Verse. 323 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا۝۰ۚۖۛ وَّمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوْۗءٍ۝۰ۚۛ تَوَدُّ لَوْ اَنَّ بَيْنَہَا وَبَيْنَہٗۗ اَمَدًۢا بَعِيْدًا۝۰ۭ وَيُحَذِّرُكُمُ اللہُ نَفْسَہٗ۝۰ۭ وَاللہُ رَءُوْفٌۢ بِالْعِبَادِ۝۳۰ۧ
Yawma tajidu kullu nafsin ma AAamilat min khayrin muhdaran wama AAamilat min sooin tawaddu law anna baynaha wabaynahu amadan baAAeedan wayuhaththirukumu Allahu nafsahu waAllahu raoofun bialAAibadi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

اذكر «يوم تجد كل نفس ما عملتـ» ـهُ «من خير محضرا وما عملتـ» ـهُ «من سوءٍ» مبتدأ خبره «تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا» غاية في نهاية البعد فلا يصل إليها «ويحذركم الله نفسه» كرر للتأكيد «والله رؤوف بالعباد».

30

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذه الآية من باب الترغيب والترهيب، ومن تمام الكلام الذي تقدم. وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في العامل في قوله {يَوْمٍ } وجوهاً الأول: قال ابن الأنباري: اليوم متعلق بالمصير والتقدير: وإلى الله المصير يوم تجد الثاني: العامل فيه قوله {وَيُحَذّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } في الآية السابقة، كأنه قال: ويحذركم الله نفسه في ذلك اليوم الثالث: العامل فيه قوله {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } أي قدير في ذلك اليوم الذي تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً، وخص هذا اليوم بالذكر، وإن كان غيره من الأيام بمنزلته في قدرة الله تعالى تفضيلاً له لعظم شأنه كقوله {أية : مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدّينِ } تفسير : [الفاتحة: 4] الرابع: أن العامل فيه قوله {تَوَدُّ } والمعنى: تود كل نفس كذا وكذا في ذلك اليوم الخامس: يجوز أن يكون منتصباً بمضمر، والتقدير: واذكر يوم تجد كل نفس. المسألة الثانية: اعلم أن العمل لا يبقى، ولا يمكن وجدانه يوم القيامة، فلا بد فيه من التأويل وهو من وجهين الأول: أنه يجد صحائف الأعمال، وهو قوله تعالى:{أية : إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تفسير : [الجاثية: 29] وقال: {أية : فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ أَحْصَـٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ } تفسير : [المجادلة: 6] الثاني: أنه يجد جزاء الأعمال وقوله تعالى: {مُّحْضَرًا } يحتمل أن يكون المراد أن تلك الصحائف تكون محضرة يوم القيامة، ويحتمل أن يكون المعنى: أن جزاء العمل يكون محضراً، كقوله {أية : وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا } تفسير : [الكهف: 49] وعلى كلا الوجهين، فالترغيب والترهيب حاصلان. أما قوله: {وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قال الواحدي: الأظهر أن يجعل {مَا } ههنا بمنزلة الذي، ويكون {عَمِلَتْ } صلة لها، ويكون معطوفاً على {مَا } الأول، ولا يجوز أن تكون {مَا } شرطية، وإلا كان يلزم أن ينصب {تَوَدُّ } أو يخفضه، ولم يقرأه أحد إلا بالرفع، فكان هذا دليلاً على أن {مَا } ههنا بمعنى الذي. فإن قيل: فهل يصح أن تكون شرطية على قراءة عبد الله، ودت. قلنا: لا كلام في صحته لكن الحمل على الابتداء والخبر أوقع، لأنه حكاية حال الكافر في ذلك اليوم، وأكثر موافقة للقراءة المشهورة. المسألة الثانية: الواو في قوله {وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء } فيه قولان الأول: وهو قول أبي مسلم الأصفهاني: الواو واو العطف، والتقدير: تجد ما عملت من خير وما عملت من سوء، وأما قوله {تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا } ففيه وجهان الأول: أنه صفة للسوء، والتقدير: وما عملت من سوء الذي تود أن يبعد ما بينها وبينه والثاني: أن يكون حالاً، والتقدير: يوم تجد ما عملت من سوء محضراً حال ما تود بعده عنها. والقول الثاني: أن الواو للاستئناف، وعلى هذا القول لا تكون الآية دليلاً على القطع بوعيد المذنبين، وموضع الكرم واللطف هذا، وذلك لأنه نص في جانب الثواب على كونه محضراً وأما في جانب العقاب فلم ينص على الحضور، بل ذكر أنهم يودون الفرار منه، والبعد عنه، وذلك ينبه على أن جانب الوعد أولى بالوقوع من جانب الوعيد. المسألة الثالثة: الأمد، الغاية التي ينتهي إليها، ونظيره قوله تعالى: {أية : يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ } تفسير : [الزخرف: 38]. واعلم أن المراد من هذا التمني معلوم، سواء حملنا لفظ الأمد على الزمان أو على المكان، إذ المقصود تمني بعده، ثم قال: {وَيُحَذّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } وهو لتأكيد الوعيد. ثم قال: {وَٱللَّهُ رَءوفٌ بِٱلْعِبَادِ } وفيه وجوه الأول: أنه رؤوف بهم حيث حذرهم من نفسه، وعرفهم كمال علمه وقدرته، وأنه يمهل ولا يهمل، ورغبهم في استيجاب رحمته، وحذرهم من استحقاق غضبه، قال الحسن: ومن رأفته بهم أن حذرهم نفسه الثاني: أنه رؤوف بالعباد حيث أمهلهم للتوبة والتدارك والتلافي الثالث: أنه لما قال: {وَيُحَذّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } وهو للوعيد أتبعه بقوله {وَٱللَّهُ رَءوفٌ بِٱلْعِبَادِ } وهو الموعد ليعلم العبد أن وعده ورحمته، غالب على وعيده وسخطه والرابع: وهو أن لفظ العباد في القرآن مختص، قال تعالى: {أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً } تفسير : [الفرقان: 63] وقال تعالى: {أية : عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ } تفسير : [الإنسان: 6] فكان المعنى أنه لما ذكر وعيد الكفار والفساق ذكر وعد أهل الطاعة فقال: {وَٱللَّهُ رَءوفٌ بِٱلْعِبَادِ } أي كما هو منتقم من الفساق، فهو رؤوف بالمطيعين والمحسنين.

القرطبي

تفسير : «يوم» منصوب متصل بقوله: {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} {يَوْمَ تَجِدُ}. وقيل: هو متصل بقوله: {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} {يَوْمَ تَجِدُ}. وقيل: هو متصل بقوله: «واللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. يَوْمَ تَجِدُ» ويجوز أن يكون منقطعاً على إضمار ٱذكر؛ ومثله قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ} تفسير : [إبراهيم: 48]. و «مُحْضَراً» حال من الضمير المحذوف من صلة «ما» تقديره يوم تجد كل نفس ما عملته من خير محضراً. هذا على أن يكون «تجد» من وجدان الضالة. و «ما» من قوله «وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ» عطف على «ما» الأُولى. و «تَودّ» في موضع الحال من «ما» الثانية. وإن جعلت «تَجِدُ» بمعنى تعلم كان «مُحْضَراً» المفعول الثاني، وكذلك تكون «تَوَدّ» في موضع المفعول الثاني؛ تقديره يوم تجد كل نفس جزاء ما عملت محضراً. ويجوز أن تكون «ما» الثانية رفعاً بالابتداء، و «تَوَدّ» في موضع رفع على أنه خبر الابتداء، ولا يصح أن تكون «ما» بمعنى الجزاء؛ لأن «تَوَدّ» مرفوع، ولو كان ماضياً لجاز أن يكون جزاء، وكان يكون معنى الكلام: وما عملت من سوء ودّت لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً؛ أي كما بين المشرق والمغرب. ولا يكون المستقبل إذا جعلت «ما» للشرط إلا مجزوماً؛ إلا أن تحمله على تقدير حذف الفاء، على تقدير: وما عملت من سوء فهي تودّ. أبو عليّ: هو قياس قول الفرّاء عندي؛ لأنه قال في قوله تعالى: {أية : وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} تفسير : [الأنعام: 121]: إنه على حذف الفاء. والأمد: الغاية، وجمعه آماد. ويقال: ٱستولى على الأمد، أي غلب سابقاً. قال النابغة:شعر : إلاّ لِمِثلِك أو من أنت سابِقُه سبْقَ الجَوادِ إذا ٱستولى على الأمَدِ تفسير : والأمَدُ: الغضب. يقال: أمِد أمَداً، إذا غِضب (غضباً).

البيضاوي

تفسير : {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا} {يَوْمٍ} منصوب بتود أي تتمنى كل نفس يوم تجد صحائف أعمالها، أو جزاء أعمالها من الخير والشر حاضرة لو أن بينها وبين ذلك اليوم، وهو له أمداً بعيداً، أو بمضمر نحو اذكر، و {تَوَدُّ } حال من الضمير في عملت أو خبر لما عملت من سوء وتجد مقصور على {مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ }، ولا تكون {مَا } شرطية لارتفاع {تَوَدُّ}. وقرىء «ودت» وعلى هذا يصح أن تكون شرطية ولكن الحمل على الخبر أوقع معنى لأنه حكاية كائن وأوفق للقراءة المشهورة. {وَيُحَذّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } كرره للتأكيد والتذكير. {وَٱللَّهُ رَءوفٌ بِٱلْعِبَادِ } إشارة إلى أنه تعالى إنما نهاهم وحذرهم رأفة بهم ومراعاة لصلاحهم، أو أنه لذو مغفرة وذو عقاب أليم فترجى رحمته ويخشى عذابه. {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي} المحبة ميل النفس إلى الشيء لكمال أدركته فيه، بحيث يحملها على ما يقربها إليه، والعبد إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس إلا لله، وأن كل ما يراه كمالاً من نفسه أو غيره فهو من الله وبالله وإلى الله لم يكن حبه إلا لله وفي الله وذلك يقتضي إرادة طاعته والرغبة فيما يقربه إليه، فلذلك فسرت المحبة بإرادة الطاعة وجعلت مستلزمة لاتباع الرسول في عبادته والحرص على مطاوعته. {يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} جواب للأمر أي يرضَ عنكم ويكشف الحجب عن قلوبكم بالتجاوز عما فرط منكم فيقربكم من جناب عزه ويبوئكم في جوار قدسه، عبر عن ذلك بالمحبة على طريق الاستعارة أو المقابلة. {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لمن تحبب إليه بطاعته واتباع نبيه صلى الله عليه وسلم. روي: أنها نزلت لما قالت اليهود نحن أبناء الله وأحباؤه. وقيل: نزلت في وفد نجران لما قالوا: إنما نعبد المسيح حباً لله. وقيل: في أقوام زعموا على عهده صلى الله عليه وسلم أنهم يحبون الله فأمروا أن يجعلوا لقولهم تصديقاً من العمل. {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ} يحتمل المضي والمضارعة بمعنى فإن تتولوا. {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ} لا يرضى عنهم ولا يثني عليهم، وإنما لم يقل لا يحبهم لقصد العموم والدلالة على أن التولي كفر، وإنه من هذه الحيثية ينفي محبة الله وأن محبته مخصوصة بالمؤمنين. {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَءالَ إِبْرٰهِيمَ وَءالَ عِمْرٰنَ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ} بالرسالة والخصائص الروحانية والجسمانية، ولذلك قووا على ما لم يقو عليه غيرهم. لما أوجب طاعة الرسول وبين أنها الجالبة لمحبة الله عقب ذلك ببيان مناقبهم تحريضاً عليها، وبه استدل على فضلهم على الملائكة، {وآل إبراهيم}، إسماعيل وإسحق وأولادهما. وقد دخل فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم، {وآل عمران} موسى وهرون ابنا عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، أو عيسى وأمه مريم بنت عمران بن ماثان بن العازار بن أبي يوذ بن يوزن بن زربابل بن ساليان بن يوحنا بن أوشيا بن أمون بن منشكن بن حازقا بن أخاز بن يوثام بن عوزيا بن يورام بن سافط بن ايشا بن راجعيم بن سليمان بن داود بن ايشي بن عوبد بن سلمون بن ياعز بن نحشون بن عمياد بن رام بن حصروم بن فارص بن يهوذا بن يعقوب عليه السلام، وكان بين العمرانين ألف وثمانمائة سنة. {ذُرّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ} حال أو بدل من الآلين أو منهما ومن نوح أي إنهم ذرية واحدة متشعبة بعضها من بعض. وقيل بعضها من بعض في الدين. والذرية الولد يقع على الواحد والجمع فعلية من الذر أو فعولة من الذرء أبدلت همزتها ياء ثم قلبت الواو ياء وأدغمت. {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} بأقوال الناس وأعمالهم فيصطفي من كان مستقيم القول والعمل، أو سميع بقول امرأة عمران عليم بنيتها. {إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرٰنَ رَبّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي} فينتصب به إذ على التنازع. وقيل نصبه بإضمار اذكر، وهذه حنة بنت فاقوذ جدة عيسى، وكانت لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم أكبر من موسى وهرون فظن أن المراد زوجته ويرده كفالة زكريا فإنه كان معاصراً لابن ماثان وتزوج بنته ايشاع، وكان يحيى وعيسى عليهما السلام ابني خالة من الأب روي أنها كانت عاقراً عجوزاً، فبينما هي في ظل شجرة إذ رأت طائراً يطعم فرخه فحنت إلى الولد وتمنته فقالت: اللهم إن لك علي نذراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من خدمه، فحملت بمريم وهلك عمران. وكان هذا النذر مشروعاً في عهدهم للغلمان فلعلها بنت الأمر على التقدير أو طلبت ذكراً {مُحَرَّرًا} معتقاً لخدمته لا أشغله بشيء، أو مخلصاً للعبادة ونصبه على الحال. {فَتَقَبَّلْ مِنّي} ما نذرته. {إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } لقولي ونيتي. {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبّ إِنّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ} الضمير لما في بطنها وتأنيثه لأنه كان أنثى، وجاز انتصاب أنثى حالاً عنه لأن تأنيثها علم منه فإن الحال وصاحبها بالذات واحداً. أو على تأويل مؤنث كالنفس والحبلة. وإنما قالته تحسراً وتحزناً إلى ربها لأنها كانت ترجو أن تلد ذكراً ولذلك نذرت تحريره. {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} أي بالشيء الذي وضعت. هو استئناف من الله تعالى تعظيماً لموضوعها وتجهيلاً لها بشأنها. وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ويعقوب {وَضَعَتْ } على أنه من كلامها تسلية لنفسها أي ولعل الله سبحانه وتعالى فيه سراً، أو الأنثى كانت خيراً. وقريء {وَضَعَتْ } على أنه خطاب الله تعالى لها. {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنثَىٰ} بيان لقوله {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ} أي وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت، واللام فيهما للعهد ويجوز أن يكون من قولها بمعنى وليس الذكر والأنثى سيان فيما نذرت فتكون اللام للجنس. {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} عطف على ما قبلها من مقالها وما بينهما اعتراض، وإنما ذكرت ذلك لربها تقرباً إليه وطلباً لأن يعصمها ويصلحها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها فإن مريم في لغتهم بمعنى: العابدة. وفيه دليل على أن الاسم والمسمى والتسمية أمور متغايرة. {وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ} أجيرها بحفظك. {وَذُرّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ} المطرود، وأصل الرجم الرمي بالحجارة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد، فيستهل من مسه إلا مريم وابنها»تفسير : ومعناه أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود يتأثر منه إلا مريم وابنها فإن الله تعالى عصمهما ببركة هذه الاستعاذة. {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا} فرضي بها في النذر مكان الذكر. {بِقَبُولٍ حَسَنٍ} أي بوجه حسن يقبل به النذائر، وهو إقامتها مقام الذكر، أو تسلمها عقيب ولادتها قبل أن تكبر وتصلح للسدانة. روي أن حنة لما ولدتها لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار وقالت: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، فإن بني ماثان كانت رؤوس بني إسرائيل وملوكهم فقال زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها فأبوا إلا القرعة، وكانوا سبعة وعشرين فانطلقوا إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم فطفا قلم زكريا ورسبت أقلامهم فتكفلها زكريا. ويجوز أن يكون مصدراً على تقدير مضاف أي بذي قبول حسن، وأن يكون تقبل بمعنى استقبل كتقضي وتعجل أي فأخذها في أول أمرها حين ولدت بقبول حسن. {وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} مجاز عن تربيتها بما يصلحها في جميع أحوالها {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} شدد الفاء حمزة والكسائي وعاصم، وقصروا زكريا غير عاصم في رواية ابن عياش على أن الفاعل هو الله تعالى وزكريا مفعول أي جعله كافلاً لها وضامناً لمصالحها، وخفف الباقون. ومدوا «زكرياء» مرفوعاً. {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ} أي الغرفة التي بنيت لها، أو المسجد، أو أشرف مواضعه ومقدمها، سمي به لأنه محل محاربة الشيطان كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس. {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا} جواب {كُلَّمَا} وناصبه. روي: أنه كان لا يدخل عليها غيره وإذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب، وكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وبالعكس. {قَالَ يَـا مَرْيَمَ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا} من أين لك هذا الرزق الآتي في غير أوانه والأبواب مغلقة عليك، وهو دليل جواز الكرامة للأولياء. جعل ذلك معجزة زكريا يدفعه اشتباه الأمر عليه. {قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} فلا تستبعده. قيل تكلمت صغيرة كعيسى عليه السلام ولم ترضع ثدياً قط وكان رزقها ينزل عليها من الجنة. {إنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } بغير تقدير لكثرته، أو بغير استحقاق تفضلاً به. وهو يحتمل أن يكون من كلامهما وأن يكون من كلام الله تعالى. روي (أن فاطمة رضي الله تعالى عنها أهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم رغيفين وبضعة لحم فرجع بها إليها وقال: حديث : هلمي يا بنيةتفسير : ، فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزاً فقال لها: حديث : أنَّى لك هذا!تفسير : فقالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، فقالحديث : الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل،تفسير : ثم جمع علياً والحسن والحسين وجمع أهل بيته عليه حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو فأوسعت على جيرانها). {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} في ذلك المكان، أو الوقت إذ يستعار هنا وثم وحيث للزمان، لما رأى كرامة مريم ومنزلتها من الله تعالى. {قَالَ رَبّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً} كما وهبتها لحنة العجوز العاقر. وقيل لما رأى الفواكه في غير أَوَانِهَا انتبه على جواز ولادة العاقر من الشيخ، فسأل وقال هب لي من لدنك ذرية، لأنه لم يكن على الوجوه المعتادة وبالأسباب المعهودة. {إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَاء} مجيبه.

المحلي و السيوطي

تفسير : اذكر {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ } مبتدأ خبره {تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا } غاية في نهاية البعد فلا يصل إليها {وَيُحَذّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } كرّر للتأكيد {وَٱللَّهُ رَءوفٌ بِٱلْعِبَادِ }.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً}، قال ابنُ هِشَامٍ في «المُغْنِي»: «يَوْم»: نصْبٌ بمحذوفٍ، تقديره: اذكُروا أو ٱحذروا، ولا يصحُّ أنْ يكون ظرفًا لـــ «يحذِّركم»؛ كما زعم بعضُهم؛ لأن التحذير في الدنيا وَقعَ لا في الآخرة. اهـ. وقوله تعالى: {وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ }، يحتمل أنْ تكون «مَا» معطوفةً على «مَا» الأولى، فهي في موضعِ نَصْب، ويكون «تَوَدُّ» في موضعِ الحالِ، وإِليه ذهب الطبريُّ وغيره، ويحتملُ أنْ تكون «مَا» رُفِعَ بالاِبتدَاء، والخبر في قوله: «تَوَدُّ». وما بعده، والأَمَدُ: الغايةُ المحْدُودة من المكانِ أو الزَّمَان. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ رَءُوفٌ بِٱلْعِبَادِ} يحتمل أنْ يكون إشارةً إِلى أنَّ تحذيره رأْفَةٌ منه سبحانه بعباده، ويحتملُ أنْ يكونَ ٱبتداءَ إِعلام بهذه الصفَةِ، فمقتضَىٰ ذلك: التأنيسُ؛ لئلا يفرطَ الوعيدُ علَىٰ نَفْس مؤمن، فسبحانه مَا أرحمه بعبادهٰ. وعن مَنْصُورِ بْنِ عَمَّار؛ أنه قال: أعقلُ النَّاس مُحْسِنٌ خَائِفٌ، وأجْهَلُ النَّاسِ مُسِيءٌ آمنٌ، فلما سمع عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوَان منْه هذا الكلامَ؛ بكَىٰ حتَّىٰ بَلَّ ثيابه، ثم قال له: ٱتْلُ عَلَيَّ، يا مَنْصُورُ، شَيْئاً منْ كتابِ اللَّهِ، فتلا عليه: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً...} الآيَةَ، فَقَالَ عَبْدُ المَلِكِ: قَتَلْتَنِي، يَا مَنْصُورُ، ثُمَّ غُشِيَ عَلَيْهِ. اهـ. وقوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي...} الآية: قال الشيخُ العارفُ باللَّه ابْنُ أبي جَمْرَةَ (رضي اللَّه عنه): مِنْ علامةِ السعادةِ للشخْصِ: أنْ يكون مُعْتَنِياً بمعرفة السُّنَّة في جميعِ تصرُّفاته، والذي يكونُ كذلك هو دائمٌ في عبادة؛ في كلِّ حركاته وسكناته، وهذا هو طريق أهل الفَضْلِ؛ حتَّىٰ حُكِيَ عن بعضهم؛ أنه لم يأكُلِ البطِّيخَ سنين؛ لَمَّا لَمْ يبلُغْه كيفيَّةُ السُّنَّة في أَكْله، وكيف لاَ، واللَّه سبحانه يَقُولُ: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} والاِتباعية الكاملةُ إِنما تصحُّ بأنْ تكون عامَّة في كلِّ الأشياء، يعني: إِلا ما خصَّصه به الدليلُ، جعلنا اللَّه من أهْلها في الدَّارَيْن. انتهى. قال * ع *: قال الحَسَنُ بْنُ أَبِي الحَسَنِ، وابنُ جُرَيْج: إِنَّ قوماً على عهد النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نُحِبُّ رَبَّنَا، فنزلَتْ هذه الآيةُ، وقيل: أمر صلى الله عليه وسلم أنْ يقولَ هذا القولَ لنصارَىٰ نَجْرَان. قال * ع *: ويحتملُ أنْ تكون الآيةُ عامَّة لأهل الكتاب اليهود والنصارَىٰ؛ لأنهم كانوا يدَّعُون أنَّهم يحبُّون اللَّه، ويحبهم. قال عِيَاضٌ: ٱعلَمْ أَنَّ مَنْ أَحبَّ شيئاً، آثره، وآثر موافقته، وإِلا لم يكن صادقاً في حُبِّه، وكان مدَّعياً، فالصادقُ في حبِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، مَنْ تظهر علاماتُ ذلك عليه، وأولُها الاِقتداءُ به، وٱتباعُ سنَّته، وٱتباعُ أقوالِهِ وأفعالِهِ، والتأدُّبُ بآدابه في عُسره ويُسْره؛ قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي...} الآية، قال عِيَاضٌ: رُويَ في الحديثِ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: «حديث : مَنِ ٱسْتَمْسَكَ بِحَدِيثِي، وَفَهِمَهُ وَحَفِظَهُ، جَاءَ مَعَ القُرْآنِ، وَمَنْ تَهَاوَنَ بالقُرْآنِ، وَحَدِيثِيَ، خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ...»تفسير : الحديثَ، وعن أبي هريرةَ (رضي اللَّه عنه)، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : المُسْتَمْسِكُ بسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي، لَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ»تفسير : ، وَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: «حديث : عليكُمْ بالسبيلِ والسُّنَّةِ، فإِنه ما على الأرضِ مِنْ عَبْدٍ على السبيل والسُّنَّة، ذَكَر اللَّه في نَفْسِهِ، ففاضَتْ عيناه مِنْ خَشْية ربه، فيعذِّبه اللَّه أبداً، وما على الأرضِ مِنْ عبدٍ على السبيلِ والسُّنَّةِ، ذَكَرَ اللَّه في نَفْسه، فٱقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنْ خَشْية اللَّه، إلا كان مَثَلُهُ كَمَثَلِ شجرة، قَدْ يَبِسَ ورَقُهَا، فهي كَذَلِكَ؛ إِذ أصابتها ريحٌ شديدةٌ فتحاتَّ عنها ورقُها إِلاَّ حَطَّ اللَّه عنه خَطَايَاهُ؛ كما تَحَاتَّ عن الشجرة وَرَقُهَا»تفسير : الحديث. قال عِيَاضٌ: ومن علامات محَبَّته صلى الله عليه وسلم: زُهْدُ مدَّعيها في الدُّنْيا، وإِيثاره الفَقْر، واتصافه فيه؛ ففي حديثِ أبي سَعِيدٍ: «حديث : إِنَّ الفَقْرَ إِلَىٰ مَنْ يُحِبُّنِي مِنْكُمْ أَسْرَعُ مِنَ السَّيْلِ مِنْ أَعْلَى الوَادِي، أَوِ الجَبَل إِلَىٰ أَسْفَلِهِ»تفسير : ، وفي حديثِ عبدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ: "حديث : قال رجُلٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إٍنِّي أُحِبُّكَ، فَقَالَ: ٱنْظُرْ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: وَاللَّهِ لأُحِبُّكَ»؛ ثَلاَثَ مَرَّات؛ قَالَ: «إِنْ كُنْتَ تُحِبُّنِي، فَأَعِدَّ لِلفَقْرِ تَجْفَافاً»»تفسير : ، ثم ذكر نَحْوَ حديثِ أبِي سَعِيدٍ بمعناه اهـ من «الشِّفَا». قال * ع *: والمحبَّةُ: إِرادةٌ يقترنُ بها إِقبالٌ من النَّفْس ومَيْلٌ بالمعتَقِدِ، وقد تكونُ الإِرادة المجرَّدة فيما يكره المريدُ، واللَّه تعالَىٰ يريدُ وقوع الكُفْر، ولا يحبُّه، ومحبَّة العَبْد للَّه تعالَىٰ يلزمُ عَنْها، ولا بدَّ أنْ يطيعه، ومحبَّةُ اللَّه تعالَىٰ أمارتُها للمتأمِّلِ أنْ يُرَى العَبْدُ مَهْدِيًّا مسدِّداً ذا قبولٍ في الأرض، فَلُطْفُ اللَّهِ تعالَىٰ بالعَبْدِ ورحمته إِيَّاه هي ثمرةُ محبَّته، وبهذا النظَر يفسَّر لفظُ المَحَبَّةِ؛ حيثُ وقعَتْ من كتاب اللَّه عَزَّ وجَلَّ.

ابن عادل

تفسير : في ناصب "يَوْمَ" أوْجُهٌ: أحدها: أنه منصوب بـ "قَدِيرٌ"، أي: قدير في ذلك اليوم العظيم، لا يقال: يلزم من ذلك تقييد قدرته بزمان؛ لأنه إذا قدر في ذلك اليوم الذي يُسْلَب فيه كلُّ أحدٍ قدرته، فلأنْ يقدرَ في غيره بطريق الأولى. وإلى هذا ذهب أبو بكر ابن الأنباري. الثاني: أنه منصوب بـ "يُحَذِّرُكُمْ"، أي: يخوفكم عقابه في ذلك اليوم، وإلى هذا نحا أبو إسحاق، ورجحه. ولا يجوز أن ينتصب بـ "يُحَذِّرُكُمْ" المتأخرة. قال ابن الأنباري: "لا يجوز أن يكون اليوم منصوباً بـ "يُحَذِّرُكُمْ" المذكور في هذه الآية؛ لأن واو النسق لا يعمل ما بعدها فيما قبلها". وعلى ما ذكره أبو إسحاق يكون ما بين الظرفِ وناصبه معترضاً، وهو كلامٌ طويلٌ، والفصل بمثله مستبعد، هذا من جهة الصناعة، وأما من جهة المعنى، فلا يصح؛ لأن التخويف لم يقع في ذلك اليوم؛ لأنه ليس زمانَ تكليف؛ لأن التخويف موجود، واليوم موعود، فكيف يتلاقيان؟ قال: أن يكون منصوباً بالمصير، والتقدير: وإلى الله المصير يومَ تَجِدُ، وإليه نحا الزّجّاجُ - أيضاً - وابن الأنباري ومكيٌّ، وغيرُهم، وهذا ضعيف على قواعد البصريين؛ للزوم الفصل بين المصدر ومعموله بكلامٍ طويلٍ. وقد يقال: إن جُمَل الاعتراضِ لا يُبَالَى بها في الفصل، وهذا من ذاك. الرابع: أن يكون منصوباً بـ "اذكر" مقدراً، فيكون مفعولاً به لا ظرفاً، وقدر الطبريُّ الناصب له "اتَّقُوا"، وفي التقدير ما فيه من كونه على خلاف الأصلِ، مع الاستغناء عنه. الخامس: أن العامل فيه ذلك المضاف المقدر قبل "نفسه"، أي: يحذركم اللهُ عقاب نفسه يوم تجد، فالعامل فيه "عقاب" لا "يحذركم" قاله أبو البقاء، وفي قوله: "لا يُحَذِّرُكُمْ" فرار عما أورد على أبي إسحاقَ كما تقدم. السادس: أنه منصوب بـ "تَوَدُّ". قال الزمخشريُّ: "يَوْمَ تَجِدُ" منصوب بـ "تَوَدُّ" والضمير في "بينه" لليوم، أي: يوم القيامة حين تجد كل نفس خيرها وشرها تتمنى لو أن بينها، وبين ذلك اليوم، وهَوْله أمداً بعيداً". وهذا ظاهر حسنٌ، ولكن في هذه المسألة خلافٌ ضعيف؛ جمهور البصريين والكوفيين على جوازها، وذهب الأخفشُ والفرّاءُ إلى مَنْعِهَا. وضابط هذه المسألة أنه إذا كان الفاعلُ ضميراً عائداً إلى شيء مُتَّصِلٍ بمعمولِ الفعلِ نحو: ثَوْبَيْ أخَوْيك يلبسان، فالفاعل هو الألف، وهو ضمير عائد على "أخويك" المتصلين بمفعول "يلبسان" ومثله: غلام هندٍ ضربَتْ، ففاعل "ضربت" ضمير عائد على "هند" المتصلة بـ "غلام" المنصوب بـ "ضربت" والآية من هذا القبيل؛ فإن فاعل "تَوَدُّ" ضميرٌ عائدٌ على "نَفْس" المتصلة بـ "يَوْمَ" لأنها في جملة أضِيفَ الظرفُ إلى تلك الجملةِ، والظرف منصوب بـ "تَوَدُّ"، والتقدير: يوم وُجدان كل نفس خيرها وشرها مُحْضَرَيْنِ تَوَدُّ كذا. احتج الجمهور على الجواز بالسماع. وهو قول الشاعر: [الخفيف] شعر : 1400- أجَلَ الْمَرْءِ يَسْتَحِثُّ وَلاَ يَدْ ري إذَا يَبْتَغِي حُصُولَ الأمَانِي تفسير : ففاعل "يستحثَ" ضمير عائد على "المرء" المتصل بـ "أجل" المنصوب بـ "يستحث". واحتج المانعون بأن المعمول فضلة، يجوز الاستغناء عنه، وعَوْد الضمير عليه في هذه المسائل يقتضي لزوم ذكره، فيتنافى هذان السببان، ولذلك أجمع على منع زيداً ضرب، وزيداً ظن قائماً، أي: ضرب نفسه، وظنها، وهو دليلٌ واضح للمانع لولا ما يرده من السماع كالبيت المتقدم وفي الفرق عُسْر بين: غلامَ زَيدٍ ضَرَبَ، وبين: زيداً ضَرَبَ، حيث جاز الأول، وامتنع الثاني، بمقتضى العلة المذكورة. قوله: "تجد" يجوز أن تكون [المتعدية لواحد بمعنى "تصيب"، ويكون "محضراً" على هذا منصوباً على الحال، وهذا هو الظاهر، ويجوز أن تكون علمية]، فتتعدى لاثنين، أولهما "مَا عَمِلَتْ"، والثاني "مُحْضَراً" وليس بالقويّ في المعنى، و "ما" يجوز فيها وجهان: أظهرهما: أنها بمعنى "الذي" فالعائد - على هذا - مقدَّر، أي: ما عملته، وقوله: {مِنْ خَيْرٍ} حال، إما من الموصول، وإما من عائده، ويجوز أن تكون "مِنْ" لبيان الجنسِ. ويجوز أن تكون "ما" مصدرية، ويكون المصدر - حينئذ - واقعاً موقع مفعول، تقديره: يوم تجد كلُّ نفس عملها - أي: معمولها - فلا عائد حينئذ [عند الجمهور]. قوله: {وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ} يجوز في "ما" هذه أن تكون منسوقة على "ما" التي قبلها بالاعتبارين المذكورَيْن فيها - أي: وتجد الذي عملته، أو وتجد عملها - أي: معمولها - من سوء. فإن جعلنا "تَجِدُ" متعدياً لاثنين، فالثاني محذوف، أي: وتجد الذي عملته من سوء محضراً، أو وتجد عملها مُحْضَراً، نحو علمت زيداً ذاهباً وبكراً - أي: وبكراً ذاهباً - فحذفت مفعوله الثاني؛ للدلالة عليه بذكره مع الأول. وإن جعلناها متعدية لواحد، فالحال من الموصول أيضاً - محذوفة، أي: تجده محضراً - أي: في هذه الحال - وهذا كقولك: أكرمت زيداً ضاحكاً وعمراً - أي: وعمراً ضاحكاً - حذفت حال الثاني؛ لدلالة حال الأول عليه -، وعلى هذا فيكون في الجملة من قوله: "تَوَدُّ" وجهان: أحدهما: أن تكون في محل نصب على الحال من فاعل "عَمِلَتْ"، أي: وما عملته حال كونها وَادَّةً، اي: متمنِّيةًَ البعد من السوءِ. والثاني: أن تكون مستأنفةً، أخبر الله تعالى عنها بذلك، وعلى هذا لا تكونُ الآية دليلاً على القطع بوعيد المذنبين. ووضع الكرم، واللطف هذا؛ لأنه نَصَّ في جانب الثوابِ على كونه مُحْضَراً، وأما في جانب العقاب فلم ينصّ على الحضورِ، بل ذكر أنهم يودون الفرار منه، والبعد عنه، وذلك بَيِّنٌ على أن جانب الوعد أولى بالوقوع من جانب الوعيدِ. ويجوز أن تكون "ما" مرفوعة بالابتداء، والخبر الجملة في قوله: "تَوَدُّ"، أي: والذي عملته وعملها تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً. والضمير في "بَيْنَهُ" فيه وجهان: أحدهما - وهو الظاهر - عوده على "مَا عَمِلَتْ"، وأعاده الزمخشري على "الْيَوْم". قال أبو حيّان: "وأبعد الزمخشري في عوده على "اليوم"؛ لأن أحد القسمين اللذين أحْضِروا له في ذلك اليوم هو الخير الذي عمله، ولا يطلب تباعد وقت إحضار الخير، إلا بتجوُّز إذا كان يشتمل على الخير والشر، فتود تباعده؛ لتسلم من الشرِّ، ودعه لا يحصل له الخير. والأولى عوده على {وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ}؛ لأنه أقربُ مذكورٍ؛ ولأن المعنى أن السوء تَتَمَنَّى في ذلك اليوم التباعُدَ منه". فإن قيل: هل يجوز أن تكون "ما" هذه شرطية؟ فالجواب: أن الزمخشريَّ، وابن عطية مَنَعَا من ذلك، وَجَعَلا علة المنع عدم جزم الفعل الواقع جواباً، وهو "تَوَدُّ". قال شهاب الدينِ: "وهذا ليس بشيءٍ؛ لأنهم نَصُّوا على أنه إذا وقع فعلُ الشرطِ ماضياً، والجزاء مضارعاً جاز في ذلك المضارع وجهان - الجزم والرفع - وقد سُمِعَا من لسان العرب، ومنه بيت زُهَيْر: [البسيط] شعر : 1401- وَإنْ أتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألةٍ يَقُولُ: لاَ غَائِبٌ مَالِي وَلاَ حَرمُ تفسير : ومن الجزم قوله تعالى {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ} تفسير : [هود: 15]، وقوله: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ} تفسير : [الشورى: 20]، وقوله: {أية : وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} تفسير : [الشورى: 20] فدل ذلك على أن المانع من شرطيتها ليس هو رَفْعَ تَودُّ". وأجاب أبو حيّان بأنها ليست شرطية - لا لما ذكر الزمخشريُّ وابن عطيّة - بل لعلَّةٍ أخرى، قال: كنت سُئِلت عن قول الزمخشريِّ: فذكره ثم قال: ولنذكر هاهنا ما تمس إليه الحاجة بعد أن تقدم ما ينبغي تقديمه، فنقول: إذا كان فعل الشرط ماضياً، وبعده مضارع تتم به جملة الشرط والجزاء جاز في ذلك المضارع، الجَزْمُ، وجاز فيه الرفعُ، مثال ذلك: إن قام زيد يَقُمْ - ويقوم عمرو، فأما الجزم فعلى جواب الشرط ولا نعلم في جواز ذلك خلافاً، وأنه فصيح، إلا ما ذكره صاحب كتاب "الإعراب" عن بعض النحويين أنه لا يجيء في الكلام الفصيح، وإنما يجيء مع "كان" كقوله تعالى: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ} تفسير : [هود: 15]، لأنها أصل الأفعال، ولا يجوز ذلك مع غيرها، وظاهر كلام سيبويه، وكلام الجماعة، أنه لا يختص ذلك بـ "كان" بل سائر الأفعال في ذلك مثل "كان". وأنشد سيبويه للفرزدق: [البسيط] شعر : 1402- دَسَّتْ رَسُولاً بِأنَّ الْقَوْمَ إنْ قَدَرُوا عَلَيْكَ يَشْفُوا صُدُوراً ذَاتَ تَوغِيرِ تفسير : وقال أيضاً: [الطويل] شعر : 1403- تَعَالَ فَإنْ عَاهَدتنِي لا تَخُونُنِي نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبَانِ تفسير : وأما الرفع فإنه مسموع من لسان العرب كثيراً. قال بعض أصحابنا: هو أحسن من الجزم، ومنه بيت زهير السابق. ومثله - أيضاً - قوله: [الطويل] شعر : 1404- وَإنْ شُلَّ رَيْعَانُ الْجَمِيع مَخَافَةً نَقُولُ - جِهَاراً - وَيْلَكُمْ لا تُنَفِّرُوا تفسير : وقال أبو صخر: [الطويل] شعر : 1405- وَلاَ بِالَّذِي إنْ بَانَ عَنْهُ حَبِيبُهُ يَقُول - وَيُخْفِي - الصَّبْرَ - إنِّي لَجَازعُ تفسير : وقال الآخر: [الطويل] شعر : 1406- وَإنْ بَعُدُوا لا يَأمَنُونَ اقْتِرَابَهُ تَشَوُّفَ أهْلِ الْغَائِبِ الْمُتَنَظَّرِ تفسير : وقال الآخر: [الطويل] شعر : 1407- فَإنْ كَانَ لا يُرْضِيكَ حَتَّى تَرُدَّنِي إلَى قَطَرِيٍّ لا إخَالُكَ رَاضِيا تفسير : وقال الآخر: [البسيط] شعر : 1408- إنْ يُسْألُوا الْخَيْرَ يُعْطُوهُ وَإنْ خُبِرُوا فِي الجَهْدِ أدْرِكَ مِنْهُمْ طيبُ أخْبَارِ تفسير : قال شهاب الدين: "هكذا ساق هذا البيتَ في جملة الأبيات الدالة على رفع المضارع، ويدل على ذلك أنه قال - بعد إنشاده هذه الأبيات كلَّها -: فهذا الرفع - كما رأيت - كثير". وهذا البيتُ ليس من ذلك؛ لأن المضارع فيه مجزوم - وهو يُعْطُوه - وعلامة جزمهِ سقوط النون فكان ينبغي أن ينشده حين أنشد: دَسَّتْ رَسُولاً، وقوله: "تعال فإن عاهدتني". وقال: فهذا الرفع كثير - كما رأيت - ونصوص الأئمة على جوازه في الكلام - وإن اختلفت تأويلاتُهم كما سنذكره - وقال صاحبنا أبو جعفر أحمد بن عبد النور بن رشيد المالقي - وهو مصنف كتاب رصف المباني - رحمه الله -: لا أعلم منه شيئاً جاء في الكلام، وإذا جاء فقياسه الجزم؛ لأنه أصل العمل في المضارع - تقدم الماضي أو تأخَّر - وتأوَّل هذا المسموعَ على إضْمَار الفاء، وجملة مثل قول الشاعر: [الرجز] شعر : 1409-........................... إنَّكَ إنْ يُصْرَعْ أخُوكَ تُصْرَعُ تفسير : على مذهب من جعل الفاءَ منه محذوفة. وأما المتقدمون فاختلفوا في تخريج الرَّفعِ. فذهب سيبويه إلى أن ذلك على سبيل التقديم، وأنَّ جوابَ الشرط ليس مذكوراً عِنْدَه، وذهب المبردُ والكوفيون إلى أنه هو الجواب، وإنما حُذِفَت منه الفاءُ، والفاء يُرْفَع ما بعدها، كقوله تعالى: {أية : وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ} تفسير : [المائدة: 95] فأعْطِيَتْ - في الإضمار - حكمَها في الإظهار. وذهب غيرهما إلى أن المضارعَ هو الجوابُ بنفسه - أيضاً - كالقول قبله، إلا أنه ليس معه فاء مقدرة قالوا: لكن لما كان فعلُ الشرط ماضياً، لا يظهر لأداة الشرط فيه عملٌ ظاهِرٌ استضعفوا أداةَ الشرط، فلم يُعْمِلُوها في الجواب؛ لضَعْفِها، فالمضارع المرفوع - عند هذا القائل - جواب بنفسه من غير نية تقديم، ولا على إضمار الفاء، وإنما لم يُجْزَم لما ذُكِر، وهذا المذهب والذي قبله ضعيفان. وتلخص من هذا الذي قلناه - أن رَفْعَ المضارع لا يمنع أن يكون ما قبله شرطاً، لكن امتنع أن يكون "وما عملت" شرطاً لعلة أخرى - لا لكون "تَوَدُّ" مرفوعاً، وذلك على ما تقرَّر من مذهب سيبويه أن النية بالمرفوع التقديم، وأنه - إذ ذاك - دليل على الجواب لا نفس الجواب، فنقول: لما كان "تَوَدُّ" مَنوياً به التقديم أدَّى إلَى تقديم المُضْمَرعلى ظاهرهِ في غير الأبوابِ المستثناة في العربية، ألا ترى أن الضمير في قوله: "وَبَيْنَه" عائد على اسم الشرط - الذي هو "ما" - فيصير التقدير: تَوَدُّ كلُّ نفسٍ لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ما عملت من سوء، فلزم هذا التقدير تقديم المضمر على الظاهر، وذلك لا يجوز. فإن قلت: لم لا يجوز ذلك والضمير قد تأخَّر عن اسم الشرط وإن كانت نيتُه التقديمَ فقد حصل عَوْدُ الضمير على الاسم الظاهر قَبْلَه، وذلك نظير: ضرب زيداً غلامُه، فالفاعل رُتْبته التقديمُ، ووجب تأخيره لصحة عود الضمير؟ فالجواب: أن اشتمال الدليل على ضمير اسم الشرط يوجب تأخيره عنه؛ لعود الضمير، فيلزم من ذلك اقتضاء جملة الشرط لجملة الدليل، وجملة الشرط إنما تقتضي جملة الجزاء - لا دليله - ألا ترى أنها ليست بعاملة في جملة الدليل؟ بل إنها تعمل في جملة الجزاء، وجملة الدليل لا موضع لها من الإعراب، وإذا كان كذلك تدافَع الأمر؛ لأنها من حيث هي جملة دليل لا يقتضيها فعل شرط، ومن حيث عَوْد الضمير على اسم الشرط اقتضاها، فتدافَعَا، وهذا بخلاف: ضرب زيد أخاه؛ فإنها جملة واحدة، والفعل عامل في الفاعل والمفعول معاً، فكل واحد منهما يقتضي صاحبه، ومن ذلك جاز - عند بعضهم - ضرب غلامُها هنداً، لاشتراك الفاعل - المضاف إلى الضمير - والمفعول الذي عاد عليه الضمير - في العامل، وامتنع ضرب غلامُها جازَ عنده؛ لعدم الاشتراك في العامل، ففرق ما بين المسألتين، ولا يُحْفَظ من لسان العربِ: أوَدُّ لو أني أكْرمه أبا ضربتُ هِندٍ؛ لأنه يلزم منه تقديم المُضْمَر على مفسِّره - في غير المواضع التي ذكرها النحويون - فلذلك لا يجوز تأخيره انتهى. وقد جوَّز أبو البقاء كونَها شرطية، ولم يلتفت لما مَنَعُوا به ذلك، فقال: "والثاني - أنها شرط وارتفع "تَوَدُّ" على إرادة الفاء، أي: فهو تود". ويجوز أن يرتفع من غير تقدير حذف؛ لأن الشرط - هنا - ماضٍ، وإذا لم يظهر في الشرط لفظ الجزم جاز في الجزاء الوجهان: الجزم والرفع. [وقد تقدم تحقيق القول في ذلك، فالظاهر موافقته للقول الثالث من تخريج الرفع في المضارع كما تقدم تحقيقه وقرأ...] عبد الله وابن أبي عبلة: "ودت" - بلفظ الماضي - وعلى هذه القراءة يجوز في "ما" وجهان: أحدهما: أن تكون شرطية، وفي محلها - حينئذ - احتمالان. الأول: النصب بالفعل بعدها، والتقدير: أيَّ شيء عملت من سوء ودت، فـ "وَدَّتْ" جواب الشرط. الثاني: الرفع على الابتداء، والعائد على المبتدأ محذوف، تقديره: وما عملته، وهذا جائز في اسم الشرط خاصة عند الفرّاء في فصيح الكلام، أعني حذف عائد المبتدأ إذا كان منصوباً بفعل نحو: "أيُّهُمْ ضرب أكرمه" - برفع "أيُّهم" وإذا كان المبتدأ غير ذلك ضَعُفَ نحو: زيدٌ ضربت، [وسيأتي لهذه المسألة مزيد بيان في قراءة من قرأ: "أفحكمُ الجاهلية يبغون"، وفي قوله: {أية : وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [الحديد: 10] في الحديد]. الوجه الثاني من وجهي "ما": أن تكون موصولة، بمعنى: الذي عملته من سوء ودت لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً، ومحلها - على هذا - رفع بالابتداءِ، و "وَدَّتْ" الخبر، وهو اختيار الزمخشريِّ؛ لأنه قال: "لكن الحمل على الابتداء والخبر أوْقَعُ في المعنى: لأنه حكاية الكائن في ذلك اليوم، وأثبت؛ لموافقة قراءة العامة" انتهى. فإن قيل: لِمَ لَمْ يمتنع أن تكون "ما" شرطية على هذه القراءة، كما امتنع ذلك فيها على قراءة العامة؟ فالجواب: أن العلة إن كانت رفعَ الفعل، وعدم جَزْمه - كما قال به الزمخشريّ وابن عطية - فهي مفقودة في هذه القراءة؛ لأن الماضيَ مبني اللفظ، لا يظهر فيه لأداة الشرط عملٌ وإن كانت العلة أن النية به التقديم، فيلزم عَوْدُ الضميرِ على متأخِّرٍ لفظاً ورُتْبةً, فهي أيضاً مفقودة فيها؛ إذ لا دَاعِيَ يدعو إلى ذلك. قوله - هنا - على بابها، من كونها حرفاً لما كان سيقع لوقوعِ غيره، وعلى هذا ففي الكلام حذفان: أحدهما: حذف مفعول "تَوَدُّ". والثاني: حذف جواب "لَوْ"، والتقدير فيها: تود تباعُدَ ما بينها وبينه لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً لسُرَّت بذلك، أو لفرحت ونحوه. والخلاف في "لو" بعد فعل الودادة وما بمعناه أنها تكون مصدرية كما تقدم تحريره في البقرة، يبعد مجيئه هنا؛ لأن بعدها حرفاً مصدرياً وهو "أن". قال أبو حيان: ولا يباشر حرف مصدري حرفاً مصدرياً إلا قليلاً كقوله تعالى: {أية : إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} تفسير : [الذاريات: 23]، قال شهاب الدين: إلا قليلاً يشعر بجوازه، وهو لا يجوز ألبتة، وأما الآية التي أوردها فقد مضى النحاة على أن ما زائدة. وقد تقدم الكلام في "أنَّ" الواقعة بعد "لَوْ" هذه، هل محلها الرفع على الابتداء، والخبر محذوفٌ - كما ذهب إليه سيبويه - أو أنها في محل رفع بالفاعلية بفعل مقدَّر، أي: لو ثبت أن بينها وما قال الناس في ذلك وقد زعم بعضهم أن "لو" - هنا - مصدرية، هي وما في حيزها من معنى المفعول لِـ "تَوَدُّ"، أي تود تباعد ما بينها وبينه، وفي ذلك إشكال، وهو دخول حرف مصدري على مثله، لكن المعنى على تسلُّط الودادة على "لو" وما في حيِّزها لولا المانع الصناعي. والأمد: غاية الشيء ومنتهاه، وجمعه آماد - نجو أجل وآجال - فأبدِلَت الهمزةُ ألِفاً، لوقوعها ساكنةً بعد همزةِ "أفعال". قال الراغب: "الأمَد والأبد متقاربان، لكن الأبد عبارة عن مدة الزمانِ التي ليس لها حَدٌّ محدود، وَلا يتقيد فلا يقال: أبَدَ كذا والأمد مدة لها حَدٌّ مجهول إذا أطلق، وقد ينحصر إذا قيل: أمَد كذا، كما يقال: زمان كذا، والفرق بين الأمد والزمان، أن الأمد يقال لاعتبار الغايةِ، والزمان عام في المبدأ والغاية ولذلك قال بعضهم: المدى والأمد يتقاربان". فصل المعنى: {تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ} يعني: لو أن بين النفس وبين السوء أمداً بعيداً. قال السُّدِّيُّ: مكاناً بعيداً. وقال مقاتلٌ: كما بين المَشرق والمَغْرِب؛ لقوله تعالى: {أية : يَٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ}تفسير : [الزخرف: 38]. قال الحسنُ: يسر أحدهم أن لا يلقى عمله أبداً. اعلم أن المقصود تَمَني بُعْدِه، سواء حملنا لفظ الأمَد على الزمان، أو على المكان. ثم قال: {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} وهو تأكيد للوعيد، ثم قال: {وَٱللَّهُ رَؤُوفُ بِٱلْعِبَادِ} وفيه وجوه: الأول: أنه رؤوفٌ بهم، حَيْثُ حذَّرهم من نفسه، وعرفهم كمالَ علمِه وقدرتهِ، وأنه يُمْهِل ولا يُهْمِل، ورغبهم في استيجاب رحمته، وحذَّرهم من استحقاق غضبه. قال الحسنُ: "ومن رأفته بهم أن حذَّرَهُم نفسه". الثاني: أنه رؤوف بالعباد، حيث أمْهَلَهُمْ للتوبة والتدارك والتَّلاَفِي. الثالث: أنه لما قال: {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} - وهو للوعيد - أتبعه بالوعد، وهو قوله: {وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ}، ليعلم العبد أن وَعْدَ رحمته غالب على وعيده. الرابع: أن لفظ "العباد" في القرآن مختص بالمؤمنين، قال تعالى: {أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً} تفسير : [الفرقان: 63]، وقال: {أية : عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ} تفسير : [الإنسان: 6]، فعلى هذا لما ذكر وعيد الكفار والفساق ذكر وعد أهل الطاعة، فقال: {وَٱللَّهُ رَؤُوفُ بِٱلْعِبَادِ}، أي: كما هو منتقم من الكفار والفساق فهو رؤوف بالعباد المطيعين.

ابو السعود

تفسير : {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ} أي من النفوس المكلفة {مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا} عندها بأمر الله تعالى وفيه من التهويل ما ليس في حاضراً {وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء} عطف على {مَّا عَمِلَتْ} والإحضار معتبرٌ فيه أيضاً إلا أنه خُص بالذكر في الخير للإشعار بكون الخير مراداً بالذات وكونِ إحضارِ الشر من مقتضيات الحكمة التشريعية {تَوَدُّ} عامل في الظرف والمعنى تود وتتمنى يوم تجد صحائفَ أعمالها من الخير والشر أن أجزِيتَها محْضَرة {لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ} أي بـين ذلك اليوم {أَمَدَا بَعِيدًا} لشدة هوله وفي إسناد الود إلى كل نفس سواءٌ كان لها عملٌ سيء أو لا بل كانت متمحِّضةً في الخير من الدلالة على كمال فظاعةِ ذلك اليوم وهول مطلعِه ما لا يخفى، اللهم إنا نعوذ بك من ذلك ويجوز أن يكون انتصابُ يومَ على المفعولية بإضمار اذكروا وتودّ إما حال من كل نفس أو استئنافٌ مبني على السؤال أي اذكروا يوم تجد كل نفس ما عملت من خير وشر محضراً وادّةً أن بـينها وبـينه أمداً بعيداً أو كأن سائلاً قال حين أمروا بذكر ذلك اليوم: فماذا يكون إذ ذاك؟ قيل: تود لو أن بـينها الخ أو {تَجِدُ} مقصورٌ على ما عملت من خير، وتود خبرُ ما عملت من سوء ولا تكون ما شرطية لارتفاع تود وقرىء ودّت فحينئذ يجوز كونُها شرطيةً لكن الحمل على الخبر أوقعُ معنىً لأنها حكايةُ حالً ماضية وأوفقُ للقراءة المشهورة {وَيُحَذّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} تكرير لما سبق وإعادة له لكن لا للتأكيد فقط بل لإفادة ما يفيده قوله عز وجل: {وَٱللَّهُ رَءوفٌ بِٱلْعِبَادِ} من أن تحذيرَه تعالى من رأفته بهم ورحمتِه الواسعةِ أو أن رأفته بهم لا تمنعُ تحقيقَ ما حذّرهُموه من عقابه وأن تحذيرَه ليس مبنياً على تناسي صفةِ الرأفة بل هو متحققٌ مع تحققها أيضاً كما في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَـٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ ٱلْكَرِيمِ } تفسير : [الانفطار، الآية 6] فالجملة على الأول اعتراضٌ، وعلى الثاني حال وتكرير الاسم الجليل لتربـية المهابة {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى} المحبة ميلُ النفس إلى الشيء لكمالٍ أدركتْه فيه بحيث يحمِلها على ما يقرّبها إليه، والعبدُ إذا علم أن الكمالَ الحقيقيَّ ليس إلا الله عز وجل وأن كلَّ ما يراه كمالاً من نفسه أو من غيره فهو من الله وبالله وإلى الله - لم يكن حبُّه إلا لله وفي الله، وذلك مقتضى إرادةِ طاعته والرغبةِ فيما يقرّبه إليه، فلذلك فُسِّرت المحبةُ بإرادة الطاعة وجُعلت مستلزِمةً لاتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في عبادته والحرصِ على مطاوعته {يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} أي يرضَ عنكم {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} أي يكشفِ الحجبَ عن قلوبكم بالتجاوز عما فرَطَ منكم فيقرّبكم من جناب عزِّه ويبوِّئُكم في جوار قدْسِه، عبّر عنه بالمحبة بطريق الاستعارة أو المشاكلة {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي لمن يتحبّب إليه بطاعته ويتقرّب إليه باتباع نبـيِّه عليه الصلاة والسلام فهو تذيـيلٌ مقررٌ لما قبله مع زيادة وعد الرحمةِ، ووضعُ الاسمِ الجليل موضع الضمير للإشعار باستتباع وصفِ الألوهية للمغفرة والرحمة، روي أنها نزلت لما قالت اليهودُ: نحن أبناءُ الله وأحباؤه، وقيل: نزلت في وفد نجرانَ لما قالوا: إنا نعبدُ المسيحَ حباً لله تعالى، وقيل: في أقوام زعَموا على عهده عليه الصلاة والسلام أنهم يُحبون الله تعالى فأُمروا أن يجعلوا لقولهم مِصداقاً من العمل. وروىٰ الضحاكُ عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما حديث : أن النبـيَّ صلى الله عليه وسلم وقف على قريش وهم في المسجد الحرام يسجُدون للأصنام وقد علّقوا عليهم بَـيْض النعام وجعلوا في آذانها الشُّنوف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشرَ قريشٍ لقد خالفتم ملةَ إبراهيمَ وإسماعيلَ عليهما الصلاة والسلام" فقالت قريشٌ: إنما نعبدها حباً لله تعالى ليقرِّبونا إلى الله زُلفى فقال الله تعالى لنبـيه عليه الصلاة والسلام: "قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ تَعَالَى وتعبُدُونَ الأصْنَامَ لِتُقَرِّبكم إليهِ فاتَّبِعونِى أى اتَّبعوا شَرِيعَتِى وسُنَّتِى يُحْبِبْكُمْ الله فَأنا رَسُولُهُ إِلَيْكُمْ وحُجَّتُه عَلَيْكُمْ"«.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ} [الآية: 30]. قال ابن عطاء: عَمَّ رحمته لعبادِه، أجمع مُؤمنهم وكافرهم وبَرُّهُم وفاجرُهُم، وخصَّ رحمة الرسول صلى الله عليه وسلم بوقوفه على المؤمنين دونَ من سِواهُم، وهذا كقول إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين قال: { أية : وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ } تفسير : [البقرة: 126] فإنه لا رازق له فى السماوات والأرض غيرى.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً}. وَدَّ أهل الطاعات أَنْ لو استكثروا منها، ووَدَّ أهل المخالفات أَنْ لو كبحوا لجامهم عن الركض في ميادينهم، قال قائلهم: شعر : ولو إنني أُعْطِيتُ من دهري المُنَى وما كلُّ مَنْ يُعْطَى المنى بِمُسَدَّدِ لَقُلْتَ لأيامٍ مَضَيْن: ألا ارجعي وقلتُ لأيام أتيْن ألا ابعدي تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ}. الإشارة من قوله: {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} للعارفين، ومن قوله {وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ} للمستأنفين، فهؤلاء أصحاب العنف والعنوة، وهؤلاء أصحاب التخفيف والسهولة. ويقال لمَّا قال: {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} اقتضى أسماع هذا الخطاب تحويلهم فقال مقروناً به {وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ} لتحقيق تأميلهم، وكذلك سُنَّتُه يطمعهم في عين ما يروعهم. ويقال أفناهم بقوله {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} ثم أحياهم وأبقاهم بقوله {وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ}.

البقلي

تفسير : {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} حذرا صفياء بالفراق عن وصله بسبب محبة اعدائه وبهذا التخويف يربى خواص احبته فى قباب الشفقة واسبل بهذا عليهم نقاب الغيرة حتى لا يراهم سواه {وَٱللَّهُ رَؤُوفُ بِٱلْعِبَادِ} مشتق باوليائه واهل طاعته بان يسترهم عن ابصار الغفلة والجهلة واكرمهم بصحبة اهل التوحيد والمعرفة وبسط لهم بساط الشريعة والحقيقة حتى يردوا موارد الانبياء والرسل وشربوا من مناهل المقربين شراب الصفا ولبسوا من نسج المكروبين اثواب الوفاء وسئل ابو عثمن عن قوله لا يتخذ المؤمنون الكافرين الياء فقال لا ينبسط شئ الى مبتدع لفضل عشيرة ولا لقرابة نسب ولا تلقاء الا ووجهه له كان فان فعل شيئا من ذلك فقد احب من ابغضه الله وليس بولى الله من لا يوالى اولياء الله ولا يعادى اعداءه وقال ابن عطا فى قوله ويحذركم الله نفسه انما يحذر نفسه من يعرفه فاما من لا يعرفه فان هذا الخطاب زائل عنه وقال الواسطى يحذركم الله نفسه فى هوى اتيان شئ من الطاعات اذ فيه حذب الربوبية وقال ايضا ذلك ان لا يامن احد ان يفعل به ما فعل بابليس زينة بانوار عصمته وهو عنده فى حقائق لعنته وسبق عليه ما سبق منه اليه حين غافضه فجأة ابظهار علته وقال ايضا انه لا يحذر نفسه من لا يعرفه وهذا خطاب الا كابروا ما لا صاغر فخاطبهم واتقوا يوما ترجعون فيه الى الله واتقوا الله ما استطعتم وقال جعفر يحذركم الله نفسه هذا خطاب للا كابروا لله رؤف بالعباد كله وانشد شعر : لا تعرض بينا فهذا بنان قد خضبناه بدم العشاق تفسير : وقال الواسطى يحذركم ان تثبتوا نفسه بنفوسكم وبغة لقديمة عليكم باحوالكم الخديعة وان تنسوا الازلية بالاخرية والربوبية بالعبويدة قان الاصل اتم من الفرج وان العبودية انما ظهرت بالربوبية وقال ابراهيم الخواص علامة الحذر فى القلب دوام المراقبة وعلامة المراقبة للتفقد للاحوال النازلة وقال جعفر يحذركم الله نفسه ان تشهد لنفسك بالصلاح لان من كان له سابقة ظهرت سابقته فى خاتمة قال الاستاد الاشارة من قوله ويحذركم الله نفسه للعارفين ومن قوله والله رؤف بالعباد للمشتاقين فهؤلاء اصحاب النعنف والعتوه وهؤلاء اصحاب التخفيف والسهولة وقيل اغناهم بقوله ويحذركم الله نفسه ثم احياهم فابقاهم بقوهل والله رؤق بالعباد وقال ابن عطا رحمه الله العبادة مومنهم وكافرهم وبربهم وفاجرهم وخص رحمة الرسول عليه السلام وقوفة على المؤمنين دون من سواهم وهذا كقول ابراهيم عليه السلام حين قال وارزق اهله من الثمرات من أمن منهم بالله قال ومن كفر فانه لا رازق فى السموات والارضين غيره وبسن فى ربوبيته تعالى ان يحذر اولياءه واعداءه بما صدر من افعلاه القديمة من نكال الجحيم والحطمة لانها قهر والسواسطة بين الافعال والصفات وحذر اولياءه المؤمنين خاصة صفاته وذاته فتحذير المؤمنين بالصفات كالرحمان والهجران عن نواله وكرامته وتحذير اوليائه بعزة نفسه وهم على طبقات شئ وجمعهم فى وصول التوحيد وفرقهم فى منازل المقامامت فحذر التائبين بالسلطنة وحذر الخائفين الوجلين بسطوات العظمة وحذر المحبين وللشتاقين والعاشقين بالعزة والجبرية وحذر العارفين والموحدين بصدمة الكبرياء والظلمات بحر الديمومية وبهذه الصفات يحذر اهل انبساط والبسط والرجا السقوط سؤ الادب عنهم فى مدارج التوحيد والكرامة.

اسماعيل حقي

تفسير : {يوم} منصوب بتود {تجد كل نفس} اى من النفوس المكلفة {ما عملت من خير محضرا} عندها بامر الله تعالى {وما عملت من سوء} عطف على ما عملت والاحضار معتبر فيه ايضا الا انه خص بالذكر فى الخير للاشعار بكون الخير مرادا بالذات وكون احضار الشر من مقتضيات الحكمة التشريعية {تود} اى تحب وتتمنى يوم تجد صحائف اعمالها من الخير والشر او اجزيتها محضرة {لو ان بينها وبينه} اى بين النفس وبين ذلك اليوم وهو له او بين العمل السوء {امدا بعيدا} اى مسافة واسعة كما بين المشرق والمغرب ولم تحضر ذلك اليوم او لم تعمل ذلك السوء قط {ويحذركم الله نفسه} اى يقول الله اياكم ونفسى يعنى احذورا من سخطى وهو تكرير لما سبق ليكون على بال منهم لا يغفلون عنه {والله رؤف بالعباد} يعنى ان تحذيره نفسه وتعريفه حالها من العلم والقدرة من الرأفة العظيمة بالعباد لانهم اذا عرفوه حق المعرفة وحذروه حالها من العلم والقدرة من الرأفة العظيمة بالعباد لانهم اذا عرفوه حق المعرفة وحذروه دعاهم ذلك الى طلب رضاه واجتناب سخطه فيحذرهم تحذير الوالد المشفق ولده عما يوبقه. قال القشيرى رحمه الله هذا للمستأنفين وقوله {ويحذركم الله نفسه} للعارفين اولئك اصحاب التخفيف والتسهيل وهؤلاء اصحاب التخويف والتهويل ونظيره بشر المذنبين وانذر الصديقين فالله تعالى يمهل ولا يهمل فيجب ان لا يغتر العبد بامهاله بل يتأهب ليوم حسابه وجزائه شعر : درخير بازاست وطاعت وليك نه هر كس تواناست برفعل نيك تفسير : واعلم ما يعمله الانسان او يقوله ينتقش فى صحائف النفوس السماوية واذا تكرر صار ملكة راسخة لكنه مشغول عن تلك الهيآت الثابتة فى نفسه ونقوشها بالشواغل الحسية والوهمية والفكرية فاذا فارقت النفس الجسد وقامت قيامتها وجدت ما عملت من خير وشر محضرا لارتفاع الشواغل المانعة كقوله تعالى {أية : أحصاه الله ونسوه}تفسير : [المجادلة: 6]. فان كان شرا تتمنى البعد فيما بينها وما بين ذلك اليوم او ذلك العمل لتعذبها به فتصير تلك الهيآت صورتها ان كانت راسخة والاصورة تعذبها وتعذبت بحسبها ومن الله العصمة: قال مولانا جلال الدين الرومى قدس سره شعر : هر خيالى كو كند در دل وطن روز محشر صورتى خواهد شدن سيرتى كان در وجدت غالب است هم برآن تصوير حشرت واجب است تفسير : فعلى العاقل أن يزكى نفسه عن الاخلاق الذميمة ويطهر قلبه عن لوث العلائق الدنيوية ويجتهد في تحصيل مرضاة الله بالاعمال الصالحة والأقوال الحقة كى يجدها عند ره يوم احتياجه ويفوز بالسعادة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يحشر الناس يوم القيامة اجوع ما كانوا قط واظمأ ما كانوا قط واعرى من كانوا قط وانصب ما كانوا قط فمن اطعم الله اطعمه ومن سقى الله سقاه ومن كسا الله كساه ومن عمل لله كفاه ".تفسير : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : يا حنان يا منان ياذا الجلال والاكرام باعد بينى وبين خطيئتى كما باعدت بين المشرق والمغرب ونقنى من الخطايا كما ينقى الثوب الابيض من الدنس واغسلنى بماء الثلج والبرد سبحان الله وبحمده استغفر الله العظيم واتوب اليه" حديث : ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما على اصحابه حوله فقال "ايها الناس لا تعجبوا بانفسكم وبكثرة اعمالكم وبقلة ذنوبكم ولا تعجبوا بامرىء حتى تعلموا بم يختم له" قال عليه السلام "فانما الاعمال بخواتيمها ولوان احدكم جاء يوم القيامة بعمل سبعين نبيا لتمنى الزيادة لهول ما يقدم عليه يوم القيامة" ".

الطوسي

تفسير : الاعراب: قيل في انتصاب يوم ثلاثة أوجه: أحدهما - أنه منصوب بـ {يحذركم} الله أي يحذركم نفسه يوم تجد. الثاني - بالمصير وتقديره وإلى الله المصير يوم تجد. الثالث - إذكر يوم تجد. وقوله: {ما عملت} معنى (ما) ها هنا الذي لأنه عمل فيها {تجد} وتكون في موضع نصب. ويحتمل أيضاً أن تكون مع ما بعدها بمنزلة المصدر، وتقديره: يوم تجد كل نفس عملها، بمعنى جزاء عملها. وقوله: {وما عملت} يجوز أن تكون (ما) بمعنى الذي، ويقوي ذلك قوله: {تود} بالرفع ويجوز أن يكون بمعنى الجزاء، وتود على هذا يحتمل أن يكون مفتوحاً أو مكسوراً. والرفع جائز على ضعف. المعنى: ومعنى تجد النفس عملها يحتمل أمرين: أحدهما - جزاء عملها من الثواب أو العقاب. الثاني - تجد بيان عملها بما ترى من صحائف الحسنات، والسيئات. وحكم الآية جار على فريقين ولي الله وعدوه، فاحدها يرى حسناته، والآخر يرى سيئاته. ويحتمل أيضاً أن يكون متناولا لمن جمع بين الطاعة والمعصية، فان من جمع بينها فانه يرى استحقاقه للعقاب على معاصيه حاصلا، فانه يود أيضاً أنه لم يكن فعلها. والامد الغاية التي ينتهي إليها قال الطرماح: شعر : كل حي مستكمل عدة العمر ومردّ إذا انقضى أمده تفسير : أي غاية أجله. فان قيل كيف يتصل التحذير بالرأفة؟ قيل: قال الحسن: إن من رأفته بهم أن حذرهم نفسه، وقد بينا أن معنى قوله {ويحذركم الله نفسه} عذابه. وفسرنا معنى رؤوف في ما مضى. وإن معناه رحيم بعباده.

الجنابذي

تفسير : {يَوْمَ تَجِدُ} ظرف لتودّ او لقدير على معنى ظهور قدرته فى ذلك اليوم، او ليعلم ما فى السّماوات، او ليعلمه الله على هذا المعنى، او لاذكر مقدّراً {كُلُّ نَفْسٍ} خيّره وشريره {مَّا عَمِلَتْ} صورة ما عملت على تجسّم الاعمال كما سبق تحقيقه او جزاء ما عملت او صحيفة ما عملت {مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ} عطف على ما عملت من خير او لفظة ما شرطيّة وجملة {تَوَدُّ} جزاؤها وارتفاعه لكون الشّرط ماضياً غير ظاهر فيه الجزم، او لفظة ما موصولة متضمّنة لمعنى الشّرط مبتدأ خبره جملة تودّ {لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً} غاية {بَعِيداً} ولفظة لو هذه مصدريّة محذوفة الفعل او شرطيّة محذوفة الفعل والجواب اى لو ثبت انّ بينها وبينه امداً بعيداً تودّ ذلك {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} كرّره للتّوكيد والتّذكير والتّطويل فى مقام التّهديد {وَٱللَّهُ رَؤُوفُ بِٱلْعِبَادِ} ولذا لا يعجّل العقوبة للمسيئين ويحذّرهم رأفةً بهم جمع بين صفتى اللّطف والقهر للتّرهيب والتّرغيب.

اطفيش

تفسير : {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً}: يوم متعلق ببين على أن ما عملت معطوف على عملت من عطف على معمولى عامل واحد، والمعمول الثانى حال، والأول هو ما فى قوله {وما عملت من سوء}، والثانى حال محذوف، أى تجد ما عملت من خير، أو ما عملت من سوء محضرا وآخر {وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء} على ما {عَمِلَتْ مِنْ خَيْر}، وقد مهما معاً على {تَوَدَّ} ليرد إلى ما عملت من سوء لقربه ضمير بينهم، وما: موصولة فى الموضعين، ويجوز عود الهاء فى {بينه} لليوم، ويجوز تعليق {يَوْمَ} بتقدير: ولا حصر لقدرته فى ذلك بل قدير قبله بلا أول، وقدير بلا آخر أو مفعول لمحذوف، أى اذكروا يوم، وجملة {تَوَدّ} حال من ضمير تجد أو نعت لسوء، ويجوز كون ما مبتدأ موضولا وتود خبر، وحينئذ لا يتعلق يوم بتود. واعلم أنه مع اشتهار جواز رفع الجواب إذا كان الشرط ماضياً لا يحسن حمل الآية عليه لقلة وروده، ولو قيل بقياسه نعم يجوز الحمل على الشرط فى قراءة عبد الله بن مسعود: ودت لكن الحمل على الموصولية أولى ليوافق قراءة الجمهور المتبادر منها الموصول، ولأن الحمل على الإخبار وقع فى المعنى لأن الكلام فى أعمال مخصوصة وقعت فى الدنيا والمد المسافة ووصفه بالبعيد. وقد قيل: هو كما بين المشرق والمغرب فى الآية ويدل له قوله تعالى: {أية : يا لَيْتَ بَيْنىِ وَبَيْنَكَ بُعد المشْرِقََينِ}تفسير : وبه قال مقاتل وكذلك فسر السدى: الأمد بالمكان، وفسره الحسن بالزمان، وقال: ذلك عبارة عن تمنيه أن لا يلقى عمله السوء أبداً، والبعيد يطلق على ما لا يقع أصلا، كما يطلق على ما سيقع، وهو مجاز فى الأول، وكذا قال بعض: معناه تود إن لم تعلمه، قال منصور بن عمار: أعقل الناس محسن خائف وأجهل الناس مسىء آمن. فلما سمع عبد الملك بن مروان منه هذا الكلام بكى حتى بل ثيابه ثم قال: اتل على يا منصور شيئاً من كتاب الله تعالى، فتلى عليه {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ} الآية. فقال: قتلتنى يا منصور، ثم غشى عليه. {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ}: كرره للتأكيد والتذكير، لأن الإنسان ينسى، ولا سيما إذا تتابع عليهِ التهويل، فقد يأخذ التهويل الثانى من قلبه ما يأخذ مجامعه عن الأول. {وَاللَّهُ رَؤُوفُ بالْعِبَادِ}: كلهم إلا من أبى ألا ترى أن رحمة الدنيا تعم المؤمن والكافر، وإباحة رحمة الآخرة إلا من أبى منها باختياره، ومن رأفته تقدمه تعالى إلينا فيما يوجب العذاب، ويفوت به الفوز، فهذا اتباع للوعيد للوعد، ليكون المؤمن فى خوف ورجاء، أو المراد أنهُ رؤوف بإمهال الكفار فهو تذييل لما قبلهُ، ولما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الوعيد على وفد نجران قالوا: هذا الوعيد، لا يكون لنا فنحن أبناء الله وأحباؤه، وكذلك قال اليهود، فبين الله تعالى أنه لا يحب إلا من اتبع حبيبه، صلى الله عليه وسلم، فقال: {قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}.

اطفيش

تفسير : {يَوْمَ تَجِدُ} اذكر وقت تلقى أو تعلم، والأول الراجح، ولا يتعلق بمصير لبُعده، أو بقدير لإيهامه العجز فى غير ذلك اليوم، ولو جاز لظهور قدرته على العموم،، ولأنه إذا قدر ذلك اليوم فغير اليوم أولى، ولا يقود لأن الموصول والشرط والموصوف المصدر لا تعمل أخبارهن فيما قبلهن، ويجوز نصبه بيحذركم، محذوفا على المفعولية {كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ} عبادة لله {مُّحْضَراً} يبين لها، فتذكر ما نسيت منه وتفرح به {وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ} معصية، ما مبتدأ خبره الجملة بعده على أن هاء بينة لما {تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً} مدة، أو طرف النهاية الذى ليس بعده جزء، والمراد مدة طويلة، أو العمر، أو سير ما بين المشرق والمغرب، وهو المسافة، وهو أنسب بقوله عز وجل وتعالى: {أية : يا ليت بينى وبينك بعد المشرقين} تفسير : [الزخرف: 38]، وأن وما بعدها فى تأويل مصدر فاعل لمحذوف، أى لو ثبت ثبوت أمد بعيد بينه وبينها، وتود تحب، ومفعوله محذوف، أى تود البعد، ولو للتمنى على تقدير القول، أى قائلة لو أن بينها، أو يضَّمن تود معنى القول {بَعِيداً} كما بين المشرق والمغرب، كقوله تعالى: {أية : يا ليت بينى وبينك بعد المشرقين} تفسير : [الزخرف: 38]، وما موصولة أو موصوفة أو شرطية ولو رفع جوابها على ما قاله ابن مالك، لأن الشرط ماض، ولك عطف ما على ما، فيقدر محضرا معطوفا على محضرا، عطف معمولين على معمولى عامل، وهذا متعين إذا رجعنا الهاء لليوم، تود أن يبعد عنها بعد وقوعه لما رأت من شر سبب لشقوتها، فلا يقال، كيف تتمنى أن يبعد مع أن فيه خيرا أيضاً {وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ} تأكيد للأول، وليكون على بال لا يغفل عنه، أو لكون الأول منعا من موالاة الكفرة، والثانى حثا عَلَى عمل الخير وترك الشر، وليقرنه بالرأفة، فيفيد أن رأفته لا تمنع عذابه، وعذابه لا يمنع رأفته، وهما متحققان معا، كما قاله، وقال متصلا به {وَاللهُ رَؤُوف بِالْعِبَادٍ} فإنما نهاهم وحذرهم العقاب رأفة بهم، ومراعاة لمصالحهم كما قال الحسن: رأفة بهم أن حذرهم نفسه، ويجوز أن يكون المراد الترجية فى الرحمة بالتوبة، فلا ييأسوا بقوله، ويحذركم الله نفسه، كقوله تعالى: {أية : إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم} تفسير : [فصلت: 43]، {أية : غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب} تفسير : [غافر: 3].

الالوسي

تفسير : {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ } من النفوس المكلفة. {مَّا عَمِلَتْ } في الدنيا {مّنْ خَيْرٍ } وإن كان مثقال ذرة {مُّحْضَرًا } لديها مشاهداً في الصحف، وقيل: ظاهراً في صور، وقيل: تجد جزاء أعمالها محضراً بأمر الله تعالى، وفيه من التهويل ما ليس في ـ حاضراً ـ وهو مفعول ثان لتجد {وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء } عطف على {مَّا عَمِلَتْ } و {مُّحْضَرًا } محضر فيه معنى إلا أنه خص بالذكر في ـ الخير ـ للإشعار بكون الخير مراداً بالذات وكون إحضار الشر من مقتضيات الحكمة التشريعية ـ كما قال شيخ الإسلام ـ وتقدير {مُّحْضَرًا } في النظم وحذفه للاقتصار بقرينة ذكره في الأول مما قاله الأكثرون ويكون من العطف على المفعولين وهو جائز ـ كما في «الدر المصون» ـ ولم يجعلوه من قبيل ـ علمت زيداً فاضلاً وعمراً ـ وهو ليس من باب الاقتصار على المفعول الأول بل من قبيل ـ زيد قائم وعمرو ـ وهو مما حذف فيه الخبر كما صرحوا به فيلزم الاقتصار ضرورة، والفرق بين المبتدأ والمفعول في هذا الباب وهم، ولك أن تجعل {تَجِدُ } بمعنى تصيب فيتعدى لواحد، و {مُّحْضَرًا } حال {تَوَدُّ } أي تتمنى وهو عامل في الظرف أي تتمنى يوم ذلك. {لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ } أي بين ذلك اليوم {أَمَدَا بَعِيدًا } وقيل: الضمير ـ لما عملت ـ لقربه ولأن اليوم أحضر فيه الخير والشر والمتمني بعد الشر لا ما فيه مطلقاً فلا يحسن إرجاع الضمير ـ اليوم ـ وإلى ذلك ذهب في «البحر»،/ ورد بأنه أبلغ لأنه يودّ البعد بينه وبين اليوم مع ما فيه من الخير لئلا يرى ما فيه من السوء. و ـ الأمد ـ غاية الشيء ومنتهاه، والفرق بينه وبين الأبد أن الأبد مدة من الزمان غير محدودة، والأمد مدة لها حد مجهول والمراد هنا الغاية الطويلة، وقيل: مقدار العمر، وقيل: قدر ما يذهب به من المشرق إلى المغرب، وذهب بعضهم إلى أن المراد بالأمد البعيد المسافة البعيدة ـ ولعله الأظهر ـ، فالتمني هنا من قبيل التمني في قوله تعالى: {أية : يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ }تفسير : [الزخرف: 38] وهذا الذي ذكر في نظم الآية هو ما ذهب إليه كثير من أئمة التفسير، وقال أبو حيان: إنه الظاهر في بادىء الرأي مبني على أمر اختلف النحاة في جوازه وهو كون الفاعل ضميراً عائداً على ما اتصل به معمول الفعل المتقدم نحو غلام هند ضربت هي، والآية من هذا القبيل على ذلك التخريج لأن الفاعل بيودّ عائد على شيء اتصل بمعمول ـ يودّ ـ وهو يوم لأنه مضاف إلى {تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ}، والتقدير: تودّ كل نفس يوم وجدانها ما عملت من خير وشر محضراً لو أن بينها الخ؛ وجمهور البصريين على جواز ذلك وهو الصحيح، ومنه قوله:شعر : ـ أجل المرء يستحث ـ ولا يد ري ـ إذا يبتغي حصول الأماني ـ تفسير : أي المرء في وقت ابتغائه حصول الأماني يستحث أجله ولا يدري، والفراء والأخفش وغيره من البصريين على عدم الجواز لأن هذا المعمول فضلة فيجوز الاستغناء عنه، وعود الضمير على ما اتصل به يخرجه عن ذلك لأنه يلزم ذكر المعمول ليعود الضمير الفاعل على ما اتصل به ولا يخفى وهنه وفي الآية أوجه أخر: منها أن ناصب الظرف {أية : قَدِيرٌ}تفسير : [آل عمران: 29]، ولا يرد عليه تقييد قدرته سبحانه بذلك اليوم لأنه إذ قدر في مثله علم قدرته في غيره بالطريق الأولى، ومنها أنه منصوب بالمصير أو بالذكر أو بيحذركم مقدراً فيكون مفعولاً به أو بالعقاب المضاف الذي أشعر به كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وصرحوا بأنه على تقدير تعلقه بنحو ـ اذكروا ـ يجوز في {مَّا عَمِلَتْ } أن يكون مبتدأ خبره جملة {تَوَدُّ } وأن يكون معطوفاً على {مَا } الأولى، وجملة {تَوَدُّ } إما مستأنفة جواباً لسؤال مقدر كأن سائلاً قال حين أمروا بذكر ذلك اليوم: فماذا يكون إذ ذاك؟ فقيل: {تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا } الخ، أو حال من فاعل {تَجِدُ } أي ـ اذكروا يوم تجد كل نفس ما عملت من خير وشر محضراً وادّت تباعد ما بينها وبينه ـ وجوز أن يكون حالاً من ضمير {عَمِلَتْ } لقربه، واعترض بأن ـ الوداد ـ إنما هو وقت وجدان العمل حاضراً في الآخرة لا وقت العمل في الدنيا، والحالية من ضمير {عَمِلَتْ } تقتضيه فلا وجه لها، وأجيب بأنها حال مقدرة على معنى: يوم تجد كل نفس كذا مقدراً وداده ـ أي حال كونه ثابتاً في قدرنا وداده ـ فالوداد وإن لم يكن مقارناً للعمل إلا أن كون الوداد ثابتاً في قدر الله تعالى وقضائه مقارن له، وهذا مثل ما قيل في قوله تعالى: {أية : وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيّاً مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [الصافات: 112]، واعترض أيضاً بأنه على تقدير الحالية من ضمير {عَمِلَتْ } يلزم تخصيص العمل والمقام لا يناسب، وأجيب بأنه ليس القصد التخصيص بل بيان سوء حالهم وحسرتهم ولا بأس به، وجوز أيضاً أبو البقاء أن تكون (ما) في {مَّا عَمِلَتْ مِنْ سُوء } شرطية ـ وإلى ذلك مال السفاقسي ـ ورفع {تَوَدُّ } ليس بمانع لأنه إذا كان الشرط ماضياً والجزاء مضارعاً جاز في الجزاء الرفع والجزم من غير تفرقة بين إن الشرطية وأسماء الشرط، واعترض بأن رفع المضارع في الجزاء شاذ كرفعه في الشرط كما نص عليه المبرد وشهد به الاستعمال حيث لم يوجد إلا في قول زهير:شعر : (وإن) أتاه خليل يوم مسغبة يقول لا غائب مالي ولا حرم تفسير : /فلا يستسهل تخريج القراءة المتفق عليها عليه، نعم لا بأس بتخريج الشواذ كقراءة {أية : أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ}تفسير : [النساء: 78] يرفع يدرك عليه، وأجيب بأنا لا نسلم الشذوذ، وقد ذكر أبو حيان أن الرفع مسموع كثيراً في لسان العرب حتى ادعى بعض المغاربة أنه أحسن من الجزم. وبيت زهير مثله قول أبـي صخر:شعر : ولا بالذي إن بان منه حبيبه يقول ويخفى الصبر إني لجازع تفسير : وقول الآخر:شعر : إن يسألوا الخير يعطوه وإن خبروا في الجهد أدرك منهم طيب إخبار تفسير : برفع أدرك وهو مضارع وقع جواب الشرط، وقوله:شعر : وإن بعدوا لا يأمنون اقترابه تشوف أهل الغائب المتنظر تفسير : إلى غير ذلك، وفي «البحر»: إن ضعف تخريج الرفع على ذلك ليس بذلك لما علمت ولكن يمتنع أن يكون ما في الآية جزاءاً لما ذكر سيبويه أن النية في المرفوع التقديم ويكون إذ ذاك دليلاً على الجواب لا نفس الجواب وحينئذٍ يؤدي إلى تقديم المضمر على ظاهره في غير الأبواب المستثناة لأن ضمير ـ وبينه ـ عائد على اسم الشرط وهو {مَا } فيصير التقدير ـ تودّ كل نفس لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ما عملت من سوء ـ وذلك لا يجوز، ورده السفاقسي بأنا لو تنزلنا على مذهب سيبويه لا يلزم محذور أيضاً لأن الجملة لاشتمالها على ضمير الشرط يلزم تأخيرها وإن كانت متقدمة في النية ألا ترى أن الفاعل إذا اشتمل على ضمير يعود على المفعول يمتنع تقديمه عليه عند الأكثر، وإن كان متقدماً عليه في النية، وقرأ عبد الله ـ ودّت ـ وعليها يرتفع مانع الارتفاع بالإجماع وتصح الشرطية إلا أن العلامة الثاني قال: إن في الصحة كلاماً لأن الجملة على تقدير الموصولية حال أو عطف على {تَجِدُ } والشرطية لا تقع حالاً ولا مضافاً إليها الظرف فلا يبق إلا عطفها على اذكر ـ وهو بتقدير صحته يخل بالمعنى ـ وهو كون هذه الحالة والودادة في ذلك اليوم ولا محيص سوى جعلها حالاً بتقدير مبتدأ أي ـ وهي ما عملت من سوء ودّت ـ ولا يخفى ما فيه فإنهم أعربوا أن الوصلية مع جملتها على الحالية ولم ينص النحاة على منع الإضافة إليها، وقال غير واحد من الأئمة: إن الموصولية أوفق بقراءة العامة وأجرى على سنن الاستقامة لأنه كلام ـ كحكاية الحال الكائنة في ذلك اليوم ـ فيجب أن يحمل على ما يفيد الوقوع ولا كذلك الشرطية على أنها تفيد الاستقبال ولا عمل سوء في استقبال ذلك اليوم وهذا لا ينفي الصحة لأنها وإن لم تدل على الوقوع لا تنافيه، وحديث الاستقبال يدفعه تقدير ـ وما كان عملت كما في نظائر له، فتدبر وافهم فعلك لا يقطعك عن اختيار الموصولية شيء. {وَيُحَذّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } قيل: ذكره أولاً للمنع عن موالاة الكفار وهنا حثاً على عمل الخير والمنع من عمل السوء مطلقاً. وجوز أن يكون معطوفاً على {تَوَدُّ } أي تهاب من ذلك اليوم ومن العمل السيء ويحذركم الله نفسه بإظهار قهاريته وهو مما لا يكاد ينبغي أن يخرج الكتاب العزيز عليه، وأهون منه عطفه على {تَجِدُ } والظرف معمول ـ لاذكروا ـ أي اذكروا ذلك اليوم واذكروا يوم يحذركم الله نفسه بإظهار كبريائه وقهاريته، وقد يقال: إنه تكرار لما سبق وإعادة له لكن لا للتأكيد فقط بل لإفادة ما يفيده. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ رَءوفٌ بِٱلْعِبَادِ } من أن تحذيره تعالى نفسه من رحمته الواسعة للعباد لأنهم إذا عرفوه وحذروه جرهم ذلك إلى طلب رضاه واجتناب سخطه وذلك هو الفوز العظيم، أو من أن تحذيره سبحانه ليس مبنياً على تناسي صفة الرحمة بل هو متحقق مع تحققها أيضاً./ فالجملة على الأول تذييل وعلى الثاني حال، وإلى الأول يشير كلام الحسن رضي الله تعالى عنه، و ـ أل ـ في العباد للاستغراق وتكرير الاسم الجليل لتربية المهابة وإذهاب الغفلة بتوجه الذهن إلى هذا الحكم أتم توجه.

ابن عاشور

تفسير : جملة مستأنفة، أصل نظم الكلام فيها: تَوَدّ كل نفس لَوْ أنّ بينهَا وَبيْن ما عملت من سوء أمداً بعيداً يومَ تَجِدُ مَا عملت من خير مُحْضراً. فقُدم ظرفها على عامله على طريقة عربية مشهورة الاستعمال في أسماء الزمان، إذا كانت هي المقصود من الكلام، قضاء لحق الإيجاز بنسج بديع. ذلك أنّه إذا كان اسم الزمان هو الأهمّ في الغرض المسوق له الكلام، وكان مع ذلك ظرفاً لشيء من علائقه، جيء به منصوباً على الظرفية، وجُعل معنى بعضِ ما يحصل منه مصوغاً في صيغة فعلٍ عامل في ذلك الظرف. أو أصل الكلام: يحضر لكلِّ نفس في يوم الإحضار ما عملت من خير وما عملت من سوء، فتودّ في ذلك اليوم لو أنّ بينها وبين ما عملت من سوء أمداً بعيداً، أي زماناً متأخّراً، وأنّه لم يحضر ذلك اليومَ. فالضمير في قوله وبينه على هذا يعود إلى ما عملتْ من سوء، فحُوِّل التركيب، وجُعل (تودّ) هو الناصب ليوم، ليستغنى بكونه ظرفاً عن كونه فاعلاً. أو يكون أصل الكلام: يوم تجد كل نفس ما عملت من خير ومن شرّ محضراً، تودّ لو أنّ بينها وبين ذلك اليوم أمداً بعيداً؛ ليكون ضمير بينه عائداً إلى يوم أي تودّ أنّه تأخّر ولم يحضر كقوله: {أية : رب لولا أخرتنِي إلى أجل قريب فأصدّق}تفسير : [المنافقون: 10] وهذا التحويل من قبيل قول امرىء القيس. شعر : ويوماً على ظهر الكثيب تعذّرت عليّ وآلت حِلفة لم تُحَلَّل تفسير : فإنّ مقصده ما حصل في اليوم، ولكنّه جعل الاهتمام بنفس اليوم، لأنّه ظرفه. ومنه ما يجيء في القرآن غير مرة، ويكثر مثل هذا في الجمل المفصول بعضها عن بعض بدون عطف لأنّ الظرف والمجرور يشبهان الروابط، فالجملة المفصولة إذا صدّرت بواحد منها أكسبها ذلك نوع ارتباط بما قبلها: كما في هذه الآية، وقوله تعالى: {أية : وإذ قالت امرأة عمران}تفسير : [آل عمران: 35] ونحوهما، وهذا أحسن الوجوه في نظم هذه الآية وأومأ إليه في «الكشاف». وقيل منصوب باذكر، وقيل متعلق بقوله: {المصير} وفيه بعد لطول الفصل، وقيل بقوله: (ويحذّركم) وهو بعيد، لأنّ التحذير حاصل من وقت نزول الآية، ولا يحسن أن يجعل عامل الظرف في الآية التي قبل هذه لعدم التئام الكلام حق الالتئام. فعلى الوجه الأول قوله تودّ هو مبدأ الاستئناف، وعلى الوجوه الأخرى هو جملة حالية من قوله وما عمِلت من سُوء. وقوله: {ويحذركم الله نفسه} يجوز أن كون تكريراً للتحذير الأول لِزيادة التأكيد كقول لبيد: شعر : فتنازَعَا سَبِطاً يَطير ظِلاله كدُخان مُشْعَلَةٍ يُشَبُّ ضِرامُها مَشْمُولَةٍ غُلِثت بنابت عَرنَج كدُخَانِ نَارٍ سَاطِعٍ أسْنَامُها تفسير : ويجوز أن يكون الأول تحذيراً من موالاة الكافرين، والثاني تحذيراً من أن يجدوا يوم القيامة ما عملوا من سوء محضراً. والخطاب للمؤمنين ولذلك سمّى الموعظة تحذيراً: لأنّ المحذّر لا يكون متلبّساً بالوقوع في الخطر، فإنّ التحذير تبعيد من الوقوع وليس انتشالاً بعدَ الوقوع وذيّله هنا بقوله: {والله رؤوف بالعباد} للتذكير بأنّ هذا التحذير لمصلحة المحذّرين. والتعريف في العباد للاستغراق: لأنّ رأفة الله شاملة لكلّ الناس مسلمهم وكافرهم: {أية : ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابّة}تفسير : [فاطر: 45] {أية : الله لطيف بعباده}تفسير : [الشورى: 19] وما وعيدهم إلاّ لجلب صلاحهم، وما تنفيذه بعد فوات المقصود منه إلاّ لصدق كلماته، وانتظامِ حكمته سبحانه. ولك أن تجعل (أل) عوضاً عن المضاف إليه أي بعباده فيكون بشارة للمؤمنين.

الواحدي

تفسير : {يوم تجد كلُّ نفسٍ} أَيْ: ويحذّركم الله عذاب نفسه يوم تجد، أَيْ: في ذلك اليوم، وقوله: {ما عملت من خير محضراً} أَيْ: جزاء ما عملت بما ترى من الثَّواب {وما عملت من سوء تودُّ لو أنَّ بينها وبينه أمداً بعيداً} غاية بعيدةً كما بين المشرق والمغرب. {قل} [أي: للكفَّار] {إن كنتم تحبون الله}. وقف النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على قريشٍ وهم يسجدون للأصنام، فقال: يا معشر قريش، واللَّهِ لقد خالفتم ملَّة أبيكم إبراهيم، فقالت قريش: إنَّما نعبد هذه حبّاً لله ليقرِّبونا إلى الله، فأنزل الله تعالى: {قل} يا محمد {إن كنتم تحبون الله} وتعبدون الأصنام لتقرِّبكم إليه {فاتبعوني يحببكم الله} فأنا رسوله إليكم، وحجَّته عليكم، ومعنى محبَّة العبد لله سبحانه إرادته طاعته وإيثاره أمره، ومعنى محبَّة الله العبد إرادته لثوابه وعفوه عنه وإنعامه عليه. {قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا} عن الطَّاعة {فإنَّ الله لا يحب الكافرين} لا يغفر لهم ولا يثني عليهم. {إنَّ الله اصطفى آدم} بالنُّبوَّة والرِّسالة {ونوحاً وآل إبراهيم} يعني: إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط {وآل عمران} موسى وهارون {على العالمين} على عالمي زمانهم.

القطان

تفسير : الأمد: المدة الطويلة. رؤوف: رحيم أشد الرحمة. واحذروا يوم تجدُ كل نفس عملها من الخير أو الشر حاضراً أمامها، فُتسَرُّ بالأول وتتمنى للثاني ان يكون بعيداً عنها حتى لا تراه، خوفاً من العقاب. ويحذّركم الله عقابه اذا خرجتم من ولايته باقتراف الذنوب. كل هذا مع انه رؤوف بعباده واسع المغفرة لهم. ومن رأفته بالناس انه جعل الفطرة الانسانية ميالة بطبعها الى الخير، مبغضة لما يَعْرِض لها من الشر، كما جعل أثر الشر في النفس قابلاً للمحو بالتوبة والعمل الصالح.

د. أسعد حومد

تفسير : (30) - وَيُحَذِّرُ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ مِنْ هَوْلِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَهُوَ يَوْمٌ تَجِدُ فِيهِ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ فِي الحَيَاةِ الدُّنيا حَاضِراً أَمَامَهَا، فَمَا رَأَتْهُ مِنْ أَعْمَالِهَا حَسَناً سُرَّتْ بِهِ وَفَرِحَتْ، وَمَا رَأتْهُ قَبِيحاً تَودُّ لَوْ أنّها تَبَرَّأتْ مِنْهُ، وَأنْ يَكُون بَيْنَها وَبَيْنَهُ أمَدٌ بَعِيدٌ، وَيُحَذِّرُ اللهُ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ وَمِنْ عِقَابِهِ، لأَنَّهُ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ يُحِبُّ أنْ يَسْتَقِيمُوا عَلَى صِرَاطِهِ المُسْتَقِيمِ، وَدِينِهِ القَوِيمِ. الأمدُ - المُدَّةُ المُحَدَّدَةُ. مُحْضَراً - حَاضِراً لَدَيْهَا أَوْ مُشَاهَداً فِي صُحُفِ أعْمَالِها.