Verse. 324 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

قُلْ اِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّوْنَ اللہَ فَاتَّبِعُوْنِيْ يُحْبِبْكُمُ اللہُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوْبَكُمْ۝۰ۭ وَاللہُ غَفُوْرٌ رَّحِيْمٌ۝۳۱
Qul in kuntum tuhibboona Allaha faittabiAAoonee yuhbibkumu Allahu wayaghfir lakum thunoobakum waAllahu ghafoorun raheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ونزل لما قالوا ما نعبد الأصنام إلا حبّا لله ليقربونا إليه «قل» لهم يا محمد «إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله» بمعنى يثيبكم «ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور» لمن اتبعني ما سلف من قبل ذلك «رحيم» به.

31

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما دعا القوم إلى الإيمان به، والإيمان برسله على سبيل التهديد والوعيد، دعاهم إلى ذلك من طريق آخر وهو أن اليهود كانوا يقولون {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } تفسير : [المائدة: 18] فنزلت هذه الآية، ويروى أنه صلى الله عليه وسلم وقف على قريش وهم في المسجد الحرام يسجدون للأصنام فقال: حديث : يا معشر قريش والله لقد خالفتم ملة إبراهيم،تفسير : فقالت قريش: إنما نعبد هذه حباً لله تعالى ليقربونا إلى الله زلفى، فنزلت هذه الآية، ويروى أن النصارى قالوا: إنما نعظم المسيح حباً لله، فنزلت هذه الآية، وبالجملة فكل واحد من فرق العقلاء يدعي أنه يحب الله، ويطلب رضاه وطاعته فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم: قل إن كنتم صادقين في ادعاء محبة الله تعالى فكونوا منقادين لأوامره محترزين عن مخالفته، وتقدير الكلام: أن من كان محباً لله تعالى لا بد وأن يكون في غاية الحذر مما يوجب سخطه، وإذا قامت الدلالة القاطعة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وجبت متابتعه، فإن لم تحصل هذه المتابعة دلّ ذلك على أن تلك المحبة ما حصلت. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أما الكلام المستقصى في المحبة، فقد تقدم في تفسير قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ } تفسير : [البقرة: 165] والمتكلمون مصرون على أن محبة الله تعالى عبارة عن محبة إعظامه وإجلاله، أو محبة طاعته، أو محبة ثوابه، قالوا: لأن المحبة من جنس الإرادة، والإرادة لا تعلق لها إلا بالحوادث وإلا بالمنافع. واعلم أن هذا القول ضعيف، وذلك لأنه لا يمكن أن يقال في كل شيء إنه إنما كان محبوباً لأجل معنى آخر وإلا لزم التسلسل والدور، فلا بد من الانتهاء إلى شيء يكون محبوباً بالذات، كما أنا نعلم أن اللذة محبوبة لذاتها، فكذلك نعلم أن الكمال محبوب لذاته، وكذلك أنا إذا سمعنا أخبار رستم واسفنديار في شجاعتهما مال القلب إليهما مع أنا نقطع بأنه لا فائدة لنا في ذلك الميل، بل ربما نعتقد أن تلك المحبة معصية لا يجوز لنا أن نصر عليها، فعلمنا أن الكمال محبوب لذاته، كما أن اللذة محبوبة لذاتها، وكمال الكمال لله سبحانه وتعالى، فكان ذلك يقتضي كونه محبوباً لذاته من ذاته ومن المقربين عنده الذين تجلى لهم أثر من آثار كماله وجلاله قال المتكلمون: وأما محبة الله تعالى للعبد فهي عبارة عن إرادته تعالى إيصال الخيرات والمنافع في الدين والدنيا إليه. المسألة الثانية: القوم كانوا يدعون أنهم كانوا محبين لله تعالى، وكانوا يظهرون الرغبة في أن يحبهم الله تعالى، والآية مشتملة على أن الإلزام من وجهين أحدهما: إن كنتم تحبون الله فاتبعوني، لأن المعجزات دلّت على أنه تعالى أوجب عليكم متابعتي الثاني: إن كنتم تحبون أن يحبكم الله فاتبعوني لأنكم إذا اتبعتموني فقد أطعتم الله، والله تعالى يحب كل من أطاعه، وأيضاً فليس في متابعتي إلا أني دعوتكم إلى طاعة الله تعالى وتعظيمه وترك تعظيم غيره، ومن أحب الله كان راغباً فيه، لأن المحبة توجب الإقبال بالكلية على المحبوب، والإعراض بالكلية عن غير المحبوب. المسألة الثالثة: خاض صاحب «الكشاف» في هذا المقام في الطعن في أولياء الله تعالى وكتب ههنا ما لا يليق بالعاقل أن يكتب مثله في كتب الفحش فهب أنه اجترأ على الطعن في أولياء الله تعالى فكيف اجترأ على كتبه مثل ذلك الكلام الفاحش في تفسير كلام الله تعالى، نسأل الله العصمة والهداية، ثم قال تعالى: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } والمراد من محبة الله تعالى له إعطاؤه الثواب، ومن غفران ذنبه إزالة العقاب، وهذا غاية ما يطلبه كل عاقل، ثم قال: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يعني غفور في الدنيا يستر على العبد أنواع المعاصي رحيم في الآخرة بفضله وكرمه.

القرطبي

تفسير : الحُبُّ: المحبة، وكذلك الحِبّ بالكسر. والحِب أيضاً الحبيب؛ مِثلُ الخِدنْ والخَدِين؛ يقال أحبّه فهو مُحِبّ، وحبّه يَحِبَّه (بالكسر) فهو مَحْبُوب. قال الجوهريّ: وهذا شاذّ؛ لأنه لا يأتي في المضاعف يفعِل بالكسر. قال أبو الفتح: والأصل فيه حَبُب كظَرُف، فأسكنت الباء وأدغمت في الثانية. قال ٱبن الدّهان سعيد: في حَبّ لغتان: حَبّ وأحَبّ، وأصل «حب» في هذا البناء حَبُب كَظُرف؛ يدل على ذلك قولهم: حَبُبْت، وأكثر ما ورد فعِيل من فَعُل. قال أبو الفتح: والدلالة على أحَبّ قوله تعالى: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} تفسير : [المائدة: 54] بضم الياء. و {ٱتّبِعُوني يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ} و «حَبّ» يرد على فَعُل لقولهم حَبِيب. وعلى فعلِ كقولهم محبوب: ولم يرد ٱسم الفاعل من حَبّ المتعدي، فلا يقال: أنا حَابّ. ولم يرد ٱسم المفعول من أفعل إلا قليلاً؛ كقوله:شعر : مِنِّــي بمنزلــة المُحَــبّ المُكْــرَمِ تفسير : وحكى أبو زيد: حَببْتُه أَحبُّه. وأنشد:شعر : فواللَّهِ لولا تَمْرهُ ما حببْتُهُ وَلا كان أدْنَى من عُوَيْف وهاشِم تفسير : وأنشد:شعر : لعَمْرُك إنّنِي وطِلابَ مِصْرٍ لَكَالْمُزْدادِ ممّا حَبّ بُعْدَا تفسير : وحكى الأصمعيّ فتح حرف المضارعة مع الباء وحدها. والحُبّ الخابية، فارسيّ معرّب، والجمع حِبَاب وحِبَبَةٌ؛ حكاه الجوهريّ. والآية نزلت في وفد نَجران إذْ زعموا أن ما ٱدّعوه في عيسى حُبٌّ لله عز وجل؛ قاله محمد بن جعفر بن الزبير. وقال الحسن وٱبن جُريج: نزلت في قوم من أهل الكتاب قالوا: نحن الذين نُحِبّ ربنا. وروي أن المسلمين قالوا: يا رسول الله، واللَّهِ إنا لنُحِب ربنا؛ فأنزل الله عز وجل: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي}. قال ٱبن عرفة: المحبّة عند العرب إرادةُ الشيء على قصد له. وقال الأزهري: محبة العبد لله ورسوله طاعته لهما وٱتباعه أمرهما؛ قال الله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي}. ومحبة الله للعباد إنعامه عليهم بالغفران؛ قال الله تعالى: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 32] أي لا يغفر لهم. وقال سهل بن عبد الله: علامة حُبِّ الله حب القرآن، وعلامة حب القرآن حب النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعلامة حب النبيّ صلى الله عليه وسلم حب السنة، وعلامة حب الله وحب القرآن وحب النبيّ وحب السنة حب الآخرة، وعلامة حب الآخرة أن يحب نفسه، وعلامة حب نفسِه أن يبغض الدنيا، وعلامة بغض الدنيا ألا يأخذ منها إلا الزّاد والبُلْغَة. وروى أبو الدرْداء. حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} قال: «على البِر والتقوى والتواضع وذلة النفس» تفسير : خرّجه أبو عبد الله الترمَذِيّ. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من أراد أن يحِبه الله فعليه بصدق الحديث وأداء الأمانة وألاّ يؤذي جاره»تفسير : . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال إني أُحِبُّ فلاناً فأحِبه قال فيحِبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إنّ الله يحب فلاناً فأحِبوه فيحِبه أهل السماء ـ قال ـ ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبداً دعا جبريل فيقول إني أبغض فلاناً فأبغِضه قال فيبغِضه جبريل ثم ينادِي في أهل السماء إن الله يُبغِض فلاناً فأبغضوه ـ قال ـ فيبغِضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض»تفسير : . وسيأتي لهذا مزيد بيان في آخر سورة «مريم» إن شاء الله تعالى. وقرأ أبو رجاء العُطارِدِيّ {فاتْبَعوني} بفتح الباء، {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} عطف على «يُحْبِبْكُم». وروى محبوب عن أبي عمرو بن العلاء أنه أدغم الراء من «يغفر» في اللام من «لكم». قال النحاس: لا يجيز الخليل وسيبويه إدغام الراء في اللام، وأبو عمرو أجلّ من أن يغلط في مثل هذا، ولعله كان يُخفِي الحركة كما يفعل في أشياء كثيرة.

ابن كثير

تفسير : هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي، والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»تفسير : ولهذا قال: {إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض العلماء الحكماء: ليس الشأن أن تُحِبّ، إنما الشأن أن تُحَبّ. وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله، فابتلاهم الله بهذه الآية، فقال: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا عبيد الله بن موسىٰ عن عبد الأعلى بن أعين، عن يحيى بن أبي كثير، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : وهل الدين إلا الحب والبغض في الله؟ قال الله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى}»تفسير : قال أبو زرعة: عبد الأعلى هذا منكر الحديث. ثم قال تعالى: { وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي: باتباعكم الرسول صلى الله عليه وسلم يحصل لكم هذا كله من بركة سفارته. ثم قال تعالى آمراً لكل أحد من خاص وعام: {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ} أي: تخالفوا عن أمره {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ} فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر، والله لا يحب من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه يحب الله ويتقرب إليه حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل ورسول الله إلى جميع الثقلين: الجن والإنس، الذي لو كان الأنبياء بل المرسلون بل أولو العزم منهم في زمانه ما وسعهم إلا اتباعه، والدخول في طاعته، واتباع شريعته، كما سيأتي تقريره عند قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ} تفسير : [آل عمران: 81] الآية، إن شاء الله تعالى.

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل لما قالوا: ما نعبد الأصنام إلا حباً لله ليقرّبونا إليه {قُلْ } لهم يا محمد {إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ } بمعنى أنه يثيبكم {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ } لمن اتبعني ما سلف منه قبل ذلك {رَّحِيمٌ } به.

الشوكاني

تفسير : الحب والمحبة: ميل النفس إلى الشيء، يقال: أحبه، فهو محبّ، وحبه يحبه بالكسر، فهو محبوب. قال الجوهري: وهذا شاذ؛ لأنه لا يأتي في المضاعف يفعل بالكسر. قال ابن الدهان: في حبّ لغتان حبّ وأحبّ، وأصل حبّ في هذا الباب حبب كطرق، وقد فسرت المحبة لله سبحانه بإرادة طاعته. قال الأزهري: محبة العبد لله ورسوله طاعته لهما، واتباعه أمرهما، ومحبة الله للعباد إنعامه عليهم بالغفران. وقرأ أبو رجاء العطاردي: «فاتبعوني» بفتح الباء. وروي عن أبي عمرو بن العلاء أنه أدغم الراء من يغفر في اللام. قال النحاس: لا يجيز الخليل، وسيبويه إدغام الراء في اللام، وأبو عمرو أجلّ من أن يغلط في هذا، ولعله كان يخفي الحركة، كما يفعل في أشياء كثيرة. قوله: {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ } حذف المتعلق مشعر بالتعميم، أي: في جميع الأوامر، والنواهي. قوله: {فَإِن تَوَلَّوْاْ } يحتمل أن يكون من تمام مقول القول، فيكون مضارعاً حذفت فيه إحدى التاءين، أي: تتولوا، ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى، فيكون ماضياً. وقوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ } نفي المحبة كناية عن البغض، والسخط. ووجه الإظهار في قوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ } مع كون المقام مقام إضمار؛ لقصد التعظيم، أو التعميم. قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَى آدَمَ } الخ لما فرغ سبحانه من بيان أن الدين المرضي هو: الإسلام، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم، هو الرسول الذي لا يصح لأحد أن يحب الله إلا باتباعه، وأن اختلاف أهل الكتابين فيه إنما هو لمجرد البغي عليه، والحسد له - شرع في تقرير رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وبين أنه من أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة. والاصطفاء: الاختيار. قال الزجاج: اختارهم بالنبوة على عالمي زمانهم، وقيل: إن الكلام على تقدير مضاف، أي: اصطفى دين آدم الخ، وقد تقدم الكلام على تفسير العالمين، وتخصيص آدم بالذكر؛ لأنه أبو البشر، وكذلك نوح، فإنه آدم الثاني، وأما آل إبراهيم، فلكون النبي صلى الله عليه وسلم منهم مع كثرة الأنبياء منهم. وأما آل عمران فهم وإن كانوا من آل إبراهيم، فلما كان عيسى عليه السلام منهم كان لتخصيصهم بالذكر وجه. وقيل المراد: بآل إبراهيم: إبراهيم نفسه، وبآل عمران: عمران نفسه. قوله: {ذُرّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ } نصب ذرية على البدلية مما قبله قاله الزجاج، أو على الحالية قاله الأخفش. وقد تقدم تفسير الذرية، و{بعضها من بعض} في محل نصب على صفة الذرية، ومعناه: متناسلة متشعبة، أو متناصرة متعاضدة في الدين. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحسن من طرق؛ قال: قال أقوام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله يا محمد إنا لنحبّ ربنا، فأنزل الله: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ } الآية. وأخرج الحكيم الترمذي عن يحيـى بن كثير نحوه. وأخرج أيضاً ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن جريج، نحوه. وأخرج ابن جرير، عن محمد بن جعفر بن الزبير في قوله: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ } أي: إن كان هذا من قولكم في عيسى حباً لله، وتعظيماً له: {فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } أي: ما مضى من كفركم {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي الدرداء في قوله: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ } قال: على البرّ، والتقوى، والتواضع، وذلة النفس. وأخرجه أيضاً الحكيم الترمذي، وأبو نعيم، والديلمي، وابن عساكر عنه. أخرج ابن عساكر، مثله عن عائشة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية، والحاكم، عن عائشة؛ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الشرك أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء، وأدناه أن يحبّ على شيء من الجور، ويبغض على شيء من العدل، وهل الدين إلا الحبّ، والبغض في الله»تفسير : قال الله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وآل إبراهيم وآل عمران} قال: هم المؤمنون من آل إبراهيم، وآل عمران، وآل ياسين، وآل محمد. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {ذُرّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ } قال: في النية، والعمل، والإخلاص، والتوحيد.

ابن عطية

تفسير : اختلف المفسرون فيمن أمر محمداً عليه السلام أن يقول له هذه المقالة، فقال الحسن بن أبي الحسن وابن جريج: إن قوماً قالوا للنبي عليه السلام: يا محمد إنا نحب ربنا، فنزلت هذه الآية في قولهم، جعل الله فيها أتباع محمد علماً لحبه، وقال محمد بن جعفر بن الزبير: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول هذا القول لنصارى نجران، أي إن كان قولكم في عيسى وغلوكم في أمره حباً لله، {فاتبعوني} ويحتمل أن تكون الآية عامة لأهل الكتاب اليهود والنصارى لأنهم كانوا يدعون أنهم يحبون الله ويحبهم، ألا ترى أن جميعهم قالوا {أية : نحن أبناء الله وأحباؤه} تفسير : [المائدة: 18] ولفظ أحباؤه إنما يعطي أن الله يحبهم لكن يعلم أن مرادهم "ومحبوه" فيحسن أن يقال لهم {قل إن كنتم تحبون الله} وقرأ الزهري "فاتبعوني" بتشديد النون، وقرأ أبو رجاء "يحببكم" بفتح الياء وضم الباء الأولى من "حب" وهي لغة، قال الزجاج: حببت قليلة في اللغة، وزعم الكسائي أنها لغة قد ماتت وعليها استعمل محبوب والمحبة إرادة يقترن بها إقبال من النفس وميل بالمعتقد، وقد تكون الإرادة المجردة فيما يكره المريد والله تعالى يريد وقوع الكفر ولا يحبه، ومحبة العبد لله تعالى يلزم عنها ولا بد أن يطيعه وتكون أعماله بحسب إقبال النفس، وقد تمثل بعض العلماء حين رأى الكعبة فأنشد: [الخفيف] شعر : هذِهِ دارُهُ وأَنْتَ مُحِبٌّ مَا بَقَاءُ الدُّموعِ في الآمَاقِ تفسير : ومحبة الله للعبد أمارتها للمتأمل أن يرى العبد مهدياً مسدداً ذا قبول في الأرض، فلطف الله بالعبد ورحمته إياه هي ثمرة محبته، وبهذا النظر يتفسر لفظ المحبة حيث وقعت من كتاب الله عز وجل، وذكر الزجاج: أن أبا عمرو قرأ "يغفر لكم" بإدغام الراء في اللام وخطأ القراء وغلط من رواها عن أبي عمرو فيما حسبت، وذهب الطبري إلى أن قوله: {قل أطيعوا الله والرسول} خطاب لنصارى نجران وفي قوله: {فإن الله لا يحب الكافرين} وعيد، ويحتمل أن يكون بعد الصدع بالقتال.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} نزلت في اليهود والنصارى حيث قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه فنزلت هذه الآية، فعرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم فلم يقبلوها. وقال ابن عباس: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش وهم في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام وجعلوا في آذانهم الشنوف وهم يسجدون لها فقال: يا معشر قريش والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل فقالت قريش: إنما نعبدها حباً لله لتقربنا إلى الله زلفى فنزلت هذه الآية. وقيل: إن نصارى نجران قالوا: إنما نقول هذا القول في عيسى حباً لله وتعظيماً له فأنزل الله {أية : قل إن كنتم تحبون الله}تفسير : [آل عمران: 31] فيما تزعمون فاتبعوني يحببكم الله لأنه قد ثبتت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالدلائل الظاهرة والمعجزات الباهرة فوجب على كافة الخلق متابعته. والمعنى قل: إن كنتم صادقين في إدعاء محبة الله فكونوا منقادين لأوامره مطيعين له فاتبعوني، فإن اتباعي من محبة الله تعالى وطاعته. وقال العلماء: إن محبة العبد لله عبارة عن إعظامه وإجلاله وإيثار طاعته واتباع أمره ومجانبة نهيه، ومحبة الله للعبد ثناؤه عليه ورضاه عنه وثوابه له وعفوه عنه فذلك قوله تعالى: {ويغفر لكم ذنوبكم} يعني أن من غفر له فقد أزال عنه العذاب {والله غفور رحيم} يعني أنه تعالى يغفر ذنوب من أحبه ويرحمه بفضله وكرمه، ولما نزلت هذه الآية قال عبدالله بن أبي سلول رأس المنافقين لأصحابه: إن محمداً يجعل طاعته كطاعة الله ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى ابن مريم فأنزل الله عز وجل: {قل أطيعوا الله والرسول} يعني أن طاعة الله متعلقة بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن طاعته لا تتم مع عصيان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا قال الشافعي رضي الله عنه: كل أمر أو نهي ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جرى ذلك في الفريضة واللزوم مجرى ما أمر الله به في كتابه أو نهى عنه، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: فإن طاعتكم لمحمد صلى الله عليه وسلم طاعتكم لي، فأمّا أن تطيعوني وتعصوا محمداً فلن أقبل منكم. {فإن تولوا} أي أعرضوا عن طاعة الله ورسوله {فإن الله لا يحب الكافرين} أي لا يرضى فعلهم ولا يغفر لهم. (خ) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل أمتي يدخلون الجنة إلاّ من أبى قالوا: ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى"تفسير : . (ق) عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني ".

ابن عادل

تفسير : قرأ العامة "تُحِبُّونَ" - بضم حرف المضارعة، من "أحَبَّ" وكذلك {يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ}. وقرأ أبو رجاء العُطَارِديّ "تَحِبُّون، يَحْبِبْكم" بفتح حرف المضارعة - من حَبَّ - وهما لغتان، يقال حَبَّه يَحُبُّه - بضم الحاء وكسرها في المضارع - وأحَبَّهُ يُحبُّهُ. وحكى أبو زيد: حَبَبْتُهُ، أحِبُّه. وأنشد: شعر : 1410- فَوَاللهِ لَوْلاَ ثُمْرُهُ مَا حَبَبْتُهُ وَلاَ كَانَ أدْنَى مِنْ عُوَيفٍ وَمُشرِقِ تفسير : ونقل الزمخشريُّ: قراءة يحبكم - بفتح الياء والإدغام - وهو ظاهر، لأنه متى سكن المثلين جَزْماً، أو وقْفاً جاز فيه لغتان: الفك والإدغام. وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله في المائدة. والحُبّ: الخَابِيَة - فارسيّ مُعَرَّب - والجمع: حِباب وحِبَبَة، حكاه الجوهريُّ. وقرأ الجمهور "فَاتَّبِعُونِي" بتخفيف النون، وهي للوقاية. وقرأ الزُّهري بتشديدها، وخُرِّجَتُ على أنه ألحق الفعل نون التأكيد، وأدغمها في نون الوقاية وكان ينبغي له أن يحذف واوَ الضمير؛ لالتقاء الساكنين، إلا أنه شبَّه ذلك بقوله: {أَتُحَاجُّوۤنِّي} وهو توجيه ضعيف ولكن هو يصلح لتخريج هذا الشذوذ. وطعن الزجاجُ على من روى عن أبي عمرو إدغام الراء من "يغفر" في لام "لكم". وقال: هو خطأ وغلط على أبي عمرو. وقد تقدم تحقيقه، وأنه لا خطأ ولا غلط، بل هو لغة للعرب، نقلها الناس، وإن كان البصريون لا يُجِيزون ذلك كما يقول الزجاج. فصل اعلم أنه - تعالى - لما دعاهم إلى الإيمان به وبرسولِه على سبيل التهديدِ والوعيد دعاهم إلى ذلك بطريق آخرَ، وهو أن اليهود كانوا يقولون: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}تفسير : [المائدة: 18] فنزلت هذه الآية. وروي الضحاك - عن ابن عباس - أن النبي وقف على قريش - وهم في المسجد الحرام يسجدون للأصنام وقد علقوا عليها بيض النعام وجعلوا في آذانها السيوف. - فقال: يا معشر قريش، والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم، فقالت قريش: إنما نعبدها حباً لله: {أية : لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} تفسير : [الزمر: 3]، فقال الله - تعالى -: "قل" يا محمد {إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ} فتعبدون الأصنام لتقربكم إليه {فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} فأنا رسولُه إليكم، وحجتُه عليكم أي اتبعوا شريعتي وسنتي يحببكم الله. وقال القرطبي: "نزلت في وفد نجرانَ؛ إذْ زعموا أنّ ما ادَّعَوْه في عيسى حُبٌّ لله عز وجل". وروي أن المسلمين قالوا: يا رسول الله، والله إنا لنحب رَبَّنا، فأنزل الله - عز وجل - {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي} [آل عمران: 31]. قال ابن عرفة: المحبة - عند العرب - إرادة الشيء على قَصْدٍ له. وقال الأزهري: محبة العبد لله ورسوله طاعته لهما، واتباعه أمرهما، قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي} [آل عمران: 31] [ومحبة الله للعباد إنعامه عليهم بالغفران، قال الله تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32]، أي: لا يغفر لهم]. قال سهل بن عبد الله: علامة حُبُّ الله حُبَّ القرآن، وعلامة حب القرآن حبُّ النبي، وعلامة حب النبي صلى الله عليه وسلم حب السنة، وعلامة حب السنة، حب الآخرة، وعلامة حب الآخرة، أن لا يحب نفسه، وعلامة أن لا يحب نفسه أن يبغض الدنيا، وعلامة بغض الدنيا أن لا يأخذ منها إلا الزاد والبُلْغَة. قوله: {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} الآية قيل: إنه لما نزلت هذه الآية، قال عبد الله بن أبي لأصحابه: إن محمداً يجعل طاعته كطاعة الله، ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارَى عيسى - عليه السلام - فنزل قوله: {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ} أعرَضوا عنها {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ} لا يَرْضَى فعلَهم ولا يغفر لهم. والمعنى: إنما أوجب الله عليكم طاعتي، ومتابعتي - لا كما تقول النصارى في عيسى، [بل لكوني رسولاً من عند الله]. قوله: {فإِن تَوَلَّوْاْ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون مضارعاً، والأصل "تَتَوَلُّوْا" فحذف إحدى التاءين كما تقدم، وعلى هذا، فالكلام جارٍ على نسق واحدٍ، وهو الخطاب. والثاني: أن يكون فعلاً ماضياً مسنداً لضمير غيب، فيجوز أن يكون من باب الالتفاتِ، ويكون المراد بالغُيَّبِ المخاطبين في المعنى، ونظيره قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم} تفسير : [يونس: 22]. فصل روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : "كُلُّ أمتي يدخلونَ الجنة إلا مَنْ أبَى" قالوا: ومن يَأبَى؟ قال: "مَنْ أطَاعَني دَخَلَ الْجَنَّةَ، ومَنْ عَصَانِي فَقَدْ أبَى" ". تفسير : قال جابر بن عبد الله: "جاء الملائكة إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم - وهو نائم - فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة، والقلب يقظان، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مَثَلاً، فاضربوا له مَثَلاً، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى داراً، وجعل فيها مأدُبَةً، وبعث داعياً، فمن أجاب الداعي دَخل الدارَ، وأكل من المأدبةِ، ومن لم يجب الداعيَ لم يدخل الدارَ، ولم يأكُلْ من المأدُبَةِ، فقالوا: أوِّلُوها له بفقهها، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العينَ نائمة والقلب يقظانُ، قالوا: فالدار الجنة، والداعي محمد صلى الله عليه وسلم من أطاع محمداً فقد أطاع الله، ومن عَصَى محمداً فقد عصى الله، ومحمد صلى الله عليه وسلم فَرَقَ بين الناس". روى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : من أراد أن يحبه اللهُ فعليه بصدقِ الحديثِ، وأداء الأمانة وأن لا يؤذِي جاره" تفسير : وروى مسلم - عن أبي هريرة - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إنَّ الله إذا أحبَّ عبداً دعا جبريلَ فقال: إنِّي أحِبُّ فلاناً، فأحبه، قال: فيحبه جبريلُ، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يُحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهلُ السّماءِ، قال: ثم يُوضَع له القبولُ في الأرض، وإذا أبغض عبداً دعا جبريلَ فيقول: إني أبْغِضُ فلاناً فأبْغِضْهُ، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبْغِضُوه، قال فيبغضونه، ثم تُوضَع له البَغْضَاءُ في الأرض ". تفسير : وقال: {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ} ولم يَقُلْ: فإنه لا يحب؛ لأن العرب إذا عظَّمت الشيءَ أعادت ذِكْرهَ، أنشد سيبويه [قول الشاعر]: [الخفيف] شعر : 1411- لا أرَى الْمَوْتَ يَسْبِقُ الْمَوْتَ شَيْءٌ نَغَّصَ الْمَوْتُ ذَا الْغِنَى وَالْفَقِيرا تفسير : ويحتمل أن يكون لأجل أنه تقدم ذِكْرُ الله والرسول، فذكره للتمييز؛ لَئِلاّ يعودَ الضمير على الأقْرَبِ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير من طريق بكر بن الأسوف عن الحسن قال "قال قوم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد إنا نحب ربنا. فأنزل الله {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} فجعل أتباع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم علماً لحبه، وعذاب من خالفه". وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق أبي عبيدة الناجي عن الحسن قال "قال أقوام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله يا محمد إنا لنحب ربنا، فأنزل الله {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني...} الآية. وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير من طريق عباد بن منصور قال "إن أقواماً كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يزعمون أنهم يحبون الله، فأراد الله أن يجعل لقولهم تصديقاً من عمل فقال {إن كنتم تحبون الله...} الآية. فكان اتباع محمد صلى الله عليه وسلم تصديقاً لقولهم". وأخرج الحكيم الترمذي عن يحيى بن أبي كثير قال: قالوا إنا لنحب ربنا، فامتحنوا. فأنزل الله {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: كان أقوام يزعمون أنهم يحبون الله، يقولون: إنا نحب ربنا. فأمرهم الله أن يتبعوا محمداً، وجعل أتباع محمد صلى الله عليه وسلم علماً لحبه. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من رغب عن سنتي فليس مني، ثم تلا هذه الآية {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله...} إلى آخر الآية ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير {قل إن كنتم تحبون الله} أي إن كان هذا من قولكم في عيسى حباً لله وتعظيماً له {فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} أي ما مضى من كفركم {والله غفور رحيم}. وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لن يستكمل مؤمن إيمانه حتى يكون هواه تبعاً لما جئتكم به ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء في قوله {إن كنتم تحبون الله فاتبعوني} قال: على البر والتقوى، والتواضع، وذلة النفس. وأخرج الحكيم الترمذي وأبو نعيم والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء "حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} قال: على البر، والتقوى، والتواضع، وذلة النفس "تفسير : . وأخرج ابن عساكر عن عائشة في هذه الآية {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني} قالت: على التواضع، والتقوى، والبر، وذلة النفس. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والحاكم عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الشرك أخفى من دبيب الذر على الصفا في الليلة الظلماء، وأدناه أن يحب على شيء من الجور، ويبغض على شيء من العدل. وهل الدين إلا الحب والبغض في الله؟ قال الله تعالى {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}" تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم من طريق حوشب عن الحسن في قوله {فاتبعوني يحببكم الله} قال: فكان علامة حبهم إياه اتباع سنة رسوله. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة، أنه سئل عن قوله "المرء مع من أحب فقال: ألم تسمع قول الله {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} يقول: بقربكم. والحب هو القرب، والله لا يحب الكافرين، لا يقرب الكافرين". وأخرج أبي جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير {قل أطيعوا الله والرسول} فإنهم يعرفونه. يعني الوفد من نصارى نجران، ويجدونه في كتابهم {فإن تولوا} على كفرهم {فإن الله لا يحب الكافرين}. وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم عن أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندري... ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ".

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} [الآية: 31]. قال عمرو بن عثمان: محبَّة الله تعالى منى معرفته ودوامُ خشيتهِ ودوامُ اشتغال القلب به ودوامُ انتصاب القلب بذكره، ودوام الأنس به. قال محمد بن خفيف: المحبَّةُ: الموافقة لله تعالى فى التماس مرضاته. وقيل المحبَّةُ: اتباعُ الرسول صلى الله عليه وسلم فى أقوالهِ وأفعَاله وآدابِه إلا ما خصَّ به، لأنَّ الله تعالى قرَن محبَّته باتباعه. وقيل المحبَّةُ: هى الأثرةُ لله تعالى على جميع خلقه. قال بعضُهُم: المحبَّةُ هى موافقةُ القلوب عند بروز لطائفِ الجمال. قال أبو يزيد: أحبَبتُ الله تعالى حتى أبغضتُ نفسى، وأبغضتُ الدُنيا حتى أحببتُ طاعة الله تعالى، وتركتُ ما دُون الله تعالى حتى وصلتُ إلى الله تعالى، واخترتُ الخالقَ على المخلوقِ، فاشتغل بخدمتى كلُّ مخلوق. سُئِلَ الأنطاكى ما علامةُ المحبَّة؟ فقال: أن يكونَ قليلَ العبارةِ دائم التفكر، كثير الخلوةِ، ظاهر الصمت، لا يبصر إذا نظر ولا يسمع إذا نودى، ولا يحزنُ إذا أُصيب ولا يفرحُ إذا أصاب ولا يخشى أحدًا ولا يرجوه. سُئل يحيى بن معاذ عن حقيقة المحبَّةِ فقال: الذى لا يزيد بالبر ولا ينقُصُ بالجفوة. قال سهلُ بن عبد الله: مُحِبُّ الله تعالى على الحقيقة من يكون اقتداؤه فى أحواله وأفعاله وأقواله بالنبى صلى الله عليه وسلم. قال جعفر رحمه الله فى قوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} قيَّدَ أسرار الصديقين بمتابعة نبيه صلى الله عليه وسلم لكى يعلمُوا أنهم وإن علت أحوالهم وارتفعت مراتبهم لا يقدرون مجاورته ولا اللحوق به. قال ابن عطاءٍ فى هذه الآية: أمرَ بطلب نُورِ الأدنى من عمى عن نُور الأعلى. قال أبو عبد الرحمن السلمى رحمه الله: لا وصول إلى النور الأعلى لمن لا يستدلُّ عليه بالنور الأدنى، ومن لم يجعل السبيل إلى النور الأعلى التمسُّك بآداب صاحب النور الأدنى ومتابعته صلى الله عليه وسلم فقد عمى عن النورين جميعًا فأُلبس ثوب الاغترار. قال أبو عثمان فى قوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي} قال: صدِّقوا محبتكم إياى بمتابعة حبيبى، فإنه لا وصول إلى محبتى إلا بتقديم محبَّته، واتباعه على طريقته، فإن طريقته هى الطريقة المثلى والوصلةُ إلى الحبيبِ الأعلى. قال أبو يعقوب السُّوسى رحمه الله: حقيقة المحبَّة هى أن ينسى العبدُ حَظَّهُ من ربه وينسى حوائجه إليه. قال الواسطى: لا تصح المحبَّةُ وللإعراض على سرّه أثر وللشواهد فى قلبه خطرُ، بل صحةُ المحبَّة نسيانُ الكلّ فى استغراق مُشاهدة المحبوب وفناهُ به عنه. قال ابن منصور: حقيقةُ المحبّة قيامُك معَ محبوبك وخلع أوصافكَ والاتصاف بأوصافه. قال محمد بن الفضل فى قوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ}: نفى اسم المحبة عمن يخالف شيئًا من سُنن الشريعة ظاهرًا وباطنًا، أو يترك متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما دَقَّ وجل، لأن المتابع له من لا يخالفه فى شئ من طريقته صلى الله عليه وسلم. سمعت النصرآباذى يقول: محبَّةٌ توجب حقنَ الدم، ومحبَّةٌ توجبُ سفكهُ بأسياف الحُبّ وهو الأجل. سمعت السلامىّ يقولُ فى قول الله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ} قال: اشتقت المحبَّة من حبَّة القلب، وحبَّةُ القلبِ عينُ القلبِ، وهو مثلُ أن تقع الحبَّةُ فى الأرض فتنبت.

القشيري

تفسير : {تُحِبُّونَ ٱللَّهَ} فرق، و {يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} جمع. {تُحِبُّونَ ٱللَّهَ} مشوب بالعلة، و {يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} بِلا عِلّة، بل هو حقيقة الوصلة. ومحبة العبد لله حالة لطيفة يجدها من نفسه، وتحمله تلك الحالة على موافقة أمره على الرضا دون الكراهية، وتقتضي منه تلك الحالة إيثاره - سبحانه - على كل شيء وعلى كل أحد. وشرطُ المحبةِ ألا يكون فيها حظٌّ بحال، فَمنْ لم يَفْنَ عن حظوظه بالكلِّية فليس له من المحبة شظيَّة. ومحبة الحق للعبد إرادته إحسانَه إليه ولطفَه به، وهي إرادةُ فضلٍ مخصوص، وتكون بمعنى ثنائه سبحانه عليه ومدحه له، وتكون بمعنى فضله المخصوص معه، فعلى هذا تكون من صفات فعله. ويقال شرط المحبة امتحاء كليتك عنك لاستهلاكك في محبوبك، قال قائلهم: شعر : وما الحبُّ حتى تنزف العين بالبكا وتخرس حتى لا تجيب المناديا تفسير : وهذا فرق بين الحبيب والخليل؛ قال الخليل: {أية : فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي}تفسير : [إبراهيم: 36]. وقال الحبيبُ: {فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ}. فإن كان مُتَّبعُ الخليل "منه" إفضالاً فإن متابعَ الحبيبِ محبوبُ الحقِّ سبحانه، وكفى بذلك قربة وحالاً. ويقال قطع أطماع الكافة أن يسلم لأحدٍ نفس إلا ومقتداهم وإمامهم سيد الأولين والآخرين محمد صلى الله عليه وسلم. ويقال في هذه الآية إشارة إلى أن المحبة غير معلولة وليست باجتلاب طاعة، أو التجرد عن آفة لأنه قال: {يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} بيَّن أنه يجوز أن يكون عبد له فنون كثيرة ثم يحبُّ اللهَ ويحبُّه الله. ويقال قال أولاً: {يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} ثم قال: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} والواو تقتضي الترتيب ليُعْلَمَ أَنَّ المحبةَ سابقةٌ على الغفران؛ أولاً يحبهم ويحبونه (وبعده) يغفر لهم ويستغفرونه، فالمحبة توجِب الغفران لأن العفو يوجب المحبة. والمحبة تشير إلى صفاء الأحوال ومنه حَبَبُ الأسنان وهو صفاؤها. والمحبة توجب الاعتكاف بحضرة المحبوب في السر. ويقال أحب البعير إذا استناخ فلا يبرح بالضرب. والحبُّ حرفان حاء وباء، والإشارة من الحاء إلى الروح ومن الباء إلى البَدَن، فالمُحِبُّ لا يَدَّخِر عن محبوبه لا قلبَه ولا بَدَنَه.

البقلي

تفسير : {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} اى قل ان ادعيتم محبة الله وانتم صادقون فيما ادعيتم فاتبوعنى فانى سيد المحبين ورئيس الصديقين ومقدم المرسلين وقدوة المريدين حتى اريكم مغيبات المهلكات وغوامض طريق المنجيات ودقائق احكام المشاهدات واسرار لمعات المداناة ورشدكم الى حسن المعاملات وافضل الطاعات واعلمكم حسن الاداب ونفائس الاخلاق زاد الى الماب لان قد كوكشفت باسرار انور القربة وان متاعتى حقيقة شكر محبة المحبوب واذا شكرتم الله بمتابعتى زادكم انه محبته ومعرفته قال تعالى فاتبعونى يحببكم الله وقال لئن شرتم لازيدنكم وحقيقة المحبة عند العارفين والمحبين احتراق القلب نيران الشوق وروح الروح بلذة العشق واستغراق المحواس فى بحر الانس وطهارة النفس بمياه القدس ورؤية الحيب بعين الكل وغمض عين الكل عن الكونين وطيران السر فى غيب الغيب وتخلق المحب بخلق المحبوب وهذا اصل المحبة اما فرع المحبة فهو موافقة المحبوب فى جمع ما يرضاه وتقبل بلائه بنعت الرضا والتسليم فى قضائه وقدره بشرط الوفاء بومتابعة سنة المصطى صلوات الله وسلامه عليه وأما اداب اهل المحبة الانقطاع عن الشهوات واللذات والمسارعة فى الخيرات والسكون فى الخلوات والمراقبات واستنشاق نفحات الصفات والتواضع فى المناجات والشروع فى النوافل والعبادات حتى صاروا متصفين بصفات الحق منقديين بنروه بين الخلق قال الله تعالى الا يزال العبد بتقرب الى بالنوافل حتى كنت له مسعا وبصير ولسنا ويدا وصرف المحبة لا يكون الا بعد ان يرى الروح النطاقة بعين السر مشاهدة الحق بنعت الجمال وحسن القدم لا بنعت الالاء والنعمة لان المحبة اذا كانت من تولد رؤية النعماء تكون محبة معلولة وحقيقة المحبة ما لا علة فيها من المحب والحبيب شئ دون المحبوب وقال ابو عمر بن عثمان محبة الله هى معرفته ودوام خشيته ودوام اشتغال القلب به ودوام انتصاب القلب بذكره ودام الانس به وقال محد بن حنيف رحمه الله المحبة الموافقة لله فى التماس مرضاته وقال بعضهم المحبة هى موافقة القلوب عند بروز لطائف الجمال وقال ابو يزيد احببت الله حتى ابغضت نفسى وابغضت الدنيا حتى احييت طاعة الله وتركت ما دون الله حتى وصلت الى الله واخترت الخالق فاشتغل بخدمتى كل مخلوق وقيل المحبة هى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فى اقواله وافعاله واحواله وأدابه الا ما خص به لان الله قرن محتبه باتباعه وسئل الانطاكى ما عدمه الممكبة قال ان يكون قليل العبادة دائم التفكير كثير الخلوة ظاهر الصمت لا بصر اذا تطرق لا يسمع اذا نودى والا يحزن اذا اصيب ولا يفرح اذا اصاب لا يخشى احد ولا يرجوه وسئل يحيى بن معاذ عن حقيقة المحبة قال الذى لا يزيج بالبر ولا نيفص بالجفوة وقال جعفر فى قوله ان كنتم تحبون الله فاتبعونى قال قيد اسرار الصديقين بمتابعة نبيه صلى الله عليه وسلم لكى تعلموا انهم ان علمت احوالهم وارتفعت مراتبهم لا يدرون مجاوزته ولا للحوق به وقال ابن عطا فى هذه الاية امر بطلب نور الادنى من عمى عن نور الا على واقول لا وصول الى النور الا على من لم يستدل عليه بالنور الادنى ومن لم يجعل السبيل الا النور الا على والتمسك باداب صاحب النور الادنى ومتابعة فقد عمى عن نورين جمعا والبس ثواب الاعتراف قال ابو يعقوب السوسى حقيقة المحبة ان ينسى العبد حظه من ربه وينسى حوائجه قال الواسطى لا يصح المحبة والاعراض على سره اثرو للشواهد فى قلبه خطر بل صحة المحبة نسيان الكل فى استغراق مشاهدة المحبوب وفناءه به عنه وقال ابن منصور حقيقة المحبة قيامك مع محبوبك بخلع اوصافك والاتصاف باتصافه قال الشيخ ابو عبد الرحمن سمعت النصر ابدى يقول بمحبة توجب عن الدم ومحبة توجب سفكه باشياق الحب وهو الاجل وروى ابو الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قوله ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله قال على البروا التقوى والتواضع وذلة النفس وسئل عمرو بن عثمان المكى عن المحبة قال المحبة فى نفسها اصلها التواضع فى القلوب من لطف المعانى المنى يعاينها من المحبوب على شرط ما تعلقت به وسئل سهل بن عبد الله ما علامة المحبوب فقال ان لا يزال لءانه ذاكر الحبيبة مشغوف به متساناس مسرور به حامدا شاكرا له وجوارحه مشغولة بمرضاة حبيبه فهو المحب له ولمرضى عنه وقال الاستاد المحبة تشير الى صافء الاحوال والمحبة توجب الاعتكاف بحضرة المحبوب بالسر ويقال حب البعير اذا استناخ فى ييرح بالضرب للحب حرفان جاءٌ وباءٌ والاشارة بالحاء الى الروح والاشارة من الباء الى البدن والمحب لا يدخر عن محبوبه لا قلبه ولا بدنه.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل ان كنتم تحبوت الله فاتبعونى} اثبت فيه الياء لانه اصل ولم يثبت فى فاتقون واطيعون لانه ختم آية ينوى بها الوقف {يحببكم الله} نزلت حين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن الاشرف ومن تابعة الى الايمان فقالوا {أية : نحن أبناء الله وأحباؤه}تفسير : [المائدة: 18]. فقال تعالى لنبيه عليه السلام قل لهم انى رسول الله ادعوكم اليه فان كنتم تحبونه فاتبعونى على دينه وامتثلوا امرى يحببكم الله ويرض عنكم. والمحبة ميل النفس الى الشىء لكمال ادركته فيه بحيث يحملها على ما يقربها اليه والعبد اذا علم ان الكمال الحقيقى ليس الا لله وان كل ما يراه كمالا من نفسه او غيره فهو من الله وبالله والى الله لم يكن حبه الا لله وفى الله وذلك يقتضى ارادة طاعته. والرغبة فيما يقربه اليه فلذلك فسرت المحبة بارادة الطاعة وجعلت مستلزمة لاتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فى طاعته والحرص على مطاوعته {ويغفر لكم ذنوبكم} اى يكشف الحجب عن قلوبكم بالتجاوز عما فرط منكم فيقربكم من جنات عزه ويبوئكم فى جوار قدسه. عبر عنه بالمحبة بطريق الاستعارة او المشاكلة {والله غفور رحيم} اى لمن كان يتحبب للنصارى ويتبع عيسى ابن مريم فنزل قوله تعالى {قل اطيعوا الله والرسول} اى فى جميع الاوامر والنواهى فيدخل فى ذلك الطاعة فى اتباعه صلى الله عليه وسلم دخولا اوليا {فان تولوا} اما من تمام مقول القول فهى صيغة المضارع المخاطب بحذف احدى التاءين اى تتولوا وتعرضوا واما كلام متفرع مسوق من جهته تعالى فهى صيغة الماضى الغائب وفى ترك ذكر احتمال الا طاعة كما فى قوله تعالى {أية : فإن أسلموا}تفسير : [آل عمران: 20]. تلويح الى لانه غير محتمل عنهم {فانه الله لا يحب الكافرين} نفى المحبة كناية عن بغضه تعالى لهم وسخطه عليهم اى لا يرضى عنهم ولا يثنى عليهم. ودلت الآية على شرف النبى عليه السلام فانه جعل متابعته متابعة حبيبه وقارن طاعته بطاعته فمن ادعى محبة الله وخالف سنة نبيه فهو كذاب بنص كتال الله تعالى كما قيل شعر : تعصى الاله وانت تظهر حبه هذا محال فى الفعال بديع لو كان حبك صادقا لاطعته ان المحب لمن يحب مطيع تفسير : وانما كان من ادعى محبة الله وخالف سنة رسوله كاذبا فى دعواه لان من احب آخر يحب خواصه والمتصلين به من عبيده وغلمانه وبيته وبنيانه ومحله ومكانه وجداره وكلبه وحماره وغير ذلك فهذا هو قانون العشق وقاعدة المحبة والى هذا المعنى اشار المجنون العامرى حيث قال شعر : امر على الديار ديار ليلى اقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حب الديار شغفن قلبى ولكن حب من سكن الديارا تفسير : قال الامام القشيرى رحمه الله قطع الله اطماع الكل ان يسلم لاحدهم نفسه الا مقتداهم سيد الاولين والآخرين. وقال القاشانى محبة النبى عليه السلام انما تكون بمتابعته وسلوك سبيله قولا وعملا وخلقا وحالا وسيرة وعقيدة ولا تتمشى دعوى المحبة الا بهذا فانه قطب المحبة ومظهرها وطريقته صلى الله عليه وسلم المحبة فمن لم يكن له من طريقته نصيب لم يكن له من المحبة نصيب واذا تابعه حق المتابعة ناسب باطنه وسره وقلبه ونفسه باطن النبى وسره وقلبه ونفسه وهو مظهر المحبة فلزم بهذه المناسبة ان يكون لهذا التابع قسط من محبة الله بقدر نصيبه من المتابعة فليقى الله محبته عليه ويسرى من روح النبى نور تلك المحبة ايضا الى قلبه اسرع ما يكون اذلولا محبة الله لم يكن محباله ثم نزل عن هذا المقام لانه اعز من الكبريت الاحمر ودعاهم الى ما هو اعم من مقام المحب وهو مقام الارادة فقال {قل اطيعوا الله والرسول} اى ان لم تكونوا محبين ولم تستطيعوا متابعة حبيبى فلا اقل من ان تكونوا مريدين مطيعين لما امرتم به فان المريد يلزمه طاعة المراد وامتثال امره {فان تولوا} اى ان اعرضوا عن ذلك ايضا فهم كفار محجوبون انتهى. وروى البخارى "حديث : وعن عبد الله بن هشام انه كان مع النبى صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر رضى الله عنه فقال عمر يا رسو ل الله انت احب الى من كل شىء الا نفسى فقال عليه السلام والذى نفس محمد بيده لا يؤمن احدكم حتى اكون احب اليه من نفسه فقال عمر فانه الآن والله انت احب الى من نفسى فقال عليه السلام الآن يا عمر صار ايمانك كاملا ".تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : "كل امتى يدخلون الجنة الا من ابى" قالو من يأبى قال "من اطاعنى دخل الجنة ومن عصانى فقد ابى""تفسير : وعن جابر بن عبد الله انه قال جاءت ملائكة الى النبى صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقال بعضهم انه نائم وقال بعضهم ان العين نائمة والقلب يقظان فقالوا ان لصاحبكم هذا مثلا فاضربوا له مثلا فقالوا مثله كمثل رجل بنى دارا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيا فمن اجاب الداعى دخل الدار واكل من المأدبة ومن لم يجب الداعى لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة فقالوا او لوها له يفقهها فقالوا الدار الجنة والداعى محمد فمن اطاع محمدا فقد اطاع الله ومن عصى محمدا فقد عصى الله ومحمد فرق بين الناس فبمتابعة النبى صلى الله عليه وسلم تحصل الجنة والقربة والوصلة - روى ان محمود الغازى دخل على الشيخ الربانى ابى الحسن الخرقانى قدس سره لزيارته وجلس ساعة ثم قال يا شيخ ما تقول فى حق ابى يزيد البسطامى قدس سره فقال الشيخ هو رجل من اتبعه اهتدى واتصل بسعادة لا تخفى فقال محمود وكيف ذلك وابو جهل رأى رسول الله عليه السلام ولم يخلص من الشقاوة فقال الشيخ فى جوابه ان ابا جهل ما رأى رسول الله انما رى محمد بن عبد الله حتى لو كان رأى رسول الله عليه السلام لخرج من الشقاوة ودخل فى السعادة ثم قال ومصداق ذلك قول الله تعالى {أية : وتراهم ينظرون اليك وهو لا يبصرون} تفسير : [الأعراف: 198]. فالنظر بعين الرأس لا يوجب هذه السعادة بل النظر بعين السر والقلب والمتابعة التامة تورث ذلك. وامته صلى الله عليه وسلم من اتبعه ولا يتبعه الا من اعرض عن الدنيا فانه عليه السلام ما دعا الا الى الله واليوم الآخر وما صرف الا عن الدنيا والحظوظ العاجلة فبقدر ما اعرضت عنها واقبلت على الله وصرفت الأوقات لأعمال الآخرة فقد سلكت سبيله الذي يسلكه وبقدر ما اتبعته صرت من امته وبقدر ما أقبلت على الدنيا عدلت عن سبيله واعرضت عن متابعته ولحقت بالذين قال الله تعالى فيهم {أية : فاما من طغى وءاثر الحيوة الدنيا فإن الجحيم هى المأوى}تفسير : [النازعات: 37-39]. ولو خرجت عن مكمن الغرور وانصفت من نفسك يا رجل وكلنا ذلك الرجل لعلمت انك من حين تمسى الى حين تصبح لا تسعى الا فى الحظوظ العاجلة ولا تتحرك الا برجل الدنيا الفانية ثم تطمع فى ان تكون غدا من امته واتباعه ويحك ما ابعد ظننا وما افحش طمعنا قال الله تعالى {أية : أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون}تفسير : [القلم: 35-36].

ابن عجيبة

تفسير : قلت: قد تقدم الكلام على حقيقة المحبة عند قوله: {يحبونهم كحب الله}. وقال البيضاوي هنا: المحبة ميلُ النفس إلى الشيء لإدراك كمال فيه، بحيث يحملها - أي الميل - إلى ما يقربها إليه، والعبد إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس إلا لله، وأن ما يراه كمالاً من نفسه أو غيره فهو من الله وبالله وإلى الله، لم يكن حبه إلا لله وفي الله، وذلك يقتضي إرادة طاعته، فلذلك فُسرت المحبة بإرادة الطاعة، وجعلت مستلزمة لاتباع الرسول في عبادته، والحرص على مطاوعته. هـ. وقوله: {فإن تولوا}: فعل ماض مجزوم المحل، ولم يدغمه البَزِّي هنا، على عادته في الماضي، لعدم موجبه. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} يا محمد لمن يدّعي أنه يحب الله ولا يتبع رسوله: {إن كنتم تحبون الله} كما زعمتم، {فاتبعوني} في أقوالي وأفعالي وأحوالي، {يحببكم الله} أي: يرضى عنكم ويقربكم إليه، {ويغفر لكم ذنوبكم} أي: يكشف الحجاب عن قلوبكم بغفران الذنوب ومحو العيوب، فيقربكم من جناب عزه، ويبوئكم في جِوار قدسه، {والله غفور رحيم} لمن تحبب إليه بطاعته واتباع رسوله. {قل أطيعوا الله} فيما يأمركم به وينهاكم عنه، {والرسول} فيما يَسُنه لكم ويرغبكم فيه، {فإن تولوا} وأعرَضوا عنه، فقد تعرضوا لمقت الله وغضبه بكفرهم به؛ {فإن الله لا يحب الكافرين} أي: لا يرضى عنهم ولا يقبل عليهم، وإنما لم يقل: لا يحبهم؛ لقصد العموم، والدلالة على أن التولي عن الرسول كفر، وأنه بريء من محبة الله، وأن محبته مخصوصة بالمؤمنين. رُوِيَ أن نصارى نجران قالوا: إنما نعظم المسيح ونعبده، حباً لله وتعظيماً لله. فقال تعال: {قل} يا محمد: {إن كنتم تحبون الله} تعالى {فاتبعوني}... الآية. ولما نزلت الآية قال عبد الله بن أُبَيّ لأصحابه: إن محمداً يجعل طاعته كطاعة الله، ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى، فنزل قوله تعالى: {قل أطيعوا الله والرسول} الآية. وقال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : "مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ الله، ومن أَطَاعَ الإمامَ فَقدْ أطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى الله وَمَنْ عصَى الإمامَ فَقَدْ عَصَانِي ". تفسير : الإشارة: اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم رُكن من أركان الطريقة، وشرط في إشراق أنوار الحقيقة، فمن لا اتباع له طريق له، ومن لا طريق له لا وصول له، قال الشيخ زروق رضي الله عنه: (أصول الطريقة خمسة أشياء: تقوى الله في السر والعلانية، واتباع النبيّ صلى الله عليه وسلم في الأقوال والأفعال، والإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار، والرجوع إلى الله في السراء والضرء، والرضى عن الله في القليل والكثير). فالرسول - عليه الصلاة والسلام - حجاب الحضرة وبَوَّابُها، فمن أتى من بابه؛ بمحبته واتباعه، دخل الحضرة، وسكن فيها، ومن تنكب عنها طُرِد وأُبعد، وفي ذلك يقول القائل: وأنتَ بابُ الله، أيُّ امرِىءٍ وَافَاه مِنح غَيْرِكَ لاَ يدْخُلُ وقال في المباحث: شعر : تَبِعَه العالِمُ في الأقوال، والعابدُ الزاهدُ في الأفْعَالِ وفيهما الصُّوفيُّ في السِّباق لكنَّه قد زاد في الأخْلاَقِ تفسير : فمن ادّعى محبة الله أو محبة رسوله، ولم يطعهما، ولم يتخلق بأخلاقهما، فدعواه كاذبة، وفي ذلك يقول ابن المبارك: شعر : تَعْصِي الإلَه وَأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ هَذَا محَالٌ في الْقِيَاسِ بَدِيعُ لَوْ كانَ حُبُّكَ صَادِقاً لأَطَعْتَهُ إنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ تفسير : ثم ذكر الحق تعالى بيان نشأة عيسى عليه السلام، وبيان أصله ونشأة أمه، توطئة للكلام مع النصارى والرد عليهم في اعتقادهم فيه. وقال البيضاوي: لما أوجب الله طاعة الرسل، وبيَّن أنها الجالبة لمحبة الله، عقَّب ذلك ببيان مناقبهم تحريضاً عليها.

الطوسي

تفسير : النزول: قيل: إن هذه الآية نزلت في قوم من أهل الكتاب، قالوا: نحن الذين نحب ربنا فجعل الله تصديق ذلك اتباع رسله. هذا قول الحسن وابن جريج. وقال محمد بن جعفر بن الزبير: إنها نزلت في وفد نجران من النصارى. اللغة: والمحبة: هي الارادة إلا أنها تضاف إلى المراد تارة، وإلى متعلق المراد أخرى نحو أن تقول: أحب زيداً واحب إكرام زيد، ولا تقول في الارادة ذلك لأنك تقول: أريد إكرام زيد، ولا تقول أريد زيداً. وإنما كان كذلك لقوة تصرف المحبة في موضع مثل الطباع الذي يجري مجرى الشهوة، فعوملت تلك المعاملة في الاضافة ومحبة الله للعبد هي ارادته لثوابه ومحبة العبد لله هي ارادته لطاعاته. القراءة، والحجة، والاعراب: وقوله: {فاتبعوني} أثبتت الياء فيه بلا خلاف، لأنها في وسط آية وحذفت من قوله: {فاتقوا الله وأطيعون} لأنها رأس آية نوي بها الوقف لتشاكل رءوس الآي، لأن سبيل الفواصل سبيل القوافي. وقيل أحببت فلاناً، فهومحبوب، فجاء مفعول للاستغناء به عن حببت حتى صار ذلك مهملا، وقد جاء على الاصل قول عنترة: شعر : ولقد نزلت فلا تظني غيره مني بمنزلة المحب المكرم تفسير : وقد حكى الزجاج عن الكسائي (حببت) من الثلاثي، وأجاز القراءة بفتح التاء غير أنه قال هذه لغة قد ماتت. وقوله: {ويغفر لكم} لا يجوز في القياس إدغام الراء في اللام كما جاز إدغام اللام في الراء في هل رأيت، لأن الراء مكررة، ولا يدغم الزائد في الناقص للاخلال به، وقياسها في ذلك قياس الضاد، لأنه يجوز هل ضربت بالادغام ولا يجوز انقض له إلا بالاظهار لما في الضاد من الاستطالة، وقال الزجاج: روي عن أبي عمرو إدغام الراء في اللام، وغلظ عليه لأنه خطأ فاحش باجماع علماء النحويين: الموثوق بهم، وأجاز الفراء إدغامها في اللام كما يجوز إدغام الياء في الميم.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ} ابتداء خطاب للهداية الى حقّ وصواب {إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ} جملة شرطيّة وفعل الشّرط محبّة العباد مقيّدة بالانتساب الى الله والتّمكين فيها المستفاد من تخلّل قوله (كنتم) فانّ الاتيان بلفظ كان فى امثال المقام للاشارة الى الاستمرار وكون الفعل كالسجيّة ومفهوم مخالفته انتفاء المحبّة المتعلّقة بالله الصائرة كالسجيّة وانتفاؤها امّا بانتفاء المقيّد او بانتفاء كلّ من القيدين {فَٱتَّبِعُونِي} جزاء للشّرط المذكور {يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} جزاء للشّرط المقدّر المستنبط من الاتّباع الّلازم للمحبّة المقيّدة المذكورة والمقصود انّ محبوبيّتكم لله لازمة لاتّباع الرّسول (ص) بعد المحبّة الثّابتة الرّاسخة لله فمن لم يكن له محبّة كأكثر اهل الجبال والرّساتيق والاكراد والأعراب وغيرهم ممّن لا يعرفون من المحبّة الاّ حبّ المأكول والمشروب والوقاع، او كان له محبّة ما؛ لكن كان محبّته للارواح الخبيثة فقط او للارواح الخبيثة والطّيبة شاعراً بانّ محبّته للارواح الخبيثة كالابليسيّة والكهنة والثنويّة يعنى المحقّقين المكاشفين منهم او غير شاعر كالهنود المرتاضين بالمخالفات الشّرعيّة الظّانّين انّ عالم الارواح واحد وقالوا: انّ طريق الوصول اليه امّا طريق التأسيسات الشّرعيّة وهذا أبعد الطريقين، او طريق مخالفة النّواميس الشّرعيّة وهذا اقرب الطريقين، وكالمبايعين بالبيعة الخاصّة مع من لم يكن اهلاً للبيعة مثل اهل السّلاسل الباطلة الباقية آثارهم الحقّة فى ايدى المبطلين المتشبّهين بالمحقّين فانّ المبايعين لهؤلاء المبطلين كانت لهم محبّة صادقة وبعد انحرافهم الى المبطلين صارت محبّتهم محبّة شيطانيّة وكلّ هؤلاء الفرق محبّتهم للارواح الخبيثة ولمظاهرها الانسيّة شديدة وليست محبّة الإلهية وهؤلاء ومن لم يكن لهم محبّة اصلاً لا يصيرون محبوبين لله سواء اتّبعوا الرّسول (ص) ظاهراً او لم يتّبعوا، ومن كان له محبّة الإلهية لكن لم يكن محبّته راسخة كأكثر افراد الانسان الّذين لم يستهلك فطرتهم تحت البهيميّة والسبعيّة والشّيطنة فانّهم قد يتشأّنون بشأن المحبّة الالهيّة ويتألّمون من بعدهم عن الحضرة الالهيّة ويتحسّرون على تضييع أعمارهم فى غير الطّلب لتلك الحضرة لم يفوزوا بالمحبوبيّة ما لم - يتمكّنوا فى تلك المحبّة باتّباع رسولٍ حقّ من الله، نعم ان تمكّنوا فيها بسبب اتّباع رسول حقّ فازوا بالمحبوبيّة لله تعالى ومن كان متمكّناً فى المحبّة الالهيّة كالمجذوبين والمبتاعين بالبيعة الخاصّة مع من كان اهلاً للبيعة لكن لم يكونوا ذوى عناية بالشّريعة واتّباع من كان اهلاً لبيان احكام الكثرة لم يكن محبوباً لله تعالى وان لم يكن مبغوضاً له ايضاً، ومن كان متمكّناً فى المحبّة الالهيّة ثابتاً فى اتّباع الشّريعة كان محبوباً لله تعالى مغبوطاً لجملة المقرّبين وهذا تأديب من الله تعالى لاكثر السّلاك البائعين بالبيعة الخاصّة مع من كان اهلاً للبيعة المغترّين بالآيات والاخبار المثيرة للغرور مثل آية {أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} تفسير : [فاطر: 32] (الى آخر الآية) ومثل آية: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} تفسير : [البقرة:257] ومثل: حبّ علىٍّ حسنة لا يضرّ معها سيّئة، ومثل ولىّ علىٍّ (ع) لا يأكل الاّ الحلال، ومثل: اذا عرفت فاعمل ما شئت من قليل الخير وكثيره، ومثل: لا دين لمن دان الله بولاية امام جائر ليس من الله، ولا عتب على من دان الله بولاية امام عادل، ومثل قوله (ع): قال الله تعالى: لأعذّبنّ كلّ رعيّة فى الاسلام دانت بولاية كلّ امام جائرٍ ليس من الله وان كانت الرّعيّة فى اعمالها برّة تقيّة ولاعفونّ عن كلّ رعيّةٍ فى الاسلام دانت بولاية كلّ امام عادل من الله وان كانت الرعيّة فى انفسها ظالمة مسيئةً وغير ذلك من امثال ما فيه شبهة غرور فانّ هؤلاء وان فرض انّهم لم يكونوا مبغوضين لكن اين هؤلاء من المحبوبين فالسّالك ينبغى له ان يكون تمام اهتمامه باتّباع الشّريعة المطهّرة بحيث لا يشذّ عنه ادب من آدابه المستحبّة ولا يقنع بعدم المبغوضيّة حتّى فاز بدرجات المحبوبيّة {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}. اعلم انّ اقتضاء المحبوبيّة ان لا يبقى فى نظر المحبّ نقص وشين من المحبوب بل كلّ ما فعل الحبيب كان حبيباً عنده ولذلك كان تعالى يجزيهم بأحسن ما كانوا يعملون لانّ تمام افعال الحبيب وجميع اوصافه واخلاقه تظهر فى نظر المحبّ مثل احسن افعاله واوصافه وهذا احد وجوه تبديل السيّئات حسناتٍ، وهذا احد معانى غفران الذّنوب فمن اراد ان يكون بجميع اعماله واوصافه محبوباً لله فليتّبع الرّسول بشرائط المتابعة ومواثيق المبايعة بعد ما نكت فى قلبه نقطة المحبّة وليحذر من مخالفة دقيقة من دقائق الشّريعة {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} جملة حاليّة مؤكّدة مشعرة بعلّة غفرانه لمحبوبه والمعنى انّه من شيمته المغفرة والرّحمة بالنّسبة الى كلّ احد فكيف يكون مغفرته لمن يكون محبوبه.

فرات الكوفي

تفسير : {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله31} [سيأتي في ح5 من ذيل الآية 7 من سورة الحجرات]

اطفيش

تفسير : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}: فعرض عليهم الآية، فلم يقبلوها، وقيل: إن نصارى نجران قالوا: إنما نقول فى عيسى إنه ابن الله وأنه الله، وأنه إله ونعبده حباً لله وتعظيماً له، فنزلت الآية، حديث : وعن ابن عباس: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش فى المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم، وعقلوا عليها بيض النعام، وجعلوا فى آذانها أقراط الذهب وغيره، من الجوهر، ويسجدون لها، فقال: "يا معشر قريش والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل". فقالوا: إنما نعبدها حبا لله لتقربنا إلى الله زلفىتفسير : ، فنزلت الآية. وقيل: ادعى قوم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حب الله فنزلت. وهو مروى عن الحسن، وابن جريح، ومعناها: إن صدقتم فى دعواكم، حب الله تعالى، فاتبعونى فيما آمركم به وأنهاكم عنه، فإنه من الله تعالى، فاتباعى محبة الله ومما يلزمكم الاتباع فيه أن تقولوا: عيسى رسول الله، لا إله، ولا ابن الله سبحانه وتعالى، ومحبة العبد لله جل وعلا أن يعظمه ويتبع أمره ويجتنب ما نهى عنه، وحب الله للعبد أن يثنى عليه ويثيبهُ، ويعفو عنه، وينعم عليه، وذلك من لوازم حب مخلوق لآخر، فهو بمعنى اللازم فهو مجاز مرسل، أو استعارة تبعية، أو سمى ذلك حباً للمقابلة، فمن ادعى محبة الله تعالى وخالف كتابه أو سنة رسوله الواجبة، فهو كاذب وليس من حبه الطرب، والصفق باليد عند ذكره، أو اهتزاز الرأس، أو الرقص، والحق ما قاله الجنيد، أن التصوف اتباع ما عليه السنة، وحقيق بالعبد، أن يحب الله بأن لا يخالفهُ، وبأن يعظمه ويكره سخطه، ولذلك فسرت المحبة بإرادة الطاعة، وذلك أن كل موجب من حسن وكمال فى نفس الإنسان أو غيره فهو من الله وحب المخلوق للمخلوق، ميله إليه لكمال فيه، بحيث يحمله على ما يقربه إلى الله، وما ذكرته فى حب العبد لله هو مذهب أكثر المتكلمين، وهو الذى ندين به. وقيل: هو كحب الإنسان آخر - ومر آنفاً - وقرىء: تحبون بفتح التاء، أو يحببكم الله بفتحها. وقرئ. يحببكم الله بفتحها وإدغام الباء فى الباء مضمومة على التخلص من ساكنين، والقراءاتان من حبهُ يحبه الثلاثى، ومنه قول الشاعر: شعر : أحب أبا نزوان من حب تمره وأعلم أن الرفق بالجار أرفق ووالله لولا تمره ما حببته ولا كان أدنى من عبيد ومشرق تفسير : {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: يغفر ذنوب محبه وينعم عليهِ.

اطفيش

تفسير : {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ} نزلت فى قول اليهود، نحن أبناء الله.. الخ ولم يقبلوها، وفى قوم مؤمنين قالوا، نحب الله، وفى قول نصارى نجران، تقول عيسى الله أو ابنه ونعبده حبا له وتعظيما لله عز وجل، وفى قول قريش: نعبد هذه الأصنام لتقربنا إلى الله، إذ وقف عليهم صلى الله عليه وسلم وقد علقوا عيها ببعض النعام وشنقوها، وهم سجد لها، فقال، والله لقد خالفتم إبراهيم وإسماعيل {فَاتَّبِعُونِى} فى أمرى، لثبوت نبوتى ورسالتى بالأدلة الواضحة {يُحْبِبْكُمُ اللهُ} الحب ميل النفس إلى الشىء، والله منزه عن ذلك، لأنه كامل، وكل شىء مخلوق له ومنته إليه فلا شىء يحتاج الله إليه، فيميل إليه، فحب الله لخلقه لازم ذلك، وهو فعل الخير لهم على طاعتهم، فذكر اللازم لذكر الملزوم، وفيه مشاكلة أيضا لقوله تحبون، وحبهم الله ميل نفوسهم إلى ثوابه وإحسانه وعبادته والعارفون يحبون الله لذاته، بمعنى تعظيمه واتباعه واحترامه، ولو لم يكن ثواب ولا عقاب، إلا أن ذلك لأجل صفاته وأفعاله تعالى، وقيل، حب المخلوق الله إرادة اختصاصه تعالى بالعبادة، فالمراد لازم هذه الإرادة، وهو إيقاع العبادة له وحده، أو شبه تلك الإرادة بالحب الذى هو ميل النفس على طريق الاستعارة، وإن قدرنا تحبون ثواب الله، أو رضى الله، وأو طاعة الله فمن مجاز الحذف {وَيَغفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لمن اتبعنى، ويجوز أن يكون والله غفور رحيم من الله غير داخل فى القول، أى والله غفور رحيم لمن اتبعك.

الالوسي

تفسير : / {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى } ذهب عامة المتكلمين إلى أن المحبة نوع من الإرادة وهي لا تتعلق حقيقة إلا بالمعاني والمنافع فيستحيل تعلقها بذاته تعالى وصفاته فهي هنا بمعنى إرادة العبد اختصاصه تعالى بالعبادة وذلك إما من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم أو من باب الاستعارة التبعية بأن شبه إرادة العبد ذلك ورغبته فيه بميل قلب المحب إلى المحبوب ميلاً لا يلتفت معه إلا إليه أو من باب مجاز النقص أي ـ إن كنتم تحبون طاعة الله تعالى أو ثوابه فاتبعوني فيما آمركم به وأنهاكم عنه ـ كذا قيل، وهو خلاف مذهب العارفين من أهل السنة والجماعة فإنهم قالوا: المحبة تتعلق حقيقة بذات الله تعالى وينبغي للكامل أن يحب الله سبحانه لذاته وأما محبة ثوابه فدرجة نازلة، قال الغزالي عليه الرحمة في «الإحياء»: ((الحب عبارة عن ميل الطبع إلى الشيء الملذ فإن تأكد ذلك الميل وقوي يسمى عشقاً، والبغض عبارة عن نفرة الطبع عن المؤلم المتعب فإذا قوي سمي مقتاً، ولا يظن أن الحب مقصور على مدركات الحواس الخمس حتى يقال: إنه سبحانه لا يدرك بالحواس ولا يتمثل بالخيال فلا يحب لأنه صلى الله عليه وسلم سمى الصلاة ـ قرة عين ـ وجعلها أبلغ المحبوبات، ومعلوم أنه ليس للحواس الخمس فيها حظ بل حس سادس مظنته القلب والبصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر والقلب أشد إدراكاً من العين وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة للأبصار فتكون لا محالة لذة القلوب بما تدركه من الأمور الشريفة الإلۤهية التي تجل أن تدركها الحواس أتم وأبلغ فيكون ميل الطبع السليم والعقل الصحيح إليه أقوى، ولا معنى للحب إلا الميل إلى ما في إدراكه لذة فلا ينكر إذاً حب الله تعالى إلا من قعد به القصور في درج البهائم فلم يجز إدراكه الحواس أصلاً))، نعم هذا الحب يستلزم الطاعة كما قال الوراق:شعر : تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع تفسير : والقول بأن المحبة تقتضي الجنسية بين المحب والمحبوب ـ فلا يمكن أن تتعلق بالله تعالى ـ ساقط من القول لأنها قد تتعلق بالأعراض بلا شبهة ولا جنسية بين العرض والجوهر. {يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ } جواب الأمر وهو رأي الخليل. وأكثر المتأخرين على أن مثل ذلك جواب شرط مقدر أي إن تتبعوني يحببكم أي يقربكم ـ رواه ابن أبـي حاتم عن سفيان بن عيينة، وقيل: يرض عنكم وعبر عن ذلك بالمحبة على طريق المجاز المرسل أو الاستعارة أو المشاكلة، وجعل بعضهم نسبة المحبة لله تعالى من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله تعالى. {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } أي يتجاوز لكم عنها {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي لمن تحبب إليه بطاعته وتقرب إليه باتباع نبيه صلى الله عليه وسلم، والجملة تذييل مقرر لما سبق مع زيادة وعد الرحمة، ووضع الاسم الجليل مع الإضمار لما مر وللإشعار باستتباع وصف الألوهية للمغفرة والرحمة، وقرىء ـ تحبوني، ويحبكم، ويحببكم ـ من حبه يحبه، ومنه قوله:شعر : ـ أحب ـ أبا ثروان من ـ حب ـ تمره وأعلم أن الرفق بالجار أرفق ووالله لولا تمره ـ ما حببته ـ ولا كان أدنى من عبيد ومشرق تفسير : ومناسة الآية لما قبلها كما قال الطيبـي: أنه سبحانه لما عظم ذاته وبين جلالة سلطانه بقوله جل وعلا: {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ }تفسير : [آل عمران: 26] الخ تعلق قلب العبد المؤمن بمولى عظيم الشأن ذي الملك والملكوت والجلال والجبروت، ثم لما ثنى بنهي المؤمنين عن موالاة أعدائه وحذر عن ذلك غاية التحذير بقوله عز قائلاً:{أية : لا يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء } تفسير : [آل عمران: 28] الخ؛ ونبه على استئصال تلك الموالاة بقوله عز شأنه: {أية : إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ }تفسير : [آل عمران: 29] الآية وأكد ذلك بالوعيد الشديد زاد ذلك التعلق أقصى غايته فاستأنف قوله جل جلاله: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ } ليشير إلى طريق الوصول إلى هذا المولى جل وعلا فكأن قائلاً يقول: بأي شيء ينال كمال المحبة وموالاة الرب؟ فقيل: بعد قطع موالاة أعدائنا تنال تلك الدرجة بالتوجه إلى متابعة حبيبنا إذ كل طريق سوى طريقه مسدود وكل عمل سوى ما أذن به مردود. واختلف في سبب نزولها فقال الحسن وابن جريج: زعم أقوام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم يحبون الله تعالى فقالوا يا محمد: إنا نحب ربنا فأنزل الله تعالى هذه الآية، وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: «وقف النبـي صلى الله عليه وسلم على قريش في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام وجعلوا في آذانها الشنوف وهم يسجدون لها فقال يا معشر قريش لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسمعيل ولقد كانا على الإسلام فقالت قريش: يا محمد إنما نعبد هذه حباً لله تعالى لتقربنا إلى الله سبحانه زلفى فأنزل الله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ } الخ، وفي رواية أبـي صالح «إن اليهود لما قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه أنزل هذه الآية فلما نزلت عرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليهود فأبوا أن يقبلوها» وروى محمد بن إسحق عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: «نزلت في نصارى نجران وذلك أنهم قالوا: إنما نعظم المسيح ونعبده حباً لله تعالى وتعظيماً له فأنزل الله هذه الآية رداً عليهم» يروى أنها لما نزلت قال عبد الله بن أبـيّ: إن محمداً يجعل طاعته كطاعة الله تعالى ويأمرنا أن نحبه كما أحب النصارى عيسى فنزل قوله تعالى: {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ}.

ابن عاشور

تفسير : انتقال إلى الترغيب بعد الترهيب على عادة القرآن. والمناسبةُ أنّ الترهيب المتقدم ختم بقوله: {أية : والله رؤف بالعباد}تفسير : [آل عمران: 30] والرأفة تستلزم محبة المرؤف به الرؤفَ، فجَعْلُ محبة الله فعلاً للشرط في مقام تعليق الأمر باتباعِ الرسول عليه مَبْنِيٌّ على كون الرأفة تستلزم المحبة، أو هو مبني على أنّ محبة الله أمر مقطوع به من جانب المخاطبين، فالتعليق عليه تعليق شرط محقّق، ثم رتّب على الجزاء مشروط آخر وهو قوله: {يحببكم الله} لكونه أيضاً مقطوع الرغبة من المخاطبين، لأنّ الخطاب للمؤمنين، والمؤمن غايةُ قصده تحصيل رضا الله عنه ومحبته إياه. والمحبة: انفعال نفساني ينشأ عند الشعور بحسن شيء: من صفات ذاتية. أو إحسان، أو اعتقاد أنّه يُحِب المستحسِنَ ويَجُر إليه الخير. فإذا حصل ذلك الانفعال عقِبَهُ ميل وانجذاب إلى الشيء المشعور بمحاسنه، فيكون المنفعِل محبّاً، ويكون المشعور بمحاسنه محبوباً، وتُعدّ الصفات التي أوجبت هذا الانفعال جمالاً عند المحبّ، فإذا قويَ هذا الانفعال صار تهيّجاً نفسانياً، فسُمي عشقاً للذوات، وافتنَاناً بغيرها. والشعور بالحسن الموجبُ للمحبة يُستمدّ من الحواسّ في إدراك المحاسن الذاتية المعروفة بالجمال، ويُستمد أيضاً من التفكّر في الكمالات المستدلّ عليها بالعقل وهي المدعوة بالفضيلة، ولذلك يحبّ المؤمنون الله تعالى، ويحبّون النبي صلى الله عليه وسلم تعظيماً للكمالات، واعتقاداً بأنّهما يدعوانهم إلى الخير، ويحبّ الناس أهل الفضل الأوّلين كالأنبياء والحكماء والفاضلين، ويحبون سُعاة الخير من الحاضرين وهم لم يَلْقوهم ولا رَأوْهم. ويَرجِع الجمالِ والفضيلة إلى إدراك النفس ما يلائمها: من الأشكال، والأنغام، والمحسوسات، والخلال. وهذه الملاءمة تكون حسيّة لأجل مناسبة الطبع كملاءمة البرودة في الصيف، والحرّ في الشتاء، وملاءمة الليِّن لسليم الجلد، والخُشِن لمن به داعي حِكّة، أو إلى حصول منافع كملاءمة الإحسان والإغاثة. وتكون فكرية لأجل غايات نافعة كملاءمة الدواء للمريض، والتعبَ لجاني الثمرة، والسهَر للمتفكّر في العلم، وتكون لأجل الإلف، وتكون لأجل الاعتقاد المحض، كتلقّي الناس أنّ العلم فضيلة، ويدخل في هذين محبة الأقوام عوائدَهم من غير تأمل في صلاحها، وقد تكون مجهولة السبب كملاءمة الأشكال المنتظمة للنفوس وملاءَمة الألوان اللطيفة. وفي جميع ذلك تستطيع أن تزيد اتضاحاً بأضدادها كالأشكال الفاسدة، والأصوات المنكرة، والألوان الكريهة، دائماً أو في بعض الأحوال، كاللون الأحمر يراه المحموم. ولم يستطع الفلاسفة توضيح علّة ملاءمة بعض ما يعبر عنه بالجمال للنفوس: ككون الذات جميلة أو قبيحة الشكل، وكون المربع أو الدائرة حَسناً لدى النفس، والشكلِ المختلّ قبيحاً، ومع الاعتراف باختلاف الناس في بعض ما يعبر عنه بالجمال والقبح كما قال أبو الطيب: شعر : ضُروبُ الناس عُشاقٌ ضُرُوبا تفسير : وأنّ بعض الناس يستجيد من الملابس ما لا يرضى به الآخر ويستحسن من الألوان ما يستقبحه الآخر، ومع ذلك كله فالمشاهَد أنّ معظم الأحوال لا يختلف فيها الناس السالمو الأذواق. فأما المتقدمون فقال سُقراط: سبب الجمال حبّ النفع، وقال أفلاطون: «الجمال أمر إلا هي أزلي موجود فِي عالم العقل غير قابل للتغير قد تمتعت الأرواح به قبل هبوطها إلى الأجسام فلمّا نزلت إلى الأجسام صارت مهماً رأت شيئاً على مِثال ما عهِدته في العوالم العقلية وهي عالم المِثال مَالت إليه لأنّه مألوفها من قبل هبوطها». وذهب الطبائعيون: إلى أنّ الجمال شيء ينشأ عندنا عن الإحساسِ بالحواس. ورأيتُ في كتاب «جامع أسرار الطب» للحكيم عبد الملك ابن زُهر القرطبي «العشق الحسي إنما هو ميل النفس إلى الشيء الذي تستحسنه وتستلذّه، وذلك أنّ الروح النفساني الذي مسكنه الدمَاغ قريب من النور البصري الذي يحيط بالعين ومتصل بمؤخّر الدماغ وهو الذُّكْر فإذا نظرت العين إلى الشيء المستحسَن انضم النوري البصريّ وارتَعَد فبذلك الانضمام والارتعاد يتصل بالروح النفساني فيقبله قبولاً حسناً ثم يودعه الذُّكر فيوجب ذلك المحبةَ. ويشترك أيضاً بالروح الحيواني الذي مسكنه القَلب لاتصاله بأفعاله في الجسد كله فحينئذ تكون الفكرة والهم والسهر». والحق أنّ منشأ الشعور بالجمال قد يكون عن الملائم، وعن التأثّر العصبي، وهو يرجع إلى الملائم أيضاً كتأثّر المحمُوم باللون الأحمر، وعن الإلف والعادة بكثرة الممارسة، وهو يرجع إلى الملائم كما قال ابن الرومي: شعر : وحَبّبَ أوطَانَ الرجالِ إليهِمُ مآربُ قَضّاها الشبابُ هُنالِك إذَا ذَكَروا أوطانَهم ذَكّرَتْهُمُ عُهُودَ الصِّبَا فيها فحنوا لِذَلِكَ تفسير : وعن ترقّب الخير والمنفعة وهو يرجع إلى الملائم، وعن اعتقاد الكمال والفضيلة وهو يرجع إلى المألوف الراجع إلى الممارسة بسبب ترقّب الخير من صاحب الكمال والفضيلة. ووراء ذلك كلّهِ شيءٌ من الجمال ومن المحبة لا يمكن تعليله وهو استحسان الذوات الحسنة واستقباح الأشياء الموحشة فنرى الطفل الذي لا إلف له بشيء ينفر من الأشياء التي نراها وحشة. وقد اختلف المتقدمون في أنّ المحبة والجمال هل يقصران على المحسوسات: فالذين قصروهما على المحسوسات لم يثبتوا غير المحبّة المادية، والذين لم يقصروهما عليها أثبتوا المحبة الرمزية، أعني المتعلقة بالأكوان غير المحسوسة كمحبةِ العبد للَّهِ تعالى، وهذا هو الحق، وقال به من المتقدّمين أفلاطون، ومن المسلمين الغزالي وفخر الدين وقد أضيفت هذه المحبة إلى أفلاطون، فقيل محبة أفلاطونية: لأنّه بحث عنها وعلَّلَها فإننا نسمع بصفات مشاهير الرجال مثل الرسل وأهل الخير والذين نفعوا الناس، والذين اتصفوا بمحامد الصفات كالعِلم والكرم والعدل، فنجد من أنفسنا ميلاً إلى ذكرهم ثم يقوى ذلك الميلُ حتى يصير محبّة منا إياهم مع أننا ما عرفناهم، ألا ترى أنّ مزاولة كتب الحديث والسيرةِ ممّا يقوّي محبة المزاوِل في الرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك صفات الخالق تعالى، لما كانت كلها كمالات وإحساناً إلينا وإصلاحاً لفاسدنا، أكسبنا اعتقادُها إجلالاً لموصوفها، ثم يذهب ذلك الإجلال يقوَى إلى أن يصير محبّة وفي الحديث: «حديث : ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أنْ يكونَ الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما، وأن يُحب المرءَ لا يحبّه إلاّ لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار»تفسير : فكانت هذه الثلاثة من قبيل المحبّة ولذلك جُعل عندها وجدان حلاوة الإيمان أي وجدانه جميلاً عند معتقدِه. فأصحاب الرأي الأول يرون تعليق المحبة بذات الله في هذه الآية ونحوها مجازاً بتشبيه الرغبة في مرضاته بالمحبة، وأصحاب الرأي الثاني يرونه حقيقة وهو الصحيح. ومن آثار المحبّة تطلّب القرب من المحبوب والاتّصالِ به واجتناب فراقه. ومن آثارها محبة ما يسّره ويرضيه، واجتناب ما يغضبه، فتعليق لزوم اتّباع الرسول على محبة الله تعالى لأنّ الرسول دعا إلى ما يأمر الله به وإلى إفراد الوجهة إليه، وذلك كمال المحبّة. وأما إطلاق المحبة في قوله: {يحببكم الله} فهو مجاز لا محالة أريد به لازم المحبّة وهو الرضى وسَوْق المنفعة ونحو ذلك من تجليات لله يعلمها سبحانه. وهما المعبر عنهما بقوله: {يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} فإنّ ذلك دليل المحبة وفي القرآن: {أية : وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحِبَّاؤه قل فلمَ يعذبكم بذنوبكم}تفسير : [المائدة: 18]. وتعليق محبة الله إياهم على {فاتبعون} المعلّق على قوله: {إن كنتم تحبون الله} ينتظم منه قياس شرطي اقتراني. ويدل على الحب المزعوم إذا لم يكن معه اتّباع الرسول فهو حبّ كاذب، لأنّ المحب لمن يحبّ مطيع، ولأنّ ارتكاب ما يكرهه المحبوب إغاضة له وتلبس بعدوّه وقد قال أبو الطيب: شعر : أأحبّه وأحبّ فيه ملامة إنّ الملامة فيه من أعدائه تفسير : فعلم أنّ حب العدوّ لا يجامع الحب وقد قال العتابي: شعر : تودّ عدوي ثم تزعم أنّني صديقك ليس النوك عنك بعازب تفسير : وجملة {والله غفور رحيم} في قوة التذييل مثل جملة {أية : والله على كل شيء قدير}تفسير : [البقرة: 284] المتقدمة. ولم يذكر متعلّق للصفتين ليكون الناس ساعين في تحصيل أسباب المغفرة والرحمة.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} الآية. صرح تعالى: في هذه الآية الكريمة أن اتباع نبيه موجب لمحبته جلا وعلا ذلك المتبع، وذلك يدل على أن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي عين طاعته تعالى، وصرح بهذا المدلول في قوله تعالى: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} تفسير : [النساء: 80] وقال تعالى: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} تفسير : [الحشر: 7]. تنبيه: يؤخذ من هذه الآية الكريمة أن علامة المحبة الصادقة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم هي اتباعه صلى الله عليه وسلم، فالذي يخالفه ويدعي أنه يحبه فهو كاذب مفتر. إذ لو كان محباً له لأطاعه، ومن المعلوم عند العامة أن المحبة تستجلب الطاعة ومنه قول الشاعر: شعر : لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع تفسير : وقول ابن أبي ربيعة المخزومي: شعر : ومن لو نهاني من حبه عن الماء عطشان لم أشرب تفسير : وقد أجاد من قال: شعر : قالت: وقد سألت عن حال عاشقها بالله صفه ولا تنقص ولا تزد فقلت: لو كان رهن الموت من ظمأ وقلت: قف عن ورود الماء لم يرد

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: تحبون الله: لكمال ذاته وإنعامه عليكم. يحببكم الله: لطاعتكم إيّاه وطهارة أرواحكم بتقواه. يغفر لكم ذنوبكم: يسترها عليكم ولا يؤاخذكم بها. فإن تولوا: أعرضوا عن الإِيمان والطاعة. معنى الآيتين: لما ادعى وفد نصارى نجران أن تعظيمهم المسيح وتقديسهم له ولأمه إنما هو من باب طلب حب الله تعالى بحب ما يحب وتعظيم ما يعظم أمر الله تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أن يقول لهم: إن كنتم تحبون الله تعالى ليحبكم فاتبعوني على ما جئت به من التوحيد والعبادة يحببكم الله تعالى، ويغفر لكم ذنوبكم أيضاً وهو الغفور الرحيم. وبهذا أبطل دعواهم في أنهم ما ألّهوا المسيح عليه السلام الا طلباً لحب الله تعالى والحصول عليه. وأرشدهم إلى أمثل طريق للحصول على حب الله تعالى وهو متابعة الرسول على ما جاء به من الإِيمان والتوحيد والعبادة المزكية للروح المورثة لحب الله تعالى وهذا ما تضمنته الآية الأولى [31]. وأما الآية الثانية [32] فقد أمر تعالى رسوله أن يأمر وفد نصارى نجران وغيرهم من أهل الكتاب والمشركين بطاعته وطاعة رسوله إذ هما طريق الكمال والإِسعاد في الدنيا والآخرة. فإن أبوا وأعرضوا أو تولوا فقد باءوا بغضب الله وسخطه عليهم لأنهم كافرون والله لا يحب الكافرين هذا معنى قوله تعالى {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ}. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- محبة العبد للرب تعالى واجب وإيمان لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : أحبوا الله تعالى لما يغذوكم به من النعم وأحبوني بحب الله تعالى"تفسير : . وقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ". تفسير : 2- محبة الله تعالى للعبد هي غاية ما يسعى إليه أولوا العلم في الحياة. 3- طريق الحصول على محبّة الله تعالى للعبد هو اتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالإِيمان بما جاء به واتباع شرعه وطاعته في المَنْشَط والمكره، للآية {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} إذ ليس الشأن أن يُحبَّ العبد، وإنما الشأن أن يُحبّ! 4- دعوى محبة الله ورسوله مع مخالفة أمرهما ونهيهما دعوى باطلة وصاحبها خاسر لا محالة.

القطان

تفسير : قل يا محمد: ان كنتم صادقين في دعواكم أنكم تحبون الله وتريدون ان يحبّكم الله، فاتبعوني فما آمركم به وأنهاكم عنه، لأن كل ذلك من عند الله. إنْ فعلتم ذلك أحبكم الله وأثابكم بالتجاوز عن خطاياكم، وهو كثير الغفران والرحمة لعباده. لكن حب الله ليس دعوى باللسان ولا هياماً بالوجدان، بل هو اتباعٌ لرسول الله وعملٌ بشريعة الله التي أتى بها نبيه الكريم. ان العمل هو الشاهد والأساس، أما القول وحده فلفظ يصّرفه اللسان كيف شاء، وقد يخدع به الناسَ، لكنه لن يخدع به الله فقد وسع علمُه كل شيء. قال ابن كثير: "هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية. فإنه كاذب في نفس الأمر حتى يتّبع الشرع المحمدي في جميع أقواله وأعماله". وروى انه لما نزل قوله تعالى {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ...} قال عبد الله بن أُبيّ، رأس المنافقين: ان محمداً يجعل طاعته كطاعة الله تعالى، ويأمرنا ان نحبّه كما أحبَ النصارى عيسى، فنزل قوله تعالى {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} أطيعوا الله باتّباع أوامره واجتناب نواهيه، وأطيعوا الرسول باتباع سّنته والاهتداء بهديه. فان أعرضوا عنك يا محمد ولم يجيبوا دعوتكم فهم كافرون بالله ورسوله، والله تعالى لا يحب الكافرين أمثالهم.

د. أسعد حومد

تفسير : (31) - هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ حِينَ دَعَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم كَعْبَ بنَ الأشْرَفِ وَمَنْ تَابَعَهُ مِنَ اليَهُودِ إلى الإِيمَانِ، فَقَالوا: (نَحْنُ أبْنَاءُ اللهِ وَأحِبَّاؤُهُ). فَأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ، وَفِيهَا يَأمُرُ اللهُ نَبيَّهُ الكَرِيمَ بِأنْ يَقُولَ لَهُمْ: مَنِ ادَّعَى حُبَّ اللهِ دُونَ أن يَتَّبعَ شَرْعَ مُحَمَّدٍ، فَهُوَ غَيْرُ صَادِقٍ، فَدِينُ اللهِ وَاحِدٌ، وَشَرْعُهُ وَاحِدٌ، وَالأدْيَانُ يُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضاً وَيُكَمِّلُها. وَجَاءَ دِينُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لِيَخْتِمَ الأدْيَانَ السَّابِقَةَ وَيُكَمِّلَها، فَلاَ يُمْكِنُ أنْ يَدَّعِي أحَدٌ حُبَّ اللهِ، وَهُوَ يَكْفُرُ بِشَرْعِهِ وَمَا أنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِه. وَمَنْ يَتَّبعْ شَرْعَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَيُخْلِصْ فِي ذَلِكَ يُحْبِبْهُ اللهُ، وَيُكْرِمْهُ وَيَغْفِرْ ذُنُوبَهُ، مَكَافَأةً لَهُ عَلَى إخْلاَصِهِ فِي عِبَادَةِ اللهِ، وَاتِّبَاعِ أمْرِهِ. وَاللهُ كَثِيرُ الغُفْرَانِ لِعِبَادِهِ، عَظِيمُ الرَّحْمَةِ بِهِمْ. وَجَاءَ فِي الصَّحِيحِ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "حديث : مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ".

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ولنا أن نعرف أن كل "قل" إنما جاءت في القرآن كدليل على أن ما سيأتي من بعدها هو بلاغ من الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه، بلاغ للأمر وللمأمور به، إن البعض ممن في قلوبهم زيغ يقولون: كان من الممكن أن يقول الرسول: {إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} [آل عمران: 31] لهؤلاء نقول: لو فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك لكان قد أدى "المأمور به" ولم يؤد الأمر بتمامه. لماذا؟ لأن الأمر في "قل".. والمأمور به {إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ} [آل عمران: 31] وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم في كل بلاغ عن الله بدأ بـ"قل" إنما يبلغ "الأمر" ويبلغ "المأمور به" مما يدل على أنه مبلغ عن الله في كل ما بلغه من الله. إن الذين يقولون: يجب أن تحذف "قل" من القرآن، وبدلاً من أن نقول: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 1] فلننطقها: "الله أحد". لهؤلاء نقول: إنكم تريدون أن يكون الرسول قد أدى "المأمور به" ولم يؤد "الأمر". إن الحق يقول: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} [آل عمران: 31] هذه الآية تدل على ماذا؟ إنهم لا بد قد ادعوا أنهم يحبون الله، ولكنهم لم يتبعوا الله فيما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكأنهم جعلوا الحب لله شيئاً، واتباع التكليف شيئاً آخر، والله سبحانه وتعالى له على خلقه إيجاد، وإمداد، وتلك نعمة، ولله على خلقه فضل التكليف؛ لأن التكليف إن عاد على المُكَلَّف "بفتح اللام وتشديدها" ولم يعد منه شيء على المُكَلِّف "بكسر اللام وتشديدها" فهذه نعمة من المكلِّف. إن الحق سبحانه لا يحتاج إلى أحد ولا من أحد. إن الحق سبحانه عندما كلفنا إنما يريد لنا أن نتبع قانون صيانة حياة الإنسان. وقد ضربنا المثل - ولله المثل الأعلى، بالآلة المصنوعة بأيدي البشر، إن المهندس الذي صممها يضع لها قانون صيانة ما، ويضع قائمة تعليمات عن كيفية استعمالها؛ وهي تتلخص في "افعل كذا" و "لا تفعل كذا"، ويختار لهذه الآلة مكاناً محدداً، وأسلوباً منظماً للاستخدام. إذن فوضع قائمة بالقوانين الخاصة بصيانه واستعمال آلة ما وطبعها في كراسة صغيرة، هي لفائدة المنتفع بالصنعة. هذا في مجال الصنعة البشرية، فما بالنا بصنعة الله عز وجل؟ إن لله إيجاداً للإنسان، ولله إمداداً للإنسان، ولله تكليفاً للإنسان، والحق قد جعل التكليف في خدمة الإيجاد والإمداد. إن الحق لو لم يعطنا نظام حركة الحياة في "افعل" و"لا تفعل" لفسد علينا الإيجاد والإمداد، إن من تمام نعمة الحق على الخلق أن أوجد التكليف، وإن كان العبد قد عرف قدر الله فأحبه للإيجاد والإمداد فليعرف العبد فضل ربه عليه أيضاً من ناحية قبول التكليف، وأن يحب العبد ربه لأنه كلفة بالتكاليف الإيمانية. إنك قد تحب الله، ولكن عليك أن تلاحظ الفرق بين أن تحب أنت الله، وأن يحبك الله. إن التكليف قد يبدو شاقاً عليك فتهمل التكليف؛ لذلك نقول لك: لا يكفي أن تحب الله لنعمة إيجاده وإمداده؛ لأنك بذلك تكون أهملت نعمة تكليفه التي تعود عليك بالخير، إن نعمة التكليف تعود عليك بكل الخير عندما تؤديها أيها الإنسان، فلا تهملها، ومن الجائز أن تجد عباداً يحبون الله لأنه أوجدهم وأمدهم بكل أسباب الحياة، ولكن حب الله لعبده يتوقف على أن يعرف العبد نعمته - سبحانه - في التكليف، إن الله يحب العبد الذي يعرف قيمة النعمة في التكليف. ونحن في مجالنا البشري نرى إنساناً يحب إنساناً آخر، لكن هذا الآخر لا يبادله العاطفة، والمتنبي قال: شعر : أنت الحبيب ولكني أعوذ به من أن أكون حبيباً غير محبوب تفسير : إن المتنبي يستعيذ أن يحب واحداً لا يبادله الحب. فكأن الذين يدعون أنهم يحبون الله، لأنهم عبيد إحسانه إيجاداً وإمداداً، ثم بعد ذلك يستنكفون، أو لا يقدرون على حمل نفوسهم على أداء التكليف لهؤلاء نقول: أنتم قد منعتم شطر الحب لله، لأن الله لن يكلفكم لصالحه ولكنه كلفكم لصالحكم؛ لأن التكليف لا يقل عن الإيجاد والإمداد. لماذا؟ لأن التكليف فيه صلاح الإيجاد والإمداد، والحب - كما نعرف - هو ودادة القلب وعندما تقيس ودادة القلب بالنسبة لله، فإننا نرى آثارها، وعملها، من عفو ورحمة ورضا. وعندما تقيس ودادة القلب من العبد إلى الله فإنها تكون في الطاعة. إن الحب الذي هو ودادة القلب يقدر عليه كل إنسان، ولكن الحق يطلب من ودادة القلب ودادة القالب، وعلى الإنسان أن يبحث عن تكاليف الله ليقوم بها، طاعة منه وحباً لله، ليتلقى محبة الله له بآثارها، من عفو، ورحمة، ورضا. والحب المطلوب شرعاً يختلف عن الحب بمفهومه الضيق، أقول ذلك لنعلم جميعاً، أنه الحق سبحانه قائم بالقسط، فلا يكلف شططاً, ولا يكلف فوق الوسع أو فوق الطاقة. إن الحب المراد لله في التكليف هو الحب العقلي، ولا بد أن نفرق بين الحب العقلي والحب العاطفي، العاطفي لا يقنن له. لا أقول لك: "عليك أن تحب فلاناً حباً عاطفياً" لأن ذلك الحب العاطفي لا قانون له. إن الإنسان يحب ابنه حتى ولو كان قليل الذكاء أو صاحب عاهة، يحبه بعاطفته، ويكره قليل الذكاء بعقله. والإنسان حينما يرى ابن جاره أو حتى ابن عدوه، وهو متفوق، فإنه يحب ابن الجار أو ابن العدو بعقله، لكنه لا يحب ابن الجار أو العدو بعاطفته، ودليل ذلك أن الإنسان عندما توجد لديه أشياء جميلة فإنه يعطيها لابنه لا لابن الجيران، هناك - إذن - فرق بن حب العقل، وحب العاطفة. والتكليف دائماً يقع في إطار المقدور عليه وهو حب العقل، ومع حب العقل قد يسأل الإنسان نفسه: ماذا تكون حياتي وكيف .. لو لم أعتنق هذا الدين؟ وماذا تكون الدنيا وكيف، لولا رحمة الله بنا عندما أكرمنا بهذا الدين؟ وأرسل لنا هذا الرسول الكريم؟ إن هذا حديث العقل وحب العقل. وقد يتسامى الحب فيصير بالعاطفة أيضاً، لكن المكلف به هو حب العقل، وليس الحب العاطفي، ولذلك يجب أن نفطن إلى ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه - حينما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ". تفسير : وقف سيدنا عمر عند هذه النقطة فقال: أمعقول أن يكون الحب لك أكثر من النفس؟ إنني أحبك أكثر من مالي، أو من ولدي، إنما من نفسي؟ ففي النفس منها شيء. وهكذا نرى صدق الأداء الإيماني من عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكررها النبي صلى الله عليه وسلم ثانياً، وثالثاً، فعرف سيدنا عمر أنه قد أصبحت تكليفاً وعرف أنها لا بد أن تكون من الحب المقدور عليه، وهو حب العقل، وليس حب العاطفة. وهنا قال عمر: "الآن يا رسول الله؟" فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : الآن يا عمر، أي كمل إيمانك الآن، أي أن سيدنا عمر قد فهم المراد بهذا الحب وهو الحب العقلي. ونريد هنا أن نضرب مثلاً حتى لا تقف هذه المسألة عقبة في القلوب أو العقول - نقول - ولله المثل الأعلى: إن الإنسان ينظر إلى الدواء المر طعماً ويسأل نفسه هل أحبه أو لا؟ إن الإنسان يحب هذا الدواء بعقله، لا بعاطفته. إذن فحب العقل هو ودادة من تعلم أنه صالح لك ونافع لديك وإن كانت نفسك تعافه، وعندما تتضح لك حدود نفع بالشيء فأنت تحبه بعاطفتك إذاً فالمطلوب للتكليف الإيماني "الحب العقلي"، وبعد ذلك يتسامى ليكون "حباً عاطفياً" وهكذا يكون قول الحق: {إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} وهذا الحب ليس دعوى. إن الإنسان منا عندما يدعى أنه يحب إنساناً آخر، فكل ما يتصل به يكون محبوباً، ألم يقل الشاعر: "وكل ما يفعل المحبوب محبوب"؟ فإن كنتم تحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاتبعوه بتنفيذ التكاليف الإيمانية، ولنلتفت إلى الفرق بين "اتبعني" و "استمع لي". إن الاتباع لا يكون إلا في السلوك، فإن كانت تحب رسول الله فعليك أن ترى ماذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن تفعل مثله، أما إذا كنت تدعي هذا الحب، ولا تفعل مثلما فعل رسول الله صلى فهذا عدم صدق في الحب، إن دليل صدقكم في الحب المدعى منكم أن تتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن اتبعنا رسول الله نكون قد أخذنا التكليف من الله على أنه نعمة، ونقبلها من الله مع ما فيها من مشقة علينا، فيحبنا الله؛ لأننا آثرنا تكليفه على المشقة في التكليف. إن فهم هذه الآية يقتضي أن نعرف أن الحق ينبهنا فكأنه يقول لنا: أنتم أحببتم الله للإيجاد والإمداد، وبعد ذلك وقفتم في التكليف لأنه ثقيل عليكم، وهنا نقول: "انظروا إلى التكليف أهو لصالح من كلف أم هو لصالح من تلقى التكليف؟". إنه لصالح المكلَّف أي الذي تلقى التكاليف. وهكذا يجب أن نضم التكليف للنعم، فتصبح النعم هي "نعم الإيجاد"، و"الإمداد"، و"التكليف"، فإن أحببت الله للإيجاد والإمداد، فهذا يقتضي أن تحبه أيضاً للتكليف، ودليل صدق الحب هو قيام العبد بالتكليف، وما دمت أنت قد عبرت عن صدق عواطفك بحبك لله، فلا بد أن يحبك الله، وكل منا يعرف أن حبه لله لا يقدم ولا يؤخر، لكن حب الله لك يقدم ويؤخر. إن قول الحق سبحانه وتعالى فيما يعلّمه لرسول الله ليقول لهم: {فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} [آل عمران: 31] أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم المرسل من عند الله جاء بكل ما أنزله الله ولم يكتم شيئاً مما أُمِرَ بتبليغه، فلا يستقيم أن يضع أحد تفريقاً بين رسول الله وبين الله، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله كل ما أنزل عليه. وبعد ذلك يقول الحق: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31] إن مسألة "ويغفر لكم" هذه تتضمن ما تسميه القوانين البشرية بالأثر الرجعي، فمن لم يكن في باله هذا الأمر؛ وهو حب الله، واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، فعليه أن يعرف أن عليه مسئولية أن يبدأ في هذه المسألة فوراً ويتبع الرسول لله وينفذ التكليف الإيماني، وسيغفر له الله ما قد سبق، وأي ذنوب يغفرها الله هنا؟ إنها الذنوب التي فر منها بعض العباد عن اتباع الرسول، فجاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالحكم فيها. وهكذا نعرف ونتيقن أن عدالة الله أنه سبحانه لن يعاقب أحداً على ذنب سابق ما دام قد قبل العبد أن ينفذ التكليف الإيماني، إن الذين أبلغهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجب عليهم أن يفطنوا بعقولهم إلى ما أعلنه الرسول لهم، إن هذا الأمر لا يكون حجة إلا بعد أن صار بلاغاً، وقد جاء البلاغ، ولذلك يغفر الله الذنوب السابقة على البلاغ، وبعد ذلك يقول الحق: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران: 31] إننا نعلم أن المغفرة من الله والرحمة منه أيضاً، وبعد ذلك يقول الحق: {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذه الآية فيها وجوب محبة الله، وعلاماتها، ونتيجتها، وثمراتها، فقال { قل إن كنتم تحبون الله } أي: ادعيتم هذه المرتبة العالية، والرتبة التي ليس فوقها رتبة فلا يكفي فيها مجرد الدعوى، بل لا بد من الصدق فيها، وعلامة الصدق اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله، في أقواله وأفعاله، في أصول الدين وفروعه، في الظاهر والباطن، فمن اتبع الرسول دل على صدق دعواه محبة الله تعالى، وأحبه الله وغفر له ذنبه، ورحمه وسدده في جميع حركاته وسكناته، ومن لم يتبع الرسول فليس محبا لله تعالى، لأن محبته لله توجب له اتباع رسوله، فما لم يوجد ذلك دل على عدمها وأنه كاذب إن ادعاها، مع أنها على تقدير وجودها غير نافعة بدون شرطها، وبهذه الآية يوزن جميع الخلق، فعلى حسب حظهم من اتباع الرسول يكون إيمانهم وحبهم لله، وما نقص من ذلك نقص.