Verse. 322 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

قُلْ اِنْ تُخْفُوْا مَا فِيْ صُدُوْرِكُمْ اَوْ تُبْدُوْہُ يَعْلَمْہُ اؙ۝۰ۭ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمٰوٰتِ وَمَا فِي الْاَرْضِ۝۰ۭ وَاللہُ عَلٰي كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ۝۲۹
Qul in tukhfoo ma fee sudoorikum aw tubdoohu yaAAlamhu Allahu wayaAAlamu ma fee alssamawati wama fee alardi waAllahu AAala kulli shayin qadeerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل» لهم «إن تخفوا ما في صدوركم» قلوبكم من موالاتهم «أو تبدوه» تظهروه «يعلمْه الله و» هو «يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير» ومنه تعذيب من والاهم.

29

Tafseer

الرازي

تفسير : إعلم أنه تعالى لما نهى المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء ظاهراً وباطناً واستثنى عنه التقية في الظاهر أتبع ذلك بالوعيد على أن يصير الباطن موافقاً للظاهر في وقت التقية، وذلك لأن من أقدم عند التقية على إظهار الموالاة، فقد يصير إقدامه على ذلك الفعل بحسب الظاهر سبباً لحصول تلك الموالاة في الباطن، فلا جرم بيّن تعالى أنه عالم بالبواطن كعلمه بالظواهر، فيعلم العبد أنه لا بد أن يجازيه على كل ما عزم عليه في قلبه، وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: هذه الآية جملة شرطية فقوله {إِن تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ } شرط وقوله {يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ } جزاء ولا شك أن الجزاء مترتب على الشرط متأخر عنه، فهذا يقتضي حدوث علم الله تعالى. والجواب: أن تعلق علم الله تعالى بأنه حصل الآن لا يحصل إلا عند حصوله الآن، ثم أن هذه التبدل والتجدد إنما وقع في النسب والإضافات والتعليقات لا في حقيقة العلم، وهذه المسألة لها غور عظيم وهي مذكورة في علم الكلام. السؤال الثاني: محل البواعث والضمائر هو القلب، فلم قال: {إِن تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ } ولم يقل إن تخفوا ما في قلوبكم؟. الجواب: لأن القلب في الصدر، فجاز إقامة الصدر مقام القلب كما قال: {أية : يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ } تفسير : [الناس: 5] وقال: {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ } تفسير : [الحج: 46]. السؤال الثالث: إن كانت هذه الآية وعيداً على كل ما يخطر بالبال فهو تكليف ما لا يطاق. الجواب: ذكرنا تفصيل هذه الكلام في آخر سورة البقرة في قوله {أية : للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ } تفسير : [البقرة: 284]. ثم قال تعالى: {وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ }. واعلم أنه رفع على الاستئناف، وهو كقوله {أية : قَـٰتِلُوهُمْ يُعَذّبْهُمُ ٱللَّهُ } تفسير : [التوبة: 14] جزم الأفاعيل، ثم قال: {وَيَتُوبَ ٱللَّهُ } فرفع، ومثله قوله {أية : فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَـٰطِلَ } تفسير : [الشورى: 24] رفعاً، وفي قوله {وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } غاية التحذير لأنه إذا كان لا يخفى عليه شيء فيهما فكيف يخفى عليه الضمير. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } إتماماً للتحذير، وذلك لأنه لما بيّن أنه تعالى عالم بكل المعلومات كان عالماً بما في قلبه، وكان عالماً بمقادير استحقاقه من الثواب والعقاب، ثم بيّن أنه قادر على جميع المقدورات، فكان لا محالة قادراً على إيصال حق كل أحد إليه، فيكون في هذا تمام الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب.

القرطبي

تفسير : فهو العالم بخفيات الصدور وما ٱشتملت عليه، وبما في السموات والأرض وما ٱحتوت عليه، علام الغيوب لا يعزب عنه مثقال ذرّة ولا يغيب عنه شيء، سبحانه لا إلۤه إلا هو عالم الغيب والشهادة.

البيضاوي

تفسير : {قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ} أي أنه يعلم ضمائركم من ولاية الكفار وغيرها إن تخفوها أو تبدوها. {وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} فيعلم سركم وعلنكم. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} فيقدر على عقوبتكم إن لم تنتهوا عما نهيتم عنه. والآية بيان لقوله تعالى: {أية : وَيُحَذّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ }تفسير : [آل عمران: 28] وكأنه قال ويحذركم نفسه لأنها متصفة بعلم ذاتي محيط بالمعلومات كلها، وقدرة ذاتية تعم المقدورات بأسرها، فلا تجسروا على عصيانه إذ ما من معصية إلا وهو مطلع عليها قادر على العقاب بها.

ابن كثير

تفسير : يخبر تبارك وتعالى عباده أنه يعلم السرائر والضمائر والظواهر، وأنه لا يخفى عليه منهم خافية، بل علمه محيط بهم في سائر الأحوال والأزمان والأيام واللحظات وجميع الأوقات، وجميع ما في الأرض والسموات لا يغيب عنه مثقال ذرة، ولا أصغر من ذلك في جميع أقطار الأرض والبحار والجبال، {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي: وقدرته نافذة في جميع ذلك، وهذا تنبيه منه لعباده على خوفه وخشيته؛ لئلا يرتكبوا ما نهى عنه وما يبغضه منهم، فإنه عالم بجميع أمورهم، وهو قادر على معاجلتهم بالعقوبة، وإن أنظر من أنظر منهم، فإنه يمهل، ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر، ولهذا قال بعد هذا: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا} الآية، يعني: يوم القيامة يحضر للعبد جميع أعماله من خير ومن شر، كما قال تعالى: {أية : يُنَبَّأُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ }تفسير : [القيامة: 13] فما رأى من أعماله حسناً سره ذلك وأفرحه، وما رأى من قبيح ساءه وغاظه، وود لو أنه تبرأ منه، وأن يكون بينهما أمد بعيد، كما يقول لشيطانه الذي كان مقترناً به في الدنيا، وهو الذي جرأه على فعل السوء: {أية : يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ} تفسير : [الزخرف: 38]، ثم قال تعالى مؤكداً ومهدداً ومتوعداً: {وَيُحَذِّرْكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} أي: يخوفكم عقابه، ثم قال جل جلاله مرجياً لعباده لئلا ييئسوا من رحمته ويقنطوا من لطفه: {وَٱللَّهُ رَءُوفٌ بِٱلْعِبَادِ} قال الحسن البصري: من رأفته بهم حذرهم نفسه. وقال غيره: أي: رحيم بخلقه، يحب لهم أن يستقيموا على صراطه المستقيم ودينه القويم، وأن يتبعوا رسوله الكريم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ } لهم {إِن تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ } قلوبكم من موالاتهم {أَوْ تُبْدُوهُ } تظهروه {يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ } هو {يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } ومنه تعذيب مَنْ والاهم.

ابن عطية

تفسير : الضمير في {تخفوا} هو للمؤمنين الذين نهوا عن اتخاذ الكافرين أولياء، والمعنى أنكم إن أبطنتم الحرص على إظهار موالاتهم فإن الله يعمل ذلك ويكرهه منكم، وقوله تعالى: {ويعلم ما في السموات وما في الأرض}، معناه على التفصيل، وقوله {على كل شيء قدير} عموم والشيء في كلام العرب الموجود. و {ويوم} نصب على الظرف، وقد اختلف في العامل فيه، فقال مكي بن أبي طالب، العامل فيه {قدير}، وقال الطبري:العامل فيه قوله: {أية : وإلى الله المصير} تفسير : [آل عمران: 28] وقال الزجّاج، وقال أيضاً العامل فيه {أية : ويحذركم الله نفسه} تفسير : [آل عمران: 28] يوم ورجحه وقال مكي: حكاية العامل فيه فعل مضمر تقديره، "اذكر يوم"، و{ما} بمعنى الذي و {محضراً} قال قتادة: معناه موفراً، وهذا تفسر بالمعنى، والحضور أبين من أن يفسر بلفظ آخر، وقوله تعالى: {ماعملت من سوء} يحتمل أن تكون {ما} معطوفة على {ما} الأولى فهي في موضع نصب وتكون {تود} في موضع الحال، وإلى هذا العطف ذهب الطبري وغيره، ويحتمل أن تكون رفعاً بالابتداء ويكون الخبر في قوله: {تود} وما بعده كأنه قال: وعملها السيىء مردود عندها أن بينها وبينه أمداً، وفي قراءة ابن مسعود "من سوء ودت" وكذلك قرأ ابن أبي عبلة، ويجوز على هذه القراءة أن تكون {ما} شرطية ولا يجوز ذلك على قراءة "تود" لأن الفعل مستقبل مرفوع والشرط يقتضي جزمه اللهم إلى أن يقدر في الكلام محذوف "فهي تود" وفي ذلك ضعف، و"الأمد" الغاية المحدودة من المكان أو الزمان، قال النابغة: [البسيط] شعر : سَبْق الْجَوادِ إذَا اسْتَوْلَى عَلَى الأمَدِ تفسير : فهذه غاية في المكان، وقال الطرماح: [الخفيف] شعر : كُلُّ حيّ مُسْتَكْمِلٌ عُدَّةَ الْعُمْـــــ ــــرِ وَمُودٍ إذا انقضَى أَمَدُهْ تفسير : فهذه غاية في الزمان، وقال الحسن في تفسير هذه الآية، يسر أحدهم أن لا يلقى عمله ذلك أبداً ذلك مناه، وأما في الدنيا فقد كانت خطيئته يستلذها، وقوله: {والله رؤوف بالعباد} يحتمل أن يكون إشارة إلى التحذير لأن تحذيره وتنبيهه على النجاة رأفة منه بعباده، ويحتمل أن يكون ابتداء إعلام بهذه الصفة فمقتضى ذلك التأنيس لئلا يفرط الوعيد على نفس مؤمن، وتجيء الآية على نحو قوله تعالى: {أية : إن ربك لشديد العقاب، وإنه لغفور رحيم} تفسير : [الأعراف: 167] لأن قوله: {أية : ويحذركم الله نفسه} تفسير : [آل عمران: 28] والله محذورالعقاب.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {قل إن تخفوا ما في صدوركم} يعني ما في قلوبكم من موالاة الكفار ومودتهم وإنما ذكر الصدر لأنه وعاء القلب {أو تبدوه} يعني تبدوا مودة الكفار قولاً وفعلاً وقيل معناه إن تخفوا ما في قلوبكم من تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تبدوه أي تظهروه بالحرب والمقاتلة له {يعلمه الله} أي يحفظه عليكم ويجازيكم به، {ويعلم ما في السموات والأرض} يعني أنه تعالى إذا كان لا يخفى عليه شيء في السموات ولا في الأرض فكيف يخفى عليه حالكم وموالاتكم الكفار وميلكم إليهم بقلوبكم {والله على كل شيء قدير، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً} يعني تجد كل نفس جزاء ما عملت محضراً ما عملت محضراً يوم القيامة لم ينقص ولم يبخس منه شيء، {وما عملت من سوء} أي تجد ما عملت من الخير محضراً فتسر به وما عملت من سوء {تود} أي تتمنى {لو أن بينها وبينه} أي وبين ما عملت من السوء {أمداً بعيداً} أي مكاناً بعيداً قيل: كما بين المشرق والمغرب والأمد الأجل والغاية، وقيل معناه تود أنها لم تعمله ويكون بينها وبينه أمد بعيد {ويحذركم الله نفسه} إنما كرره لتأكيد الوعيد {والله رؤوف بالعباد} قيل: معناه أنه رؤوف بهم حيث حذرهم نفسه وعرفهم كمال قدرته وعلمه، وأنه يمهل ولا يهمل. وقيل: معناه أنه رؤوف بالعباد حيث أمهلهم للتوبة ولتدارك العمل الصالح. وقيل: إنه تعالى لما قال: ويحذركم الله نفسه وهو وعيد أتبعه بقوله والله رؤوف بالعباد، وهو وعد ليعلم العبد المؤمن أن رحمته ووعده غلبت وعيده وسخطه.

ابن عادل

تفسير : لما نهى المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء - واستثنى عنه التَّقِيَّة في الظاهر - أتبعه بالوعيد على أن يصير الباطنُ موافقاً للظاهر - في وقت التقية -؛ لئلا يجرَّه ذلك الظاهرُ إلى الموالاةِ في الباطن، فبيَّن - تعالى - أن علمه بالظاهر كعِلْمِه بالباطن. فإن قيل: قوله: {إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ} شرط، وقوله: {يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ} جزاء، ولا شك أن الجزاء مترتِّب على الشرط، متأخِّرٌ عنه، فهذا يقتضي حدوثَ علمِ اللهِ تعالى. فالجوابُ: أن تعلق علم الله بأنه حصل الآن لا يحصل إلا عند حصوله الآن، وهذا التجدُّد إنما يعرض في النِّسَب، والإضافات، والتعلُّقات، لا في حقيقة العلم. فإن قيل: إن محل البواعثِ والضمائر هو القلب، فلم قال: {إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ} ولم يَقُلْ: {مَا فِي قلُوبِكُمْ}؟ فالجوابُ: لأن القلبَ في الصدر، فجاز إقامة الصدر مقام القلب، كما قال: {أية : يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} تفسير : [الناس: 5]. فصل قوله: {قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ} قلوبكم، من مودة الكفار وموالاتهم {أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ}. وقال الكلبيُّ: إن تُسرُّوا ما في قلوبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم من التكذيب، أو تُظْهِرُوه، لحَرْبِهِ وقتاله يعلْمه الله، ويجازكم عليه. قوله: "وَيَعْلَمُ" مستأنف، وليس منسوقاً على جواب الشرطِ؛ لأن علمه بما في السموات وما في الأرض غير متوقِّف على شرط، فلذلك جِيء مستأنفاً، وقوله: {وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} من باب ذكر العام بعد الخاص. {مَا فِي صُدُورِكُمْ}، وقدَّم - هنا - الإخْفَاءَ على الإبداء وجعل محلهما الصدور، بخلاف آية البقرةِ - فإنه قدَّم فيها الإبداء على الإخفاء، وجعل محلهما النفس، وجعل جواب الشرطِ المحاسبة؛ تفنُّناً في البلاغة، وذكر ذلك للتحذير؛ لأنه إذا كان لا يخفى عليه شيء فكيف يَخْفَى عليه الضميرُ؟ قوله: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وهو تمام التحذير؛ لأنه إذا كان قادراً على جميع المقدورات كان - لا محالة - قادراً على إيصال حق كل أحد إليه، فيكون هذا تمام الوعدِ، والوعيد، والترغيب، والترهيب.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: أخبرهم أنه يعلم ما أسروا من ذلك وما أعلنوا فقال {إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله}. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً} يقول: موفراً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {وما عملت من سوء تودُّ لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً} قال: يسر أحدهم أن لا يلقى عمله ذلك أبداً يكون ذلك مناة، وأما في الدنيا فقد كانت خطيئة يستلذها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي {أمداً بعيداً} قال: مكاناً بعيداً. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج {أمداً} قال: أجلاً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد} قال: من رأفته بهم حذرهم نفسه.

القشيري

تفسير : لا يَعْزُبُ معلوم عن علمه، فلا تحتشم من نازلة بك تسوءك، فعن قريب سيأتيك الغوث والإجابة، وعن قريب سيزول البلاء والمحنة، ويُعَجِّلُ المدَدَ والكفاية.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل ان تخفوا ما فى صدوركم} من الضمائر التى من جملتها ولاية الكفرة {او تبدوه} فيما بينكم {يعلمه الله} فيؤاخذكم بذلك عند مصيركم اليه {ويعلم ما فى السموات وما فى الارض} لا يخفى عليه منه شيء قط فلا يخفى عليه سركم وعلنكم وهو من باب ايراد العام بعد الخاص تأكيد له وتقريرا {والله على كل شىء قدير} فيقدر على عقوبتكم بما لا مزيد عليه عنه ان لم تنتهوا عما نهيتم عنه وهذا بيان لقوله تعالى {ويحذركم الله نفسه} لان نفسه وهى ذاته المتميزة من سائر الذوات متصفة بعلم ذاتى لا يختص بمعلوم دون المعلوم فهى متعلقة بالمعلومات كلها وبقدرة ذاتية لا تختص بمقدور دون مقدور فهى قاردة على المقدورات كلها فكان حقها ان تحذر وتتقى فلا يجسر احد على قبيح ولا يقصر عن واجب فان ذلك مطلع عليه لا محالة ولاحق به العذاب ولو علم بعض عبيد السلطان انه اراد الاطلاع على احواله مما يورد ويصدر ونصب عليه عيونا وبث من يتجسس عن بواطن اموره لاخذ حذره وتيقظ فى امره واتقى كل ما يتوقع فيه الاسترابة به فما بال من علم ان الله الذي يعلم السر واخفى مهيمن عليه وهو آمن اللهم انا نعوذبك من اغترارنا بسترك كذا فى الكشاف. فالعاقل يخاف من الله ويكون حبه وبغضه لله يوالى المؤمنين ويعادى الكافرين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أربعة من الكبائر لبس الصوف لطلب الدنيا وادعاء محبة الصالحين وترك فعلهم وذم الأغنياء والأخذ منهم ورجل لا يرى الكسب ويأكل من كسب الناس". شعر : كر آنها كه ميكفتمى كردمى نكو سيرت بارسا بودمى تفسير : والحب فى الله والبغض فى الله باب عظيم واصل من اصول الايمان وخلق سنى والمحبة الصادقة لا تكون الا عند المصافاة فى الباطن وهى مبنية على اتفاق العقيدة والوجهة لان القلوب تتناسب فتتصافى فان لم يكن بينهما التوافق المعنوى واتفق بين اربابها المصالحة والمؤانسة بحسب المماثلة النوعية والالفة النفسية والجنسية و الصورية اعدت الرذائل صاحب الفضائل باستغراق النفس فتشابه وتخالق كما قيل شعر : عن المرء لا تسال وابصر قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدى تفسير : وقال على رضى الله عنه شعر : فلا تصحب اخا الجهل واياك واياه فكم من جاهل اردى حليما حين اخاه يقاس المرء بالمرء اذا ما هو ما شاه وللقلب على القلب دليل حين يلقاه تفسير : واذا كان الرجل مبتلى بصحبة الفجار فى سفره للحج او للغزاء لا يترك الطاعة بصحبتهم ولكن يكره بقلبه ولا يرضى به فلعل الفاسق يتوب ببركة كراهة قلبه - حكى - ان حاتما وشقيقا خرجا فى سفر فصحبهما شيخ فاسق وكان يضرب بالمعزف فى الطريق وارادوا ان يتفرقوا قال لهما ذلك الشيخ الفاسق لم أر أثقل منكما قد طربت بين ايديكما كل الطرف فلم تنظرا الى طربى فقال له حاتم يا شيخ اعذرنا فان هذا شقيق وانا حاتم فتاب الرجل وكسر ذلك المعزف وجعل يتلمذ عندهما ويخدمهما فقال شقسق لحاتم كيف رأيت صبر الرجال شعر : نه آنكه بر در دعوى نشيد از خلقى كه كر خلاف كنندش بجنك برخيزد وكر زكوة فرو غلطد آسيا سنكى نه عارفست كه از راه سنك برخيزد تفسير : وينبغى ان يعلم ام المؤمن كما يلزم له ان يقطع الموالاة عن الكفار كذلك يقطع ذلك عن الاقرباء الفجار كما قيل شعر : جون نبود خويش را ديانت وتقوى قطع رحم بهتر از مودت قربى تفسير : فان قلت هذا مخالف للقرآن فانه ناطق بصلة الارحام مطلقا. قلت هو موافق كما قال تعالى {أية : وان جاهدك على ان تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما} تفسير : [لقمان: 15]. فمن تسبب لشقاوتك يجب تقاطعك عنه وان كان ذا قرابتك شعر : هزار خويش كه بيكانه از خذا باشد فداى يك تن بيكانه كاشنا باشد تفسير : فعليك بقطع التعلق من الاغيار وبالاقتداء بهدى الانبياء الاخيار قال خليل الله عليه السلام فانهم عدو لى الا رب العالمين. ومن موالاة الكفار المواكلة معهم بغير عذر اقتضاها. ومن القول الشنيع ان يقال لهم جلبى كما يقول لهم سفهاء زماننا فان معنى جلبى منسوب الى جلب وجلب اسم الله تعالى وهم نارى دون نورى فكيف يصح نسبتهم الى الله والعياذ بالله.

الطوسي

تفسير : النظم: وجه اتصال هذه الآية بما قبلها. أنه لما تقدم النهي عن اتخاذ الكفار أولياء خوفوا من الاعلان بخلاف الاظهار في ما نهوا عنه بأن الله (تعالى) يعلم الأسرار كما يعلم الاعلان. اللغة: والصدر معروف. والصدر: أعلى مقدم كل شيء. والصدر: الانصراف عن الماء بعد الري. تقول: صدرت الابل عن الماء فهي صادرة. والمصدر: الحوض الذي تصدر عنه الابل. والتصدير: حزام الرجل لميله إلى الصدور. والصدار: شبيه بالفقيرة تلبسها المرأة لأنه قصير يغطى الصدر وما حاذاه وكذلك الصدرة. وأصل الباب الصدر المعروف. وقوله: {يعلمه الله} جزم، لأنه جواب الشرط، وان كان الله يعلمه كان أو لم يكن، ومعناه يعلمه كائناً. ولا يصح وصفه بذلك قبل أن يكون. والمعنى: وما تفعلوا من خير يجاز الله عليه، لأنه يعلمه، فلا يذهب عليه شيء منه وإنما قال: {ويعلم ما في السماوات وما في الأرض} ليذكر بمعلومات الله على التفصيل بعلم الضمير وإنما رفعه على الاستئناف. وقوله: {والله على كل شيء قدير} معناه التحذير من عقاب من لا يعجزه شيء أصلا من حيث أنه قادر على كل شيء يصح أن يكون مقدوراً له.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ} من المودّة للكافرين وغيرها {أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تعميم بعد تخصيصٍ {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فيقدر على اعزازكم من دون موالاة الكافرين واذلالكم بموالاتهم فلا تتعرّضوا لما نهاكم عنه ظنّاً منكم انّ عزّتكم تحصل منه.

الهواري

تفسير : قوله: {قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ} أي تظهروه {يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً} هذا المؤمن. قال بعضهم: {مُّحْضَراً} أي: موفّراً مكَثَّراً. {وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَْو أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً} فلا يجتمعان أبداً {وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ} أي عقوبته {وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} أي رحيم. أما المؤمن فله رحمة الدنيا والآخرة، وأما الكافر فرحمته في الدنيا ما رزقه الله فيها، وليس له في الآخرة إلا النار. قوله: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ} قال الحسن: جعل محبةَ رسوله محبتَه، وطاعتَه طاعتَه؛ فقال: (أية : مَّن يُّطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ)تفسير : [النساء:80] وقال: (أية : إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ) تفسير : [الفتح:10]. قوله: {قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا} أي عن دينه {فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الكَافِرِينَ}. قوله: {إِنَّ اللهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحاً} أي: اختار آدم ونوحاً للبلاغ عن الله الرسالة. {وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ} يعني إبراهيم وولده وولد ولده {وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ} قال بعض المفسّرين: أي في النية والإِخلاص والعمل الصالح والتوجيه له. {وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

اطفيش

تفسير : {قُلْ إِنْ تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ}: أيها المؤمنون من موالاة الكافرين وغيرها مما هو ذنب. {يَعْلَمْهُ اللَّهُ}: فيجازكم به. {وَيَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ}: كله وذلك استئناف تقريره لعلمه ما أخفوه فى صدورهم. {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}: فيقدر على عقوبتكم إن لم تنتهوا عن موالاتهم، وما لا يرضى الله عز وجل، فإن علمه وقدرته ذاتيان، فلا يفوته علم شىء ولا القدرة عليه ولا العقاب ومن كان كذلك فمن حقه أن يتقى فهو تقرير لقوله {أية : ويحذركم الله نفسه}.

اطفيش

تفسير : {قُلْ إن تُخْفُوا مَا فِى صُدُورِكُمْ} من موالاتهم وغيرها {أَوْ تُبْدُوهُ} ذكرهما إشعاراً بأن ما فى الصدوروما فى الخارج سواء فى علمه تعالى {يَعْلَمْهُ اللهُ} فلا يفوت جزاؤه، وصداقة عدو الله عداوة لله، قيل: شعر : تود عدوى ثم تزعم اننى صديقك ليس النوك عنك بعازب تفسير : والنوك الحمق، وعازب بعيد غائب. قيل: شعر : إذا والى صديقك من تعادى فقد عاداك وانقطع الكلام تفسير : والأصدقاء ثلاثة، صديقك، وصديق صديقك، وعدو عدوك، والأعداء ثلاثة، عدوك وعدو صديقك، وصديق عدوك، والأشياء إما خير لا شر فيه، وإما ما غلب خيره شره، وإما شر لا خير فيه، وإما ما غلب شره خيره، وأما ما تساوى فيه الخير والشر والموجود فى الخارج الأولان، والمبدأ الفياض جواد، وفيضانه لحكمة، والحكمة تقتضى الخير المحض، والخير الغالب والشر فيه معمور {وَيَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرضِ} وما فى غيرهن على حد ما مر فلا يفوته عقاب عاص، كما لا يفوته ثواب مطيع {وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} فيعذب من والى الكفار.

الالوسي

تفسير : {قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ } أي تسروا ما في قلوبكم من الضمائر التي من جملتها ولاية الكفار، وإنما ذكر الصدر لأنه محل القلب {أَوْ تُبْدُوهُ } أي تظهروه فيما بينكم. {يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ } فيؤاخذكم به عند مصيركم إليه ولا ينفعكم إخفاؤه، وتقديم الإخفاء على الإبداء قد مرت الإشارة إلى سره {وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَْرْضِ } من إيراد العام بعد الخاص تأكيداً له وتقريراً، والجملة مستأنفة غير معطوفة على جواب الشرط. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } إثبات لصفة القدرة بعد إثبات صفة العلم وبذلك يكمل وجه التحذير، فكأنه سبحانه قال: ـ ويحذركم الله نفسه لأنه متصف بعلم ذاتي محيط بالمعلومات كلها وقدرة ذاتية شاملة للمقدورات بأسرها فلا تجسروا على عصيانه وموالاة أعدائه إذ ما من معصية خفية كانت أو ظاهرة إلا وهو مطلع عليها وقادر على العقاب بها ـ والإظهار في مقام الإضمار لما علمت.

ابن عاشور

تفسير : انتقال من التحذير المجمل إلى ضرب من ضروب تفصيله، وهو إشعار المحذّر باطّلاع الله على ما يخفونه من الأمر. وذكر الصدور هنا والمراد البواطن والضمائر: جرياً على معروف اللغة من إضافة الخواطر النفسية إلى الصدر والقلب، لأنّ الانفعالات النفسانية وتردّدات التفكّر ونوايا النفوس كلّها يشعر لها بحركات في الصدور. وزاد أو تُبدوه فأفاد تعميم العلم تعليماً لهم بسعة علم الله تعالى لأنّ مقام إثبات صفات الله تعالى يقتضي الإيضاح. وجملة {ويعلم ما في السماوات وما في الأرض} معطوفة على جملة الشرط فهي معمولة لفعل قل، وليست معطوفة على جواب الشرط: لأنّ علم الله بما في السماوات وما في الأرض ثابت مطلقاً غير معلّق على إخفاء ما في نفوسهم وإبدائه وما في الجملة من التعميم يجعلها في قوة التذييل. وقوله: {والله على كل شيء قدير} إعلام بأنّه مع العلم ذو قدرة على كلّ شيء، وهذا من التهديد؛ إذ المهدِّد لا يحول بينه وبين تحقيق وعيده إلاّ أحد أمرين: الجهل بجريمة المجرم، أو العجز عنه، فلما أعلمهم بعموم علمه، وعموم قدرته، علموا أنّ الله لا يفلتهم من عقابه. وإظهار اسم الله دون ضميره فلم يقل وهو على كل شيء قدير: لتكون الجملة مستقلة فتجري مجرى المثل، والجملة لها معنى التذييل. والخطاب للمؤمنين تبعاً لقوله: {أية : لا يتّخذ المؤمنون الكافرين}تفسير : [آل عمران: 28] الآية.

القطان

تفسير : قل يا محمد للذين أمرتُهم ان لا يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين: إن تخفوا ما في صدوركم من موالاة الكفار فتُسرّوه، أو تبدوه بألسنتكم وأفعالكم فتظهروه ـ يعلمه الله، فهو الذي يعلم جميع ما في السماوات وما في الارض. إياكم ان تُظهروا لهم موالاة، فينالكم من عقوبة ربكم ما لا طاقة لكم به. وفي هذه الآية بيان وايضاح لقوله تعالى: "ويحذِّركم الله نفسَه" اي لأنها متصفة بعلم ذاتي محيط، وقدرة ذاتية تعم المقدورات بأسرها.. فلا تجسروا على عصيانه.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (29) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِأنَّهُ يَعْلَمُ سَرَائِرَهُمْ وَضَمَائِرَهُمْ وَظَوَاهِرَهُمْ، وَأنَّهُ لا يَخْفَى عَلَيهِ شَيءٌ مِنْ أمْورِهِمْ، وَيَعْلَمُ مَا فِي الكَوْنِ جَمِيعاً مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ، وَأنَّهُ قَادِرٌ عَلَى عُقُوبَةِ المُخَالِفِينَ عَنْ أَمْرِهِ، وَالمُوَالينَ أَعْدَاءَهُ، فَمَا مِنْ مَعْصِيَةٍ خَفِيّةٍ، أوْ ظَاهِرَةٍ إلاّ وَهُوَ مُطَّلعٌ عَليها، وَقَادِرٌ عَلَى عِقَابِ فَاعِلِهَا عَلَيهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 29]. لأن الإنسان قد يقوم بالتقية كظاهرة شكلية، أما المؤمن فلا يفعل ذلك أبداً. لماذا؟ لأن التحذير واضح في هذه الآية. هنا قد يقول قائل: إن إخفاء ما في الصدر هو الذي يعلمه الله أما إبداء ما في الصدر فإنه قد علمه أحد غير الله، فلماذا جاء هذا القول؟ لقد جاء هذا القول الحكيم، لأنه قد يطرأ على بالك أن الله غيب فهو يعلم الغيب فقط ولا يعلم المشهد. لكن الله لا يحجبه مكان عن مكان أو زمان عن زمان. فإياك أن تعتقد ان الله غيب فلا يعرف إلا الغيب. إن الحق يعلم الغيب ويعلم ما برز إلى الوجود. وبعد ذلك يقول الحق: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ} [آل عمران: 30]. إن العمل في ذاته ظاهرة تحدث وتنتهي، فكيف يأتي الإنسان يوم القيامة، ويجد عمله؟ إنه لا شك سوف يجد جزاء عمله، إننا حتى الآن نقول ذلك، لكن حين يفتح الله على بعض العقول فتكتشف أسراراً من أسرار الكون فقد يكون تفسير هذه الآية فوق ما نقول، إنهم الآن يستطيعون تصوير شريط لعمل ما وبعد مدة يقول الإنسان للآخر: انظر ماذا فعلت وماذا قلت إن العمل المسجل بالشريط يكون حاضراً ومصوراً، فإذا كنا نحن البشر نستطيع أن نفعل ذلك بوسائلنا فماذا عن وسائل الحق سبحانه وتعالى؟ لا بد أنها تفوقنا قدرة، إنه الحق يعلم كل شيء، في الصدر، أو في السماوات أو في الأرض: إن الحكم الإلهي يشمل الكون كله مصداقاً لقول الحق: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}تفسير : [الأنعام: 59]. ويختم الحق هذه الآية بقوله: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 29] إنه القادر الذي يعلم عنا الغفلة، فينبهنا دائماً إلى كمال قدرته، كما قال في آية قبلها: {أية : إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [آل عمران: 26] ونحن مخلوقون لله، وهو القادر الأعلى، القادر على كل شيء ويأتي لكل منا بكتاب حسابه يوم الحساب: {أية : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ}تفسير : [الحاقة: 19]. إذن فمن تقف في عقله هذه المسألة، فليقل: {مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً} [آل عمران: 30] يعني أنه يجد جزاء عمله. أما ما عملته النفس من السوء فهي تود أن يكون بينه وبينها أمد بعيد، أي غاية بعيدة، ويقول الإنسان لنفسه: "يا ليتها ما جاءت". والحق سبحانه يقول: {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ} [آل عمران: 30] إن الحق سبحانه يكرر التحذير لنستحضر قوته المطلقة، ولكنه أيضاً رءوف بنا رحيم ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ ...}.

الأندلسي

تفسير : {قُلْ إِن تُخْفُواْ} الآية تقدم تفسير نظيرها في البقرة، والمعنى: أنه تعالى مطلع على خفايا الأمور وجلاياها ومرتب عليها الثواب والعقاب. {وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} ذكر عموماً بعد خصوص وختمها بسعة قدرته تعالى. {يَوْمَ تَجِدُ} ويضعف نصبه بقوله: ويحذركم لطول الفصل هذا من جهة اللفظ، أما من جهة المعنى فلأن التحذير موجود، واليوم موعود فلا يصح له العمل فيه ويضعف انتصابه بالمصير للفصل بين المصدر ومعموله، ويضعف نصبه بقدير لأن قدرته على كل شيء لا تختص بيوم دون يوم بل هو تعالى متصف بالقدرة دائماً وأما نصبه بإِضمار فعل فالإِضمار على خلاف الأصل وهذه أقوال للمعربين. وقال الزمخشري: يوم تجد منصوب بتودّ، والضمير في بيته أي يوم القيامة حين تجد كل نفس خيرها وشرها حاضر بين تتمنى. {لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا} وبين ذلك اليوم وهو له. {أَمَدَاً بَعِيداً} انتهى. وهذا التخريج. والظاهر في بادىء النظر حسنه وترجيحه إذ يظهر أنه ليس فيه شيء من مضعفات الأقوال السابقة لكن في جواز هذه المسألة ونظائرها خلاف مذكور في النحو. وأجاز الزمخشري وابن عطية أن تكون ما موصولة مبتدأة وخبرها تودّ بدأ بذلك أبو البقاء واتفقا على أنه لا يجوز أن يكون وما عملت من سوء شرطاً. قال الزمخشري: لارتفاع تود. وقال ابن عطية: لأن الفعل مستقبل مرفوع يقتضي جزمه اللهم إلا أن يقدر في الكلام محذوف أي نهي تود وفي ذلك ضعف. انتهى. وظهر من كلاميهما امتناع الشرط لأجل رفع تود وهو في الكلام جائز مسموع من العرب لكن امتناعه هنا لغير ذلك وهو ان ارتفاعه على مذهب سيبويه من أن النية بالمرفوع التقديم ويكون إذ ذاك دليلاً على الجواب لا نفس الجواب فنقول إذا كان تود منوياً به التقديم أدى إلى تقدم المضمر على ظاهره. في غير الأبواب المستثناة في العربية، ألا ترى أن الضمير في قوله: وبينه، عائد على اسم الشرط الذي هو ما فيصير التقدير تود كل نفس لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ما عملت من سوء فيلزم من هذا التقرير تقدم المضمر على الظاهر وذلك لا يجوز. (فإِن قلت): لم لا يجوز ذلك والضمير قد تأخر عن اسم الشرط فإن كانت نيته التقديم فقد حصل عدد الضمير على الإِسم الظاهر قبله وذلك نظير ضرب زيداً غلامه فالفاعل رتبته التقديم ووجب تأخيره لصحة عود الضمير. (فالجواب): أن اشتمال الدليل على ضمير اسم الشرط يوجب تأخيره عنه لعود الضمير فيلزم من ذلك اقتضاء جملة الشرط لجملة الدليل وجملة الشرط إنما تقتضي جملة الجزاء لا جملة دليله ألا ترى أنها ليست بعاملة في جملة الدليل بل انها تعمل في جملة الجزاء وجملة الدليل لا موضع لها من الإِعراب وإذا كان هذا تدافع الأمر لأنها من حيث هي جملة دليل لا يقتضيها فعل الشرط ومن حيث عدد الضمير على اسم الشريط اقتضتها فتدافعا، وهذا بخلاف: ضرب زيداً غلامه، وهي جملة واحدة، والفعل عامل في الفاعل والمفعول معاً فكل واحد منهما يقتضي صاحبه ولذلك جاز عند بعضهم: ضرب غلامها هنداً، لاشتراك الفاعل المضاف للضمير والمفعول الذي عاد عليه الضمير في العامل وامتنع ضرب غلامها جار هند لعدم الإِشتراك في العامل فهذا فرق ما بين المسألتين ولا يحفظ من لسان العرب أودُّ لو أني أكرمه أياً ضربت هند لأنه يلزم منه تقديم المضمر على مفسره في غير المواضع التي ذكرها النحويون فلذلك لا يجوز تأخيره. وقرىء من سوء ودّت فعلى هذا يجوز أن تكون ما شرطية مفعولة بعملت ومبتدأه على مذهب الفراء والضمير العائد محذوف أي عملته لأنه يجيز ذلك في فصيح الكلام وفي الكلام حذف تقديره محضراً تسربه ومن سوء محضراً حذف تسربه من الأول ومحضراً من الثاني. والمعنى من سوء محضراً تكرهه وعبر عن فرط الكراهة بقوله: تود أن بينها وبينه أمداً بعيداً ولو على قول الجمهور حرف لما كان سيقع لوقوع غيره وجوابها محذوف تقديره كسر به ومفعول تود محذوف تقديره تود تباعد ما بينهما ومن ذهب إلى أن لو مصدرية بمعنى أن فيبعد لأن أنْ ومعموليها في تقدير مصدر فيكون حرف مصدري دخل على حرف مصدري. وقوله: أمداً بعيداً أي غاية طويلة. {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} كرر التحذير للتوكيد والتحريض على الخوف من الله بحيث يكونون ممتثلي أمره ونهيه. {وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ} لما ذكر صفة التخويف وكررها كان ذلك مزعجاً للقلوب ومنبهاً على أيقاع المحذور مع ما قرن بذلك من إطلاعه على خفايا الأعمال وإحضاره لها يوم الحساب وهذا هو الإِتصاف بالعلم والقدرة اللذين يجب أن يحذر لأجلهما وذكر صفة الرحمة ليطمع في إحسانه وليبسط الرجاء في أفضاله فيكون ذلك من باب ما إذا ذكر ما يدل على شدة الأمر ذكر ما يدل على سعة الرحمة، لقوله تعالى: {أية : إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [الأعراف: 167]، وتكون هذه الجملة أبلغ في الوصف من جملة التخويف لأن جملة التخويف جاءت بالفعل الذي يقتضي المطلق ولم يتكرر فيها اسم الله إذ الوصف متحمل ضميره تعالى وجاء المحكوم به على وزن فعول المقتضى للمبالغة والتكثير وجاء بأخصّ ألفاظ الرحمة وهو رؤوف، وجاء متعلقه عاماً ليشمل المخاطب وغيره وبلفظ العباد ليدل على الإِحسان التام لأن المالك محسن لعبده وناظر له أحسن نظر إذ هو ملكه. {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ} خطاب لمن ادعى محبة الله تعالى ومحبتهم له تعالى هو بامثتال أمره واجتناب نهيه. ومعنى: {فَٱتَّبِعُونِي} اتبعوا ما جئت به من عنده تعالى. ومعنى {يُحْبِبْكُمُ} أي يعاملكم بالإِحسان على طاعته. {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} ما سلف من ذنوبكم. وقرىء تحبون ويحببكم بفتح التاء والياء وهما من حب. وقرىء يحبكم الله بفتح الياء والإِدغام. وقرىء فاتبعوني بشد النون ألحق فعل الأمر نون التوكيد وأدغمها في نون الوقاية ولم يحذف الواو شبهها بأتحاجوني وهذا توجيه شذوذ.

الجيلاني

تفسير : {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل تذكيراً وعظة وتنبيهاً على ما في فطرتهم الجبلية: {إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ} من محبة أقاربكم {أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ} المحيط بظواهركم وبواطنكم {وَيَعْلَمُ} أيضاً بعلمه الحضوري جميع {مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} من الكائنات والفاسدات أزلاً وأبداً {وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} منها لا يغيب عن علمه مما لمع عليه نور وجوده {وَٱللَّهُ} المتجلي لذاته بذاته {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} من مظاهر تجلياته {قَدِيرٌ} [آل عمران: 29] بلا فتور وقصورن، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، يجازيهم على مقتضى علمه وقدرته في النشأة الأخرى. {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ} خيرة {مَّا عَمِلَتْ} في النشأة الأولى {مِنْ خَيْرٍ} إحسان وإنعام وعمل صالح ويقين وعرفان {مُّحْضَراً} بين يديه يستحضره ويود استعجاله {وَ} كذا تجد كل نفس شديدة {مَا عَمِلَتْ} فيها {مِن سُوۤءٍ} غير صالح وكفر ونفاق وشرك وشقاق محضراً بين يديه، مشاهداً بين عينيه تستأخره وتتمنى بعده {تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً} وزماناً متطاولاً، بل يتمنى ألاَّ تلقاه أصلاً {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ} بهذا التذكير والتنبيه {نَفْسَهُ} وقدرته على الانتقام وزيادة قهره وغضبه على من استكبر عن أوامره ونواهيه {وَٱللَّهُ} القادر المقتدر على انتقام العصاة {رَؤُوفٌ} عطوف مشفق {بِٱلْعِبَادِ} [آل عمران: 30] الذين يترصدون إلى الله بين طرفي الخوف والرجاء، معرضين عن جانبي القنوط والطمع. {قُلْ} أيها المخلوق على صورتنا، المجبول على مقتضيات جميع أوصافنا وأسمائنا، المتخلق بجميع أخلاقنا، لمن أراد إرشادهم وتبلغهم من البرايا {إِن كُنتُمْ} أيها الأضلال المنهمكون في بحر الغفلة والضلال {تُحِبُّونَ ٱللَّهَ} أي: تدعون محبة الله المظهر لكم من العدم، وتطلبون التوجه إلى جنابه والترب نحو بابه {فَٱتَّبِعُونِي} بأمره وحكمه {يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} أي: يقربكم إلى جنابه، ويوصلكم إلى ضرف لقائه {وَيَغْفِرْ} يستر، ويضمحل {لَكُمْ} عن أبصاركم وبصائركم {ذُنُوبَكُمْ} التي حجبتم بها عن مشاهدة جمال الله وجلاله، ومعاينة أسمائه وصفاته {وَٱللَّهُ} الهادي لكم إلى صراط توحيده {غَفُورٌ} لكم يرفع موانع وصولكم {رَّحِيمٌ} [آل عمران: 31] لكم يوصلكم إلى مطلوبكم. {قُلْ} لهم أيضاً أجل أعمالكم وأفضالها إطاعة أمر الله وإتباع رسوله المرسل إليكم {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ} في امتثال جميع أوامره وأحكامه، واجتناب جميع نواهيه ومحظوراته مما فاز به المؤمنون {وَ} أطيعوا {ٱلرَّسُولَ} المبلغ لكم كتاب الله، المبين لكم المراد منه، فإن أطاعوا فازوا مما فاز به المؤمنون {فإِن تَوَلَّوْاْ} أعرضوا عن إطاة الله ورسوله، فقد كفروا فلهم ما سيجري عليهم من عذاب الله وغضبه في النشأة الأخرى {فَإِنَّ ٱللَّهَ} الهادي لعباده {لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32] منهم لا يقربهم ولا يرضى عنهم، بل يعذبهم ويبعد9م عن عز حضورهم.