٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
32
Tafseer
الرازي
تفسير : يروى أنه لما نزل قوله {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ } الآية قال عبد الله بن أُبي: إن محمداً يجعل طاعته كطاعة الله، ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى، فنزلت هذه الآية، وتحقيق الكلام أن الآية الأولى لما اقتضت وجوب متابعته، ثم إن المنافق ألقى شبهة في الدين، وهي أن محمداً يدعي لنفسه ما يقوله النصارى في عيسى، ذكر الله تعالى هذه الآية إزالة لتلك الشبهة، فقال: {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ } يعني إنما أوجب الله عليكم متابعتي لا كما تقول النصارى في عيسى بل لكوني رسولاً من عند الله، ولما كان مبلغ التكاليف عن الله هو الرسول لزم أن تكون طاعته واجبة فكان إيجاب المتابعة لهذا المعنى لا لأجل الشبهة التي ألقاها المنافق في الدين. ثم قال تعالى: {فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ } يعني إن أعرضوا فإنه لا يحصل لهم محبة الله، لأنه تعالى إنما أوجب الثناء والمدح لمن أطاعه، ومن كفر استوجب الذلة والإهانة، وذلك ضد المحبة، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} يأتي بيانه في «النساء». {فإِن تَوَلَّوْاْ} شرط، إلا أنه ماض لا يعرب. والتقدير فإن تولوا على كفرهم وأعرضوا عن طاعة الله ورسوله {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ} أي لا يرضى فعلهم ولا يغفر لهم كما تقدّم. وقال «فإنّ الله» ولم يقل «فإنه» لأن العرب إذا عظمت الشيء أعادت ذكره؛ وأنشد سيبويه:شعر : لا أَرَى الموتَ يسبِقُ الموتَ شيءٌ نَغَّصَ الموتُ ذَا الغِنَى والفَقِيرا
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ } لهم {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ } فيما يأمركم به من التوحيد {فَإِن تَوَلَّوْاْ } أعرضوا عن الطاعة {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَٰفِرِينَ } فيه إقامة الظاهر مقام المضمر أي لا يحبهم بمعنى أنه يعاقبهم.
ابو السعود
تفسير : {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} أي في جميع الأوامرِ والنواهي فيدخلُ في ذلك الطاعةُ في اتباعه عليه الصلاة والسلام دخولاً أولياً، وإيثارُ الإظهار على الإضمار بطريق الالتفات لتعيـين حيثية الإطاعة والإشعارِ بعلّتها فإن الإطاعة المأمورَ بها إطاعتُه عليه الصلاة والسلام من حيث إنه رسولُ الله لا من حيث ذاتُه ولا ريب في أن عنوانَ الرسالة من موجبات الإطاعةِ ودواعيها {فَإِن تَوَلَّوْاْ} إما من تمام مقولِ القول فهي صيغة المضارعِ المخاطَب بحذف إحدى التاءين أي تتولوا وإما كلام متفرِّعٌ عليه مَسوقٌ من جهته تعالى فهي صيغةُ الماضي الغائب، وفي ترك ذكرِ احتمالِ الطاعةِ كما في قوله تعالى: {أية : فَإِنْ أَسْلَمُواْ } تفسير : [آل عمران، الآية 20] تلويحٌ إلى أنه غيرُ محتمَلٍ منهم {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ} نفي المحبة كنايةٌ عن بغضه تعالى لهم وسُخطِه عليهم أي لا يرضىٰ عنهم ولا يثني عليهم، وإيثارُ الإظهارِ على الإضمار لتعميم الحكمِ لكل الكفَرَة والإشعار بعلّته فإن سخطه تعالى عليهم بسبب كفرهم والإيذان بأن التولّيَ عن الطاعة كفرٌ وبأن محبتَه عز وجل خاصة بالمؤمنين. {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَءالَ إِبْرٰهِيمَ وَءالَ عِمْرٰنَ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ} لما بـيّن الله تعالى أن الدين المرضيِّ عنده هو الإسلامُ والتوحيدُ وأن اختلاف أهل الكتابـين فيه إنما هو للبغي والحسد وأن الفوز برضوانه ومغفرته ورحمته منوطٌ باتباع الرسولِ صلى الله عليه وسلم وطاعته ــ شرَعَ في تحقيق رسالته وكونِه من أهل بـيت النبوة القديمةِ فبدأ ببـيان جلالةِ أقدارِ الرسل عليهم الصلاة والسلام كافةً وأتبعه ذكرَ مبدأ أمرِ عيسى عليه الصلاة والسلام وأمِّه وكيفيةِ دعوتِه للناس إلى التوحيد والإسلام تحقيقاً للحق وإبطالاً لما عليه أهلُ الكتابـين في شأنهما من الإفراط والتفريط ثم بـين بطلانَ مُحاجّتهم في إبراهيم عليه الصلاة والسلام وادعائِهما الانتماءَ إلى ملته ونزّه ساحتَه العلية عما هم عليه من اليهودية والنصرانية ثم نص على أن جميعَ الرسل عليهم الصلاة والسلام دعاةٌ إلى عبادة الله عز وجل وحده وطاعتِه منزَّهون عن احتمال الدعوة إلى عبادة أنفسِهم أو غيرِهم من الملائكة والنبـيـين وأن أممهم قاطبةً مأمورون بالإيمان بمن جاءهم من رسولٍ مصدقٍ لما معهم تحقيقاً لوجوب الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم وكتابه المصدِّق لما بـين يديه من التوراة والإنجيل ووجوب الطاعة له حسبما سيأتي تفصيلُه، وتخصيصُ آدمَ عليه الصلاة والسلام بالذكر لأنه أبو البشر ومنشأ النبوة وكذا حالُ نوحٍ عليه السلام فإنه آدمُ الثاني، وأما ذكرُ آل إبراهيمَ فلترغيب المعترفين باصطفائهم في الإيمان بنبوة النبـي صلى الله عليه وسلم واستمالتِهم نحوَ الاعترافِ باصطفائه بواسطة كونِه من زُمرتهم مع ما مر من التنبـيه على كونه عليه الصلاة والسلام عريقاً في النبوة من زمرة المصطفَيْنَ الأخيار، وأما ذكرُ آلِ عمرانَ مع اندراجهم في آل إبراهيمَ فلإظهار مزيدِ الاعتناء بتحقيق أمرِ عيسى عليه الصلاة والسلام لكمال رسوخِ الخلاف في شأنه فإن نسبةَ الاصطفاءِ إلى الأب الأقرب أدلُّ على تحققه في الآل وهو الداعي إلى إضافة الآلِ إلى إبراهيمَ دون نوحٍ وآدمَ عليهم الصلاة والسلام، والاصطفاء أخذُ ما صفا من الشيء كالاستصفاء، مثّل به اختيارَه تعالى إياهم النفوسَ القدسية وما يليق بها من الملكات الروحانيةِ والكمالاتِ الجُسمانية المستتبعةِ للرسالة في نفس المصطفى كما في كافة الرسل عليهم الصلاة والسلام، أو فيمن يلابسه وينشأ منه كما في مريمَ، وقيل: اصطفى آدمَ عليه الصلاة والسلام بأن خلقه بـيده في أحسنِ تقويمٍ وبتعليم الأسماء وإسجادِ الملائكة له وإسكانِ الجنة، واصطفى نوحاً عليه الصلاة والسلام بكونه أولَ من نسخ الشرائعَ إذ لم يكن قبل ذلك تزويجُ المحارم حراماً وبإطالة عُمره وجعْلِ ذريتِه هم الباقين واستجابةِ دعوتِه في حق الكفرة والمؤمنين، وحملِه على متن الماء، والمرادُ بآل إبراهيمَ إسماعيلُ وإسحاقُ والأنبـياءُ من أولادهما الذين من جملتهم النبـيُّ صلى الله عليه وسلم، وأما اصطفاءُ نفسِه عليه الصلاة والسلام فمفهومٌ من اصطفائهم بطريق الأولوية، وعدمُ التصريح به للإيذان بالغِنىٰ عنه لكمال شهرةِ أمرِه في الخِلّة وكونِه إمامَ الأنبـياء وقدوةً للرسل عليهم الصلاة والسلام وكونِ اصطفاء آله بدعوته بقوله: {أية : رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ } تفسير : [البقرة، الآية 129] الآية، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أنا دعوةُ أبـي إبراهيمَ»تفسير : . وبآل عمرانَ عيسى وأمُّه مريمُ ابنةُ عِمرانَ بنِ ماثانَ بنِ أبـي بور بن رب بابل بن ساليان بن يوشيان بن أمون بن منشا بن حزقيا بن أحز بن يوثم بن عزياهو بن يهوشافاط بن أسا بن رحبعم بن سليمانَ بنِ داودَ عليهما الصلاة والسلام ابن بـيشا بن عوفيذ بن بوعز بن سلمون بن نحشون بن عمينوذب بن رم بن حصرون بن بارص بن يهوذا بنِ يعقوبَ عليه الصلاة والسلام، وقيل: موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام ابنا عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب عليه الصلاة والسلام وبـين العمرانين ألفٌ وثمانمائة سنة فيكون اصطفاءُ عيسى عليه الصلاة والسلام حينئذ بالاندراج في آل إبراهيمَ عليه السلام والأولُ هو الأظهرُ بدليل تعقيبِه بقصة مريمَ واصطفاءِ موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام بالانتظام في سلك آلِ إبراهيمَ عليه السلام انتظاماً ظاهراً، والمرادُ بالعالمين أهلُ زمان كل واحدٍ منهم أي اصطفى كل واحد منهم على عالمي زمانه.
القشيري
تفسير : أمرهم بالطاعة ثم قال: {فإِن تَوَلَّوْاْ} أي قَصَّرُوا في الطاعة بأن خالفوا، ثم قال: {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ} لم يَقُلْ العاصين بل قال الكافرين، ودليل الخطاب أنه يحب المؤمنين وإن كانوا عُصَاة.
الطوسي
تفسير : قال محمد بن جعفر بن الزبير: نزلت هذه الآية في وفد نجران، وفيها دلالة على بطلان مذهب المجبرة، لأنه قال لا يحب الكافرين ومعنى لا يحبهم لا يريد ثوابهم من أجل كفرهم، فاذن لا يريد كفرهم، لأنه لو أراده لم يكن نفي محبته لكفرهم، والطاعة إتباع الداعي فيما دعا إليه بأمره أو إرادته، ولذلك قد يكون الانسان مطيعاً للشيطان فيما يدعوه إليه، وإن لم يقصد أن يطيعه، لأنه إذا مال مع ما يجده في نفسه من الدعاء إلى المعصية، فقد أطاع الداعي إليها. فان قيل ما الفرق بين الطاعة وموافقه الارادة؟ قيل: موافقة الارادة قد تكون طاعة، وقد تكون غير طاعة إذا لم تقع موقع الداعي إلى الفعل نحو ارادتي، لأن يتصدق زيد بدرهم من غير أن يشعر بذلك، فلا يكون بفعله مطيعاً لي ولو فعله من أجل إرادتي لكان مطيعاً وكذلك لو أحسن بدعائي إلى ذلك فمال معه. وقوله: {إن الله لا يحب الكافرين} معناه أنه يبغضهم ولا يريد ثوابهم، فدل بالنفي على الاثبات وكان ذلك أبلغ، لأنه لو قال إنه يبغضهم لجاز أن يتوهم أن يبغضهم من وجه ويحبهم من وجه كما يعلم الشيء من وجه، ويجهل من وجه، فاذا قيل لا يعلمه لم يحتمل الوجوه.
الجنابذي
تفسير : {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ} يعنى بعد ما قلت لهم انّ محبوبيّة الله فى متابعتك بعد محبّة الله قل لهم {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} لم يكرّر اطيعوا اشعاراً بانّ اطاعة الله تكليفاً ليس الاّ طاعة الرّسول لا انّ طاعة كلّ مستقلة مغايرة لطاعة الآخر {فإِن تَوَلَّوْاْ} لفظ تولّوا هذا مشترك بين المضىّ والمضارعة {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ} بطاعة الله وطاعة الرّسول (ص) لانّ المراد به الكفر بالطّاعة هاهنا والمعنى انّه يبغضهم وان كان نفى الحبّ اعمّ من البغض فانّه يستعمل فى امثال المقام فى احد فرديه ووضع الظّاهر موضع المضمر للاشارة الى علّة الحكم والى انّ التولّى عن الطّاعة كفر.
اطفيش
تفسير : {قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ والرَّسُولَ}: قال عبد الله بن أبى: رأس المنافقين لأصحابه: إن محمداً يجعل طاعتهُ كطاعة الله، ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى بن مريم، فنزل قولهُ تعالى {قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ والرَّسُولَ} بمعنى أن طاعة الله لا تتم بدون طاعة الرسول، وعن ابن عباس: طاعتكم لمحمد صلى الله عليه وسلم، طاعتكم لى، وإما تطيعونى، وتعصوا محمدا صلى الله عليه وسلم، فلن أقبل منكم. قال الشافعى: كل ما أمر رسول الله بهِ أو نهى عنهُ، جرى فى اللزوم مجرى ما أمر الله به، أو نهى عنه فى القرآن. {فإِن تَوَلَّوْاْ}: فعل ماض للغيبة، مستأنف، وهو من كلام الله تعالى أو مضارع حذفت إحدى تاءيه، والأصل تتولوا، فيكون خطاباً منهُ صلى الله عليه وسلم للكفار، من جملة المحكى من قوله {قل}، أى: فان أعرضوا، أو فإن أعرضتم عن طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. {فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ}: أى لا يفعل معهم فعل المحب لحبيبه من العفو والرضى، والثناء والإنعام، بل عكس ذلك، ووضع الظاهر موضع المضمر، إذ لم يقل لا يحبهم، أو لا يحبكم، ليدل على أن سبب عدم الحب هو الكفر أو أظهر ليعم كل كافر. قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "كل أمتى يدخلون الجنة، إلا من أبى" قال: ومن يأبى؟. قال: "من أطاعنى دخل الجنة، ومن عصانى فقد أبى"تفسير : وعنهُ قال رسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أطاعنى فقد أطاع الله، ومن عصانى فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعنى ومن عصى الأمير فقد عصانى"تفسير : . قال ابن أبى جمرة: من علامة السعادة للشخص أن يكون معتنياً بمعرفة السنة فى جميع تصرفاته، ومن كان كذلك فهو عابد فى حركاته وسكناتهِ، وكان بعضهم لا يأكل البطيخ سنين، لما لم يبلغه كيفية السنة فى أكلهِ، ومن أحب شيئاً آثره وآثر موافقته، وإلا لم يكن صادقاً فى حبه، فالصادق فى حب النبى صلى الله عليه وسلم، من تظهر علامة ذلك عليه، بأن يقتدى بسنته فى أقواله وأفعاله، ويتأدب بأدبه فى عسره أو يسره، وعن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : من استمسك بحديثى وفهمه وحفظه جاء مع القرآن، ومن تهاون بالقرآن وحديثى خسر الدنيا والآخرة"تفسير : . وعن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من استمسك بسنتى عند فساد أمتى لهُ أجر مائة شهيد"تفسير : . وقال أبى بن كعب: عليكم بالسبيل والسنة، فإنهُ ما على الأرض من عبد على السبيل والسنة، ذكر الله فى نفسهِ، فاقشعر جلده من خشية الله، كان مثلهُ كمثل شجرة قد يبس ورقها، فهى كذلك إذا أصابتها ريح شديد، تحات عنها ورقها، إلا حط عنهُ خطاياه، كما تحات عن الشجرة ورقها، ومن علامات محبته صلى الله عليه وسلم، زهد مدعيها فى الدنيا، وإيثاره الفقر، واتصافه به، ففى حديث أبى سعيد أن الفقر إلى من يحبنى منكم أسرع من السيل من أعلى الوادى أو الجبل إلى أسفل. وفى حديث عبد الله بن معقل: حديث : قال رجل للنبى صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إنى أحبك. فقال "أنظر ما تقول؟". قال: والله إنى لأحبك ثلاث مرات، قال: "إن كنت تحبنى فأعد للفقر اتحافاً" .
اطفيش
تفسير : {قُلْ} لقريش وغيرهم {أطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ} وهو أنا محمدا، فيما يأمركم به من التوحيد، وهذا تخصيص بعد تعميم التوحيد وغيره فى قوله، فاتبعونى، لمزية التوحيد {فَإن تَوَلَّوْا} أى تولى هؤلاء عن الاتباع والطاعة فهذا من الله، أو تتولوا أنتم عن ذلك، فحذف إحدى التاءين فيكون من جملة القول {فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ} لا يرحم {الكَافِرِينَ} أى لا يحبهم، بل يعاقبهم، فأظهر ليصفهم بالكفر إشعارا بالعلة، وتعميما لفظيا لجميع الكفرة، وللتلويح بأن من خالفه وقد آمن به شبيه بمن كفر به، وأن الإعراض إما كفر شرك وإما كفر نفاق، وأراد مطلق الكافرين فيدخل هؤلاء، وفى مسلم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله أحب عبادا دعا جبريل فقال، أنا أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادى فى السماء، إن الله يجب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول فى الأرض، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول أنا أبغض فلانا، فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادى فى السماء، إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء فى الأرض ".
الالوسي
تفسير : {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ } أي في جميع الأوامر والنواهي ويدخل في ذلك الأمر السابق دخولاً أولياً، وإيثار الإظهار على الإضمار بطريق الالتفات لتعيين حيثية الإطاعة والإشعار بعلتها، وفيه إشارة إلى ردّ شبهة المنافق كأنه يقول: إنما أوجب الله تعالى عليكم متابعتي لا لما يقول النصارى في عيسى بل لكوني رسول الله {فَإِن تَوَلَّوْاْ } أي أعرضوا أو تعرضوا على أن تكون إحدى التائين محذوفة فيكون حينئذ داخلاً في حيز المقول وفي ترك ذكر احتمال الإطاعة تلويح إلى أنها غير محتملة منهم {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي لا يقربهم أو لا يرضى عنهم بل يبعدهم عن جوار قدسه وحظائر عزه ويسخط عليهم يوم رضاه عن المؤمنين. والمراد من الكافرين من تولى ولم يعبر بضميرهم للإيذان بأن التوالي عن الطاعة كفر وبأن محبته عز وجل مخصوصة بالمؤمنين لأن نفيها ـ عن هؤلاء الكفار المستلزم لنفيها عن سائرهم لاشتراك العلة ـ يقتضي الحصر في ضدهم.
ابن عاشور
تفسير : عودة إلى الموعظة بطريق الإجمال البحت: فَذْلَكَةً للكلام، وحرصاً على الإجابة، فابتدأ الموعظة أولاً بمقدمة وهي قوله: {أية : إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً}تفسير : [آل عمران: 10] ثم شرع في الموعظة بقوله: {أية : قل للذين كفروا ستغلبون}تفسير : [آل عمران: 12] الآية. وهو ترهيب ثم بذكر مقابله في الترغيب بقوله: {أية : قل أؤنبّئكم بخير من ذلكم}تفسير : [آل عمران: 15] الآية ثم بتأييد ما عليه المسلمون بقوله: {أية : شهد اللَّه أنه لا إله إلا هو}تفسير : [آل عمران: 18] الآية وفي ذلك تفصيل كثير. ثم جاء بطريق المجادلة بقوله: {أية : فإن حاجّوك}تفسير : [آل عمران: 20] الآية ثم بترهيب بغير استدلال صريح ولكن بالإيماء إلى الدليل وذلك قوله: {أية : إن الذين يكفرون بآيات اللَّه ويقتلون النبيين بغير حق}تفسير : [آل عمران: 21] ثم بطريق التهديد والإنذار التعريضي بقوله: {أية : قل اللهم مالك الملك}تفسير : [آل عمران: 26] الآيات. ثم أمر بالقطيعة في قوله: {أية : لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء}تفسير : [آل عمران: 28]. وختم بذكر عدم محبة الكافرين ردّاً للعجز على الصدر المتقدم في قوله: {أية : إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم}تفسير : [آل عمران: 10] الآية ليكون نفي المحبة عن جميع الكافرين، نفياً عن هؤلاء الكافرين المعيَّنين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكَافِرِينَ} (32) - وَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: أَطِيعُوا اللهَ بِاتِّبَاعِ أوَامِرِهِ، وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ، وَأطِيعُوا رَسُولَهُ بِاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ وَدَعْوَتِهِ، فَإنْ رَفَضُوا ذَلِكَ، وَخَالَفُوا عَنْ أمْرِ اللهِ، فَهُمْ كَافِرُونَ، وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الكَافِرينَ. التَّوَلِّي - الإِعْرَاضُ بِالبَدَنِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقد قلت من قبل في مسألة الأمر بالطاعة، إنها جاءت في القرآن الكريم على ثلاثة ألوان: فمرة يقول الحق: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} [آل عمران: 32]. كما جاء بهذه الآية التي نحن بصدد تناولها بخواطرنا الإيمانية. ونلاحظ هنا أن الحق سبحانه لم يكرر أمر الطاعة، بل جعل الأمر واحداً، هو "أطيعوا"، فإذا سألنا من المطاع؟ تكون الإجابة. الله والرسول معاً. إذن فقول الرسول صلى الله عليه وسلم بلاغاً عن الله "اتبعوني يحببكم الله" يعني أن طاعة المؤمنين للرسول من طاعة الله. إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمرنا بطاعته، ولكنه يأمرنا بطاعة الله، ولذلك لم يكرر الحق أمر الطاعة، إنّ الحق هنا يوحد أمر الطاعة فيجعلها لله وللرسول معاً، إنه يعطف على المطاع الأول وهو الله بمطاع ثانٍ هو الرسول صلى الله عليه وسلم. ويقول الحق في كتابه العزيز: {أية : قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ}تفسير : [النور: 54]. إن الحق يورد أمر الطاعة ثلاث مرات، فمرة يكون أمر الطاعة لله، ومرة ثانية يكون أمر الطاعة للرسول صلى الله عليه وسلم، ومرة ثالثة يقول الحق: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}تفسير : [النساء: 59]. فما مسألة هذه الأوامر بالطاعة؟ إنها طاعة بألوان التكليف وأنواعها، إن الأحكام المطلوب من المؤمنين أن يطيعوا فيها، مرة يكون الأمر من الله قد جاء بها وأن يكون الرسول قد أكدها بقوله وسلوكه، إن المؤمن حين يطيع في هذا الأمر الواحد، فهو يطيع الله والرسول معاً، ومرة يأتي حكم من الله إجمالاً، ويأتي الرسول ليفصله. {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلصَّـلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}تفسير : [النور: 56]. إن الواحد منا لم يكن يعرف كم صلاة في اليوم، ولا عدد الركعات في كل صلاة، ولا نعرف كيفيتها لكن الرسول صلى الله عليه وسلم قد فصل لنا الأمر في كل صلاة، إذن، فالمؤمن يطيع الله في الإجمال، ويطيع الرسول في التفصيل. إن علينا أن نلتفت إلى أن هنا طاعتين: الأولى: طاعة الله، والثانية: طاعة الرسول، أما في الأمر المتحد، فتكون الطاعة لله والرسول؛ لأنه أمر واحد. وأما الأمر الذي جاء من الله فيه تكليف إجمالي فقد ترك الله للرسول صلى الله عليه وسلم بيانه، فالمؤمن يطيع الله في الأمر الإجمالي كأمر الصلاة، وإقامتها، ويطيع الرسول في تفصيل أمر الصلاة؛ وكيفيتها، وأحيانا يجيء الحكم بالتفويض الأعلى من الله للرسول، فيقول الله لرسوله ما معناه إنك أنت الذي تقرر في هذه الأمور، كما قال الحق: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ ..}تفسير : [الحشر: 7]. لقد ترك الحق سبحانه للرسول أن يصدر التشريعات اللازمة "لاستقامة حياة المؤمنين" لقد أعطاه الحق سبحانه التفويض العام، وما دام سبحانه قد أعطى الرسول صلى الله عليه وسلم التفويض العام فإن طاعة المؤمن تكون للرسول فيما يقوله الرسول وإن لم يقل الله به. إننا على سبيل المثال لا نجد في القرآن دليلاً على أن صلاة الفجر ركعتان، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي فصل لنا الصلاة فعرفنا أن الفجر ركعتان، والظهر أربع ركعات، والعصر مثل الظهر، والمغرب ثلاث ركعات، والعشاء أربع ركعات. إن الدليل هو تفصيل الرسول، وقول الحق: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ ..}تفسير : [الحشر: 7]. إنه دليل من القرآن الكريم. هكذا نعرف أن الأمر بالطاعة جاء بالقرآن على ألوان ثلاثة: اللون الأول: إن اتحد المطاع "الله والرسول" إن عطف الرسول هنا يكون على لفظ الجلالة الأعلى. اللون الثاني: هو طاعة الله في الأمر الإجمالي وطاعة الرسول في تفصيل هذا الأمر، فإن الحق يقول: {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} تفسير : [النساء: 59] اللون الثالث: وهو الذي لم يكن لله فيه حكم، ولكنه بالتفويض العام للرسول، بحكم قوله الحق: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} تفسير : [الحشر: 7] هذه طاعة للرسول، ثم يأتي في أمر طاعة أولي الأمر فيقول الحق: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}تفسير : [النساء: 59]. إن الحق لم يورد طاعة أولي الأمر مندمجة في طاعة الله والرسول، لتكون طاعة واحدة. لا. إن الحق أورد طاعة أولي الأمر في الآية التي يفرق فيها بين طاعة الله وطاعة الرسول، ثم من بطن طاعة الرسول تكون طاعة أولي الأمر. لماذا؟ لأنه لا توجد طاعة ذاتية لأولي الأمر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم له الطاعة الذاتية. أما طاعة أولي الأمر فهي مستمدة من طاعة أولي الأمر لله ورسوله، ولا طاعة لأولي الأمر فيما لم يكن فيه طاعة لله وللرسول صلى الله عليه وسلم. إن الحق يقول: {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32]. إن الله يبلغ الرسول أن يبلغ هؤلاء الذين قالوا: إنهم يحبون الله، بالشروط التي يمكن أن يبادل بها الحق عباده الحب، وذلك حتى تتحقق الفائدة للبشر، لأن محبة الله تفوق ما يقدمه البشر من حب. إن اتباع الرسول وتنفيذ التكليف بالطاعة لله والرسول. ذلك هو أسلوب تعبير العباد عن حبهم لله وللرسول صلى الله عليه وسلم، أما إن تولوا، أي لم يستمعوا إليك يا محمد، ولم يتبعوك، فإن موقفهم - والعياذ بالله - ينتقل إلى الكفر؛ لأن الحق يقول عن الذين يتولون عن الله والرسول: {فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32]. وليس هناك تفظيع أكثر من هذا. إن كلمة "تولوا" توحي بأن الذين استمعوا إلى أوامر الحق قد نفروا وأعرضوا، فهم لم يأخذوا حكم الله، ثم منعهم الكسل من تنفيذه. لا. إنهم أعرضوا عن حكم الله - والعياذ بالله - ولذلك فقد قلت وما زلت أقول: فليحذر الذين يخالفون عن أوامر الله ألا يفرقوا بين أمر متقبل على أنه الحكم الحق وبين حمل النفس على اتباع الحكم وتنفيذه. إياك أيها المسلم أن تنكر حكماً لا تستطيع أن تحمل نفسك عليه أو لا تقدر عليه. إنك إن أنكرت تنقل نفسك من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر والعياذ بالله. ولكن عليك أن تؤمن بالحكم، وقل: "إنه حكم الله وهو صواب ولكني لا أستطيع أن أقدر على نفسي" إن ذلك يجعل عدم تنفيذ الحكم معصية فقط. ويأتي الحق - سبحانه - بعد أن بيّن لنا أصول العقائد في قوله: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}تفسير : [آل عمران: 18]. وبعد أن بشر الحق المؤمنين بأنه سبحانه وتعالى يعطيهم الملك الإيماني وأنه الإله القادر، وطلاقة قدرته تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل، وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي، وبعد أن رسم سبحانه طريق محبته، فإن كنتم قد أحببتم الله للإيجاد والإمداد، وتريدون أن يحبكم فعليكم بطاعة الله والرسول صلى الله عليه وسلم في تنفيذ التكاليف. وبعد أن وضع الله سبحانه وتعالى المبادئ الإيمانية عقدية وتشريعية، بعد هذا وذاك يعطي لنا نماذج تطبيقية من سلوك الخلق، ذلك أن هناك فرقاً بين أن توضع نظريات ويأتي الأمر للتطبيق فلا تجد من يطبق، إن الحق لم يكلف شططاً ولا عبثاً، إن الله يقول لنا: أنا كلفت بالتكاليف الإيمانية ومن الخلق أمثالكم من استطاع أن يسير عليها وأن ينفذها، لذلك يعرض الحق لنا النماذج التي توضح ذلك. لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مبعوثاً إلى أمة أمية، وكان الإسلام جديداً عليهم، ولذلك يعرض الحق نماذج قديمة، وهذه النماذج تؤكد لنا أننا في دين الإسلام لا نجد تعصباً، لأن الدين الذي جاء من الله على آدم عليه السلام هو الدين الذي جاء به إبراهيم عليه السلام من عند الله وهو الدين الذي نزل إلى آل عمران وموسى عليه السلام وعيسى عليه السلام. إن الحق يعطي صفات التكريم لأهل أديان منسوبين إلى ما أنزل الله عليهم من منهج. وجاء الإسلام لينسخ بعضاً مما جاء في تلك الرسالات السابقة ويضعها في منهج واحد باق إلى يوم القيامة، هو منهج الإسلام، إنه مطلق العظمة. ها هو ذا الحق يقول: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ ...}.
الأندلسي
تفسير : {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} جعل طاعة الرسول طاعة لله كما قال في من يطع الرسول فقد أطاع الله. و{تَوَلَّوْاْ} يجوز أن يكون مضارعاً حذفت منه التاء أي فإِن تتولوا وهو خطاب مناسب لقوله: أطيعوا، ويجوز أن يكون ماضياً والمراد به الإِستقبال فيكون انتقالاً من خطاب في أطيعوا إلى غيبة في قوله: تولوا، إهانة لهم. ونفي محبته تعالى للكافرين وهو إشعار بالعلية فلا يندرج فيه المؤمن العاصي. {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ} الآية مناسبتها لما قبلها انه لما ذكر أنه لا يحب الكافرين ذكر من اصطفاه تعالى فبدأ بآدم وهو أبو البشر وأولهم، وأتبعه بنوح وهو اسم أعجمي وهو آدم الثاني إذ البشر كلهم من ولده سام وحام ويافت، ثم ذكر آل إبراهيم فاندرج فيهم من كان منهم من الأنبياء وخصوصاً محمد صلى الله عليه وسلم، ثم آل عمران وعمران اسم أعجمي واستطرد إلى قصة مريم ويدل عليه تكراره في قوله: إذ قالت امرأة عمران وصار نظير تكرار الإِسم في جملتين فيسبق الذهن إلى أن الثاني هو الأول، نحو: أكرم زيداً ان زيداً رجل صالح وانتصب ذرية على أنه بدل مما قبله وقيل على الحال. ومعنى من بعض متشعبة ترجع إلى أصل واحد. وقرىء ذرية بكسر الذال والظاهر أن الختم بقوله: سميع عليم مناسب لآل إبراهيم وآل عمران لأن إبراهيم دعا بدعوات كثيرة تقبلها الله منه وكذلك امرأة عمران في قصة مريم. {إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ} اسمها حنة بالحاء المهملة وشدّ النون وهي بنت فاقود وقبرها بظاهر دمشق. وقيل: لم يسم بحنّة في العرب. وقال عبد الغني بن سعيد: حنّة أم عَمرو يروي حديثها ابن جريج. {لَكَ} أي لعبادتك ولخدمتك. {مَا فِي بَطْنِي} ما مبهمة يحتمل أن يكون ذكراً أو أنثى وإن كان الغالب أن يكون المنذور ذكراً ولذلك قالت: {مُحَرَّراً} بصفة الذكر ومعناه مخلصاً للعبادة والخدمة. {فَتَقَبَّلْ مِنِّي} التقبل أخذ الشيء على الرضا به {إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ} لدعائي. {ٱلْعَلِيمُ} بنيتي وإذ منصوبة باذكر. وقيل بقوله: وآل عمران على تقدير واصطفى آل عمران فيكون من عطف الجمل لا من عطف المفردات. وقال الزمخشري تابعاً للطبري: سميع عليم لقول امرأة عمران ونيتها وإذ منصوب به. "انتهى" ولا يصح ذلك لأن قوله: عليم، إما أن يكون خبراً بعد خبر أو وصفاً لقوله: سميع، فإِن كان خبراً فلا يجوز الفصل به بين العامل والمعمول لأنه أجنبي منهما وإن كان وصفاً فلا يجوز أن يعمل سميع في الظرف لأنه قد وصف واسم الفاعل، وما جرى مجراه إذا وصف قبل أخذ معموله لا يجوز له إذ ذاك أن يعمل على خلاف لبعض الكوفيين في ذلك ولأن اتصافه تعالى بسميع عليم لا يختص ولا يتقيد بذلك الوقت وانتصب محرراً على أنه حال من ما والعامل فيه نذرت ويكون حالاً تقديرية ويبعد نصبه على الحال ويكون العامل فيه العامل في بطني، وهو الإِستقرار وكذلك يبعد انتصابه انتصار المصدر على أن معنى نذرت حررت. {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا} أي النسمة وأنت على معنى ما. {قَالَتْ رَبِّ} على معنى التحسر على ما فاتها من أن يكون المولد ذكراً يصلح للخدمة. {وَضَعْتُهَآ} أي وضعت النسمة. {أُنْثَىٰ} نصب على الحال. (قال) الزمخشري: فإِن قلت: كيف جاز انتصاب أنثى حالاً من الضمير في وضعتها وهي كقولك: وضعت الأنثى أنثى. قلت: الأصل وضعته أنثى وإنما أنت لتأنيث الحال لأن الحال وذا الحال شيء واحد كما أنث الإِسم في من كانت أمّك لتأنيث الخبر. ونظيره قوله تعالى: {أية : فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ}تفسير : [النساء: 176]. "انتهى". وآل قوله إلى أن أنثى تكون حالاً مؤكدة ولا يخرجه تأنيثه لتأنيث الحال عن أن تكون الحال مؤكدة وأما تشبيهه ذلك بقوله: من كانت أمّك حيث عاد الضمير على معنى من فليس ذلك نظير وضعتها أنثى لأن ذلك حمل على معنى من إذ المعنى أيّة امرأة كانت أمّك أي كانت هي المرأة أمك فالتأنيث ليس لتأنيث الخبر، وإنما هو من باب الحمل على معنى من، ولو فرضنا أنه تأنيث للإِسم لتأنيث الخبر لم يكن نظير وضعتها أنثى لأن الخبر تخصص بالاضافة إلى الضمير فقد استفيد من الخبر ما لا يستفاد من الإِسلام بخلاف أنثى فإِنه لمجرد التأكيد، وأما تنظيره بقوله: فإِن كانتا اثنتين فيفي انه ثنى الإِسم لتثنية الخبر وتخريجه مشكل، وسيأتي الكلام عليه من موضعه. وقرىء وضعت بضم التاء وهو من كلامها وكأنها خاطبت نفسها. وقرىء بإِسكان التاء وليس الذكر الذي طلبته ورجوته مثل الأنثى التي علمها وأرادها وقضى بها ولعل هذه الأنثى تكون خيراً من الذكر إذا أرادها الله تعالى سلّت نفسها بذلك. قال ابن عطية: كالأنثى في امتناع نذره إذ الأنثى تحيض ولا تصلح لصحبة الرهبان قاله بعض التابعين. وبدأت بذكر الأهم في نفسها وإلا فسياق الكلام أن تقول وليست الأنثى كالذكر فتضع حرف النفي مع الشيء الذي عندها وانتفت عنه صفات الكمال للغرض المراد. "انتهى". وعلى هذا الاحتمال تكون الألف واللام في الذكر للجنس. وقرىء وضعت بكسر التاء مخاطبها الله بذلك أي انك لا تعلمين قدر هذه الموهوبة وما علمه الله تعالى من عظم شأنها وعلو قدرها. ومريم معناه في كلامهم العابدة تفاءلت بذلك لتكون عابدة لله مطيعة له وخاطبت الله تعالى لترتب الإِستعاذة بالله تعالى لها ولذريتها، وقال الزمخشري: وهي يعني. {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} على قراءة من قرأ وضعت بسكون التاء أو بكسرها معطوفة على أني وضعتها أنثى وما بينهما جملتان معترضتان كقوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ}تفسير : [الواقعة: 76]. انتهى. ولا يتعين ما ذكر من أنهما جملتان معترضتان لأنه يحتمل أن يكون وليس الذكر كالأنثى في هذه القراءة من كلامها ويكون المعترض جملة واحدة كما كان من كلامها في قراءة من قرأ وضعت بضم التاء. وتشبيه الزمخشري هاتين الجملتين اللتين اعترض بهما المعطوف والمعطوف عليه على زعمه بقوله: {أية : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} تفسير : [الواقعة: 76] ليس تشبيهاً مطابقاً للآية، لأنه لم يعترض جملتان بين طالب ومطلوب بل اعترض بين القسم الذي هو: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ} تفسير : [الواقعة: 75]، وجوابه الذي هو: انه لقرآن كريم، بجملة واحدة وهي قوله: {أية : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} تفسير : [الواقعة: 76]، لكنه جاء في جملة الاعتراض بين بعض أجزائه وبعض اعتراض بجملة وهو قوله: لو تعلمون، اعترض به بين المنعوت الذي هو لقسم وبين نعته الذي هو عظيم، فهذا اعتراض في اعتراض وليس فصلاً بجملتي اعتراض كقوله: والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا أمر من الله تعالى لعباده بأعم الأوامر، وهو طاعته وطاعة رسوله التي يدخل بها الإيمان والتوحيد، وما هو من فروع ذلك من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، بل يدخل في طاعته وطاعة رسوله اجتناب ما نهى عنه، لأن اجتنابه امتثالا لأمر الله هو من طاعته، فمن أطاع الله ورسوله، فأولئك هم المفلحون { فإن تولوا } أي: أعرضوا عن طاعة الله ورسوله فليس ثم أمر يرجعون إليه إلا الكفر وطاعة كل شيطان مريد {أية : كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير } تفسير : فلهذا قال: { فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين } بل يبغضهم ويمقتهم ويعاقبهم أشد العقوبة، وكأن في هذه الآية الكريمة بيانا وتفسيرا لاتباع رسوله، وأن ذلك بطاعة الله وطاعة رسوله، هذا هو الاتباع الحقيقي، ثم قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):