Verse. 321 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُوْنَ الْكٰفِرِيْنَ اَوْلِيَاۗءَ مِنْ دُوْنِ الْمُؤْمِنِيْنَ۝۰ۚ وَمَنْ يَّفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللہِ فِيْ شَيْءٍ اِلَّاۗ اَنْ تَتَّقُوْا مِنْھُمْ تُقٰىۃً۝۰ۭ وَيُحَذِّرُكُمُ اللہُ نَفْسَہٗ۝۰ۭ وَاِلَى اللہِ الْمَصِيْرُ۝۲۸
La yattakhithi almuminoona alkafireena awliyaa min dooni almumineena waman yafAAal thalika falaysa mina Allahi fee shayin illa an tattaqoo minhum tuqatan wayuhaththirukumu Allahu nafsahu waila Allahi almaseeru

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء» يوالونهم «من دون» أي غير «المؤمنين ومن يفعل ذلك» أي يواليهم «فليس من» دين «الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة» مصدر تقيته أي تخافوا مخافة فلكم موالاتهم باللسان دون القلب وهذا قبل عزَّة الإسلام ويجري فيمن هو في بلد ليس قويا فيها «ويحذركم» يخوفكم «الله نفسه» أن يغضب عليكم إن واليتموهم «وإلى الله المصير» المرجع فيجازيكم.

28

Tafseer

الرازي

تفسير : في كيفية النظم وجهان الأول: أنه تعالى لما ذكر ما يجب أن يكون المؤمن عليه في تعظيم الله تعالى، ثم ذكر بعده ما يجب أن يكون المؤمن عليه في المعاملة مع الناس، لأن كمال الأمر ليس إلا في شيئين: التعظيم لأمر الله تعالى، والشفقة على خلق الله قال: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } الثاني: لما بيّن أنه تعالى مالك الدنيا والآخرة بين أنه ينبغي أن تكون الرغبة فيما عنده، وعند أوليائه دون أعدائه. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في سبب النزول وجوه الأول: جاء قوم من اليهود إلى قوم المسلمين ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة بن المنذر، وعبد الرحمٰن بن جبير، وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر من المسلمين: اجتنبوا هؤلاء اليهود، واحذروا أن يفتنوكم عن دينكم فنزلت هذه الآية والثاني: قال مقاتل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره، وكانوا يتولون اليهود والمشركين ويخبرونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية الثالث: أنها نزلت في عبادة بن الصامت وكان له حلفاء من اليهود، ففي يوم الأحزاب قال يا نبي الله إن معي خمسمائة من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فنزلت هذه الآية. فإن قيل: إنه تعالى قال: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَىْء } وهذه صفة الكافر. قلنا: معنى الآية فليس من ولاية الله في شيء، وهذا لا يوجب الكفر في تحريم موالاة الكافرين. واعلم أنه تعالى أنزل آيات كثيرة في هذا المعنى منها قوله تعالى: {أية : لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ } تفسير : [آل عمران: 118] وقوله {أية : لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاْخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } تفسير : [المجادلة: 22] وقوله {لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَاء } وقوله {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء } تفسير : [الممتحنة: 1] وقال: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } تفسير : [التوبة: 71]. واعلم أن كون المؤمن موالياً للكافر يحتمل ثلاثة أوجه أحدها: أن يكون راضياً بكفره ويتولاه لأجله، وهذا ممنوع منه لأن كل من فعل ذلك كان مصوباً له في ذلك الدين، وتصويب الكفر كفر والرضا بالكفر كفر، فيستحيل أن يبقى مؤمناً مع كونه بهذه الصفة. فإن قيل: أليس أنه تعالى قال: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَىْء } وهذا لا يوجب الكفر فلا يكون داخلاً تحت هذه الآية، لأنه تعالى قال: {يا أيها الذين آمنوا} فلا بد وأن يكون خطاباً في شيء يبقى المؤمن معه مؤمناً وثانيها: المعاشرة الجميلة في الدنيا بحسب الظاهر، وذلك غير ممنوع منه. والقسم الثالث: وهو كالمتوسط بين القسمين الأولين هو أن موالاة الكفار بمعنى الركون إليهم والمعونة، والمظاهرة، والنصرة إما بسبب القرابة، أو بسبب المحبة مع اعتقاد أن دينه باطل فهذا لا يوجب الكفر إلا أنه منهي عنه، لأن الموالاة بهذا المعنى قد تجره إلى استحسان طريقته والرضا بدينه، وذلك يخرجه عن الإسلام فلا جرم هدد الله تعالى فيه فقال: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَىْء }. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من الآية النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء بمعنى أن يتولوهم دون المؤمنين، فأما إذا تولوهم وتولوا المؤمنين معهم فذلك ليس بمنهي عنه، وأيضاً فقوله {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء } فيه زيادة مزية، لأن الرجل قد يوالي غيره ولا يتخذه موالياً فالنهي عن اتخاذه موالياً لا يوجب النهي عن أصل مولاته. قلنا: هذان الاحتمالان وإن قاما في الآية إلا أن سائر الآيات الدالة على أنه لا تجوز موالاتهم دلّت على سقوط هذين الاحتمالين. المسألة الثانية: إنما كسرت الذال من يتخذ لأنها مجزوم للنهي، وحركت لاجتماع الساكنين قال الزجاج: ولو رفع على الخبر لجاز، ويكون المعنى على الرفع أن من كان مؤمناً فلا ينبغي أن يتخذ الكافر ولياً. واعلم أن معنى النهي ومعنى الخبر يتقاربان لأنه متى كانت صفة المؤمن أن لا يوالي الكافر كان لا محالة منهياً عن موالاة الكافر، ومتى كان منهياً عن ذلك، كان لا محالة من شأنه وطريقته أن لا يفعل ذلك. المسألة الثالثة: قوله {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أي من غير المؤمنين كقوله {أية : وَٱدْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ }تفسير : [البقرة: 23] أي من غير الله، وذلك لأن لفظ دون مختص بالمكان، تقول: زيد جلس دون عمرو أي في مكان أسفل منه، ثم إن من كان مبايناً لغيره في المكان فهو مغاير له فجعل لفظ دون مستعملاً في معنى غير، ثم قال تعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَىْء } وفيه حذف، والمعنى فليس من ولاية الله في شيء يقع عليه اسم الولاية يعني أنه منسلخ من ولاية الله تعالى رأساً، وهذا أمر معقول فإن موالاة الولي، وموالاة عدوه ضدان قال الشاعر:شعر : تود عدوي ثم تزعم أنني صديقك ليس النوك عنك بعازب تفسير : ويحتمل أن يكون المعنى: فليس من دين الله في شيء وهذا أبلغ. ثم قال تعالى: {إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ الكسائي: تقاة بالإمالة، وقرأ نافع وحمزة: بين التفخيم والإمالة، والباقون بالتفخيم، وقرأ يعقوب تقية وإنما جازت الإمالة لتؤذن أن الألف من الياء، وتقاة وزنها فعلة نحو تؤدة وتخمة، ومن فخم فلأجل الحرف المستعلي وهو القاف. المسألة الثانية: قال الواحدي: تقيته تقاة، وتقى، وتقية، وتقوى، فإذا قلت اتقيت كان مصدره الاتقياء، وإنما قال تتقوا ثم قال تقاة ولم يقل اتقاء اسم وضع موضع المصدر، كما يقال: جلس جلسة، وركب ركبة، وقال الله تعالى: {أية : فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } تفسير : [آل عمران: 37] وقال الشاعر:شعر : وبعـد عطـائـك المائـة الرتـاعـا تفسير : فأجراه مجرى الإعطاء، قال: ويجوز أن يجعل تقاة ههنا مثل رماة فيكون حالاً مؤكدة. المسألة الثالثة: قال الحسن أخذ مسيلمة الكذاب رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأحدهما: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم نعم نعم، فقال: أفتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم، وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة، ومحمد رسول قريش، فتركه ودعا الآخر فقال أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: أفتشهد أني رسول الله؟ فقال: إني أصم ثلاثا، فقدمه وقتله فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: [حديث : أما هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيئاً له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه.] تفسير : واعلم أن نظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَـٰنِ } تفسير : [النحل: 106]. المسألة الرابعة: اعلم أن للتقية أحكاماً كثيرة ونحن نذكر بعضها. الحكم الأول: أن التقية إنما تكون إذا كان الرجل في قوم كفار، ويخاف منهم على نفسه وماله فيداريهم باللسان، وذلك بأن لا يظهر العداوة باللسان، بل يجوز أيضاً أن يظهر الكلام الموهم للمحبة والموالاة، ولكن بشرط أن يضمر خلافه، وأن يعرض في كل ما يقول، فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب. الحكم الثاني للتقية: هو أنه لو أفصح بالإيمان والحق حيث يجوز له التقية كان ذلك أفضل، ودليله ما ذكرناه في قصة مسيلمة. الحكم الثالث للتقية: أنها إنما تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة والمعاداة، وقد تجوز أيضاً فيما يتعلق بإظهار الدين فأما ما يرجع ضرره إلى الغير كالقتل والزنا وغصب الأموال والشهادة بالزور وقذف المحصنات واطلاع الكفار على عورات المسلمين، فذلك غير جائز ألبتة. الحكم الرابع: ظاهر الآية يدل أن التقية إنما تحل مع الكفار الغالبين إلا أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أن الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين حلت التقية محاماة على النفس. الحكم الخامس: التقية جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال يحتمل أن يحكم فيها بالجواز، لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : حرمة مال المسلم كحرمة دمه» تفسير : ولقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قتل دون ماله فهو شهيد» تفسير : ولأن الحاجة إلى المال شديدة والماء إذا بيع بالغبن سقط فرض الوضوء، وجاز الاقتصار على التيمم دفعاً لذلك القدر من نقصان المال، فكيف لا يجوز ههنا، والله أعلم. الحكم السادس: قال مجاهد: هذا الحكم كان ثابتاً في أول الإسلام لأجل ضعف المؤمنين فأما بعد قوة دولة الإسلام فلا، وروى عوف عن الحسن: أنه قال التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة، وهذا القول أولى، لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان. ثم قال تعالى: {وَيُحَذّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } وفيه قولان الأول: أن فيه محذوفاً، والتقدير: ويحذركم الله عقاب نفسه، وقال أبو مسلم المعنى {وَيُحَذّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } أن تعصوه فتستحقوا عقابه والفائدة في ذكر النفس أنه لو قال: ويحذركم الله فهذا لا يفيد أن الذي أريد التحذير منه هو عقاب يصدر من الله أو من غيره، فلما ذكر النفس زال هذا الاشتباه، ومعلوم أن العقاب الصادر عنه يكون أعظم أنواع العقاب لكونه قادراً على ما لا نهاية له، وأنه لا قدرة لأحد على دفعه ومنعه مما أراد. والقول الثاني: أن النفس ههنا تعود إلى اتخاذ الأولياء من الكفار، أي ينهاهم الله عن نفس هذا الفعل. ثم قال: {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ } والمعنى: إن الله يحذركم عقابه عند مصيركم إلى الله.

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قال ٱبن عباس: نهى الله المؤمنين أن يلاطفوا الكفار فيتخذوهم أولياء؛ ومثله {أية : لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ} تفسير : [آل عمران: 118] وهناك يأتي بيان هذا المعنى. ومعنى {فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ} أي فليس من حزب الله ولا من أوليائه في شيء؛ مثل {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82]. وحكى سيبويه «هو مِني فرسخين» أي من أصحابي ومعي. ثم ٱستثنى وهي: الثانية: فقال: {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً} قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التقِية في جِدّة الإسلام قبل قوّة المسلمين؛ فأما اليوم فقد أعز الله الإسلام أن يتقوا من عدوّهم. قال ٱبن عباس: هو أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا يُقتل ولا يأتي مَأْثَما. وقال الحسن: التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة، ولا تقية في القتل. وقرأ جابر بن زيد ومجاهد والضحاك: «إلاّ أن تَتَّقُوا منهم تَقِيَّةً» وقيل: إن المؤمن إذا كان قائماً بين الكفار فله أن يداريهم باللسان إذا كان خائفاً على نفسه وقلبُه مطمئن بالإيمان. والتقِية لا تحِل إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم. ومن أكره على الكفر فالصحيح أن له أن يتصلّب ولا يجيب إلى التلفظ بكلمة الكفر؛ بل يجوز له ذلك على ما يأتي بيانه في «النحل» إن شاء الله تعالى. وأمالَ حمزة والكسائي «تقاة»، وفخم الباقون؛ وأصل «تقاة» وُقَيَة على وزن فُعَلَة؛ مثل تُؤَدَة وتُهَمة، قلبت الواو تاء والياء ألفاً. وروى الضحاك عن ٱبن عباس أن هذه الآية نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدرِياً تقياً وكان له حِلف من اليهود؛ فلما خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب قال عبادة: يا نبيّ الله، إن معي خمسمائة رجل من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي فٱستظهر بهم على العدوّ. فأنزل الله تعالى: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} الآية. وقيل: إنها نزلت في عمار بن ياسِر حين تكلم ببعض ما أراد منه المشركون، على ما يأتي بيانه في «النحل». قوله تعالى: {وَيُحَذِّرْكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} قال الزجاج: أي ويحذركم الله إياه. ثم ٱستغنوا عن ذلك بذا وصار المستعمل؛ قال تعالى: {أية : تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} تفسير : [المائدة: 116] فمعناه تعلم ما عندي وما في حقيقتي ولا أعلم ما عندك ولا ما في حقيقتك. وقال غيره: المعنى ويحذركم الله عقابِه؛ مثل «وٱسألِ القرية». وقال: «تعلم ما في نفسي» أي مغيَّبي، فجعلت النفس في موضع الإضمار لأنه فيها يكون. {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} أي وإلى جزاء الله المصير. وفيه إقرار بالبعث.

البيضاوي

تفسير : {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء} نهوا عن موالاتهم لقرابة وصداقة جاهلية ونحوهما، حتى لا يكون حبهم وبغضهم إلا في الله، أو عن الاستعانة بهم في الغزو وسائر الأمور الدينية. {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } إشارة إلى أنهم الأحقاء بالموالاة، وأن في موالاتهم مندوحة عن موالاة الكفرة. {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} أي اتخاذهم أولياء. {فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْء} أي من ولايته في شيء يصح أن يسمى ولاية، فإن موالاة المتعاديين لا يجتمعان قال:شعر : تَوَدُّ عَدُوي ثُمَّ تَزْعُمُ أَنَّني صَدِيْقُكَ لَيْسَ النوك عَنْكَ بِعَازِبِ تفسير : {إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً} إلا أن تخافوا من جهتهم ما يجب اتقاؤه، أو اتقاء. والفعل معدى بمن لأنه في معنى تحذروا وتخافوا. وقرأ يعقوب «تقية». منع عن موالاتهم ظاهراً وباطناً في الأوقات كلها إلا وقت المخافة، فإن إظهار الموالاة حينئذ جائز كما قال عيسى عليه السلام: كن وسطاً وامش جانباً. {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} فلا تتعرضوا لسخطه بمخالفة أحكامه وموالاة أعدائه، وهو تهديد عظيم مشعر بتناهي النهي في القبح وذكر النفس، ليعلم أن المحذر منه عقاب يصدر منه تعالى فلا يؤبه دونه بما يحذر من الكفرة.

ابن كثير

تفسير : نهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين، وأن يتخذوهم أولياء يسرون إليهم بالمودة من دون المؤمنين، ثم توعد على ذلك، فقال تعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَىْءٍ} أي: ومن يرتكب نهي الله في هذا، فقد برىء من الله، كما قال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ} إلى أن قال: {وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ}، وقال تعالى: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} تفسير : [النساء: 144]، وقال تعالى: {أية : يَـٰۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} تفسير : [المائدة: 51] الآية، وقال تعالى بعد ذكر موالاة المؤمنين من المهاجرين والأنصار والأعراب: {أية : وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى ٱلاَْرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} تفسير : [الأنفال: 73]، وقوله تعالى: {إِلاَ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً} أي: إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره، لا بباطنه ونيته، كما قال البخاري عن أبي الدرداء: أنه قال: إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم. وقال الثوري: قال ابن عباس: ليس التقية بالعمل، إنما التقية باللسان، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس: إنما التقية باللسان، وكذا قال أبو العالية وأبو الشعثاء والضحاك والربيع بن أنس. ويؤيد ما قالوه قول الله تعالى: {أية : مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَـٰنِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَـٰنِ} تفسير : [النحل: 106] الآية. وقال البخاري: قال الحسن: التقية إلى يوم القيامة، ثم قال تعالى: {وَيُحَذِّرْكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} أي: يحذركم نقمته في مخالفته وسطوته وعذابه لمن والى أعداءه، وعادى أولياءه. ثم قال تعالى: {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} أي: إليه المرجع والمنقلب ليجازي كل عامل بعمله. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا مسلم بن خالد عن ابن أبي حسين، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون بن مهران، قال: قام فينا معاذ بن جبل، فقال: يا بني أود، إني رسول رسول الله إليكم، تعلمون أن المعاد إلى الجنة أو إلى النار.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَاءَ } يوالونهم {مِّن دُونِ } أي غير {ٱلْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ } أي يواليهم {فَلَيْسَ مِنَ } دين {ٱللَّهِ فِي شَىْء إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَٰةً } مصدر (تَقَيْتُه): أي (تخافوا مخافة) فلكم موالاتهم باللسان دون القلب وهذا قبل عزة الإسلام ويجري في بلدة ليس قوياً فيها {وَيُحَذِّرُكُمُ } يخوّفكم {ٱللَّهُ نَفْسَهُ } أن يغضب عليكم إن واليتموهم {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ } المرجع فيجازيكم.

الشوكاني

تفسير : قوله: {لاَّ يَتَّخِذِ } فيه النهي للمؤمنين عن موالاة الكفار لسبب من الأسباب، ومثله قوله تعالى: {أية : لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ... } تفسير : الآية [آل عمران: 118]، وقوله: {أية : وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ }تفسير : [المائدة: 51]، وقوله: {أية : لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ }تفسير : الآية، [المجادلة: 22] وقوله: {أية : لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَاء } تفسير : [المائدة: 51]، وقوله: {أية : &#1649 يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء } تفسير : [الممتحنة: 1] وقوله: {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } في محل الحال، أي: متجاوزين المؤمنين إلى الكافرين استقلالاً، أو اشتراكاً، والإشارة بقوله: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ } إلى الاتخاد المدلول عليه بقوله: {لاَّ يَتَّخِذِ } ومعنى قوله: {فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَىْء } أي: من ولايته في شيء من الأشياء، بل هو منسلخ عنه بكل حال. قوله: {إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً } على صيغة الخطاب بطريق الالتفات، أي: إلا أن تخافوا منهم أمراً يجب اتقاؤه، وهو: استثناء مفرغ من أعم الأحوال. وتقاة مصدر واقع موقع المفعول، وأصلها وقية على وزن فعلة قلبت الواو تاء، والياء ألفاً، وقرأ رجاء، وقتادة "تقية". وفي ذلك دليل على جواز الموالاة لهم مع الخوف منهم، ولكنها تكون ظاهراً لا باطناً. وخالف في ذلك قوم من السلف، فقالوا: لا تقية بعد أن أعز الله الإسلام. قوله: {وَيُحَذّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } أي: ذاته المقدسة، وإطلاق ذلك عليه سبحانه جائز في المشاكلة، كقوله: {أية : تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ }تفسير : [المائدة: 116] وفي غيرها. وذهب بعض المتأخرين، إلى منع ذلك إلا مشاكلة. وقال الزجاج: معناه: ويحذركم الله إياه، ثم استغنوا عن ذلك بهذا، وصار المستعمل. قال: وأما قوله: {تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ } فمعناه: تعلم ما عندي، وما في حقيقتي، ولا أعلم ما عندك، ولا ما في حقيقتك. وقال بعض أهل العلم: معناه: ويحذركم الله عقابه مثل {أية : وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ } تفسير : [يوسف: 82] فجعلت النفس في موضع الإضمار، وفي هذه الآية تهديد شديد، وتخويف عظيم لعباده أن يتعرضوا لعقابه بموالاة أعدائه. قوله: {قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ...} الآية: فيه أن كل ما يضمره العبد، ويخفيه، أو يظهره، ويبديه، فهو معلوم لله سبحانه، لا يخفى عليه منه شيء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة: {وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأرْضِ } مما هو أعم من الأمور التي يخفونها، أو يبدونها، فلا يخفى عليه ما هو أخص من ذلك. قوله: {يَوْمَ تَجِدُ } منصوب بقوله: {وَيُحَذّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } وقيل: بمحذوف، أي: اذكر، و {مُّحْضَرًا } حال، وقوله: {وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء } معطوف على "ما" الأولى: أي: وتجد ما عملت من سوء محضراً تود لو أن بينها، وبينه أمداً بعيداً. فحذف محضراً لدلالة الأول عليه، وهذا إذا كان {تجد} من وجدان الضالة، وأما إذا كان من وجد بمعنى علم كان محضراً، هو المفعول الثاني، ويجوز أن يكون قوله: {وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا } جملة مستأنفة، ويكون «ما» في: {ما عملت} مبتدأ، ويودّ: خبره. والأمد: الغاية، وجمعه آماد: أي: تودّ لو أن بينها، وبين ما عملت من السوء أمداً بعيداً، وقيل: إن قوله: {يَوْمَ تَجِدُ } منصوب بقوله: {تَوَدُّ } والضمير في قوله: {وَبَيْنَهُ } لليوم، وفيه بُعْد، وكرر قوله: {وَيُحَذّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } للتأكيد، وللاستحضار؛ ليكون هذا التهديد العظيم على ذكر منهم، وفي قوله: {وَٱللَّهُ رَءوفٌ بِٱلْعِبَادِ } دليل على أن هذا التحذير الشديد مقترن بالرأفة منه سبحانه بعباده لطفاً بهم. وما أحسن ما يحكى عن بعض العرب أنه قيل له: إنك تموت، وتبعث، وترجع إلى، الله فقال: أتهددونني بمن لم أر الخير قط إلا منه. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: كان الحجاج بن عمرو حليف كعب بن الأشرف، وابن أبي الحقيق، وقيس بن زيد قد بطنوا بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة ابن المنذر، وعبد الله بن جبير، وسعد بن خيثمة، لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء النفر من يهود، واحذروا مباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم، فأبى أولئك النفر، فأنزل الله فيهم: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } إلى قوله: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، من طرق عنه قال: نهى الله المؤمنين أن يلاطفوا الكفار، ويتخذوهم، وليجة من دون المؤمنين، إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين، فيظهرون لهم اللطف، ويخالفونهم في الدين، وذلك قوله تعالى: {إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَىْء } فقد بريء الله منه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: {إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً } قال: التقية باللسان من حمل على أمر يتكلم به، وهو معصية لله، فيتكلم به مخافة الناس، وقلبه مطمئن بالإيمان، فإن ذلك لا يضره، إنما التقية باللسان. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عنه في الآية قال: التقاة التكلم باللسان، والقلب مطمئن بالإيمان، ولا يبسط يده، فيقتل، ولا إلى إثم، فإنه لا عذر له. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية في الآية قال: التقية باللسان، وليس بالعمل. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة {إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً } قال إلا أن يكون بينك، وبينه قرابة، فتصله لذلك. وأخرج عبد بن حميد، والبخاري، عن الحسن قال: التقية جائزة إلى يوم القيامة. وحكى البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: إنا نبش في وجوه أقوام، وقلوبنا تلعنهم، ويدل على جواز التقية، قوله تعالى: {أية : إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَـٰنِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }تفسير : [النحل: 106]. ومن القائلين بجواز التقية باللسان أبو الشعثاء، والضحاك، والربيع بن أنس. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: {قُلْ إِن تُخْفُواْ } الآية قال: أخبرهم أنه يعلم ما أسروا، وما أعلنوا. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله {محضراً}، يقول: موفراً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن في الآية قال: يسر أحدكم أن لا يلقى عمله ذلك أبداً، يكون ذلك مناه. وأما في الدنيا، فقد كانت خطيئته يستلذها. وأخرجا أيضاً، عن السدي: {أَمَدَا بَعِيدًا } قال: مكاناً بعيداً. وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج {أمداً} قال: أجلاً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: {وَيُحَذّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَٱللَّهُ رَءوفُ بِٱلْعِبَادِ } قال: من رأفته بهم حذرهم نفسه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحاً وءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} في آل عمران قولان: أحدهما: أنه موسى وهارون ابنا عمران. والثاني: أنه المسيح، لأن مريم بنت عمران، وهذا قول الحسن. وفيما اصطفاهم به ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه اصطفاهم باختيار دينهم لهم، وهذا قول الفراء. والثاني: أنه اصطفاهم بتفضيلهم في الأمور التي ميزهم بها على أهل زمانهم. والثالث: أنه اصطفاهم باختيارهم للنبوة، وهذا قول الزجاج. قوله تعالى:{ذُرِّيَّةَ بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ} فيه قولان: أحدهما: أنهم صاروا ذرية بالتناصر لا بالنسب، كما قال تعالى: {أية : المُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ} تفسير : [التوبة: 67] يعني في الاجتماع على الضلال، وهذا قول الحسن، وقتادة. والثاني: أنهم في التناسل والنسب، إذ جميعهم من ذرية آدم، ثم من ذرية نوح، ثم من ذريةإبراهيم، وهذا قول بعض المتأخرين.

ابن عطية

تفسير : هذا النهي عن الاتخاذ إنما هو فيما يظهره المرء فأما أن يتخذه بقلبه ونيته فلا يفعل ذلك مؤمن، والمنهيون هنا قد قرر لهم الإيمان، فالنهي إنما هو عبارة عن إظهار اللطف للكافر والميل إليهم، ولفظ الآية عام في جميع الأعصار، واختلف الناس في سبب هذه الآية، فقال ابن عباس: كان كعب بن الأشرف وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد قد بطنوا بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر بن زبير وعبد الله بن جبير وسعد بن خيثمة لأولئك النفر اجتنبوا هؤلاء اليهود واحذروا مباطنتهم فأبى أولئك النفر إلا موالاة اليهود فنزلت الآية في ذلك، وقال قوم: نزلت الآية في قصة حاطب بن أبي بلتعة وكتابه إلى أهل مكة، والآية عامة في جميع هذا ويدخل فيها فعل أبي لبابة في إشارته إلى حلقه حين بعثه النبي عليه السلام في استنزال بني قريظة، وأما تعذيب بني المغيرة لعمار فنزل فيما أباح النبي عليه السلام لعمار {أية : إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} تفسير : [النحل: 106]. وقوله تعالى: {من دون} عبارة عن كون الشيء الذي تضاف إليه {دون} غائباً متنحياً ليس من الأمر الأول {في شيء}، وفي المثل، وأمر دون عبيدة الوذم كأنه من غير أن ينتهي إلى الشيء الذي تضاف إليه، ورتبها الزجاج المضادة للشرف من الشيء الدون فيما قاله نظر، قوله: {فليس من الله في شيء} معناه، في شيء مرضي على الكمال والصواب، وهذا كما قال النبي عليه السلام من غشنا فليس منا، وفي الكلام حذف مضاف تقديره، فليس من التقرب إلى الله أو التزلف ونحو هذا، وقوله {في شيء} هو في موضع نصب على الحال من الضمير الذي في قوله {ليس من الله} ثم أباح الله إظهار اتخاذهم بشرط الأتقاء، فأما إبطانه فلا يصح أن يتصف به مؤمن في حال، وقرأ جمهور الناس "تقاة" أصله وقية -على وزن فعلة - بضم الفاء وفتح العين أبدلوا من الواو تاء كتجاة وتكأة فصار تقية ثم قلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها فجاء {تقاة} قال أبو علي يجوز أن تكون {تقاة} مثل رماة حالاً من {تتقوا} وهو جمع فاعل وإن كان لم يستعمل منه فاعل، ويجوز أن يكون جمع تقى وجعل فعيل بمنزلة فاعل، وقرأ ابن عباس والحسن وحميد بن قيس ويعقوب الحضرمي ومجاهد وقتادة والضحاك وأبو رجاء والجحدري وأبو حيوة "تقية" بفتح التاء وشد الياء على وزن فعيلة وكذلك روى المفضل عن عاصم وأمال الكسائي القاف في {تقاة} في الموضعين، وأمال حمزة في هذه الآية ولم يمل في قوله: {أية : حق تقاته} تفسير : [آل عمران: 102] وفتح سائر القراء القاف إلا أن نافعاً كان يقرأها بين الفتح والكسر، وذهب قتادة إلى أن معنى الآية: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} من جهة صلة الرحم أي ملامة، فكأن الآية عنده مبيحة الإحسان إلى القرآبة من الكفار، وذهب جمهور المفسرين إلى أن معنى الآية، إلا أن تخافوا منهم خوفاً وهذا هو معنى التقية. واختلف العلماء في التقية ممن تكون؟ وبأي شيء تكون؟ وأي شيء تبيح؟ فأما الذي تكون منه التقية فكل قادر غالب مكره يخاف منه، فيدخل في ذلك الكفار إذا غلبوا وجورة الرؤساء والسلابة وأهل الجاه في الحواضر، قال مالك رحمه الله: وزوج المرأة قد يكره، وأما بأي شيء تكون التقية ويترتب حكمها فذلك بخوف القتل وبالخوف على الجوارح وبالضرب بالسوط وبسائر التعذيب، فإذا فعل بالإنسان شيء من هذا أو خافه خوفاً متمكناً فهو مكره وله حكم التقية، والسجن إكراه والتقييد إكراه والتهديد والوعيد إكراه وعداوة أهل الجاه الجورة تقية، وهذه كلها بحسب حال المكره وبحسب الشيء الذي يكره عليه، فكم من الناس ليس السجن فيهم بإكراه، وكذلك الرجل العظيم يكره بالسجن والضرب غير المتلف ليكفر فهذا لا تتصور تقيته من جهة عظم الشيء الذي طلب منه، ومسائل الإكراه هي من النوع الذي يدخله فقه الحال، وأما أي شيء تبيح فاتفق العلماء على إباحتها للأقوال باللسان من الكفر وما دونه ومن بيع وهبة وطلاق، وإطلاق القول بهذا كله، ومن مداراة ومصانعة، وقال ابن مسعود: ما من كلام يدرأ عني سوطين من ذي سلطان، إلا كنت متكلماً به. واختلف الناس في الأفعال، فقال جماعة من أهل العلم منهم الحسن ومكحول ومسروق: يفعل المكره كل ما حمل عليه مما حرم الله فعله وينجي نفسه بذلك، وقال مسروق: فإن لم يفعل حتى مات دخل النار، وقال كثير من أهل العلم منهم سحنون: بل إن لم يفعل حتى مات فهو مأجور وتركه ذلك المباح أفضل من استعماله، وروي أن عمر بن الخطاب قال في رجل يقال له، نهيت بن الحارث، أخذته الفرس أسيراً، فعرض عليه شرب الخمر وأكل الخنزير وهدد بالنار، فلم يفعل فقذفوه فيها فبلغ ذلك عمر، فقال: وما كان عليّ نهيت أن يأكل، وقال جمع كثير من العلماء التقية إنما هي مبيحة للأقوال، فأما الأفعال فلا، روي ذلك عن ابن عباس والربيع والضحاك، وروي ذلك عن سحنون وقال الحسن في الرجل يقال له: اسجد لصنم وإلا قتلناك، قال، إن كان الصنم مقابل القبلة فليسجد يجعل نيته لله، فإن كان إلى غير القبلة فلا وإن قتلوه، قال ابن حبيب: وهذا قول حسن. قال القاضي: وما يمنعه أن يجعل نيته لله وإن كان لغير قبلة، وفي كتاب الله {أية : فأين ما تولوا فثم وجه الله} تفسير : [البقرة: 115] وفي الشرع إباحة التنفل للمسافر إلى غير القبلة، هذه قواعد مسألة التقية، وأما تشعب مسائلها فكثير لا يقتضي الإيجاز جمعه. وقوله تعالى: {ويحذركم الله} إلى آخر الآية وعيد وتنبيه ووعظ وتذكير بالآخرة، وقوله: { نفسه} نائبه عن إياه، وهذه مخاطبة على معهود ما يفهمه البشر، والنفس في مثل هذا راجع إلى الذات، وفي الكلام حذف مضاف لأن التحذير إنما هو من عقاب وتنكيل ونحوه، فقال ابن عباس والحسن، ويحذركم الله عقابه.

الخازن

تفسير : وقوله: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء} يعني أنصاراً وأعواناً من دون المؤمنين يعني من غير المؤمنين، والمعنى لا يجعل المؤمن ولايته لمن هو غير مؤمن نهى الله المؤمنين أن يوالوا الكفار أو يلاطفوهم لقرابة بينهم أو محبة أو معاشرة، والمحبة في الله والبغض في الله باب عظيم وأصل من أصول الإيمان {ومن يفعل ذلك} يعني موالاة الكفار من نقل الأخبار إليهم وإظهار عورة المسلمين أو يودهم ويحبهم {فليس من الله في شيء} أي فليس من دين الله في شيء. وقيل: معناه فليس من ولاية الله في شيء وهذا أمر معقول من أن ولاية المولى معاداة أعدائه وموالاة الله وموالاة الكفار ضدان لا يجتمعان {إلا أن تتقوا منهم تقاة} أي إلاّ أن تخافوا منهم مخافة. ومعنى الآية أن الله نهى المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم إلاّ أن تخافوا منهم مخافة. ومعنى الآية أن الله نهى المؤمنين عن موالاة الكافرين ومداهنتهم ومباطنتهم إلاّ أن يكون الكفار غالبين ظاهرين، أو يكون المؤمن في قوم كفاراً فيداهنهم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان دفعاً عن نفسه من غير أن يستحل دماً حراماً أو مالاً حراماً أو غير ذلك من المحرمات، أو يظهر الكفار على عورة المسلمين، والتقية لا تكون إلا مع خوف القتل مع سلامة النية قال الله تعالى: {أية : إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} تفسير : [النحل: 106] ثم هذه التقية رخصة فلو صبر على إظهار إيمانه حتى قتل كان له بذلك أجر عظيم، وأنكر قوم التقية اليوم قالوا: إنما كانت التقية في جدة الإسلام قبل استحكام الدين وقوة المسلمين، فأما اليوم فقد أعز الله الإسلام والمسلمين فليس لأهل الإسلام أن يتقوا من عدوهم. قال يحيى البكاء: قلت لسعيد بن جبير في أيام الحجاج: إن الحسن يقول: التقية باللسان والقلب مطمئن بالإيمان فقال سعيد: ليس في الأمان تقية إنما التقية في الحرب. وقيل: إنما تجوز التقية لصون النفس عن الضرر لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان {ويحذركم الله نفسه} أي ويخوفكم الله أن تعصوه بأن ترتكبوا المنهي أو تخالفوا المأمور به أو توالوا الكفار فتستحقوا عقابه على ذلك كله. {وإلى الله المصير} يعني أن الله يحذركم عقابه إذا صرتم إليه في الآخرة.

ابن عادل

تفسير : العامة على قراءة "لا يَتَّخِذْ" نَهْياً، وقرأ الضَّبِّيُّ "لا يَتَّخِذُ" برفع الذال - نفياً - بمعنى لا ينبغي، أو هو خبر بمعنى النهي نحو {أية : لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ} تفسير : [البقرة: 233] و {أية : وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ}تفسير : [البقرة: 282] - فيمن رفع الراء. قال أبو البقاء وغيره: "وأجاز الكسائيُّ فيه [رفع الراء] على الخبر، والمعنى: لا ينبغي". وهذا موافق لما قاله الفرَّاء، فإنه قال: "ولو رَفَع على الخبر - كقراءة مَنْ قرأ: {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ} جاز". قال أبو إسحاق: ويكون المعنى - على الرفع - أنه مَنْ كان مؤمناً، فلا ينبغي أن يتخذ الكافرَ ولياً؛ [لأن ولي الكافر راضٍ بكُفْره، فهو كافر]. كأنهما لم يَطَّلِعَا على قراءة الضبي، أو لم تثبت عندهما. و "يتخذ" يجوز أن يكون متعدياً لواحد، فيكون "أوْلِيَاءَ" حالاً، وأن يكون متعدياً لاثنين، وأولياء هو الثاني. قوله: {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} فيه وجهان: أظهرهما: أن "مِن" لابتداء الغايةِ، وهي متعلقة بفعل الاتخاذ. قال علي بن عيسى: "أي: لا تجعلوا ابتداءَ الولايةِ من مكانٍ دون مكان المؤمنين". وقد تقدم تحقيقُ هذا، عند قوله تعالى: {أية : وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ}تفسير : في البقرة [الآية 23]. والثاني - أجاز أبو البقاء - أن يكون في موضع نصب، صفة لـِ "أوْلِيَاءَ" فعلى هذا يتعلق بمحذوف. قوله: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} أدغم الكسائيُّ اللام في الذال هنا، وفي مواضع أخَر تقدم التنبيه عليها في البقرة. قوله: {مِنَ ٱللَّهِ} الظاهر أنه في محل نصب على الحال من "شَيءٍ"؛ لأنه لو تأخر لكان صفةً له. "فِي شَيءٍ" هو خبر "لَيْسَ"؛ لأن به تستقل فائدةُ الإسنادِ، والتقدير: فليس في شيء كائن من الله، ولا بد من حذف مضافٍ، أي: فليس من ولاية الله. وقيل: من دين الله، ونظَّر بعضُهم الآيةَ الكريمةَ ببيت النابغةِ: [الوافر] شعر : 1392- إذَا حَاوَلْتَ مِنْ أسَدٍ فُجُوراً فَإنِّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِني تفسير : قال ابو حيّان: "والتنظير ليس بجيِّدٍ؛ لأن "منك" و "مني" خبر "لَيْسَ" وتستقل به الفائدةُ، وفي الآية الخبر قوله: "فِي شَيءٍ" فليس البيتُ كالآيةِ". وقد نحا ابن عطية هذا المنحى المذكورَ عن بعضهم، فقال: فليس من الله في شيء مَرْضِيِّ على الكمالِ والصوابِ، وهذا كما حديث : قال النبي صلى الله عليه وسلم "مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا"تفسير : وفي الكلامِ حذفُ مضافٍ، تقديره: فليس من التقرب إلى الله والثواب، وقوله: "فِي شَيءٍ" هو في موضع نصبٍ على الحالِ من الضمير الذي في قوله: {فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ}. قال أبو حيّان: "وهو كلام مضطرب؛ لأن تقديره: "فليس من التقرُّب إلى الله" يقتضي أن لا يكون "مِنَ اللهِ" خبراً لـِ "لَيْسَ"؛ إذْ لا يستقل، وقوله: "فِي شَيءٍ" هو في موضع نصبٍ على الحال يقتضي أن لا يكون خبراً، فيبقى "ليس" - على قوله - ليس لها خبر، وذلك لا يجوز، وتشبيهه الآية الكريمة بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من غشنا فليس منا" تفسير : ليس بجيِّد؛ لما بينَّا من الفرق بين بيت النابغة، وبين الآية الكريمةِ". قال شهاب الدين: "وقد يجاب عن قوله: إن "مِنَ اللهِ" لا يكون خبراً؛ لعدم الاستقلال بأن في الكلام حذفَ مضافٍ، تقديره: فليس من أولياء اللهِ؛ لأن اتخاذَ الكفار أولياء ينافي ولاية الله - تعالى -، وكذا قول ابن عطية: فليس من التقرُّب، أي: من أهل التقرب، وحينئذٍ يكون التنظير بين الآية، والحديث، وبيت النابغة مستقيماً بالنسبة إلى ما ذكر، ونظير تقديرِ المضافِ هنا - قوله: {أية : فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} تفسير : [إبراهيم: 36]، أي: من أشياعي وأتباعي، وكذا قوله: {أية : وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ} تفسير : [البقرة: 249] أي: من أشياعي وقول العرب: أنت مني فرسخين، أي: من أشياعي ما سرنا فرسخين، ويجوز أن يكون "مِنَ اللهِ" هو خبر "ليس" و "فِي شيءٍ" يكون حالاً منالضمير في "لَيْسَ" - كما ذهب إليه ابن عطية تصريحاً، وغيره إيماءً، وتقدم الاعتراض عليهما والجواب". قوله: {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ} هذا استثناء مُفَرَّغ من المفعول من أجله، والعامل فيه "لا يَتَّخِذْ" أي: لا يتخذ المؤمنُ الكافرَ وليًّا لشيء من الأشياء إلا للتقيةِ ظاهراً، أي: يكون مواليه في الظاهر، ومعاديه في الباطن، وعلى هذا فقوله: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} وجوابه معترضٌ بين العلةِ ومعلولِها وفي قوله: {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ} التفات من غيبةٍ إلى خطابٍ، ولو جرى على سنن الكلامِ الأول لجاء الكلام غيبة، وذكروا للالتفات - هنا - معنى حسناً، وذلك أن موالاةَ الكفارِ لما كانت مستقبحةً لم يواجه الله - تعالى - عباده بخطاب النهي، بل جاء به في كلام أسْندَ الفعل المنهي عنه لغيب، ولما كانت المجاملة - في الظاهر - والمحاسنة جائزة لعذرٍ - وهو اتقاء شرهم - حَسُنَ الإقبال إليهم، وخطابهم برفع الحرج عنهم في ذلك. قوله: {تُقَاةً} في نصبها ثلاثة أوجهٍ، وذلك مَبْنِيٌّ على تفسير "تُقَاةً" ما هي؟ أحدها: أنها منصوبةٌ على المصدرِ، والتقدير: تتقوا منهم اتِّقَاءً، فـ "تُقَاة" واقعة موقع الاتقاء، والعرب تأتي بالمصادر نائبة عن بعضها، والأصل: أن تتقوا اتقاءً - نحو: تقتدر اقتداراً - ولكنهم أتوا بالمصدر على حذف الزوائدِ، كقوله: {أية : أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً} تفسير : [نوح: 17] والأصل إنباتاً. ومثله قول الشاعر: [الوافر] شعر : 1393- .......................... وَبَعْدَ عَطَائِكَ الْمَائَةَ الرِّتَاعَا تفسير : أي: اعطائك، ومن ذلك - أيضاً - قوله: [الوافر] شعر : 1394- .......................... وَلَيْس بِأنْ تَتَبَّعَهُ اتِّبَاعَا تفسير : وقول الآخر: [الوافر] شعر : 1395- وَلاَحَ بِجَانِبِ الْجَبَلَيْنِ مِنْهُ رُكَامٌ يَحْفِرُ الأرْضَ احْتِفَارَا تفسير : وهذا عكس الآية؛ إذ جاء المصدرُ مُزَاداً فيه، والفعل الناصب له مُجَرَّد من تلك الزوائدِ، ومن مجيء المصدر على غير المصدر قوله تعالى: {أية : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} تفسير : [المزمل: 8]. وقول الآخر: [الرجز أو السريع] شعر : 1396- وَقَدْ تَطَوَّيْتُ انْطِوَاءَ الْحِضْبِ تفسير : والأصل: تَطَوِّيَّا، والأصل في "تُقَاةً" وقية مصدر على فُعَل من الوقاية. وقد تقدم تفسير هذه المادة، ثم أبدلت الواوُ تاءً مثل تخمة وتكأة وتجاه، فتحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقُلِبَتْ ألفاً، فصار اللفظ "تقاة" كما ترى بوزن "فعلة" ومجيء المصدر على "فُعَل" و "فُعَلَة" قليل، نحو: التخمة، والتؤدة، والتهمة والتكأة، وانضم إلى ذلك كونها جاءت على غير المصدر، والكثير مجيء المصادرِ جارية على أفعالها. قيل: وحسَّن مجيءَ هذا المصدر ثلاثياً كونُ فعله قد حُذِفت زوائده في كثيرٍ من كلامهم، نحو: تقى يتقى. ومنه قوله: [الطويل] شعر : 1397- .......................... تَقِ اللهَ فِينَا وَالْكِتَابَ الَّذِي تَتْلُو تفسير : وقد تقدم تحقيق ذلك أول البقرة. الثاني: أنها منصوبة على المفعول به، وذلك على أن "تَتَّقُوا" بمعنى تخافوا، وتكون "تُقَاةً" مصدراً واقعاً موقعَ المفعول به، وهو ظاهر قول الزمخشريِّ، فإنه قال: "إلا أن تَخَافُوا من جهتهم أمراً يجب اتقاؤه". وقُرِئَ "تَقِيَّةً" وقيل - للمتقى -: تُقَاة، وتقية، كقولهم: ضَرْب الأمير - لمضروبه فصار تقديرُ الكلامِ: إلا أن تخافوا منهم أمْراً مُتَّقًى. الثالث: أنها منصوبةٌ على الحال، وصاحب الحال فاعل "تَتَّقُوا" وعلى هذا تكون حالاً مؤكدةً لأن معناه مفهوم من عاملها، كقوله: {أية : وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} تفسير : [مريم: 33]، وقوله: {أية : وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} تفسير : [البقرة: 60] وهو - على هذا - جمع فاعل، - وإن لم يُلْفَظْ بـ "فاعل" من هذه المادة - فيكون فاعلاً وفُعَلَة، نحو: رَامٍ ورُمَاة، وغَازٍ وغُزَاة، لأن "فُعَلَة" يطَّرد جمعاً لـِ "فاعل" الوصف، المعتل اللام. وقيل: بل لعله جمع لـ "فَعِيل" أجاز ذلك كلَّه أبو علي الفارسي. قال شهاب الدينِ: "جمع فعيل على "فُعَلَة" لا يجوز، فإن "فَعِيلاً" الوصف المعتل اللام يجمع على "أفعلاء" نحو: غَنِيّ وأغنياء، وتَقِيّ وأتقياء، وصَفِيّ وأصفياء. فإن قيل: قد جاء "فعيل" الوصف مجموعاً على "فُعَلَة" قالوا: كَمِيّ وكُمَاة. فالجواب: أنه من النادر، بحيثُ لا يُقاس عليه". وقرأ ابنُ عباس ومجاهدٌ، وأبو رجاء وقتادةُ وأبو حَيْوةَ ويعقوبُ وسهلٌ وعاصمٌ - في رواية المعتل عينه - تتقوا منهم تقيَّة - بوزن مَطِيَّة - وهي مصدر - أيضاً - بمعنى تقاة، يقال: اتَّقَى يتقي اتقاءً وتَقْوًى وتُقَاةً وتَقِيَّة وتُقًى، فيجيء مصدر "افْتَعَل" من هذه المادة على الافتعال، وعلى ما ذكر معه من هذه الأوزانِ، ويقال - أيضاً -: تقيت أتقي - ثلاثياً - تَقِيَّةً وتقوًى وتُقَاةً وتُقًى، والياء في جميع هذه الألفاظ بدل من الواو لما عرفته من الاشتقاق. وأمال الأخوانِ "تُقَاةً" هنا؛ لأن ألفَها منقلبةٌ عن ياءٍ، ولم يؤثِّرْ حرفُ الاستعلاء في منع الإمالة؛ لأن السبب غيرُ ظاهر، ألا ترى أن سبب الياء الإمالة المقدرة - بخلاف غالب، وطالب، وقادم فإن حرف الاستعلاء - هنا - مؤثِّر؛ لكن سبب الإمالة ظاهر، وهو الكسرة، وعلى هذا يقال: كيف يؤثر مع السبب الظاهر، ولم يؤثر مع المقدَّر وكان العكس أولى. والجوابُ: أن الكسرة سببٌ منفصلٌ عن الحرف المُمَال - ليس موجوداً فيه - بخلاف الألف المنقلبة عن ياء، فإنها - نفسها - مقتضية للإمالة، فلذلك لم يقاوِمها حرفُ الاستعلاء. وأمال الكسائي - وحده - {أية : حَقَّ تُقَاتِهِ} تفسير : [آل عمران: 102] فخرج حمزة عن أصله، وكأن الفرق أن "تُقَاةً" - هذه - رُسِمَتْ بالياء، فلذلك وافق حمزةُ الكسائيَّ عليه، ولذلك قال بعضهم: "تَقِيَّة" - بوزن مطيّة - كما تقدم؛ لظاهر الرسم، بخلاف "تُقَاتِهِ". قال شهاب الدين: [وإنما أمعنت في سبب الإمالة هنا؛ لأن بعضهم زعم أن إمالة هذا شاذٌّ؛ لأجل حرف الاستعلاء، وأن سيبويه حكى عن قوم أنَّهم يُميلُون شَيْئاً لا تجوز إمالَتَُه، نحو: رَأيْتُ عِرْقَى بالإمالة، وليس هذا من ذلك؛ لما تقدم لك من أن سبب الإمالة في كسْرِهِ ظاهرٌ. وقوله:...] "مِنْهُمْ" متعلق بـ "تَتَّقُوا" أو بمحذوف على أنه حال من "تُقَاةً"؛ لأنه - في الأصل - يجوز أن يكون صفةً لها، فلما قُدِّم نُصِبَ حالاً، هذا إذا لم نجعل "تُقَاةً" حالاً، فأما إذا جعلناها حالاً تعيَّن أن يَتَعلَّق "مِنْهُمْ" بالفعل قبله، ولا يجوز أن يكون حالاً من "تُقَاةً" لفساد المعنى؛ لأن المخاطبين ليسوا من الكافرين. فصل في كيفية النظم في كيفية النظمِ وجهان: أحدهما: أنه - تعالى - لما ذكر ما يجب أن يكون المؤمن عليه في تعظيم اللهِ - تعالى - ذكر بعده ما يجب أن يكون المؤمن عليه في المعاملة مع الناس، فقال: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. والثاني: أنه لما بَيَّن أنه - تعالى - مالك الدنيا والآخرة، بيَّن أنه ينبغي أن تكون الرغبة فيما عنده وعند أوليائه - دون أعدائه -. فصل في سبب النزول وجوه: أحدها: قال ابن عبّاسٍ: كان الحجاج بن عمرو وابنُ أبي الحُقَيْقِ وقيسُ بنُ زيد [قد بطنوا] بنفر من الأنصار؛ ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن عبد المنذر وعبد الله بن جبير وسعد ابن خيثمة لأولئك النفر من المسلمين: اجتنبوا هؤلاءِ اليهودَ، واحذروا أن يفتنوكم عن دينكم، فأبى أولئك النفر إلاّ مباطَنَتَهُمْ، فنزلت هذه الآية. وثانيها: قال مقاتلٌ: نزلت في حاطب بن أبي بلتعةَ، وغيره؛ حيث كانوا يُظْهرون المودةَ لكفار مكة فنهاهم عنها. ثالثها: قال الكلبيُّ - عن أبي صالح عن ابن عبّاس -: نزلت في المنافقين - عبد الله بن أبيِّ وأصحابه - كانوا يتولَّون اليهودَ والمشركين، ويأتونهم بالأخبار، يرجون لهم الظفر والنصر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية. ورابعها: أنها نزلت في عُبَادةَ بن الصامتِ - وكان له حلفاء من اليهود - في يوم الأحزاب قال: يا رسول الله، معي خمسمائة من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي، فنزلت هذه الآية في تحريم موالاة الكافرين. وقد نزلت آيات أخَرُ في هذا المعنى، منها قوله تعالى: {أية : لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ} تفسير : [آل عمران: 118]، وقوله: {أية : لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} تفسير : [المجادلة: 22] وقوله: {أية : لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ} تفسير : [المائدة: 51] وقوله: {أية : لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ} تفسير : [الممتحنة: 1]، وقوله: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} تفسير : [التوبة: 71]. فصل موالاة الكافر تنقسم ثلاثة أقسامٍ. الأول: أن يَرْضَى بكفره، ويُصَوِّبَه، ويواليَه لأجْلِه، فهذا كافر؛ لأنه راضٍ بالكفر ومُصَوِّبٌ له. الثاني: المعاشرةُ الجميلةُ بحَسَب الظاهر، وذلك غير ممنوع منه. الثالث: الموالاة، بمعنى الركون إليهم، والمعونة، والنُّصْرة، إما بسبب القرابة، وإما بسبب المحبة مع اعتقاد أن دينَه باطل - فهذا منهيٌّ عنه، ولا يوجب الكفر؛ لأنه - بهذا المعنى - قد يجره إلى استحسان طريقِه، والرِّضَى بدينه، وذلك يخرجه عن الإسلام، ولذلك هدد الله بهذه الآية - فقال: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ}. فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن يكون المراد من الآية النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء - بمعنى أن يتولوهم دون المؤمنين - فأما إذا تولَّوْهم، وتولَّوُا المؤمنين معهم، فليس ذلك بمنهيٍّ عنه، وأيضاً فقوله: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ} فيه زيادة مَزِيَّةٍ؛ لأن الرجلَ قد يوالي غيره، ولا يتخذه موالياً له، فالنهيُّ عن اتخاذه موالياً لا يوجب النهي عن أصل موالاته؟ فالجوابُ: أن هذين الاحتمالين - وإن قاما في الآية - إلا أن سائر الآيات الدالةِ على أنه لا يجوز موالاتُهم دلت على سقوطِ هذينِ الاحتمالينِ. فصل معنى قوله: {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي: من غير المؤمنين، كقوله: {أية : وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 23]، أي: من غير الله؛ لأن لفظة "دون" تختص بالمكان، تقول: زيد جلس دون عمرو، أي: في مكان أسفلَ منه، ثم إن مَن كان مُبَايِناً لغيره في المكان، فهو مغاير له، فجعل لفظ "دون" مستعملاً في معنى "غير"، ثم قال: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ} يقع عليه اسم الولاية أي: فليس من ولاية الله في شيءٍ، يعني أنه مُنْسَلِخ من ولاية الله - تعالى - رأساً، وهذا أمر معقول؛ فإن موالاةَ الوليّ وموالاةَ عدوِّه ضدان. قال الشاعر: [الطويل] شعر : 1398- تَوَدُّ عَدُوِّي ثُمَّ تَزْعُمُ أنَّنِي صَدِيقُكَ، لَيْسَ النَّوْكُ عَنْكَ بِعَازِبِ تفسير : وكتب الشَّعبيُّ إلى صديق له كتاباً، من جملته: وَمَنْ وَالَى عَدُوَّكَ فَقَدْ عَادَاكَ، وَمَنْ عَادَى عَدُوَّكَ فَقَدْ وَالاَكَ. وقد تقدم القول بأن المعنى فليس من دون الله في شيء. ثم قال: {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً} أي: إلا أن تخافوا منهم مخافة، قال الحسنُ: حديث : أخذ مُسَيْلمةَ الكذابُ رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لأحدهما: تشهد أن محمَّداً رسولُ الله؟ قال: نعم، قال: أفتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم - وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حَنِيفَةَ، ومحمد رسول قُرَيْش - فتركه، ودعا الآخر قال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم نعم نعم، فقال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: إني أصم، ثلاثاً - فقدمه، فقتله، فبلغ ذلك رسولَ الله، فقال: أما هذا المقتولُ فمضى على يقينه وصدقه، فهنيئاً له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه . تفسير : ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ} تفسير : [النحل: 106]. فصل التَّقِيَّة لها أحكامٌ: منها: أنها تجوز إذا كان الرجلُ في قومٍ كفارٍ، ويخاف منهم على نفسه، وماله، فيداريهم باللسان، بأن لا يُظْهِرَ العداوةَ باللسان، بل يجوز له أن يُظْهِر الكلامَ الموهمَ للمحبة والموالاة، بشرط أن يضمر خلافَه، وأن يُعَرِّضَ في كُلِّ ما يقول؛ فإن التقية تأثيرُها في الظاهر، لا في أحوال القلوبِ، ولو أفصح بالإيمان - حيث يجوز له التقية - كان أفضل؛ لقصةِ مسيلمةَ. ومنها: أنها إنما تجوز فيما يتعلق بدفع الضرر عن نفسه، أما ما يرجع ضرره إلى الغير كالقتلِ، والزنا، وغصب الأموالِ، والشهادة بالزور، وقذف المحصنات، وإطلاع الكفارِ على عورات المسلمين، فلا تجوز ألبتة. ومنها: أنها تحل مع الكفار الغالبين، وقال بعض العلماء: إنها تحل مع المسلمين - إذا شاكلت حالُهم حال المشركين؛ محاماةً على النفس، وهل هي جائزة لصَوْن المال؟ يُحْتَمل أن يُحْكَم فيها بالجواز؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : حُرْمَةُ مَالِ الْمُسْلِم كَحُرْمَةِ دَمهِ"تفسير : وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ"تفسير : ولأن الحاجة إلى المال شديدة، والماء إذا بِيعَ بالغبن سقط فرضُ الوضوء، وجاز الاقتصار على التيمم؛ دفعاً لذلك القدر من نقصان المال، فهاهنا أوْلَى. فصل قال معاذُ بن جبل ومجاهدٌ: كانت التَّقِيَّةُ في أول الإسلام - قبل استحكام الدين، وقوة المسلمين - أما اليوم فلا؛ لأن الله أعَزَّ الإسلامَ، فلا ينبغي لأهل الإسلام أن يتقوا من عدوهم، وروي عن الحسنِ أنه قال: التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامةِ. قال ابن الخطيبِ: "وهذا القول أوْلَى؛ لأن دَفْعَ الضررِ عن النفس واجبٌ بقدر الإمكان". وقال يحيى البِكَالِيّ: قلت لسعيد بن جُبَيرٍ - في أيام الحجاجِ -: إن الحسنَ كان يقول: لكم التقية باللسان، والقلب مطمئن، فقال سعيد بن جبيرٍ: ليس في الإسلام تَقِيَّة، إنما التَّقِيَّة لأهل الحرب. قوله: {وَيُحَذِّرْكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ}، "نَفْسَهُ" مفعول ثان لـ "يُحَذِّرُ"؛ لأنه في الأصل مُتَعَدِّ لواحد، فازداد بالتضعيف آخر، وقدَّر بعضهم حذفَ مضاف - أي: عقاب نفسه - وصرح بعضهم بعدم الاحتياجِ إليه، كذا نقله أبو البقاء عنهم. قال الزّجّاج: "أي: ويحذركم الله إياه، ثم استغنَوْا عن ذلك بذا، وصار المستعملَ، قال تعالى: {أية : تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} تفسير : [المائدة: 116] فمعناه: تعلم ما عندي، وما في حقيقتي، ولا أعلم ما عندك ولا ما في حقيقتك". قال شهابُ الدينِ: "وليس بشيءٍ؛ إذْ لا بد من تقدير هذا المضافِ، ألا ترى إلى غير ما نحن فيه - في نحو قولك: حذرتك نفسَ زيد - أنه لا بد من شيءٍ تحذر منه - كالعقاب والسطوة؛ لأن الذواتِ لا يُتَصَوَّرُ الحذرُ منها نفسها، إنما يتصور من أفعالِها وما يَصْدُرُ عنها". قال أبو مسلم: "والمعنى {وَيُحَذِّرْكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} أن تعصوه، فتستحقوا عقابه". وَعَبَّر - هنا - بالنفس عن الذات؛ جَرْياً على عادةِ العرب، كما قال الأعشى: [الكامل] شعر : 1399- يَوْماً بِأجْوَدَ نَائِلاً مِنْهُ إذَا نَفْسُ الْجَبَانِ تَجَهَّمْتَ سُؤَّالَهَا تفسير : قال بعضهم: "الهاء في "نَفْسَهُ" تعود على المصدر المفهوم من قوله: "لاَ يَتَّخِذ"، أي: ويحذركم الله نفس الاتخاذ، والنفس: عبارة عن وجود الشيء وذاته". قال أبو العباس المُقْرِئُ: ورد لفظ "النفس" في القرآن على أربعة أضربٍ: الأول: بمعنى العلم بالشيء، والشهادة، كقوله: {وَيُحَذِّرْكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ}، يعني علمه فيكم، وشهادته عليكم. الثاني: بمعنى البدن، قال تعالى: {أية : كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} تفسير : [آل عمران: 185]. الثالث: بمعنى الهَوَى، كقوله: {أية : إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ} تفسير : [يوسف: 53] يعني الهَوَى. الرابع: بمعنى الروحِ، قال تعالى: {أية : أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ} تفسير : [الأنعام: 93]، أي: أرواحكم. فصل المعنى: يخوفكم الله عقوبته على موالاةِ الكُفَّار، وارتكاب المناهي ومخالفة المأمور. والفائدة في ذكر النفس: أنه لو قال: ويحذركم الله، فهذا لا يُفِيد أن الذي أرِيدَ التحذيرُ منه هو عقاب يصدر من الله - تعالى - أو من غيره، فلما ذَكَر النفسَ زالت هذه الأشياءُ، ومعلوم أن العقابَ الصادرَ عنه، يكون أعظمَ أنواع العقابِ؛ لكونه قادراً على ما لا نهايةَ له، وأنه لا قُدْرَةَ لأحد على دَفْعِهِ وَمَنْعِه مما أراد، ثم قال: {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ}، أي: يحذركم اللهُ عقابه عند مصيركم إليه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان الحجاج بن عمرو حليف كعب بن الأشرف، وابن أبي الحقيق، وقيس بن زيد، قد بطنوا بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة بن المنذر، وعبدالله بن جبير، وسعد بن خيثمة، لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء النفر من يهود واحذروا مباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم. فأبى أولئك النفر، فأنزل الله فيهم {لا يتخذ المؤمنون الكافرين} إلى قوله {والله على كل شيء قدير}. وأخرج ابن جرير وأبي المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس قال: نهى الله المؤمنين أن يلاطفوا الكفار ويتخذوهم وليجة من دون المؤمنين، إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين أولياء، فيظهرون لهم اللطف، ويخالفونهم في الدين. وذلك قوله {إلا أن تتقوا منهم تقاة}. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي {ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء} فقد برىء الله منه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله {إلا أن تتقوا منهم تقاة} فالتقية باللسان من حمل على أمر يتكلم به وهو معصية لله فيتكلم به مخافة الناس وقلبه مطمئن بالإِيمان، فإن ذلك لا يضره إنما التقية باللسان. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في سننه من طريق عطاء عن ابن عباس {إلا أن تتقوا منهم تقاة} قال {التقاة} التكلم باللسان والقلب مطمئن بالإِيمان، ولا يبسط يده فيقتل ولا إلى إثم فإنه لا عذر له. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد {إلا أن تتقوا منهم تقاة} قال: إلا مصانعة في الدنيا ومخالقة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في الآية قال "التقية" باللسان وليس بالعمل. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة {إلا أن تتقوا منهم تقاة} قال: إلا أن يكون بينك وبينه قرابة فتصله لذلك. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: "التقية" جائزة إلى يوم القيامة. وأخرج عبد عن أبي رجاء أنه كان يقرأ "إلا تتقوا منهم تقية". وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه كان يقرؤها {إلا أن تتقوا منه تقية} بالياء. وأخرج عبد بن حميد من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم {إلا أن تتقوا منهم تقاة} بالألف ورفع التاء.

ابو السعود

تفسير : {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء} نُهوا عن موالاتهم لقرابة أو صداقة جاهلية ونحوِهما من أسباب المصادقة والمعاشرة كما في قوله سبحانه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء} تفسير : [الممتحنة، الآية 1] وقولِه تعالى: {أية : لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَاء} تفسير : [المائدة، الآية 51] حتى لا يكونَ حبهم ولا بغضهم إلا لله، أو عن الاستعانة بهم في الغزو وسائر الأمور الدينية {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} في موضع الحال أي متجاوزين المؤمنين إليهم استقلالاً أو اشتراكاً وفيه إشارة إلى أنهم الأحقاءُ بالموالاة وأن في موالاتهم مندوحةً عن موالاة الكفرة {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} أي اتخاذَهم أولياءَ، والتعبـيرُ عنه بالفعل للاختصار أو لإيهام الاستهجان بذكره {فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ} أي من ولايته تعالى {فِي شَىْء} يصِح أن يُطلق عليه اسمُ الولاية فإن موالاة المتعاديَـيْن مما لا يكاد يدخُل تحت الوقوع قال: شعر : تودُّ عدوِّي ثم تزعُم أنني صديقُك ليس النَّوْكُ عنك بعازبِ تفسير : والجملة اعتراضية. قوله تعالى: {إِلا أَن تَتَّقُواْ} على صيغة الخطابِ بطريق الالتفاتِ استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأحوال، والعامل فعل النهي معتبَراً فيه الخطابُ كأنه قيل: لا تتخذوهم أولياءَ ظاهراً أو باطناً في حال من الأحوال إلا حال اتقائكم {مِنْهُمْ} أي من جهتهم {تُقَـٰةً} أي اتقاءً أو شيئاً يجب اتقاؤه على أن المصدر واقعٌ موقعَ المفعول فإنه يجوز إظهارُ الموالاة حينئذ مع اطمئنان النفس بالعداوة والبغضاء وانتظار زوالِ المانع من قَشْر العصا وإظهار ما في الضمير كما قال عيسى عليه السلام: كن وسَطاً وامشِ جانباً. وأصلُ (تقاة) وُقْيَةً ثم أبدلت الواو تاءً كتُخمة وتُهمة وقلبت الياء ألفاً وقرىء تُقْيةً {وَيُحَذّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} أي ذاتَه المقدسة فإن جواز إطلاقِ لفظِ النفسِ - مراداً به الذاتُ - عليه سبحانه بلا مشاكلة مما لا كلام فيه عند المتقدمين، وقد صرح بعضُ محققي المتأخرين بعدم الجواز وإن أريد به الذات بلا مشاكلة، وفيه من التهديد ما لا يخفى عُظْمُه، وذكرُ النفس للإيذان بأن له عقاباً هائلاً لا يؤبه دونه بما يحذر من الكفرة {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} تذيـيلٌ مقرِّر لمضمون ما قبله ومحقق لوقوعه حتماً {قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ} من الضمائر التي من جملتها ولايةُ الكفرةِ {أَوْ تُبْدُوهُ} فيما بـينكم {يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ} فيؤاخذْكم بذلك عند مصيرِكم إليه، وتقديمُ الإخفاء على الإبداء قد مر سره في تفسير قوله تعالى: {أية : وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } تفسير : [البقرة، الآية 284] وقوله تعالى: {أية : يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}تفسير : [البقرة، الآية 77] {وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} كلامٌ مستأنف غيرُ معطوف على جواب الشرط وهو من باب إيرادِ العام بعد الخاص تأكيداً له وتقريراً {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فيقدِرُ على عقوبتكم بما لا مزيدَ عليه إن لم تنتهوا عما نُهيتم عنه، وإظهارُ الاسم الجليل في موضع الإضمارِ لتربـية المهابة وتهويلِ الخطب وهو تذيـيلٌ لما قبله مبـين لقوله تعالى: {أية : وَيُحَذّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } تفسير : [آل عمران، الآية 30] بأن ذاته المقدسةَ - المتميزةَ عن سائر الذوات المتصفةَ بما لا يتصف به شيء منها من العلم الذاتي المتعلقِ بجميع المعلومات - متصفةٌ بالقدرة الذاتية الشاملةِ لجميع المقدورات بحيث لا يخرُج من ملكوته شيءٌ قطُّ.

التستري

تفسير : قوله: {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ}[28] قال: أي عدله، لأن النار عدله لمن خالفه، والجنة فضله لمن أطاعه، ألا ترون إلى قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : يا من لا يرجى إلاَّ فضله ولا يخشى إلاَّ عدله ".

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الآية: 28]. سُئِلَ أبو عثمان عن هذه الآية فقال: لا ينبسط سُنىٌ إلى مبتدع لفضل عشرة ولا لقرابة نَسبٍ ولا يلقاهُ إلا ووجهه له كارهٌ، فإن فعل شيئاً من ذلك فقد أحبَّ من أبغضه الله تعالى وليس بولىٍ لله من لا يُوالى أولياء الله تعالى ولا يعادى أعداءه. قوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} قال ابن عطاء: إنما يُحذِّرُ نفسه من يعرفه، فأمَّا من لا يعرفه فإن هذا الخطاب زائلٌ عنه قال الواسطى فى قوله تعالى {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} قال: فلا يأمن من أحد أن يُفعل به ما فُعِلَ بإبليس، زيّنهُ بأنوار عبادته وهو عنده فى حقائق لعنته، فستر عليه ما سبق منه إليه حتى غافصَهُ بإظهاره عليه. وقال أيضًا: لا يُحذِّر نفسهُ من لا يعرفه وهذا خطاب الأكابر، فأما الأصاغر فخطابهم { أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 281]، {وَٱتَّقُواْ ٱلنَّار} [الآية: 131] { أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ } تفسير : [التغابن: 16]. وقال أيضًا فى قوله: {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} هل هو إلا الإثبات وليس له من ذلك شئ وإنما هو إيقاعُ البقيَّة للسَّرائرِ، وتيقُظ الطبع من الرعونة، وخلوصُه من وساوسُه. قال جعفر رحمه الله: {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ}: أن تشهد لنفسك بالصلاح، لأنَّ من كانت له سابقة ظهرت سابقتُه فى خاتمته .

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. من حقائق الإيمان الموالاةُ في الله والمعاداة في الله. وأوْلى مَنْ تسومه الهجرانَ والإعراضَ عن الكفار - نَفْسُك؛ فإنها مجبولةٌ على المجوسية حيث تقول: لي ومني وبي، وقال الله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ} تفسير : [التوبة: 123]. وإن الإيمان في هذه الطريقة عزيز، ومن لا إيمان له بهذه الطريقة من العوام - وإن كانوا قد بلغوا من الزهد والجهد مبلغاً عظيماً - فليسوا بأهل لموالاتك، والشكل بالشكل أليق. قوله جلّ ذكره: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ}. صحبة الحق سبحانه وقربته لا تكون مقرونة بصحبة الأضداد وقربتهم - ألبتة. {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ}: هذا خطاب للخواص من أهل المعرفة، فأمَّا الذين نزلت رُتْبَتُهم عن هذا فقال لهم: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ}تفسير : [آل عمران: 131] وقال: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ..}تفسير : [البقرة: 281]. إلى غير ذلك من الآيات. ويقال: {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} أن يكون عندكم أنكم وصلتم؛ فإن خفايا المكر تعتري الأكابر، قال قائلهم: شعر : وأمِنْتُه فأتاح لي من مأمني مكراً، كذا مَنْ يأمن الأحبابا تفسير : ويقال: {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} لأن يجري في وهم أحد أنه يصل إليه مخلوق، أو يطأ بساطَ العِزِّ قَدَمُ همة بشر، جلَّتْ الأحدية وعزَّت! وإنَّ من ظن أنه أقربهم إليه ففي الحقيقة أنه أبعدهم عنه.

البقلي

تفسير : {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ} اى لا يصحب العارف الجاهل ولا المخلص المرائى ولا الصادق الفراء ولا المؤمن المبتدع المنكر والا المريد الصادق الفاتر المدعى ولا يحب اهل الحق اهل الباطل حتى ينالوا ببعضهم مقام حقيقة العبودية {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ} اي لا ينال من الله تعالى درجة اهل محتبه وقربته ومعرفته.

اسماعيل حقي

تفسير : {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء} نهوا عن موالاتهم لقرابة او صداقة جاهلية او جوار ونحوها من اسباب المصادقة والمعاشرة حتى لا يكون حبهم ولا بغضهم الا لله تعالى او عن الاستعانة بهم فى الغزو وسائر الامور الدينية {من دون المؤمنين} فى موضع الحال اى متجاوزين المؤمنين اليم استقلالا او اشتراكا. وفيه اشارة الى انهم الاحقاء بالمولاة وان فى موالاتهم مندوحة عن موالاة الكافرين اى استغناء فلا تؤثروهم عليهم فى الولاية {ومن يفعل ذلك} اى اتخاذهم اولياء {فليس من الله} اى من ولايته تعالى {فى شيء} يصح ان يطلق عليه اسم الولاية يعنى انه منسلخ من ولاية الله راسا وهذا امر معقول فان موالاة الولى ومولاة عده متنافيان: قال شعر : تود عدوى ثم تزعم اننى صديقك ليس النوك عنك بعازب تفسير : النوك الحمق. والعازب البعيد والمعنى الصديق هو من يودك ويبغض عدوك. والاداء ايضا ثلاثة عدوك وعدو صديقك وصديق عدوك شعر : بشوى اى خرمند ازان دوست دست كه بادشمنانت بود هم نشست تفسير : {إلا أن تتقوا} استثناء من اعم الاحوال كأنه قيل لا تتخذوهم اولياء ظاهرا وباطنا فى حال من الاحوال الا حال اتقائكم {منهم} اى من جهتهم {تقاة} اى اتقاء بان تغلب الكفار او يكون المؤمن بينهم فان اظهار المولاة حينئذ مع اطمئنان النفس بالعداوة والبغضاء وانتظار زوال المانع من شق العصا واظهار ما فى الضمير كما قال عيسى عليه السلام [كن واسطا وامش جانبا] اى كم فيما بينهم صورة وتجنب عنهم سيرة [ولا تخالطهم مخالطة الاوداء ولا تتيسر بسيرتهم] وهذا رخصة فلو صبر حتى قتل كان اجره عظيما {ويحذركم الله نفسه} اى يخوفكم الله ذاته المقدسة كقوله تعالى (فاتقون. واخشون) اى من سخطى وعقوبتى فلا تتعرضوا لسخطه بموالاة اعدائه وهذا وعيد شديد {والى الله المصير} اى الى جزاء الله مرجع الخلق فيجزى كلا بعمله.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {تُقاة}: مصدر تَقَى، على وزن فَعَل، وله مصدران آخران: تُقّى وتَقِيَّة - بتشديد الياء -، وبه قرأ بعقوب، وأصله: تُقِيَة، فقلبت الياء ألفاً؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها. و {يوم}: ظرف، والعامل فيه: اذكر، أو اتقوا، أو المصير، أو تود، و {ما عملت} : مبتدأ، و {تود}: خبر، أو معطوف على {ما عملت} الأولى، و {تود}: حال. يقول الحقّ جلّ جلاله، لقوم من الأنصار، كانوا يُوالون اليهود؛ لقرابة أو صداقة تقدمت في الجاهلية: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء}، أي: أصدقاء، إذ الحب إنما يكون في الله والبغض في الله، أو لا تستعينوا بهم في غزو ولا غيره، فلا تودوهم {من دون المؤمنين}؛ إذ هم أحق بالمودة، ففيهم مَنْدُوحة عن مولاة الكفرة، {ومن يفعل ذلك} الاتخاذ {فليس من} ولاية {الله في شيء}؛ إذ لا تجتمع ولاية الله مع ولاية عدوه. قال الشاعر: شعر : تَوَدُّ عَدُوِّي ثُمِّ تَزْعُمُ أنَّني صَدِيقكَ، لَيْسَ النّوْك عَنْكَ بِعَازِبِ تفسير : والنُّوك - بضم النون -: الحُمْق. فلا تُوالوا الكفار {إلا أن تتقوا منهم تقاة} أيْ: إلا أن تخافوا من جهتهم ما يجب اتقاؤه، فلا بأس بمداراتهم ظاهراً، والبعد منهم بطناً، كما قال عيسى عليه السلام: (كن وَسَطاً وامْشِ جانباً). وقال ابن مسعود رضي الله عنه: خالطوا الناس وزايلوهم، وصافحوهم بما يشتهون، ودينكم لا تَثْلُموه. وقال جعفر الصادق: إني لأسمع الرجل يشتمني في المسجد، فأستتر منه بالسارية لئلا يراني. هـ. {ويحذركم الله نفسه} أي: يخوفكم عذابه على موالاة الكفار ومخالفة أمره وارتكاب نهيه، تقول العرب: احذرنا فلاناً: أي: ضرره لا ذاته، وفي ذكر النفس زيادة تهديد يُؤذِن بعقاب يصدر منه بلا واسطة، {وإلى الله المصير}؛ فيحسر كل قوم مَن أحب. {قل إن تخفوا ما في صدوركم} من موالاة أعدائه، {أو تبدوه يعلمه الله}؛ فلا يخفى عليه ما تُكن الصدور من خير أو شر. وقدَّم في سورة البقرة الإبداء، وأخره هنا؛ لأن المحاسبة لا ترتيب فيها بخلاف العلم، فإن الأشياء التي تبرز من الإنسان يتقدم إضمارها في قلبه ثم تبرز، فقد تعلق علم الله تعالى بها قبل أن تبرز، فلذلك قدَّم هنا الإخفاء لتقدم وجوده في الصدر، وأخره في البقرة، لأن المحاسبة لا ترتيب فيها، {ويعلم ما في السماوات وما في الأرض} فلا يخفى عليه شيء، {والله على كل شيء قدير}؛ فيقدر على عقوبتكم إن لم تنتهوا، والآية بيان لقوله: {ويحذركم الله نفسه}؛ لأن الذات العالية متصفة بعلم محيط بجميع المعلومات، وبقدرة تحيط بجميع المقدورات، فلا تجسروا على عصيانه، فإنه ما من معصية إلا وهو مطلع عليها، قادرٌ على العقاب عليها يوم القيامة. {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً} بين يديها تنتفع به، {وما عملت من سوء تود له أن بينها وبينه أمداً بعيداً}، كما بين المشرق والمغرب، ولا ينفع الندم وقد زلَّت القدم. {ويحذركم الله نفسه}، كرره للتأكيد وزيادة التحذير، وسيأتي في الإشارة حكمة تكريره، {والله رؤوف بالعباد} حيث حذرهم مما يضرهم، وأمرهم بما يقربهم، فكل ما يصدر منه - سبحانه - في غاية الكمال. الأشارة: لا ينبغي للمريد الصادق أن يخالط أهل الغفلة، ولا يتودد معه؛ فإن ذلك يقطعه عن ربه، ويصده عن دواء قلبه، وفي ذلك يقول صاحب العينية: شعر : وَقَاطِعْ لِمَنْ وَاصَلْتَ أيَّامَ غَفْلَةٍ فَمَا وَاصَلَ العُذْالَ إلاَّ مُقَاطِعُ وَجَانِب جَنَابَ الأَجْنَبِي لَو أنَّهُ لِقُربِ انْتِسَابِ فِي المَنَامِ مُضَاجع فَلِلنَّفْسِ مِنْ جُلاَّسِهَا كُلُّ نِسْبَةٍ وَمِنْ خُلَّةٍ لِلْقَلْبِ تِلْكَ الطَّبَائِعُ تفسير : إلا أن يتقي منهم تقية، بحيث تلجئه الضرورة إلى مخالطتهم، فيخالطهم بجسمه ويفارقهم بقلبه، وقد حذَّر الصوفية من صحبة أرْبَع طوائف: الجبابرة المتكبرون، والقراء المداهنون، والمتفقرة الجاهلون، والعلماء المتجمدون؛ لأنهم مُولَعون بالطعن على أولياء الله، يرون ذلك قربة تُقربهم إلى الله. ثم قال: {ويحذركم الله نفسه} أن تقصدوا معه غيره، وهذا خطاب للسائرين بدليل تعقيبة بقوله: {وإلى الله المصير} أي: إليه ينتهي السير وإليه يكون الوصال، ثم شدد عليهم في المراقبة فقال: {إن تُخفوا ما في صدوركم} من الميل أو الركون إلى الغير أو الوقوف عن السير، {أو تبدوه يعلمه الله}؛ فينقص عنكم المدد بقدر ذلك الميل، يظهر ذلك يوم الدخول إلى بلاد المشاهدة، {يوم تجد كل نفس} ما قدمت من المجاهدة، فبقدر المجاهدة تكون المشاهدة. ثم خاطب الواصلين فقال: {ويحذركم الله نفسه} من أن تشهدوا معه سواه، فلو كُلّف الواصل أن يشهد غيره لم يتسطع، إذ لا غير معه حتى يشهده. ويدل على أن الخطاب هنا للواصلين تعقيبه بالمودة والرأفة، اللائقة بالواصلين المحبوبين العارفين الكاملين. خرطنا الله في سلكهم بمنِّه وكرمه. ثم لا طريق للوصول إلى هذا كله إلا باتباع الرسول الأعظم.

الطوسي

تفسير : القراءة، والحجة: قال الفراء، والحسن، ومجاهد: "تقية" وبه قرأ يعقوب. الباقون {تقاة} وأمال {تقاة} الكسائي. وقرأ حمزة، ونافع بين بين. الباقون بالتفخيم، وهو الأجود، لأن فيه حرفاً مستعلياً، وهو القاف. ومن أمال، ليؤذن أن الالف منقلبة من الياء. معنى قوله: {يتخذ المؤمنون} نهي للمؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء يعني أنصاراً، وكسر الذال لالتقاء الساكنين، ولو رفع، لكان جائزاً بمعنى لا ينبغي لهم أن يتخذوا. المعنى: وقوله: {من دون المؤمنين} من لابتداء الغاية. وتقدير الآية لا تجعلوا ابتداء الولاية مكاناً دون المؤمنين لأن مكان المؤمن الأعلى ومكان الكافر الأدنى، كما تقول زيد دونك ولست تريد أنه في موضع مسفل، وأنك في موضع مرتفع لكن جعلت الشرف بمنزلة الارتفاع والخيانة كالاستفال. وفي الآية دلالة على أنه لا يجوز ملاطفة الكفار. قال ابن عباس: نهى الله سبحانه المؤمنين أن يلاطفوا الكفار قال تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً}تفسير : وقال: {أية : لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله}تفسير : وقال: {أية : فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين}تفسير : وقال {أية : واعرض عن الجاهلين}تفسير : وقال تعالى: {أية : يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم}تفسير : وقال تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم}تفسير : وكل ذلك يدل على أنه ينبغي أن يعاملوا بالغلظة والجفوة دون الملاطفة، والملاينة إلا ما وقع من النادر لعارض من الأمر. النظم: ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه (تعالى) لما بين عظيم آياته بما في مقدوراته مما لا يقدر عليه سواه، دل على أنه ينبغي أن تكون الرغبة في ما عنده وعند أوليائه من المؤمنين دون أعدائه الكافرين، فنهى عن اتخاذهم أولياء دون أهل التقوى الذين سلكوا طريق الهدى. والولي هو الأولى، وهو أيضاً الذي يلي أمر من ارتضى فعله بالمعونة والنصرة. وتجري على وجهين: أحدهما - المعين بالنصرة. والآخر - المعان فمن ذلك قوله: {الله ولي الذين آمنوا} أي معينهم بنصرته، والمؤمن ولي الله أي معان بنصرة الله. وقوله: {ومن يفعل ذلك} يعني من اتخذ الكافرين أولياء {فليس من الله في شيء} أي ليس هو من أولياء الله الصالحين والله بريء منهم {إلا أن تتقوا منهم تقاة} فالتقية الاظهار باللسان خلاف ما ينطوي عليه القلب للخوف على النفس إذا كان ما يبطنه هو الحق فان كان ما يبطنه باطلا كان ذلك نفاقاً. اللغة: وقوله: {تقاة} أصله وقاة فابدلت الواو المضمومة تاء استثقالا لها، لأنهم يفرون منها إلى الهمزة تارة وإلى التاء أخرى فأما التاء فلقربها من الواو مع أنها من حروف الزيادة. وأما الهمزة فلأنها نظيرتها في الطرف الآخر من مخارج الحروف مع حسن زيادتها أولا، ووزن تقاة فعله مثل تودة، وتخمة ونكاة, وهي مصدر اتقى تقاة، وتقية، وتقوى، واتقاء. حكم التقية: والتقية - عندنا - واجبة عند الخوف على النفس وقد روي رخصة في جواز الافصاح بالحق عندها. روى الحسن أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال لاحدهما أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم. قال: أفتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم، ثم دعا بالآخر فقال أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، فقال له أفتشهد أني رسول الله؟ قال إني أصم - قالها ثلاثاً كل ذلك تقية - فتقول ذلك فضرب عنقه فبلغ ذلك فقال أما هذا المقتول فمضى على صدقه وتقيته وأخذ بفضله فهنيئاً له. وأما الآخر فقبل رخصة الله، فلا تبعة عليه فعلى هذا التقية رخصة والافصاح بالحق فضيلة. وظاهر أخبارنا يدل على أنها واجبة، وخلافها خطأ. وقوله: {ويحذركم الله نفسه} يعني اياه فوضع نفسه مكان إياه، ونفسه يعني عذابه، وأضافه إلى نفسه على وجه الاختصاص، والتحقيق كما لو حققه بصفة بأن يقول يحذركم الله المجازي لكم. وقوله: {وإلى الله المصير} معناه إلى جزاء الله المصير أي المرجع.

الجنابذي

تفسير : {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ} اى اولياء المودّة او اولياء التصرّف {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قد مضى بيان معنى من دون فى اوّل البقرة عند قوله {أية : وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم} تفسير : [البقرة: 23] وانّ دون بمعنى الغير ولفظة من للتّبعيض والظّرف مستقرّ حال والمعنى حال كون الكافرين بعضاً من غير المؤمنين والتّقييد به للاشعار بعلّة الحكم ولتحريك الغيرة فى المؤمنين، وقيل فى مثله اشياء اخر {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} اى اتّخاذ الكافرين اولياء {فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ} اى ليس فى شيءٍ من النّسب والولايات حال كونها ناشئة من الله او ليس فى شيءٍ من المراتب والمعارج حال كونها بعضاً من الله لانّ الله ذو المعارج {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ} استثناء مفرّغ من قوله: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ}، او من قوله: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} اى الاّ لان تتّقوا، او فى ان تتّقوا، وفى الكلام التفات من الغيبة الى الخطاب {مِنْهُمْ} اى من شرّهم واضرارهم {تُقَاةً} قرئ بكسر القاف والياء المشدّدة وبفتح القاف والالف وهو مفعول مطلق او مفعول به فى معنى اسم المفعول يعنى ان خاف احد من الكافرين على نفسه او ماله او عياله او عرضه او اخوانه المؤمنين جاز له اظهار الموالاة مع الكافرين مخالفة لما فى قلبه لا انّه يجوز مولاتهم حقيقة فانّ التقيّة المشروعة المأمور بها ان تكون على خوف من معاشرك ان اطّلع على ما فى قلبك فتظهر الموافقة له بما هو خلاف ما فى قلبك ولا اختصاص لها بالكافر فانّه ذكر فى حديثٍ انّه ذكر التقيّة عند علىّ بن الحسين (ع) فقال: لو علم ابو ذرّ ما فى قلب سلمان لكفّره {وَيُحَذِّرْكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} فلا تتجاوزوا فى موالاتهم عن موضع الرّخصة {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ} لا الى غيره {ٱلْمَصِيرُ} فلا ينبغى الموالاة لغيره ولا الحذر من غيره الاّ باذنه.

الأعقم

تفسير : {لا يتخذ المؤمنون الكافرين} الآية نزلت في خاطب بن أبي بلتعة، وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه {ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء} ومن يوالي الكفرة فليس من ولاية الله في شيء يقع عليه اسم الولاية، يعني أنه ينسلخ عن ولاية الله رأساً {إلا أن تتقوا منهم تقاةً} إلا أن تخافوا من جهتهم أمراً يجب اتقاءه {ويحذركم الله نفسه} فلا تتعرضوا لسخطه بموالاة أعدائه، وهذا وعيدٌ شديدٌ، ومعنى نفسه ذاته المتميزة عن سائر الذوات {قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه} من ولاية الكفار وغيرها مما لا يرضاه الله تعالى {يعلمه الله} ولم يخف عليه وهو الذي {يعلم ما في السموات وما في الأرض} لا يخفى عليه شيء منه قط، ولا يخفى عليه سركم وعلانيتكم {والله على كل شيء قدير} قادر على عقوبتهم. قوله تعالى: {يوم تجد} منصوب بتَود والضمير في بينه إلى اليوم أي يوم القيامة حين تجد {كل نفس} خيرها وشرّها حاضرين يتمنى {لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً} {والله رؤوف بالعباد}، وعن الحسن من رأفته بهم أن حذّرهم نفسه، قوله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} الآية نزلت في قوم من أهل الكتاب قالوا: نحن الذين نحب ربنا، وجعل تصديق ذلك اتباع رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: حديث : وقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على قريش في المسجد الحرام وقد نصبوا الأصنام وزيّنُوها وسجدوا لها، فقال: "لقد تركتم ملة إبراهيم وإسماعيل" فقالوا: إنما نعبد هذه حباً لله تعالىتفسير : ، فنزلت الآية، وقيل: نزلت في نصارى نجران حين قالوا: إنما نعظم المسيح حباً لله تعالى، ومن ادّعى محبَّة الله تعالى وخالف سُنَّة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو كاذبٌ وكتاب الله تعالى يكذبه {إن الله اصطفى آدم ونوحاً} يعني أخبار آدم ونوحاً {وآل إبراهيم} إسماعيل وإسحاق وأولادهما {وآل عمران} موسى وهارون أبناء عمران بن يصهر، وقيل: عيسى ابن مريم بنت عمران بن ماثان، وبين العمرانين ألفٌ وثمانمائة سنة، وقد دخل في آل إبراهيم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) {ذرية بعضها من بعض} في الدين.

اطفيش

تفسير : {لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ}: يتخذ مجزوماً بلا الناهية وكسر للساكن بعده، ربما اتخذ المؤمن من الكفار ولياً يحبه، ويشاوره ويساره ويكرمه لقرابة، أو صداقة جاهلية، أو لكونه ينفعه ذلك الكافر، أو يرجوه فيه المنفعة أو يركن ذلك الكافر وينصره ويعظمه، وهو فى ذلك كله معتقد لبطلان دين الكفر، ومع ذلك نهاهم الله عز وجل عن تلك الموالاة، لأنها قد تجر المؤمن إلى تحسين سيرة الكافر ودينه، وذلك مخرج عن الإسلام، لأن الموالى للكافر بالرضا لدينه وتصويبه كافر. وأما معاشرته الجميلة بحسب الظاهر، فجائزة، وقيل المراد فى الآية: النهى عن الاستعانة بالكفار فى الغزو وأمور الدين، والأولى عموم ذلك كله. وروى أن عبادة بن الصامت رضى الله عنه، كان له حلفاء من اليهود فقال يوم الأحزاب: يا رسول الله إن معى خمسمائة من اليهود، وقد رأيت أت أستظهر بهم على العدو، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: كان الحجاج بن عمرو وابن أبى الحقيق وقيس بن زيد وكعب بن الأشرف وهم من اليهود يبطنون بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة بن المنذر، وعبد الله بن جبير، وسعيد ابن خيثمة لأولئك النفر اجتنبوا هؤلاء اليهود لا يفتنوكم عن دينكم فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم فأنزل الله عز وجل هذه الآية. وقال قوم: نزلت فى حاطب ابن ابى بلتعة وغيره ممن كان يظهر المودة لكفار مكة ويكاتبهم. وقيل: كان المنافقون كعبد الله بن أبى يباطنون اليهود ويأتونهم بالأخبار ويرجون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهى الله المؤمنون أن يفعلوا مثل ما يفعل هؤلاء المنافقون. {مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ}: ليس المراد النهى عن قصر الموالاة على الكافرين فتجوز موالاة الكفار لمن والى المؤمنين، بل النهى عن موالاة الكفار مطلقاً لمن والاهم وحدهم أو والى معهم المؤمنين، بل فى الآية إشارة إلى أن من والى الكفار فقد عادى المؤمنين ولو كان يوالى المؤمنين فى زعمه، لأن موالاة الكفار معاداة للمؤمنين وأشارة إلى أن فى موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكفار كما تقول: كيف تأكل طعام فلان وعنك طعام غيره؟ وقرر الإشارة بقوله: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِى شَىْءٍ}: أى ومن يفعل ما ذكر من موالاة الكفار، فليس من ولاية الله فى شىء، يصح أن يسمى ولاية له تعالى، ولو كان فى زعمه يوالى الله والمؤمنين، كتب صديق إلى صديقه فى جملة ما كتب إليه أنهُ من والى عدوك فقد عاداك، ومن عادى عدوك فقد والاك..وقال الشاعر: شعر : تود عدوى، ثم تزعم أننى صديقك ليس النوك عنك بعازب فليس أخى من ودنى رأى عينه ولكنه أخى من ودنى فى المغايب تفسير : والنوك: الحمق، والمعازب: البعيد. و{فِى شَىْءٍ}: خبر ليس، و{مِنَ اللهِ}: حال من شىء، وهو من تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف غير زائد، والجمهور على أن ذلك غير مقيس، بل يخفض، وفيه كذلك تقديم الحال على عاملها المعنوى، وهو قوله: {فِى شَىْءٍ} النائب عن لفظ استقر أو مستقر أو نحوهما، وقد يقال: ناصبه نحو استقر، يقدر مقدماً عليه ولك أن تجعل {مِنَ اللَّه} خبر ليس، و{فِى شَىْءٍ} خبراً ثانياً أو متعلقاً بما تعلق به الأول، أو فيهِ أو بمحذوف حال من المستكن فيه فيكون المعنى ليس من أهل دين الله فى شىء ما منه بأن بطل عمله. {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةَ}: تتقوا بمعنى تخافوا، وتقاة: مفعول به بمعنى ما يتقى من المضرات، فهو مصدر بمعنى مفعول، أو تتقوا على ظاهره: بمعنى تحذروا، و{تُقَاة} مفعول مطلق إلا أن تتقوا منهم اتقاءاً، فهو اسم مصدر اتقى، ومن للابتداء متعلق بتتقوا، ويحتمل أن يكون منهم حالا من تقاة بمعنى ما يتقى، أى لا تجعلوا ذلك إلا لأجل تخوفكم أمراً ينفى كائناً من جهتهم، وعلى كل حال رخص الله تعالى إذا غلب الكافرون أن يداريهم المؤمن بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، كما حديث : روى أن المشركين أخذوا عماراً فلم يدعوه حتى سب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر آلهتهم بخير، فلما جاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم قال يا رسول الله ما أرانى إلا هلكت.. فأخبره. قال "كيف تجد قلبك؟" قال مطمئن بالإيمان. قال: "فإن عادوا فعد"تفسير : ، وقال عيسى عليه السلام: كن وسطا، وامش جانباً. أى كن ما بين الناس ظاهراً، وامش جانباً من موافقتهم فيما يأتون ويذرون. وقيل: معناه لا تجانب معاشرتهم، ولكن جانب الخوض فى أمورهم. وقيل: ليكن جسدك مع الناس، وقلبك مع الله عز وجل وأمر التقية مستمر. قال الحسن: لكم التقية باللسان والقلب مطمئن بالإيمان، وذلك مثل أن يلقى من الحجاج وغيره، وقال سعيد بن جبير: لا تقية حين قوى الإسلام ولو مثل الحجاج، ولكن التقية فى الحرب فقط، وذكر بعض أن التقاة فى الآية، صلة الرحم المشرك، وقرأ يعقوب تقية. {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ}: أى معاصى نفسه، أو عقابه، ومنها موالاة الكافرين، قال ابن عباس والحسن: يحذركم الله عقابه، وذكر النفس تأكيداً فلا يكثر المؤمن بالكافر، حيث لا يعذر فإن عذاب الله لا يطاق ولا يزول. {وَإِلَى اللَّهِ}: لا إلى غيره. {الْمَصِيرُ}: بالبعث فلا يفوت العقاب.

اطفيش

تفسير : {لاّ يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الْكَافرِينَ أَوْلِيآءَ} فى القلب ولا فى الخارج، لقرابة أو صداقة جاهلية، أو طمع فى مال أو جاه أو محافظة على مال أو مصاهرة، أو طلب تزوج أو نحو ذلك، وخوف أن تكون الدائرة على المؤمنين، واستعانة بهم فى الغزو، أو غير ذلك من أمور الدين وجعلهم عمالا، وذلك مذهبنا ومذهب الشافعية والمالكية والحنابلة، وقالت الحنفية ونسب للجمهور، أنه يجوز الاستعانة بهم فى الغزو وسائر أمور الدين بشرط الحاجة، وأن يؤمن من مكرهم وأن يكونوا أذلاء والمؤمنون أعزة، لا أن يجعلوا عمالا، ويعطى لهم قليل من الغنيمة إذا غروا، ةلا يستعان بهم على البغاة الموحدين، ولنا أنه جاء عن عائشة، حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج لبدر، فتبعه مشرك ذو جرأة ونجدة، ففرج أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم، فقال له النبى: ارجع فلن نستعين بمشرك، فرجع، ثم جاء ورده ولم يقبله حتى أسلمتفسير : ، وأجاب الحنفية بأن هذا لم يؤمن مكره، أو بأن هذا الحكم منسوخ باستعانته صلى الله عليه وسلم بيهود بنى قينقاع، ورضخ لهم، يعنى قطع لهم من الغنيمة، واستعان بصفوان بن أمية فى هوازن، ويناسبه أنا نتخذ الكفار عبيداً وخدما وتنكح الكتابيات {مِن دُونِ الْمُؤْمِنينَ} لا شك أن اتخاذ الكافرين أولياء غير اتخاذ المؤمنين أولياء، فنهوا عنه، سواء اتخذوا معهم المؤمنين أولياء أم لا، وأن تخاذهم أولياء ولو مع المؤمنين إبطال لموالاة المؤمنين، ولا إشكال ولا حاجة إلى دعوى أن الآية فى قوم والوا الكفار وحدهم، ومما يزول به الأشكال أيضا، جعل الظرف نعتاً للأولياء، وهذا يقيد أن الأحقاء بالموالاة المؤمنون، وموالاة الكفار نقض لموالاة المؤمنين {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ} الاتخاذ، ولم يقل، ومن يتخذ منهم أولياء اختصاراً واستهجاناً له {فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِى شَىْءٍ} أى فى شىء من ولاية الله، أو من دين الله، أو من أهل الله، لأنهم أعداء الله، و لا تتصور موالاة المتعادين فى حال واحدة، ومن اتخذ عدو الله وليَّا حرم ولاية الله والمؤمنين {إلاّ أَن تَتَّقُوا} عائد إلى لا يتخذ، أى لا يتخذ فى حال من الأحوال إلا حال أن تتقوا، أو بتعليل، أى لا يتخذ لشىء ما إلا لأن تتقوا، أو إلى فليس الخ، وهو أولى لقربه، وأولى من ذلك أن الاستثناء منقطع، لأن الاتقاء ليس ولاية، بل مداراة، اللهم إى تشبيهاً {مِنْهُمْ تُقَاةً} اتقاء أو أمراً يحب اتقاؤه، تدارونهم وتلاينونهم للخوف منهم باللسان حيث كانوا غالبين مع الإنكار بالقلب من غير أن يحل حراماً أو يحرم حلالا، أو يدل على عورة، ومن صبر ولم يتق فهو أولى أجراً، ولا وجه لإنكار قوم التقية اليوم إذ تقرر الإسلام، كان بعض المؤمنين يوادون اليهود باطناً كالحجاج بن عمرو وكهمس بن أبى الحقيق، وقيس بن زيد وغيرهم من اليهود، لعنهم الله، أظهروا الحب لهم ليفتنوهم، فنهاهم رفاعة بن المنذر وعبدالله بن جبير وسعيد بن خيثمة أن يأمنوهم فأبوا، وكان عبد الله بن أبىّ وأصحابه يوالون المشركين واليهود ويخبرونهم بأخبار المؤمنين راجين الدائرة على المؤمنين، وكان لعبادة بن الصامت رضى الله عنه حلفاء من اليهود، فقال يوم الأحزاب، يا رسول الله إن معى خمسمائة من اليهود، قد رأيت أن أستظهر بهم على العدو، فنزل قوله، لا يتخذ المؤمنون الكافرين...الآية، وغلط ابن حجر فى أجازة القيام لأهل الذمة وفى عده ذلك من قوله تعالى: لا ينهاكم الله...الخ، وأما الآية فى من يراد جلبه للإسلام، أو كسر شوكته، وفيما لا يدخلون به فى قلوب الناس شيئاً، والتاء عن واو، والأصل وقية، قلبت الياء لفتح ما قبلها، بوزن تخمة وتؤدة بضم أولهما وفتح ثانيهما، وهو اسم مصدر {وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ} أى عقابه، والنفس تشعر بالتعظيم، لأنه لو قيل: عقاب الله لاحتمل أن يلى الله العقاب، أو يجريه على يد مخلوق، فذكر النفس ليكون بصورة عقاب يليه، سواء بلا واسطة أو بها، فهو عقاب عظيم، واستأثر الله بعلمه، وأيضاً قولك عقاب يصدر من نفس الله ولو بواسطة أهول من قولك عقاب الله، وذلك جزاء من خالف أحكام الله ووالى أعداءه، والنفس الذات، أجازه قوم مطلقاً فى حق الله تعالى، وقيل لا إلا لمشاكلة، نحو تعلم ما فى نفسى.. الخ وأجيز عود الهاء للاتخاذ، وهو ضعيف {وَإِلَى اللهِ المَصِيرُ} للجزاء أو إلى جزاء الله المصير.

الالوسي

تفسير : {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاءَ } قال ابن عباس: كان الحجاج بن عمرو. وكهمس بن أبـي الحقيق وقيس بن زيد ـ والكل من اليهود ـ يباطنون نفراً من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود واحذروا/ لزومهم ومباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم وملازمتهم فأنزل الله هذه الآية، وقال الكلبـي: نزلت في المنافقين عبد الله بن أبـي وأصحابه كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى الآية ونهى المؤمنين عن فعلهم. وروى الضحاك عن ابن عباس أنها نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدرياً نقيباً وكان له حلفاء من اليهود فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب قال عبادة: يا نبـي الله إن معي خمسمائة من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو فأنزل الله تعالى {لاَّ يَتَّخِذِ } الخ. والفعل مجزوم بلا الناهية، وأجاز الكسائي فيه الرفع على الخبر والمعنى على النهي أيضاً وهو متعد لمفعولين، وجوز أن يكون متعدياً لواحد ـ فأولياء ـ مفعول ثان، أو حال وهو جمع ولي بمعنى الموالي من الولي وهو القرب، والمراد لا يراعوا أموراً كانت بينهم في الجاهلية بل ينبغي أن يراعوا ما هم عليه الآن مما يقتضيه الإسلام من بغض وحب شرعيين يصح التكليف بهما وإنما قيدنا بذلك لما قالوا: إن المحبة لقرابة أو صداقة قديمة أو جديدة خارجة عن الاختيار معفوة ساقطة عن درجة الاعتبار، وحمل الموالاة على ما يعم الاستعانة بهم في الغزو مما ذهب إليه البعض ومذهبنا وعليه الجمهور ـ أنه يجوز ويرضخ لهم لكن إنما يستعان بهم على قتال المشركين لا البغاة على ما صرحوا به، وما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لبدر فتبعه رجل مشرك كان ذا جراءة ونجدة ففرح أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم حين رأوه فقال له النبـي صلى الله عليه وسلم: ارجع فلن أستعين بمشرك»تفسير : فمنسوخ بأن النبـي صلى الله عليه وسلم استعان بيهود بني قينقاع ورضخ لهم واستعان بصفوان بن أمية في هوازن، وذكر بعضهم جواز الاستعانة بشرط الحاجة والوثوق أما بدونهما فلا تجوز وعلى ذلك يحمل خبر عائشة، وكذا ما رواه الضحاك عن ابن عباس في سبب النزول ـ وبه يحصل الجمع بين أدلة المنع وأدلة الجواز ـ على أن بعض المحققين ذكر أن الاستعانة المنهي عنها إنما هي استعانة الذليل بالعزيز وأما إذا كانت من باب استعانة العزيز بالذليل فقد أذن لنا بها، ومن ذلك اتخاذ الكفار عبيداً وخدماً ونكاح الكتابيات منهم وهو كلام حسن كما لا يخفى. ومن الناس من استدل بالآية على أنه لا يجوز جعلهم عمالاً ولا استخدامهم في أمور الديوان وغيره وكذا أدخلوا في الموالاة المنهى عنها السلام والتعظيم والدعاء بالكنية والتوقير بالمجالس، وفي «فتاوى العلامة ابن حجر» جواز القيام في المجلس لأهل الذمة وعد ذلك من باب البر والإحسان المأذون به في قوله تعالى: {أية : لاَّ يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَـٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِيْنَ }تفسير : [الممتحنة: 8] ولعل الصحيح أن كل ما عده العرف تعظيماً وحسبه المسلمون موالاة فهو منهي عنه ولو مع أهل الذمة لا سيما إذا أوقع شيئاً في قلوب ضعفاء المؤمنين ولا أرى القيام لأهل الذمة في المجلس إلا من الأمور المحظورة لأن دلالته على التعظيم قوية وجعله من الإحسان لا أراه من الإحسان كما لا يخفى. {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} حال من الفاعل أي متجاوزين المؤمنين إلى الكافرين استقلالاً أو اشتراكاً ولا مفهوم لهذا الظرف إما لأنه ورد في قوم بأعيانهم والوا الكفار دون المؤمنين فهو لبيان الواقع أو لأن ذكره للاشارة إلى أن الحقيق بالموالاة هم المؤمنون وفي موالاتهم مندوحة عن موالاة الكفار وكون هذه النكتة تقتضي أن يقال مع وجود المؤمنين دون {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} في حيز المنع، وكونه إشارة إلى أن ولايتهم لا تجامع ولاية المؤمنين في غاية الخفاء./ وقيل: الظرف في حيز الصفة لأولياء، وقيل: متعلق بفعل الاتخاذ، و {مِنْ } لابتداء الغاية أي لا تجعلوا ابتداء الولاية من مكان دون مكان المؤمنين. {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ } أي الاتخاذ، والتعبير عنه بالفعل ـ كما قال شيخ الإسلام ـ للاختصار أو لإيهام الاستهجان بذكره، و {مِنْ } شرطية، و {يَفْعَلُ } فعل الشرط، وجوابه. {فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَىْء } والكلام على حذف مضاف أي من ولايته، أو من دينه، والظرف الأول حال من {شَىْء } والثاني خبر ـ ليس ـ وتنوين {شَيْء} للتحقير أي ليس في شيء يصح أن يطلق عليه اسم الولاية أو الدين لأن موالاة المتضادين مما لا تكاد تدخل خيمة الوقوع ولهذا قيل:شعر : تودّ عدوي ثم تزعم أنني صديقك ليس النوك عنك بعازب تفسير : وقيل أيضاً:شعر : إذا والى صديقك من تعادي فقد عاداك وانقطع الكلام تفسير : والجملة معترضة، وقوله تعالى: {إِلا أَن تَتَّقُواْ } على صيغة الخطاب بطريق الغيبة استثناء مفرغ من أعم الأحوال والعامل فيه فعل النهي معتبراً فيه الخطاب أي لا تتخذوهم أولياء في حال من الأحوال إلا حال اتقائكم، وقيل: استثناء مفرغ من المفعول لأجله أي لا يتخذ المؤمن الكافر ولياً لشيء من الأشياء إلا للتقية {مِنْهُمْ } أي من جهتهم؛ و ـ من ـ للابتداء متعلق بمحذوف وقع حالاً من قوله تعالى: {تُقَـٰةً } لأنه نعت النكرة وقد تقدم عليها، والمراد ـ بالتقاة ـ ما يتقى منه وتكون بمعنى اتقاء وهو الشائع فعلى الأول: يكون مفعولاً به لتتقوا، وعلى الثاني: مفعولاً مطلقاً له، و {مِنْهُمْ } متعلق به، وتعدى ـ بمن ـ لأنه بمعنى خاف، وخاف يتعدى بها نحو {أية : وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً }تفسير : [النساء: 128] و {أية : فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا }تفسير : [البقرة: 182] والمجرور في موضع أحد المفعولين وترك المفعول الآخر للعلم به أي ضرراً ونحوه، وأصل تقاة وقية بواو مضمومة وياء متحركة بعد القاف المفتوحة فأبدلت الواو المضمومة تاءاً كتجاه وأبدلت الياء المتحركة ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها ووزنه فعلة ـ كتخمة، وتؤدة ـ وهو في المصادر غير مقيس وإنما المقيس اتقاء ـ كاقتداء ـ وقرأ أبو الرجاء وقتادة ـ تقية ـ بالياء المشددة ووزنها فعيلة والتاء بدل من الواو أيضاً. وفي الآية دليل على مشروعية التقية وعرفوها بمحافظة النفس أو العرض أو المال من شر الأعداء، والعدو قسمان: الأول: من كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين كالكافر والمسلم، والثاني: من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية كالمال والمتاع والملك والإمارة، ومن هنا صارت التقية قسمين: أما القسم الأول: فالحكم الشرعي فيه أن كل مؤمن وقع في محل لا يمكن له أن يظهر دينه لتعرض المخالفين وجب عليه الهجرة إلى محل يقدر فيه على إظهار دينه ولا يجوز له أصلاً أن يبقى هناك ويخفي دينه ويتشبث بعذر الاستضعاف فإن أرض الله تعالى واسعة، نعم إن كان ممن لهم عذر شرعي في ترك الهجرة كالصبيان والنساء والعميان والمحبوسين والذين يخوفهم المخالفون بالقتل أو قتل الأولاد أو الآباء أو الأمهات تخويفاً يظن معه إيقاع ما خوفوا به غالباً سواء كان هذا القتل بضرب العنق أو بحبس القوت أو بنحو ذلك فإنه يجوز له المكث مع المخالف والموافقة بقدر الضرورة ويجب عليه أن يسعى في الحيلة للخروج والفرار بدينه ولو كان التخويف بفوات المنفعة أو بلحوق المشقة التي يمكنه تحملها كالحبس مع القوت والضرب القليل الغير المهلك لا يجوز له موافقتهم، وفي صورة الجواز أيضاً موافقتهم رخصة وإظهار مذهبه عزيمة فلو تلفت نفسه لذلك فإنه شهيد قطعاً، ومما يدل على أنها رخصة ـ ما روي عن الحسن ـ حديث : أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأحدهما: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم فقال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم ثم دعا بالآخر فقال له: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم فقال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: إني أصمّ قالها ثلاثاً، وفي كل يجيبه بأني أصم فضرب عنقه فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما هذا المقتول فقد مضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضله فهنيئاً له. وأما الآخر فقد رخصه الله تعالى فلا تبعة عليه تفسير : . وأما القسم الثاني: فقد اختلف العلماء في وجوب الهجرة وعدمه فيه فقال بعضهم: تجب لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ } تفسير : [البقرة: 195] وبدليل النهي عن إضاعة المال، وقال قوم: لا تجب إذ الهجرة عن ذلك المقام مصلحة من المصالح الدنيوية ولا يعود من تركها نقصان في الدين لاتحاد الملة وعدوه القوي المؤمن لا يتعرض له بالسوء من حيث هو مؤمن، وقال بعضهم: الحق أن الهجرة هنا قد تجب أيضاً إذا خاف هلاك نفسه أو أقاربه أو هتك حرمته بالإفراط ولكن ليست عبادة وقربة حتى يترتب عليها الثواب فإن وجوبها لمحض مصلحة دنيوية لذلك المهاجر لا لإصلاح الدين ليترتب عليها الثواب وليس كل واجب يثاب عليه لأن التحقيق أن كل واجب لا يكون عبادة بل كثير من الواجبات ما لا يترتب عليه ثواب كالأكل عند شدة المجاعة والاحتراز عن المضرات المعلومة أو المظنونة في المرض، وعن تناول السموم في حال الصحة وغير ذلك، وهذه الهجرة أيضاً من هذا القبيل وليست هي كالهجرة إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لتكون مستوجبة بفضل الله تعالى لثواب الآخرة. وعد قوم من باب التقية مداراة الكفار والفسقة والظلمة وإلانة الكلام لهم والتبسم في وجوههم والانبساط معهم وإعطائهم لكفّ أَذاهم وقطع لسانهم وصيانة العرض منهم ولا يعد ذلك من باب الموالاة المنهي عنها بل هي سنة وأمر مشروع. فقد روى الديلمي عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن الله تعالى أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض» تفسير : وفي رواية «حديث : بعثت بالمداراة» تفسير : وفي «الجامع» «حديث : سيأتيكم ركب مبغضون فإذا جاءوكم فرحبوا بهم»تفسير : وروى ابن أبـي الدنيا «حديث : رأس العقل بعد الإيمان بالله تعالى مداراة الناس»تفسير : وفي رواية البيهقي «حديث : رأس العقل المداراة»تفسير : وأخرج الطبراني «حديث : مداراة الناس صدقة» تفسير : وفي رواية له «حديث : ما وقى به المؤمن عرضه فهو صدقة» تفسير : . وأخرج ابن عدي وابن عساكر «حديث : من عاش مدارياً مات شهيداً قوا بأموالكم أعراضكم وليصانع أحدكم بلسانه عن دينه» تفسير : وعن بردة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «حديث : استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عنده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بئس ابن العشيرة ـ أو أخو العشيرة ـ ثم أذن له فألان له القول فلما خرج قلت: يا رسول الله قلت ما قلت ثم ألنت له القول؟ فقال: يا عائشة إن من أشر الناس من يتركه الناس أو يدعه الناس اتقاء فحشه» تفسير : وفي «البخاري» عن أبـي الدرداء «حديث : إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم» تفسير : وفي رواية الكشميهني «حديث : وإن قلوبنا لتقليهم» تفسير : وفي رواية ابن أبـي الدنيا وإبراهيم الحرمي بزيادة «حديث : ونضحك إليهم» تفسير : إلى غير ذلك من الأحاديث لكن لا تنبغي المداراة إلى حيث يخدش الدين ويرتكب المنكر وتسيء الظنون. ووراء هذا التحقيق قولان لفئتين متباينتين من الناس وهم الخوارج والشيعة. أما الخوارج فذهبوا إلى أنه لا تجوز التقية بحال ولا يراعى المال وحفظ النفس والعرض في مقابلة الدين أصلاً ولهم تشديدات في هذا الباب عجيبة منها أن أحداً لو كان يصلي وجاء سارق أو غاصب ليسرق أو يغصب ماله الخطير لا يقطع الصلاة بل يحرم عليه قطعها وطعنوا على بريدة الأسلمي صحابـي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب أنه كان يحافظ فرسه/ في صلاته كي لا يهرب، ولا يخفى أن هذا المذهب من التفريط بمكان، وأما الشيعة فكلامهم مضطرب في هذا المقام فقال بعضهم: إنها جائزة في الأقوال كلها عند الضرورة وربما وجبت فيها لضرب من اللطف والاستصلاح ولا تجوز في الأفعال كقتل المؤمن ولا فيما يعلم أو يغلب على الظن أنه إفساد في الدين؛ وقال المفيد: إنها قد تجب أحياناً وقد يكون فعلها في وقت أفضل من تركها وقد يكون تركها أفضل من فعلها، وقال أبو جعفر الطوسي: إن ظاهر الروايات يدل على أنها واجبة عند الخوف على النفس، وقال غيره: إنها واجبة عند الخوف على المال أيضاً ومستحبة لصيانة العرض حتى يسن لمن اجتمع مع أهل السنة أن يوافقهم في صلاتهم وصيامهم وسائر ما يدينون به، ورووا عن بعض أئمة أهل البيت «من صلى وراء سني تقية فكأنما صلى وراء نبـي»، وفي وجوب قضاء تلك الصلاة عندهم خلاف، وكذا في وجوب قضاء الصوم على من أفطر تقية حيث لا يحل الإفطار قولان أيضاً، وفي أفضلية التقية من سني واحد ـ صيانة لمذهب الشيعة عن الطعن ـ خلاف أيضاً، وأفتى كثير منهم بالأفضلية. ومنهم من ذهب إلى جواز ـ بل وجوب ـ إظهار الكفر لأدنى مخافة أو طمع، ولا يخفى أنه من الإفراط بمكان، وحملوا أكثر أفعال الأئمة مما يوافق مذهب أهل السنة ويقوم به الدليل على رد مذهب الشيعة على التقية وجعلوا هذا أصلاً أصيلاً عندهم وأسسوا عليه دينهم ـ وهو الشائع الآن فيما بينهم ـ حتى نسبوا ذلك للأنبياء عليهم السلام؛ وجل غرضهم من ذلك إبطال خلافة الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم ويأبـى الله تعالى ذلك. ففي كتبهم ما يبطل كون أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه وبنيه رضي الله تعالى عنهم ذوي تقية بل ويبطل أيضاً فضلها الذي زعموه ففي كتاب «نهج البلاغة» الذي هو أصح الكتب ـ بعد كتاب الله تعالى ـ في زعمهم أن الأمير كرم الله تعالى وجهه قال: علامة الإيمان إيثارك الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك، وأين هذا من تفسيرهم قوله تعالى: {أية : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَـٰكُمْ } تفسير : [الحجرات: 13] بأكثركم تقية؟! وفيه أيضاً أنه كرم الله تعالى وجهه قال: إني والله لو لقيتهم واحداً وهم طلاع الأرض كلها ما باليت ولا استوحشت وإني من ضلالتهم التي هم فيها والهدى الذي أنا عليه لعلى بصيرة من نفسي ويقين من ربـي وإلى لقاء الله تعالى وحسن ثوابه لمنتظر راج. وفي هذا دلالة على أن الأمير لم يخف وهو منفرد من حرب الأعداء وهم جموع، ومثله لا يتصور أن يتأتى فيما فيه هدم الدين. وروى العياشي عن زرارة بن أعين عن أبـي بكر بن حزم أنه قال: توضأ رجل ومسح على خفيه فدخل المسجد فجاء علي كرم الله تعالى وجهه فوجأ على رقبته فقال: ويلك تصلي وأنت على غير وضوء فقال: أمرني عمر فأخذ بيده فانتهى إليه ثم قال: انظر ما يقول هذا عنك ورفع صوته على عمر رضي الله تعالى عنه فقال عمر: أنا أمرته بذلك فانظر كيف رفع الصوت وأنكر ولم يتأق. وروى الراوندي شارح «نهج البلاغة» ومعتقد الشيعة عن سلمان الفارسي أن علياً بلغه عن عمر أنه ذكر شيعته فاستقبله في بعض طرقات بساتين المدينة وفي يد عليّ قوس فقال: يا عمر بلغني عنك ذكرك لشيعتي فقال: أربع على صلعتك فقال عليّ إنك هٰهنا ثم رمى بالقوس على الأرض فإذا هي ثعبان كالبعير فاغراً فاه وقد أقبل نحو عمر ليبتلعه فقال عمر: اللَّهَ اللَّهَ يا أبا الحسن لأعدت بعدها في شيء فجعل يتضرع فضرب بيده على الثعبان فعادت القوس كما كانت فمضى عمر إلى بيته قال سلمان: فلما كان الليل دعاني عليّ فقال: سر إلى عمر فإنه حمل إليه مال من ناحية المشرق وقد عزم أن يخبئه فقل له يقول لك علي: أخرج ما حمل إليك من المشرق ففرقه على من هو لهم ولا تخبه فأفضحك قال سلمان: فمضيت إليه وأديت الرسالة فقال: أخبرني عن أمر صاحبك من أين/ علم به؟ فقلت وهل يخفى عليه مثل هذا؟ فقال: يا سلمان أقبل عني ما أقول لك ما عليّ إلا ساحر وإني لمستيقن بك والصواب أن تفارقه وتصير من جملتنا قلت: ليس كما قلت لكنه ورث من أسرار النبوة ما قد رأيت منه وعنده أكثر من هذا، قال: ارجع إليه فقل: السمع والطاعة لأمرك فرجعت إلى عليّ فقال: أحدثك عما جرى بينكما فقلت: أنت أعلم مني فتكلم بما جرى بيننا ثم قال: إن رعب الثعبان في قلبه إلى أن يموت، وفي هذه الرواية ضرب عنق التقية أيضاً إذ صاحب هذه القوس تغنيه قوسه عنها ولا تحوجه أن يزوج ابنته أم كلثوم من عمر خوفاً منه وتقية. وروى الكليني عن معاذ بن كثير عن أبـي عبد الله أنه قال: إن الله عز وجل أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم كتاباً فقال جبريل: يا محمد هذه وصيتك إلى النجباء فقال: ومن النجباء يا جبريل؟ فقال: عليّ بن أبـي طالب وولده وكان على الكتاب خواتم من ذهب فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي وأمره أن يفك خاتماً منه فيعمل بما فيه، ثم دفعه إلى الحسن ففك منه خاتماً فعمل بما فيه ثم دفعه إلى الحسين ففك خاتماً فوجد فيه أن اخرج بقومك إلى الشهادة فلا شهادة لهم إلا معك واشتر نفسك لله تعالى ففعل، ثم دفعه إلى علي بن الحسين ففك خاتماً فوجد فيه أن اطرق واصمت والزم منزلك واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ففعل، ثم دفعه إلى ابنه محمد بن علي ففك خاتماً فوجد فيه حدث الناس وأفتهم وانشر علوم أهل بيتك وصدق آباءك الصالحين ولا تخافن أحداً إلا الله تعالى فإنه لا سبيل لأحد عليك، ثم دفعه إلى جعفر الصادق ففك خاتماً فوجد فيه حدث الناس وافتهم ولا تخافن إلا الله تعالى وانشر علوم أهل بيتك وصدق آباءك الصالحين فإنك في حرز وأمان ففعل، ثم دفعه إلى موسى ـ وهكذا إلى المهدي ـ. ورواه من طريق آخر عن معاذ أيضاً عن أبـي عبد الله، وفي الخاتم الخامس ـ وقل الحق في الأمن والخوف ولا تخش إلا الله تعالى وهذه الرواية أيضاً صريحة بأن أولئك الكرام ليس دينهم التقية كما تزعمه الشيعة. وروى سليم بن قيس الهلالي الشيعي من خبر طويل أن أمير المؤمنين قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومال الناس إلى أبـي بكر رضي الله تعالى عنه فبايعوه حملت فاطمة وأخذت بيد الحسن والحسين ولم تدع أحداً من أهل بدر وأهل السابقة من المهاجرين والأنصار إلا ناشدتهم الله تعالى حقي ودعوتهم إلى نصرتي فلم يستجب لي من جميع الناس إلا أربعة: الزبير وسلمان وأبو ذر والمقداد، وهذه تدل على أن التقية لم تكن واجبة على الإمام لأن هذا الفعل عند من بايع أبا بكر رضي الله تعالى عنه فيه ما فيه. وفي «كتاب أبان بن عياش» أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه بعث إلى علي قنفذاً حين بايعه الناس ولم يبايعه علي وقال: انطلق إلى علي وقل له أجب خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق فبلغه فقال له: ما أسرع ما كذبتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتددتم والله ما استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري، وفيه أيضاً أنه لما يجب على غضب عمر وأضرم النار بباب علي وأحرقه ودخل فاستقبلته فاطمة وصاحت يا أبتاه ويا رسول الله فرفع عمر السيف وهو في غمده فوجأ به جنبها المبارك ورفع السوط فضرب به ضرعها فصاحت يا أبتاه فأخذ علي بتلابيب عمر وهزه ووجأ أنفه ورقبته، وفيه أيضاً أن عمر قال لعلي: بايع أبا بكر رضي الله تعالى عنه قال: إن لم أفعل ذلك؟ قال: إذاً والله تعالى لأضربن عنقك قال: كذبت والله يا ابن صهاك لا تقدر على ذلك أنت ألأم وأضعف من ذلك، فهذه الروايات تدل صريحاً أن التقية بمراحل عن ذلك الإمام إذ لا معنى لهذه المناقشة والمسابة مع وجوب التقية. وروى محمد بن سنان أن أمير المؤمنين قال لعمر: يا مغرور إني أراك في الدنيا قتيلاً بجراحة من عند أم معمر تحكم عليه جوراً فيقتلك ويدخل بذلك الجنان على رغم منك./ وروي أيضاً أنه قال لعمر مرة: إن لك ولصاحبك الذي قمت مقامه هتكاً وصلباً تخرجان من جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم فتصلبان على شجرة يابسة فتورق فيفتتن بذلك من والاكما ثم يؤتى بالنار التي أضرمت لإبراهيم ويأتي جرجيس ودانيال وكل نبـي وصديق فتصلبان فيها فتحرقان وتصيران رماداً ثم تأتي ريح فتنسفكما في اليم نسفاً فانظر بالله تعالى عليك من يروي هذه الأكاذيب عن الإمام كرم الله تعالى وجهه هل ينبغي له أن يقول بنسبة التقية إليه سبحان الله تعالى، هذا العجب العجاب والداء العضال. ومما يرد قولهم أيضاً: إن التقية لا تكون إلا لخوف، والخوف قسمان: الأول: الخوف على النفس وهو منتف في حق حضرات الأئمة بوجهين: أحدهما: أن موتهم الطبيعي باختيارهم كما أثبت هذه المسألة الكليني في «الكافي»، وعقد لها باباً وأجمع عليها سائر الإمامية، وثانيهما: أن الأئمة يكون لهم علم بما كان وما يكون فهم يعلمون آجالهم وكيفيات موتهم وأوقاته بالتفصيل والتخصيص فقبل وقته لا يخافون على أنفسهم ويتأقون في دينهم ويغرون عوام المؤمنين، القسم الثاني: خوف المشقة والإيذاء البدني والسب والشتم وهتك الحرمة ولا شك أن تحمل هذه الأمور والصبر عليها وظيفة الصلحاء فقد كانوا يتحملون البلاء دائماً في امتثال أوامر الله تعالى وربما قابلوا السلاطين الجبابرة وأهل البيت النبوي أولى بتحمل الشدائد في نصرة دين جدهم صلى الله عليه وسلم. وأيضاً لو كانت التقية واجبة لم يتوقف إمام الأئمة عن بيعة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر وماذا منعه من أداء الواجب أول وهلة. ومما يرد قولهم في نسبة التقية إلى الأنبياء عليهم السلام بالمعنى الذي أراده قوله تعالى في حقهم: {أية : ٱلَّذِينَ يُبَلّغُونَ رِسَٰلـٰتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً } تفسير : [الأحزاب: 39] وقوله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [المائدة: 67] إلى غير ذلك من الآيات، نعم لو أرادوا بالتقية المداراة التي أشرنا إليها لكان لنسبتها إلى الأنبياء والأئمة وجه، وهذا أحد محملين لما أخرجه عبد بن حميد عن الحسن أنه قال: التقية جائزة إلى يوم القيامة، والثاني: حمل التقية على ظاهرها وكونها جائزة إنما هو على التفصيل الذي ذكرناه. ومن الناس من أوجب نوعاً من التقية خاصاً بخواص المؤمنين وهو حفظ الأسرار الإلۤهية عن الإفشاء للأغيار الموجب لمفاسد كلية فتراهم متى سئلوا عن سر أبهموه وتكلموا بكلام لو عرض على العامة بل وعلى علمائهم ما فهموه، وأفرغوه بقوالب لا يفهم المراد منها إلا من حسى من كأسهم أو تعطرت أرجاء فؤاده من عبير عنبر أنفاسهم، وهذا وإن ترتب عليه ضلال كثير من الناس وانجر إلى الطعن بأولئك السادة الأكياس حتى رمي الكثير منهم بالزندقة وأفتى بقتلهم من سمع كلامهم وما حققه إلا أنهم رأوا هذا دون ما يترتب على الإفشاء من المفاسد التي تعم الأرض:شعر : وحنانيك بعض الشر أهون من بعض تفسير : وكتم الأسرار عن أهلها فيه فوات خير عظيم وموجب لعذاب أليم وقد يقال: ليس هذا من باب التقية في شيء إلا أن القوم تكلموا بما طفح على ألسنتهم وظهر على علانيتهم وكانت المعاني المرادة لهم بحيث تضيق عنها العبارة ولا يحوم حول حماها سوى الإشارة، ومن حذا حذوهم واقتفى في التجرد إثرهم فهم ما قالوا وتحقق ما إليه مالوا، ويؤيد هذا ما ذكره الشعراني قدس سره في «الدرر المنثورة في بيان زبدة العلوم المشهورة» مما نصه، وأما زبدة علم التصوف الذي وضع القوم فيه رسائلهم فهو نتيجة العمل بالكتاب والسنة فمن عمل بما علم تكلم كما تكلموا وصار جميع ما قالوه بعض ما عنده لأنه كلما ترقى العبد في باب الأدب مع الله تعالى دق كلامه على الأفهام حتى قال بعضهم لشيخه. إن كلام أخي فلان يدق على فهمه فقال: لأن لك قميصين وله قميص واحد فهو أعلى مرتبة منك ـ وهذا هو الذي دعا/ الفقهاء ونحوهم من أهل الحجاب إلى تسمية علم الصوفية بعلم الباطن، وليس ذلك بباطن إذ الباطن إنما هو علم الله تعالى وأما جميع ما علمه الخلق على اختلاف طبقاتهم فهو من علم الظاهر لأنه ظهر للخلق فاعلم ذلك انتهى. فعلى هذا، الإنكار على القوم ليس في محله. {وَيُحَذّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } أي عقاب نفسه ـ قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنه ـ وفيه تهديد عظيم مشعر بتناهي المنهي عنه في القبح حيث علق التحذير بنفسه، وإطلاق النفس عليه تعالى بالمعنى الذي أراده جائز من غير مشاكلة على الصحيح، وقيل: النفس بمعنى الذات وجواز إطلاقه حينئذٍ بلا مشاكلة مما لا كلام فيه عند المتقدمين، وقد صرح بعض المتأخرين بعدم الجواز وإن أريد به الذات إلا مشاكلة. {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ } أي المرجع، والإظهار في مقام الإضمار لتربية المهابة وإدخال الروعة. قيل: والكلام على حذف مضاف أي إلى حكمه أو جزائه وليس باللازم، والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبله ومحقق لوقوعه حتماً.

ابن عاشور

تفسير : استئناف عُقب به الآي المتقدمة، المتضمّنة عداء المشركين للإسلام وأهله، وحسد اليهود لهم، وتولّيهم عنه: من قوله: {أية : إن الذين كفروا لن تغني عنهم}تفسير : [آل عمران: 116] إلى هنا. فالمناسبة أنّ هذه كالنتيجة لما تقدمها: نَهى الله المؤمنين - بعد ما بيّن لهم بغي المخالفين وإعراضهم ــــــ أنْ يتخذوا الكفّار أولياءَ من دون المؤمنين؛ لأنّ اتّخاذهم أولياء ــــــ بعد أنْ سَفَّه الآخرون دينهم وسَفَّهوا أحلامهم في اتِّباعه ــــــ يعدّ ضعفاً في الدين وتصويباً للمعتدين. وشاع في اصطلاح القرآن إطلاق وصف الكفر على الشرك، والكافرين والذين كفروا على المشركين، ولعلّ تعليق النهي عن الاتّخاذ بالكافرين بهذا المعنى هنا لأنّ المشركين هم الذين كان بينهم وبين المهاجرين صلات، وأنساب، ومودّات، ومخالطات مالية، فكانوا بمظنّة الموالاة مع بعضهم. وقد علم كل سامع أنّ من يشابه المشركين في موقفه تجاه الإسلام يكون تولّي المؤمنين إياه كتولّيهم المشركين. وقد يكون المراد بالكافرين جميع المخالفين في الدين: مثل المراد من قوله: {أية : ومن يكفر بآيٰت اللَّه فإنّ اللَّه سريع الحساب}تفسير : [آل عمران: 19]، فلذلك كله قيل: إن الآية نزلت في «حاطب بن أبي بلتعه» وكان كان من أفاضل المهاجرين وخلّص المؤمنين، إلا أنه تأول فكتب كتاباً إلى قريش يعلمهم بتجهيز النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة، وقيل: نزلت في أسماءَ ابنة أبي بكر لما استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بِرّ والدتها وصِلتِها، أي قبل أن تجيء أمّها إلى المدينة راغبة؛ فإنّه ثبت في «الصحيح» أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لها:حديث : صِلِي أمَّكِتفسير : . وقيل: نزلت في فريق من الأنصار كانوا متولِّين لكعْب بن الأشرف، وأبي رافع ابن أبي الحُقَيق، وهما يهوديان بيثرب. وقيل: نزلت في المنافقين وهم ممّن يتولى اليهود؛ إذ هم كفّار جهتهم، وقيل: نزلت في عبادة بن الصامت وكان له حلف مع اليهود، فلما كان يوم الأحزاب، قال عُبادة للنبي صلى الله عليه وسلم إنّ معي خمسمائة رجل من اليهود، وقد رأيت أن يَخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو. وقيل: نزلت في عمار بن ياسر لما أخذه المشركون فعذّبوه عذاباً شديداً، فقال ما أرادوه منه، فكَفُّوا عنه، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «حديث : كيف تجد قلبك»تفسير : قال: «مطمئناً بالإيمان» فقال: فإنْ عَادُوا فعُد. وقوله: {من دون المؤمنين} (من) لتأكيد الظرفية. والمعنى: مباعدين المؤمنين أي في الولاية، وهو تقييد للنهي بحسب الظاهر، فيكون المنهي عنه اتخاذ الكافرين أولياءَ دون المؤمنين، أي ولاية المؤمن الكفّار التي تنافي ولايته المؤمنين، وذلك عندما يكون في تولّي الكافرين إضرار بالمؤمنين، وأصل القيود أن تكون للاحتراز، ويدل لذلك قوله بعده: «ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء» لأنّه نفيٌ لوصلة من يفعل ذلك بجانب الله تعالى في جميع الأحوال، والعرب تقول: «أنت منّي وأنا منك» في معنى شدة الاتّصال حتى كأنّ أحدهما جزء من الآخر، أو مبتدأ منه، ويقولون في الانفصال والقطيعة: لست منّي ولست منك؛ قال النابغة شعر : : فإنّي لستُ منك ولستَ منّي تفسير : فقوله: {في شيء} تصريح بعموم النفي في جميع الأحوال لرفع احتمال تأويل نفي الاتّصال بأغلب الأحوال فالمعنى أنّ فاعل ذلك مقطوع عن الانتماء إلى الله، وهذا ينادي على أنّ المنهي عنه هنا ضرب من ضروب الكفر، وهو الحال التي كان عليها المنافقون، وكانوا يظنّون ترويجها على المؤمنين، ففضحهم الله تعالى، ولذلك قيل: إنّ هذه الآية نزلت في المنافقين، ومِمَّا يدل على ذلك أنّها نظير الآية الأخرى: {أية : يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً إنّ المنافقين في الدّرَك الأسفل من النار}تفسير : [النساء: 144، 145]. وقيل: لا مفهوم لقوله: {من دون المؤمنين} لأنّ آيات كثيرة دلت على النهي عن ولاية الكافرين مطلقاً: كقوله: {أية : يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض}تفسير : [المائدة: 51] ــــــ وقوله ــــــ {أية : يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الذين اتّخذوا دينكم هزؤاً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفّار أولياء}تفسير : [المائدة: 57] وإلى هذا الوجه مالَ الفخر. واسم الإشارة في قوله: {ذلك} بمعنى ذلك المذكور، وهو مضمون قوله: {أولياء من دون المؤمنين}. والآية نهي عن موالاة الكافرين دون المؤمنين باعتبار القيد أو مطلقاً، والموالاة تكون بالظاهر والباطن وبالظاهر فقط، وتعتورها أحوال تتبعها أحكام، وقد استخلصتُ من ذلك ثمانية أحوال. الحالة الأولى: أن يتّخذ المسلم جماعة الكفر، أو طائفته، أولياء له في باطن أمره، ميلاً إلى كفرهم، ونواء لأهل الإسلام، وهذه الحالة كفر، وهي حال المنافقين، وفي حديث عتبان بن مالك: حديث : أنّ قائلاً قال في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أين مالك بن الدُّخْشُن، فقال آخر: ذلك منافق لا يحبّ الله ورسوله» فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لا تقل ذلك أما سمعتَه يقول لا إله إلاّ الله يبْتغي بذلك وجه الله"تفسير : فقال القائل: «الله ورسوله أعلم فإنّا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين». فجعل هذا الرجل الانحياز إلى المنافقين علامة على النفاق لولا شهادة الرسول لمالك بالإيمان أي في قلبه مع إظهاره بشهادة لا إله إلاّ الله. الحالة الثانية: الركون إلى طوائف الكفر ومظاهرتهم لأجل قرابة ومحبة دون الميل إلى دينهم، في وقت يكون فيه الكفّار متجاهرين بعداوة المسلمين، والاستهزاء بهم، وإذاهم كما كان معظم أحوال الكفّار، عند ظهور الإسلام مع عدم الانقطاع عن مودة المسلمين، وهذه حالة لا توجب كفر صاحبها، إلاّ أنّ ارتكبها إثم عظيم، لأنّ صاحبها يوشك أن يواليهم على مضرة الإسلام، على أنّه من الواجب إظهار الحميّة للإسلام، والغيرة عليه، كما قل العتابي شعر : : تودّ عدوّي ثم تزعم أنّني صديقك إنّ الرأي عنك لَعَازب تفسير : وفي مثلها نزل قوله تعالى: {أية : يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتّخذوا دينكم هزؤاً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفّار أولياء}تفسير : [المائدة: 9] قال ابن عطية: كانت كفّار قريش من المستهزئين» وفي مثل ذلك ورد قوله تعالى: {أية : إنّما ينهاكم اللَّه عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم}تفسير : [الممتحنة: 9] الآية وقوله تعالى: {أية : يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً}تفسير : [آل عمران: 118] الآية نزلت في قوم كان، بينهم وبين اليهود، جوار وحلف في الجاهلية، فداوموا عليه في الإسلام فكانوا يأنسون بهم ويستنيمون إليهم، ومنهم أصحاب كعب بن الأشرف، وأبي رافع ابن أبي الحُقَيْق، وكانا يؤذيان رسول الله صلى الله عليه وسلم. الحالة الثالثة: كذلك، بدون أن يكون طوائف الكفّار متجاهرين ببغض المسلمين ولا بأذاهم، كما كان نصارى العرب عند ظهور الإسلام قال تعالى: {أية : ولتجدن أقربهم مودة للذين ءامنوا، الذين قالوا إنّا نصارى}تفسير : [المائدة: 82] وكذلك كان حال الحبشة فإنّهم حموا المؤمنين، وآووهم، قال الفخر: وهذه واسطة، وهي لا توجب الكفر، إلاّ أنّه منهيّ عنه، إذ قد يجرّ إلى استحسان ما هم عليه وانطلاء مكائدهم على المسلمين. الحالة الرابعة: موالاة طائفة من الكفّار لأجل الإضرار بطائفة معيّنة من المسلمين مثل الانتصار بالكفّار على جماعة من المسلمين، وهذه الحالة أحكامها متفاوتة، فقد قال مالك، في الجاسوس يتجسس للكفّار على المسلمين: إنّه يُوكل إلى اجتهاد الإمام، وهو الصواب لأنّ التجسس يختلف المقصد منه إذ قد يفعله المسلم غروراً، ويفعله طمعاً، وقد يكون على سبيل الفلتة، وقد يكون له دأباً وعادة، وقال ابن القاسم: ذلك زندقة لا توبة فيه، أي لا يستتاب ويقتل كالزنديق، وهو الذي يُظهر الإسلام ويسر الكفار، إذَا اطُّلع عليه، وقال ابن وهب رِدّة ويستتاب، وهما قولان ضعيفان من جهة النظر. وقد استعان المعتمد ابن عباد صاحب أشبيلية بالجلالقة على المرابطين اللمْتونيين، فيقال: إنّ فقهاء الأندلس أفتوا أميرَ المسلمين علياً بنَ يوسف بنِ تاشفين، بكفر ابن عبّاد، فكانت سبب اعتقاله ولم يقتله ولم ينقل أنّه استتابه. الحالة الخامسة: أن يتّخذ المؤمنون طائفة من الكفّار أولياء لنصر المسلمين على أعدائهم، في حين إظهار أولئك الكفار محبة المسلمين وعَرْضِهم النصرة لهم، وهذه قد اختلف العلماء في حكمها: ففي المدوّنة قال ابن القاسم: لا يستعان بالمشركين في القتالحديث : لقوله عليه السلام لكافرٍ تبعه يوم خروجه إلى بدر: "ارجع فلن أستعين بمشرك"تفسير : وروى أبو الفرج، وعبد الملك بن حبيب: أنّ مالكاً قال: لا بأس بالاستعانة بهم عند الحاجة، قال ابن عبد البر: وحديث «حديث : لَن أستعين بمشرك»تفسير : مختلف في سنده، وقال جماعة: هو منسوخ، قال عياض: حملُه بعض علمائنا على أنّه كان في وقت خاص واحتجّ هؤلاء بغزو صفوان بن أمية مع النبي صلى الله عليه وسلم في حنين، وفي غزوة الطائف، وهو يومئذ غير مسلم، واحتجوا أيضاً حديث : بأنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أنّ أبا سفيان يجمع الجموع ليوم أحد قال لبني النضير من اليهود: "إنَّا وأنتم أهل كتاب وإنّ لأهل الكتاب على أهل الكتاب النصر فإمّا قاتلتم معنا وإلاّ أعرتمونا السلاح"تفسير : وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، والشافعي، والليث، والأوزاعي، ومن أصحابنا من قال: لا نطلب منهم المعونة، وإذا استأذنونا لا نأذن لهم: لأنّ الإذن كالطلب، ولكن إذا أخرجوا معنا من تلقاء أنفسهم لم نمنعهم، ورام بهذا الوجه التوفيق بين قول ابن القاسم ورواية أبي الفرج، قاله ابن رشد في البيان من كتاب الجهاد، ونقل ابن رشد عن الطحاوي عن أبي حنيفة: أنّه أجاز الاستعانة بأهل الكتاب دون المشركين، قال ابن رشد: وهذا لا وجه له، وعن أصبغ المنع مطلقاً بلا تأويل. الحالة السادسة: أن يتّخذ واحد من المسلمين واحداً من الكافرين بعينه وَليّاً له، في حسن المعاشرة أو لقرابة، لكمال فيه أو نحو ذلك، من غير أن يكون في ذلك إضرار بالمسلمين، وذلك غير ممنوع، فقد قال تعالى في الأبوين: {أية : وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً}تفسير : [لقمان: 15] حديث : واستأذنتْ أسماءُ النبي صلى الله عليه وسلم في برّ والدتها وصِلتها، وهي كافرة، فقال لها: "صِلِي أمّك"تفسير : وفي هذا المعنى نزل قوله تعالى: {أية : لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم}تفسير : [الممتجنة: 8] قيل نزلت في والدة أسماءَ، وقيل في طوائف من مشركي مكة: وهم كنانة، وخزاعة، ومزينة، وبنو الحرث ابن كعب، كانوا يودّون انتصار المسلمين على أهل مكة. وعن مالك تجوز تعزية الكافر بمن يموت له. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرتاح للأخنس بن شريق الثقفي، لما يبديه من محبة النبي، والتردّد عليه، وقد نفعهم يوم الطائف إذ صرف بني زهرة، وكانوا ثلاثمائة فارس، عن قتال المسلمين، وخنس بهم كما تقدم في قوله تعالى: {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا} الآية. الحالة السابعة: حالة المعاملات الدنيوية: كالتجارات، والعهود، والمصالحات، أحكامها مختلفة باختلاف الأحوال وتفاصيلها في الفقه. الحالة الثامنة: حالة إظهار الموالاة لهم لاتّقاء الضر وهذه هي المشار إليها بقوله تعالى: إلا أن تتقوا منهم تقاة}. والاستثناء في {إلاّ أن تتّقوا} منقطع ناشىء عن جملة {فليس من الله في شيء} لأنّ الاتّقاء ليس ممّا تضمنه اسم الإشارة، ولكنّه أشبَه الولاية في المعاملة. والاتّقاء: تجنّب المكروه، وتعديته بحرف (مِن) إمّا لأنّ الاتّقاء تستّر فعديّ بمن كما يعدّى فعل تستّر، وإمّا لتضمينه معنى تخافوا. و{تُقاةً} قرأه الجمهور: بضم المثنّاة الفوقية وفتح القاف بعدها ألف، وهو اسم مصدر الاتّقاء، وأصله وُقَيَة فحذفت الواو التي هي فاء الكلمة تبعاً لفعل اتّقى إذ قلبت واوه تاء ليتأتّى إدغامها في تاء الافتعال، ثم أتبعوا ذلك باسم مصدره كالتُّجاة والتكْلة والتوءَدَة والتخْمة إذ لا وجه لإبدال الفاء تاء في مثل تقاة إلاّ هذا. وشذّ تُراث. يدل لهذا المقصد قول الجوهري: «وقولهم تُجاهك بني على قولهم اتّجه لهم رأي». وفي «اللسان» في تخمة، «لأنّهم توهّموا التاء أصلية لكثرة الاستعمال». ويدل لذلك أيضاً قرن هذه الأسماء مع أفعالها في نحو هذه الآية، ونحو قوله: {أية : يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته}تفسير : [آل عمران: 102] وقرأه يعقوب بفتح الفوقية وكسر القاف وفتح التحتية مشدّدة بوزن فَعِيلة. وفائدة التأكيد بالمفعول المطلق هنا: الإشارة إلى تحقّق كون الحالة حالة تَقِية، وهذه التقية مثل الحال التي كان عليها المستضعفون من المؤمنين الذين لم يَجدوا سبيلاً للهجرة، قال تعالى: {أية : إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان}تفسير : [النحل: 106] ومثل الحالة التي لقيها مسلمو الأندلس حين أكرههم النصارى على الكفر فتظاهروا به إلى أن تمكّنت طوائف منهم من الفرار، وطوائف من استئذان الكفّار في الهجرة إلى بلاد الإسلام فأذن لهم العدوّ، وكذلك يجب أن تكون التُّقاة غير دائمة لأنّها إذا طالت دخل الكفر في الذراري. وقوله: {ويحذركم الله نفسه} تحذير من المخالفة ومن التساهل في دعوى التقية واستمرارها أو طول زمانها. وانتصاب {نفسَه} على نزع الخافض وأصله ويحذّركم الله من نفسه، وهذا النزع هو أصل انتصاب الاسمين في باب التحذير في قولهم إياك الأسدَ، وأصله أحَذِّرك من الأسد. وقد جعل التّحذير هنا من نفس الله أي ذاته ليكون أعمّ في الأحوال، لأنّه لو قيل يحذركم الله غضبه لتوهّم أنّ لله رضا لا يضرّ معه، تعمّد مخالفة أوامره، والعربُ إذا أرادت تعميم أحوال الذات علّقت الحكم بالذات: كقولهم لولا فلان لهلك فلان، وقوله تعالى: {أية : ولولا رجال مؤمنون} تفسير : [الفتح: 25] إلى قوله {أية : لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً}تفسير : [الفتح: 25] ومن هذا القبيل تعليق شرط لولا على الوجود المطلق الذي سوغ حذف الخبر بعد لولا. وسيجيء الكلام على صحة إطلاق النفس مضافاً إلى الله تعالى في سورة العقود عند قوله تعالى: {أية : تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك}تفسير : [المائدة: 116]. وهذا إعذار وموعظة وتهديد بالعقاب على مخالفة ما نهاهم الله عنه. و{المصير}: هو الرجوع، وأريد به البعث بعد الموت وقد عَلِم مثبتو البعث لا يكون إلاّ إلى الله، فالتقديم في قوله: {وإلى الله} لمجرد الاهتمام، وهذا تعريض بالوعيد أكد به صريح التهديد الذي قبله.

الواحدي

تفسير : {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين} أَيْ: أنصاراً وأعواناً من غير المؤمنين وسواهم، نزلت في قومٍ من المؤمنين كانوا يُباطنون اليهود، [أي: يألفونهم] ويوالونهم. {ومَنْ يفعل ذلك} الاتخِّاذ {فليس من الله في شيء} أَيْ: من دين الله، أَيْ: قد برىء من الله وفارق دينه، ثمَّ استثنى فقال: {إلاَّ أن تتقوا منهم تقاة} [أَيْ: تقيَّة] هذا في المؤمن إذا كان في قومٍ كفَّارٍ، وخافهم على ماله ونفسه، فله أن يُخالفهم ويُداريهم باللِّسان، وقلبُه مطمئنٌّ، بالإِيمان دفعاً عن نفسه. قال ابنُ عبَّاسٍ: يريد مدارةً ظاهرةً {ويحذركم الله نفسه} أَيْ: يُخَوِّفكم الله على موالاة الكفار عذاب نفسه، [يريد: عذابه، وخصَّصه بنفسه تعظيماً له] فلمَّا نهى عن ذلك خوَّف وحذَّر عن إبطان موالاتهم، فقال: {قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه} من ضمائركم في موالاتهم وتركها {يعلمه الله ويعلم ما في السموات وما في الأرض} إتمامٌ للتَّحذير؛ لأنَّه إذا كان لا يخفى عليه شيء فيهما، فكيف يخفى عليه الضَّمير؟ {واللَّهُ على كلِّ شيءٍ قدير} تحذيرٌ من عقاب مَنْ لا يعجزه شيء.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 28- إذا كان الله - سبحانه وتعالى - هو - وحده - مالك الملك، ويعز ويذل، وبيده وحده الخير والخلق والرزق، فلا يصح للمؤمنين أن يجعلوا لغير المؤمنين ولاية عليهم، متجاوزين نصرة المؤمنين؛ لأن فى هذا خذلاناً للدين وإيذاء لأهله، وإضعافاً للولاية الإسلامية، ومن يسلك هذا المسلك فليس له من ولاية الله مالك الملك شئ، ولا يرضى مؤمن بولايتهم إلا أن يكون مضطرا لذلك، فيتقى أذاهم بإظهار الولاء لهم. وعلى المؤمنين أن يكونوا فى الولاية الإسلامية دائماً وهى ولاية الله، وليحذروا أن يخرجوا إلى غير ولايته فيتولى عقابهم بنفسه بكتابة الذلة عليهم بعد العزة. وإليه - وحده - المصير فلا مفرَّ من سلطانه فى الدنيا ولا فى الآخرة. 29- قل - يا أيها النبى - إن تخفوا ما فى صدوركم أو تظهروه فى أعمالكم وأقوالكم فإن الله يعلمه، ويعلم جميع ما فى السموات وما فى الأرض ما ظهر منه وما استتر، وقدرته نافذة فى جميع خلقه. 30- فليحذر الذين يخالفون أمره يوم تجد كل نفس عملها من الخير مهما قلَّ مشاهداً حاضراً، وما اقترفَته من سوء تتمنى أن يكون بعيداً عنها بُعْداً شاسعاً حتى لا تراه استقباحاً له وخوفاً من الوقوع فى مغبته، ويحذركم الله عقابه إذا خرجتم من ولايته التى هى رأفة ورحمة بالعباد. 31- قل: إن كنتم صادقين فى دعواكم أنكم تحبون الله وتريدون أن يحبكم الله فاتبعونى فيما آمركم به وأنهاكم عنه، لأننى مبلغ عن الله، فإن ذلك يحبكم الله به، ويثيبكم الله عليه بالإحسان إليكم والتجاوز عن خطاياكم، والله كثير الغفران والرحمة لعباده. 32- قل: أطيعوا الله ورسوله، فإن أعرضوا عنك فهم كافرون بالله ورسوله، والله لا يحب الكافرين.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لا يتخذ: لا يجعل. أولياء: جمع وليّ يتولّونهم بالنصر والمحبة والتأييد. فليس من الله في شيء: أي بريء الله تعالى منه، ومن برىء الله منه هلك. تقاة: وقاية باللسان وهي الكلمة الملينة للجانب، المبعدة للبغضاء. محضراً: حاضراً يوم القيامة. أمداً بعيداً: مدىً وغاية بعيدة. ويحذركم الله نفسه: أي يخوفكم عقابه إن عصيتموه. معنى الآيات: ينهى تعالى عباده المؤمنين عن اتخاذهم الكافرين أولياء من دون المؤمنين أي أعواناً وأنصاراً يبادلونهم المحبة والمناصرة على إخوانهم المؤمنين، وأعلمهم تعالى أن من يفعل ذلك فقد برىء الله تعالى منه وذلك لكفره ورَّدته حيث والى أعداء الله وعادى أولياءه، فقال تعالى {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ} أي برىء الله تعالى منه وانقطعت صلته وانبتَّ حبل الولاية بينه وبين الله تعالى، ويا هلاكه ثم رخص تعالى للمؤمنين المستضعفين الذين يعيشون تحت سلطان الكافرين في أن يعطوهم حلاوة لسانهم دون قلوبهم وأعمالهم فيتقون بذلك شرهم وأذاهم، وذلك بكلمة المصانعة والمجاملة قال تعالى: {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً...} ولما كان أمر البراء والولاء ذا خطر عظيم قال تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} أي في أن تتخذوا أعداءه أولياء ضد أوليائه وأخبرهم أن المصير إليه لا إلى غيره فليحذر العصاة من وقوفهم بين يدي الله فقال: {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ}. هذا ما تضمنته الآية الأولى [28] وأما الآية الثانية [29] فقد أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للناس مؤمنهم وكافرهم {.. إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ..} من حب أو بغض، من رضىً أو سخط فلا تنطقوا به ولا تظهروه بحال من الأحوال، أو أن تظهروه بقول أو عمل أو حال فإنه تعالى يعلمه ويعلم ما في السماوات وما في الأرض، ويحاسب به ويجزي عليه وهو على كل شيء قدير. ألا فليراقب الله العاقل وليتقه، فلا يقدم على معاصيه، وخاصة موالاة أعدائه على أوليائه. وأما الآية الثالثة [30] {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ..} ففيها يذكر تعالى عباده بيوم القيامة ليقصروا عن الشر ويرعَوُوا من الظلم والفساد فيقول أذكروا يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً أي حاضراً تجزى به، وما عملت من سوء وشر حاضراً أيضاً ويسوءها مرآه فتود بكل قلبها لو أن بينها وبينه غاية من المسافة لا تدرك وينهي تعالى تذكيره وإرشاده سبحانه وتعالى قوله {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} مؤكداً التحذير الأول به، ويختم الآية بقوله والله رؤوف بالعباد، ونعم ما ختم به إذ لولاه لطارت قلوب العالمين فزعاً وخوفاً فذو الرأفة بعباده لا يُوأس من رحمته. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- حرمة موالاة الكافرين مطلقاً. 2- مولاة الكافرين على المؤمنين ردة وكفر وبراءة من الله تعالى. 3- جواز التقيّة في حال ضعف المؤمنين وقوة الكافرين. 4- وجوب الحذر من عذاب الله تعالى وذلك بطاعته تعالى. 5- خطورة الموقف يوم القيامة ووجوب الاستعداد له بالإِيمان والتقوى.

القطان

تفسير : الأولياء: جمع ولي: النصير والصديق. تقاة: اتقاء وخوفا. في هذه الآية تحذير كبير من اتخاذ الكافرين أولياء، فالله سبحانه وتعالى نبّهنا في الآية السابقة أن نلتجىء اليه، وأفهمنا ان كل شيء بيده، وهنا يحذّرنا من ان نتخذ الكافرين اصدقاء وناصرين: فما دام الله وحده هو مالك الملك، يعزّ ويذل ويعطي ويمنع، فهل يجوز للمؤمنين ان يجعلوا لغير المؤمنين ولاية عليهم؟ ان في هذا خذلاناً للدِّين واضعافاً للولاية الاسلامية، ومن يسلك هذا المسلك فإن الله يتخلى عنه. ولا يجوز للمؤمن ان يرضى بولاية الكافرين الا مضطرا، فيتقي أذاهم باظهار الولاء لهم. وعلى المؤمنين ان يكونوا في الولاية الاسلامية، وهي ولاية الله، ولْيحذَروا ان يخرجوا منها الى غير ولايته، فيتولى عقابهم بنفسه، كما هو حاصل اليوم، حيث ألقى طائفة من المسلمين بأنفسهم في احضان أعدائهم وأعداء الله في الشرق والغرب، فأذاقهم الله الذل ونصَر عليهم اليهود. وهو سينصرهم لو رجعوا اليه، لا إلى مطامعهم، ووحدوا صفوفهم، وباعوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله لا في سبيل الكراسي والمناصب.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكَافِرِينَ} {تُقَاةً} (28) - رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أنَّ الحَجَّاجَ بْنَ عَمْرو، وَابْنَ أبي الحَقِيقِ وَقَيْسَ بْنَ زَيْدٍ (مِنَ اليَهُودِ) كَانُوا يُلازِمُونَ (يُبَاطِنُونَ) نَفَراً مِنَ الأنْصَارِ يَفْتِنُونَهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، فَقَالَ رِفَاعَةُ بْنُ المُنْذِرِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جُبَيْرٍ لأولَئِكَ النَّفَرِ: اجْتَنِبُوا هؤُلاءِ اليَهُودَ. فَأبَوْا إلاّ مُبَاطَنَتَهُمُ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ وَفِيهَا يَنْهَى اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ عَنْ مُوَالاةِ الكَافِرِينَ، وَعَنْ أنْ يَتَّخِذُوهُم أوْلِيَاءَ يُسِرُّونَ إِليْهِمْ بِالمَوَّدةِ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ تَوَعَدَّ تَعَالَى مَنْ يُخَالِفُ أمْرَهُ فِي ذَلِكَ، إلا مَنْ خَافَ فِي بَعْضِ البُلْدَانِ وَالأوقَاتِ شُرُورَهُمْ (إلا أنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)، فَلَهُ أنْ يَتَّقِيَهُمْ بِظَاهِرِهِ، لاَ بِبَاطِنِهِ وَنِيَّتِهِ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْتقِيَّهُ لاَ تَكُونُ بِالعَمَلِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ بِاللِّسَانِ فَقَطْ) ثُمَّ هَدَّدَ اللهُ تَعَالَى المُخَالِفِينَ عَنْ أمْرِهِ بِأنْ يَحْذَرُوا نِقْمَتَهُ عَلَيْهِمْ، إذَا اسْتَمَرُّوا فِي مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ، وَمُوَالاَةِ أَعْدَائِهِ، وَعَادَوا أَوْلِيَاءَ اللهِ، وَإلى اللهِ المَرْجِعُ وَالمُنْقَلَبُ، فَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ بِعَمَلِهِ. الوَلِيُّ - النَّصِيرُ. التُّقَاةُ - الاتِّقَاءُ وَالخَوْفُ. يُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ - يُخَوِّفُكُمُ اللهُ غَضَبَهُ وَعِقَابَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أنت لا تتخذ الكافر ولياً إلا إن بانت لك مظاهر القوة فيه، ومظاهر الضعف فيك، إنك عندما تتأمل معنى كلمة "ولي". تجد أن معناها "معين" وحين تقول: "الله هو الولي" فإننا نستخدم الكلمة هنا على إطلاقها، إن كلمة الولي تضاف إلى الله على إطلاقها، وتضاف بالنسبة والمحدودية لخلق الله، فالحق يقول: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ..}تفسير : [البقرة: 257]. إن الله ولي على إطلاقه، والحق يقول: {أية : أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}تفسير : [يونس: 62]. إن المفرد لأولياء الله هو "ولي الله"، فالمؤمن ولي الله، والحق يقول: {أية : هُنَالِكَ ٱلْوَلاَيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً}تفسير : [الكهف: 44]. هكذا نلاحظ أن الولاية قد تضاف مرة إلى الله، ومرة إلى خلق الله. إن الله ولي المؤمن، وهذا أمر مفهوم، وقد نتساءل: كيف يكون المؤمن ولي الله؟ إنا نستطيع أن نفهم هذا المعنى كما يلي: إن الله هو المعين للعباد المؤمنين فيكون الله ولي الذين آمنوا، أي معينهم ومقويهم. وأولياء الله، هم الذين ينصرون الله، فينصرهم الله، وهو - سبحانه - الحق الذي قال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}تفسير : [محمد: 7]. ألم يكن الله قادراً أن ينتقم من الكفار مرة واحدة وينتهي من أمرهم؟ ولكن الحق سبحانه قال: {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ}تفسير : [التوبة: 14]. إن الحق لو قاتلهم فإن قتاله لهم سيكون أمراً خفياً، وقد يقولون: إن هذه مسائل كونية في الوجود، لذلك يأتي بالقتال للمؤمنين الذين استضعفهم الكافرون. إذن مرة تُطلق "الولي" ويراد بها "المعين". ومرة أخرى تُطلق كلمة "الولي" ويراد بها "المعان". لأنك إن كنت أنت ولي الله، والله وليك فإنه الحق سبحانه "معين" لك وأنت "معان". إن الحق سبحانه يريد لمنهجه أن يسود بإيمان خلقه به، وإلا لكان الحق سبحانه وتعالى قد استخدم طلاقة قدرته على إرغام الناس على أن يكونوا طائعين، فلا أحد بقادر على أن يخرج عن قدرة الله، والإنسان عليه أن يفكر تفكيراً واضحاً، ويعرف أن حياته بين قوسين: بين قوس ميلاده وقوس وفاته، ولا يتحكم الإنسان في واحد من القوسين، فلماذا يحاول التحكم في المسافة بين القوسين؟ إذن القواميس الكونية بيد الله وتسير كالساعة، إنه سبحانه يقول: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [غافر: 57]. إن شيئاً لم يخرج عن مراد الخالق الأعظم. إنما الحق سبحانه وتعالى أخذ هذه المسائل في حركة السماوات والأرض بقوة قهره وقدرة جبروته، فلا شيء يخرج من يده، أما بالنسبة للعباد فهو سبحانه يريد ان يأخذ قوماً بحب قلوبهم. إن الإيمان طريق متروك لاختيار الإنسان، صحيح أن الحق قادر على أن يأتي بالناس مؤمنين، ولكنه يريد أن يرى من يجيء إليه وهو مختار ألا يجيء. إن تسخير الأشياء يظهر لنا صفة القدرة الكاملة لله، واختيارات الإنسان هي التي تظهر صفة المحبوبية لله، والله يريد لنا أن نرى قدرته، ويريد منا أن نتجه إليه بالمحبوبية لذلك يقول الحق: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 28] لماذا؟ لأن الكافرين وإن تظاهروا أنهم أولياء لك أيها المؤمن، فهم يحاولون أن يجعلوك تستنيم لهم، وتطمئن إليهم وربما تسللوا بلطف ودقة، فدخلوا عليك مدخل المودة، وهم ليسوا صادقين في ذلك، لأنهم ما داموا كافرين، فليس هناك التقاء في الأصل بين الإيمان والكفر؛ لذلك يقول الحق: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ} [آل عمران: 28]. إن من يتخذ هؤلاء أولياء له، فليس له نصيب من نصرة الله، لماذا؟ لأنه اعتقد إن هؤلاء الكافرين قادرون على فعل شيء له. لذلك يحذرنا الله ويزيد المعنى وضوحاً أي: إياكم أن تغتروا بقوة الكافرين وتتخذوا منهم أولياء. ولا تقل أيها المؤمن: "ماذا أفعل؟" لأن الله لا يريد منك إلا أن تبذل ما تستطيع من جهد، ولذلك قال سبحانه: {أية : وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ}تفسير : [الأنفال: 60]. إن الحق لم يقل: "أعدوا لهم ما تغلبونهم به"، ولكنه قال: "أعدوا لهم ما استطعتم". إن على المؤمن أن يعمل ما في استطاعته، وأن يدع الباقي لله، ولذلك فهناك قضية قد يقف فيها العقل، ولكن الله يطمئننا؛ أي: لا تخافوا ولا تظنوا أن أعدادهم الكبيرة قادرة على أن تهزمكم، ولا تسأل: "ماذا أفعل يا الله"؟ لقد علمنا الحق ألا نقول ذلك، وعلمنا ما يحمينا من هذا الموقف لذلك قال: {أية : سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}تفسير : [الأنفال: 12]. إذن فساعة يلقي الله في قلوب الذين كفروا الرعب فماذا يصنعون مهما كان عددهم أو عدتهم؟ أليس في ذلك نهاية للمسألة؟ إن الرعب هو جندي ضمن جنود الله، ولذلك فعلى المؤمن ألا يوالي الكافرين من دون المؤمنين، لماذا؟ حتى لا ينطبق عليه القول الحق: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ} [آل عمران: 28] ويضع الحق بعد ذلك الاستثناء: {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} [آل عمران: 28]. إن الحق سبحانه وتعالى يعطي المنهج للإنسان وهو من خلقه سبحانه، ويعرف كل غرائزه، وانفعالاته، وفكره، وفي أنه قد تأتي له ظروف أقوى من طاقته، لذلك يعامل الحق الإنسان على أنه مخلوق محدود القدرات؛ وفي موضع آخر جاء الحق باستثناء آخر فقال: {أية : وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}تفسير : [الأنفال: 16]. إن الحق يقول في هذا الموضع من سورة آل عمران: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ، إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران: 28]. "وتقاة" مأخوذة من "الوقاية". إنهم قد يكونون أقوياء للغاية، وقد لا يملك المؤمن بغلبه الظن في أن ينتصر عليهم؛ وهم الكافرون، فلا مانع من أن يتقي المؤمن شرهم. إن التقية رخصة من الله، روي: أن مسيلمة الكذاب جاء برجلين من المسلمين وقال لواحد منهما: "أتشهد أن محمداً رسول الله"؟ قال المؤمن "نعم": قال مسيلمة: "وتشهد أني رسول الله؟" قال المؤمن: "نعم". وأحضر مسيلمة المسلم الآخر وقال له: "أتشهد أن محمداً رسول الله؟" قال المؤمن: "نعم". قال مسيلمة: "أتشهد أني رسول الله؟" قال المؤمن الثاني: "إني أصم" كيف رد عليه المؤمن بدعوى الصمم؟ لقد علم مسيلمة أنه يدعي الصمم، ولذلك أخذه وقتله، فرفع الأمر إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فماذا قال؟ قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أما المقتول .. فقد صدع بالحق فهنيئاً له، وأما الآخر فقد أخذ برخصة الله"تفسير : . فالتقية رخصة، والإفصاح بالحق فضيلة.. وعمار بن ياسر أخذ بالرخصة وبلال بن رباح تمسك بالقرعة. ولننظر إلى حكمة التشريع في هذا الأمر. إن كل مبدأ من مبادئ الخير جاء ليواجه ظاهرة من ظواهر الشر في الوجود، وهذا المبدأ يحتاج إلى منهج يأتي من حكيم أعلى منه، ويريد صلابة يقين، وقوة عزيمة، كما يريد تحمل منهج، فالتحمل إنما يكون من أجل أن يبقى المنهج للناس، والعزيمة من أجل أن يواجه المؤمن الخصوم، فلو لم يشرع الله التقية بقوله: {أية : إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ ..}تفسير : [النحل: 106]. لكنا حقيقة سنحقق الفدائية التي تفدي مناهج الحق بالتضحية بالحياة رخيصة في سبيل الله، ولكن هب ان كل مؤمن وقف هذا الموقف فمن يحمل علم الله إلى الآخرين؟ لذلك يشرع الحق سبحانه وتعالى التقية من أجل أن يبقى من يحمل المنهج، إنه يقرر لنا الفداء للعقيدة، ويشرع لنا التقية من أجل بقاء العقيدة. لقد جاء الحق بالأمرين: أمر الوقوف في وجه الباطل بالاستشهاد في سبيل الحق، وأمر التقية حماية لبعض الخلق حتى لا يضيع المنهج الحق لو جاء جبار، واستأصل المؤمنين جميعاً، لذلك يشرع الحق ما يبقى للفداء قوماً، ويبقى للبقاء قوماً ليحملوا منهج الله، هل عرفنا الآن لماذا جاءت التقية؟ لأن الحق سبحانه وتعالى يريد منهجاً يعمر الأرض، ويورث للأجيال المتتالية، لو أن الحق لم يشرع التقية بقوله: {أية : مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}تفسير : [النحل: 106]. لثبتت الفدائية في العقيدة، ولو ثبتت الفدائية وحدها لكان أمر المنهج عرضة لأن يزول، ولا يرثه قوم آخرون، لذلك شرع الله التقية ليظل أناس حول شمعة الإيمان، يحتفظون بضوئها؛ لعل واحداً يأخذ بقبسها، فيضيء بها نوراً وهاجاً. ولذلك، فلا ولاية من مؤمن لقوم كافرين إلا أن يتقى منهم تقاة، لماذا؟ لأن الله يحذرنا نفسه بقوله: {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} [آل عمران: 28]. فإياك أن تقبل على السلوك الذي يضعه أمامك الكفار بانشراح صدر وتقول: أنا أقوم بالتقية، بل لا بد أن تكون المسألة واضحة في نفسك، وأن تعرف لماذا فعلت التقية، هل فعلتها لتبقى منهج الخير في الوجود، أو لغير ذلك؟ هل فعلتها حتى لا تجعل جنود الخير كلهم إلى فناء أو غير ذلك؟ إنك إن فعلت التقية بوعي واستبقيت نفسك لمهمة استبقاء المنهج الإيماني، فأنت أهل الإيمان، وعليك أن تعرف جيداً أن الحق قد قال: {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} [آل عمران: 28]. إنه الحق يقول للمؤمنين: إياكم أن تخلعوا على التقية أمراً هو مرغوب لنفوسكم، لماذا؟ لأن الحق قد حددها: {أية : مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}تفسير : [النحل: 106]. فلا غاية إلا الله، فإياكم أن تغشوا أنفسكم؛ لأنه لا غاية عند غيره؛ فالغاية كلها عنده وبعد ذلك يقول الحق: {قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الآية: 28] قال: يعني إِلاَّ مصانعة في الدين. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} [الآية: 37]. يقول: ساهمهم بقلمه فسهمهم فكان {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً} [الآية: 37] قال: يعني ثمراً في غير زمانه.

الصابوني

تفسير : [1] النهي عن موالاة الكافرين التحليل اللفظي {أَوْلِيَآءَ}: جمع ولي، وهو في اللغة بمعنى الناصر والمعين. قال الراغب: وكلّ من ولي أمراً الآخر فهو وليه ومنه قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [البقرة: 257]. {تُقَـٰةً}: مصدر بمعنى التقيّة وهي أن يداري الإنسان مخافة شرّه. قال ابن عباس: "التقيّة مداراة ظاهرة، وقد يكون الإنسان مع الكفار أو بين أظهرهم، فيتقيهم بلسانه ولا مودة لهم في قلبه". قال القرطبي: وأصل تُقَاة (وُقَية) على وزن فُعَلَة مثل: تُؤَدة وتُهَمَة، قلبت الواو تاء والياء ألفاً. وقال أبو حيان: والمصدر على فُعَلة جاء قليلاً ولو جاء على المقيس لكان اتقاءً ونظيره قوله تعالى: {أية : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} تفسير : [المزمل: 8]. والمعنى: إلا أن تخافوا منهم خوفاً فلا بأس بإظهار مودتهم باللسان تقية ومداراة دفعاً لشرهم وأذاهم من غير اعتقاد بالقلب. {ٱلْمَصِيرُ}: المرجع والمآب، والمعنى: رجوعكم ومآبكم إلى الله فيجازيكم على أعمالكم. "وجه المناسبة" لما بيّن تعالى في الآيات السابقة أنه مالك الملك، المعز المذل، المتصرف في الكون حسب مشيئته وإرادته، وأنه القادر على إعطاء الملك لمن شاء، ونزعه ممن شاء، وأن العزة والذلة بيده، نهى المؤمنين في هذه الآيات عن موالاة أعدائه لتكون الرغبة فيما عنده دون أعدائه الكافرين. سبب النزول 1 - نزلت هذه الآية الكريمة في شأن قوم من المؤمنين كان لهم أصحاب من اليهود كانوا يوالونهم فقال لهم بعض الصحابة: اجتنبوا هؤلاء اليهود واحذروا مصاحبتهم لئلا يفتنوكم عن دينكم ويضلوكم بعد إيمانكم فأبى أولئك النصيحة، وبقوا على صداقتهم ومصاحبتهم لهم فنزلت الآية الكريمة {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ...} الآية. 2 - وروى القرطبي في "تفسيره" عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أن هذه الآية نزلت في (عُبَادة بن الصامت) الأنصاري البدري، كان له حلفاء من اليهود فلّما خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب قال له عُبادة: يا نبيّ الله إن معي خمسمائة من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو، فأنزل الله تبارك وتعالى: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} الآية. المعنى الإجمالي نهى الله عزّ وجلّ عباده المؤمنين عن موالاة الكافرين أو التقرب إليهم بالمودة والمحبّة، أو مصادقتهم لقرابة أو معرفةٍ، لأنه لا ينبغي للمؤمنين أن يوالوا أعداء الله إذ من غير المعقول أن يجمع الإنسان بين محبة الله عز وجل وبين محبة أعدائه لأنه جمع بين النقيضين فمن أحبّ الله أبغض أعداءه. فلا يجوز للمسلم أن يوالي غير المؤمنين فيتخذ من الكفّار الذين يتربصون بالمؤمنين السوء أولياء يصادقهم ويتودّد إليهم أو يستعين بهم ويترك إخوانه المؤمنين فليس بين الإيمان والكفر نسب وصلة، فالآية الكريمة تحذّر من موالاة الكافرين إلا في حال الضرورة وهو حال اتقاء شرهم وتجنب ضررهم أو الخوف منهم فتجوز موالاتهم بشرط أن يقتصر ذلك على الظاهر مع إضمار الكراهية والبغض لهم في الباطن، ثم ختمت الآية الكريمة بالوعيد الشديد الذي يدل على عظم الذنب الذي يرتكبه من يخالف أوامر الله ويوالي أعداءه. وجوه القراءات 1 - قرأ الجمهور {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً} وقرأ يعقوب وأبو الرجاء والمفضّل (تقيّه) بالياء المشدّدة ووزنها فعيلة والتاء بدل من الواو. وجوه الإعراب أولاً: قوله تعالى: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ} لا ناهية جازمة والفعل بعدها مجزوم وحرك بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين و(يتخذ) ينصب مفعولين (الكافرين) مفعول أول و(أولياء) مفعول ثان. ثانياً: قوله تعالى: {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً} الاستثناء مفرغ من عموم الأحوال أي لا تتخذوهم أولياء في حالٍ من الأحوال إلاّ في حال اتقاء شرهم وضررهم، و(تقاة) مفعول مطلق لـ (تتقوا) وجوّز بعضهم أن يكون مفعولاً به أي إلا أن تتقوا شيئاً حاصلاً من جهتهم. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: التعبير بقوله تعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} بدل قوله: (ومن يتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين) للاختصار، واستهجاناً بذكره، وتقبيحاً لهذا الصنيع، فموالاة الكافرين من أقبح القبائح عند الله. اللطيفة الثانية: قوله تعالى: {فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ} ليس من الله، أي ليس من دين الله أو شرع الله، فهو على حذف مضاف، والتنكير في شيء للتحقير أي ليس هذا في قليل أو كثير من دين الله، لأنه جمع بين المتناقضين، وقد قال الشاعر: شعر : تودّ عدّوي ثم تزعم أنني صديقك ليس النوك عند بعازب تفسير : اللطيفة الثالثة: في قوله تعالى: {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً} التفات من الغيبة إلى الخطاب، ولو جاء على النظم الأول لكان (إلا أن يتقوا). اللطيفة الرابعة: إظهار اسم الجلالة مكان الإضمار في قوله تعالى: {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} لتربية المهابة والروعة في النفس وتقديم الخبر على المبتدأ يفيد الحصر. "الآيات الدالة على تحريم موالاة الكافرين". وفي هذا المعنى الذي ذكرناه وهو حرمة موالاة الكافرين نزلت آيات كثيرة منها ما هو خاص بأهل الكتاب ومنها ما هو عام للمشركين نكتفي بذكر بعض هذه الآيات الكريمة. 1 - قال تعالى: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} تفسير : [المائدة: 51]. 2 - وقال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ...} تفسير : [الممتحنة: 1]. 3 - وقال تعالى: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [المائدة: 57]. 4 - وقال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً...} تفسير : [آل عمران: 118]. 5 - وقال تعالى: {أية : لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ...} تفسير : [المجادلة: 22]. الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما هو حكم الاستعانة بالكفار في الحرب؟ اختلف الفقهاء في جواز الاستعانة بالكفار في الحرب على مذهبين: 1 - مذهب المالكية: أنه لا يجوز الاستعانة بالكفار في الغزو أخذاً بظاهر الآية الكريمة واستدلوا بما ورد في قصة (عبادة بن الصامت) كما وضّحها سبب النزول. واستدلوا كذلك بما روته عائشة رضي الله عنها أن رجلاً من المشركين كان ذا جرأة ونجدة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر يستأذنه في أن يحارب معه فقال صلى الله عليه وسلم له: "ارجع فلن استعين بمشرك". ب - مذهب الجمهور (الشافعية والحنابلة والأحناف): قالوا يجوز الاستعانة بالكفار في الحرب بشرطين: أولاً: الحاجة إليهم. وثانياً: الوثوق من جهتهم، واستدلوا على مذهبهم بفعل النبي صلى الله عليه وسلم فقد استعان بيهود فينقاع وقَسمَ لهم، واستعان بصفوان بن أمية في هوازن، فدَلّ ذلك على الجواز، وقالوا في الردّ على أدلة المالكية إنها منسوخة بفعله صلى الله عليه وسلم وعمله، وقال بعضهم: إن ما ذكره المالكية يحمل على عدم الحاجة أو عدم الوثوق حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يثق من جهته، وبذلك يحصل الجمع بين أدلة المنع وأدلة الجواز. الحكم الثاني: ما معنى التقية وما هو حكمها؟ قال ابن عباس: التقية أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا يقتل ولا يأتي مأثماً. وعرّف بعضهم التقيّة بأنها المحافظة على النفس والمال من شرّ الأعداء فيتقيهم الإنسان بإظهار الموالاة من غير اعتقادٍ لها. قال "الجصاص" في "أحكام القرآن": "وقد اقتضت الآية جواز اظهار الكفر عند التقية وهو نظير قوله تعالى: {أية : مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ} تفسير : [النحل: 106] وإعطاء التقية في مثل ذلك إنما هو رخصة من الله تعالى وليس بواجب، بل ترك التقيّة أفضل. قال أصحابنا فيمن أكره على الكفر فلم يفعل حتى قُتل إنه أفضل ممن أظهر، وقد أخذ المشركون (خُبَيْب بن عدي) فلم يعط التقية حتى قتل فكان عند المسلمين أفضل من (عمار بن ياسر) حين أعطى التقية وأظهر الكفر، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال كيف وجدت قلبك؟ قال: مطمئناً بالإيمان، فقال صلى الله عليه وسلم "وإن عادوا فعد...". وكان ذلك على وجه الترخيص. "قصة مسيلمة الكذاب مع بعض الصحابة" روي أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال لأحدهما أتشهد أنّ محمداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم، فترك سبيله، ثم دعا بالآخر، وقال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، قال أتشهد أني رسول الله؟ قال: إني أصم، قالها ثلاثاً، فضرب عنقه، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أمّا هذا المقتول فمضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضيلة فهنيئاً له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه". الحكم الثالث: هل تجوز تولية الكافر واستعماله في شؤون المسلمين؟ استدل بعض العلماء بهذه الآية الكريمة على أنه لا يجوز تولية الكافر شيئاً من أمور المسلمين ولا جعلهم عمالاً ولا خدماً، كما لا يجوز تعظيمهم وتوقيرهم في المجلس والقيام عند قدومهم فإن دلالته على التعظيم واضحة، وقد أُمِرْنا باحتقارهم {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} تفسير : [التوبة: 28]. قال (ابن العربي): وقد نهى عمر بن الخطاب أبا موسى الأشعري بذمي كان استكتبه باليمن وأمره بعزله. قال (الجصاص): (وفي هذه الآية ونظائرها دلالة على أن لا ولاية للكافر على المسلم في شيء، وأنه إذا كان الكافر ابن صغير مسلم بإسلام أمه، فلا ولاية له عليه في تصرف ولا تزويج ولا غيره، ويدل على أنّ الذمي لا يعقل جناية المسلم، وكذلك المسلم لا يعقل جنايته، لأن ذلك من الولاية والنصرة والمعونة). ومما يؤيد هذا الرأي ويرجحه قوله تعالى: {أية : وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} تفسير : [النساء: 141]. الحكم الرابع: حكم المداراة لأهل الشر والفجور: تجوز مداراة أهل الشر والفجور، ولا يدخل هذا في الموالاة المحرمة فقد كان عليه الصلاة والسلام يداري الفسّاق والفجّار وكان يقول: "حديث : إنا لنَبشُّ في وجوه قوم وقلوبنا تلعنهم" تفسير : أو كما قال، قال بعض العلماء: إن كانت فيما لا يؤدي إلى ضرر الغير كما أنها لا تخالف أصول الدين فذلك جائز، وإن كانت تؤدي إلى ضرر الغير كالقتل والسرقة وشهادة الزور فلا تجوز البتة، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم. ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1 - موالاة الكافرين، ومحبتهم، والتودّد إليهم محرمة في شريعة الله. 2 - التقية عند الخوف على النفس أو المال، أو التعرض للأذى الشديد. 3 - الإكراه يبيح للإنسان التلفظ بكلمة الكفر بشرط أن يبقى القلب مطمئناً بالإيمان. 4 - لا صلة بين المؤمن والكفر بولاية، أو نصرة، أو توارث، لأن الإيمان يناقض الكفر. 5 - الله تعالى مطلع على خفايا النفوس لا تخفى عليه خافية من أمور عباده.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً} معناهٌُ خَوفٌ وكَذلِكَ تَقِيةٌ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن أهل العناية من حافظي الولاية بقوله تعالى: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 28]، الإشارة في الآيتين: لا يتخذ المؤمنون الكافرون {أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 28]؛ أي: من إمارة الإيمان أن لا يمكن للمؤمن من سؤالات الكفار ومودتهم؛ لأنهم أوثق عدوى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، وإن مودة الكفار وموالاتهم كفر، كما أن الرضاء بالكفر كفر، والضدان لا يجتمعان، فلا يجتمع في قلب المؤمن حب الله ورسوله والمؤمنين وحب الكافرين أبداً؛ لقوله تعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} [آل عمران: 28]؛ يعني: من يتخذ الكافرين أولياء {فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ} [آل عمران: 28]؛ أي: من محبة الله في شيء، وفيه إشارة أخرى: إن القلب المؤمن؛ هو الذي لا يتخذ الكافرين من النفس الأمارة والشيطان والهوى والدنيا أولياء من دون المؤمنين، من الروح والسر وصفاتهما، {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} [آل عمران: 28]، قلب من القلوب؛ فليس ذلك القلب من الله من أنواره وألطافه ومواهبه ونظر عنايته ورحمته في شيء، {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً} [آل عمران: 28]؛ يعني: إلا أن تخافوا من هلاك النفوس؛ هي مركب الروح، فرجوعها إلى الحضرة الربوبية تسير إلى الحق فيواسيها ويداريها؛ لئلا يعجز عن السير في الرجوع ويهلك في الطريق من كثرة معادات القلب ومخالفة هواها وشدة ارتياحها، {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 28]؛ أي: ذاته، والمراد منه: صفات قهره؛ لأن ذاته تعالى موصوف بصفات اللطف وصفات القهر، والتحذير لا يكون إلا من صفات القهر، والإشارة فيها: إن موالاة النفس معاداة الحق، فمن كان حاله معاداة الحق فلا بد من المصير إليه، ففي يوم يكون {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} [آل عمران: 28]، لا خفي من الله إلا القهر والعداوات، ولا يخطئ منه إلا بعذاب البعد وعقاب الهجران. {قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ} [آل عمران: 29]، من معاداة الحق في ضمن موالاة النفس بدعوى الإيمان والإسلام وسلام محبته، {أَوْ تُبْدُوهُ} [آل عمران: 29]، بمخالفات أوامره ونواهيه، وموافقات دواعي النفس وشهواتها ومتابعة هواها، {يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ} [آل عمران: 29]، بالقليل والكثير، والنفير والقطمير، {وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} [آل عمران: 29]، قلوبكم من موالاة النفس ومعاداة الحق {وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 29]، نفوسكم من مخالفات الحق وموافقات الهوى، فيجازيكم على قدر الموالاة والمعاداة بقوله تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً} [آل عمران: 30]، إشارة في الآية: إن يوم القيامة {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً} [آل عمران: 30]، أثره في ذاتها وصفاتها، كان محجوباً بحجاب الغفلة، لم تكن تجده محضراً معها، فإذا كشف عنه الحجاب تجده حاضراً معها، كما قال تعالى: {أية : لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ} تفسير : [ق: 22]، وقال تعالى: {أية : وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً}تفسير : [الكهف: 49]، فمن عمل اليوم خيراً يؤثر نور ذلك الخير في قلبه فيض وجه قلبه، ومن عمل شراً يؤثر ظلمة ذلك الشر في قلبه فيسود وجهه؛ {فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا} [ق: 22]، فيكون وجوه أهل الخير بلون قلوبهم، كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}تفسير : [آل عمران: 106]، وجوه أهل الشر تكون بلون قلوبهم، كما قال تعالى: {أية : وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}تفسير : [آل عمران: 106]، فإن حية الكفر لدغتهم وهم في غفلة الناس نيام، فلم يذوقوا عذابها، فلما ماتوا انتبهوا، قيل لهم: {أية : فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ}تفسير : [آل عمران: 106]، لعلك تنتبه {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ} [آل عمران: 30]، فمن رأفته مع عباده يحذرهم نفسه؛ أي: يحذرهم أعمالاً وأحوالاً تمنعهم عن الوصول إليه، وينذرهم إكراماً عن رأفته المخصوصة بعباده الواصلين إليه. ثم أخبر عن طريق الوصول أنه متابعة الرسول بقوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} [آل عمران: 31]، والسر فيه: إن المؤمن من يكون أشد حباً لله عما سواه، والحب على قدر محبته يتبع النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى قدر إتباع المحبة يحبه الله؛ يعني: فالإتباع ثلاث درجات، ولمحبة الله للمحب التابع على حسب الإتباع ثلاث درجات: فأما درجات الاتباع الأولى: درجة العوام المؤمنين؛ وهي متابعة أفعاله صلى الله عليه وسلم، والثانية: خواص المؤمنين؛ وهي متابعة أخلاقه صلى الله عليه وسلم. والثالثة: أخص الخواص؛ وهي متابعة أحواله صلى الله عليه وسلم. أما درجات محبة المحب: فالأولى: محبة العوام؛ وهي مطالعة المنة من رؤية الحسان المحسن، كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : جبلت القلوب على حب من أحسن إليها"تفسير : ، وهذا حب يتغير بتغير الإحسان، وهو من باب الأفعال المتابع الأعمال؛ وهم يطمعون أجراً على ما يحتملون من نتائج الحب، قال أبو الطيب ثم أخبر: شعر : ضعيف الهوى يرجى عليه ثواب وما أنا بالباغي على الحب رشوة تفسير : والثانية: محبة الخواص؛ وهي محبة تنشأ من مطالعة شواهد الكمال عند تجلي صفات الجلال والجمال، وهذه محبة المقربين يحبون إعظاماً وإجلالاً له؛ لاطلاعهم على كمال جماله وعظمة صفات كماله وهذا حب التعظيم والإجلال لوجه الله تعالى، فذلك هو الباقي على الأبد لبقاء الصفات على السرمد، ويزيد بازدياد المعرفة، قالت رابعة العدوية: شعر : أحبك حبين حب الهوى وحباً لأنك أهل لذاكا تفسير : وهذه المحبة هي التي تبعث على إيثار الحق تعالى على غيره، لما يتجلى له من معاني صفات في مدارج آياته؛ وهي لنبع أخلاقه صلى الله عليه وسلم فيضبط هذا المحب في هذه الدرجة إلى إطراح ذكر غير الله عن قلبه، متقلباً بين النظر إلى جماله مرة وإلى جلاله أخرى، لهجاً بلسانه بذكره موقوفة أعضاؤه على تعبده إجلالاً وإعظاماً، سأعبد الله لا أرجوا توبة لكن تعبد إعظام وإجلال. والثالثة: محبة أخص الخواص؛ وهي غاية القصوى للعبد ولا غاية لها، وهي محبة حافظة تقطع العبارة وترفق الإشارة ولا تنتهي بالنعوت، وهذا بخلاف المحبين الأولين إذ ليست هذه منشأة عن رؤية النعم والإحسان التي من باب الأفعال، ولا من رؤية الصفات من الجمال والجلال؛ بل جذبة من جذبات الحق المنشأة من المحبة القديمة في سر "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق؛ لأعرف"، وأهل هذه المحبة هم: المستعدون لكمال المعرفة بسبق العناية، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [الأنبياء: 101]، وقد سمي الله تعالى محبته لهم في الأزل بلا علة بالحسنى منه في حقهم، وقال مخبراً عن محبته الأزلية لهم: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} تفسير : [المائدة: 54]، إشارة منهم إلى: إنهم ما أحبوه حتى أحبهم هو أزلاً، فمحبتهم له لمحبته لهم، وذلك أن محبته لهم في الأزل من غير علة، فلما استخرجهم من ظهر آدم تجلت محبته على قلوبهم، فجذبتها عنهم إليه وأفنتهم عن أنفسهم، فدخلوا الدنيا على ترك الصفة. قال بعضهم: غُذِينَا بالمحبة يوم قالت له الدنيا: {أية : أَتَيْنَا طَآئِعِينَ}تفسير : [فصلت: 11]. وحقيقة المحبة: أن تفني المحب بسطوتها وتبقي المحبة منه بلا هو، كما أن النار تنقي الحطب بسطوتها وتبقى النار بلا هو، فإن المحبة نار {أية : لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ}تفسير : [المدثر: 28]، وأما درجات محبة الله للعبد؛ فاعلم: أن كل صفة من صفات الله تعالى من العلم والقدرة والإرادة وغيرها، وإن اتفقت في أسماء صفات خلقه فلا يشبه حقيقتها أوصاف الخلق البتة، حتى الوجود الذي يعم الخلق والمخلوق جميعاً وذلك؛ لأن الوجود الخلق عن عدم ووجود الخالق واجب لنفسه، ووجود كل ما سواه [مستمد] منه، ومن وفق النظر على أن ليس في الكون إلا الله وأفعاله حسنة وكأنه ليس في الوجود شيء ثابت إلا هو وحده، قرأ القارئ بين يدي الشيخ أبي سعيد بن أبي الخير - رحمه الله - قوله تعالى: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} تفسير : [المائدة: 54]، فقال: بحق يحبهم؛ لأنه لا يحب إلا نفسه؛ على معنى أن ليس في الكون إلا هو وما سواه فهو من صنعه، والصانع إذا مدح صنعه فقد مدح نفسه فإذاً لا تتجاوز المحبة نفسه قائمة بنفسها، وما سواه قائم به فهو لا يحب إلا نفسه، فإذا عرفت هذا فاعلم أن محبة الله تعالى للخلق عائدة إليه حقيقة، إلا أنه كان قمرها على الخلق فيجب تعلقها بالعام والخاص، وأخضر أنبت لكل صنف منهم سعادة يخطى بها عند مرورها عليه، إلا أن تنتهي إلى محلها الذي صدرت منه، فيكون المحبة والمحب والمحبوب، واحداً فصدرت المحبة عن محل "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فمررت على فخلقت الخلق؛ لأعرف"، فما تعلقت إلا بأهل المعرفة؛ وهم المخصوصون بالأنعام، كما قال تعالى: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ...} تفسير : [النساء: 69]، فتعلقت بالعام من أهل المعرفة بالرحمة ومشربهم الأعمال، فقيل لهم: {فَٱتَّبِعُونِي} [آل عمران: 31]، بالأعمال الصالحة {يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} [آل عمران: 31]، يخصصكم الله بالرحمة {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31]، التي صدرت منكم على خلاف المتابعة {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} [آل عمران: 31]، لمن أطاعه {رَّحِيمٌ} [آل عمران: 31]، لمن يعصيه، وتعلقت بالخاص من أهل المعرفة بالفضل ومشربهم الأخلاق، فقيل: {فَٱتَّبِعُونِي} [آل عمران: 31]، بمكارم الأخلاق يحببكم بالفضل، يخفيكم بتجلي صفات الجمال والكمال، {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31]، يستر ظلمة صفاتكم بأنوار صفاته، {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران: 31]، ستور بصفاته صفات أهل رحمة، وتعلقت بالأخص من أهل المعرفة بالجذبات الإلهية ومشربهم الأحوال، فقيل لهم: {فَٱتَّبِعُونِي} [آل عمران: 31]، ببذل الوجود ويحييكم الله بجذبات المحبة الأزلية، يخصكم بتجلي صفات الجلال، ويجذبكم عنكم به الله، {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31]، ويستر بجوده ذنوب وجودكم، فينجوكم عنكم ويثبتكم به، كما قال: "فإذا أحببته، كنت له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً، بيِّ يبصر، وبيِّ يتعلق وبيِّ يبطش"، ويكون العبد في هذا المقام مرآة كمال لطفه وقهره، فكما أن الرائي في المرآة يشاهد صفاته بصفاته وذاته بذاته، فيكون الرائي والرؤية والمرئي واحد، فكذلك يكون في هذا المقام المحب والمحبة والمحبوب واحد، والعارف والمعرفة والمعروف واحد، فهو المحب العارف والمحبوب المعروفة؛ أي: الذي أحب أن يعرف فأحب نفسه بمحبته، وعرف نفسه بمعرفته، {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران: 31]، ستور صداً مرآة المحبين والعارفين برحمته، فمن نظر به جمال صفاته و[من شهد] به جلال ذاته، {أية : فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} تفسير : [الشعراء: 225]، وكل بارقة يسيمون تدور رحى الحزن على دموعهم، وتفور نار الشوق بين ضلوعهم، فضلوا عن أنفسهم ببقاء المحبوب، وفقدوا طلبهم بوجدان المطلوب، فهم بين روض المحو وغدير الإثبات أموات غير أحياء، أحياء غير أموات، فطوراً يرونه فيطربون عند الكشف والتجلي، وتارة يخشونه فيهربون عند الحجب والستر، فكيف الطرب ولا مطرب؟ إلى أين الهرب ولا مهرب؟ {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} [آل عمران: 32]؛ ليكون مهربكم ومقربكم إلى الله في متابعة الرسول، فإن متابعة صورة جذبه الحق وصدق رد محبته لكم، {فإِن تَوَلَّوْاْ} [آل عمران: 32] عن متابعة المحبوب {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32]؛ يعني: لا يوجد ذرة محبة في صدق المخالفة، إلا في صدق المتابعة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذا نهي من الله تعالى للمؤمنين عن موالاة الكافرين بالمحبة والنصرة والاستعانة بهم على أمر من أمور المسلمين، وتوعد على ذلك فقال: { ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء } أي: فقد انقطع عن الله، وليس له في دين الله نصيب، لأن موالاة الكافرين لا تجتمع مع الإيمان، لأن الإيمان يأمر بموالاة الله وموالاة أوليائه المؤمنين المتعاونين على إقامة دين الله وجهاد أعدائه، قال تعالى: {أية : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } تفسير : فمن والى - الكافرين من دون المؤمنين الذين يريدون أن يطفؤا نور الله ويفتنوا أولياءه خرج من حزب المؤمنين، وصار من حزب الكافرين، قال تعالى: {أية : ومن يتولهم منكم فإنه منهم } تفسير : وفي هذه الآية دليل على الابتعاد عن الكفار وعن معاشرتهم وصداقتهم، والميل إليهم والركون إليهم، وأنه لا يجوز أن يولى كافر ولاية من ولايات المسلمين، ولا يستعان به على الأمور التي هي مصالح لعموم المسلمين. قال الله تعالى: { إلا أن تتقوا منهم تقاة } أي: تخافوهم على أنفسكم فيحل لكم أن تفعلوا ما تعصمون به دماءكم من التقية باللسان وإظهار ما به تحصل التقية. ثم قال تعالى: { ويحذركم الله نفسه } أي: فلا تتعرضوا لسخطه بارتكاب معاصيه فيعاقبكم على ذلك { وإلى الله المصير } أي: مرجع العباد ليوم التناد، فيحصي أعمالهم ويحاسبهم عليها ويجازيهم، فإياكم أن تفعلوا من الأعمال القباح ما تستحقون به العقوبة، واعملوا ما به يحصل الأجر والمثوبة، ثم أخبر عن سعة علمه لما في النفوس خصوصا، ولما في السماء والأرض عموما، وعن كمال قدرته، ففيه إرشاد إلى تطهير القلوب واستحضار علم الله كل وقت فيستحي العبد من ربه أن يرى قلبه محلا لكل فكر رديء، بل يشغل أفكاره فيما يقرب إلى الله من تدبر آية من كتاب، أو سنة من أحاديث رسول الله، أو تصور وبحث في علم ينفعه، أو تفكر في مخلوقات الله ونعمه، أو نصح لعباد الله. جاء في هامش النسخة ما يلي: (قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "المنهاج": وأما قوله: "إلا أن تتقوا منهم تقاة" قال مجاهد: لا مصانعة، والتقاة ليست بأن أكذب وأقول بلساني ما ليس في قلبي، فإن هذا نفاق، ولكن أفعل ما أقدر عليه كما في "الصحيح" عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكرا" إلخ، فالمؤمن إذا كان بين الكفار والفجار لم يكن عليه أن يجاهدهم بيده مع عجزه، ولكن إن أمكنه بلسانه وإلا فبقلبه، مع أنه لا يكذب ويقول بلسانه ما ليس في قلبه، إما أن يظهر دينه وإما أن يكتمه، وهو مع هذا لا يوافقهم على دينهم كله بل غايته أن يكون كمؤمن آل فرعون وامرأة فرعون، وهو لم يكن موافقا لهم على جميع دينهم، ولا كان يكذب، ولا يقول بلسانه ما ليس في قلبه، بل كان يكتم إيمانه، وكتمان الدين شيء وإظهار الدين الباطل شيء آخر، فهذا لم يبحه الله إلا لمن أكره إلخ { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ } . وفي ضمن إخبار الله عن علمه وقدرته الإخبار بما هو لازم ذلك من المجازاة على الأعمال، ومحل ذلك يوم القيامة، فهو الذي توفى به النفوس بأعمالها فلهذا قال { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا } . أي: كاملا موفرا لم ينقص مثقال ذرة، كما قال تعالى: {أية : فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره } تفسير : والخير: اسم جامع لكل ما يقرب إلى الله من الأعمال الصالحة صغيرها وكبيرها، كما أن السوء اسم جامع لكل ما يسخط الله من الأعمال السيئة صغيرها وكبيرها { وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا } أي: مسافة بعيدة، لعظم أسفها وشدة حزنها، فليحذر العبد من أعمال السوء التي لا بد أن يحزن عليها أشد الحزن، وليتركها وقت الإمكان قبل أن يقول {أية : يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله } {أية : يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض } {أية : ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانًا خليلا } {أية : حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين } تفسير : فوالله لترك كل شهوة ولذة وان عسر تركها على النفس في هذه الدار أيسر من معاناة تلك الشدائد واحتمال تلك الفضائح، ولكن العبد من ظلمه وجهله لا ينظر إلا الأمر الحاضر، فليس له عقل كامل يلحظ به عواقب الأمور فيقدم على ما ينفعه عاجلا وآجلا ويحجم عن ما يضره عاجلا وآجلا ثم أعاد تعالى تحذيرنا نفسه رأفة بنا ورحمة لئلا يطول علينا الأمد فتقسو قلوبنا، وليجمع لنا بين الترغيب الموجب للرجاء والعمل الصالح، والترهيب الموجب للخوف وترك الذنوب، فقال { ويحذركم الله نفسه والله رءوفٌ بالعباد } فنسأله أن يمن علينا بالحذر منه على الدوام، حتى لا نفعل ما يسخطه ويغضبه.

همام الصنعاني

تفسير : 387- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ}: [الآية: 28]، قال: لا يحلّ لمؤمن أنْ يتَّخِذَ كافراً وليّاً في دِينِه، وقوله تعالى: {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً}: [الآية: 28]، إلاّ أن يكون بينك وبينه قرابة، فتصله لذلك. 389- عبد الرزاق، قال: حدثنا ابن عُيَيْنَة، عن عمرو، عن الحسن، أنه قرأ: {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ}، {وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ}: [الآيات: 28-30]، قال: من رَأْفَتِهِ بهم أنْ حَذَّرهم نفسه.