المحبة، فمرحوم بعد مغفرة وهو القاصد، ومغفور بعد محبة وهو الواصل - انتهى. ولما كان الاتباع قد يكون عن غلبة لا عن طاعة بين أنه لا ينفع إلا مع الإذعان فقال - أو يقال: لما كان صلى الله عليه وسلم في غاية الرأفة بالعبادة وكان يعلم أن آحاد الأمة لا يقدرون على كمال اتباعه لما له مع العصمة من الطبع على خصال الكمال كان كأنه قال له سبحانه وتعالى: فإن لم يقدروا على كمال اتباعي؟ فقال: {قل} وقال الحرالي: ولما ذكر تعالى ما تقدم من التحذيرين، في رتبتين أولاهما في الذكر بحاتين من موجب التحذيرين، فكان الاتباع موجب النجاة من التحذير الثاني الباطن الذي مبدؤه الرأفة، وكان الطاعة موجب النجاة من التحذير الأول السابق، فمن أطاع الله روسوله فيما نهى عنه من اتخاذ ولاية الكافرين من دون ولاية المؤمنين سلم من التحذيرالظاهر، ومن اتبع الرسول فأحبه الله سلم من التحذير الباطن، فختم الخطاب بما به بدأ، أو لما كانت رتبة الاتباع عليا وليتها رتبة الائتمار، فهو إما متبع على حب وإما مؤتمر على طاعة، فمن لم يكن من أهل الاتباع فليكن من أهل الطاعة، فكأن الخطاب يفهم: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني} [آل عمران: 31]، فإن لم تستطيعوا أن تتبعوني فأطيعوني، انتهى فقال سبحانه وتعالى: {قل أطيعوا الله} أي لما له من صفات الكمال. ولما قدم أن رضاه في اتباعه صلى الله عليه وسلم فدل على أن الطاعتين واحدة قال موحداً للعامل: {والرسول} أي الكامل في الرسلية لما له به سبحانه وتعالى من مزايا الاتصال، وهو وإن كان اسماً كلياً لكنه كان حين إنزال هذا الخطاب مختصاً بأكمل الخلق محمد بن عبد الله بن عبد المطلب المرسل إلى الخلق كافة على أن طاعته طاعة لجميع الرسل الذين بينوا للناس أمره صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين وسلم. قال الحرالي: فكان إشارة ذلك إلى ما نهوا عنه من التولي إلى ما ينتظم في معنى ذلك، وفيه إشعار بأن الأمر يكون فيه محوطاً بالرحمة من حيث ذكر الرسول فيه بما هو رحمة للعالمين {فإن تولوا} أي عن طاعة خطاب الله والرسول المحفوف باللطف من الله سبحانه وتعالى والرحمة من رسول الله - انتهى. و {تولوا} يحتمل المضارع والمضي، فكان الأصل في الكلام: {فإن الله} الذي له الغنى المطلق لا يحبكم، أو: لا يحبهم، ولكنه أظهر الوصف المعلم بأن التولي كفر فقال: {لا يحب الكافرين *} قال الحرالي: أفرد لله لما كان وعيداً، إبقاء لرسوله صلى الله عليه وسلم في حيز الرحمة. ولما نفى عمن تولى أن يحبه كان في إشعارة أن هذا الكفر عموم كفر يداخل رتباً من الإيمان من حيث نفي عنه الحب فنفي منه ما يناله العفو أو المغفرة والرحمة ونحو ذلك بحسب رتب تناقص الكفر، لأنه كفر دون كفر، ومن فيه كفر فهو غير مستوفي اتباع الرسول بما أنه الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وإنما يحب الله من اتبع رسوله، فعاد الختم في الخطاب إلى إشعار من معنى أوله وفي إلاحته أن حب الله للعبد بحسب توحيده، فكلما كان أكمل توحيداً كان أحب، وما سقط عن رتبة أدنى التوحيد الذي هو محل الأمر بطاعة الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم كان كفراً بحسب ما يغطى على تلك الرتبة من التوحيد، لأن هذه السورة سورة إلهية إيمانية حبية توحيدية، فخطابها مخصوص بما يجري في حكم ذلك من الإيمان والكفر والمحكم والمتشابه وكشف غطاء الأعين ورفع حجب القلوب - انتهى. وقد وضح أن الآية من الاحتباك - فأصل نظمها: فإن تولوا فإن الله لا يحبهم لكفرانهم، وإن أقبلوا فإن الله يحبهم لإيمانهم، فإن الله لا يحب الكافرين والله يحب المؤمنين - إثبات التولية في الأول يدل على حذف الإقبال من الثاني، إثبات الكراهة في الثاني يدل على حذف مثلها في الأول. ولما كان الأصفياء أخص من مطلق الأحباب بين بعض الأصفياء وما أكرمهم به تصديقاً لقوله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي الشريف "حديث : فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها "تفسير : تنبيهاً لوفد نصارى نجران وغيرهم على أنه مثل ما اصطفى لنفسه ديناً اصطفى للتخلق به ناساً يحبونه ويطيعونه ويوالون أولياءه ويعادون أعداءه، وليسوا من صفات الكافرين في شيء فقال - أو يقال: إنه سبحانه وتعالى لما شبه أفعاله في التشابه وغيره بأقواله وعرف أن الطريق الأقوم رد المتشابه منها إلى الواضح المحكم والالتجاء في كشف المشكل إليه مع الاعتقاد الجازم المستقيم، وبين أن الموقف عن هذا الطريق الأقوم الوقوف مع العرض الدنيوي مع الرئاسة وغيرها وألف الدين مع التعلل فيه بالتمني الفارغ، وأنهى ذلك وتوابعه إلى أن ختم بتهديد من تولى عن الحق أخذ في تصوير تصويره في الأرحام كيف شاء بما شوهد من ذلك ولم يشك فيه من أحوال أناس هم من خلص عباده المقبلين على ما يرضيه فقال: أو يقال ولعله أحسن: ولما أخبر سبحانه وتعالى أن أهل الكتاب ما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم فكفروا بذلك، وألحق به ما تبعه إلى أن ختم بالأمر باتباع الرسول وبأنه لا يحب الكافرين بالتولي عن رسله اشتد تشوف النفس إلى معرفة الرسل الآتين بالعلم الذين توجب مخالفتهم الكفر فبينهم بقوله: وقال الحرالي: لما كان منزل هذه السورة لإظهار المحكم والمتشابه في الخلق والأمر قدم سبحانه وتعالى بين يدي إبانة متشابه خلق عيسى عليه الصلاة والسلام وجه الاصطفاء المتقدم للآدمية ومن منها من الذرية لتظهر معادلة خلق عيسى عليه الصلاة والسلام آخراً لمتقدم خلق آدم عليه الصلاة والسلام أولاً، حتى يكونا مثلين محيطين بطرفي الكون في علو ورحه ودنو أديم تربته وأنه سبحانه وتعالى نزل الروح إلى الخلق الآدمي كما قال {أية : ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً وللبسنا عليهم ما يلبسون}تفسير : [الأنعام: 9] وظهر أثر ذلك اللبس بما وقع لأهل الزيغ في عيسى كما أنه رقى الخلق الطيني رتبة رتبة إلى كمال التسوية إلى أن نفخ فيه من روحه، فكان ترقي الآدمي إلى النفخة لتنزل الروح إلى الطينة الإنسانية التي تم بها وجود عيسى عليه الصلاة والسلام كما كمل وجود آدم عليه الصلاة والسلام بالنفخة.
ابو السعود
تفسير : {تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلْنَّهَارِ} أي تُدخِله فيه بتعقيبه إياه أو بنقص الأول وزيادةِ الثاني {وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ} على أحد الوجهين {وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ} أي تنشىء الحيواناتِ من موادها أو من النطفة، وقيل: تخرِجُ المؤمنَ من الكافر {وَتُخْرِجُ ٱلَمَيّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ} أي تخرج النطفة من الحيوان وقيل: تخرج الكافر من المؤمن {وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} قال أبو العباس المَقَّرِي: ورد لفظُ الحساب في القرآن على ثلاثة أوجهٍ بمعنى التعب قال تعالى: {وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران، الآية 27] وبمعنى العدد قال تعالى: {أية : إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [الزمر، الآية 10] وبمعنى المطالبة قال تعالى: {أية : فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } تفسير : [ص، الآية 39] والباء متعلقة بمحذوف وقع حالاً من فاعل ترزق أو من مفعوله وفيه دَلالةٌ على أن من قدَر على أمثال هاتيك الأفاعيلِ العظامِ المحيِّرة للعقول والأفهام فقُدرته على أن ينزعَ الملكَ من العجم ويُذِلهم ويُؤتيَه العربَ ويُعِزَّهم أهونُ من كل هيّن. عن علي رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : "إن فاتحة الكتاب وآيةَ الكرسيِّ وآيتين من آل عمران شهد الله أنه {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} إلى قوله تعالى: {إِنَّ الدّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ} [آل عمران، الآية 18، 19] و{قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ} إلى قوله: {بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران، الآية 26، 27] معلقاتٌ ما بـينهن وبـين الله تعالى حجابٌ"، قلن: يا رب تُهبِطُنا إلى أرضك وإلى من يعصيك؟ قال الله تعالى: "إني حلفت أنه لا يقرؤكُنّ أحدٌ دُبُرَ كُلِّ صلاةٍ إلا جعلتُ الجنّةَ مثواه على ما كان منه وأسكنتُه في حظيرة القدس، ونظرت بعيني كل يوم سبعين مرةً وقضيتُ له سبعين حاجة أدناها المغفرة، وأعذتُه من كل عدو وحاسدٍ، ونصرتُه عليهم« تفسير : وفي بعض الكتب: (أنا الله ملكُ الملوك، قلوبُ الملوكِ ونواصِيهم بـيدي فإنِ العبادُ أطاعوني جعلتهم لهم رحمة وإنِ العبادُ عصَوْني جعلتهم عليهم عقوبة فلا تشتغلوا بسبِّ الملوك ولكن توبوا إليَّ أُعطِّفْهم عليكم). وهو معنى قوله عليه السلام: «حديث : كَما تَكُونُوا يُولَّ عَلَيْكُم«.
القشيري
تفسير : تولج الليل في النهار حتى يَغْلِبَ سلطانُ ضياءِ التوحيد فلا يَبْقَى من آثار النفس وظلماتها شيءٌ، وتولج النهار في الليل حتى كأن شموسَ القلوب كُسِفَت، أو كأن الليل دام، وكأن الصبح فُقِد. وتخرج الحي من الميت حتى كأن الفترة لم تكن، وعهد الوصال رجع فَتيَّاً، وعُودُ القلوبِ صار غضّاً طريَّاً. وتخرج الميت من الحي حتى كأن شجرة البرم أورقت شوكاً وأزهرت شوكاً، وكأن اليائس لم يجد خيراً، ولم يشم ريحاً، وتقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة. {وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. حتى لا (كدر) ولا جُهْدَ ولا عَرَقَ جبينٍ، ولا تَعَبَ يمينٍ، لَيْلَهُ روحْ وراحة، ونهارُه طرب وبهجة، وساعاته كرامات، ولحظاته قُرُبات، وأجناس أفعاله على التفصيل لا يحصرها لسان، ولا يأتي على استقصاء كنهها عبارة ولا بيان. وفيما لوَّحنا من ذلك تنبيه على طريق كيفية الإفصاح عنه. ويقال لما قال: {وَتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ} انكسر خُمَارُ كلِّ ظانٍّ أنه مَلِكٌ لأنه شاهد مُلكِهِ يعرض للزوال فَعَلِمَ أن التذلل إليه في استبقاء ملكه أولى من الإعجاب والإدلال. ويقال المَلِكُ في الحقيقة - مَنْ لا يشغله شيء بالالتفات إليه عن شهود من هو المَلِكُ على الحقيقة.
البقلي
تفسير : {تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ} تولج دخان البشرية فى سلطان صفاء التوحيد وايضا تلاشى ظلمة النفوس فى انوار الارواح وايضا افنى ظلمة الطبائع فى صفاء القلوب وايضا تحرف سجوف ليالى الهجران بطلوع شموس العرفان وياضا تخرق حجب الحدوثية عند ظهور سناء قدس الصمدية وايضا ترفع قوام الملكوت حين تبرز انوار جمال الجبروت {وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} اى تفنى انوار الاسرار فى اطباق ظلمات الطباع وايضا اى تسبل حجاب الفناء على وجوه اهل البقاء وايضا يولج النهار فى الليل حين كسفت شمس المعرفة فى منازل النكرة وغلبت ظملة الفترة على نور المعاملة {وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} اى يخرج اشجار انوار المعرفة بكشف جمال المشاهدة من القلوب الميتة بتواتر الفترة وايضا يخرج ارواح القدسية باصوات جرس الوصلة عند غلبات الوجود من الاشباح المضمحلة تحت اثقال سلطان كشف توحيد الوحدانية الى فضاء السرمدية لتحول فى سرادق الكبرياء وخيام الملكوت طلبا لماشهدة جمال الجبروت وايضا يخدر العارف العاشق من العامى الغافل وايضا اى مياه دموع العارفين بنيران الوجد من قلوبهم الخيالية عن اثار المشاهدة {وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ} اى العامى من الوالى الحى المعرفة ورؤية مشاهدة خالق الخلق جل وعز وياضا اذا يبست عيون المعرفة فى قلوب العرافين من حرارة امتحان القهر يخج منها حنظل الشرك مكان سكر التوحيد وعصاه الشك مكان نرجص اليقين واورقت فيها اشجار الغفلة باوراق هموم المذمومة ويبست حينها بانقطاع عنها صفاء المعاملة {وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} اى من هذه المقامات المختلفة بيغر رؤية والا تدبير الانسانية وايضا ترزق العارفين مقام المشاهدات وترزق المشتاقين مقام المكاشفات وترزق المحبين مقام المداناة وترزق الموحدين مقام البقاء والفناء والصحو والسكر والاتحاد وترزق العاشقين مقام الجمع والتفرقة وترزق الاحرار مقام التولين والتمكين بغير حساب اكثر من ان يحصى عدد اسرارها يعد حقائق انوارها.
اسماعيل حقي
تفسير : {تولج} اى تدخل {الليل فى النهار} بنقص الاول وزيادة الثانى حتى يصير النهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات {وتولج النهار فى الليل} حتى يكون الليل خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات {وتخرج الحى من الميت} اى تظهر الحيوان من النطفة او الطير من البيضة او العالم من الجاهل او المؤمن من الكافر او النبات من الارض اليابسة {وتخرج الميت من الحى} وهذا عكس الأول {وترزق من تشاء بغير حساب} قال ابو العباس المقرى ورد لفظ الحساب فى القرآن على ثلاثة اوجه بمعنى التعب قال تعالى {ترزق من تشاء بغير حساب} وبمعنى العدد قال تعالى {أية : إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} تفسير : [الزمر: 10]. وبمعنى المطالبة {أية : فامنن أو أمسك بغير حساب} تفسير : [ص: 39]. والباء متعلقة بمحذوف وقع حالا من فاعل ترزق او من مفعوله وفيه دلالة على ان من قدر على امثال هاتيك الافاعيل العظام المحيرة للعقول فقدرته على ان ينزع الملك من العجم ويذل ويؤتيه العرب ويعزهم اهون من كل هين. عن على رضى الله عنه انه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ان فاتحة الكتاب وآية الكرسي وآيتين من آل عمران شهد الله انه لا اله الا هو الى قوله تعالى ان الدين عند الله الاسلام وقل اللهم الى قوله تعالى بغير حساب معلقات ما بينهن وبين الله حجاب قلن يارب أتهبطنا الى ارضك والى من يعصيك قال الله عز وجل انى حلفت انه لا يقرأهن احد دبر كل صلاة الا جعلت الجنة مثواه على ما كان منه واسكنته فى حظيرة القدس ونظرت اليه بعينى كل يوم سبعين مرة وقضيت له سبعين حاجة ادناها المغفرة واعذته من كل عدو وحاسد ونصرته عليهم ".تفسير : وفى بعض الكتب "حديث : انا الله ملك الملوك قلوب الملوك ونواصيهم بيدى فان العباد اطاعونى جعلتهم لهم رحمة وان العباد عصونى جعلتهم عليهم عقوبة فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا الى اعطفهم عليكم ".تفسير : وهو معنى قوله عليه السلام "حديث : كما تكونون يولى عليكم ".تفسير : معناه ان كنتم من اهل الطاعة يول عليكم اهل الرحمة وان كنتم من اهل المعصية يول عليكم اهل العقوبة. وجاء فى الخبر ان موسى عليه السلام قال فى مناجاته [يا رب انت فى السماء ونحن فى الارض فما علامة سخطك من رضاك فاوحى الله اليه اذا استعملت على الناس خيارهم فهو علامة رضاى واذا استعملت شرارهم فهو علامة سخطى عليهم]. قال الحجاج بن يوسف حين قيل له لم لا تعدل مثل عمر رضى الله عنه وانت قد ادركت خلافته أفلم ترعد له وصلاحه فقال فى جوابهم تبذوروا أتعمر لكم اى كونوا كأبى ذر فى الزهد والتقوى اعاملكم معاملة عمر فى العدل والانصاف. وفيه اشارة الى ان الولاة انما يكونون على حسب اعمال الرعايا واحوالهم صلاحا وفسادا فعلى كل واحد من المسلمين التضرع لله تعالى والانابة اليه بالتوبة والاستغفار عند فشّو الظلم وشمول الجور ويظهر جور الوالى وعد له فى الضرع والزع والاشجار والاثمار والمكاسب والحرف يعنى يقل لبن الضرع وتنزع بركة الزرع وتنقص ثمار الاشجار وتكسد معاملة التجار واهل الحرف فى الامصار التي ملك فيها ذلك الملك الجائر بشؤم ظلمه وسوء فعله ويكون الامر على العكس اذا عدل ولما ولى عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب اليه طاووس ان اردت ان يكون عملك خيرا كله فاستعمل اهل الخير فقال كفى بها موعظة شعر : بندم اكر بشنوى اى بادشاه درهمه دفتر به ازين بند نيست جز بخر دمند مفرما عمل كرجه عمل كارخردمند نسيت تفسير : قال النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : سيأتى زمان لامتى يكون امراؤهم على الجور وعلماؤهم على الطمع وعبادهم على الرياء وتجارهم على اكل الربا ونساؤهم على زينة الدنيا ".
الطوسي
تفسير : القراءة واللغة: قرأ بتشديد الياء {من الميت} نافع وحمزة والكسائي وحفص الباقون بالتخفيف. الايلاج: الادخال يقال: أولجه ايلاجاً، وولج ولوجاً. ومنه قوله: {أية : حتى يلج الجمل في سم الخياط}تفسير : والوليجة بطانة الرجل لأنه يطلعه على داخل أمره. ومنه قوله: {أية : ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة}تفسير : والتولج كناس الظبى لأنه يدخله ليأوي إليه والولجة شيء يكون بين يدي فناء القوم لأنه مدخل إلى أفنائهم وأصل الباب الدخول. المعنى: قيل في معنى الآية قولان: أحدهما - ما روي عن ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والسدي، والضحاك، وابن زيد: انه يجعل ما نقص من أحدهما زيادة في الآخر. وقال الجبائي: معناه يدخل أحدهما في الآخر باتيانه بدلا منه في مكانه. وقوله: {وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي} قيل في معناه قولان: أحدهما - يخرج الحي من النطفة، وهي ميتة، والنطفة من الحي وكذلك الدجاجة من البيضة والبيضة من الدجاجة، هذا قول عبد الله بن مسعود، ومجاهد، والضحاك، والسدي، وقتادة، وابن زيد. الثاني - ما قاله الحسن وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) أنه إخراج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. والفرق بين تخفيف الياء وتشديدها أن الميت بالتخفيف الذي قد مات وبالتثقيل الذي لم يمت قال المبرد: ولا خلاف بين علماء البصريين أنهما سواء وأنشد لابن الرعلاء الغساني: شعر : ليس من مات فاستراح بميت انما الميت ميت الاحياء انما الميت من يعيش كئيباً كاسفاً باله قليل الرخاء تفسير : فجمع بين اللغتين وإنما كرر في عدة مواضع في القرآن لما فيه من عظم المنفعة وجزيل الفائدة. وقوله: {بغير حساب} قيل فيه ثلاثة أقوال: أولها - قال الحسن والربيع: بغير نقصان، لأنه لا نهاية لما في مقدوره فما يوجد منه لا ينقصه، ولا هو على حساب جزء من كذا وكذا جزءاً منه، فهو بغير حساب التجزئة. الثاني - بغير حساب التقتير كما يقال فلان ينفق بغير حساب، لأن من عادة المقتر ألا ينفق إلا بحساب ذكره الزجاج. الثالث - ما قاله الجبائي: ان معناه بغير حساب الاستحقاق, لأنه تفضل وذلك، لأن النعيم منه بحساب ومنه بغير حساب فأما العقاب فجميعه بحساب.
الجنابذي
تفسير : {تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ} وهذه كالجمل السّابقة فى الاعراب والمراد بايلاج اللّيل فى النّهار ايلاج بعضه بنقصان اللّيل والزّيادة فى النّهار، او المراد تعقيبه للنّهار فيكون المراد ايلاج اللّيل مكان النّهار ولا اختصاص للّيل بليل الزّمان بل يشمله ويشمل عالم الارواح الخبيثة وعالم الطّبع ومادّة الانسان وطبيعته ومرضه وغمّه وألمه ورذائله وكفره وجهله، وذكر هذه بعد تعميم القدرة للاشارة الى صعوبتها كأنّها معدودة من الممتنعات الغير المقدور عليها فانّها جمع بين الاضداد {وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} هذه تعلم بالمقايسة {وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} الحيوان من الجماد، او المؤمن من الكافر، او العالم من الجاهل، او النّفس الانسانيّة من النّفس الحيوانيّة، او النّفس الحيّة من الطّبع الميّت، او الباقى من الفانى، فانّ فناء الانسان موت حقيقىّ له وبقاءه بعد الفناء حياة حقيقيّة بحياة الله تعالى، او المراد تميّز الحىّ من الميّت بالمعانى السّابقة {وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ} تعلم هذه بالمقايسة {وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} ذكر هذه بعد تعميم القدرة لاقتضاء مقام التّرغيب فيما عنده التّكرير والتّأكيد بامثاله.
الهواري
تفسير : قوله: {تُولِجُ الَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي الَّيْلِ} وهو أخذ كل واحد منهما من صاحبه. وقال بعضهم: نقصان الليل في زيادة النهار ونقصان النهار في زيادة الليل. قوله: {وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ}. قال مجاهد: هي النطفة والحبة؛ يخرج من النطفة الميتة الخلق الحي، ويخرج من النبات الحي الحبة اليابسة. وقال بعضهم: والبيضة مثل ذلك. وقال في آية أخرى:{أية : إِنَّ اللهَ فَالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَمُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ}. تفسير : [الأنعام:95]. وهذا موافق لقول مجاهد. وقال الحسن وغيره: يخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر من المؤمن. {وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي لا ينقص ما عند الله، أي بغير محاسبة منه لنفسه في تفسير الحسن. قوله: {لاَّ يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ} [يعني في النصيحة] {مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْْسَهُ} أي عقوبته. وقال بعضهم: ويحذركم الله نفسه، أي ويحذركم الله منه، ويحذركم الله إياه. {وَإِلَى اللهِ المَصِيرُ}. قال بعضهم: تقيّة الرحم من المشركين، من غير أن يتولوهم في دينهم، إلا أن يصل الرجل رحماً له من المشركين. وقال غيره: هذا رجل صار في أيدي المشركين فأعطاهم بلسانه ما ليس في قلبه حتى يجعل الله له مخرجاً. ذكر أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: حديث : أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يدعوه حتى سبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر آلهتَهُم بخير، [ثم تركوه] فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما وراءك؟ قال: شر يا رسول الله، والله ما تُرِكتُ حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير. قال: فكيف تجد قلبك؟ قال: أجده مطمئناً بالإِيمان. قال: فإن عادوا فعد .
اطفيش
تفسير : {تُولِجُ اللَّيْلَ فى الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فى الْلَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيِّتَ مِنَ الْحَىِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. هذا برهان تقرير القدرة، فإن من قدر على الأفعال العظيمة المحيرة للأفهام من أدخل الليل فى النهار، وأخرج الحى من الميت وعكسهما، وعلى رزق من يشاء بغير حساب قادر على نزع الملك من العجم، وعلى إذلالهم ونزع النبوة من بنى إسرائيل، وإيتاء الملك، والعز والنبوة. وأصل الإيلاج: الإدخال فى مضيق، والمراد هنا النقص من الليل والزيادة فى النهار، والنقص من النهار، والزيادة فى الليل، فإذا تم نقص الليل كان تسع ساعات، والنهار خمس عشرة، وإذا تم نقص النهار، فبالعكس. وقيل: معنى إيلاج أحدهما فى الآخر، تعقيب أحدهما بالآخر، والأول أصح ومعنى إخراج الحى من الميت، والميت من الحى إن شار الحى من الإنسان وسائر الحيوان، من النطفة الميتة، وإخراج الميت وهو النطفة من الحى وكذا يخلق الملك وهو حى من النور، ويخلق بعض الحشرات من التراب، وكذا خلق آدم وهو حى من التراب وهو ميت، والحوت وهو حى، من الميت وهو الماء، ومن الشجر ينشأ فى بعض المواضع، ويخلق من الحى ميتاً كالبيضة وهى ميتة، حياً وهو طائر، ويلد الأعمى بصيراً ويلد البصير أكمه ويلد الأعود صحيح العين، وصحيحهما أعور.. وهكذا وما أشبه ذلك. وقيل: المراد إخراج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن وهذا مدح للمؤمن إذ قلبه منور، وذم للكافر إد كان لا ينفع نفسه كالميت، وبهذا فسره الحسن وسليمان، حديث : وعن الزهرى أن النبى صلى الله عليه وسلم، لما سمع نغمة خالدة بنت أسود بن يغوث فقال: من هذا فأخبر بها، فقال صلى الله عليه وسلم: "سبحان الذى يُخْرجُ الحى من الميت"تفسير : ، وكانت امرأة صالحة وأبوها كافر، والجمهور على أن الحياة والموت فى الآية على الحقيقة، كالقول الأول وغيره، ولكن اختلف فى تسمية ما لم يكن حيا ميتا، هل هو حقيقة؟ وبذلك القول الأول يقول ابن مسعود وعكرمة، لكن ابن مسعود مثل بالإنسان والنطفة، وعكرمة بالدجاجة والبيضة، وقال السدى عن أبى مالك: المراد الحبة من السنبلة، والسنبلة من الحبة، والنخلة من النواة، وبالعكس. وهكذا قرأ ابن كثير وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر: بتخفيف الياء من الميت باسكان.
الالوسي
تفسير : {تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ } الولوج في الأصل الدخول والإيلاج الإدخال واستعير لزيادة زمان النهار في الليل وعكسه بحسب المطالع والمغارب في أكثر البلدان ـ وروي ذلك عن ابن عباس والحسن ومجاهد ـ ولا يضر تساوي الليل والنهار دائماً عند خط الاستواء لأنه يكفي الزيادة والنقصان فيهما في الأغلب، وقال الجبائي: المراد بإيلاج أحدهما في الآخر إيجاد كل واحد منهما عقيب الآخر والأول أقرب إلى اللفظ، وعلى التقديرين الظاهر من الليل والنهار ليل التكوير ونهاره وهما المشهوران عند العامة الذين يفهمون ظاهر القول، ووراء ذلك أيام السلخ التي يعرفها العارفون وأيام الإيلاج الشأنية التي يعقلها العلماء الحكماء./ وبيان ذلك على وجه الاختصار أن اليوم على ما ذكره القوم الالۤهيون عبارة عن دورة واحدة من دورات فلك الكواكب وهو من النطح إلى النطح ومن الشرطين إلى الشرطين ومن البطين إلى البطين وهكذا إلى آخر المنازل، ومن درجة المنزلة ودقيقتها إلى درجة المنزلة ودقيقتها، وأخفى من ذلك إلى أقصى ما يمكن الوقوف عنده وما من يوم من الأيام المعروفة عند العامة وهي من طلوع الشمس إلى طلوع الشمس أو من غروبها إلى غروبها أو من استوائها إلى استوائها أو ما بين ذلك إلى ما بين ذلك إلا وفيه نهاية ثلثمائة وستين يوماً فاليوم طوله ثلاثمائة وستون درجة لأنه يظهر فيه الفلك كله وتعمه الحركة وهذا هو اليوم الجسماني، وفيه اليوم الروحاني فيه تأخذ العقول معارفها والبصائر مشاهدها والأرواح أسرارها كما تأخذ الأجسام في هذا اليوم الجسماني أغذيتها وزيادتها ونموها وصحتها وسقمها وحياتها وموتها فالأيام من جهة أحكامها الظاهرة في العالم المنبعثة من القوة الفعالة للنفس الكلية سبعة من يوم الأحد إلى آخره ولهذه الأيام أيام روحانية لها أحكام في الأرواح والعقول تنبعث من القوة العلامة للحق الذي قامت به السماوات والأرض وهو الكلمة الالۤهية، وعلى هذه السبعة الدوارة يدور فلك البحث فنقول: قال الله تعالى في المشهود من الأيام المحسوسة: {أية : يُكَوّرُ ٱلَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱللَّيْلِ} تفسير : [الزمر: 5] وأبان عن حقيقتين من طريق الحكم بعد هذا فقال في آية: {أية : وَءايَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ } تفسير : [يس: 37] فهذه أنبأت أن الليل أصل والنهار كان غيباً فيه ثم سلخ، وليس معنى السلخ معنى التكوير فلا بد أن يعرف ليل كل نهار من غيره حتى ينسب كل ثوب إلى لابسه ويرد كل فرع إلى أصله، ويلحق كل ابن بأبيه، وقال في الآية الكريمة كاشفاً عن حقيقة أخرى: {يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ } فجعل بين الليل والنهار نكاحاً معنوياً لما كانت الأشياء تتولد منهما معاً وأكد هذا المعنى بقوله عز قائلاً: {أية : يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ }تفسير : [الأعراف: 54] ولهذا كان كل منهما مولجاً ومولجاً فيه فكل واحد منهما لصاحبه أصل وبعل فكلما تولد في النهار فأمه النهار وأبوه الليل وكلما تولد في الليل فأمه الليل وأبوه النهار فليس إذاً حكم الايلاج حكم السلخ فإن السلخ إنما هو في وقت أن يرجع النهار من كونه مولجاً ومولجاً فيه والليل كذلك إلا أنه ذكر السلخ الواحد ولم يذكر السلخ الآخر من أجل الظاهر والباطن والغيب والشهادة. والروح والجسم والحرف والمعنى ـ وشبه ذلك ـ فالايلاج روح كله والتكوير جسم هذا الروح الإيلاجي ولهذا كرر الليل والنهار في الإيلاج كما كررهما في التكوير هذا في عالم الجسم وهذا في عالم الروح، فتكوير النهار لإيلاج الليل وتكوير الليل لإيلاج النهار، وجاء السلخ واحداً للظاهر لأربابه. وقد اختلف العجم والعرب في أصالة أي المكورين على الآخر، فالعجم يقدمون النهار على الليل وزمانهم شمسي فليلة السبت عندهم مثلا الليلة التي تكون صبيحتها يوم الأحد وهكذا، والعرب يقدمون الليل على النهار وزمانهم قمري {أية : أولٰئِك كتب في قلوبهم الإيمان}تفسير : [المجادلة: 22] فليلة الجمعة عندهم مثلا هي الليلة التي يكون صبيحتها يوم الجمعة وهم أقرب من العجم إلى العلم فإنه يعضدهم السلخ في هذا النظر غير أنهم لم يعرفوا الحكم فنسبوا الليلة إلى غير يومها كما فعل أصحاب الشمس وذلك لأن عوامهم لا يعرفون إلا أيام التكوير والعارفون من أهل هذه الدولة، وورثة الأنبياء يعلمون ما وراء ذلك من أيام السلخ وأيام الإيلاج الشاني، ولما كانت الأيام شيئاً وكل شيء عندهم ظاهر وباطن وغيب وشهادة وروح وجسم وملك وملكوت ولطيف وكثيف قالوا: إن اليوم نهار وليل في مقابلة باطن وظاهر، والأيام سبعة ولكل يوم نهار وليل من جنسه، والنهار ظل ذلك الليل وعلى صورته لأنه أصله المدرج هو فيه المنسلخ هو منه بالنفخة الآلهية، وقد أطلق سبحانه في آية السلخ ولم يبين أي نهار سلخ من أية ليلة ولم يقل ليلة كذا سلخ منها نهار كذا ليعقلها من ألهمه الله تعالى رشده فينال/ فصل الخطاب، فعلى المفهوم من اللسان العربي بالحساب القمري أي ليلة الأحد سلخ الله تعالى منها نهار الأربعاء وسلخ من ليلة الاثنين نهار الخميس، ومن ليلة الثلاثاء نهار الجمعة، ومن ليلة الأربعاء نهار السبت، ومن ليلة الخميس نهار الأحد، ومن ليلة الجمعة نهار الاثنين ومن ليلة السبت نهار الثلاثاء فجعل سبحانه بين كل ليلة ونهارها المسلوخ منها ثلاث ليال وثلاثة نهارات فكانت ستة وهي نشأتك ذات الجهات، فالليالي منها للتحت والشمال والخلف، والنهارات منها للفوق واليمين والأَمام فلا يكون الإنسان نهاراً ونوراً تشرق شمسه وتشرق به أرضه حتى ينسلخ من ليل شهوته ولا يقبل على من لا يقبل الجهات حتى يبعد عن جهات هيكله، وإنما نسبوا هذه النسبة من جهة الاشتراك في الشأن الظاهر لستر الحكمة الالۤهية على يد الموكلين بالساعات، وفي اليوم الإيلاجي الشأني يعتبرون ليلاً ونهاراً أيضاً وهو عندهم أربع وعشرون ساعة قد اتحد فيها الشأن فلم ينبعث فيها إلا معنى واحد ويتنوع في الموجودات بحسب استعداداتها ولهذا قال سبحانه: {أية : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ } تفسير : [الرحمٰن: 29] ولم يقل ـ في شؤون ـ وتنوينه للتعظيم الظاهر باختلاف القوابل وتكثر الأشخاص فإذا ساعات ذلك اليوم تحت حكم واحد ونظر وال واحد قد ولاه من لا يكون في ملكه إلا ما يشاء وتولاه وخصه بتلك الحركة وجعله أميراً في ذلك، والمتصرف الحقيقي هو الله تعالى لا هو من حيث هو، فاليوم الشأني ما كانت ساعاته كلها سواء ومتى اختلفت فليس بيوم واحد ولا يوجد هذا في أيام التكوير وكذا في أيام السلخ إلا قليلاً فطلبنا ذلك في الأيام الإيلاجية فوجدناه مستوفى فيه، وقد أرسل سبحانه آية الإيلاج ولم يقل: يولج الليل الذي صبيحته الأحد في الأحد ولا النهار الذي مساؤه ليلة الاثنين في الاثنين فإذاً لا يلتزم أن ليلة الأحد هي ليلة الكور ولا ليلة السلخ وإنما يطلب وحدانية اليوم من أجل أحدية الشأن فلا ينظر إلا إلى اتحاد الساعات، والحكم المولى من قبل المولى فليلة الأحد الايلاجي مركبة من الساعة الأولى من ليلة الخميس، والثانية منها، والثالثة من يوم الخميس، والعاشرة منها، والخامسة من ليلة الجمعة، والثانية عشرة منها، والسابعة من يوم الجمعة، والثامنة من ليلة السبت، والتاسعة منها، والرابعة من يوم السبت، والحادية عشرة منه، والسادسة من ليلة الأحد فهذه ساعات ليله. وأما ساعات نهاره من أيام التكوير فالأولى من يوم الأحد، والثامنة والثالثة من يوم الاثنين والعاشرة منه، والخامسة من يوم الاثنين والثانية عشرة منه والسابعة من ليلة الثلاثاء والثانية من يوم الثلاثاء والتاسعة منه، والرابعة من ليلة الأربعاء والحادية عشرة منها والسادسة من يوم الأربعاء فهذه أربعة وعشرون ساعة ظاهرة كالشمس ليوم الأحد الإيلاجي الشأني كلها كنفس واحدة لأنها من معدن واحد، وهكذا تقول في سائر الأيام حتى تكمل سبعة أيام متميزة بعضها من بعض مولجة بعضها في بعض نهارها في ليلها وليلها في نهارها لحكمة التوالد والتناسل وذلك كسريان الحكم الواحد في الأيام، ويظهر ذلك من أيام التكوير. وقد ذكر مولانا الشيخ الأكبر قدس سره الشأن في كل يوم في رسالته المسماة «بالشأن الالۤهي»، ولعلِّي إن شاء الله تعالى أذكر ذلك عند قوله تعالى: {أية : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ } تفسير : [الرحمٰن: 29] وهذه الأيام أيضاً غير يوم المثل وهو عمر الدنيا ويوم الرب ويوم المعارج ويوم القمر ويوم الشمس ويوم زحل ويوم الحمل ولكل كوكب من السيارات والبروج يوم ـ وقد ذكر كل ذلك في «الفتوحات» ـ وإنما تعرضنا لهذا المقدار وإن كان الاستقصاء في بيان مشرب القوم ليس بدعاً في هذا الكتاب تعليماً لبعض طلبة العلم ما الليل والنهار إذ قد ظنوا لجهلهم بسبب بحث جرى بنا الظنون، وفي هذا كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد فحمداً لك اللهم على ما علمت ولك الشكر على ما أنعمت./ {وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ } أي تكون الحيوانات من موادها أو من النطفة، وعليه ابن عباس وابن مسعود وقتادة ومجاهد والسدى وخلق كثير {وَتُخْرِجُ ٱلَمَيّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ } أي النطفة من الحيوانات كما قال عامة السلف. وأخرج ابن مردويه من طريق أبـي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لما خلق الله تعالى آدم عليه السلام أخرج ذريته فقبض قبضة بيمينه فقال: هؤلاء أهل الجنة ولا أبالي وقبض بالأخرى قبضة فجاء فيها كل ردىء فقال هؤلاء أهل النار ولا أبالي فخلط بعضهم ببعض فيخرج الكافر من المؤمن والمؤمن من الكافر»تفسير : فذلك قوله تعالى: {وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ } الآية ـ وإلى هذا ذهب الحسن ـ وروي عن أئمة أهل البيت، فالحي والميت مجازيان، وعطف هذه الجملة بعد الأولى لا يخفى، والقائلون بعموم المجاز قالوا: المراد تخرج الحيوانات من النطف والنطف من الحيوانات، والنخلة من النواة والنواة من النخلة، والطيب من الخبيث والخبيث من الطيب، والعالم من الجاهل والجاهل من العالم، والذكي من البليد والبليد من الذكي إلى غير ذلك. ولا يلزم من الآية أن يكون إخراج كل حي من ميت وكل ميت من حي ليلزم التسلسل في جانب المبدىء إذ غاية ما تفهمه الآية أن لله تعالى هذه الصفة وأما أنه لا يخلق شيئاً إلا من شيء فلا كما لا يخفى، وقرىء {ٱلْمَيْتِ } بالتخفيف في الموضعين. {وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } الظرف في محل الحال من المفعول أي ترزق من تشاء غير محاسب له، أو من الفاعل أي ترزقه غير محاسب له، أو غير مضيق عليه، وجوز أن يكون نعتاً لمصدر محذوف، أو مفعول محذوف أي رزقاً غير قليل، وفي ذكر هذه الأفعال العظيمة التي تحير العقول ونسبتها إليه تعالى دلالة على أن من يقدر على ذلك لا يعجزه أن ينزع الملك من العجم ويذلهم ويؤتيه العرب ويعزهم بل هو أهون عليه من كل هين. هذا وقد تقدم ما يشير إلى فضل هذه الآية، وقد أخرج ابن أبـي الدنيا حديث : عن معاذ بن جبل قال: شكوت إلى النبـي صلى الله عليه وسلم ديناً كان عليّ فقال: «يا معاذ أتحب أن يقضى دينك؟ قلت: نعم قال: {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26] رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما تعطي منهما من تشاء وتمنع منهما من تشاء اقضِ عني ديني فلو كان عليك ملء الأرض ذهباً أدى عنك» تفسير : وفي رواية للطبراني الآية بتمامها. ومن باب الإشارة في الآيات: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } أي أبان بدلائل الآفاق والأنفس أنه لا إله في الوجود سواه، أو شهد بذاته في مقام الجمع على وحدانيته حيث لا شاهد ولا مشهود غيره، وشهد الملائكة وأولو العلم ـ بذلك وهي شهادة مظاهره سبحانه في مقام التفصيل، ومن القوم من فرق بين الشهادتين بأن شهادة الملائكة من حيث اليقين وشهادة أولي العلم من حيث المشاهدة، وأيضاً قالوا: شهادة الملائكة من رؤية الأفعال وشهادة أولي العلم من رؤية الصفات، وقيل: شهادة الملائكة من رؤية العظمة ولذا يغلب عليهم الخوف، وشهادة العلماء من رؤية الجمال ولذا يغلب عليهم الرجاء. وشهادة العلماء متفاوتة فشهادة بعض من الحالات، وشهادة آخرين من المقامات، وشهادة طائفة من المكاشفات، وشهادة فرقة من المشاهدات؛ وخواص أهل العلم يشهدون به له بنعت إدراك القدم وبروز نور التوحيد من جمال الوحدانية، فشهادتهم مستغرقة في شهادة الحق لأنهم في محل المحو {قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ } أي مقيماً للعدل بإعطاء كل من الظهور ما هو له بحسب الاستعداد/ فيتجلى عليه على قدر دعائه {لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ} فلا يصل أحد إلى معرفة كنهه وكنه معرفته {أية : ٱلْحَكِيمُ }تفسير : [آل عمران: 18] الذي يدبر كل شيء فيعطيه من مراتب التوحيد ما يطيق {إِنَّ الدّينَ } المرضي {أية : عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ } تفسير : [آل عمران: 19] وهو المقام الإبراهيمي المشار إليه بقوله: {أية : أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ }تفسير : [آل عمران: 20] أي نفسي وجملتي وانخلعت عن آنيتي لله تعالى ففنيت فيه {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَٰتِ ٱللَّهِ} وهم المحجوبون عن الدين والساترون للحق بالميل مع الشهوات {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيّينَ } الداعين إلى التوحيد وهم العباد والواصلون الكاملون {وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ } وهو نفي الأغيار وقصر الوجود الحق على الله تعالى {مِنَ ٱلنَّاسِ }، ويحتمل أن يشار ـ بالذين كفروا ـ إلى قوى النفس الأمارة ـ وبالنبيين ـ إلى أنبياء القلوب المشرفة بوحي إلهام الغيوب، وبالآمرين بالقسط القوى الروحانية التي هي من جنود أولئك الأنبياء وأتباعهم، فبشر أولئك الكافرين {أية : بعذاب أليم}تفسير : [آل عمران: 21] وهو عذاب الحجاب والبعد عن حضرة رب الأرباب {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ } أي بطلت وانحطت عن حيز الاعتبار {أَعْمَـٰلَهُمْ } لعدم شرطها وهو التوحيد {فِى ٱلدُّنْيَا } وهي عالم الشهادة {وَٱلأَْخِرَةِ } وهي عالم الغيب {أية : وَمَا لَهُم مّن نَّـٰصِرِينَ }تفسير : [آل عمران: 22] لسوء حظهم وقلة استعدادهم {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } كعلماء السوء وأحبار الضلال {يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } الناطق بمقام الجمع والفرق {لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } وبين الموحدين {أية : ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ }تفسير : [آل عمران: 23] عن قبول الحق لفرط حجابهم واغترارهم بما أوتوا {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ } نار البعد {إِلا أَيَّامًا مَّعْدُودٰتٍ } أي قليلة يسيرة {وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم } الذي هم عليه {أية : مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } تفسير : [آل عمران: 24] من القضايا والأقيسة التي جاءت بها عقولهم المشوبة بظلمات الوهم والخيال {فَكَيْفَ } يكون حالهم {إِذَا جَمَعْنَـٰهُمْ } بعد تفرقهم في صحراء الشكوك وتمزيق سباع الأوهام لهم {لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } وهو يوم القيامة الكبرى الذي يظهر فيه الحق لمنكره، {وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ } صالحة وطالحة {مَّا كَسَبَتْ } بواسطة استعدادها {أية : وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } تفسير : [آل عمران: 25] جزاء ذلك {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ } أي الملك المتصرف في مظاهرك من غير معارض ولا مدافع حسبما تقتضيه الحكمة {تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَاء } وهو من اخترته للرياسة الباطنة وجعلته متصرفاً بإرادتك وقدرتك {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء } بأن تنقله إلى غيره باستيفاء مدة إقامته في عالم الأجسام وتكميل النشأة، أو تحرم من تشاء عن إيتاء ذلك الملك لظلمه المانع له من أن ينال عهدك أو يمنح رفدك {وَتُّعِزُّ مَن تَشَاء } بإلقاء نور من أنوار عزتك عليه فإن العزة لله جميعاً {وَتُذِلُّ مَن تَشَاء } بسلب لباس عزتك عنه فيبقى ذليلاً {أية : بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ }تفسير : [آل عمران: 26] كله وأنت القادر مطلقاً تعطي على حسب مشيئتك وتتجلى طبق إرادتك وتمنح بقدر قابلية مظاهرك {تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلْنَّهَارِ } تدخل ظلمة النفس في نور القلب فيظلم {وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ } وتدخل نور القلب في ظلمة النفس فتستنير وتخلطهما معاً مع بعد المناسبة بينهما {وَتُخْرِجُ } حي القلب من ميت النفس وميت النفس من حي القلب، أو تخرج حي العلم من ميت الجهل وميت الجهل من حي العلم {وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء } من النعم الظاهرة والباطنة، أو من إحداهما فقط {أية : بِغَيْرِ حِسَابٍ } تفسير : [آل عمران: 27] إذ لا حجر عليك. هذا ولما بين سبحانه أن إعطاء الملك والإعزاز من الله تعالى وأنه على كل شيء قدير نبه المؤمنين على أنه لا ينبغى أن يوالوا أعداء الله تعالى لقرابة أو صداقة جاهلية أو نحوهما أو أن لا يستظهروا بهم لأنه تعالى هو المعز والقادر المطلق بقوله عز قائلاً: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاءَ}.
القطان
تفسير : تولج: تدخل. انك تُدخل بعض الليل في النهار فيقصُر الليل من حيث يطول النهار، وتدخل بعض النهار في الليل فيطول الليل من حيث يقصر النهار. كل هذا بحكمتك في خلق الكون، فهل من ينكر بعد هذا ان تؤتي النبوةَ والملك من تشاء! إن تصرّفك بشئون الناس كمثل تصرفك في الليل والنهار. وتُخرج الحيَّ من الميت: كالعالِم من الجاهل والمؤمن من الكافر، والنخلة من النواة، والانسان من النطفة، والطائر من البيضة. وتُخرج الميت من الحيّ: كالجاهل من العالم، والكافر من المؤمن، والنواة من النخلة، والبيضة من الطائر. وترزُق من تشاء بغير حساب: فتهب عطاءك الواسع من تشاء، فلا رقيب يحاسبك. ومن كان هذا شأنه لا يعجزه ان يمنح رسوله وأصفياءه السيادة والسلطان كما وعدهم، اذا هم استقاموا على الطريقة المثلى، وساروا على الصراط المستقيم. قراءات: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر "الميت" بسكون الياء.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱللَّيْلَ} {ٱلْلَّيْلِ} (27) - إنَّكَ يَا رَبِّ تَأخُذُ مِنْ طُولِ النَّهَارِ فَتَزيدُ فِي اللَّيلِ، ثُمَّ تَزيدُ فِي النَّهَارِ وَتأخُذُ مِنْ طُولِ اللَّيلِ، وَهَكَذا فِي فُصُولِ السَّنَةِ، وَتُخْرِجُ الزَّرْعَ الحَيَّ مِنَ الحَبِّ المَيِّتِ، وَتُخْرِجُ الحَبَّ المَيِّتَ مِنَ الزَّرْعِ الحَيِّ، وَالبَيْضَ مِنَ الدَّجَاجِ، وَالدَّجَاجَ مِنَ البَيْضِ، وَالنَّخْلَةَ مِنَ النَّوَاةِ. (وَقَالَ الدُّكْتُورُ عَبْدُ العَزِيزِ إسْمَاعِيلُ: إنَّ النُطْفَةَ شَيءٌ حَيٌّ، وَكَذَلِكَ النَّواةُ. وَإنَّ التَفْسِيرَ الصَّحِيحَ لِقَولِهِ تَعَالَى {وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} هُوَ ما يَحْصُلُ يَوْمِياً مِنْ أنَّ الحَيَّ يَنْمُو بِأكْلِ الأشْياءِ المَيِّتَةِ، فَالصَّغِيرُ يَكْبُرُ جِسْمُهُ بِتَغْذِيَتِهِ بِاللَّبَنِ وَغَيرِهِ، وَالغِذاءُ شَيءٌ مَيِّتٌ. وَإنَّ القُدْرَةَ عَلَى تَحْويلِ الشَّيءِ المَيِّتِ الذِي يأكُلُه إلى عَنَاصِرَ وَمَوَادَّ مِنْ نَوعِ جِسْمِهِ فَتَكُونُ سَبَباً فِي نُمُوِّ جِسْمِهِ، هُوَ أهَمُّ عَلاَمَةٍ تَفْصِلُ الجِسْمَ الحَيَّ عَنِ الجِسْمِ المَيِّتِ). وَإنَّكَ يَا رَبِّ تَهَبُ عَطَاءَكَ الوَاسِعَ مَنْ تَشَاءُ وَفْقَ حِكْمَتِكَ فَلاَ رَقِيبَ عَلَيكَ يُحَاسبُكَ عَلَى مَا تَعْمَلُ. بِغَيْرِ حِسَابٍ - بِلا نِهَايَةٍ لِمَا تُعْطِي. الوُلُوجُ - الدُّخُولُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إن الحق يقول لنا: عندكم ظاهرة تختلف عليكم، وهي الليل والنهار، وظاهرة أخرى، هي الحياة والموت. إن ظاهرة الليل والنهار كلنا نعرفها لأنها آية من الآيات العجيبة، والحق يقول عنها: {تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} [آل عمران: 27] إن الحق لم يصنع النهار بكمية محددة من الوقت متشابهة في كل مرة، لا، إنه سبحانه شاء لليل أن ينقص أحياناً عن النهار خمس ساعات، وأحياناً يزيد النهار على الليل خمس ساعات. ولنا أن نتساءل .. هل تنقص الخمس الساعات من الليل أو النهار مرة واحدة وفجأة؟ هل يفاجئنا النهار بعد أن يكون اثنتي عشرة ساعة ليصبح سبع عشرة ساعة؟ هل يكون الليل مفاجئاً لنا في الطول أو القصر؟ لا، إن المسألة تأتي تباعاً، بالدورة، بحيث لا تحس ذلك، إن هناك نوعاً من الحركة اسمها الحركة الترسية. إننا عندما ننظر إلى الساعة التي تدور نجد أن دورتها تعتمد على التروس، فهل يمشي عقرب الساعة في كل الزمن؟ لا، إن كل ترس له زمن يتوقف فيه، وعندما يتوقف فإننا ندفع به ليعيد دورته، ويعمل، وإذا دققنا النظر في عقرب الدقائق فإننا نستطيع أن نلحظ ذلك. إذن هناك فترة توقف وسكون بين انتقال عقرب الدقائق من دقيقة إلى أخرى، وهذا اللون من الحركة نسميه "حركة ترسية"، وهناك حركة أخرى ثانية، نسميها "حركة انسيابية"، بحيث يكون كل جزء من الزمن له حركة، كما يحدث الأمر في ظاهرة النمو بالنسبة للإنسان والنبات والحيوان. إن الطفل الوليد لا يكبر من الصباح إلى المساء بشكل جزئي، أو محسوس، إنه يكبر بالفعل دون أن نلحظ ذلك، وقد يزيد بمقدار ملليمتر في الطول، وهذا الملليمتر شائع في كل ذرات الثواني من النهار، إن الطفل لا يظل على وزنه وطوله أربعاً وعشرين ساعة من النهار، ثم يكبر فجأة عند انتهاء اليوم، لا، إن نمو الطفل كل يوم يتم بطريقة تشيع فيها قدرة النمو في كل ذرات الثواني من النهار، وهذه العملية تحتاج إلى الدقة المتناهية في توزيع جزئيات الحدث على جزئيات الزمان، وهذه هي العظمة للقدرة الخالقة التي يظل الإنسان عاجزاً عنها إلى الأبد. وقد قلت لكم مرة: إن الواحد منكم إن نظر إلى ابنه الوليد، وظل ناظراً له طوال العمر فلن يلحظ الإنسان منكم كبر ابنه على الإطلاق، لكن عندما يغيب الإنسان عن ابنه شهراً أو شهوراً، ثم يعود، هنا يرى في ابنه مجموع نمو الشهور التي غاب عنه وقد أصبح واضحاً. ولو زرع الإنسان نباتاً ما، وجلس ينظر إلى هذا النبات، فهو لن يرى أبداً نمو هذا النبات لماذا؟ لأن الجزئيات تكبر دون قدرة على أن يلمس الإنسان طريقة نموها. ولنا أن نعرف أن كل ما يكبر إنما يصغر أيضاً، ولا توجد عند الإنسان قدرة للملاحظة المباشرة لذلك، وفي الحياة أمثلة أخرى، نأخذ منها هذا المثل، فعندما قام العلماء بتصوير الأرض من الأقمار الصناعية، كانت الصور الأولى لمدينة نيويورك هي صورة لنقطة بسيطة، وعندما قام العلماء بتكبير هذه الصور ظهرت الجزئيات، كالشوارع وغيرها، أين كانت الشوارع في هذه النقطة الصغيرة؟ لقد صغرت الشوارع أثناء التصوير بصورة تستحيل معها على آلات الإدراك عند الإنسان أن تراها، وذلك فلا بد من التكبير لهذه الصور حتى يمكن للإنسان أن يراها، ونحن نرى الشيء البعيد صغيراً، ولكما قربناه كبر في نظرنا. إذن فقول الله: {تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} [آل عمران: 27] هو لفت للانتباه البشري إلى أن الليل والنهار لا يفصل بينهما حد قاطع بنسبة متساوية لكل منهما، لا، إنه الحق بقدرته يدخل الليل في النهار، ويدخل النهار في الليل. إن معنى "تُولج" هو "تُدخل"، ومثال ذلك أن يؤذن المؤذن لصلاة المغرب في يوم ما عند الساعة الخامسة، ويؤذن المؤذن لصلاة المغرب في أيام أخرى في الساعة السابعة. إن ذلك لا يحدث فجأة، ولا يقفز المغرب من الخامسة إلى السابعة، إنما يحدث ذلك بانسيابية، ورتابة. ومن ذلك نتلقى الدرس والمثل. إنك أيها العبد إن رأيت ملكا قائماً على حضارة مؤصلة، فاعلم أن هناك عوامل دقيقة لا تراها بالعين تنخر في هذا الملك إلى أن يأتي يوم ينتهي فيه هذا الملك. وهكذا تنهار الحضارات بعد أن تبلغ أوج الارتقاءات، ويصل الناس فيها إلى استعدادات ضخمة وإمكانات هائلة، وذلك لأن عوامل الانهيار تنخر داخل هذه الحضارات. إن الحق يلفتنا إلى جلال قدرته وعظمة دقة صنعه، بمثل الليل والنهار: {تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} [آل عمران: 27]. ثم يأتي لنا الحق الأعلى بمثل آخر، فيقول: {وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ } [آل عمران: 27]، إنها القدرة المطلقة بدون أسباب. والوقفة هنا تجعلنا نرى كيف اهتدينا بما أفاض الله على بعض خلقه من اكتشاف لبعض أسراره في كونه، لقد وصل العلم لمعرفة أن لكل شيء حياة خاصة، فنرى أن ورقة النبات تحدث فيها تفاعلات ولها حياة خاصة، ونرى أن الذرة فيها تفاعلات ولها حياة خاصة، والتفاعل معناه الحركة، والحياة كما تعرف مظهرها الحركة، وغاية ما هناك أنه يوجد فرق في رؤية الحياة عند العامة، ورؤية الحياة عند الخاصة. إن الإنسان العامى لا يعرف أن النطفة فيها حياة، وأن الحبة فيها حياة، ولا يعرف ذلك إلا الخاصة من أهل العلم. إن العامة من الناس لا يعرفون أن الحبة توجد لها حياة مرئية، ويكمن فيها نمو غير ظاهر، ولا يعرف العامة أن هناك فرقاً بين شيء حي، وشيء قابل لأن يحيا. ومثال ذلك نواة البلح التي نأخذها ونزرعها لتخرج منها النخلة، إنها كنواة تظل مجرد نواة إلى أن يأخذها الإنسان، ويضعها في بيئتها؛ لتخرج منها النخلة. إذن فالنواة قابلة للحياة، وعندما ننظر إلى ذرات التراب فإننا لا نستطيع أن نضعها في بيئة لنصنع منها شيئاً، ورغم ذلك فإن لذرة التراب حركة. ويقول العلماء: إن الحركة الموجودة في ذرات رأس عيدان علبة كبريت واحدة تكفي لإدارة قطار كهربائي بإمكانه أن يلف حول الكرة الأرضية عدداً من السنوات. إن هذه أمور يعرفها الخاصة، ولا يعرفها العامة. فإن نظرنا إلى العامة عندما يسمعون القول الحق: {وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ} [آل عمران: 27] كانوا يقولون: إن المثل على ذلك نواة البلح، وكانوا يعرفون أن النخلة تنمو من النواة. ولكن الخاصة بحثوا واكتشفوا أن في داخل النواة حياة وعرفوا كيفية النمو. وعرف العلماء أن لكل شيء في الوجود حياة مناسبة لمهمته .. فليست الحياة هي الحركة الظاهرة والنمو الواضح أمام العين فقط، لا، بل إن هناك حياة في كل شيء. إن العامة يمكنهم أن يجدوا المثال الواضح على أن الحق يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، أما الخاصة فيعرفون قدرة الله عن طريق معرفتهم أن كل شيء فيه حياة، فالتراب الذي نضع فيه البذر لو أخذنا بعضاً منه في مكان معزول، فلن يخرج منه شيء، هذا التراب هو ما يصفه العلماء بوصف "الميت في الدرجة الأولى" وأما النواة التي يمكن أن تأخذها وتضعها في هذا التراب، فيصفها العلماء بأنها "الميت من الدرجة الثانية". وعندما ننقل الميت في الدرجة الأولى ليكون وسطاً بيئياً للميت في الدرجة الثانية تظهر لنا نتائج تدلل على حياة كل من التراب والنواة معاً، وقد مس القرآن ذلك مساً دقيقاً، لأن القرآن حين يخاطب بأشياء قد تقف فيها العقول فإنه يتناولها التناول الذي تتقبلها به كل العقول، فعقل الصفوة يتقبلها وعقل العامة يتقبلها أيضاً، لأن القرآن عندما يلمس أي أمر إنما يلمسه بلفظ جامع راق يتقبله الجميع، ثم يكتشف العقل البشري تفاصيل جديدة في هذا الأمر. إن القرآن على سبيل المثال لم يقل لنا: إن الذرة فيها حركة وحياة وفيها شحنات من لون معين من الطاقة، ولكن القرآن تناول الذرة وغيرها من الأشياء بالبيان الإلهي القادر، وخصوصاً أن هذه الأشياء لم يترتب عليها خلاف في الحكم أو المنهج. فلو عرف الإنسان وقت نزول القرآن أن الذرة بها حياة فماذا الذي يزيد من الأحكام؟ ولو أن أحداً أثبت أن الذرة ليس بها حياة، فما الذي ينقص من أحكام المنهج الإيماني؟ لم يكن الأمر من ناحية الأحكام ليزيد أو لينقص، وعندما نأخذ القرآن مأخذ الواعين به، ونفهم معطيات الألفاظ، فإننا نجد أن كلمة "الحياة" لها ضد هو "الموت"، وقد ترك الحق سبحانه كلمة "الموت" في بعض المواقع من الكتاب الكريم وأورد لنا كلمة أخرى هي "الهلاك" قال الحق سبحانه: {أية : لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ}تفسير : [الأنفال: 42]. إن "الهلاك" هنا هو مقابل الحياة، لماذا لم يورد الحق كلمة "الموت" هنا؟ لانه الخالق الأعلم بعباده، يعلم أن العباد قد يختلفون في مسألة "الموت" فبعض منهم يقول تعريفاً للميت: إنه الذي لا توجد به حركة أو حس أو نمو، ولكن هذا الميت له حياة مناسبة له، كحياة الذرة أو حياة حبة الرمل، أو حياة أي شيء ميت، وهكذا عرفنا من الآية السابقة أن الحياة يقابلها الهلاك. ويقول الحق سبحانه عن الآخرة ليوضح لنا ما الذي سوف يحدث يوم القيامة: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}تفسير : [القصص: 88]. لقد استثنى الحق الوجه أو الذات الإلهية، وكل ما عداها هالك. وما دام كل شيء هالك فمعنى ذلك أن كل شيء كان حياً وإن لم ندرك له حياة. اذن فالحياة الحقيقية توجد في كل شيء بما يناسبه، مرة تدركها أنت، ومرة لا تدركها. إذن فقوله الكريم: {وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ} [آل عمران: 27] يجوز أن تأخذه مرة بالعرف العام، أو تأخذه بالعرف الخاص، أي عرف العلماء، وما دام ذلك أمراً ظاهراً في الوجود كولوج الليل في النهار وولوج النهار في الليل، أي أن الحق يدخل النهار في الليل، ويدخل الليل في النهار. وفي اللغة يسمون بطانة الرجل - أي خاصة أصدقائه - "الوليجة" لماذا؟ لأنها تتداخل فيه، لأنك إن أردت أن تعرف سر واحد من البشر فاجلس مع صديق له أو عددٍ من أصدقائه الذين يتداخلون معه. لذلك جاء أمر إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل بالوضوح الكامل، وجاءت مسألة الحياة والموت بألفاظ يمكن أن يفهمها كل من العامة والخاصة. وإذا كانت تلك الظواهر هي بعض من قدرات الله فمن إذن يستكثر على الله قدرته في أنه يؤتي الملك من يشاء، ويعز من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويذل من يشاء؟ لقد جاء الدليل من الآيات الكونية، ونراه كل يوم رأي العين. {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ.. تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 27].إنك أنت يا الله، الذي أجريت في كونك كل هذه المسائل وهي كلها أمور من الخير، وإن بدا للبعض أن الخير فيها غير ظاهر. إن الإنسان عندما يرى في ابنه شيئا يحتاج إلى علاج فإنه يسرع به إلى الطبيب ويرجوه أن يقوم بكل ما يلزم لشفاء الابن، حتى ولو كان الأمر يتطلب التدخل الجراحي. إن الأب هنا يفعل الخير للابن، والابن قد يتألم من العلاج، فإذا كان هذا أمر المخلوق في علاقته بالمخلوق، فما بالنا بالخالق الأكرم الذي يجري في ملكه ما يشاء، إيتاء ملك أو نزعه، وإعزازاً أو إذلالاً، فكل ذلك لا بد أن يكون من الخير، وآيات الله تشهد بأن الله على كل شيء قدير لذلك يأتي بعد الآية السابقة قوله: {تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 27]. فإذا كان هناك إنسان لم يفطن أبداً لمسألة إيلاج الليل في النهار أو إخراج الحي من الميت، فإنه لا بد أن يلتفت إلى رزقه، فكل واحد منا يتصل برزقه قهراً عنه، ولذلك جاء الحق سبحانه بهذا الأمر الواضح: {وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 27] وساعة تسمع كلمة "حساب" فإنك تعرف أن الحساب هو كما قلنا سابقاً: يبين لك مالك وما عليك. وعندما نتأمل قول الحق: {وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 27]. فإننا نعلم أن "الحساب" يقتضي "محاسباً" - بكسر السين ويقتضي "محاسباً" - بفتح السين ويقتضي "محاسباً عليه"، إن الحساب يقتضي تلك العناصر السابقة. فعندما يقول الحق: {وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 27] فلنا أن نقول: ممن؟ ولمن؟ من أين يأتي الرزق؟ وإلى أين؟ إنه يأتي من الله، ويذهب إلى ما يقدره الله لأن الله هو الرزّاق، وهو الحق وحده، وهو الذي لا يستطيع ولا يجرؤ أحد على حسابه، فهو سبحانه الذي يحاسبنا جميعاً، لا شريك له، وهو الفعال لما يريد. إن الحساب يجريه الله على الناس، وهو سبحانه لا يعطي الناس فقط على قدر حركتهم في الوجود، بل يرزقهم أحياناً بما هو فوق حركتهم. وقد يرزقك الله من شيء لم يكن محسوباً عندك؛ لأن معنى الحساب هو ذلك الأمر التقديري الذي يخطط له الإنسان، كالفلاح الذي يحسب عندما يزرع الفدان ويتوقع منه نتاجاً يساوي كذا إردباً أو قنطاراً، أو الصانع الذي يقدر لنفسه دخلاً محدداً من صنعته. هذا هو الحساب، لكن الإنسان قد يلتفت فيجد أن عطاء الله له من غير حساب. وقد يحسب الإنسان مرة ولا يأتي له الرزق. مثال ذلك: قالوا: إن دولة أعلنت أنها زرعت قمحاً يكفي الدنيا كلها، ولكن عندما نضج المحصول هبت عاصفة أهلكت الزرع، وأكلت هذه الدولة قمحها من الخارج. فمن قالوا عن أنفسهم: إنهم سيطعمون الناس أطعمهم الناس. أليس ذلك مصداقاً لقول الحق: "من غير حساب"؟ إنه الحق سبحانه لا يحسب حركتك إيها الإنسان ليعطيك قدرها، ولكنه قد يعطيك أحياناً فوق حركتك. ونحن نرى إخوتنا الذين أفاض الله عليهم بثروة البترول، لقد تفجر البترول من تحت أرجلهم دون جهد منهم إنه الله يريد أن يلفت الناس إلى قدرته جل وعلا، وأن الأرزاق في يده هو. وننظر إلى الناس الذين يشيرون إلى منطقة البترول فيتهمون أهلها بالكسل، ونجد ان الحق سبحانه وتعالى قد سخر لهم غير الكسالى ليخدموهم، وعندما أفاء على المنطقة العربية بالبترول احتاجت لهم الدول التي تقول عن نفسها: إنها متقدمة، إنه رزق بغير حساب. إن هذه اللفتات إنما تؤكد للمؤمن طلاقة القدرة، إن الحق قد خلق الأسباب، ولم يترك الأسباب تتحكم وحدها، وقد يترك الحق الأسباب للإنسان ليعمل بها، وقد لا يعطيه منها، ويعطي الحق الإنسان من جهة أخرى لم يحسب لها حساباً. والإنسان الذي يتأمل تقدير أموره أو أمور من يعرف، يجد أن تلك القضية منتشرة في كل الخلق، إنه سبحانه يرزق بغير حساب، ولا يقول: "لقد فعلت على قدر يساوي كذا"، والحق سبحانه يعطي بغير حساب من الإنسان؛ لأن الموازنة التي قد يقوم بها الإنسان قد يأتي لها من الأسباب ما يخرقها. إذن {وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 27] تعني قدرة الحق المطلقة على الرزق بغير حساب ولا توجد سلطة أعلى منه تقول له: لماذا فعلت؟ أو ماذا أعطيت؟ أو من غير حساب منه سبحانه لخلقه، فيأتي الرزق على ما هو فوق أسباب الخلق، أو من غير حساب للناس المرزوقين فيأتي رزقهم من حيث لم يقدروا، فإذا كانت كل هذه الأمور لله، وهو مالك الملك ويعطي من يشاء، ويعز من يشاء، ويولج الليل في النهار، ويرزق من يشاء بغير حساب، أليس من الحمق أن يذهب إنسان ليوالي من لا سلطان له ويترك هذا السلطان، إن من يوالي غير الله هو الذي استبد به الغباء. ولنفطن لتلك القضية الإيمانية: أي فما دامت كل الأمور عندي فإياكم أن توالوا خصومى، لأنني أنا الذي بيده كل شيء، هاهوذا القول الحق: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}تفسير : [آل عمران: 118]. إنه الحق يأمرنا ألا نوالي إلا الله، فإن كنت تجري حساباً لكل شيء وبتقدير مؤمن فلا توال إلا صاحب هذه الأشياء، وإياك أن تعمد إلى عدو لهذه القوة القاهرة القادرة المستبدة في كل أمور الكون ونواميسه، إياك أن تعمد الى أعداء الله لتتخذ منهم أولياء؛ لأنك لو فعلت تكون غير صائب التفكير.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ} معناهُ تَنْقُصُ مِن اللَّيلِ فتُزيدُ فِي النَّهارِ وكَذَلِكَ النَّهارُ فِي اللَّيلِ. تفسير : وقوله تعالى: {تُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} معناهُ الطَّيبُ مِنَ الخَبِيثِ والمُسْلِمُ من الكَافِرِ. ويقالُ: تُخرجُ الحَيَّ مَن النُطْفَةِ المَيتَةِ، وتُخْرِجُ النُطْفَةَ المَيتةَ مِن الحَيِّ.
الأندلسي
تفسير : {تُولِجُ ٱللَّيْلَ} الولوج الدخول وهو هنا كناية عما نقص من الليل زيد في النهار، وما نقص من النهار زيد في الليل وذكروا اختلافاً كثيراً في الحي والميت والذي نختاره أنه أريد به التوالد فيخرج الحي وهو الذي قامت به حياة من الميت وهو الذي يأتي عليه الموت ويؤول إليه فيكون هذا مجازاً باعتبار المآل. {وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ} الذي هو سيموت وهذا مجاز من الحي الذي قامت به حياة وظاهرة التوالد الإِنساني، ألا ترى إلى قوله تعالى: {وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ} فأتى بمن التي تطلق على العقلاء. {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ} أي بالمعاملة الحسنة في الأفعال لقرابة أو صداقة وأما بالقلب فمنهي عنه، ولا يصدر ذلك عن مؤمن، بل المؤمن يوالي المؤمن بالمودة في الأفعال وبالقلب. ثم توعد تعالى بقوله: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} أي موالاة الكفار. {فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ} أي هو بريء من الله. قال ابن عطية: فليس من الله في شيء معناه في شيء فرضيّ على الكمال والصواب، وهذا كما قال عليه السلام: من غشنا فليس منا. وفي الكلام حذف مضاف تقديره فليس من التقرب إلى الله والتزلف ونحو هذا وقوله في شيء هو في موضع نصب على الحال من الضمير الذي في قوله: ليس من الله. "انتهى". هذا كلام مضطرب لأن تقديره فليس من التقرب إلى الله يقتضي أن لا يكون من الله خبراً لليس ولا يستقبل: وقوله: في شيء، هو في موضع نصب على الحال يقتضي أن لا يكون خبر فتبقى ليس على قوله لا يكون لها خبر وذلك لا يجوز وتشبيهه بقوله صلى الله عليه وسلم: من غشنا فليس منا إلى آخره. ليس بجيد لأن منّا خبر ليس وتستقل به الفائدة. وفي الآية ليس كذلك بل الخبر في شيء فليس الحديث كالآية. وكذلك قوله: شعر : إذا حاولت في أسد فجورا فإِني لست منك ولست مني تفسير : وقرىء لا يتخذ برفع الذال على النفي والمراد به النهي، وفي قوله: فليس من الله محذوف تقديره من ولاية الله في شيء ومن دون متعلق بقوله: لا يتخذ والمعنى لا تجعلوا ابتداء الولاية من مكان دون مكان المؤمنين. {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ} استثناء مفرغ من المفعول له. والمعنى لا يتخذ مؤمن كافر الشيء من الأشياء إلا بسبب التقية فيجوز إظهار الموالاة باللفظ والفعل دون ما ينعقد عليه القلب. وقال ابن عباس: التقية هنا المداراة ظاهرة، وقال: يكون مع الكفار أو بين أظهرهم فيتقيهم بلسانه ولا مودة لهم في قلبه وتتقوا خطاب وهو التفات لأنه خرج من الغيبة إلى الخطاب ولو جاء على نظم الأول لكان إلا أن يتقوا بالياء المعجمة من أسفل، وهذا النوع في غاية الفصاحة لأنه لما كان المؤمنون نهوا عن فعل ما لا يجوز جعل ذلك في اسم غايب فلم يواجهوا بالنهي ولما وقعت المسامحة والإِذن في بعض ذلك ووجهوا بذلك إيذاناً بلطف الله تعالى بهم وتشريفاً بخطابه إياهم. وقرىء تقاة وتقيّة وأصل تقاة وقَيَه أبدلت الواو فيها تاء وهما مصدران جاءا على غير الصدر لأنه لو جاء على تتقوا لكان اتقاء وتجويز أبي على أن تكون تقاة جمعاً لتقي فيكون نصبه على الحال المؤكدة كتقية بعيد لأنه يكون مثل كميّ وكماة وهو شاذ وقياس تقيّ أن يقال أتقياء كغنى أغنياء. قال الزمخشري: إلا أن تخافوا من جهتهم أمراً يجب اتقاؤه فنصب تقاة على أنه مفعول به ويدل على المصدرية قوله تعالى: {أية : حَقَّ تُقَاتِهِ}تفسير : [آل عمران: 102]. {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} قال ابن عباس: بطشه. {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} أي الصيرورة والمرجع فيجازيكم ان ارتكبتم موالاتهم بعد النهي.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 140 : 4 : 19 - سفين عن الأعمش عن إبراهيم في قوله {تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} قال، دخول الليل في النهار ودخول النهار في الليل .. [الآية 27]. 141 : 5 : 20 - سفين عن الأعمش عن إبراهيم قال، {وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ} قال، تخرج النطفة الميتة من الرجل الحي، وتخرج الحي من النطفة الميتة. [الآية 27].
همام الصنعاني
383تفسير : - عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ}: [الآية: 27]، قال: هو نقصان أحدهما في الآخر. 384- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ}: [الآية: 27]، قال: يُخرج الحيَّ من هذه النطفة الميتة، ويُخرج هذه النطفة الميتة من الحيّ. 385- قال معمر وقال الحسن: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. 386- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن الزهري: حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على بعض نسائه، فإذا عندها امرأة حسنة الهيئة، فقال: من هذه؟ قالت: إحدى خالاتك! قال: إن خالاتي بهذه البلدة لغرائب! وأيّ خالاتي هذه! قالت: بنت الأسود بن يغوث، قال: سبحان الله الذي يُخْرِجُ الحيَّ من المَيِّت! وكانت امرأةً صالحة، وكان أبوها كافراً .
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):