٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
33
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بيّن أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسل بيّن علو درجات الرسل وشرف مناصبهم فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَى آدَمَ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المخلوقات على قسمين: المكلف وغير المكلف واتفقوا على أن المكلف أفضل من غير المكلف، واتفقوا على أن أصناف المكلف أربعة: الملائكة، والإنس والجن، والشياطين، أما الملائكة، فقد روي في الأخبار أن الله تعالى خلقهم من الريح ومنهم من احتج بوجوه عقلية على صحة ذلك فالأول: أنهم لهذا السبب قدروا على الطيران على أسرع الوجوه والثاني: لهذا السبب قدروا على حمل العرش، لأن الريح تقوم بحمل الأشياء الثالث: لهذا السبب سموا روحانيين، وجاء في رواية أخرى أنهم خلقوا من النور، ولهذا صفت وأخلصت لله تعالى والأولى أن يجمع بين القولين فنقول: أبدانهم من الريح وأرواحهم من النور فهؤلاء هم سكان عالم السمٰوات، أما الشياطين فهم كفرة أما إبليس فكفره ظاهر لقوله تعالى: {أية : وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [البقرة: 34] وأما سائر الشياطين فهم أيضاً كفرة بدليل قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَـٰدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } تفسير : [الأنعام: 121] ومن خواص الشياطين أنهم بأسرها أعداء للبشر قال تعالى: {أية : فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ } تفسير : [الكهف: 50] وقال: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً شَيَـٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنّ } تفسير : [الأنعام: 112] ومن خواص الشياطين كونهم مخلوقين من النار قال الله تعالى حكاية عن إبليس {أية : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } تفسير : [الأعراف: 12] وقال: {أية : وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَـٰهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ } تفسير : [الحجر: 27] فأما الجن فمنهم كافر ومنهم مؤمن، قال تعالى: {أية : وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً } تفسير : [الجن: 14] أما الإنس فلا شك أن لهم والداً هو والدهم الأول، وإلا لذهب إلى ما لا نهاية والقرآن دلّ على أن ذلك الأول هو آدم صلى الله عليه وسلم على ما قال تعالى في هذه السورة {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } تفسير : [آل عمران: 59] وقال: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } تفسير : [النساء: 1]. إذا عرفت هذا فنقول: اتفق العلماء على أن البشر أفضل من الجن والشياطين، واختلفوا في أن البشر أفضل أم الملائكة، وقد استقصينا هذه المسألة في تفسير قوله تعالى: {أية : ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ } تفسير : [الأعراف: 11] والقائلون بأن البشر أفضل تمسكوا بهذه الآية، وذلك لأن الاصطفاء يدل على مزيد الكرامة وعلو الدرجة، فلما بيّن تعالى أنه اصطفى آدم وأولاده من الأنبياء على كل العالمين وجب أن يكونوا أفضل من الملائكة لكونهم من العالمين. فإن قيل: إن حملنا هذه الآية على تفضيل المذكورين فيها على كل العالمين أدى إلى التناقض لأن الجمع الكثير إذا وصفوا بأن كل واحد منهم أفضل من كل العالمين يلزم كون كل واحد منهم أفضل من كل العالمين يلزم كون كل واحد منهم أفضل من الآخر وذلك محال، ولو حملناه على كونه أفضل عالمي زمانه أو عالمي جنسه لم يلزم التناقض، فوجب حمله على هذا المعنى دفعاً للتناقض وأيضاً قال تعالى في صفة بني إسرائيل {أية : وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [البقرة: 47] ولا يلزم كونهم أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم بل قلنا المراد به عالمو زمان كل واحد منهم، والجواب ظاهر في قوله: اصطفى آدم على العالمين، يتناول كل من يصح إطلاق لفظ العالم عليه فيندرج فيه الملك، غاية ما في هذا الباب أنه ترك العمل بعمومه في بعض الصور لدليل قام عليه، فلا يجوز أن نتركه في سائر الصور من غير دليل. المسألة الثانية: {ٱصْطَفَى } في اللغة اختار، فمعنى: اصطفاهم، أي جعلهم صفوة خلقه، تمثيلاً بما يشاهد من الشيء الذي يصفى وينقى من الكدورة، ويقال على ثلاثة أوجه: صفوة، وصفوة وصفوة، ونظير هذه الآية قوله لموسى {أية : إِنْى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَـٰلَـٰتِي } تفسير : [الأعراف: 144] وقال في إبراهيم {أية : وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلاْخْيَارِ} تفسير : [ص: 47]. إذا عرفت هذا فنقول. في الآية قولان الأول: المعنى أن الله اصطفى دين آدم ودين نوح فيكون الاصطفاء راجعاً إلى دينهم وشرعهم وملتهم، ويكون هذا المعنى على تقدير حذف المضاف والثاني: أن يكون المعنى: إن الله اصطفاهم، أي صفاهم من الصفات الذميمة، وزينهم بالخصال الحميدة، وهذا القول أولى لوجهين أحدهما: أنا لا نحتاج فيه إلى الإضمار والثاني: أنه موافق لقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسالته} تفسير : [الأنعام: 124] وذكر الحليمي في كتاب «المنهاج» أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا بد وأن يكونوا مخالفين لغيرهم في القوى الجسمانية، والقوى الروحانية، أما القوى الجسمانية، فهي إما مدركة، وإما محركة. أما المدركة: فهي إما الحواس الظاهرة، وإما الحواس الباطنة، أما الحواس الظاهرة فهي خمسة أحدها: القوة الباصرة، ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم مخصوصاً بكمال هذه الصفة ويدل عليه وجهان الأول: قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : زويت لي الأرض فأريت مشارقها مغاربها» تفسير : والثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري» تفسير : ونظير هذه القوة ما حصل لإبراهيم صلى الله عليه وسلم وهو قوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الأنعام: 75] ذكروا في تفسيره أنه تعالى قوَّى بصره حتى شاهد جميع الملكوت من الأعلى والأسفل قال الحليمي رحمه الله: وهذا غير مستبعد لأن البصراء يتفاوتون فروي أن زرقاء اليمامة كانت تبصر الشيء من مسيرة ثلاثة أيام، فلا يبعد أن يكون بصر النبي صلى الله عليه وسلم أقوى من بصرها وثانيها: القوة السامعة، وكان صلى الله عليه وسلم أقوى الناس في هذه القوة، ويدل عليه وجهان أحدهما: قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد لله تعالى» تفسير : فسمع أطيط السماء والثاني: أنه سمع دوياً وذكر أنه هوي صخرة قذفت في جهنم فلم تبلغ قعرها إلى الآن، قال الحليمي: ولا سبيل للفلاسفة إلى استبعاد هذا، فإنهم زعموا أن فيثاغورث راض نفسه حتى سمع خفيف الفلك، ونظير هذه القوة لسليمان عليه السلام في قصة النمل {أية : قَالَتْ نَمْلَةٌ يأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَـٰكِنَكُمْ } تفسير : [النمل: 18] فالله تعالى أسمع سليمان كلام النمل وأوقفه على معناه وهذا داخل أيضاً في باب تقوية الفهم، وكان ذلك حاصلاً لمحمد صلى الله عليه وسلم حين تكلم مع الذئب ومع البعير ثالثها: تقوية قوة الشم، كما في حق يعقوب عليه السلام، فإن يوسف عليه السلام لما أمر بحمل قميصه إليه وإلقائه على وجهه، فلما فصلت العير قال يعقوب {أية : إِنّى لاجِدُ رِيحَ يُوسُفَ } تفسير : [يوسف: 94] فأحس بها من مسيرة أيام ورابعها: تقوية قوة الذوق، كما في حق رسولنا صلى الله عليه وسلم حين قال: «حديث : إن هذا الذراع يخبرني أنه مسموم» تفسير : وخامسها: تقوية القوة اللامسة كما في حق الخليل حيث جعل الله تعالى النار برداً وسلاماً عليه، فكيف يستبعد هذا ويشاهد مثله في السمندل والنعامة، وأما الحواس الباطنة فمنها قوة الحفظ، قال تعالى: {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ } تفسير : [الأعلى: 6] ومنها قوة الذكاء قال علي عليه السلام: «حديث : علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف باب من العلم واستنبطت من كل باب ألف باب» تفسير : فإذا كان حال الولي هكذا، فكيف حال النبي صلى الله عليه وسلم. وأما القوى المحركة: فمثل عروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المعراج، وعروج عيسى حياً إلى السماء، ورفع إدريس وإلياس على ما وردت به الأخبار، وقال الله تعالى: {أية : قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ أَنَاْ ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } تفسير : [النمل: 40]. وأما القوى الروحانية العقلية: فلا بد وأن تكون في غاية الكمال، ونهاية الصفاء. واعلم أن تمام الكلام في هذا الباب أن النفس القدسية النبوية مخالفة بماهيتها لسائر النفوس، ومن لوازم تلك النفس الكمال في الذكاء، والفطنة، والحرية، والاستعلاء، والترفع عن الجسمانيات والشهوات، فإذا كانت الروح في غاية الصفاء والشرف، وكان البدن في غاية النقاء والطهارة كانت هذه القوى المحركة المدركة في غاية الكمال لأنها جارية مجرى أنوار فائضة من جوهر الروح واصلة إلى البدن، ومتى كان الفاعل والقابل في غاية الكمال كانت الآثار في غاية القوة والشرف والصفاء. إذا عرفت هذا فقوله {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا } معناه: إن الله تعالى اصطفى آدم إما من سكان العالم السفلي على قول من يقول: الملك أفضل من البشر، أو من سكان العالم العلوي على قول من يقول: البشر أشرف المخلوقات، ثم وضع كمال القوة الروحانية في شعبة معينة من أولاد آدم عليه السلام، هم شيث وأولاده، إلى إدريس، ثم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم، ثم حصل من إبراهيم شعبتان: إسماعيل وإسحاق، فجعل إسماعيل مبدأ لظهور الروح القدسية لمحمد صلى الله عليه وسلم، وجعل إسحاق مبدأ لشعبتين: يعقوب وعيصو، فوضع النبوّة في نسل يعقوب، ووضع الملك في نسل عيصو، واستمر ذلك إلى زمان محمد صلى الله عليه وسلم، فلما ظهر محمد صلى الله عليه وسلم نقل نور النبوّة ونور الملك إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وبقيا أعني الدين والملك لأتباعه إلى قيام القيامة، ومن تأمل في هذا الباب وصل إلى أسرار عجيبة. المسألة الثالثة: من الناس من قال. المراد بآل إبراهيم المؤمنون، كما في قوله {أية : ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا } تفسير : [غافر: 46] والصحيح أن المراد بهم الأولاد، وهم المراد بقوله تعالى: {أية : إِنّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرّيَّتِى قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [البقرة: 124] وأما آل عمران فقد اختلفوا فيه، فمنهم من قال المراد عمران ولد موسى وهارون، وهو عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فيكون المراد من آل عمران موسى وهارون وأتباعهما من الأنبياء، ومنهم من قال: بل المراد: عمران بن ماثان والد مريم، وكان هو من نسل سليمان بن داود بن إيشا، وكانوا من نسل يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، قالوا وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة، واحتج من قال بهذا القول على صحته بأمور أحدها: أن المذكور عقيب قوله {وآل عمران على العالمين} هو عمران بن ماثان جد عيسى عليه السلام من قبل الأم، فكان صرف الكلام إليه أولى وثانيها: أن المقصود من الكلام أن النصارى كانوا يحتجون على إلٰهية عيسى بالخوارق التي ظهرت على يديه، فالله تعالى يقول: إنما ظهرت على يده إكراماً من الله تعالى إياه بها، وذلك لأنه تعالى اصطفاه على العالمين وخصه بالكرامات العظيمة، فكان حمل هذا الكلام على عمران بن ماثان أولى في هذا المقام من حمله على عمران والد موسى وهارون وثالثها: أن هذا اللفظ شديد المطابقة لقوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَـٰهَا وَٱبْنَهَا ءَايَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 91] واعلم أن هذه الوجوه ليست دلائل قوية، بل هي أمور ظنية، وأصل الاحتمال قائم. أما قوله تعالى: {ذُرّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في نصب قوله {ذُرّيَّةِ } وجهان الأول: أنه بدل من آل إبراهيم والثاني: أن يكون نصباً على الحال، أي اصطفاهم في حال كون بعضهم من بعض. المسألة الثانية: في تأويل الآية وجوه الأول: ذرية بعضها من بعض في التوحيد والإخلاص والطاعة، ونظيره قوله تعالى: {أية : ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَاتُ بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ } تفسير : [التوبة: 67] وذلك بسبب اشتراكهم في النفاق والثاني: ذرية بعضها من بعض بمعنى أن غير آدم عليه السلام كانوا متولدين من آدم عليه السلام، ويكون المراد بالذرية من سوى آدم. أما قوله تعالى: {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } فقال القفال: المعنى والله سميع لأقوال العباد، عليم بضمائرهم وأفعالهم، وإنما يصطفي من خلقه من يعلم استقامته قولاً وفعلاً، ونظيره قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسالته } تفسير : [الأنعام: 124] وقوله {أية : إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى ٱلْخَيْرٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خـٰشِعِينَ } تفسير : [الأنبياء: 90] وفيه وجه آخر: وهو أن اليهود كانوا يقولون: نحن من ولد إبراهيم ومن آل عمران، فنحن أبناء الله وأحباؤه، والنصارى كانوا يقولون: المسيح ابن الله، وكان بعضهم عالماً بأن هذا الكلام باطل، إلا أنه لتطييب قلوب العوام بقي مصراً عليه، فالله تعالى كأنه يقول: والله سميع لهذه الأقوال الباطلة منكم، عليم بأغراضكم الفاسدة من هذه الأقوال فيجازيكم عليها، فكان أول الآية بياناً لشرف الأنبياء والرسل، وآخرها تهديداً لهؤلاء الكاذبين الذين يزعمون أنهم مستقرون على أديانهم. واعلم أنه تعالى ذكر عقيب هذه الآية قصصاً كثيرة:
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحاً} ٱصطفى ٱختار، وقد تقدّم في البقرة. وتقدّم فيها ٱشتقاق آدم وكنيته، والتقدير إن الله ٱصطفى دينهم وهو دين الإسلام؛ فحذف المضاف. وقال الزجاج: ٱختارهم للنبوّة على عالمي زمانهم. «ونوحاً» قيل إنه مشتق من ناح ينوح، وهو ٱسم أعجمِيّ إلا أنه ٱنصرف لأنه على ثلاثة أحرف، وهو شيخ المرسلين، وأوّل رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد آدم عليه السلام بتحريم البنات والأخَوات والعمات والخالات وسائر القرابات، ومن قال: إن إدْرِيسَ كان قبله من المؤرّخين فقد وَهِم على ما يأتي بيانه في «الأعراف» إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: {وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} تقدّم في البقرة معنى الآل وعلى ما يطلق مستوفى. وفي البخارِيّ عن ٱبن عباس قال: آل إبراهيم وآل عمران المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران وآل ياسين وآل محمد؛ يقول الله تعالى: {أية : إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 68] وقيل: آل إبراهيم إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم. وقيل: آل إبراهيم نفسه، وكذا آل عمران؛ ومنه قوله تعالى: {أية : وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ} تفسير : [البقرة: 248]. وفي الحديث: «حديث : لقد أُعْطِي مِزماراً مِن مزامير آل داود»تفسير : ؛ وقال الشاعر:شعر : ولا تَبْكِ مَيْتاً بعد ميْتٍ أَحَبّه عليٌّ وعبّاس وآلُ أبي بكر تفسير : وقال آخر:شعر : يُلاقِي من تَذَكُّرِ آلِ لَيْلَى كما يَلقَى السّليمُ من العِدَادِ تفسير : أراد من تذكر ليلى نفسها. وقيل: آل عمران آل إبراهيم؛ كما قال: {أية : ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ} تفسير : [آل عمران: 34]. وقيل: المراد عيسى، لأن أمّه ابنة عمران. وقيل: نفسه كما ذكرنا. قال مقاتل: هو عمران أبو موسى وهارون، وهو عمران بن يصْهُر بن فاهاث بن لاوى بن يعقوب. وقال الكلبي: هو عمران أبو مريم، وهو من ولد سليمان عليه السلام. وحكى السهيلي: عمران بن ماتان، وٱمرأته حَنَّة (بالنون). وخص هؤلاء بالذكر من بين الأنبياء لأن الأنبياء والرسل بقضِّهم وقَضِيضهم من نسلهم. ولم ينصرف عِمران لأن في آخره ألفاً ونوناً زائدتين. ومعنى قوله: «عَلَى الْعَالَمِينَ» أي على عالمي زمانهم، في قول أهل التفسير. وقال الترمذيّ الحكيم أبو عبد الله محمد بن عليّ: جميع الخلق كلهم. وقيل «عَلَى الْعَالَمِينَ»: على جميع الخلق كلهم إلى يوم الصور، وذلك أن هؤلاء رُسُلٌ وأنبياء فهم صفوة الخلق؛ فأما محمد صلى الله عليه وسلم فقد جازت مرتبته الاصطفاء لأنه حبيب ورحمة. قال الله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 107] فالرسل خلقوا للرحمة، ومحمد صلى الله عليه وسلم خُلق بنفسه رحمةً، فلذلك صار أماناً للخلق، لمّا بعثه الله أَمِنَ الخلقُ العذاب إلى نفخة الصور. وسائر الأنبياء لم يحلّوا هذا المحل؛ ولذلك قال عليه السلام: «حديث : أنا رحمة مهداة»تفسير : يخبر أنه بنفسه رحمة للخلق من الله. وقوله «مهداة» أي هدية من الله للخلق. ويقال: ٱختار آدم بخمسة أشياء: أوّلها أنه خلقه بيده في أحسن صورة بقدرته، والثاني أنه علّمه الأسماء كلها، والثالث أمر الملائكة بأن يسجدوا له، والرابع أسكنه الجنة، والخامس جعله أبا البشر. وٱختار نوحاً بخمسة أشياء: أوّلها أنه جعله أبا البشر؛ لأن الناس كلهم غرِقوا وصار ذريته هم الباقين، والثاني أنه أطال عمره؛ ويقال: طوبى لمن طال عمره وحسن عمله، والثالث أنه ٱستجاب دعاءه على الكافرين والمؤمنين، والرابع أنه حمله على السفينة، والخامس أنه كان أوّل من نسخ الشرائع؛ وكان قبل ذلك لم يحرم تزويج الخالات والعمات. وٱختار إبراهيم بخمسة أشياء: أوّلها أنه جعله أبا الأنبياء؛ لأنه روي أنه خرج من صلبه ألف نبيّ من زمانه إلى زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم، والثاني أنه ٱتخذه خليلاً، والثالث أنه أنجاه من النار، والرابع أنه جعله إماماً للناس، والخامس أنه ٱبتلاه بالكلمات فوَفّقَه حتى أتمهن. ثم قال: «وَآلَ عِمْرَانَ» فإن كان عمران أبا موسى وهارون فإنما اختارهما على العالمين حيث بعث على قومه المَنّ والسلْوَى وذلك لم يكن لأحد من الأنبياء في العالم. وإن كان أبا مريم فإنه أصطفى له مريم بولادة عيسى بغير أب ولم يكن ذلك لأحد في العالم. والله أعلم.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض، فاصطفى آدم عليه السلام؛ خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وأسكنه الجنة، ثم أهبطه منها لما له في ذلك من الحكمة، واصطفى نوحاً عليه السلام، وجعله أول رسول بعثه إلى أهل الأرض، لما عبد الناس الأوثان، وأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً، وانتقم له لما طالت مدته بين ظهراني قومه يدعوهم إلى الله ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، فلم يزدهم ذلك إلا فراراً، فدعا عليهم، فأغرقهم الله عن آخرهم، ولم ينج منهم إلا من اتبعه على دينه الذي بعثه الله به، واصطفى آل إبراهيم، ومنهم سيد البشر وخاتم الأنبياء على الإطلاق محمد صلى الله عليه وسلم وآل عمران، والمراد بعمران هذا هو والد مريم بنت عمران أم عيسى بن مريم عليه السلام. قال محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله: هو عمران بن ياشم بن أمون بن ميشا بن حزقيا بن أحريق بن يوثم بن عزاريا بن أمصيا بن ياوش بن أجريهو بن يازم بن يهفاشاط بن إنشا بن أبيان بن رخيعم بن سليمان بن داود عليهما السلام، فعيسى عليه السلام من ذرية إبراهيم كما سيأتي بيانه في سورة الأنعام، إن شاء الله تعالى، وبه الثقة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَى } اختار {آدَمَ وَنُوحًا وَءالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ } بمعنى أنفسهما {عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ } بجعل الأنبياء من نسلهم.
ابن عطية
تفسير : لما مضى صدر من محاجة نصارى نجران والرد عليهم وبيان فساد ما هم عليه جاءت هذه الآية معلمة بصورة الأمر الذي قد ضلوا فيه، ومنبئة عن حقيقته كيف كانت، فبدأ تعالى بذكر فضله على هذه الجملة إلى {آل عمران} منها ثم خص {امرأة عمران} بالذكر لأن القصد وصف قصة القوم إلى أن يبين أمر عيسى عليه السلام وكيف كان و {اصطفى} معناه: اختار صفو الناس فكان ذلك هؤلاء المذكورين وبقي الكفار كدراً، و {آدم} هو أبونا عليه السلام اصطفاه الله تعالى بالإيجاد والرسالة إلى بنيه والنبوة والتكليم حسبما ورد في الحديث وحكى الزجاج عن قوم {إن الله اصطفى آدم} عليه السلام بالرسالة إلى الملائكة في قوله: {أية : أنبئهم بأسمائهم} تفسير : [البقرة: 33] وهذا ضعيف، ونوح عليه السلام هو أبونا الأصغر في قول الجمهور هو أول نبي بعث إلى الكفار، وانصرف نوح مع عجمته وتعريفه لخفة الاسم، كهود ولوط، و {آل إبراهيم} يعني بإبراهيم الخليل عليه السلام والآل في اللغة، الأهل والقرابة، ويقال للأتباع وأهل الطاعة آل، فمنه آل فرعون، ومنه قول الشاعر وهو أراكة الثقفي في رثاء النبي عليه السلام وهو يعزي نفسه في أخيه عمرو: [الطويل] شعر : فَلاَ تَبْكِ مَيْتاً بَعْدَ مَيْتٍ أَجنَّهُ عليٌّ وَعَبَّاسٌ وآلُ أبي بَكْرِ تفسير : أراد جميع المؤمنين، و"الآل" في هذه الآية يحتمل الوجهين، فإذا قلنا أراد بالآل القرابة والبيتية فالتقدير {إن الله اصطفى} هؤلاء على عالمي زمانهم أو على العالمين عاماً بأن يقدر محمداً عليه السلام من آل إبراهيم، وإن قلنا أراد بالآل الأتباع فيستقيم دخول أمة محمد في الآل لأنها على ملة إبراهيم، وذهب منذر بن سعيد وغيره إلى أن ذكر آدم يتضمن الإشارة إلى المؤمنين به من بنيه وكذلك ذكر نوح عليه السلام وأن "الآل" الأتباع فعمت الآية جميع مؤمني العالم فكان المعنى، أن الله اصطفى المؤمنين على الكافرين، وخص هؤلاء بالذكر تشريفاً لهم ولأن الكلام في قصة بعضهم، و {آل عمران} أيضاً يحتمل من التأويل ما تقدم في {آل إبراهيم}، وعمران هو رجل من بني إسرائيل من ولد سليمان بن داود فيما حكى الطبري، قال مكي: هو عمران بن ماثال، وقال قتادة في تفسير هذه الآية: ذكر الله تعالى أهل بيتين صالحين ورجلين صالحين، ففضلهم على العالمين فكان محمد من آل إبراهيم، وقال ابن عباس: "اصطفى الله" هذه الجملة بالدين والنبوة والطاعة له. وقوله تعالى: {ذرية} نصب على البدل، وقيل على الحال لأن معنى {ذرية بعضها من بعض} متشابهين في الدين والحال، وهذا أظهر من البدل، والذرية في عرف الاستعمال تقع لما تناسل من الأولاد سفلاً، واشتقاق اللفظة في اللغة يعطي أن تقع على جميع الناس أي كل أحد ذرية لغيره فالناس كلهم ذرية بعضهم لبعض، وهكذا استعملت الذرية في قوله تعالى: {أية : أنا حملنا ذرياتهم في الفلك المشحون} تفسير : [يس: 41] أي ذرية هذا الجنس ولا يسوغ أن يقول في والد هذا ذرية لولده وإذ اللفظة من ذر إذا بث فهكذا يجيء معناها، وكذلك إن جعلناها من "ذرى" وكذلك إن جعلت من ذرأ أو من الذر الذي هو صغار النمل، قال أبو الفتح: الذرية يحتمل أن تكون مشتقة من هذه الحروف الأربعة، ثم طول أبو الفتح القول في وزنها على كل اشتقاق من هذه الأربعة الأحرف تطويلاً لا يقتضي هذا الإيجاز ذكره وذكرها أبو علي في الأعراف في ترجمة {أية : من ظهورهم ذرياتهم} تفسير : [الأعراف:172] قال الزجّاج: أصلها فعليه من الذر، لأن الله أخرج الخلق من صلب آدم كالذر، قال أبو الفتح: هذه نسبة إلى الذر غير أولها كما قالوا في النسبة إلى الحرم: حرمي بكسرالحاء وغير ذلك من تغيير النسب قال الزجّاج: وقيل أصل {ذرية} ذرورة، وزنها فعلولة فلما كثرت الراءات أبدلوا من الأخيرة ياء فصارت ذروية ثم أدغمت الواو في الياء فجاءت {ذرية}. قال القاضي فهذا اشتقاق من ذر يذر، أو من ذرى، وإذا كانت من ذرأ فوزنها فعلية كمريقة أصلها ذرئة فألزمت البدل والتخفيف كما فعلوا في البرية في قول من رآها من برأ الله الخلق، وفي كوكب دري، في قول من رآه من -درأ- لأنه يدفع الظلمة بضوئه. وقرأ جمهور الناس "ذُرية" بضم الذال وقرأ زيد بن ثابت والضحاك، "ذِرية" بكسر الذال، وقوله تعالى: {بعضها من بعض} أي في الإيمان والطاعة وإنعام الله عليهم بالنبوة. واختلف الناس في العامل في قوله {إذ قالت} فقال أبو عبيدة معمر: {إذ} زائدة، وهذا قول مردود، وقال المبرد والأخفش: العامل فعل مضمر تقديره، اذكر إذ وقال الزجاج: العامل معنى الاصطفاء،التقدير: واصطفى آل عمران إذ: قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا القول يخرج عمران من الاصطفاء، وقال الطبري ما معناه: إن العامل في {إذ} قوله {سميع} و {امرأة عمران} اسمها حنة بنت قاذوذ فيما ذكر الطبري عن ابن إسحاق، وهي أم مريم بنت عمران، ومعنى قوله: {نذرت لك ما في بطني محرراً} أي جعلت نذراً أن يكون هذا الولد الذي في بطني حبيساً على خدمة بيتك محرراً من كل خدمة وشغل من أشغال الدنيا، أي عتيقاً من ذلك فهو من لفظ الحرية، ونصبه على الحال، قال مكي: فمن نصبه على النعت لمفعول محذوف يقدره، غلاماً محرراً، وفي هذا نظر، والبيت الذي نذرته له هو بيت المقدس. قال ابن إسحاق: كان سبب نذر حنة لأنها كانت قد أمسك عنها الولد حتى أسنت فبينما هي في ظل شجرة إذ رأت طائراً يزق فرخاً له فتحركت نفسها للولد فدعت الله أن يهب لها ولداً فحملت بمريم وهلك عمران، فلما علمت أن في بطنها جنيناً جعلته نذيرة لله، أن يخدم الكنيسة لا ينتفع به في شيء من أمر الدنيا، وقال مجاهد: {محرراً} معناه خادماً للكنيسة وقال مثله الشعبي وسعيد بن جبير، وكان هذا المعنى من التحرير للكنائس عرفاً في الذكور خاصة، وكان فرضاً على الأبناء التزام ذلك، فقالت {ما في بطني} ولم تنص على ذكورته لمكان الإشكال، ولكنها جزمت الدعوة رجاء منها أن يكون ذكراً، وتقبل الشيء وقبوله أخذه حيث يتصور الأخذ والرضى به في كل حال، فمعنى قولها {فتقبل مني} أي ارضَ عني في ذلك واجعله فعلاً مقبولاً مجازى به، والسميع، إشارة إلى دعائها العليم إشارة إلى نيتها.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَءَالَ عِمْرَانَ} موسى وهارون، أو المسيح ـ عليهم الصلاة والسلام لأن أمه بنت عمران، اصطفاهم بالنبوة، أو بتفضيلهم على أهل زمانهم، أو باختيار دينهم لهم.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {إن الله اصطفى آدم نوحاً} قال ابن عباس: قالت اليهود: نحن من أبناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب ونحن على دينهم فأنزل الله هذه الآية. والمعنى أن الله اصطفى هؤلاء بالإسلام وأنتم يا معشر اليهود على غير دين الإسلام. ومعنى اصطفى اختار من الصفوة وهي الخالص من كل شيء آدم هو أبو البشر عليه السلام ونوحاً هو نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس عليه السلام. وحكى ابن الجوزي في تفسيره عن أبي سليمان الدمشقي أن اسم نوح السكن وإنما سمي نوحاً لكثرة نوحه على نفسه {وآل إبراهيم} قيل: آراد بآل إبراهيم إبراهيم نفسه، وقيل آل إبراهيم إسماعيل وإسحاق ويعقوب وذلك أن الله تعالى جعل إبراهيم أصلاً لشعبتين فجعل إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام أصلاً للعرب ومحمد صلى الله عليه وسلم منهم فهو داخل في هذا الاصطفاء، وجعل إسحاق أصلاً لبني إسرائيل، وجعل فيهم النبوة والملك إلى زمن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ثم جمع له ولأمته النبوة والملك إلى يوم القيامة. وقيل: أراد بآل إبراهيم من كان على دينه {وآل عمران} واختلفوا في عمران هذا فقيل: هو عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب وهو والد موسى وهارون فيكون آل عمران موسى وهارون أو نفسه، وقيل: هو عمران بن آشيم بن آمون وقيل: ابن ماتان وهو من ولد سليمان بن داود عليهما السلام وعمران هذا هو والد مريم وابنها عيسى فعلى هذا يكون المراد بآل عمران مريم وابنها عيسى عليه السلام، وإنما خص هؤلاء بالذكر لأن الأنبياء والرسل من نسلهم {على العالمين} أي اختارهم واصطفاهم على العالمين بما خصهم من النبوة والرسالة {ذرية} أي اصطفى ذرية وأصلها من ذرأ بمعنى خلق وقيل: من الذر لأن الله تعالى استخرجهم من ظهر آدم كالذر وإنما سمي الآباء والأبناء ذرية لآن الله خلق بعضهم من بعض، فالأبناء من ذرية الآباء والآباء من ذرية آدم وهو ممن ذرأه الله تعالى أي خلقه {بعضها من بعض} أي بعضها من ولد بعض وقيل: بعضها من بعض في التناصر والتعاضد وقيل: بعضها على دين بعض {والله سميع عليم} يعني أن الله تعالى سميع لأقوال العباد عليم بنياتهم وإنما يصطفى لنبوته ورسالته من يعلم استقامته قولاً وفعلاً. قوله عز وجل: {إذ قالت امرأة عمران} هي حنة بنت فاقوذا أم مريم وعمران هو عمران بن ماثان وقيل: ابن أشيم وليس بعمران أبي موسى لأن بينهما ألفاً وثمانمائة سنة، وكان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل في ذلك الزمن وأحبارهم وملوكهم {رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً} أي جعلت الحمل الذي في بطني نذراً محرراً مني لك، والنذر ما يوجبه الإنسان على نفسه، والمعنى محرراً أي عتيقاً خالصاً مفرغاً لعبادة الله وخدمة الكنيسة لا أشغله بشيء من أمور الدنيا. قيل: كان المحرر عندهم إذا حرر جعل في الكنيسة فيقوم عليها ويخدمها ولا يبرح مقيماً فيها حتى يبلغ الحلم ثم يخير فإن أحب أقام فيها، وإن أحب ذهب حيث يشاء، فإن اختار الخروج بعد أن اختار الإقامة في الكنيسة لم يكن له ذلك، ولم يكن أحد من أنبياء بني إسرائيل ومن علمائهم إلا ومن أولاده محرر لخدمة بيت المقدس، ولم يكن يحرر إلاّ الغلمان ولا تصلح الجارية لخدمة بيت المقدس لما يصيبها من الحيض والأذى فحررت أم مريم ما في بطنها، وكانت القصة في ذلك على ما ذكره أصحاب السير والأخبار أن زكريا وعمران تزوجا أختين فكانت إيشاع بنت فاقوذا وهي أم يحيى عند زكريا، وكانت حنة بنت فاقوذا أخت إيشاع عند عمران وهي أم مريم، وكان قد أمسك عن حنة الولد حتى أيست وكبرت وكانوا أهل بيت صالحين وهم من الله بمكان، فبينما هي في ظل شجرة إذ بصرت بطائر يطعم فرخاً فتحركت نفسها بذلك للولد، فدعت الله أن يهب لها ولداً وقالت: اللّهم لك علي إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس، فيكون من سدنته وخدمه فلما حملت بمريم حررت ما في بطنها ولم تعلم ما هو فقال لها زوجها: ويحك ما صنعت أرأيت إن كان ما في بطنك أنثى فلا تصلح لذلك فوقعا جميعاً في هم شديد من أجل ذلك. فمات عمران قبل أن تضع حنة حملها ثم قال تعالى حاكياً عنها {فتقبل مني} يعني فتقبل نذري، والتقبل أخذ الشيء على الرضا وأصله من المقابلة لأنه يقابل بالجزاء وهذا سؤال من لا يريد بما فعله إلاّ الطلب لرضا الله تعالى والإخلاص في دعائه وعبادته {إنك أنت السميع} يعني لتضرعي ودعائي {العليم} يعني بنيتي وما في ضميري.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً...} الآية: لما مضَىٰ صدْرٌ مِنْ مُحَاجَّةِ نصارَىٰ نَجْرَانَ، والردُّ عليهم وبيانُ فسادِ ما هُمْ عليه، جاءَتْ هذه الآياتُ مُعْلِمَةً بصورةِ الأمر الذي قد ضَلُّوا فيه، ومُنْبِئَةً عن حقيقته، كيف كانَتْ، فبدأ تعالَىٰ بذكْرِ فضْل آدم ومَنْ ذُكِرَ بعده، ثم خَصَّ امرأة عِمْرَانَ بالذكْرِ؛ لأنَّ القصْدَ وصْفُ قصَّة القَوْم إِلى أنْ يبيِّن أمر عيسَىٰ (عليه السلام)، وكيف كان، وٱنصرف «نُوحٌ»، مع عُجْمَتِهِ وتعريفِهِ؛ لخفَّة الاِسم؛ كَهُودٍ وَلُوطٍ، قال الفَخْرُ هنا: ٱعلَمْ أنَّ المخلوقاتِ علَىٰ قسمَيْنِ: مكلَّفٍ، وغيْرِ مكلَّفٍ، واتفقوا علَىٰ أنَّ المكلَّف أفْضَلُ من غير المكلَّفِ، واتفقوا على أنَّ أصنافَ المكلَّفين أربعةٌ: الملائكةُ، والإِنْسُ، والْجِنُّ، والشَّيَاطِين. * ت *: تأمَّلْه جَعَلَ الشياطين قسيماً للجِنِّ. اهـ. والآلُ؛ في اللغة: الأَهْلُ، والقَرَابَة، ويقال للأَتْبَاعِ، وأهل الطَّاعة: آل، والآلُ؛ في الآيةِ: يحتملُ الوجهَيْنِ، فَإِنْ أُريدَ بالآلِ: القَرَابَةُ، فالتقديرُ أنَّ اللَّهَ ٱصطفَىٰ هؤلاءِ على عَالِمِي زمانِهِمْ، أو على العَالَمِينَ جميعاً؛ بأنْ يقدَّر نبيُّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم من آل إِبراهيم، وإِن أُرِيدَ بالآلِ: الأَتْبَاعُ، فيستقيمُ دُخُول أمَّة نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم في الآلِ؛ لأنها علَىٰ ملَّةِ إِبراهيم. وقوله تعالى: {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ}، أي: متشابهينَ في الدِّين، والحالِ، وعِمْرَانُ هو رجلٌ من بني إِسرائيل، وامرأة عِمْرَانَ ٱسمُها حَنَّةُ، ومعنَىٰ: {نَذَرْتُ}: جعلْتُ لكَ ما في بطْنِي محرَّراً، أي: حَبِيساً علَىٰ خدْمةِ بَيْتِكَ، محرَّراً من كلِّ خدمةً وشُغْلٍ من أشغال الدنيا، والبَيْتُ الذي نَذَرَتْهُ له هو بَيْتُ المَقْدِسِ، {فَتَقَبَّلْ مِنِّي}، أي: ٱرْضَ عَنِّي في ذلِكَ، وٱجعلْه فعلاً مقبولاً مُجَازًى به، و{ٱلسَّمِيعُ}: إِشارةٌ إِلى دعائها، و {ٱلْعَلِيمُ}: إِشارةٌ إلى نيَّتها.
ابن عادل
تفسير : لما بين - تعالى - أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسول بين علو درجات الرُّسُل فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحاً} "نوح" اسم أعجمي، لا اشتقاق له عند محققي النحويين، وزعم بعضهم أنه مشتق من النُّواح. وهذا كما تقدم لهم في آدم وإسحاق ويعقوب، وهو منصرف وإن كان فيه عِلَّتان فَرعيَّتان: العلمية والعجمة الشخصية - لخفّة بنائه؛ لكونه ثلاثياً ساكن الوسط، وقد جوَّز بعضهم منعَه؛ قياساً على "هند" وبابها لا سماعاً؛ إذْ لم يُسمَع إلا مصروفاً وادعى الفرّاء أن في الكلام حذفَ مضاف، تقديره: إن الله اصطَفى دينَ آدمَ. قال التبريزي: "وهذا ليس بشيءٍ؛ لأنه لو كان الأمر على ذلك لقيل: ونوحٍ - بالجر - إذ الأصل دين آدم ودين نوح". وهذه سقطة من التبريزيُّ؛ إذْ لا يلزم أنه إذا حُذِفَ المضاف، بقي المضاف إليه [على جره] - حتى يرد على الفراء بذلك، بل المشهور - الذي لا يعرف الفصحاء غيره - إعراب المضاف إليه بإعراب المضاف حين حذفه، ولا يجوز بقاؤه على جرِّه إلا في قليل من الكلام، بشَرْطٍ مذكورٍ في النحو يأتي في الأنفال إن شاء الله تعالى. وكان ينبغي - على رأي التبريزيّ: أن يكون قوله تعالى: {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82] بجر "القرية"؛ لأن الكُلَّ هو وغيره - يقولون: هذا على حَذْف مضاف، تقديره: أهل القرية. قال القرطبيُّ: "وهو - نوح - شيخُ المرسلين، وأول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض - بعد آدم - عليه الصلاة والسلام - بتحريم البنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وسائر القرابات المحرمة، ومن قال - من المؤرخين - إن إدريس كان قبلَه فقد وهم" على ما يأتي بيانه في الأعراف - إن شاء الله تعالى. وعمران اسم أعجميٌّ. وقيل: عربيّ، مشتق من العَمْر، وعلى كلا القولين فهو ممنوع من الصرف؛ للعلمية، و العُجْمة الشخصية، وإما للعلمية، وزيادة الألِف والنون. قوله: {عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} متعلق بـ "اصْطَفَى". قوله: "اصْطَفَى" يتعدى بـ "مِنْ" نحو اصطفيتك مِن الناس. فالجواب: أنه ضُمِّنَ معنى "فَضَّل"، أي: فضَّلَهُم بالاصطفاء. فصل اعلم أن المخلوقات على قسمين: مكلَّف، وغير مكلَّف، واتفقوا على أن المكلَّف أفضل. وأصناف المكلفين أربعة: الملائكة، والإنس، والجن، والشياطين. أما الملائكة فقد روي أنهم خُلِقوا من الريح، ولهذا قدروا على الطيران، وعلى حمل العرش، وسُمُّوا روحانيين. وروي أنهم خُلِقوا من النور، ولهذا صَفَتْ وأخلصت لله - تعالى - ويُمْكن الجمع بين الروايتين بأن نقول: أبدانهم من الريح، وأرواحهم من النور وهؤلاء سكان عالم السموات. أما الشياطين فهم كفرة، أما إبليس فكُفْره ظاهر؛ لقوله تعالى: {أية : وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 34]. وأما سائر الشياطين فكفرة؛ لقوله تعالى: {أية : وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}تفسير : [الأنعام: 121]. ومن خواص الشياطين أنهم أعداء للبشر، قال تعالى: {أية : أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ} تفسير : [الكهف: 50] وقال: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ} تفسير : [الأنعام: 112]. وهم مخلوقون من النار؛ لقوله تعالى - حكاية عن إبليس -: {أية : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ} تفسير : [الأعراف: 12]. وأما الجن فمنهم كافر، ومنهم مؤمن، قال تعالى: {أية : وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ} تفسير : [الجن: 14]. وأما الإنس فوالدهم الأول آدم؛ لقوله تعالى: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [آل عمران: 59] وقوله: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}تفسير : [النساء: 1]. واتفق العقلاءُ على أن البشر أفضل من الجنِّ والشياطين، واختلفوا هل البشر أفضل أم الْمَلَك؟ كما قدمناه في البقرة، واستدل القائلون بأن البشر أفضل بهذه الآية؛ لأن الاصطفاء يدل على مزيد الكرامة، وعُلُوِّ الدرجة، فكما بيّن - تعالى - أنه اصطفى آدم وأولادَه من الأنبياء على كل العالمين، وجب أن يكونوا أفضل من الملائكة؛ لأنهم من العالمين. فإن قيل: إن حملنا هذه الآية على تفضيل المذكورين فيها على كل العالمين أدى إلى التناقض؛ لأن الجمع الكثير إذا وُصفُوا بأن كل واحد منهم أفضل من كل العالمين، يلزم كون كل واحد منهم أفضل من الآخر وذلك محالٌ، ولو حملناه على كونه أفضل المعنى، دفعاً للتناقض وأيضاً قال تعالى - في صفة بني إسرائيل - {أية : وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [البقرة: 47] ولا يلزم كونهم أفضل من محمَّد صلى الله عليه وسلم بل قلنا: المراد به عالمو زمان كل واحد منهم، فكذا هنا. فالجواب أن ظاهر قوله: اصْطَفَى آدم على العالمين، يتناول كل مَنْ يَصِحُّ إطلاق لفظ "العالم" عليه فيندرج فيه الملك، غاية ما في الباب أنه تُرِكَ العملُ بعمومه - في بعض الصور - لدليل قام عليه فلا يجوز أن يتركه في سائر الصور من غير دليل. فصل الاصطفاء - في اللغة - الاختيار فمعنى اصْطَفاهُم: أي: جعلهم صفوةَ خلقه تمثيلاً بما يُشَاهَد من الشيء الذي يُصَفَّى من الكدورة، ويقال: صفَّاهم صَفْوَةً، وصِفْوَةً، وصُفْوَةً. ونظير هذه الآية قوله - لموسى -: {أية : إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ} تفسير : [الأعراف: 144]. وقال في إبراهيم وإسحاق ويعقوب: {أية : وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ} تفسير : [ص: 47] وفي الآية قولان: أحدهما: المعنى أن الله اصطفى دين آدمَ ودين نوح - على حذف مضاف - كما تقدم. الثاني: أن الله اصطفاهم؛ أي: صفَّاهم من الصفاتِ الذميمة، وزينهم بالصفات الحميدة، وهذا أولى لعدم الاحتياج إلى الإضمار، ولموافقة قوله: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} تفسير : [الأنعام: 124]. فصل قيل: اختار الله آدم بخمسة أشياءٍ: أولها: أنه خلقه بيده في أحسن صورة بقدرته. الثاني: أنه علَّمه الأسماء كلَّها. الثالث: أنه أمر الملائكة أن يسجدوا له. الرابع: أنه أسكنه الجنة. الخامس: أنه جعله أبا البشر. واختار نوحاً بخمسة أشياءٍ: أولها: أنه جعله أبا البشر - بعد آدم -؛ لأن الناس كلَّهم غرقوا، وصار ذريته هم الباقين. الثاني: أنه أطال عمره، ويقال: "طوبى لمن طال عمره وحسن عمله". الثالث: أنه استجاب دعاءه على الكافرين والمؤمنين. الرابع: أنه حمله على السفينة. الخامس: أنه كان أول من نسخ الشرائع، وكان قبل ذلك لم يُحَرَّم تزويج الخالات والعمات. واختار إبراهيم بخمسة أشياءٍ: أولها: أنه خرج منها جراً إلى ربه ليَهْدِيه. الثاني: أنه اتخذه خليلاً. الثالث: أنه أنجاه من النار. الرابع: أنه جعله للناس إماماً. الخامس: أنه ابتلاه بالكلمات فوفقه حتى أتمهن. وأما آل عمران فإن كان عمران أبا موسى وهارون فإنهم اختارهما على العالمين؛ حيث أنزل على قومهما المن والسلْوَى، وذلك لم يكن لأحد من الأنبياء في العالم وإن كان عمران أبا مريم فإنه اصطفى مريم بولادة عيسى من غير أب، وذلك لم يكن لأحد من العالمين والله أعلم. فصل ذكر الحليمي في كتابه - المنهاج للأنبياء - قال: لا بد وأن يكونوا مخالفين لغيرهم في القُوَى الجسمانية، والقوى الروحانية، أما القوى الجسمانية، فهي إما مُدْرِكة، وإمَّا محرِّكة؛ أما المدركة فهي إما الحواس الظاهرة، وإما الحواس الباطنة، أما الحواس الظاهرة فهي خمسة: أحدها: القوة الباصرة، فكان صلى الله عليه وسلم مخصوصاً بكمال هذه الصفة، لقوله: "حديث : زويت لي الأرض، فأريت مشارقها ومغاربها" تفسير : وقوله: "حديث : أقيموا صفوفكم وتراصوا؛ فإني أراكم من وراء ظهري" تفسير : ونظير هذه القوة ما حصل لإبراهيم - عليه السلام - قال تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنعام: 75] وذكر في تفسيرها أنه - تعالى قَوَّى بصره حتى شاهد جميع الملكوت من الأعلى والأسفل. قال الحليمي: وهذا غير مُسْتبعَد؛ لأن البُصراء يتفاوتون، فيُرْوَى أن زرقاء اليمامةِ كانت تُبْصِر الشيء من مسيرة ثلاثة أيام، فلا يبعد أن يكون بَصَرُ النبي صلى الله عليه وسلم أقْوَى من بصرها. وثانيها: القوة السامعة، فكان - عليه السلام - أقوى الناسِ في هذه القوة؛ لقوله: "حديث : أطت السماء وحق لها أن تئط؛ ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد لله تعالى ". تفسير : وسمع أطيط السماء وسمع دوياً فذكر أنه هويّ صخرة قذفت في جهنم، فلم تبلغ مقرها إلى الآن. قال الحليمي: ولا سبيل للفلاسفة إلى استبعاد هذا؛ فإنهم زعموا أن فيثاغورث راضَ نفسه حتى سمع حفيف الفلك. ونظير هذه القوة لسليمان - عليه السلام - في قصة النملة حيث قالت: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ}تفسير : [النمل: 18] فالله - تعالى - أسمع سليمان كلامَ النملة، وأوقفه على معناه وحصل ذلك لمحمد صلى الله عليه وسلم حين تكلم مع الذئب والبعير والضَّبِّ. وثالثها: تقوية قوة الشَّمِّ، كما في حق يعقوب - حين قال: {أية : إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} تفسير : [يوسف: 94] فأحسّ بها من مسيرة ثلاثة أيامٍ. ورابعها: تقوية قوة الذوقِ، كما في حق نبيِّنَا صلى الله عليه وسلم حين قال: "حديث : إن هذا الذراع يخبرني بأنه مسموم ". تفسير : خامسها: تقوية قوة اللمس، كما في حق الخليل - عليه السلام - حيث جُعِلَتْ له النارُ بَرْداً وسلاماً وكيف يستبعد هذا ويُشَاهَد مثلُه في السَّمَنْدَل، والنعامة. وأما الحواس الباطنة فمنها: قوة الحفظ، قال تعالى: {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ} تفسير : [الأعلى: 6]، ومنها: قوة الذكاء: قال عليٌّ - رضي الله عنه -: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف باب من العلم، واستنبط من كلّ باب ألف باب. فإذا كان حال الولي هكذا فكيف حال النبي صلى الله عليه وسلم؟ أما القوى المحرِّكة، فمثل عروج الرسول إلى المعراج، وعروج عيسى حيًّا إلى السماء، ورَفْع إدريس وإلياس - على ما وردت به الأخبار - قال تعالى: {أية : قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ أَنَاْ ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} تفسير : [النمل: 40]. وأما القوة الروحانية العقلية، فلا بد أن تكون في غاية الكمال، ونهاية الصفاء، إذا عرفت هذا فقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحاً} معناه أن الله اصطفى آدم، إمَّا من سكان العالم السفلي - على قول من يقول: الملك أفضل من البشر - أو من سكان العالم العلويّ والسفليّ - على قول من يقول: البشر أفضل المخلوقات - ثم وضع كمال القوة الروحانية في شعبة معينة، من أولاد آدم، وهم شيث وأولاده، إلى إدريس، ثم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم، ثم حصل من إبراهيم شعبتان: إسماعيل وإسحاق فجعل إسماعيل مبدأ لظهور الروح القدسية لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وجعل إسحاق مبدأ لشعبتين يعقوب وعيصو، فوضع النبوة في نسل يعقوب ووضع الملك في نسل عيصو، واستمرَّ ذلك إلى زمان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فلما ظهر محمد نُقِل نور النبوة، ونور الملك إليه، وبقيا - أعني الدين والملك لا تباعد بينهما إلى قيام الساعة. فصل من الناس من قال: المرادُ بآل إبراهيم: المؤمنون، لقوله تعالى: {أية : أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [غافر: 46] والصحيح أن المراد بهم الأولاد: إسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم. وقيل: المراد بآل إبراهيم وآل عمران إبراهيم وعمران نفسهما؛ لقوله: {أية : وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَٰرُونَ} تفسير : [البقرة: 248]، وقوله: صلى الله عليه وسلم "حديث : لَقَد أعُطيَ مِزْمَاراً مِنْ مَزِامِيرِ آله دَاوُد ". تفسير : وقال الشاعر: [الطويل] شعر : 1412- وَلاَ تَنْسَ مَيْتاً بَعْدَ مَيْتٍ أجَنَّهُ عَلِيٌّ وعَبَّاسٌ وَآلُ أبِي بَكْرِ تفسير : وقال الآخر: [الوافر] شعر : 1413- يُلاَقِي مِنْ تَذَكر آل لَيْلَى كَمَا يَلْقَى السَّليمُ مِنَ العِدَادِ تفسير : وقيل: المراد من آل عمران عيسى - عليه السلام - لأن أمه ابنة عمران. وأما عمران فقيل: والد موسى، وهارون، وأتباعهما من الأنبياء. وقال الحسن ووهب: المراد عمران بن ماثان، أبو مريم، وقيل اسمه عمران بن أشهم بن أمون، من ولد سليمان وكانوا من نسل يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليهم الصلاة والسلام - قالوا: وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة واحتج من قال بأنه والد مريم بذكر قصة مريم عقيبه. قوله: {ذُرِّيَّةَ} في نَصْبها وجهان: أحدهما: أنها منصوبة على البدل مما قبلها، وفي المُبْدَل منه - على هذا - ثلاثة أوجه: أحدها: أنها بدل من "آدَمَ" وما عُطِفَ عليه وهذا إنَّمَا يتأتَّى على قول من يُطْلِق "الذُّرِّيَّة" على الآباء وعلى الأبناء وإليه ذَهَب جماعةٌ. قال الجرجاني: "الآية توجب أن تكون الآباء ذرية للأبناء والأبناء ذرية للآباء. وجاز ذلك؛ لأنه من ذرأ الخلق، فالأب ذُرِئ منه الولد، والولد ذرئ من الأب". قال الراغبُ: "الذرية يقال للواحد والجمع والأصل والنسل، لقوله تعالى: {أية : حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ} تفسير : [يس: 40] أي: آباءهم، ويقال للنساء: الذراريّ". فعلى هذين القولين صَحَّ جَعْل "ذُرِّيَّةٌ" بدَلاً من "آدم" بما عطف عليه. قال أبو البقاء: "ولا يجوز أن يكون بدلاً من "آدم"؛ لأنه ليس بذريته"، وهذا ظاهر إن أراد آدَمَ وحده دون مَنْ عُطِف عليه، وإن أراد "آدم" ومَنْ ذُكِرَ معه فيكون المانع عنده عدم جواز إطلاق الذُّرِّيَّة على الآباء. الثاني - من وجهي البدل - أنها بدل من "نُوح" ومَنْ عطف عليه، وإليه نحا أبو البقاء. الثالث: أنها بدل من الآلين - أعني آل إبراهيمَ وآل عمرانَ - وإليه نحا الزمخشريُّ. يريد أن الأولين ذرية واحدة. الوجه الثاني - من وجهي نصب "ذُرِّيَّةً" - النصب على الحال، تقديره: اصطفاهم حال كونهم بعضهم من بعض، فالعامل فيها اصطفى. وقد تقدم القول في اشتقاق هذه اللفظة. قوله: {بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ} هذه الجملة في موضع نصب، نعتاً لِـ "ذُرِّيَّةً". فصل قيل: {بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ} أي: بعضها من وَلَد بعض. وقال الحسن وقتادة: {بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ} في الضلالة. وقيل: في الاجتباء والاصطفاء والنبوة. وقيل: بعضها من بعض في التناصُر. وقيل: بعضها على دين بعض - أي: في التوحيد، والإخلاص، والطاعة كقوله {أية : ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ} تفسير : [التوبة: 67]، أي: بسبب اشتراكهم في النفاق. قوله: {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} قال القفَّال: والله سميع لأقوال العباد، عليم بضمائرهم، وأفعالهم، يصطفي من يعلم استقامته قولاً وفعلاً، ونظيره قوله: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}تفسير : [الأنعام: 124]. وقيل: إن اليهود كانوا يقولون: نحن من ولد إبراهيم، وآل عمران، فنحن أبناء الله، والنصارى كانوا يقولون المسيح ابن الله، وكان بعضهم عالماً بأن هذا الكلامَ باطل، إلا أنه بقي مصراً عليه، ليُطَيِّب قلوبَ العوامِّ، فكأنه - تعالى - يقول: والله {سَمِيعٌ} لهذه الأقوالِ الباطلةِ منكم، "عليم" بأغراضكم الفاسدةِ من هذه الأقوال، فيجازيكم عليها، فكان أول الآية بياناً لشرف الأنبياءِ والرسل وتهديداً لهؤلاء الكاذبين الذين يزعمون أنهم مستقرون على أديانهم.
البقاعي
تفسير : ولما كان أصل الإبداء نوراً علياً نزله الحق سبحانه وتعالى في رتب التطوير والتصيير والجعل إلى أن بدأ عالماً دنياوياً محتوياً على الأركان الأربعة والمواليد الثلاثة، وخفيت نورانيته في موجود أصنافه صفي الله سبحانه وتعالى من وجود كلية ذلك هذا الخلق الآدمي فكان صفي الله، فأنبأ الخطاب عن تصييره إلى الصفاء بالافتعال؛ انتهى - فقال سبحانه وتعالى: {إن الله} أي بجلاله وعظمته وكماله في إحاطته وقدرته {اصطفى} أي للعلم والرسالة عنه سبحانه وتعالى إلى خلقه والخلافة له في ملكه {آدم} أباكم الأول الذي لا تشكون في أنه خلقه من تراب، وهو تنبيه لمن غلط في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام على أن أعظم ما استغربوا من عيسى كونه من غير ذكر، وآدم أغرب حالاً منه بأنه ليس من ذكر ولا أنثى ولا من جنس الأحياء - كما سيأتي ذلك صريحاً بعد هذا التلويح لذي الفهم الصحيح. قال الحرالي: فاصفطاه من كلية مخلوقه الذي أبداه ملكاً وملكوتاً خلقاً وأمراً، وأجرى اسمه من أظهر ظاهره الأرضي وأدنى أدناه، فسماه آدم من أديم الأرض، على صيغة أفعل، التي هي نهاية كمال الآدمية والأديمية. فكان مما أظهر تعالى في اصطفاء آدم ما ذكر جوامعه علي رضي الله عنه في قوله: لما خلق الله سبحانه وتعالى أبان فضله للملائكة وأراهم ما اختصه به من سابق العلم من حيث علمه عند استنبائه إياه أسماء الأشياء فجعل الله سبحانه وتعالى آدم محراباً وكعبة وباباً وقبلة، أسجد له الأبرار والروحانيين الأنوار، ثم نبه آدم على مستودعه وكشف له خطر ما ائتمنه عليه بعد أن سماه عند الملائكة إماماً، فكان تنبيهه على خطر أمانته ثمرة اصطفائه - انتهى {ونوحاً} أباكم الثاني الذي أخرجه من بين أبوين شابين على عادتكم المستمرة فيكم. وقال الحرالي: أنبأ تعالى أنه عطف لنوح عليه الصلاة والسلام اصطفاء على اصطفاء آدم ترقياً إلى كمال الوجود الآدمي وتعالياً إلى الوجود الروحي العيسوي، فاصطفى نوحاً عليه الصلاة والسلام بما جعله أول رسول بتوحيده من حيث دحض الشرك وأقام كلمة الإيمان بقول "لا إله إلا الله"، لما تقدم بين آدم ونوح من عبادة الأصنام والأوثان، فكان هذا الاصطفاء اصطفاء باطناً لذلك الاصطفاء الظاهر فتأكد الاصطفاء وجرى من أهلكته طامة الطوفان مع نوح عليه الصلاة والسلام من الذر الآدمي مجرى تخليص الصفاوات من خثارتها، وكما صفي آدم من الكون كله صفي نوحاً عليه السلام وولده الناجين معه من مطرح الخلق الآدمي الكافرين الذين لا يلدون إلا فاجراً كفاراً، فلم يكن فيهم ولا في مستودع ذراريهم صفاوة تصلح لمزية الإخلاص الذي اختص بصفوته نوح عليه الصلاة والسلام {أية : وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح}تفسير : [الأحزاب: 7] فكان ميثاق نوح عليه السلام ما قام به من كلمة التوحيد ورفض الأصنام والطاغوت التي اتخذها الظلمانيون من ذر آدم، فتصفى بكلمة التوحيد النوارانيون منه، فكان نوح عليه الصلاة والسلام ومن نجا معه صفوة زمانه، كما كان آدم صفوة حينه - انتهى. ولما كان أكثر الأنبياء من نسل إبراهيم عليه الصلاة والسلام زاد في تعظيمه بقوله: {وآل إبراهيم} أي الذين أود فيهم الخوارق ولا سيما في إخراج الولد من بين شيخين كبيرين لا يولد لمثلهما، وفي ذلك إشارة إلى أن عيسى عليه الصلاة والسلام مثلهم لأنه أحدهم، وكذا قوله: {وآل عمران} في قوله: {على العالمين *} إشارة إلى أنه كسائر أقاربه منهم، وأفصح بذلك إفصاحاً جلياً في قوله: {ذرية بعضها من بعض} أي فهم كلهم من بني آدم، لا مزية لبعضهم على بعض في ذلك، لا مزية في شيء من ذلك، وأنتم لا تشكون فيه من شيء من الخصائص مما دون أمد عيسى عليه الصلاة والسلام، فما لكم لما خص سبحانه وتعالى آل عمران من بين العالمين بخرق العادة فيهم بإخراج ولد من أنثى فقط من غير ذكر لم تردوا ما لم تعرفوا منه إلى ما تعرفون من الخوارق حتى انجلى لكم واتضح لديكم؟ بل أشكل لعيكم وقامت فيكم قيامتكم بما يفضي إلى الشك في قدرة الإله الذي لا تشكون أن من شك في تمام قدرته كفر. وقال الحرالي: فإثبات هذه الجملة بتشابه وتماثل تتعالى عن نحوه الإلهية، فأبان هذا الخطاب في عيسى عليه الصلاة والسلام اصطفاء من جملة هذا الاصطفاء، فكما لم يقع فيمن سواه لبس من أمر ألإلهية فكذلك ينبغي أن لايقع فيه هو أيضاً لبس لمن يتلقن بيان الإحكام والتشابه من الذي أنزل الكتاب محكماً ومتشابهاً وأظهر الخلق بادياً وملتبساً ـ انتهى. وقد عاد سبحانه وتعالى بهذا الخطاب على أحسن وجه إلى قصة عيسى عليه الصلاة والسلام الذي نزلت هذه الآيات كلها في المجادلة في أمره والإخبار عن حمله وولادته وغير ذلك من صفاته التي يتنزه الإله عنها، وكراماته التي لا تكون إلا للقرب، فأخبر أولاً عن حال أمه وأمها وأختها وما اتفق لهن من الخوارق التي تمسك بوقوع مثلها من عيسى عليه السلام من كفر برفعه فوق طوره، ثم شرع في قص أمره حتى لم يدع فيه لبساً بوجه. وقال الحرالي: في التعبير عن اصطفاء إبراهيم ومن بعده عليهم الصلاة والسلام في إشعار الخطاب اختصاص إبراهيم عليه الصلاة والسلام بما هو أخص من هذا الاصطفاء من حيث انتظم في سلكه آله لاختصاصه هو بالخلة التي لم يشركه فيها أهل هذا الاصطفاء، فاختص نمط هذا الاصطفاء بآله، وهم - والله سبحانه وتعالى أعلم - إسحاق ويعقوب والعيص عليهم الصلاة والسلام ومن هو منهم من ذريتهم, لأن إسماعيل عليه السلام اختص بالوصلة بين إبراهيم الخليل ومحمد الحبيب صلوات الله وسلامه عليهم، فكان مترقى ما هو لهم من وراء هذا الاصطفاء، ولأن إنزال هذا الخطاب لخلق عيسى عليه الصلاة والسلام، وهو من ولد داود عليه الصلاة والسلام فيما يذكر، وداود من سبط لاوي بن إسرائيل عليهم الصلاة والسلام فيما ينسب، فلذلك - والله سبحانه وتعالى أعلم - جرى هذا الاصطفاء على آله، فظهر من مزية هذا الاصطفاء لآله ما كان من اصطفاء موسى عليه السلام بالتكليم وإنزال الكتاب السابق {أية : يا موسى إني اصطفيتك على الناس}تفسير : [الأعراف: 144] فكان هذا الاصطفاء استخلاص صفاوة من صفاوة نوح عليه الصلاة والسلام المستخلصين من صفاوة آدم عليه الصلاة والسلام، وآل عمران - والله سبحانه وتعالى أعلم - مريم وعيسى عليهما الصلاة والسلام ليقع الاصطفاء في نمط يتصل من آدم إلى عيسى عليهما الصلاة والسلام ليحوزوا طرفي الكون روحاً وسلالة، والعالمون علم الله الذي له الملك، فكما أن الملك لا بد له من علم يعلم به بدوه وظهوره جعل الله ما أبداه من خلقه علماً على ظهور ملكه بين يدي ظهور خلقه في غاية يوم الدين عاماً، وفي يوم الدنيا لمن شاء من أهل اليقين والعيان خاصاً، وأعلى معناه بما ظهر في لفظه من الألف الزائدة على لفظ العلم، فاصطفى سبحانه وتعالى آدم عليه الصلاة والسلام على الموجودين في وقته، وكذلك نوحاً وآل إبراهيم وآل عمران كلاًّ على عالم زمانه، ومن هو بعد في غيب لم تبد صورته في العالم العياني لم يلحقه بعد عند أهل النظر اسم العالم, وأشار سبحانه وتعالى بذكر الذرية من معنى الذرء الذي هو مخصوص بالخلق ليظهر انتظام عيسى عليه الصلاة والسلام في سلك الجميع ذرءاًَ، وأنه لا يكون مع الذرء لبس الإلهية، لأن الله سبحانه وتعالى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، فكان نصب لفظ الذرية تكييفاً لهذا الاصطفاء المستخلص على وجه الذر، وهو الذي يسميه النحاة حالاً - انتهى. ولما ذكر سبحانه وتعالى هؤلاء الذين اصطفاهم، وكان مدار أمر الاصطفاء على العلم، ومدار ما يقال لهم وفيهم مما يكون كفراً أو إيماناً على السمع ختم سبحانه وتعالى الآية بقوله عاطفاً على ما تقديره: فالله سبحانه وتعالى يفعل بإحاطته ما يريد: {والله} أي المحيط قدرة وعلماً {سميع عليم *} إشارة إلى أنه اصطفاهم على تمام العلم بهم ترغيباً في أحوالهم والاقتداء بأفعالهم وأقوالهم. ولما كان جل المقصود هنا بيان الكرامات في آل عمران لا سيما في الولادة، وكان آدم الممثل به عليه الصلاة والسلام قد تقدم بيان أمره في سورة البقرة سورة الكتاب المثمر للعلم، وكذا بيان كثير مما اصطفى به إبراهيم وآله عليهم الصلاة والسلام إذ كان معظم القصد بالكلام لذريته، وكان معظم المقصود من ذكر نوح عليه الصلاة والسلام كونه في عمود النسب، وليس في أمر ولادته ما هو خارج عن العادة قال طاوياً لمن قبل: {إذ} أي اذكر جواباً لمن يجادلك في أمرهم ويسألك عن حالهم حين {قالت امرأة عمران} وهي حامل. وقال الحرالي: لما اكن من ذكر في الاصطفاء إنما ذكر توطئة لأمر عيسى عليه الصلاة والسلام اختص التفصيل بأمر عيسى عليه الصلاة والسلام دون سائر من ذكر معه، وكان في هذه المناظرة بين الصورتين حظ من التكافؤ من حيث ذكر أمر خلق آدم عليه الصلاة والسلام في سورة البقرة، فذكر خلق المثل المناظر له في السورة المناظرة لسورة البقرة وهي هذه السورة، فعاد توقيت هذا القول إلى غاية هذا الاصطفاء، فأنبأ عن ابتداء ما اختص منه بعيسى عليه الصلاة والسلام من قول أم مريم امرأة عمران حين أجرى على لسانها وأخطر بقلبها أن تجعل ما في بطنها نذراً، ففصل ما به ختم من اصفطاء آل عمران، ولذلك عرفت أم مريم في هذا الخطاب بأنها امرأة عمران ليلتئم التفصيل بجملته السابقة {رب إني نذرت لك ما في بطني} وكان نذر الولد شائعاً في بني إسرائيل إلا أنه كان عندهم معهوداً في الذكور لصلاحهم لسدانة بيت الله والقيام به، فأكمل الله سبحانه وتعالى مريم لما كمل له الرجال - كما قال عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام "حديث : كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع"تفسير : فذكر مريم بنت عمران عليها السلام، فكان من كمالها خروج والدتها عنها، وكان أصله من الأم التي لها الإشفاق، فكان خروجها أكمل من خروج الولد لأنها لها في زمن الحمل والرضاع والتربية إلى أن يعقل الولد أباه فحينئذ يترقى إلى حزب أبيه، ولذلك - والله سبحانه وتعالى أعلم - أري إبراهيم عليه الصلاة والسلاح ذبح ولده عند تمييزه، وخرجت امرأة عمران عن حملها وهو في بطنها حين ما هو أعلق بها - انتهى. ونذرته لله تعالى حال كونه {محرراً} أي لا اعتراض ولا حكم لأحد من الخلق عليه، قال الحرالي: والتحرير طلب الحرية، والحرية رفع اليد عن الشيء من كل وجه، وفي الإتيان بصيغة التكثير والتكرير إشعار بمضي العزيمة في قطع الولاية عنه بالكلية لتسلم ولايته لله تعالى - انتهى. {فتقبل مني} ولما كان حسن إجابة المهتوف به الملتجأ إليه على حسب إحاطة سمعه وعلمه عللت سؤالها في التقبل بأن قصرت السمع والعلم عليه سبحانه فقالت: {إنك أنت} أي وحدك {السميع العليم *} فقالت كما قال سلفها إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام {أية : ربنا تقبل منا}تفسير : [البقرة: 127]، أي فلا يسمع أحد قولي مثل سمعك، ولا يعلم أحد نيتي مثل علمك ولا أنا، فإن كان فيهما شيء لا يصلح فتجاوز عنه. ولما أخبر بما اقتضى مضى عزمها قبل الوضع أخبر بتحقيقه بعده فقال: {فلما وضعتها قالت} أي تحسراً ذاكرة وصف الإحسان استمطاراً للامتنان {رب إني وضعتها} قال الحرالي: من الوضع وهو إلقاء الشيء المستثقل {أنثى} هي أدنى زوجي الحيوان المتناكح - انتهى. ولما كان الإخبار عادة إنما هو لمن لا يعلم الخبر بينت أن أمر الله سبحانه وتعالى ليس كذلك، لأن المقصود بإخباره ليس مضمون الخبر وإنما هو شيء من لوازمه وهنا التحسر فقالت: {والله} أي الذي له صفات الكمال. ولما كان المراد التعجيب من هذه المولودة بأنها من خوارق العادات عبرت عنها بما فقالت: {أعلم بما وضعت} وعبرت بالاسم الأعظم موضع ضمير الخطاب إشارة إلى السؤال في أن يهبها من كماله ويرزقها من هيبته وجلاله، وفي قراءة إسكان التاء الذي هو إخبار من الله سبحانه وتعالى عنها - كما قال الحرالي - إلاحة معنى أن مريم عليها الصلاة والسلام وإن كان ظاهرها الأنوثة ففيها حقيقة المعنى الذي ألحقها بالرجال في الكمال، حتى كانت ممن كمل من النساء لما لا يصل إليه كثير من رجال عالمها، فكان في إشعاره أن الموضوع كان ظاهره ذكراً وحقيقته أنثى. ولما كان مقصودها مع إمضاء نذرها بعد تحقق كونها أنثى التحسر على ما فاتها من الأجر في خدمة البيت المقدس بما يقابل فضل قوة الذكر على الأنثى وصلاحيته للخدمة في كل أحواله قالت: {وليس الذكر} أي الذي هو معتاد للنذر وكنت أحب أن تهبه لي لأفوز بمثل أجره في هذا الفرض في قوته وسلامته من العوارض المانعة من المكث في المسجد ومخالطة القومة {كالأنثى} التي وضعتها، وهي داخلة في عموم النذر بحكم الإطلاق في الضعف وعارض الحيض ونحوه فلا ينقص يا رب أجري بسبب ذلك، ولو قالت: وليست الأنثى كالذكر، لفهم أن مرادها أن نذرها لم يشملها فلا حق للمسجد فيها من جهة الخدمة. قال الحرالي: وفي إشعار هذا القول تفصل مما تتخوفه أن لا يكون ما وضعته كفافاً لنذرها، لما شهدت من ظاهر أنوثة ما وضعت، فجعلها الله سبحانه وتعالى لها أكمل مما اشتملت عليه عزيمتها من رتبة الذكورة التي كانت تعهدها، فكانت مريم عليها السلام أتم من معهود نذرها مزيد فضل من ربها عليها بعد وفاء حقيقة مقصودها في نذرها - انتهى. ويجوز أن يكون هذا من كلام الله سبحانه وتعالى كالحالية التي قبله إذا أسكنت التاء، والتقدير: قالت كذا والحال أن الله أعلم منها بما وضعت، والحال أيضاً أنه ليس الذكر الذي أرادته بحكم معتاد النذر كالأنثى التي وهبت لها فدخلت فيه بحكم إطلاقه، بل هي أعلى، لأن غاية ما تعرفه من المنذورين أن يكون كأنبيائهم المقررين لحكم التوراة، وهذه الأنثى مع ما لها من العلو في نفسها ستكون سبباً في السؤال في نبي هو أعظم أنبيائهم، وتلد صاحب شريعة مستقلة، ثم يكون مقرراً لأعظم الشرائع. ولما تم ما قالته عند الوضع او قاله الله في تلك الحالة أتم سبحانه وتعالى الخبر عن بقية كلامها وأنها عدلت عن مظهر الجلالة إلى الخطاب على طريق أهل الحضرة، وأكدت إعلاماً بشدة رغبتها في مضمون كلامها فقال حاكيا: {وإني سميتها مريم} ومعنى هذا الاسم بلسانهم: العابدة. قال الحرالي: فيه إشعار بأن من جاء بشيء أو قربه فحقه أن يجعل له اسماً، ورد أن السقط إذا لم يسم يطالب من حقه أن يسميه فيقول: يا رب! أضاعوني، فكان من تمام أن وضعتها أن تسميها، فيكون إبداؤها لها وضع عين وإظهار اسم، لما في وجود الاسم من كمال الوجود في السمع كما هو في العين، ليقع التقرب والنذر بما هو كامل الوجود عيناً واسماً. ولما كانت محررة لله سبحانه وتعالى كان حقاً أن يجري الله سبحانه وتعالى إعاذتها قولاً كما هو جاعلها معاذة كوناً من حيث هي له، وما كان في حمى الملك لا يتطرق إليه طريدة فقالت: {وإني أعيذها بك} وفي قوله: {وذريتها} إشعار بما أوتيته من علم بأنها ذات ذرية، فكأنها نطقت عن غيب من أمر الله سبحانه وتعالى مما لا يعلمه إلا الله، فهو معلمه لمن شاء. ولما كان من في حصن الملك وحرزه بجواره بعيداً ممن أحرقه بنار البعد وأهانه بالرجم حققت الإعاذة بقولها: {من الشيطان الرجيم *} وفي هذا التخليص لمريم عليها السلام بالإعاذة ولذريتها حظ من التخليص المحمدي لما شق صدره ونبذ حظ الشيطان منه وغسل قلبه بالماء والثلج في البداية الكونية، وبماء زمزم في البداية النبوية عند الانتهاء الكوني، فلذلك كان لمريم ولذريتها بمحمد صلى الله عليه وسلم اتصال واصل؛ قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، من أجل أنه ليس بيني وبينه نبي، وبما هو حكم أمامه في خاتمة يومه وقائم من قومه دينه ". تفسير : ولما أخبر بدعائها أخبر بإجابتها فيه فقال: {فتقبلها} فجاء بصيغة التفعل مطابقة لقولها {فتقبل}، ففيه إشعار بتدرج وتطور وتكثر، كأنه يشعر بأنها مزيد لها في كل طور تتطور إليه، من حيث لم يكن فاقبل مني فلم تكن إجابته {فقبلها}، فيكون إعطاء واحداً منقطعاً عن التواصل والتتابع، فلا تزال بركة تحريرها متجدداً لها في نفسها وعائداً بركته على أمها حتى تترقى لى العلو المحمدي فيتكون في أزواجه ومن يتصل به - انتهى. وجاء بالوصف المشعر بالإحسان مضافاً إليها إبلاغاً في المعنى فقال: {ربها} قال الحرالي: وظهر سر الإجابة في قوله سبحانه وتعالى: {بقبول حسن} حيث لم يكن "بتقبل" - جرياً على الأول. ولما أنبأ القبول عن معنى ما أوليته باطناً أنبأ الإنبات عما أوليته ظاهراً في جسمانيتها، وفي ذكر الفعل من "أفعل" في قوله: {وأنبتها} والاسم من "فعل" في قوله: {نباتاً حسناً} إعلام بكمال الأمرين من إمدادها في النمو الذي هو غيب عن العيون وكمالها في ذاتية النبات الذي هو ظاهر للعين، فكمل في الإنباء والوقوع حسن التأثير وحسن الأثر، فأعرب عن إنباتها ونباتها معنى حسناً - انتهى. فوقع الجواب لأنها عناية من الله سبحانه وتعالى بها على ما وقع سؤالها فيه، فلقد ضل وافترى من قذفها وبهتها، وكفر وغلا من ادعى في ولدها من الإطراء ما ادعى. وقال الحرالي: وقد أنبأ سبحانه وتعالى في هذه السورة الخاصة بقصة مريم عليها الصلاة والسلام من تقبلها وإنباتها وحسن سيرتها بما نفي اللبس في أمرها وأمر ولدها، لأن المخصوص بمنزل هذه السورة ما هو في بيان رفع اللبس الذي ضل به النصارى، فيذكر في كل سورة ما هو الأليق والأولى بمخصوص منزلها، فلذلك ينقص الخطاب في القصة الواحدة في سورة ما يستوفيه في سورة أخرى لاختلاف مخصوص منزلها، كذلك الحال في القصص المتكررة في القرآن من قصص الأنبياء وما ذكر فيه لمقصد الترغيب والتثبيت والتحذير وغير ذلك من وجوه التنبيه - انتهى، وفيه تصرف. ولما كان الصغير لا بد له فيما جرت به العادة من كبير يتولى أمره قال: {وكفلها} قال الحرالي: من الكفل وهو حياطة الشيء من جميع جهاته حتى يصير عليه كالفلك الدائر {زكريا} وفي قراءة التشديد إنباء بأن الله سبحانه وتعالى هو في الحقيقة كفيلها بما هو تقبلها، وفي استخلاص لزكريا من حيث جعله يد وكالة له فيها - انتهى. ولما كان من شأن الكفيل القيام بما يعجز عنه المكفول بين سبحانه وتعالى أن تلك الكفالة إنما كانت جرياً على العوائد وأنه تبين أن تقبل الله لها أغناها عن سواه فقال في جواب من لعله يقول: ما فعل في كفالتها؟: {كلما} أي كان كلما {دخل عليها زكريا المحراب} أي موضع العبادة. وقال الحرالي: هو صدر البيت ومقدمه الذي لا يكاد يوصل إليه إلا بفضل منه وقوة وجهد حرب {وجد عندها رزقاً} وذلك كما وجد عند خبيب بن عدي الأنصاري رضي الله تعالى عنه قطف العنب - كما سيأتي في آخر المائدة، ومثل ذلك كثير في هذه الأمة، وفي هذه العبارة أي من أولها إلاحة لمعنى حسن كفالته وأنه كان يتفقدها عند تقدير حاجتها إلى الطعام بما تفيده كلمة {كلما} من التكرار، فيجد الكفيل الحق قد عاجلها برزق من غيب بما هو سبحانه وتعالى المتولي لإنباتها ليكون نباتها من غيب رزقه فتصلح لنفخ روحه ومستودع كلمته، ولا يلحقها بعد الإعاذة ما فيه مس من الشيطان الرجيم الذي أعاذها الله سبحانه وتعالى منه بكثرة الاختلاط في موجودات الأرزاق، فكان من حفظها أن تولى الله سبحانه وتعالى أرزاقها من غيب إلا ما يطيبه من باد، وليكون حسن نباتها من أحسن رزق الله سبحانه وتعالى كما يقال: من غذي بطعام قوم غذي بقلوبهم ومن غذي بقلوبهم آل إلى منقلبهم، وكانت هي مثل ما كفلها كافلها ظاهراً كفلته باطناً حين أبدى الله سبحانه وتعالى له من أمره ما لم يكن قبل بداً له، فكان لمريم عليها الصلاة والسلام توطئة في رزقها لما يكون كماله في حملها فيكون رزقها بالكلمة ابتداء ليكون حملها بالكلمة، فعند ذلك طلب زكريا عليه السلام نحو ما عاين لها من أن يرزقه الولد في غير إبّانه كما رزق مريم الرزق في غير أوانه، وفي تعيين محلها بالمحراب ما يليح معنى ما ذكر من رجوليتها باطناً من حيث إن محل النساء أن يتأخرن فأبدى الله سبحانه وتعالى في محلها ذكر المحراب إشارة بكمالها، والمحراب صدر البيت المتخذ للعبادة، ويف لزومها لمحرابها في وقت تناول الرزق إعلام بأن الحبيس والمعتكف بيته محرابه ومحرابه بيته، بخلاف من له متسع في الأرض ومحل من غير بيت الله، إنما المساجد بيوت أهل الله المنقطعين إليه، فهو محلهم في صلاتهم ومحلهم في تناول أرزاقهم، ففيه إشعار بحضورها، وحضور أهل العكوف حضور سواء في صلاتهم وطعامهم، ولذلك أنمى حال العبد عند ربه بما هو عليه في حال تناول طعامه وشرابه، فأهل الله سواء محياهم ومماتهم وأكلهم وصلاتهم، من غفل عند طعامه قلبه لم يستطع أن يحضر في صلاته قلبه، ومن حضر عند طعامه قلبه لم يغب في صلاته قلبه، وفي ذكر الرزق شائعاً إشعار بأنها أنواع من أرزاق من حيث إنه لو اختص يخص به ما هو أخص من هذا الاسم - انتهى. ولما كان كأنه قيل: فما كان يقول لها إذا رأى ذلك؟ قيل: كان كلما وجد ذلك، أو: لما تكرر وجدانه لذلك {قال يا مريم أنّى} أي من أين {لك هذا} قال الحرالي: كلمة أنى تشعر باستغرابه وجود ذلك الرزق من وجوه مختلفة: من جهة الزمان أنه ليس زمانه، ومن جهة المكان أنه ليس مكانه، ومن جهة الكيف ووصوله إليها أنه ليس حاله، وفي ذكر الضمير في قوله: {قالت هو من عند الله} إيذان بنظرها إلى مجموع حقيقة ذلك الرزق لا إلى أعيانه، فهو إنباء عن رؤية قلب، لا عن نظر عين لأن هو كلمة إضمار جامعة لكل ما تفصلت صورة مما اتحد مضمره، ولما لم يكن من معهود ما أظهرته حكمته سبحانه مما يجريه على معالجات أيدي الخلق قالت {من عند الله} ذي الجلال والإكرام، لأن ما خرج من معهود معالجة الحكمة فهو من عنده، وما كان مستغرباً فيما هو من عنده فهو من لدنه، فهي ثلاث رتب: رتبة لدنية، ورتبة عندية، ورتبة حكمية عادية؛ فكان هذا وسط الثلاث - كما قال تعالى: {أية : آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنه علماً} تفسير : [الكهف: 65] حيث كان مستغرباً عند أهل الخصوص كما قال:{أية : أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً}تفسير : [الكهف: 71] والإمر العجب، ولعلو رتبته عن الرتبة العادية جرى النبأ عنه مضافاً إلى الاسم العظيم الذي هو مسمى الأسماء كلها من حيث لم يكن {من عند ربي} لما في ذكر اسم الربوبية من إشعار بمادة أو قريب منها أو ما كان من نحوها كما قال {أية : هذا من فضل ربي} تفسير : [النمل: 40] لما كان من عادته المكنة على الملوك، وكان ممكناً فيما أحاط به موجود الأركان الأربعة - انتهى. ولما أخبرت بخرقه سبحانه وتعالى لها العادة عللت ذلك بقولها مؤكدة تنبيهاً على أن ذلك ليس في قدرة ملوك الدنيا: {إن الله} أي الذي له الإحاطة الكلية. قال الحرالي: في تجديد الاسم العظيم في النبأ إشعار باتساع النبأ وإيذان وإلاحة بأن ذلك يكون لك ولمن شاء الله كما هو لي بما شاء الله، من حيث لم يكن أنه فيكون مليحاً لاختصاص ما بها، ويؤيده عموم قولها: {يرزق من يشاء} وقولها: {بغير حساب *} يشعر بأنه عطاء متصل، فلا يتحدد ولا يتعدد، فهو رزق لا متعقب عليه، لأن كل محسوب في الإبداء محاسب عليه في الإعادة، فكان في الرزق بغير حساب من علاج الحكمة بشرى برفع الحساب عنهم في المعاد وكفالة بالشكر عنه، لأن أعظم الشكر لرزق الله سبحانه وتعالى معرفة العبد بأنه من الله تعالى، إنما يشكر رزق الله من أخذه من الله سبحانه وتعالى - انتهى. ولما كان كأنه قيل: فما قال زكريا حينئذ؟ قيل: {هنالك} أي في ذلك الوقت وذلك المكان العظيمي المقدار {دعا زكريا ربه} تذكراً لما عودهم الله سبحانه وتعالى به من الإكرام، فظهرت عليه كرامات هذه الكفالة، قال الحرالي: لما أشهده الله سبحانه وتعالى أنه يخرق عادته لمن شاء بكلمته في حق كفيلته في الظاهر، الكافلة له في هذا المعنى، دعا ربه الذي عوده بالإحسان أن يرزقه ولداً في غير إبانه كما رزق مريم رزقاً في غير زمانه فوجب دعاؤه - انتهى. {قال رب} أي الذي عودني بإحسانه {هب لي من لدنك} قال الحرالي: طلب عليه من باطن الأمر كما قال سبحانه وتعالى: {أية : وعلمناه من لدنا علماً}تفسير : [الكهف: 65]، وكما قال فيه {أية : وحناناً من لدنا}تفسير : [مريم: 13]، لأن كل ما كان من لدن فهو أبطن من عند {ذرية} فيه إشعار بكثرة ونسل باق، فأجيب بولد فرد لما كان زمان انتهاء في ظهور كلمة الروح وبأنه لا ينسل فكان يحيي حصوراً لغلبة الروحانية على إنسانيته - انتهى. {طيبة} أي مطيعة لك لأن ذلك طلبة أهل الخصوص، ثم علل إدلاله على المقام الأعظم بالسؤال بقوله: {إنك سميع الدعاء} أي مريده ومجيبه لأن من شأن من يسمع - ولم يمنع - أن يجب إذا كان قادراً كاملاً، وقد ثبتت القدرة بالربوبية الكاملة التي لا تحصل إلا من الحي القيوم، بخلاف الأصنام ونحوها مما عبد فإنها لا تسمع، ولو سمعت لم تقدر على الإجابة إلى ما تسأل فيه لأنها مربوبة. قال الحرالي: أعلم الداعي بما لله سبحانه وتعالى من الإجاة، والقرب "وسيلة في قبول" دعائه - انتهى.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله {وآل إبراهيم وآل عمران} قال: هم المؤمنون من آل إبراهيم، وآل عمران، وآل ياسين، وآل محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: ذكر الله أهل بيتين صالحين، ورجلين صالحين، ففضلهم على العالمين، فكان محمد صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم. وأخرج ابن جرير وأبي أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: فضلهم الله على العالمين بالنبوّة على الناس كلهم، كانوا هم الأنبياء الأتقياء المطيعين لربهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {ذرية بعضها من بعض} قال: في النية، والعمل، والإخلاص، والتوحيد. وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده، أن علياً قال للحسن قم فاخطب الناس قال: إني أهابك أن أخطب وأنا أراك. فتغيب عنه حيث يسمع كلامه ولا يراه، فقام الحسن فحمد الله وأثنى عليه وتكلم. ثم نزل فقال علي رضي الله عنه {ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم}. وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس في قوله {إن الله اصطفى} يعني اختار من الناس لرسالته {آدم ونوحاً وآل إبراهيم} يعني إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط {وآل عمران على العالمين} يعني اختارهم للنبوّة والرسالة على عالمي ذلك الزمان. فهم ذرية بعضها من بعض، فكل هؤلاء من ذرية آدم، ثم ذرية نوح، ثم من ذرية إبراهيم {إذ قالت امرأة عمران} بن ماثان واسمها حنة بنت فاقوذ. وهي أم مريم {رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً} وذلك أن أم مريم حنة كانت جلست عن الولد والمحيض، فبينما هي ذات يوم في ظل شجرة إذ نظرت إلى طير يزق فرخاً له، فتحركت نفسها للولد، فدعت الله أن يهب لها ولداً، فحاضت من ساعتها، فلما طهرت أتاها زوجها، فلما أيقنت بالود قالت: لئن نجاني الله ووضعت ما في بطني لأجعلنه محرراً. وبنو ماثان من ملوك بني إسرائيل من نسل داود. والمحرر لا يعمل للدنيا، ولا يتزوّج، ويتفرغ لعمل الآخرة. يعبد الله تعالى، ويكون في خدمة الكنيسة، ولم يكن محرراً في ذلك الزمان إلا الغلمان. فقالت لزوجها: ليس جنس من جنس الأنبياء إلا وفيهم محرر غيرنا، وإني جعلت ما في بطني نذيرة تقول: نذرت أن أجعله لله فهو المحرر. فقال زوجها: أرأيت أن كان الذي في بطنك أنثى ـ والأنثى عورة - فكيف تصنعين؟ فاغتمت لذلك فقالت عند ذلك {رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً فتقبل مني إنك السميع العليم} يعني تقبل مني ما نذرت لك. {فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى} والأنثى عورة، ثم قالت {وإني سميتها مريم} وكذلك كان اسمها عند الله {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} يعني الملعون، فاستجاب الله لها، فلم يقربها الشيطان ولا ذريتها عيسى. قال ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل ولد آدم ينال منه الشيطان يطعنه حين يقع بالأرض بأصبعه لما يستهل، إلا ما كان من مريم وابنها لم يصل إبليس إليهما"تفسير : قال ابن عباس: لما وضعتها خشيت حنة أم مريم أن لا تقبل الأنثى محررة، فلفتها في الخرقة ووضعتها في بيت المقدس عند القراء، فتساهم القراء عليها لأنها كانت بنت إمامهم، وكان إمام القراء من ولد هرون. أيهم يأخذها فقال زكريا ـ وهو رأس الأحبار ـ أنا آخذها وأنا أحقهم بها لأن خالتها عندي ـ يعني أم يحيى ـ فقال القراء: وإن كان القوم من هو أفقر إليها منك؟ ولو تركت لأحق الناس بها تركت لأبيها ولكنها محررة، غير أنا نتساهم عليها فمن خرج سهمه فهو أحق بها، فقرعوا ثلاث مرات بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها الوحي {أيهم يكفل مريم} يعني أيهم يقبضها فقرعهم زكريا. وكانت قرعة أقلامهم أنهم جمعوها في موضع ثم غطوها فقالوا لبعض خذم بيت المقدس من الغلمان الذين لم يبلغوا الحلم: أدخل يدك فأخرج قلماً منها، فأدخل يده فأخرج قلم زكريا فقالوا: لا نرضى ولكن نلقي الأقلام في الماء فمن خرج قلمه في جرية الماء ثم ارتفع فهو يكلفها. فألقوا أقلامهم في نهر الأردن، فارتفع قلم زكريا في جرية الماء فقالوا: نقترع الثالثة فمن جرى قلمه مع الماء فهو يكلفها. فألقوا أقلامهم، فجرى قلم زكريا مع الماء، وارتفعت أقلامهم في جرية الماء وقبضها عند ذلك زكريا. فذلك قوله {وكفلها زكريا} يعني قبضها ثم قال {فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً} يعني رباها تربية حسنة في عبادة وطاعة لربها حتى ترعرعت، وبنى لها زكريا محراباً في بيت المقدس، وجعل له بابه في وسط الحائط لا يصعد إليها إلا بسلم. وكان استأجر لها ظِئْراً، فلما تم لها حولان فطمت وتحركت، فكان يغلق عليها الباب والمفتاح معه لا يأمن عليه أحداً، لا يأتيها بما يصلحها أحد غيره حتى بلغت". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن عساكر عن عكرمة قال: اسم أم مريم حنة. وأخرج الحاكم عن أبي هريرة قال: حنة ولدت مريم أم عيسى. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {نذرت لك ما في بطني محرراً} قال: كانت نذرت أي تجعله في الكنيسة يتعبد بها، وكانت ترجو أن يكون ذكراً. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: نذرت أي تجعله محرراً للعبادة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {محرراً} قال: خادماً للبيعة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من وجه آخر عن مجاهد في قوله {محرراً} قال: خالصاً لا يخالطه شيء من أمر الدنيا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: كانت امرأة عمران حررت لله ما في بطنها، وكانوا إنما يحررون الذكور، وكان المحرر إذا حرر جعل في الكنيسة لا يبرحها، يقوم عليها ويكنسها، وكانت المرأة لا تستطيع أن تصنع بها ذلك لما يصيبها من الأذى، فعند ذلك قالت {وليس الذكر كالأنثى}. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير {محرراً} قال: جعلته لله والكنيسة فلا يحال بينه وبين العبادة. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال: كانت المرأة في زمان بني إسرائيل إذا ولدت غلاماً أرضعته حتى إذا أطاق الخدمة دفعته إلى الذين يدرسون الكتب، فقالت: هذا محرر لكم يخدمكم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: إن امرأة عمران كانت عجوزاً عاقراً تسمى، حنة، وكانت لا تلد، فجعلت تغبط النساء لأولادهن فقالت: اللهم إن عليَّ نذراً شكراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس، فيكون من سدنته وخدامه {فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى... وليس الذكر كالأنثى} يعني في المحيض ولا ينبغي لامرأة أن تكون مع الرجال، ثم خرجت أم مريم تحملها في خرقتها إلى بني الكاهن ابن هارون أخي موسى قال: وهم يومئذ يلون من بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فإني حررتها وهي ابنتي ولا يدخل الكنيسة حائض، وأنا لا أردها إلى بيتي فقالوا: هذه ابنة إمامنا ـ وكان عمران يؤمهم في الصلاة ـ فقال زكريا: ادفعوها إليَّ فإن خالتها تحتي فقالوا: لا تطيب أنفسنا بذلك. فذلك حين اقترعوا عليها بالأقلام التي يكتبون بها التوراة، فقرعهم زكريا فكفلها. وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس أنه كان يقرأ {والله أعلم بما وضعت}. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك أنه قرأ {بما وضعت} برفع التاء. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم بن أبي النجود أنه كان يقرؤها برفع التاء. وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد عن سفيان بن حسين {والله أعلم بما وضعت} قال: على وجه الشكاية إلى الرب تبارك وتعالى. وأخرج عبد بن حميد عن الأسود أنه كان يقرؤها {والله أعلم بما وضعت} بنصب العين. وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم أنه كان يقرؤها {والله أعلم بما وضعت} بنصب العين. أما قوله تعالى: {وإني أعيذها} الآية. أخرج عبد الرزاق وأحمد والبخاري ومسلم وابن جرير وأبي المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد، فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها" تفسير : ثم قال أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم}. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : كل مولود من ولد آدم له طعنة من الشيطان وبها يستهل الصبي، إلا ما كان من مريم بنت عمران وولدها، فإن أمها قالت حين وضعتها {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} فضرب بينهما حجاب، فطعن في الحجاب " تفسير : وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من مولود يولد إلا وقد عصره الشيطان عصرة أو عصرتين إلا عيسى ابن مريم ومريم. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: ما ولد مولود إلا قد استهل غير المسيح ابن مريم لم يسلط عليه الشيطان ولم ينهزه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن عساكر عن وهب بن منبه قال: لما ولد عيسى عليه السلام أتت الشياطين إبليس فقالوا: أصبحت الأصنام قد نكست رؤوسها فقال: هذا حدث مكانكم. فطار حتى جاب خافقي الأرض فلم يجد شيئاً، ثم جاء البحار فلم يقدر على شيء، ثم طار أيضاً فوجد عيسى عليه السلام قد ولد عند مدود حمار، وإذا الملائكة قد حفَّت حوله، فرجع إليهم فقال إليهم فقال: إن نبياً قد ولد البارحة ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا وأنا بحضرتها إلا هذا. فأيسوا أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة ولكن ائتوا بني آدم من قبل الخفة والعجلة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر "حديث : عن قتادة في قوله {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} قال: "ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل بني آدم طعن الشيطان في جنبه إلا عيسى ابن مريم وأمه، جعل بينهما وبينه حجاب فأصابت الطعنة الحجاب ولم ينفذ إليهما شيء. وذكر لنا أنهما كانا لا يصيبان الذنوب كما يصيبه سائر بني آدم. وذكر لنا أن عيسى عليه السلام كان يمشي على البحر كما يمشي على البر، مما أعطاه الله من اليقين والإِخلاص "تفسير : . وأخرج ابن جرير عن الربيع {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كل آدمي طعن الشيطان في جنبه غير عيسى وأمه كانا لا يصيبان الذنوب كما يصيبها بنو آدم قال: وقال عيسى عليه السلام فيما يثني على ربه: وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم فلم يكن له علينا سبيل ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: لولا أنها قالت {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} إذن لم تكن لها ذرية.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحًا} [الآية: 33]. قال الواسطى: اصطفاهُم للولاية، وقال: اصطفاهُم فى أزليّته وصفاهم لقربهِ وصفاهم لمودته. وقال أيضًا: اصطفاهُ فى الأزَل قبل كونه، فأعلم بهذا خلقه أن عصيان آدم لا يؤثر فى اصطفائه له، لأنه سبق العصيانُ مع علم الحق له بما يكونُ منه. وقال أيضًا: اصطفى الأنبياءَ بالمشاهدة والتقريب، واصطفى المؤمنين للمطالعةِ والتهذيب، واصطفى العام للمخاطبة والترتيب. قال النصرآباذى: إذا نظرت إلى آدم بصفته لقيته بقوله: { أية : وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ } تفسير : [طه: 121] وإذا لقيته بصفة الحق لقيتهُ بقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ} وماذا يؤثر العصيانُ فى الاصطفاء؟ قال الواسطى: الاصطفاءُ قائم بالحق، والمعصيةُ إظهار البشرية وتوبتُه أعجب لأنه من نفسه إلى نفسه رَجعَ.
القشيري
تفسير : اتفق آدم وذريته في الطينة، وإنما الخصوصية بالاصطفاء الذي هو من قِبَلِه، لا بالنَّسَب ولا بالسبب.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحاً} الاية اصطفى ادم بعلم الصفات وكشف جمال للذات وقيل خلق الخلق فى ازل الازال فاذا اراد خلق روحه ونظر بجماله الى جلاله ونظر بجلاله الى تجماله فظهر بين النظرين روح أدم فخلقها بصفة الخاص ونفخ فى روحه وروحا وهو علم الصفات يفعل الخاص الذى يتعلق بالذات وخلق ايضا صورته بصفاة الخاص ونفخ فيها روح الاول وروح الثانى فوصف روحه فقال ونفخت فيه من ورحى ووصف صورته فقال خلقت بيدى فسبق بهذه الصفات من الملائكة الكرام البردة البسه خلعة خلافته واسجدوا له ملائكته لاجل هذا التخصيص كرامة له وتشريفا وتفضيلا على مشائخ الملكوت وقال انى جاعل فى الارض خليفة وقال سجدوا لأدم لا توثر فى نعوت الازل طوارقات الحدوث ما دام الاصفطاء بهذه الصفة سابق له وايضا اصطفاهم لنفسه عن خلقه لموقع الخطاب وكشف النقاب لاستعداهم تحمل اثقال امانته والتعمق فى بحار ازليته والسيران فى ميادين وحدانيته والطيران فى هواء فوقانيته لطلب كشف احديته وجمال سر مديته والاشارة فى نوح وأل ابراهيم ان لاصطفاء من سبب المحبة الازلية لا من جهة الانساب المحدثية كما قال الاستاد رحمة الله عليه اتفق أدم وذريته فى الطبقة وانما الخصوصية بالاصطفاء الذى هو من قبله لا بالنسب والسبب وقال الفارس اصطفاهم على الناس لثبوته واستخلصهم لرسالته فهو المعبوثون الى خلقه رحمة عن اوليائه وحجة على اعدائه هم الدعاة الى الله بالحكمة والموعظة مبشرين عباده جزيل الثواب منذرين اليم العقاب لئى يكون للناس على الله حجة بعد الرسل اذلو شاء لهداهم اجمعين قال الواسطى اصطفاهم للولاية وقال ياضا واصطفاهم فى ازلية وصفاهم لقربة وصافاهم لمودية وقال ايضا اصطفاء فى ازل قبل كونه اعلم بهذا خلقه ان عصيان أدم لا يوثر فى اصطفائيته لدانه سبق العصيان مع علم الحق بما يكون منه وقال ايضا اطفى الانبياء للمشاهدة والتقهب واصطفى المؤمنين للمطالعة والتهذيب واصطفى العالم للمخاطبة والترتيب وقال النصر ابدى اذى انظرت الى أدم بصفه لقيته بقوله وعصى أدم ربه واذا القيته بصفة الحق لقيته بقوله ان الله اصطفى أدم وماذا يوثر العصيان فى الاصطفاء وقال الواسطى الاصطفائية قائم بالحق والمعصية اظهار البشرية وتوبة اعجب لانه من نفسه اى نفسه جرع قوله تعالى {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً} اى حرا عن رق النفس مقدسا عن مس الشيطان صافيا لك عما سواك مخلصا فى مودتك صادقا فى طاعتك موافقا لخدمتة اوليائك وايضا حرافى مقام مشاهدتك عن الاشتغال بخدمتك ليكون لك خالصا فى حظ الربوبية وايضا حرا فى مقام عبوديتك بنعت محبتك منفردا عن الاشتغال بالجنة النار حتى يكون فى عبادتك لك مفرد عن الالتفات شئ غيرك وايضا ايقنت اسرار باطنها وقوع الانثى وان لم يعلمها بنص العقل فقالت احررت لك لانها موقع كلمتك يعنى عيسى عليه السلام ولا ينبغى لمن حمل حرا الا ان يكون هو ايضا حرا قال الاستاد المحرر الذى ليس فى رق شئ من المخلوقات حرره الحق فى سابق حكمه عن رق الاشتغال بجميع الوجود والاحوال قال جعفر محر راى عتيقا من رق الدينا واهلها وقال محمد بن على فى انى نذرت لك ما فى بطنى محر راى يكون لك عبد مخلصا ومن كمان خالصا لك مان حرا ما سواك وسئل سهل بن عبد الله عن المحر فقال هو المعتق من ارداة نفسه ومتابعة هواه وقال النورى اى خادما لاهل صفوتك قال ابو عثمان محررا عن شغلى به وتدبيرى له فيكون مسلما الى تدبيرك فيه حسن اتخيارك له وقال محمد بن الفضل محررا عن الاشتغال بالمكاسبق قوله تعالى {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} قبول الحق لها انه اخلصها العبادة وجعلها محل أتيه وكرامته ورباها فى حجر صفوة انبيائه وكشف لها من عظيم أياته ما لا يقوم بازائها اكثر اهل زمانها الانبياء وارسل اليها فى الظاهر ورح القدس حتى يعلمها حسن الادب ونفخ فيها روح الخاص الذى هو طير الانس حتى يكون لها دخيرةالمأب وقال جعفر يقبلها حتى يعجب الانبياء مع علو اقدارهم فى عظم شانها عند الله الا يرى ان زكريا قال لهخا انى لك هذا قالت هو من عند الله اى من عند من تقبلنى وقال الواسطى بقول حسن محفوظ قوله تعالى {وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً} من انبتها شجرة الربوبية وسقاها من مياه القدرة حتى اثمرها النبوة ليكون الثمرة حيوة الخلق لانها هى روح الحق يعنى عيسى وقيل اضاف الاحسان اليها فى الشرعية وفى الحقيقة حفظها انبتها وقال ابن عطا احسن النبات ما كان تمرته مثل عيسى روح الله وقال الاستاد فتقبلها ربها بقبول حسن حيث بلغها فوق ما تمنت امها وقيل القبول الحسن ان رباها على نعت العصمة حتى كانت بقبول اعوذ بالرحمن منك ان كنت تقيا وقال ايضا من اشارات القبول الحسن انها لم يكن توجد لا فى المحراب {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} لان خدمة الاولياء تحصل الا من الاولياء وايضا يوافقها فى جميع احوالها من الخلوة والمراقبة والسرو والنجوى والمشاهدة والمكاشفة {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً} يرزقها الله تعالى رزق الجنة فى الخلوة مكافاة للخدمة والعفة كرامة لها حتى لا يشغلها تولاه المخلوق ويكون فى حقيقة التوكل ما فه من الالتفات الى غير الحق وان كان نبيا مرسلا وقال الاستاد اذا دخل عليها زكريا يطعام وجد عندها رزقا ليعلم العالمون ان الله سبحانه لا يلقى شغل اوليائه الى غيره وقال من خدم وليا من اوليائه كان هو فى رفق اولى لا انه يكون عليه مشقة لاجل اوليائه وقال فى هذه اشارة لمن يخدم الفقراء لا ان الفقراء تحت خلقه {أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا} اى ابى عمل وجدت هذا {قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} خالصاً وجدته لا يكلفه العمل وعلة الكسب وايضا خاف عكليا ان تلك المنزلة من حيل الشيطان ففتش احوالها حتى يعلم حقيقة صدقها فقال انى لك هذا قالت ليس كما خطر ببالك انه من خصائص كرامات الله التى وهباها الى ليس فيها شئ من مخيلات الشيطان وقال الاستاد لم يكن يعتقد فيها زكريا استحقاق تلك المنزلة وكان يخاف ان غيره لعله انتهز فرصة تعهدها وسعة بكفاية شغلها.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الله اصطفى آدم} الاصطفاء اخذ ماصفا من الشىء كالاستصفاء اى اختار آدم بالنفس القدسية وما يليق بها من الملكات الروحانية والكمالات الجسمانية المستتبعة للرسالة فى نفس المصطفى كما فى كافة الرسل عليهم السلام او فيمن يلابسه وينشأ منه كما فى مريم او اصطفاه بان خلقه بيده فى احسن تقويم وبتعليم الاسماء واسجاد الملائكه اياه واسكانه الجنة {و} اصطفى {نوحا} بما ذكر من الوجه الاول او اصطفاه بكونه اول من نسخ الشرائع اذ لم يكن قبل ذلك تزويج المحارم حراما وباطلة عمرة وجعل ذريته هم الباقين استجابة دعوته فى حق الكفرة والمؤمنين وحمله على متن الماء {و} اصطفى {آل ابراهيم} وهو اسماعيل واسحق والانبياء من اولادهما الذين من جملتهم النبى صلى الله عليه وسلم ويفهم من اصطفائهم اصطفاء ابراهيم بطريق الاولوية {و} اصطفى {آل عمران} وهو عيسى وامه مريم ابنه عمران بن ماتان بن العادر بن ابى هود بن رب بابل بن ساليان بن يوحنا بن اوشا بن اوموذر ابن ميشك بن خارقا بن يونام بن غرزيا بن يوزان بن ساقط بن ايشا بن راجقيم بن سليمان بن داود عليهما السلام بن ايشا بن عويل بن سلمون بن ياعر بن ممشون بن عمياد بن دام بن حضروم بن فارض بن يهودا بن يعقوب عليه السلام. وقيل آل عمران هو موسى وهارون عليهما السلام ابنا عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوى بن يعقوب عليه السلام وبين العمرانين الف وثمانمائة سنة فيكون اصطفاء عيسى عليه السلام بالاندراج فى آل ابراهيم والاول هو الاظهر بدليل تعقيبه بقصة مريم واصطفاء موسى وهارون عليهما السلام بالانتظام فى سلك آل ابراهيم انتظاما ظاهرا {على العالمين} جمع عالم وهو اسم لنوع من المخلوقين فيه علامة يمتازبها عن خلافه من الانواع كالملك والجن والانس يقال عالم البر وعالم البحر وعالم الارض وعالم السماء والمراد بالعالمين اهل زمان كل واحد منهم اى اصطفى كل واحد منهم على عالمى زمانه.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {ذرية}: حال، أبو بدل من الآلين، أو من نوح، أي: أنهم ذرية واحد متشعبة بعضها من بعض. و {إذ قالت}: ظرف لعليم، أو بإضمار اذكر. و {محرراً}: حال، والتحرير: التخلص، يقال: حررت العبد، إذا خلصته من الرق، وحررت الكتاب، إذا أصلحته وأخلصته، ولم يبق فيه ما يحتاج إلى إصلاح، ورجل حُر، أي: خالص، ليس لأحد عليه متعلق، والطين الحُر، أي: الخالص من الحمأة. وقوله: {وإني سميتها مريم}: عطف على {إني وضعتها}، وما بينهما اعتراض، من كلامها على قراءة التكلم، أو من كلام الله على قراءة التأنيث. يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن الله اصطفى آدم}؛ بالخلافة والرسالة، {ونوحاً}؛ بالرسالة والنِّذَارة، {وآل إبراهيم}؛ بالنبوة والرسالة، وهم: إسحاق، ويعقوب والأسباط، وإسماعيل، وولده سيد ولد آدم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة والمحبة الجامعة. {وآل عمران}، وهم موسى وهارون - عليهما السلام - وهو عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوى بن يعقوب، أو المراد بعمران: عمران بن أشهم بن أموي، من ولد سليمان عليه السلام، وهو والد مريم أم عيسى عليه السلام، وقيل: المراد عمران بن ماثان، أحد أجداد عمران والد مريم. وإنما خصّ هؤلاء؛ لأن الأنبياء كلهم من نَسْلهم. وقيل: أراد إبراهيم وعمران أنفسهما. "وآل" مقحمة، كقوله:{أية : وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَارُونَ}تفسير : [البَقَرَة: 248] أي: موسى وهارون، فقد فضل الحقّ - جلّ جلاله - هؤلاء الأنبياء بالخصائص الجسمانية والروحانية {على العالمين} أي: كلاً على عَالَمِي زمانه، وبه استدلّ على فضلهم على الملائكة. حال كونهم {ذرية} متشعبة {بعضها من} ولد {بعض} في النسب والدين، {والله سميع} لأقوال العباد وأعمالهم، {عليم} بسرائرهم وعلانيتهم، فيصطفي من صفا قوله وعمله، وخلص سره، للرسالة والنبوة. ثم تخلًّص لذكر نشأة مريم، توطئة لذكر ولدها، فقال: واذكر {إذ قالت امرأة عمران} وهي حنة بنت فاقوذا، جدة عيسى عليه السلام: {ربِّ إني نذرت لك ما في بطني محرراً} لخدمة بيت المقدس، لا أشغله بشيء، أو مخلصاً للعبادة، {فتقبل مني إنك أنت السميع العليم}، وكان المحرر عندهم، إذا حُرر، جُعل في الكنيسة يقوم عليها وينكسها، ولا يبرح منها حتى يبلغ الحلم، ثم يُخَيَّر، فإن أحبَّ أقام أو ذهب حيث شاء، ولم يكن يحرر إلا الغلمان؛ لأن الجارية لا تصلح للخدمة؛ لما يصيبها من حيض، فحررت أمُّ مريمَ حمْلَها تَدْرِ ما هو. وقصة ذلك: أن زكريا وعمران تزوجا أختين، فتزوج زكريا أشياعَ بنت فاقوذا، وتزوج عمران حنة بنت فاقوذا، فكان عيسى ويحيى ابني الخالة، وكانت حنة عاقراً لا تلد، فبينما هي في ظل شجرة، بصُرت بطائر يطعم فرخاً. فتحركت لذلك نفسها للولد فدعت الله تعالى، وقالت: اللهم لك علي، إن رزقتني ولداً، أن أتصدق به على بيت المقدس، يكون من سدنته وخدمه، فحملت بمريم، فهلك عمران، وحنة حامل بمريم، {فلما وضعتها} أي: النذيرة، أو ما في بطنها، قالت: {ربِّ إني وضعتها أنثى}، قالت ذلك تحسّراً وتحزناً إلى ربها، لأنها كانت ترجوا أن تلد ذكراً يصلح للخدمة، ولذلك نذرته. قال تعالى: {والله أعلم بما وضعت}، تعظيماً لموضوعها وتنويهاً بشأنها، أو من كلامها - على قراءة التكلم - تسلية لنفسها، أي: ولعل لله فيه سرّاً، قال تعالى: {وليس الذكر كالأنثى} أي: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت، أو من كلامها، أي: وليس الذكر والأنثى سيان فما نذرتُ. ثم قالت: {وإني سميتها مريم} راجية أن يطابق اسمُها فعلها، فإن مريم في نعتهم في العابدة الخادمة، وكانت مريم أجمل النساء في وقتها وأفضلهن، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : حَسْبُكَ من نساءِ العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم ". تفسير : ثم قالت حنة أم مريم: {وإني أعيذها بك} أي: أحصنها بك {وذريتها من الشيطان الرجيم} أي: المرجوم بالشهب، أو المطرود، وفي الحديث:"حديث : مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إلاَّ والشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَد فَيَسْتَهِلُّ مِنْ مَسِّهِ، إلاَّ مَرْيَمَ وابْنهَا"تفسير : . ومعناه: أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود، بحيث يتأثر به، إلا مريم وابنها لمكان الاستعاذة، قلت: وكذا الأنبياء كلهم، لا يمسهم لمكان العصمة. والله أعلم. {فتقبلها ربها} أي: رَضِيَها في النذر مكان الذكَر، {بقبول حسن} أي: بوجه حسن، وهو إقامتها مقام الذكر، وتسلمها للخدمة عقب ولادتها قبل أن تكبر وتصلح للسِّدانة، رُوِي: أن حنة لما ولدتها لفَّتْها في خرقة، وحملتها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار، وقالت: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا فيها، فأنها كانت ابنة إمامهم، وصاحب قربانهم، فإن (بني ماثان) كانت رؤوس بني إسرائيل وملوكهم، فقال زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها، فأبوا إلا القرعة، وكانوا سبعة وعشرين، فانطلقوا إلى نهر، فألقوا فيه أقلامهم، فطفا قلم زكريا - أي: علا - على وجه الماء، ورسبت أقلامهم، فأخذها زكريا. {وأنبتها} الله {نباتاً حسناً} أي: رباها تربية حسنة، فكانت تشب في اليوم ما يشب المولود في العام، {وكفلها زكريا} أي: ضمها إليه وقام بأمرها. وقرأ عاصم - في رواية ابن عياش - بشدِّ الفاء، أي: وكفَّلها اللّهُ زكريا، أي: جعله كافلاً لها وحاضناً. رُوِيَ: أنه لما ضمها إليه بنى لها بيتاً، واسترضع لها، فلما بلغت، بنى لها محراباً في المسجد، وجعل بابه في وسطه لا يرقى إليها إلا بسلم، ولا يصعد إليها غيره، وكان يأتيها بطعامها وشرابها كل يوم، وكان إذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب. {كلما دخل عليها زكريا المحراب}؛ ليأتيها بطعامها، {وجد عندها رزقاً} أي: فاكهة في غير حينها، يجد فاكهة الشتاء في الصيف، وبالعكس، {قال يا مريم أنى لك هذا} أي: من أين لك هذا الرزق الآتي في غير أوانه، والأبواب مغلقة عليك؟ {قالت هو من عند الله} فلا يُستبعد، قيل: تكلمت صغيرة، وقيل: لم ترضع ثدياً قط، خلاف ما تقدم، وكان رزقها ينزل عليها من الجنة. ثم قالت: {إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} أي: بغير تقدير، أو بغير استحقاق تفضلاً منه، وقوله: {كلما}: يقتضي التكرار، وفيه إشارة إلى أن زكريا لم يَذَرْ تَعهُّدهَا، ولم يعتمد على ما كان يجد عندها، بل كان يتفقد حالها كل وقت، لأن الكرامات للأولياء ليس مما يجب أن تدوم قطعاً، بل يجوز أن يظهر ذلك عليهم دائماً وألا يظهر، فما كان زكريا معتمداً على ذلك، فيترك تفقد حالها، ثم كان يجدد السؤال بقوله: {يا مريم أنى لك هذا}، لجواز أن يكون الذي هو اليوم لا على الوجه الذي كان بالأمسن فإنه لا واجب على الله - سبحانه - قاله القشيري. رَوى جابر بنُ عبد الله أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أقام أياماً لم يطعم الطعام، فقام في منازل أزواجه، فلم يُصِبْ عندهم شيئاً، فأتى فاطمة فقال:"حديث : يا بُنيةُ، هل عندك شيء؟"تفسير : فقالت: لا والله، بأبي أنت وأمي، فلما خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم، بعثت إليها جارتُها برَغِيفَيْن وبِضْعَة لَحْم، فبعثت حَسَناً وحُسَيْناً إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فجاء، فكشفت له الجفنة، فإذا الجفنة مملوءة خُبْزاً ولَحْماً، فَبُهِتَتْ، وعرفت أنَّهَا بَرَكَةٌ مِن اللهِ تعالى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أين لك هذا يا بُنَيْةُ؟" قالت: {من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب}، فحمد الله تعالى، وقال:"حديث : الحمْدُ للّهِ الَّذِي جَعلَك شَبِيهَةً بسَيِّدَةِ بَنِي إسْرَائِيل، فإنها كانت إذا رزقها الله شيئاً قالت: {هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} تفسير : ثم بعث النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى عَليٍّ رضي الله عنه. ثم أكل أهلُ البيت كلهم، وجميع أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم، وبقيت الجَفْنة كما هي، فأَوْسَعَتْ علَى الجيران، وجعل الله فيها بركة وخيراً. انتهى. الإشارة: {إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين}، إنما اصطفى الحق تعالى هؤلاء الرسل؛ لكونهم قد أظهروا الدين بعد انطماس أنواره، وجددوه بعد خمود أسراره، هم أئمة الهدى ومقتبس أنوار الاقتداء، فكل من كان على قدمهم من هذه الأمة المحمدية، بحيث يجدد للناس دينهم، ويُبين للناس معالم الطريق وطريق السلوك إلى عين التحقيق، فهو ممن اصطفاه الله على عالمي زمانه. وفي الحيدث:"حديث : إنَّ الله يَبْعَثُ عَلَى رَأسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لهذه الأمة دِينَهَا"تفسير : . قال الحريري: (مات الحسن البصري عشية جمعة - أي: بعد زوالها - فلما صلّى الناس الجمعة حملوه، فلم يترك الناس صلاة العصر في مسجد الجماعة بالبصرة منذ كان الإسلام، إلا يوم مات الحسن، واتبع الناس جنازته، فلم يحضر أحد في المسجد صلاة العصر، قال: وسمعت منادياً ينادي: {إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين}، واصطفى الحسن على أهل زمانه. قلت: والحسن البصري هو الذي أظهر علم التصوّف، وتكلم فيه وهذبه. قال في القوت: وهو إمامنا في هذا العلم - يعني علم التصوف. وقوله تعالى: {إذ قالت امرأة عمران}... الآية. كُلُّ من ذنر نفسه وحررها لخدمة مولاه، تقبلها الله منه بقبول حسن، وأنبت فيها المعرفة نباتاً حسناً، وكفلها بحفظه ورعايته، وضمها إليه بسابق عنايته، ورزقها من طُرَفِ الحكم وفواكه العلوم، مما لا يتحيط به العقول وغاية الفهوم، فإذا قال لنفسه: من أين لك هذا؟ {قالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب}. وأنشدوا: شعر : فَلاَ عَمَلٌ مِنِّي إليه اكْتَسَبْتُه سِوَى مَحْضِ فَضْلٍ، لا بشيءٍ يُعلَّلُ تفسير : وقال القشيري: قوله تعالى: {فتقبلها ربها بقبول حسن}، يقال: منَ القبول الحسن أنه لم يطرح كَلَّهَا وشَغْلَهَا على زكريا، فكان إذا دخل عليها زكريا ليتعاهدها بطعام وجد عندها رزقاً، ليعلَم العالمون أن الله - تعالى - لا يُلقى شغل أوليائه على غيره، ومن خدم وليّاً من أوليائه كان هو في رفق الولي، وهذه إشارة لمن يخدم الفقراء، يعلم أنه في رفقهم، لا أن الفقراء تحت رفقه. هـ. قال أهل التفسير: فلما رأى زكريا ما يأتي لمريم من الفواكه في غير أوانها، قال: إن الذي قدر على أن يأتي مريم بالفاكهة في غير وقتها، قادر على أن يصلح زوجتي، ويهب لي ولداً على الكبر. فطلب الولد.
الطوسي
تفسير : معنى اصطفى: اختار واجتبى وأصله من الصفوة، وهذا من حسن البيان الذي يمثل فيه المعلوم بالمرئي وذلك أن الصافي هو النقي من شائب الكدر فيما يشاهد فمثل به خلوص هؤلاء القوم من الفساد لما علم الله ذلك من حالهم لأنهم كخلوص الصافي من شائب الادناس. فان قيل: بماذا اختارهم أباختيار دينهم أو بغيره؟ قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - بمعنى أنه اختار دينهم واصطفاه، كما قال: {أية : واسأل القرية}تفسير : وهذا قول الفراء: و [الثاني] قال الزجاج واختاره الجبائي. انه اختيارهم للنبوة على عالمي زمانهم. الثالث - قال البلخي: بالتفضيل على غيرهم بما رتبهم عليه من الامور الجليلة، لما في ذلك من المصلحة. والاصطفاء هو الاختصاص بحال خالصة من الادناس. ويقال ذلك على وجهين. يقال: اصطفاه لنفسه أي جعله خالصاً له يختص به. والثاني - اصطفاه على غيره أي اختصه بالتفضيل على غيره وهو معنى الآية فان قيل: كيف يجوز اختصاصهم بالتفضيل قبل العمل؟ قيل: إذا كان في المعلوم أن صلاح الخلق لا يتم إلا بتقديم الاعلام لذلك بما قدم من البشارة بهم، والاخبار بما يكون من حسن أفعالهم والتشويق إليهم بما يكون من جلالتهم إلى غيره من الآيات التي تشهد لهم، والقوى في العقول والافهام التي كانت لهم، وجب في الحكمة تقديم ذلك لما فيه من حسن التدبير. فان قيل: من آل ابراهيم؟ قيل: قال ابن عباس، والحسن: هم المؤمنون الذين على دينه، فيكون بمعنى اختصهم بميزة كانت منهم على عالمي زمانهم. وقيل: آل عمران هم آل ابراهيم كما قال: {ذرية بعضها من بعض} فهم موسى وهرون ابنا عمران. وقال الحسن: آل عمران المسيح، لأن أمه مريم بنت عمران. وفي قراءة أهل البيت "وآل محمد على العالمين". وقال أيضاً: إن آل إبراهيم: هم آل محمد الذين هم أهله. وقد بينا فيما مضى أن الآل بمعنى الأهل. والآية تدل على أن الذين اصطفام معصومون منزهون، لأنه لا يختار ولا يصطفي إلا من كان كذلك، ويكون ظاهره وباطنه واحداً، فاذاً يجب أن يختص الاصطفاء بآل إبراهيم وآل عمران من كان مرضياً معصوماً سواء كان نبياً أو إماماً.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ} فى موضع تعليل للامر بطاعة الرّسول وسببيّة اتّباعه (ص) للمحبوبيّة كأنّه قال (ص): فاتّبعونى واطيعونى لانّى نبىّ من ذرّيّة ابراهيم ومن آله وانّ الله اصطفى {آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ} لنبوّتهم {عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} وقد ورد فى اخبار كثيرة انّهم قرؤا آل ابراهيم وآل عمران وآل محمّد على العالمين، وفى بعض آل ابراهيم وآل محمّد (ص) بدل آل عمران وقال (ع) فوضعوا اسماً مكان اسمٍ والمراد بآل عمران موسى (ع) وهارون (ع) واولادهما، او عيسى (ع) ومريم ابنة عمران، ولعلّ هذا هو المراد كما سيجيء او المجموع لصدق آل عمران على المجموع، وقيل بين العمرانين كان الف وثمانمائة سنة والمراد بآل ابراهيم، ابراهيم وآله كما سبق الاشارة اليه، والعدول من ابراهيم الى آل ابراهيم ليعمّ الانبياء (ع) والاوصياء (ع) بعده بلفظٍ واحدٍ فانّ الكلّ منسوبون اليه بالنّسب الجسمانيّة كما انّهم منسوبون اليه بالنّسب الرّوحانيّة وذكر آل عمران وآل محمّد (ص) بعده من قبيل ذكر الخاصّ بعد العامّ للاهتمام بالخاصّ كأنّه قال: انّ الله اصطفى آل ابراهيم واصطفى منهم آل عمران وآل محمّد (ص).
فرات الكوفي
تفسير : فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن حمران قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقرأ هذه الآية: إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل محمد على العالمين: قلت: ليس يقرأ هكذا [ر: كذا] قال: [ر: فقال:] أُدخل حرفٌ مكان حرفٍ. فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن خيثمة الجعفي قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: جعلت فداك أخبرني عن آدم ونوح كانا على ما نحن عليه؟ قال: يا خيثمة ليس أحدٌ من الأنبياء والرسل إلاّ وقد كانوا على ما نحن عليه، يا خيثمة إن الملائكة في السماء هم على ما أنتم عليه وهو قول الله تعالى {إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض} إنّما هم الصفوة الذين ارتضاهم لنفسه. فرات قال: حدثني أحمد بن القاسم معنعناً:... عن أبي الجارود قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: قال علي [بن أبي طالب. ر] [عليه السلام. ب، ر] للحسن [عليه السلام. ب]: قم اليوم خطيباً، وقال لأمهات أولاده: قمن فاسمعن خطبة ابني. قال: فحمد الله وصلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال ما شاء الله أن يقول ثم قال: إن أمير المؤمنين في باب ومنزل، من دخله كان آمناً ومن خرج منه كان كافراً، أقول قولي وأستغفر الله العظيم لي ولكم. ونزل فقام علي [عليه السلام.أ] يقبل [ب: فقبل] رأسه وقال: بأبي أنت وأمي. ثم قرأ {ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم}. فرات قال: حدثني أبو جعفر الحسني [ب، أ: الحسيني] والحسن بن حباش معنعناً: عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: قال علي [بن أبي طالب. ر] [عليه السلام. ر، ب] للحسن: يا بنيّ قم فاخطب حتى أسمع كلامك. قال: يا أبتاه كيف أخطب وأنا أنظر إلى وجهك استحيي منك، قال: فجمع علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] أمهات أولاده ثم توارى عنه حيث يسمع كلامه فقام الحسن [عليه السلام. ب، ر] فقال: الحمد لله الواحد بغير تشبيه، الدائم بغير تكوين، القائم بغير كلفة، الخالق بغير منصبة، الموصوف بغير غاية، المعروف بغير محدودية، العزيز لم يزل قديماً في القدم، ردعت [أ: ودعت. ب: روعت] القلوب لهيبته، وذهلت العقول لعزته، وخضعت الرقاب لقدرته، فليس يخطر على قلب بشر مبلغ جبروته، ولا يبلغ الناس كنه جلاله، ولا يفصح الواصفون منهم لكنه عظمته، ولا يقوم الوهم منهم [على. ب، أ] التفكر على مضامينه [ب: سيبه] ولا تبلغه العلماء بألبابها، ولا أهل التفكر بتدبير أمورها، أعلم خلقه به الذي بالحد لا يصفه، يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار وهو اللطيف الخبير. أما بعد، فإن علياً بابٌ من دخله كان آمناً [ب، ر:مؤمناً] ومن خرج منه كان كافراً، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم. فقام علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] وقبل بين عينيه ثم قال: {ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم}. فرات قال: حدثني محمد بن إبراهيم الفزاري معنعناً: عن أبي مسلم الخولاني قال: دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على فاطمة الزهراء عليها السلام وعائشة وهما يفتخران وقد احمرّت وجوههما فسألهما عن خبرهما فأخبرتاه فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : يا عائشة أوما علمت أن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران وعلياً والحسن والحسين وحمزة وجعفر وفاطمة وخديجة على العالمين . تفسير : فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن بريدة رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي [بن أبي طالب. ر] [عليه السلام. ب، ر] إلى اليمن وخالد [اً. ب، أ] على [ب: إلى] الخيل [ن: الخيلى] وقال: إذا اجتمعتما فعلي على الناس. قال: فلما قدمنا إلى [أ: على] النبي صلى الله عليه وآله وسلم [و. أ] فتح على المسلمين وأصابوا من الغنائم غنائم كثيرة وأخذ علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] جارية من الخمس. قال: فقال خالد: [يا بريدة. ب، ر] اغتنمها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره وأنه يسقط من عينيه. فقال بريدة: فقدمت المدينة ودخلت المسجد فأتيت منزل النبي [صلى الله عليه وآله وسلم. ب، ر] ورسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. ب، ر] في بيته ونفرٌ على بابه جلوس قال: وإليك المفر [ب،ر: المقر] عند الناس أئمة! قال: فقالوا: يا بريدة ما الخبر؟ قال: خبر فتح الله على المسلمين فأصابوا من الغنائم مالم يصيبوا مثلها. قالوا: فما أقدمك [ر، أ: قدمك]؟ قال: بعثني خالد [كي] أخبر الناس [صلى الله عليه وآله وسلم بجارية. ر، ب] أخذها علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] من الخمس [قال: أ. ب: فقالوا:] فأخبره فإنه يسقط من عينيه. قال: ورسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. ر] يسمع الكلام. قال: فخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم مغضباً كأنما يقفأ في حب الزمان فقال: حديث : ما بال أقوامٍ ينتقصون علياً؟! من ينقص علياً فقد ينقصني، ومن فارق علياً فقد فارقني، إن علياً مني وأنا منه، خلقه الله من طينتي وخلقت من طينة إبراهيم، وأنا أفضل من إبراهيم وفضل إبراهيم لي، ذرية بعضها من بعض، ويحك يا بريدة أما علمت أن لعلي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] في الخمس أفضل من الجارية التي أخذها وإنه وليكم من بعدي . تفسير : قال: فلما رأيت شدّة غضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قلت: يا رسول الله أسألك بحق الصحبة إلا بسطت لي يدك حتى أبايعك على الإسلام جديداً. قال: فما فارقت [رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ب، أ] حتى بايعته على الإسلام جديداً. فرات قال: حدثني الحسن [ن:الحسين] بن علي بن بزيع معنعناً: عن أبي رجاء العطاردي قال: لما بايع الناس لأبي بكر دخل أبو ذر [الغفاري رضي الله عنه في. ر] المسجد فقال: أيها الناس {إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم} فأهل بيت نبيكم هم الآل من آل إبراهيم، والصفوة والسلالة من إسماعيل، والعترة الهادية من محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فبمحمد [أ: فمحمد] شرف شريفهم فاستوجبوا حقهم ونالوا الفضيلة من ربهم، [فأهل بيت محمد فينا.ب] كالسماء المبنية والأرض المدحية والجبال المنصوبة والكعبة المستورة والشمس الضاحية والنجوم الهادية والشجرة الزيتونة [ر: النبوة.أ (خ ل) المنبوتة] أضاء زيتها وبورك ما حولها، فمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وصي آدم ووارث علمه وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين وتأويل القرآن العظيم [و. أ، ر] علي بن أبي طالب [عليه السلام. ر] الصديق الأكبر والفاروق الأعظم ووصي محمد [صلى الله عليه وآله وسلم. ر] ووارث علمه وأخوه، فما بالكم أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها لو قدمتم [ر، أ (خ ل): قدمتموهم] من قدم الله وخلفتم الولاية لمن خلفها النبي [صلوات الله عليه وآله، أ] والله لما عال ولي الله ولما اختلف [أ:اختلفا. ر: اختلفتا] إثنان في حكم ولا سقط سهم من فرائض الله ولا تنازعت هذه [أ، ر: بهذه] الأمة [و. ر] في شيء من أمردينها إلاّ وجدتم علم ذلك عند أهل بيت نبيكم، لأنّ الله تعالى يقول في كتابه العزيز: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته} فذوقوا وبال ما فرطتم {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون}. فرات قال: حدثني محمد بن عيسى [ر: على] بن زكريا الدهقان معنعناً: عن عبيد بن وايل قال: رأيت أبا ذر [الغفاري رضي الله عنه. ر] بالموسم وقد أقبل بوجهه على الناس وهو يقول: يا أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا جندب بن اليمان أبو ذر الغفاري سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول كما قال الله تعالى: {إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم} فمحمد صلى الله عليه وآله وسلم من نوح والآل من إبراهيم والصفوة والسلالة من إسماعيل والعترة الهادية من محمد [صلى الله عليه وآله. أ. ر: عليهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام] به شرف شريفهم وبه استوجبوا الفضل على قومهم، فأهل بيت محمد [ر: النبي]ُ فينا كالسماء المرفوعة والأرض المبسوطة والجبال المنصوبة والكعبة المستورة [أ: المنبوية.أ (هـ): المستورة. ب: المبنية] والشمس المشرقة والقمر الساري والنجوم الهادية والشجرة الزيتونة أضاء زيتها وبورك في زيتها [أ، ر: زبدها] [محمد (خ: فمحمد) صلى الله عليه وآله وسلم. ب. أ، ر: عليهم السلام وإن منهم] وصي آدم في علمه [ر: عمله] ومعدن العلم بتأويله وقائد الغر المحجلين [محمد عليه الصلاة والسلام. أ، ر] والصديق الأكبر علي بن أبي طالب عليه السلام، ألا أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها أمّ والله لوقدمتم من قدم الله ورسوله وأخرتم من أخر الله ورسوله ما عال ولي الله ولا طاش سهم من فرائض الله ولا تنازعت هذه الأمة في شيء بعد نبيها إلاّ وعلم ذلك عند أهل بيت نبيكم فذوقوا وبال ما كسبتم [خ: أمركم] {وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون}.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ، وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ}: قال ابن عباس: قالت اليهود نحن من أبناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب ونحن على دينهم، فنزلت الآية ردا عليهم، إذ لا يشك أحد أن الله جل جلاله ما اصطفاهم إلا لأجل إسلامهم واليهود على غير دين الإسلام، ويأتى ذكر نسب نوح عليه السلام فى غير هذه السورة، إن شاء الله تبارك وتعالى، وكذا ذكر أسمائه. قيل: اسمه السكن، ونوح لقبه لكثرة نواحه على قومه، أو نفسه، وهذا على أنهُ اسم عربى والمشهور على أنه عجمى، فصرف لخفته لسكون وسطه، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، وأولادهما ودخل فيهم النبى محمد سيد الخلق صلى الله عليه وسلم وعلى سائر الأنبياء، لأنه صلى الله عليه وسلم تسليما، من ذرية إسماعيل عليه السلام وكذا العرب، وأما نحن معشر العجم، فإنما يجمعنا معه دين الله وحده، الذى جاء به من عند الله، وهو ملة إبراهيم، أماتنا الله عليه، فمن اتبعه فقد دخل فى هذا الاصطفاء، جعل الله النبوة والملك فى بنى إسرائيل إلى رمان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ثم جمع له ولأمته النبوة والملك إلى يوم القيامة، فلا مانع مما قال بعض: إنه أراد بآل إبراهيم من على دينه، وقيل: آل إبراهيم المراد به إبراهيم على حد ما مر فى آل داود وذلك لدينه. وعلى كل حال فنجد صلى الله عليه وسلم داخل فى الاصطفاء على العالمين، لأنهُ من ذرية إبراهيم، وعلى دينه، ثم يقول: كل من أنصف أنه صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء والرسل، لقوله تعالى: {أية : كنتم خير أمة أخرجت للناس}.تفسير : وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا خير ولد آدم، أنا سيد ولد آدم" تفسير : وغير ذلك، فكل تفضيل جاء لغيره، فما هو والله العظيم إلا بالنسبة إلى غيره صلى الله عليه وسلم. ويأتى إن شاء الله تعالى الكلام فى إبراهيم، وعمران فى غير هذه السورة، وآل عمران موسى وهارون، على أنهُ عمران بن يصهر بن قاهب بن لاوى ابن يعقوب وهو عمران أبو موسى وهارون عليهما السلام. وقيل: المراد عمران بن اشيح بن أمون. وقيل: ابن ماتان من ولد سليمان عليه السلام وهو بعد موسى بكثير، وهو والد مريم عليها السلام، وعلى الأقوال الثلاثة يجوز أن يراد أيضاً بآل عمران نفس عمران وآله على القولين الأخيرين هو مريم وعيسى عليهما السلام، وعمران أبو مريم: هو عمران بن ماتان، ابن أشعا بن بن أبى بود بن - بوزن بن رب بابل - ابن ساليان بن يوحنا، ابن أوشا بن موذن، بن مشكا بن حار، فابن راجاد بن يوتام، بن عزريا، ابن بورام، بن ساقط بن ايشار بن جعيم بن سليمان بن داود بن اليشين، ابن عويد بن سلمون بن باعر بن يخشون بن عميار بن رام، حضروم بن فارض ابن يهوذا بن يعقوب، وبين عمران أبى مريم، وعمران أبى موسى ألف وثمانمائة سنة، وإنما اصطفيناهم بالرسالة والدين، والخصائص الجسمانية. ألا ترى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رُئيت لى الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها"تفسير : . وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أقيموا صفوفكم وتأهبوا فإنى أراكم من وراء ظهرى"تفسير : ، أنفذ لبصره قوة من خلف، وقيل: له عينان من خلف، والحديث فى الترتيب، وحاشيته وأنهُ تعالى قوى بصر إبراهيم حتى شاهد جميع الملكوت من الأعلى والأسفل، وأنهُ سمع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أطيط السماء، وقال: "حديث : أطئت السماء وحق لها أن تطأ، ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد لله تعالى"تفسير : . وأنه سمع هوى صخرة قذفت فى جهنم فلم تبلغ قعرها. ووجد يعقوب ريح يوسف من مسيرة ثلاثة أيام، وأنهُ قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن هذه الذراع تخبرنى أنها لمسمومة"تفسير : ، على أن هذا من قوة الذوق، والمتبادر أن الله تعالى أنطقها لهُ صلى الله عليه وسلم. وكما سرى إلى المقدس وإلا السماوات، وكذا إدريس وعيسى، وكذا اصطفاهم بالخصائص الروحانية، والآية دليل على أن الأنبياء أفضل من الملائكة، لأن العالمين يشمل الملائكة، وخص آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران بالذكر، لأن الأنبياء والرسل من نسلهم و"ذرية" حال من نوح وآل إبراهيم وآل عمران، أو بدل منهم، والذرية: الولد يقع على الواحد فصاعداً بوزن فُعْليَّة - بضم الفاء وإسكان العين - نسبة إلى الذرة وهو صغار النمل، لأن الله جل جلاله، أخرج الناس على صور الذر من صلب آدم، أو مأخوذ من الذَّر - بفتح الذال - بمعنى التعريف، لأن الله تعالى بَثَّهم فى الأرض، أو بوزن فعولة - بتشديد العين، مأخوذ من ذرأ بمعنى: خلف، والأصل ذرُّوءة - بتشديد الراء بعدها واو وبعد الواو همزة - لينت ياء فقلبت الواو ياءً وأدغمت فى الياء، ثم كسرت الراء لتسلم الياء المشددة. وجملة {بعضها من بعض} نعت ذرية، أى بعضها متشعب من بعض، متولد منها، أو بعضها من بعض فى الدين، شبه توافقهم فى الدين أو فى الانتصار عليه واحد، أخذ عن واحد، بخروج ولد من آخر، أو قدر دين بعضها مأخوذ من بعض، أو بعضها أخذ دينه من بعض. {وَاللَّهُ سَمِيعٌ}: بكل ما يقال. {عَلِيمٌ}: بكل ما يفعل، فهو يصطفى من استقام قوله وفعله.
اطفيش
تفسير : {إنَّ اللهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحاً وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ} ذكرهم مع دخولهم فى آل إبراهيم إظهار لمزية الاعتناء بعيسى عليه السلام، لشدة مفكريه {عَلَى الْعَالَمِينَ} بالإسلام والنبوة، وجعل الأنبياء من نسلهم، وليس ذلك فى سائر الناس ولا فى الملائكة، وأنتم يا يهود على غير الإسلام فالآية رد عليهم إذ قالوا، نحن من أبناء إبراهيم وأسحق ويعقوب، ونحن على دينهم، ورد على النصارى إذ جعلوا عيسى إلها، بأنه من البشر الذين انتقلوا فى الأطوار والأرحام، وعمر آدم تسعمائة وستون سنة، واسم نوح السكن، ونوح لفظ عجمي، وقيل من النواح، لكثرة نواحه على نفسه، وعمرة فى قومه ألف إلا خمسين سنة، وهو نوح بن لمك بن متوشلح بن إدريس، ودخل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فى آل إبراهيم، وهو خاتمهم، فليس ذكر آل عمران المغنى عنه ذكر آل إبراهيم العام لمزيتهم، فإن المزية لرسول الله صلى الله عليه وسلم الداخل فى آل إبراهيم، بل ذكر آل عمران لمجرد التصريح بشرفهم، لا لمزية شرفهم، ولئن سلمنا لنقولن المراد اصطفاؤهم على غيره صلى الله عليه وسلم لقيام الأدلة على أنه أفضل الخلق، ومنها، كنتم خير أمة..الخ، وعمران أبو مريم، وقيل أبو موسى، وبينهما ألف وثمانمائة، وبين عمران أبى موسى ويعقوب ثلاثة أجداد، وبين عمران أبى مريم وبين يعقوب ثلاثون جدا، وعمران عجمى، وقيل، مشتق من العمر، وآل بمعنى أهل، أو مقحم، وهو المشهور المرجح، فكأنه قيل، وإبراهيم وعمران، والآية دليل عَلَى أن الأنبياء أفضل من الملائكة لدخولهم فى العالمين، فيعلم أن سائر الأنبياء أفضل من الملائكة، وإن قلنا عالمو زمانهم فلا دليل فيه، وعلى عدم الإقحام، فآل إبراهيم إسماعيل وإسحق وأولادهما، فمنهم نبينا صلى الله عليه وسلم لأنه من ولد إسماعيل، وآل عمران موسى وهرون، أو عيسى ومريم، ويدل على أن المراد عمران أبو مريم أنه لم تبسط قصتها مثل بسطها فى هذه السورة، وقرن موسى بإبراهيم فى سائر القرآن لا يقاوم هذا، ويدل لذلك أيضاً قوله، {أية : إذ قالت امرأة عمران} تفسير : [آل عمران: 35]، وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة، وقيل، اصطفى آدم بخلقه بيده وتعليم الأسماء وأسماء الملائكة وإسكانه فى الجنة، ونوحا بأنه أول من حرم ذوات المحارم، وأنه أبو الناس بعد آدم، وآل إبراهيم بالكتاب والنبوة، وآل عمران بالتوراة والتكلم، وعيسى وأمه جعلهما آية للعالمين.
الالوسي
تفسير : روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن اليهود قالوا: نحن أبناء إبراهيم وإسحق ويعقوب عليهم الصلاة والسلام ونحن على دينهم فنزلت، وقيل: إن نصارى نجران لما غلوا في عيسى عليه الصلاة والسلام وجعلوه ابن الله سبحانه واتخذوه إلهاً نزلت رداً عليهم وإعلاماً لهم بأنه من ذرية البشر المنتقلين في الأطوار المستحيلة على الإله وهذا وجه مناسبة الآية لما قبلها. / وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في وجه المناسبة: إنه سبحانه لما بين أن الدين عند الله الإسلام وإن اختلاف أهل الكتابين فيه إنما هو للبغي والحسد وأن الفوز برضوانه ومغفرته ورحمته منوط باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم [وطاعته] شرع في تحقيق رسالته وأنه من أهل بيت النبوة القديمة فبدأ ببيان جلالة أقدار الرسل عليهم الصلاة والسلام وأتبعه ذكر مبدأ عيسى وأمه وكيفية دعوته الناس إلى الإيمان تحقيقاً للحق وإبطالاً لما عليه أهل الكتابين من الإفراط والتفريط في شأنهما ثم بين [بطلان] محاجتهم في إبراهيم وادعائهم الانتماء إلى ملته ونزه ساحته العلية عما هم عليه من اليهودية والنصرانية ثم نص على أن جميع الرسل دعاة إلى عبادة الله تعالى وتوحيده..... وأن أممهم قاطبة مأمورون بالإيمان بمن جاءهم من رسول مصدق لما معهم تحقيقاً لوجوب الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم... وتحتم الطاعة له حسبما يأتي تفصيله انتهى ـ وهو وجه وجيه ـ. وبدأ بآدم عليه الصلاة والسلام لأنه أول النوع، وثنى بنوح عليه الصلاة والسلام لأنه آدم الأصغر والأب الثاني وليس أحد على وجه البسيطة إلا من نسله لقوله سبحانه: {أية : وَجَعَلْنَا ذُرّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَـٰقِينَ }تفسير : [الصافات: 77] وذكر آل إبراهيم لترغيب المعترفين باصطفائهم في الإيمان بنبوة واسطة قلادتهم واستمالتهم نحو الاعتراف باصطفائه بواسطة كونه من زمرتهم وذكر آل عمران مع اندراجهم في الآل الأول لإظهار مزيد الاعتناء بأمر عيسى عليه الصلاة والسلام لكمال رسوخ الاختلاف في شأنه وهذا هو الداعي إلى إضافة الآل في الأخيرين دون الأولين. وقيل: المراد بالآل في الموضعين بمعنى النفس أي ـ اصطفى آدم ونوحاً وإبراهيم وعمران، وذكر الآل فيهما اعتناءاً بشأنهما وليس بشيء، والمراد بآل إبراهيم كما قال مقاتل: إسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وروي عن ابن عباس والحسن رضي الله تعالى عنهم أنهم من كان على دينه كآل محمد صلى الله عليه وسلم في أحد الإطلاقات، والمراد بآل عمران عيسى عليه الصلاة والسلام وأمه مريم بنت عمران بن ماثان من ولد سليمان بن داود عليهما السلام قاله الحسن ووهب، وقيل: المراد بهم موسى وهارون عليهما السلام، فعمران حينئذ هو عمران بن يصهر أبو موسى ـ قاله مقاتل ـ وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة ـ والظاهر هو القول الأول ـ لأن السورة تسمى آل عمران ولم تشرح قصة عيسى ومريم في سورة أبسط من شرحها في هذه السورة، وأما موسى وهارون فلم يذكر من قصتهما فيها طرف فدل ذلك على أن عمران المذكور هو أبو مريم، وأيضاً يرجح كون المراد به أبا مريم أن الله تعالى ذكر اصطفاءها بعد ونص عليه وأنه قال سبحانه: {أية : إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرٰنَ } تفسير : [آل عمران: 35] الخ، والظاهر أنه شرح لكيفية الاصطفاء المشار إليه بقوله تعالى: {وَآلَ عِمْرَانَ} فيكون من قبيل تكرار الاسم في جملتين فيسبق الذهن إلى أن الثاني هو الأول نحو أكرم زيداً إن زيداً رجل فاضل، وإذا كان المراد بالثاني غير الأول كان في ذلك إلباس على السامع، وترجيح القول الأخير بأن موسى يقرن بإبراهيم في الذكر ليس في القوة ـ كمرجح الأول كما لا يخفى. والاصطفاء الاختيار، وأصله أخذ صفوة الشيء كالاستصفاء، ولتضمينه معنى التفضيل عدي بعلى، والمراد ـ بالعالمين ـ أهل زمان كل واحد منهم أي اصطفى كل واحد منهم على عالمي زمانه، ويدخل الملك في ذلك، والتأويل خلاف الأصل. ومن هنا استدل بعضهم بالآية على أفضلية الأنبياء على الملائكة، ووجه الاصطفاء في جميع الرسل أنه سبحانه خصهم بالنفوس القدسية وما يليق بها من الملكات الروحانية والكمالات الجسمانية حتى إنهم امتازوا كما قيل على سائر الخلق خلقاً وخلقاً وجعلوا خزائن أسرار الله تعالى ومظهر أسمائه وصفاته ومحل تجليه الخاص/ من عباده ومهبط وحيه ومبلغ أمره ونهيه، وهذا ظاهر في المصطفين المذكورين في الآية من الرسل، وأما مريم فلها الحظ الأوفر من بعض ذلك، وقيل: اصطفى آدم بأن خلقه بيديه وعلمه الأسماء وأسجد له الملائكة وأسكنه جواره، واصطفى نوحاً بأنه أول رسول بعث بتحريم البنات والأخوات والعمات والخالات وسائر ذوي المحارم وأنه أب الناس بعد آدم وباستجابة دعوته في حق الكفرة والمؤمنين، واصطفى آل إبراهيم بأن جعل فيهم النبوة والكتاب، ويكفيهم فخراً أن سيد الأصفياء منهم، واصطفى عيسى وأمه بأن جعلهما آية للعالمين. وإن أريد بآل عمران موسى وهارون فوجه اصطفاء موسى عليه الصلاة والسلام تكليم الله تعالى إياه وكتابة التوراة له بيده، ووجه اصطفاء هارون جعله وزيراً لأخيه، وأما اصطفاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام فمفهوم بطريق الأولى وعدم التصريح به للإيذان بالغنى عنه لكمال شهرة أمره بالخلة وكونه شيخ الأنبياء وقدوة المرسلين، وأما اصطفاء نبينا صلى الله عليه وسلم فيفهم من دخوله في آل إبراهيم كما أشرنا إليه وينضم إليه أن سياق هذا المبحث لأجله كما يدل عليه بيان وجه المناسبة في كلام شيخ الإسلام، وروي عن أئمة أهل البيت أنهم يقرءون ـ وآل محمد على العالمين ـ وعلى ذلك لا سؤال، ومن الناس من قال: المراد بآل إبراهيم محمد صلى الله عليه وسلم جعل كأنه كل الآل مبالغة في مدحه، وفيه أن نبينا وإن كان في نفس الأمر بمنزلة الأنبياء كلهم فضلاً عن آل إبراهيم فقط إلا أن هذه الإرادة هنا بعيدة، ويشبه ذلك في البعد بل يزيد عليه ما ذكره بعضهم في الآية أنه لما أمرهم بمتابعته صلى الله عليه وسلم وإطاعته، وجعل إطاعته ومتابعته سبباً لمحبة الله تعالى إياهم وعدم إطاعته سبباً لسخط الله تعالى عليهم وسلب محبته عنهم أكد ذلك بتعقيبه بما هو عادة الله تعالى من اصطفاء أنبيائه على مخالفيهم وقمعهم وتذليلهم وإعدامهم لهم تخويفاً لهؤلاء المتمردين عن متابعته صلى الله عليه وسلم فذكر اصطفاء آدم على العالم الأعلى فإنه رجحه على سائر الملائكة وجعلهم ساجدين له وجعل الشيطان في لعنة لتمرده، واصطفاء نوح على العالم مع نهاية كثرتهم فأهلكهم بالطوفان وحفظ نوحاً وأتباعه، واصطفاء آل إبراهيم على العالم مع أن العالم كانوا كافرين فجعل دينهم شائعاً وذلل مخالفيهم، واصطفاء موسى وهارون على العلم فجعل السحرة مع كثرتهم مغلوبين لهما وفرعون مع عظمته وغلبة جنوده مغلوباً وأهلكهم، ولذا خص آدم بالذكر ونوحاً والآلين، ولم يذكر إبراهيم ونبينا صلى الله تعالى عليهما وسلم إذ إبراهيم لم يغلب، وهذا الكلام لبيان أن نبينا صلى الله عليه وسلم سيغلب ـ وليس المراد الاصطفاء بالنبوة حتى يخفى وجه التخصيص ـ وبهذا ظهر ضعف الاستدلال به على فضلهم على الملائكة انتهى. وفيه أن المتبادر من الاصطفاء الاجتباء والاختيار لا النصر على الأعداء على أن المقام بمراحل عن هذا الحمل، وقد أخرج ابن عساكر وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه فسر الاصطفاء هنا بالاختيار للرسالة ـ ومثله فيما أخرجه ابن جرير عن الحسن ـ وأيضاً حمل آل عمران على موسى وهارون مما لا ينساق إليه الذهن كما علمت، وكأن القائل لما لم يتيسر له إجراء الاصطفاء بالمعنى الذي أراده في عيسى عليه الصلاة والسلام وأمه اضطر إلى الحمل على خلاف الظاهر، وأنت تعلم أن الآية غنية عن الولوج في مثل هذه المضايق.
سيد قطب
تفسير : تقول الروايات التي تصف المناظرة بين النبي - صلى الله عليه وسلم - ووفد نجران اليمن: إن هذا القصص الذي ورد في هذه السورة عن مولد عيسى عليه السلام، ومولد أمه مريم، ومولد يحيى، وبقية القصص جاء رداً على ما أراد الوفد إطلاقه من الشبهات؛ وهو يستند إلى ما جاء في القرآن عن عيسى عليه السلام بأنه كلمة الله إلى مريم وروح منه، وأنهم كذلك سألوا عن أمور لم ترد في سورة مريم وطلبوا الجواب عنها.. وقد يكون هذا صحيحاً.. ولكن ورود هذا القصص في هذه السورة على هذا النحو يمضي مع طريقة القرآن العامة في إيراد القصص لتقرير حقائق معينة يريد إيضاحها. وغالباً ما تكون هذه الحقائق هي موضوع السورة التي يرد فيها القصص؛ فيساق القصص بالقدر وبالأسلوب الذي يركز هذه الحقائق ويبرزها ويحييها.. فما من شك أن للقصص طريقته الخاصة في عرض الحقائق، وإدخالها إلى القلوب، في صورة حية، عميقة الإيقاع، بتمثيل هذه الحقائق في صورتها الواقعية وهي تجري في الحياة البشرية. وهذا أوقع في النفس من مجرد عرض الحقائق عرضاً تجريدياً. وهنا نجد هذا القصص يتناول ذات الحقائق التي يركز عليها سياق السورة، وتظهر فيها ذات الخطوط العريضة فيها. ومن ثم يتجرد هذا القصص من الملابسة الواقعة المحدودة التي ورد فيها؛ ويبقى عنصراً أصيلاً مستقلاً؛ يتضمن الحقائق الأصيلة الباقية في التصور الاعتقادي الإسلامي. إن القضية الأصيلة التي يركز عليها سياق السورة كما قدمنا هي: قضية التوحيد. توحيد الألوهية وتوحيد القوامة.. وقصة عيسى - وما جاء من القصص مكملاً لها في هذا الدرس - تؤكد هذه الحقيقة، وتنفي فكرة الولد والشريك، وتستبعدهما استبعاداً كاملاً؛ وتظهر زيف هذه الشبهة وسخف تصورها؛ وتبسط مولد مريم وتاريخها، ومولد عيسى وتاريخ بعثته وأحداثها، بطريقة لا تدع مجالاً لإثارة أية شبهة في بشريته الكاملة، وأنه واحد من سلالة الرسل، شأنه شأنهم، وطبيعته طبيعتهم، وتفسر الخوارق التي صاحبت مولده وسيرته تفسيراً لا تعقيد فيه ولا غموض، من شأنه أن يريح القلب والعقل، ويدع الأمر فيهما طبيعياً عادياً لا غرابة فيه.. حتى إذا عقب على القصة بقوله: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له: كن. فيكون}.. وجد القلب برد اليقين والراحة؛ وعجب كيف ثارت تلك الشبهات حول هذه الحقيقة البسيطة؟ والقضية الثانية التي تنشأ من القضية الأولى في سياق السورة كله هي قضية حقيقة الدين وأنه الإسلام. ومعنى الإسلام وأنه الاتباع والاستسلام.. وهذه ترد كذلك في ثنايا القصص واضحة.. ترد في قول عيسى عليه السلام لبني إسرائيل: {ومصدقاً لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}.. وفي هذا القول تقرير لطبيعة الرسالة، وأنها تأتي لإقرار منهج، وتنفيذ نظام، وبيان الحلال والحرام، ليتبعه المؤمنون بهذه الرسالة ويسلموا به.. ثم يرد معنى الاستسلام والاتباع على لسان الحواريين: {فلما أحس عيسى منهم الكفر قال: من أنصاري إلى الله؟ قال الحواريون: نحن أنصار الله، آمنا بالله، واشهد بأنا مسلمون. ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين}.. ومن الموضوعات التي يركز عليها سياق السورة تصوير حال المؤمنين مع ربهم.. وهذا القصص يعرض جملة صالحة من هذه الحال في سير هذه النخبة المختارة من البشر، التي اصطفاها وجعلها ذرية بعضها من بعض. وتتمثل هذه الصور الوضيئة في حديث امرأة عمران مع ربها ومناجاته في شأن وليدتها.. وفي حديث مريم مع زكريا. وفي دعاء زكريا ونجائه لربه. وفي رد الحواريين على نبيهم، ودعائهم لربهم.. وهكذا.. حتى إذا انتهى القصص جاء التعقيب متضمناً وملخصاً هذه الحقائق، معتمداً على وقائع القصص في تقرير الحقائق التي يقررها.. فيتناول حقيقة عيسى - عليه السلام - وطبيعة الخلق والإرادة الإلهية. والوحدانية الخالصة. ودعوة أهل الكتاب إليها. ودعوتهم إلى المباهلة عليها.. وينتهي الدرس ببيان جامع شامل لأصل هذه الحقيقة ليتوجه به النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل الكتاب عامة.. من حضر منهم المناظرة ومن لم يحضر, ومن كان من ذلك الجيل ومن يجيء بعده إلى آخر الزمان قل: {يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم: ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله. فإن تولوا فقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون}.. بهذا ينتهي الجدل؛ ويتبين ماذا يريد الإسلام من الناس، وماذا يضع لحياتهم من أساس. ويحدد معنى الدين ومعنى الإسلام؛ وتنتفي كل صورة مشوهة أو مدخولة يدعي لها أصحابها أنها دين. أو أنها إسلام.. وهذا هو الهدف النهائي للدرس الماضي، وللسورة كلها كذلك، تولاها القصص بالبيان والإيضاح في الصورة القصصية الجميلة الجذابة العميقة الإيحاء.. وهذه وظيفة القصص القرآني وطبيعته التي تحكم أسلوبه وطريقة عرضه في شتى السور على نهج خاص. وقد عرضت قصة عيسى في سورة مريم، وعرضت هنا. وبمراجعة النصوص هنا وهناك تبدو زيادة بعض الحلقات هنا، مع اختصار في بعض الحلقات.. فقد كان هناك تفصيل مطول في سورة مريم لحلقة مولد عيسى. ولم تكن هناك حلقة مولد مريم. وهنا تفصيل في رسالة عيسى والحواريين واختصار في قصة مولده كما أن التعقيب هنا أطول لأنه جاء بصدد مناظرات حول قضية أشمل، وهي قضية التوحيد والدين والوحي والرسالة، مما لم يكن موجوداً في سورة مريم.. مما يكشف عن طبيعة الأسلوب القرآني في عرض القصص، مساوقاً لجو السورة التي يعرض فيها، ولمناسبته فيها والأن نأخذ في استعراض النصوص تفصيلاً. يبدأ هذا القصص ببيان من اصطفاهم الله من عباده واختارهم لحمل الرسالة الواحدة بالدين الواحد منذ بدء الخليقة، ليكونوا طلائع الموكب الإيماني في شتى مراحله المتصلة على مدار الأجيال والقرون. فيقرر أنهم ذرية بعضها من بعض. وليس من الضروري أن تكون ذرية النسب - وإن كان نسب الجميع يلتقي في آدم ونوح - فهي أولاً رابطة الاصطفاء والاختيار الإلهي؛ ونسب هذه العقيدة الموصول في ذلك الموكب الإيماني الكريم: {إن الله اصطفى آدم ونوحاً، وآل إبراهيم وآل عمران، على العالمين. ذرية بعضها من بعض، والله سميع عليم}.. ولقد ذكر السياق آدم ونوحا فردين؛ وذكر آل إبراهيم وآل عمران أسرتين. إشارة إلى أن آدم بشخصه ونوحاً بشخصه هما اللذان وقع عليهما الاصطفاء. فأما إبراهيم وعمران فقد كان الاصطفاء لهما ولذريتهما كذلك - على القاعدة التي تقررت في سورة البقرة عن آل إبراهيم: قاعدة أن وراثة النبوة والبركة في بيته ليست وراثة الدم، إنما هي وراثة العقيدة: {أية : وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال: إني جاعلك للناس إماماً. قال: ومن ذريتي؟ قال: لا ينال عهدي الظالمين }.. تفسير : وبعض الروايات تذكر أن عمران من آل إبراهيم. فذكر آل عمران إذن تخصيص لهذا الفرع لمناسبة خاصة، هي عرض قصة مريم وقصة عيسى عليه السلام.. كذلك نلاحظ أن السياق لم يذكر من آل إبراهيم لا موسى ولا يعقوب (وهو إسرائيل) كما ذكر آل عمران.. ذلك أن السياق هنا يستطرد إلى الجدل حول عيسى بن مريم وحول إبراهيم - كما سيأتي في الدرس التالي - فلم تكن هناك مناسبة لذكر موسى في هذا المقام أو ذكر يعقوب.. ومن هذا الإعلان التمهيدي ينتقل السياق مباشرة إلى آل عمران ومولد مريم: {إذ قالت امرأة عمران: رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً فتقبل مني إنك أنت السميع العليم. فلما وضعتها قالت: رب: إني وضعتها أنثى - والله أعلم بما وضعت - وليس الذكر كالأنثى، وإني سميتها مريم؛ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم. فتقبلها ربها بقبول حسن، وأنبتها نباتاً حسناً، وكفلها زكريا. كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً. قال: يا مريم أنى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب}.. وقصة النذر تكشف لنا عن قلب "امرأة عمران" - أم مريم - وما يعمره من إيمان، ومن توجه إلى ربها بأعز ما تملك. وهو الجنين الذي تحمله في بطنها. خالصاً لربها، محرراً من كل قيد ومن كل شرك ومن كل حق لأحد غير الله سبحانه. والتعبير عن الخلوص المطلق بأنه تحرر تعبير موح. فما يتحرر حقاً إلا من يخلص لله كله، ويفر إلى الله بجملته وينجو من العبودية لكل أحد ولكل شيء ولكل قيمة، فلا تكون عبوديته إلا لله وحده.. فهذا هو التحرر إذن.. وما عداه عبودية وإن تراءت في صورة الحرية! ومن هنا يبدو التوحيد هو الصورة المثلى للتحرر. فما يتحرر إنسان وهو يدين لأحد غير الله بشيء ما في ذات نفسه، أو في مجريات حياته، أو في الأوضاع والقيم والقوانين والشرائع التي تصرف هذه الحياة.. لا تحرر وفي قلب الإنسان تعلق أو تطلع أو عبودية لغير الله. وفي حياته شريعة أو قيم أو موازين مستمدة من غير الله. وحين جاء الإسلام بالتوحيد جاء بالصورة الوحيدة للتحرر في عالم الإنسان.. وهذا الدعاء الخاشع من امرأة عمران، بأن يتقبل ربها منها نذرها - وهو فلذة كبدها - ينم عن ذلك الإسلام الخالص لله، والتوجه إليه كلية، والتحرر من كل قيد، والتجرد إلا من ابتغاء قبوله ورضاه: {رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً فتقبل مني. إنك أنت السميع العليم}.. ولكنها وضعتها أنثى؛ ولم تضعها ذكراً! {فلما وضعتها قالت: رب إني وضعتها أنثى - والله أعلم بما وضعت - وليس الذكر كالأنثى. وإني سميتها مريم. وإني اعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم}.. لقد كانت تنتظر ولداً ذكراً؛ فالنذر للمعابد لم يكن معروفاً إلا للصبيان، ليخدموا الهيكل، وينقطعوا للعبادة والتبتل. ولكن ها هي ذي تجدها أنثى. فتتوجه إلى ربها في نغمة أسيفة: {رب. إني وضعتها أنثى}.. {والله أعلم بما وضعت}.. ولكنها هي تتجه إلى ربها بما وجدت، وكأنها تعتذر إن لم يكن لها ولد ذكر ينهض بالمهمة. {وليس الذكر كالأنثى}.. ولا تنهض الأنثى بما ينهض به الذكر في هذا المجال: {وإني سميتها مريم}.. وهذا الحديث على هذا النحو فيه شكل المناجاة القريبة. مناجاة من يشعر أنه منفرد بربه. يحدثه بما في نفسه، وبما بين يديه، ويقدم له ما يملك تقديماً مباشراً لطيفاً. وهي الحال التي يكون فيها هؤلاء العباد المختارون مع ربهم. حال الود والقرب والمباشرة، والمناجاة البسيطة العبارة، التي لا تكلف فيها ولا تعقيد. مناجاة من يحس أنه يحدث قريباً ودوداً سميعاً مجيباً. {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم}.. وهي الكلمة الأخيرة حيث تودع الأم هديتها بين يدي ربها، وتدعها لحمايته ورعايته، وتعيذها به هي وذريتها من الشيطان الرجيم.. وهذه كذلك كلمة القلب الخالص، ورغبة القلب الخالص. فما تود لوليدتها أمراً خيراً من أن تكون في حياطة الله من الشيطان الرجيم! {فتقبلها ربها بقبول حسن، وأنبتها نباتاً حسناً}.. جزاء هذا الإخلاص الذي يعمر قلب الأم، وهذا التجرد الكامل في النذر.. وإعداداً لها أن تستقبل نفخة الروح، وكلمة الله، وأن تلد عيسى - عليه السلام - على غير مثال من ولادة البشر. {وكفلها زكريا}.. أي جعل كفالتها له، وجعله أميناً عليها.. وكان زكريا رئيس الهيكل اليهودي. من ذرية هارون الذين صارت إليهم سدانة الهيكل. ونشأت مباركة مجدودة. يهيىء لها الله من رزقه فيضاً من فيوضاته: {كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً. قال: يا مريم أنى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله. إن الله يرزق من يشاء بغير حساب}.. ولا نخوض نحن في صفة هذا الرزق كما خاضت الروايات الكثيرة. فيكفي أن نعرف أنها كانت مباركة يفيض من حولها الخير ويفيض الرزق من كل ما يسمى رزقاً. حتى ليعجب كافلها - وهو نبي - من فيض الرزق. فيسألها: كيف ومن أين هذا كله؟ فلا تزيد على أن تقول في خشوع المؤمن وتواضعه واعترافه بنعمة الله وفضله، وتفويض الأمر إليه كله: {هو من عند الله. إن الله يرزق من يشاء بغير حساب}.. وهي كلمة تصور حال المؤمن مع ربه، واحتفاظه بالسر الذي بينه وبينه. والتواضع في الحديث عن هذا السر، لا التنفج به والمباهاة! كما أن ذكر هذه الظاهرة غير المألوفة التي تثير عجب نبي الله زكريا. هي التمهيد للعجائب التي تليها في ميلاد يحيى وميلاد عيسى.. عندئذ تحركت في نفس زكريا، الشيخ الذي لم يوهب ذرية، تحركت تلك الرغبة الفطرية القوية في النفس البشرية. الرغبة في الذرية. في الامتداد. في الخلف.. الرغبة التي لا تموت في نفوس العباد الزهاد، الذين وهبوا أنفسهم للعبادة ونذروها للهيكل. إنها الفطرة التي فطر الله الناس عليها، لحكمة عليا في امتداد الحياة وارتقائها: {هنالك دعا زكريا ربه. قال: رب هب لي من لدنك ذرية طيبة. إنك سميع الدعاء.. فنادته الملائكة - وهو قائم يصلي في المحراب - أن الله يبشرك بيحيى، مصدقاً بكلمة من الله، وسيداً وحصوراً، ونبياً من الصالحين.. قال: رب أنى يكون لي غلام، وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر. قال: كذلك الله يفعل ما يشاء. قال: رب اجعل لي آية. قال: آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا؛ واذكر ربك كثيراً، وسبح بالعشي والإبكار}.. وكذلك.. نجدنا أمام حادث غير عادي. يحمل مظهراً من مظاهر طلاقة المشيئة الإلهية، وعدم تقيدها بالمألوف للبشر، الذي يحسبه البشر قانوناً لا سبيل إلى إخلافه؛ ومن ثم يشكون في كل حادث لا يجيء في حدود هذا القانون! فإذا لم يستطيعوا تكذيبه، لأنه واقع، صاغوا حوله الخرافات والأساطير! فها هو ذا "زكريا" الشيخ الكبير وزوجه العاقر التي لم تلد في صباها.. ها هو ذا تجيش في قلبه الرغبة الفطرية العميقة في الخلف - وهو يرى بين يديه مريم البنية الصالحة المرزوقة - فيتوجه إلى ربه يناجيه، ويطلب منه أن يهب له من لدنه ذرية طيبة: {هنالك دعا زكريا ربه. قال: رب هب لي من لدنك ذرية طيبة. إنك سميع الدعاء}.. فما الذي كان من هذا الدعاء الخاشع الحار المنيب؟ كانت الاستجابة التي لا تتقيد بسن، ولا تتقيد بمألوف الناس؛ لأنها تنطلق من المشيئة المطلقة التي تفعل ما تريد: {فنادته الملائكة - وهو قائم يصلي في المحراب - أن الله يبشرك بيحيى، مصدقاً بكلمة من الله. وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين}.. لقد استجيبت الدعوة المنطلقة من القلب الطاهر، الذي علق رجاءه بمن يسمع الدعاء؛ ويملك الإجابة حين يشاء. وبشرت الملائكة زكريا بمولود ذكر، اسمه معروف قبل مولده؛ "يحيى"؛ وصفته معروفة كذلك: سيداً كريماً، وحصوراً يحصر نفسه عن الشهوات، ويملك زمام نزعاته من الانفلات. ومؤمناً مصدقاً بكلمة تأتيه من الله. ونبياً صالحاً في موكب الصالحين. لقد استجيبت الدعوة، ولم يحل دونها مألوف البشر الذي يحسبونه قانوناً. ثم يحسبون أن مشيئة الله - سبحانه - مقيدة بهذا القانون! وكل ما يراه الإنسان ويحسبه قانوناً لا يخرج عن أن يكون أمراً نسبياً - لا مطلقاً ولا نهائياً - فما يملك الإنسان وهو محدود العمر والمعرفة، وما يملك العقل وهو محكوم بطبيعة الإنسان هذه، أن يصل إلى قانون نهائي ولا أن يدرك حقيقة مطلقة.. فما أجدر الإنسان أن يتأدب في جناب الله. وما أجدره أن يلتزم حدود طبيعته وحدود مجاله، فلا يخبط في التيه بلا دليل، وهو يتحدث عن الممكن والمستحيل، وهو يضع لمشيئة الله المطلقة إطاراً من تجاربه هو ومن مقرراته هو ومن علمه القليل! ولقد كانت الاستجابة مفاجأة لزكريا نفسه - وهل زكريا إلا إنسان على كل حال - واشتاق أن يعرف من ربه كيف تقع هذه الخارقة بالقياس إلى مألوف البشر؟ {قال: رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر؟}.. وجاءه الجواب.. جاءه في بساطة ويسر. يرد الأمر إلى نصابه. ويرده إلى حقيقته التي لا عسر في فهمها، ولا غرابة في كونها: {قال: كذلك الله يفعل ما يشاء}.. كذلك! فالأمر مألوف مكرور معاد حين يرد إلى مشيئة الله وفعله الذي يتم دائماً على هذا النحو؛ ولكن الناس لا يتفكرون في الطريقة، ولا يتدبرون الصنعة، ولا يستحضرون الحقيقة! كذلك. بهذا اليسر. وبهذه الطلاقة. يفعل الله ما يشاء.. فماذا في أن يهب لزكريا غلاماً وقد بلغه الكبر وامرأته عاقر؟ إنما هذه مألوفات البشر التي يقررون قواعدهم عليها، ويتخذون منها قانوناً! فأما بالقياس إلى الله, فلا مألوف ولا غريب.. كل شيء مرده إلى توجه المشيئة، والمشيئة مطلقة من كل القيود! ولكن زكريا لشدة لهفته على تحقق البشرى، ولدهشة المفاجأة في نفسه، راح يطلب إلى ربه أن يجعل له علامة يسكن إليها: {قال: رب اجعل لي آية...}.. هنا يوجهه الله سبحانه إلى طريق الاطمئنان الحقيقي؛ فيخرجه من مألوفه في ذات نفسه.. إن آيته أن يحتبس لسانه ثلاثة أيام إذا هو اتجه إلى الناس؛ وأن ينطلق إذا توجه إلى ربه وحده يذكره ويسبحه: {قال: آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً. واذكر ربك كثيراً. وسبح بالعشي والإبكار}.. ويسكت السياق هنا. ونعرف أن هذا قد كان فعلاً. فإذا زكريا يجد في ذات نفسه غير المألوف في حياته وحياة غيره.. لسانه هذا هو لسانه.. ولكنه يحتبس عن كلام الناس وينطلق لمناجاة ربه.. أي قانون يحكم هذه الظاهرة؟ إنه قانون الطلاقة الكاملة للمشيئة العلوية.. فبدونه لا يمكن تفسير هذه الغريبة.. كذلك رزقه بيحيى وقد بلغه الكبر وامرأته عاقر!!! وكأنما كانت هذه الخارقة تمهيداً - في السياق - لحادث عيسى الذي انبثقت منه كل الأساطير والشبهات.. وإن هو إلا حلقة من سلسلة في ظواهر المشيئة الطليقة.. فهنا يبدأ في قصة المسيح عليه السلام. وإعداد مريم لتلقي النفخة العلوية بالطهارة والقنوت والعبادة.. {وإذ قالت الملائكة: يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين. يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين}.. وأي اصطفاء؟! وهو يختارها لتلقي النفخة المباشرة، كما تلقاها أول هذه الخليقة: "آدم"؟ وعرض هذه الخارقة على البشرية من خلالها وعن طريقها؟ إنه الاصطفاء للأمر المفرد في تاريخ البشرية.. وهو بلا جدال أمر عظيم.. ولكنها - حتى ذلك الحين - لم تكن تعلم ذلك الأمر العظيم! والإشارة إلى الطهر هنا إشارة ذات مغزى. وذلك لما لابس مولد عيسى - عليه السلام - من شبهات لم يتورع اليهود أن يلصقوها بمريم الطاهرة، معتمدين على أن هذا المولد لا مثال له في عالم الناس فيزعموا أن وراءه سراً لا يشرف.. قبحهم الله!! وهنا تظهر عظمة هذا الدين؛ ويتبين مصدره عن يقين. فها هو ذا محمد - صلى الله عليه وسلم - رسول الإسلام الذي يلقى من أهل الكتاب - ومنهم النصارى - ما يلقى من التكذيب والعنت والجدل والشبهات.. ها هو ذا يحدث عن ربه بحقيقة مريم العظيمة وتفضيلها على "نساء العالمين" بهذا الإطلاق الذي يرفعها إلى أعلى الآفاق. وهو في معرض مناظرة مع القوم الذين يعتزون بمريم، ويتخذون من تعظيمها مبرراً لعدم إيمانهم بمحمد وبالدين الجديد! أي صدق؟ وآية عظمة؟ وأية دلالة على مصدر هذا الدين، وصدق صاحبه الأمين! إنه يتلقى "الحق" من ربه؛ عن مريم وعن عيسى عليه السلام؛ فيعلن هذا الحق، في هذا المجال.. ولو لم يكن رسولاً من الله الحق ما أظهر هذا القول في هذا المجال بحال! {يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين}.. طاعة وعبادة، وخشوع وركوع، وحياة موصولة بالله تمهيداً للأمر العظيم الخطير.. وعند هذا المقطع من القصة، وقبل الكشف عن الحدث الكبير.. يشير السياق إلى شيء من حكمة مساق القصص.. إنه إثبات الوحي، الذي ينبىء النبي - صلى الله عليه وسلم - بما لم يكن حاضره من أنباء الغيب، في هذا الأمر: {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك. وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم؟ وما كنت لديهم إذ يختصمون}.. وهي إشارة إلى ما كان من تسابق سدنة الهيكل إلى كفالة مريم، حين جاءت بها أمها وليدة إلى الهيكل، وفاء لنذرها وعهدها مع ربها. والنص يشير إلى حادث لم يذكره "العهد القديم" ولا "العهد الجديد" المتداولان؛ ولكن لا بد أنه كان معروفاً عند الأحبار والرهبان. حادث إلقاء الأقلام.. أقلام سدنة الهيكل.. لمعرفة من تكون مريم من نصيبه. والنص القرآني لا يفصل الحادث - ربما اعتماداً على أنه كان معروفاً لسامعيه، أو لأنه لا يزيد شيئا في أصل الحقيقة التي يريد عرضها على الأجيال القادمة - فلنا أن نفهم أنهم اتفقوا على طريقة خاصة - بواسطة إلقاء الأقلام - لمعرفة من هي من نصيبه، على نحو ما نصنع في "القرعة" مثلاً. وقد ذكرت بعض الروايات أنهم ألقوا بأقلامهم في نهر الأردن. فجرت مع التيار إلا قلم زكريا فثبت. وكانت هذه هي العلامة بينهم. فسلموا بمريم له. وكل ذلك من الغيب الذي لم يكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حاضره، ولم يبلغ إلى علمه. فربما كان من أسرار الهيكل التي لا تفشى ولا تباح للإذاعة بها، فاتخذها القرآن - في مواجهة كبار أهل الكتاب وقتها - دليلاً على وحي من الله لرسوله الصادق. ولم يرد أنهم ردوا هذه الحجة. ولو كانت موضع جدال لجادلوه؛ وهم قد جاءوا للجدال! والأن نجيء إلى مولد عيسى: العجيبة الكبرى في عرف الناس، والشأن العادي للمشيئة الطليقة: {إذ قالت الملائكة: يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم. وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين، ويكلم الناس في المهد وكهلاً؛ ومن الصالحين. قالت: رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر؟ قال: كذلك الله يخلق ما يشاء. إذا قضى أمراً فإنما يقول له: كن. فيكون.. ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل. ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بأية من ربكم: أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير، فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله؛ وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله؛ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم. إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين. ومصدقاً لما بين يدي من التوارة، ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم، وجئتكم بآية من ربكم، فاتقوا الله وأطيعون. إن الله ربي وربكم فاعبدوه. هذا صراط مستقيم}.. لقد تأهلت مريم - إذن - بالتطهر والقنوت والعبادة لتلقي هذا الفضل، واستقبال هذا الحدث، وها هي ذي تتلقى - لأول مرة - التبليغ عن طريق الملائكة بالأمر الخطير: {إذ قالت الملائكة: يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم. وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين. ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين}.. إنها بشارة كاملة وإفصاح عن الأمر كله. بشارة بكلمة من الله اسمه المسيح عيسى بن مريم.. فالمسيح بدل من الكلمة في العبارة. وهو الكلمة في الحقيقة. فماذا وراء هذا التعبير؟ إن هذه وأمثالها، من أمور الغيب التي لا مجال لمعرفة كنهها على وجه التحديد.. ربما كانت من الذي عناه الله بقوله: {أية : أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات. فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله...} تفسير : إلخ. ولكن الأمر أيسر من هذا إذا أردنا أن نفهم طبيعة هذه الحقيقة الفهم الذي يصل القلب بالله، وصنعته وقدرته، ومشيئته الطليقة: لقد شاء الله أن يبدأ الحياة البشرية بخلق آدم من تراب - وسواء كان قد جبله مباشرة من التراب أو جبل السلالة الأولى التي انتهت إليه من تراب، فإن هذا لا يقدم ولا يؤخر في طبيعة السر الذي لا يعلمه إلا الله. سر الحياة التي لابست أول مخلوق حي، أو لابست آدم إن كان خلقه مباشرة من التراب الميت! وهذه كتلك في صنع الله. وليست واحدة منهما بأولى من الأخرى في الوجود والكينونة.... من أين جاءت هذه الحياة؟ وكيف جاءت؟ إنها قطعاً شيء آخر غير التراب وغير سائر المواد الميتة في هذه الأرض.. شيء زائد. وشيء مغاير. وشيء ينشىء آثاراً وظواهر لا توجد أبداً في التراب ولا في مادة ميتة على الإطلاق.. هذا السر من أين جاء؟ إنه لا يكفي أننا لا نعلم لكي ننكر أو نهذر! كما يفعل الماديون في لجاجة صغيرة لا يحترمها عاقل فضلا عن عالم! نحن لا نعلم. وقد ذهبت سدى جميع المحاولات التي بذلناها - نحن البشر - بوسائلنا المادية لمعرفة مصدرها. أو لإنشائها بأيدينا من الموات! نحن لا نعلم.. ولكن الله الذي وهب الحياة يعلم.. وهو يقول لنا: إنها نفخة من روحه. وإن الأمر قد تم بكلمة منه. {كن. فيكون}.. ما هي هذه النفخة؟ وكيف تنفخ في الموات فينشأ فيه هذا السر اللطيف الخافي على الأفهام؟ ما هي؟ وكيف؟ هذا هو الذي لم يخلق العقل البشري لإدراكه. لأنه ليس من شأنه. إنه لم يوهب القدرة على إدراكه. إن معرفة ماهية الحياة وطريق النفخة لا يجديه شيئاً في وظيفته التي خلقه الله لها - وظيفة الخلافة في الأرض - إنه لن يخلق حياة من موات.. فما قيمة أن يعرف طبيعة الحياة، وماهية النفخة من روح الله، وكيفية اتصالها بآدم أو بأول سلم الحياة الذي سارت فيه السلالة الحية؟ والله - سبحانه - يقول: إن النفخة من روحه في آدم هي التي جعلت له هذا الامتياز والكرامة - حتى على الملائكة - فلا بد إذن أن تكون شيئاً آخر غير مجرد الحياة الموهوبة للدود والميكروب! وهذا ما يقودنا إلى اعتبار الإنسان جنساً نشأ نشأة ذاتية، وأن له اعتباراً خاصاً في نظام الكون، ليس لسائر الأحياء! وعلى أية حال فهذا ليس موضوعنا هنا، إنما هي لمحة في سياق العرض للتحرز من شبهة قد تقوم في نفس القارئ لما عرضناه جدلاً حول نشأة الإنسان! المهم هنا أن الله يخبرنا عن نشأة سر الحياة؛ وإن لم ندرك طبيعة هذا السر وكيفية نفخه في الموات.. وقد شاء الله - بعد نشأة آدم نشأة ذاتية مباشرة - أن يجعل لإعادة النشأة الإنسانية طريقاً معيناً. طريق التقاء ذكر وأنثى. واجتماع بويضة وخلية تذكير. فيتم الإخصاب، ويتم الإنسال. والبويضة حية غير ميتة والخلية حية كذلك متحركة. ومضى مألوف الناس على هذه القاعدة.. حتى شاء الله أن يخرق هذه القاعدة المختارة في فرد من بني الإنسان. فينشئه نشأة قريبة وشبيهة بالنشأة الأولى. وإن لم تكن مثلها تماماً. أنثى فقط. تتلقى النفخة التي تنشئ الحياة ابتداء. فتنشأ فيها الحياة! أهذه النفخة هي الكلمة؟ آلكلمة هي توجه الإرادة؟ آلكلمة: "كن" التي قد تكون حقيقة وقد تكون كناية عن توجه الإرادة؟ والكلمة هي عيسى، أو هي التي منها كينونته؟ كل هذه بحوث لا طائل وراءها إلا الشبهات.. وخلاصتها هي تلك: أن الله شاء أن ينشىء حياة على غير مثال. فأنشأها وفق إرادته الطليقة التي تنشئ الحياة بنفخة من روح الله. ندرك آثارها، ونجهل ماهيتها. ويجب أن نجهلها. لأنها لا تزيد مقدرتنا على الاضطلاع بوظيفة الخلافة في الأرض، ما دام إنشاء الحياة ليس داخلاً في تكليف الاستخلاف! والأمر هكذا سهل الإدراك. ووقوعه لا يثير الشبهات! وهكذا بشرت الملائكة مريم بكلمة من الله اسمه المسيح عيسى بن مريم.. فتضمنت البشارة نوعه، وتضمنت اسمه ونسبه. وظهر من هذا النسب أن مرجعه إلى أمه.. ثم تضمنت البشارة كذلك صفته ومكانه من ربه: {وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين}.. كما تضمنت ظاهرة معجزة تصاحب مولده {ويكلم الناس في المهد}.. ولمحة من مستقبله: {وكهلاً}.. وسمته والموكب الذي ينتسب إليه: {ومن الصالحين}.. فأما مريم الفتاة الطاهرة العذراء المقيدة بمألوف البشر في الحياة، فقد تلقت البشارة كما يمكن أن تتلقاها فتاة. واتجهت إلى ربها تناجيه وتتطلع إلى كشف هذا اللغز الذي يحير عقل الإنسان: {قالت: رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر؟}.. وجاءها الجواب، يردها إلى الحقيقة البسيطة التي يغفل عنها البشر لطول الفتهم للأسباب والمسببات الظاهرة لعلمهم القليل، ومألوفهم المحدود: {قال: كذلك الله يخلق ما يشاء. إذا قضى أمراً فإنما يقول له: كن فيكون}.. وحين يرد الأمر إلى هذه الحقيقة الأولية يذهب العجب، وتزول الحيرة، ويطمئن القلب؛ ويعود الإنسان على نفسه يسألها في عجب: كيف عجبت من هذا الأمر الفطري الواضح القريب!! وهكذا كان القرآن ينشئ التصور الإسلامي لهذه الحقائق الكبيرة بمثل هذا اليسر الفطري القريب. وهكذا كان يجلو الشبهات التي تعقدها الفلسفات المعقدة، ويقر الأمر في القلوب وفي العقول سواء.. ثم يتابع الملك البشارة لمريم عن هذا الخلق الذي اختارها الله لإنجابه على غير مثال؛ وكيف ستمضي سيرته في بني إسرائيل.. وهنا تمتزج البشارة لمريم بمقبل تاريخ المسيح، ويلتقيان في سياق واحد، كأنما يقعان اللحظة، على طريقة القرآن: {ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل}.. والكتاب قد يكون المراد به الكتابة؛ وقد يكون هو التوراة والإنجيل، ويكون عطفهما على الكتاب هو عطف بيان. والحكمة حالة في النفس يتأتي معها وضع الأمور في مواضعها، وإدراك الصواب واتباعه. وهي خير كثير. والتوراة كانت كتاب عيسى كالإنجيل. فهي أساس الدين الذي جاء به. والإنجيل تكملة وإحياء لروح التوراة، ولروح الدين التي طمست في قلوب بني إسرائيل. وهذا ما يخطئ الكثيرون من المتحدثين عن المسيحية فيه فيغفلون التوراة، وهي قاعدة دين المسيح - عليه السلام - وفيها الشريعة التي يقوم عليها نظام المجتمع؛ ولم يعدل فيها الإنجيل إلا القليل. أما الإنجيل فهو نفخة إحياء وتجديد لروح الدين، وتهذيب لضمير الإنسان بوصله مباشرة بالله من وراء النصوص. هذا الإحياء وهذا التهذيب اللذان جاء المسيح وجاهد لهما حتى مكروا به كما سيجيء. {ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله، وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم. إن في ذلك لآية لكم. إن كنتم مؤمنين}.. ويفيد هذا النص أن رسالة عيسى - عليه السلام - كانت لبني إسرائيل، فهو أحد أنبيائهم. ومن ثم كانت التوراة التي نزلت على موسى - عليه السلام - وفيها الشريعة المنظمة لحياة الجماعة الإسرائيلية، والمتضمنة لقوانين التعامل والتنظيم، هي كتاب عيسى كذلك، مضافاً إليها الإنجيل الذي يتضمن إحياء الروح وتهذيب القلب وإيقاظ الضمير. والآية التي بشر الله أمه مريم أنها ستكون معه، والتي واجه بها بالفعل بني إسرائيل هي معجزة النفخ في الموات فيدخله سر الحياة، وإحياء الموتى من الناس، وإبراء المولود الأعمى، وشفاء الأبرص، والإخبار بالغيب - بالنسبة له - وهو المدخر من الطعام وغيره في بيوت بني إسرائيل، وهو بعيد عن رؤيته بعينه.. وحرص النص على أن يذكر على لسان المسيح - عليه السلام - كما هو مقدر في غيب الله عند البشارة لمريم، وكما تحقق بعد ذلك على لسان عيسى - أن كل خارقة من هذه الخوارق التي جاءهم بها، إنما جاءهم بها من عند الله. وذكر إذن الله بعد كل واحدة منها تفصيلاً وتحديدا؛ ولم يدع القول يتم ليذكر في نهايته إذن الله زيادة في الاحتياط! وهذه المعجزات في عمومها تتعلق بإنشاء الحياة أو ردها، أو رد العافية وهي فرع عن الحياة. ورؤية غيب بعيد عن مدى الرؤية.. وهي في صميمها تتسق مع مولد عيسى؛ ومنحه الوجود والحياة على غير مثال إلا مثال آدم - عليه السلام - وإذا كان الله قادراً أن يجري هذه المعجزات على يد واحد من خلقه، فهو قادر على خلق ذلك الواحد من غير مثال.. ولا حاجة إذن لكل الشبهات والأساطير التي نشأت عن هذا المولد الخاص متى رُد الأمر إلى مشيئة الله الطليقة ولم يقيد الإنسانُ اللهَ - سبحانه - بمألوف الإنسان! {ومصدقاً لما بين يدي من التوراة، ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم. وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون. إن الله ربي وربكم فاعبدوه. هذا صراط مستقيم}.. وهذا الختام في دعوة عيسى - عليه السلام - لبني إسرائيل يتكشف عن حقائق أصيلة في طبيعة دين الله، وفي مفهوم هذا الدين في دعوة الرسل جميعاً - عليهم الصلاة والسلام - وهي حقائق ذات قيمة خاصة حين ترد على لسان عيسى - عليه السلام - بالذات، وهو الذي ثار حول مولده وحقيقته ما ثار من الشبهات، التي نشأت كلها من الانحراف عن حقيقة دين الله التي لا تتبدل بين رسول ورسول. فهو إذ يقول: {ومصدقاً لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}.. يكشف عن طبيعة المسيحية الحقة. فالتوارة التي تنزلت على موسى - عليه السلام - وهي تتضمن التشريع المنظم لحياة الجماعة وفق حاجة ذلك الزمان، وملابسات حياة بني إسرائيل (بما أنها ديانة خاصة لمجموعة من البشر في فترة من الزمان) - هذه التوراة معتمدة في رسالة المسيح عليه السلام؛ وجاءت رسالته مصدقة لها، مع تعديلات تتعلق بإحلال بعض ما حرم الله عليهم، وكان تحريمه في صورة عقوبات حلت بهم على معاص وانحرافات، أدبهم الله عليها بتحريم بعض ما كان حلالاً لهم. ثم شاءت إرادته أن يرحمهم بالمسيح عليه السلام، فيحل لهم بعض الذي حرم عليهم. ومن هذا يتبين أن طبيعة الدين - أي دين - أن يتضمن تنظيماً لحياة الناس بالتشريع؛ وألا يقتصر على الجانب التهذيبي الأخلاقي وحده، ولا على المشاعر الوجدانية وحدها، ولا على العبادات والشعائر وحدها كذلك. فهذا لا يكون ديناً. فما الدين إلا منهج الحياة الذي أراده الله للبشر؛ ونظام الحياة الذي يربط حياة الناس بمنهج الله. ولا يمكن أن ينفك عنصر العقيدة الإيمانية، عن الشعائر التعبدية، عن القيم الخلقية، عن الشرائع التنظيمية، في أي دين يريد أن يصرّف حياة الناس وفق المنهج الإلهي. وأي انفصال لهذه المقومات يبطل عمل الدين في النفوس وفي الحياة؛ ويخالف مفهوم الدين وطبيعته كما أراده الله. وهذا ما حدث للمسيحية. فإنها لعدة ملابسات تاريخية من ناحية؛ ولكونها جاءت موقوته لزمن - حتى يجيء الدين الأخير - ثم عاشت بعد زمنها من ناحية.. قد انفصل فيها الجانب التشريعي التنظيمي عن الجانب الروحاني التعبدي الأخلاقي.. فقد حدث أن قامت العداوة المستحكمة بين اليهود والمسيح عليه السلام وأنصاره ومن اتبع دينه فيما بعد؛ فأنشأ هذا انفصالاً بين التوراة المتضمنة للشريعة والإنجيل المتضمن للإحياء الروحي والتهذيب الأخلاقي.. كما أن تلك الشريعة كانت شريعة موقوتة لزمن خاص ولجماعة من الناس خاصة. وكان في تقدير الله أن الشريعة الدائمة الشاملة للبشرية كلها ستجيء في موعدها المقدور. وعلى أية حال فقد انتهت المسيحية إلى أن تكون نحلة بغير شريعة. وهنا عجزت عن أن تقود الحياة الاجتماعية للأمم التي عاشت عليها. فقيادة الحياة الاجتماعية تقتضي تصوراً اعتقادياً يفسر الوجود كله، ويفسر حياة الإنسان ومكانه في الوجود؛ وتقتضي نظاماً تعبدياً وقيماً أخلاقية. ثم تقتضي - حتماً - تشريعات منظمة لحياة الجماعة، مستمدة من ذلك التصور الاعتقادي، ومن هذا النظام التعبدي، ومن هذه القيم الأخلاقية. وهذا القوام التركيبي للدين هو الذي يضمن قيام نظام اجتماعي، له بواعثه المفهومة، وله ضماناته المكينة.. فلما وقع ذلك الانفصال في الدين المسيحي عجزت المسيحية عن أن تكون نظاماً شاملاً للحياة البشرية، واضطر أهلها إلى الفصل بين القيم الروحية والقيم العملية في حياتهم كلها، ومن بينهما النظام الاجتماعي الذي تقوم عليه هذه الحياة. وقامت الأنظمة الاجتماعية هناك على غير قاعدتها الطبيعية الوحيدة. فقامت معلقة في الهواء. أو قامت عرجاء! ولم يكن هذا أمراً عادياً في الحياة البشرية، ولا حادثاً صغيراً في التاريخ البشري.. إنما كان كارثة: كارثة ضخمة تنبع منها الشقوة والحيرة والانحلال والشذوذ والبلاء الذي تتخبط فيه الحضارة المادية اليوم. سواء في البلاد التي لا تزال تعتنق المسيحية - وهي خالية من النظام الاجتماعي لخلوها من التشريع - أو التي نفضت عنها المسيحية وهي في الحقيقة لم تبعد كثيراً عن الذين يدعون أنهم مسيحيون.. فالمسيحية كما جاء بها السيد المسيح، وكما هي طبيعة كل دين يستحق كلمة دين، هي الشريعة المنظمة للحياة، المنبثقة من التصور الاعتقادي في الله، ومن القيم الأخلاقية المستندة إلى هذا التصور.. وبدون هذا القوام الشامل المتكامل لا تكون مسيحية. ولا يكون دين على الإطلاق! وبدون هذا القوام الشامل المتكامل لا يقوم نظام اجتماعي للحياة البشرية يلبي حاجات النفس البشرية، ويلبي واقع الحياة البشرية، ويرفع النفس البشرية والحياة البشرية كلها إلى الله. وهذه الحقيقة هي أحد المفاهيم التي يتضمنها قول المسيح عليه السلام: {ومصدقاً لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}.. إلخ.. وهو يستند في تبليغ هذه الحقيقة على الحقيقة الكبرى الأولى: حقيقة التوحيد الذي لا شبهة فيه: {وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون. إن الله ربي وربكم فاعبدوه. هذا صراط مستقيم}.. فهو يعلن حقيقة التصور الاعتقادي التي قام عليها دين الله كله: المعجزات التي جاءهم بها لم يجىء بها من عند نفسه. فما له قدرة عليها وهو بشر. إنما جاءهم بها من عند الله. ودعوته تقوم ابتداء على تقوى الله وطاعة رسوله.. ثم يؤكد ربوبية الله له ولهم على السواء - فما هو برب وإنما هو عبد - وأن يتوجهوا بالعبادة إلى الرب، فلا عبودية إلا لله.. ويختم قوله بالحقيقة الشاملة.. فتوحيد الرب وعبادته، وطاعة الرسول والنظام الذي جاء به: {هذا صراط مستقيم}.. وما عداه عوج وانحراف. وما هو قطعاً بالدين.. ومن بشارة الملائكة لمريم بابنها المنتظر، وصفاته ورسالته ومعجزاته وكلماته، هذه التي ذكرت ملحقة بالبشارة.. ينتقل السياق مباشرة إلى إحساسه - عليه السلام - بالكفر من بني إسرائيل، وإلى طلبه الأنصار لإبلاغ دين الله: {فلما أحس عيسى منهم الكفر قال: من أنصاري إلى الله؟ قال الحواريون: نحن أنصار الله، آمنا بالله، واشهد بأنا مسلمون. ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين}. وهنا فجوة كبيرة في السياق. فإنه لم يذكر أن عيسى قد ولد بالفعل؛ ولا أن أمه واجهت به القوم فكلمهم في المهد؛ ولا أنه دعا قومه وهو كهل؛ ولا أنه عرض عليهم هذه المعجزات التي ذكرت في البشارة لأمه (كما جاء في سورة مريم).. وهذه الفجوات ترد في القصص القرآني، لعدم التكرار في العرض من جهة، وللاقتصار على الحلقات والمشاهد المتعلقة بموضوع السورة وسياقها من جهة أخرى.. والأن لقد أحس عيسى الكفر من بني إسرائيل - بعد ما أراهم كل تلك المعجزات التي لا تتهيأ لبشر؛ والتي تشهد بأن الله وراءها، وأن قوة الله تؤيدها، وتؤيد من جاءت على يده. ثم على الرغم من أن المسيح جاء ليخفف عن بني إسرائيل بعض القيود والتكاليف.. عندئذ دعا دعوته: {قال: من أنصاري إلى الله؟}.. من أنصاري إلى دين الله ودعوته ومنهجه ونظامه؟ من أنصاري إلى الله لأبلغ إليه، وأؤدي عنه؟ ولا بد لكل صاحب عقيدة ودعوة من أنصار ينهضون معه، ويحملون دعوته، ويحامون دونها، ويلغونها إلى من يليهم، ويقومون بعده عليها.. {قال الحواريون: نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون}. فذكروا الإسلام بمعناه الذي هو حقيقة الدين، وأشهدوا عيسى - عليه السلام - على إسلامهم هذا وانتدابهم لنصرة الله.. أي نصرة رسوله ودينه ومنهجه في الحياة. ثم اتجهوا إلى ربهم يتصلون مباشرة به في هذا الأمر الذي يقومون عليه: {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول، فاكتبنا مع الشاهدين}. وفي هذا التوجه لعقد البيعة مع الله مباشرة لفتة ذات قيمة.. إن عهد المؤمن هو ابتداء مع ربه، ومتى قام الرسول بإبلاغه فقد انتهت مهمة الرسول من ناحية الاعتقاد؛ وانعقدت البيعة مع الله، فهي باقية في عنق المؤمن بعد الرسول.. وفيه كذلك تعهد لله باتباع الرسول. فليس الأمر مجرد عقيدة في الضمير؛ ولكنة اتباع لمنهج، والاقتداء فيه بالرسول. وهو المعنى الذي يركز عليه سياق هذه السورة - كما رأينا - ويكرره بشتى الأساليب. ثم عبارة أخرى تلفت النظر في قول الحواريين: {فاكتبنا مع الشاهدين}.. فأي شهادة وأي شاهدين؟ إن المسلم المؤمن بدين الله مطلوب منه أن يؤدي شهادة لهذا الدين. شهادة تؤيد حق هذا الدين في البقاء؛ وتؤيد الخير الذي يحمله هذا الدين للبشر.. وهو لا يؤدي هذه الشهادة حتى يجعل من نفسه ومن خلقه ومن سلوكه ومن حياته صورة حية لهذا الدين. صورة يراها الناس فيرون فيها مثلاً رفيعاً، يشهد لهذا الدين بالأحقية في الوجود، وبالخيرية والأفضلية على سائر ما في الأرض من أنظمة وأوضاع وتشكيلات. وهو لا يؤدي هذه الشهادة كذلك حتى يجعل من هذا الدين قاعدة حياته، ونظام مجتمعه، وشريعة نفسه وقومه. فيقوم مجتمع من حوله، تدبر أموره وفق هذا المنهج الإلهي القويم.. وجهاده لقيام هذا المجتمع، وتحقيق هذا المنهج؛ وإيثاره الموت في سبيله على الحياة في ظل مجتمع آخر لا يحقق منهج الله في حياة الجماعة البشرية.. هو شهادته بأن هذا الدين خير من الحياة ذاتها وهي أعز ما يحرص عليه الأحياء! ومن ثم يدعى "شهيداً".. فهؤلاء الحواريون يدعون الله أن يكتبهم مع الشاهدين لدينه.. أي أن يوفقهم ويعينهم في أن يجعلوا من أنفسهم صورة حية لهذا الدين؛ وأن يبعثهم للجهاد في سبيل تحقيق منهجه في الحياة، وإقامة مجتمع يتمثل فيه هذا المنهج. ولو أدوا ثمن ذلك حياتهم ليكونوا من "الشهداء" على حق هذا الدين. وهو دعاء جدير بأن يتأمله كل من يدعي لنفسه الإسلام.. فهذا هو الإسلام، كما فهمه الحواريون. وكما هو في ضمير المسلمين الحقيقيين! ومن لم يؤد هذه الشهادة لدينه فكتمها فهو آثم قلبه. فأما إذا ادعى الإسلام ثم سار في نفسه غير سيرة الإسلام؛ أو حاولها في نفسه، ولكنه لم يؤدها في المجال العام، ولم يجاهد لإقامة منهج الله في الحياة إيثاراً للعافية، وإيثاراً لحياته على حياة الدين، فقد قصر في شهادته أو أدى شهادة ضد هذا الدين. شهادة تصد الآخرين عنه. وهم يرون أهله يشهدون عليه لا له! وويل لمن يصد الناس عن دين الله عن طريق ادعائه أنه مؤمن بهذا الدين, وما هو من المؤمنين! ويمضي السياق إلى خاتمة القصة بين عيسى - عليه السلام - وبني إسرائيل: {ومكروا ومكر الله، والله خير الماكرين. إذ قال الله: يا عيسى إني متوفيك، ورافعك إليّ ومطهرك من الذين كفروا، وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة؛ ثم إليَّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون، فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة، وما لهم من ناصرين. وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم، والله لا يحب الظالمين}.. والمكر الذي مكره اليهود الذين لم يؤمنوا برسولهم - عيسى عليه السلام - مكر طويل عريض. فقد قذفوه عليه السلام وقذفوا الطاهرة أمه مع يوسف النجار خطيبها الذي لم يدخل بها كما تذكر الأناجيل.. وقد اتهموه بالكذب والشعوذة؛ ووشوا به إلى الحاكم الروماني "بيلاطس" وادعوا أنه "مهيج" يدعو الجماهير للانتقاض على الحكومة! وأنه مشعوذ يجدف ويفسد عقيدة الجماهير! حتى سلم لهم بيلاطس بأن يتولوا عقابه بأيديهم، لأنه لم يجرؤ - وهو وثني - على احتمال تبعة هذا الإثم مع رجل لم يجد عليه ريبة.. وهذا قليل من كثير.. {ومكروا ومكر الله. والله خير الماكرين}.. والمشاكلة هنا في اللفظ هي وحدها التي تجمع بين تدبيرهم وتدبير الله.. والمكر التدبير.. ليسخر من مكرهم وكيدهم إذا كان الذي يواجهه هو تدبير الله. فأين هم من الله؟ وأين مكرهم من تدبير الله؟ لقد أرادوا صلب عيسى - عليه السلام - وقتله. وأراد الله أن يتوفاه، وأن يرفعه إليه. وأن يطره من مخالطة الذين كفروا والبقاء بينهم وهم رجس ودنس، وأن يكرمه فيجعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة.. وكان ما أراده الله. وأبطل الله مكر الماكرين: {إذ قال الله: يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليّ ومطهرك من الذين كفروا، وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}. فأما كيف كانت وفاته، وكيف كان رفعه.. فهي أمور غيبية تدخل في المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا الله. ولا طائل وراء البحث فيها. لا في عقيدة ولا في شريعة. والذين يجرون وراءها، ويجعلونها مادة للجدل، ينتهي بهم الحال إلى المراء، وإلى التخليط، وإلى التعقيد. دون ما جزم بحقيقة. ودون ما راحة بال في أمر موكول إلى علم الله. وأما أن الله جعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة.. فلا يصعب القول فيه. فالذين اتبعوه هم الذين يؤمنون بدين الله الصحيح.. الإسلام.. الذي عرف حقيقته كل نبي، وجاء به كل رسول، وآمن به كل من آمن حقاً بدين الله.. وهؤلاء فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة في ميزان الله.. كما أنهم كذلك في واقع الحياة كلما واجهوا معسكر الكفر بحقيقة الإيمان، وحقيقة الاتباع.. ودين الله واحد. وقد جاء به عيسى بن مريم كما جاء به من قبله ومن بعده كل رسول. والذين يتبعون محمداً - صلى الله عليه وسلم - هم في الوقت ذاته اتبعوا موكب الرسل كلهم. من لدن آدم - عليه السلام - إلى آخر الزمان. وهذا المفهوم الشامل هو الذي يتفق مع سياق السورة، ومع حقيقة الدين كما يركز عليها هذا السياق. فأما نهاية المطاف للمؤمنين والكافرين، فيقررها السياق في صدد إخبار الله لعيسى عليه السلام: {ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون. فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين. وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم. والله لا يحب الظالمين}.. وفي هذا النص تقرير لجدية الجزاء، وللقسط الذي لا يميل شعرة، ولا تتعلق به الأماني ولا الافتراء.. رجعة إلى الله لا محيد عنها. وحكم من الله فيما اختلفوا فيه لا مرد له. وعذاب شديد في الدنيا والآخرة للكافرين لا ناصر لهم منه. وتوفية للأجر للذين آمنوا وعملوا الصالحات لا محاباة فيه ولا بخس.. {والله لا يحب الظالمين}.. فحاشا أن يظلم وهو لا يحب الظالمين.. وكل ما يقوله أهل الكتاب إذن من أنهم لن يدخلوا النار إلا أياما معدودات. وكل ما رتبوه على هذا التميع في تصور عدل الله في جزائه من أماني خادعة.. باطل باطل لا يقوم على أساس. وعندما يصل السياق إلى هذا الحد من قصة عيسى التي تدور حولها المناظرة ويدور حولها الجدل، يبدأ التعقيب الذي يقرر الحقائق الأساسية المستفادة من هذا القصص، وينتهي إلى تلقين الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما يواجه به أهل الكتاب مواجهة فاصلة تنهي الحوار والجدل؛ وتستقر على حقيقة ما جاء به، وما يدعو إليه، في وضوح كامل وفي يقين: {ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم. إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب. ثم قال له: كن. فيكون. الحق من ربك فلا تكن من الممترين. فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل: تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم، ونساءنا ونساءكم، وأنفسنا وأنفسكم، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين إن هذا لهو القصص الحق، وما من إله إلا الله. وإن الله لهو العزيز الحكيم. فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين. قل: يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم: ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أربابا من دون الله. فإن تولوا فقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون}.. وهكذا نجد هذا التعقيب يتضمن ابتداء صدق الوحي الذي يوحى إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -: {ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم}.. ذلك القصص. وذلك التوجيه القرآني كله. فهو وحي من الله. يتلوه الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - وفي التعبير معنى التكريم والقرب والود.. فماذا بعد أن يتولى الله تعالى التلاوة على محمد نبيه؟ تلاوة الآيات والذكر الحكيم.. وإنه لحكيم يتولى تقرير الحقائق الكبرى في النفس والحياة بمنهج وأسلوب وطريقة تخاطب الفطرة وتتلطف في الدخول عليها واللصوق بها بشكل غير معهود فيما يصدر عن غير هذا المصدر الفريد. ثم يحسم التعقيب في حقيقة عيسى عليه السلام، وفي طبيعة الخلق والإرادة التي تنشىء كل شيء كما أنشأت عيسى عليه السلام: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم. خلقه من تراب. ثم قال له: كن فيكون}.. إن ولادة عيسى عجيبة حقاً بالقياس إلى مألوف البشر. ولكن أية غرابة فيها حين تقاس إلى خلق آدم أبي البشر؟ وأهل الكتاب الذين كانوا يناظرون ويجادلون حول عيسى - بسبب مولده - ويصوغون حوله الأوهام والأساطير بسبب أنه نشأ من غير أب.. أهل الكتاب هؤلاء كانوا يقرون بنشأة آدم من التراب. وأن النفخة من روح الله هي التي جعلت منه هذا الكائن الإنساني.. دون أن يصوغوا حول آدم الأساطير التي صاغوها حول عيسى. ودون أن يقولوا عن آدم: إن له طبيعة لاهوتية. على حين أن العنصر الذي به صار آدم إنسانا هو ذاته العنصر الذي به ولد عيسى من غير أب: عنصر النفخة الإلهية في هذا وذاك! وإن هي إلا الكلمة: {كن} تنشىء ما تراد له النشأة {فيكون}! وهكذا تتجلى بساطة هذه الحقيقة.. حقيقة عيسى، وحقيقة آدم، وحقيقة الخلق كله. وتدخل إلى النفس في يسر وفي وضوح، حتى ليعجب الإنسان: كيف ثار الجدل حول هذا الحادث، وهو جار وفق السنة الكبرى. سنة الخلق والنشأة جميعاً! وهذه هي طريقة "الذكر الحكيم" في مخاطبة الفطرة بالمنطق الفطري الواقعي البسيط، في أعقد القضايا، التي تبدو بعد هذا الخطاب وهي اليسر الميسور! وعندما يصل السياق بالقضية إلى هذا التقرير الواضح يتجه إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - يثبته على الحق الذي معه، والذي يتلى عليه، ويؤكده في حسه؛ كما يؤكده في حس من حوله من المسلمين، الذين ربما تؤثر في بعضهم شبهات أهل الكتاب، وتلبيسهم وتضليلهم الخبيث: {الحق من ربك فلا تكن من الممترين}.. وما كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - ممترياً ولا شاكاً فيما يتلوه عليه ربه، في لحظة من لحظات حياته.. وإنما هو التثبيت على الحق، ندرك منه مدى ما كان يبلغه كيد أعداء الجماعة المسلمة من بعض أفرادها في ذلك الحين. كما ندرك منه مدى ما تتعرض له الأمة المسلمة في كل جيل من هذا الكيد؛ وضرورة تثبيتها على الحق الذي معها في وجه الكائدين والخادعين؛ ولهم في كل جيل أسلوب من أساليب الكيد جديد. وهنا - وقد وضحت القضية وظهر الحق جلياً - يوجه الله تعالى رسوله الكريم إلى أن ينهي الجدل والمناظرة حول هذه القضية الواضحة وحول هذا الحق البين وأن يدعوهم إلى المباهلة كما هي مبينة في الآية التالية: {فمن حاجك فيه - من بعد ما جاءك من العلم - فقل: تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم، وأنفسنا وأنفسكم. ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين}.. وقد دعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - من كانوا يناظرونه في هذه القضية إلى هذا الاجتماع الحاشد، ليبتهل الجميع إلى الله أن ينزل لعنته على الكاذب من الفريقين. فخافوا العاقبة وأبوا المباهلة. وتبين الحق واضحاً. ولكنهم فيما ورد من الروايات لم يسلموا احتفاظاً بمكانتهم من قومهم، وبما كان يتمتع به رجال الكنيسة من سلطان وجاه ومصالح ونعيم!!! وما كانت البينة هي التي يحتاج إليها من يصدون عن هذا الدين إنما هي المصالح والمطامع والهوى يصد الناس عن الحق الواضح الذي لا خفاء فيه. ثم يمضي التعقيب بعد الدعوة إلى المباهلة - وربما كانت الآيات التالية قد نزلت بعد الامتناع عنها - يقرر حقيقة الوحي، وحقيقة القصص، وحقيقة الوحدانية التي يدور حولها الحديث؛ ويهدد من يتولى عن الحق ويفسد في الأرض بهذا التولي: {إن هذا لهو القصص الحق. وما من إله إلا الله. وإن الله لهو العزيز الحكيم. فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين}. والحقائق التي تقررها هذه النصوص سبق تقريرها. وهي تذكر هنا للتوكيد بعد الدعوة إلى المباهلة وإبائها.. إنما الجديد هو وصف الذين يتولون عن الحق بأنهم مفسدون، وتهديدهم بأن الله عليم بالمفسدين.. والفساد الذي يتولاه المعرضون عن حقيقة التوحيد فساد عظيم. وما ينشأ في الأرض الفساد - في الواقع - إلا من الحيدة عن الاعتراف بهذه الحقيقة. لا اعتراف اللسان. فاعتراف اللسان لا قيمة له. ولا اعتراف القلب السلبي. فهذا الاعتراف لا ينشئ آثاره الواقعية في حياة الناس.. إنما هي الحيدة عن الاعتراف بهذه الحقيقة بكل آثارها التي تلازمها في واقع الحياة البشرية.. وأول ما يلازم حقيقة التوحيد أن تتوحد الربوبية، فتتوحد العبودية.. لا عبودية إلا لله. ولا طاعة إلا لله. ولا تلقي إلا عن الله. فليس إلا لله تكون العبودية. وليس إلا لله تكون الطاعة. وليس إلا عن الله يكون التلقي.. التلقي في التشريع، والتلقي في القيم والموازين، والتلقي في الآداب والأخلاق. والتلقي في كل ما يتعلق بنظام الحياة البشرية.. وإلا فهو الشرك أو الكفر. مهما اعترفت الألسنة، ومهما اعترفت القلوب الاعتراف السلبي الذي لا ينشئ آثاره في حياة الناس العامة في استسلام وطاعة واستجابة وقبول. إن هذا الكون بجملته لا يستقيم أمره ولا يصلح حاله، إلا أن يكون هناك إله واحد، يدبر أمره: و {أية : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}.. تفسير : وأظهر خصائص الألوهية بالقياس إلى البشرية: تعبد العبيد؛ والتشريع لهم في حياتهم، وإقامة الموازين لهم. فمن ادعى لنفسه شيئا من هذا كله فقد ادعى لنفسه أظهر خصائص الألوهية؛ وأقام نفسه للناس إلها من دون الله. وما يقع الفساد في الأرض كما يقع عندما تتعدد الآلهة في الأرض على هذا النحو. عندما يتعبد الناسُ الناس. عندما يدعي عبد من العبيد أن له على الناس حق الطاعة لذاته؛ وأن له فيهم حق التشريع لذاته؛ وأن له كذلك حق إقامة القيم والموازين لذاته. فهذا هو ادعاء الألوهية ولو لم يقل كما قال فرعون: {أية : أنا ربكم الأعلى}.. تفسير : والإقرار به هو الشرك بالله أو الكفر به.. وهو الفساد في الأرض أقبح الفساد. ومن ثم يتلو ذلك التهديد في السياق دعوة أهل الكتاب إلى كلمة سواء: إلى عبادة الله وحده، وعدم الإشراك به، وألا يتخذ الناس بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله.. وإلا فهي المفاصلة التي لا مصاحبة بعدها ولا مجادلة: {قل: يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم: ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله. فإن تولوا فقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون}.. وإنها لدعوة منصفة من غير شك. دعوة لا يريد بها النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتفضل عليهم هو ومن معه من المسلمين.. كلمة سواء يقف أمامها الجميع على مستوى واحد. لا يعلو بعضهم على بعض، ولا يتعبد بعضهم بعضاً. دعوة لا يأباها إلا متعنت مفسد، لا يريد أن يفيء إلى الحق القويم. إنها دعوة إلى عبادة الله وحده لا يشركون به شيئاً. لا بشراً ولا حجراً. ودعوة إلى ألا يتخذ بعضهم بعضاً من دون الله أرباباً. لا نبياً ولا رسولاً. فكلهم لله عبيد. إنما اصطفاهم الله للتبليغ عنه، لا لمشاركته في الألوهية والربوبية. {فإن تولوا فقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون}. فإن أبوا عبادة الله وحده دون شريك. والعبودية لله وحده دون شريك. وهما المظهران اللذان يقرران موقف العبيد من الألوهية.. إن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون.. وهذه المقابلة بين المسلمين ومن يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله، تقرر بوضوح حاسم من هم المسلمون. المسلمون هم الذين يعبدون الله وحده؛ ويتعبدون لله وحده؛ ولا يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله.. هذه هي خصيصتهم التي تميزهم من سائر الملل والنحل؛ وتميز منهج حياتهم من مناهج حياة البشر جميعاً. وإما أن تتحقق هذه الخصيصة فهم مسلمون، وإما ألا تتحقق فما هم بمسلمين مهما ادعوا أنهم مسلمون! إن الإسلام هو التحرر المطلق من العبودية للعبيد. والنظام الإسلامي هو وحده من بين سائر النظم الذي يحقق هذا التحرر.. إن الناس في جميع النظم الأرضية يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله.. يقع هذا في أرقى الديمقراطيات كما يقع في أحط الديكتاتوريات سواء.. إن أول خصائص الربوبية هو حق تعبد الناس. حق إقامة النظم والمناهج والشرائع والقوانين والقيم والموازين.. وهذا الحق في جميع الأنظمة الأرضية يدعيه بعض الناس - في صورة من الصور - ويرجع الأمر فيه إلى مجموعة من الناس - على أي وضع من الأوضاع - وهذه المجموعة التي تخضع الآخرين لتشريعها وقيمها وموازينها وتصوراتها هي الأرباب الأرضية التي يتخذها بعض الناس أربابا من دون الله؛ ويسمحون لها بادعاء خصائص الألوهية والربوبية، وهم بذلك يعبدونها من دون الله، وإن لم يسجدوا لها ويركعوا، فالعبودية عبادة لا يتوجه بها إلا لله. وفي النظام الإسلامي وحده يتحرر الإنسان من هذه الربقة.. ويصبح حراً. حراً يتلقى التصورات والنظم والمناهج والشرائع والقوانين والقيم والموازين من الله وحده، شأنه في هذا شأن كل إنسان آخر مثله. فهو وكل إنسان آخر على سواء. كلهم يقفون في مستوى واحد، ويتطلعون إلى سيد واحد، ولا يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله. والإسلام - بهذا المعنى - هو الدين عند الله. وهو الذي جاء به كل رسول من عند الله.. لقد أرسل الله الرسل بهذا الدين ليخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله. ومن جور العباد إلى عدل الله.. فمن تولى عنه فليس مسلماً بشهادة الله. مهما أول المؤولون, وضلل المضللون.. {أية : إن الدين عند الله الإسلام }..
ابن عاشور
تفسير : انتقال من تمهيدات سبب السورة إلى واسطة بين التمهيد والمقصد، كطريقة التخلّص، فهذا تخلّص لمحاجّة وفد نَجْرَانَ وقد ذكرناه في أول السورة، فابتُدىء هنا بذكر آدم ونوح وهما أبَوا البشر أو أحدُهما وذكر إبراهيم وهو أبو المقصودين بالتفضيل وبالخطاب. فأما آدم فهو أبو البشر باتفاق الأمم كلها إلاّ شذوذاً من أصحاب النزعات الإلحادية الذين ظهروا في أوروبا واخترعوا نظرية تسلسل أنواع الحيوان بعضها من بعض وهي نظرية فائلة. وآدم اسم أبي البشر عند جميع أهل الأديان، وهو علَم عليه وضعه لنفسه بإلهام من الله تعالى كما وضع مبدأ اللغة، ولا شك أنّ من أول ما يحتاج إليه هو وزوجه أن يعبِّر أحدهما للآخر، وظاهر القرآن أنّ الله أسماه بهذا الاسم من قبل خروجه من جنة عدن ولا يجوز أن يكون اسمه مشتقاً من الأدمة، وهي اللون المخصوص لأنّ تسمية ذلك اللون بالأدمة خاص بكلام العرب فلعلّ العرب وضعوا اسم ذلك اللون أخذاً من وصف لَون آدم أبي البشر. وقد جاء في سفر التكوين من كتاب العهد عند اليهود ما يقتضى: أنّ آدم وُجد على الأرض في وقت يوافق سنة 3942 اثنتين وأربعين وتسعمائة وثلاثة آلاف قبل ميلاد عيسى وأنه عاش تسعمائة وثلاثين سنة فتكون وفاته في سنة 3012 اثنتي عشرة وثلاثة آلاف قبل ميلاد عيسى هذا ما تقبّله المؤرّخون المتبعون لضبط السنين. والمظنون عند المحققين الناظرين في شواهد حَضارة البشرية أنّ هذا الضبط لا يُعتمد، وأن وجود آدم متقادم في أزمنة مترامية البعد هي أكثر بكثير مما حدّده سفر التكوين. وأمّا نوح فتقول التوراة: إنه ابن لاَمك وسمّي عند العرب لَمَك بن متوشالخ بن أخنوخَ (وهو إدريس عند العرب) ابن يارد بتحتية في أوله بن مَهلئيل بميم مفتوحة فهاء ساكنة فلام مفتوحة بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم. وعلى تقديرها وتقدير سني أعمارهم يكون قد ولد سنة ست وثمانين وثمانمائة وألفين قبل ميلاد عيسى وتوفي سنة ست وثلاثين وتسعمائة وألف قبل ميلاد عيسى والقول فيه كما تقدم في ضبط تاريخ وجود ءادم. وفي زمن نوح وقع الطوفان على جميع الأرض ونجاه الله وأولادَه وأزواجهم في الفُلْك فيكون أباً ثانياً للبشر. ومن الناس من يدّعى أنّ الطوفان لم يعم الأرض وعلى هذا الرأي ذهب مؤرّخو الصين وزعموا أنّ الطوفان لم يشمل قطرهم فلا يكون نوح عندهم أباً ثانياً للبشر. وعلى رأي الجمهور فالبشر كلهم يرجعون إلى أبناء نوح الثلاثة سام، حام، ويافث، وهو أول رسول بعثه الله إلى الناس حسب الحديث الصحيح، وعُمِّر نوح تسعماية وخمسين سنة على ما في التوراة فهو ظاهر قوله تعالى: {أية : فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما}تفسير : [العنكبوت: 14] وفي التوراة: أنّ الطوفان حدث وعمر نوح ستمائة سنة وأنّ نوحاً صار بعد الطوفان فلاّحاً وغرس الكرم واتّخذ الخمر. وذكر الألوسي صفته بدون سند فقال: كان نوح دقيق الوجه في رأسه طول عظيمَ العينين غليظ العضدين كثير لحم الفخذين ضخم السرّة طويل القامة جسيماً طويل اللحية، قيل: إنّ مدفنه بالعراق في نواحي الكوفة، وقيل في ذيل جبل لبنان، وقيل بمدينة الكرك، وسيأتي ذكر الطوفان: في سورة الأعراف، وفي سورة العنكبوت، وذكر شريعته في سورة الشورى، وفي سورة نوح. والآل: الرهط، وآل إبراهيم: أبناؤه وحفيده وأسباطه، والمقصود تفضيل فريق منهم. وشمل آل إبراهيم الأنبياءَ من عقبه كموسى، ومَن قبله ومن بعده، وكمحمد عليه الصلاة والسلام، وإسماعيل، وحنظلةَ بن صفوان، وخالد بن سنان. وأما آل عمران: فهم مريم، وعيسى، فمريم بنت عمران بن ماتان كذا سماه المفسرون، وكان من أحبار اليهود، وصالحيهم، وأصله بالعبرانية عمرام بميم في آخره فهو أبو مريم، قال المفسّرون: هو من نسل سليمان بن داود، وهو خطأ، والحق أنه من نسل هارون أخي موسى، كما سيأتي قريباً. وفي كتب النصارى: أنّ اسمه يوهاقيم، فلعله كان له اسمان ومثله كثير. وليس المراد هنا عِمران والد موسى وهارون؛ إذ المقصود هنا التمهيد لذكر مريم وابنِها عيسى بدليل قوله: {إذ قالت امرأت عمران}. وتقدم الكلام على احتمال معنى الآل عند قوله تعالى: {أية : وإذ نجيناكم من آل فرعون}تفسير : في سورة البقرة (49) ولكنّ الآل هنا متعين للحمل على رهط الرجل وقرابته. ومعنى اصطفاء هؤلاء على العالمين اصطفاء المجموع على غيرهم، أو اصطفاء كلّ فاضل منهم على أهل زمانه. وقوله: ذرية بعضها من بعض} حال من آل إبراهيم وآلِ عمران. والذرية تقدم تفسيرها عند قوله تعالى: {أية : قال من ذريتي}تفسير : في سورة البقرة (124) وقد أجمل البعض هنا: لأنّ المقصود بيان شدّة الاتصال بين هذه الذرية، فمن للاتصال لا للتبعيض أي بين هذه الذرية اتّصال القرابة، فكل بعض فيها هو متّصل بالبعض الآخر، كما تقدم في قوله تعالى:{أية : فليس من اللَّه في شيء}تفسير : [آل عمران: 28]. والغرض من ذكر هؤلاء تذكير اليهود والنصارى بشدّة انتساب أنبيائهم إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم فما كان ينبغي أن يجعلوا موجب القرابة مُوجبَ عداوة وتفريق. ومن هنا ظهر موقع قوله: {والله سميع عليم} أي سميع بأقوال بعضكم في بعضِ هذه الذرية: كقول اليهود في عيسى وأمه، وتكذيبهم وتكذيب اليهود والنصارى لمحمد صلى الله عليه وسلم
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 33- كما اصطفى الله محمداً لتبليغ رسالته، وجعل اتباعه وسيلة لحب الله ومغفرته ورحمته، كذلك اصطفى آدم وجعله من صفوة العالمين، واصطفى نوحاً بالرسالة، واصطفى إبراهيم وآله إسماعيل وإسحاق والأنبياء من أولادهما، ومنهم موسى - عليهم السلام -، واختار آل عمران واختار منهم عيسى وأمه، فعيسى جعله الله رسولا لبنى إسرائيل، ومريم جعلها أماً لعيسى من غير أب. 34- اختارهم ذرية طاهرة، فهم يتوارثون الطهر والفضيلة والخير. والله سميع لأقوال عباده، عليم بأفعالهم وما تُكنّه صدورهم. 35- واذكر - أيها النبى - حال امرأة عمران إذ نذرت وقت حملها تقديم ما تحمله خالصاً لعبادة الله وخدمة بيته، قائلة: يا رب، إنى نذرت ما فى بطنى خالصاً لخدمة بيتك فاقبل منى ذلك، إنك السميع لكل قول، العليم بكل حال. 36- فلما وضعت حملها قالت - معتذرة تناجى ربها -: إنى وَلَدت أُنثى والله عليم بما ولدت، وأن مولودها وهو أنثى خير من مطلوبها وهو الذكر. وقالت: إنى سميتها مريم وإنِّى أسألك أن تحصِّنها هى وذريتها من غواية الشيطان الرجيم. 37- فتقبل الله مريم نذراً لأمها، وأجاب دعاءها، فأنبتها نباتاً حسناً، وربَّاها فى خيره ورزقه وعنايته تربية حسنة مقومة لجسدها، وشأنه أن يرزق من يشاء من عباده رزقاً كثيراً، كلما دخل عليها زكريا فى معبدها وجد عندها رزقاً غير معهود فى وقته. قال - متعجباً -: يا مريم من أين لك هذا الرزق؟ قالت: هو من فضل الله، وجعل زكريا - عليه السلام - كافلا لها. وكان رزقها بغير عدد ولا إحصاء.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: اصطفى آدم: اختار، وآدم هو أبو البشر عليه السلام. آل إبراهيم: آل الرجل أهله وأتباعه على دينه الحق. عمران: رجل صالح من صلحاء بني إسرائيل في عهدهم الأخير هو زوج حنّة وأبو مريم عليهم السلام. العالمين: هم الناس المعاصرون لهم. إمرأة عمران: حَنّة. نذرت لك ما في بطني: ألزمت نفسها أن تجعله لله يعبده ويخدم بيته الذي هو بيت المقدس. محرّراً: خالصاً لا شركة فيه لأحد غير الله بحيث لا تنتفع به أبداً. مريم: خادمة الرب تعالى. أعيذها بك: أحصّنها وأحفظها بجنابك من الشيطان. وكفلها زكريا: زكريا أبو يحيى عليهما السلام وكانت امرأته أختاً لحنّة. المحراب: مقصورة ملاصقة للمسجد. أنّى لك هذا؟: من أين لك هذا، أي من أين جاءك. معنى الآيات: لما ادعى نصارى وفد نجران ما ادعوه في المسيح عليه السلام من تأليهه وتأليه أمّّه أنزل الله تعالى هذه الآيات يبينّ فيها مبدأ أمر عيسى وأمه وحقيقة أمرهما فأخبر تعالى أنه اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران اصطفاهم لدينه واختارهم لعبادته ففضلهم بذلك على الناس وأخبر أنهم ذريّة بعضهم من بعض لم تختلف عقائدهم، ولم تتباين فضائلهم وكمالاتهم الروحيّة وذلك لحفظ الله تعالى لهم وعنايته بهم. وأخبر تعالى أنه سميع عليم أي سميع لقول إمرأة عمران عليم بحالها لما قالت: {.. رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً..}، وذلك أنها كانت لا تلد فرأت في حديقة منزلها طائراً يطعم أفراخه فحنّت إلى الولد وسألت ربها أن يرزقها ولداً وتجعله له يعبده ويخدم بيته فاستجاب الله تعالى لها فحملت ومات زوجها وهي حبلى وقالت ما قص الله تعالى عنها في قولها: {إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} وحان وقت الولاد فولدت ولكن أنثى لا ذكراً فتحسرت لذلك، وقالت: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} وكيف لا يعلم وهو الخلاق العليم. وقالت: {.. وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ..} في باب الخدمة في بيت المقدس فلذا هي آسفة جداً، وأسمت مولودتها مريم أي خادمة الله، وسألت ربها أن يحفظها وذريتها من الشيطان الرجيم واستجاب الله تعالى لها فحفظها وحفظ ولدها عيسى عليه السلام فلم يقربه شيطان قط. وتقبل الله تعالى ما نذرته له وهو مريم فأنبتها نباتاً حسناً فكانت تنموا نماء عجيباً على خلاف المواليد، وكفلها زكريا فتربت في بيت خالتها وذلك أن حنة لما وضعتها أرضعتها ولفّتها في قِمَاطها وبعثت بها إلى صلحاء بني إسرائيل يسندونها إلى من يرون تربيتها في بيته، لأن أمها نذرتها لله تعالى فلا يصح منها أن تبقيها في بيتها ووالدها مات أيضا، فأحب كل واحد أن يكفلها فكفلها زكريا وأصبحت في بيت خالتها بتدبير الله تعالى لها، ولما كبرت أدخلها المحراب لتتعبد فيه، وكان يأتيها بطعامها، فيجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف فيعجب لذلك ويسألها قائلا: {يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا}؟ فتجيبه قائلة {هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} وتعلل لذلك فتقول: {إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان إفضال الله تعالى وإنعامه على من يشاء. 2- بيان أن عيسى عليه السلام ليس بابن الله ولا هو الله، ولا ثالث ثلاثة بل هو عبد الله ورسوله أمه مريم، وجدته حنّة، وجدّه عمران من بيت شرف وصلاح في بني إسرائيل. 3- استجابة الله تعالى لدعاء أوليائه كما استجاب لحنّة ورزقها الولد وأعاذ بنتها وولدها من الشيطان الرجيم. 4- مشروعية النذر لله تعالى وهو التزام المؤمن الطاعة تقرباً إلى الله تعالى. 5- بيان فضل الذَّكر على الأنثى في باب النهوض بالأعمال والواجبات. 6- جواز التحسّر والتأسف لما يفوت العبد من الخير الذي كان يأمله. 7- ثبوت كرامات الأولياء كما تم لمريم في محرابها. 8- تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إذ مثل هذه القصص لا يتأتَّى لأُميّ أن يقصه إلا أن يكون رسولاً يوحى إليه. ولهذا ختمه بقوله {أية : ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ} تفسير : [آل عمران: 44].
القطان
تفسير : اصطفى: اختار. الذرية: الأولاد. نذرتُ: أوجبت على نفسي. محرراً: مخصَّصا لعبادة الله. أعيذها بك: أجيرها بك. الرجيم: المطرود من الخير. أنبتها نباتا حسنا: رباها تربية صالحة. كفلها زكريا: جعل زكريا كافلا لها. المحراب: الغرفة، والمسجد، وأشرف جهة في المسجد. أنى لكِ هذا؟: من اين لك هذا. بعد ان بين الله تعالى ان الدين الحق هو الإسلام، وان اختلاف أهل الكتاب فيه كان بغياً منهم، وان الفلاح منوط باتّباع الرسول الكريم وطاعته ـ ذكر هنا بعضَ من اختارهم وجعل منهم الرسل الذين يبيّنون للناس طريق الله ومحبته. لقد اختار الله هؤلاء وجعلهم صفوة العالمين بجعل النبوة والرسالة فيهم كما اصطفى محمداً لتبليغ رسالته. فأول هؤلاء الصفوة المختارة آدم أبو البشر، اصطفاه ربه واجتباه. ثم جاء بعده نوح، أبو البشر الثاني. واصطفى ابراهيم وولديه. واختار آل عمران ومنهم عيسى وأمه. ولقد اختارهم ذريةً طيبة طاهرة، فهم يتوارثون الطُّهر والفضيلة والخير. اذكر أيها النبي حال امرأة عمران حين ناجت ربها وهي حامل بنذْرِ ما في بطنها لخدمة الله تعالى قائلة: يارب، إني نذرت ما في بطني خالصاً لخدمة بيتك، فاقبل مني ذلك إنك أنت السميع لكل قول، العليم بكل حال. فلما وضعت بنتا قالت معتذرة تناجي ربها: إني قد ولدت انثى، (وأنت اعلم بما ولدتُ)، وليس الذكر الذي تمنيت ان أنذره سادناً لبيتك كالأنثى التي وضعتها. ومع هذا فإني غير راجعة عما نويته من النذر. واذا كانت الأنثى غير جديرة بسدانة المعبد فلتكن من العابدات القانتات. إني أجيرها يا ربّ بحفظك ورعايتك من الشيطان الرجيم. فتقبّل الله مريم نذراً لأمها، وأجاب دعاءها. وجعل زكريا كافلاً لها. فكان كلما دخل زكريا عليها محرابها فوجد عندها ألوانا من الطعام لم تكن توجد تلك الأيام ـ قال لها: يا مريم من أين لك هذا والأيام جدب وقحط؟ قالت: هو من عند الله الذي يرزق الناس جميعا، ويرزق من يشاء من الناس بغير عدد ولا إحصاء. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. قراءات: قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ويعقوب: "والله اعلم بما وضعتُ" على انه من كلامها.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٰ ءَادَمَ} {وَآلَ إِبْرَاهِيمَ} {وَآلَ عِمْرَانَ} {ٱلْعَالَمِينَ} (33) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أنَّهُ اخْتَارَ هَذِهِ البُيُوتَ عَلَى سَائِرِ أهْلِ الأرْضِ، وَجَعَلَهُمْ صَفْوةَ العَالَمِينَ بِجَعْلِ الرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ فِيهِمْ، فَاصْطَفَى آدَمَ وَخَلَقهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ. وَاخْتَارَ نُوحاَ وَجَعَلَهُ أوَّلَ الرُّسُلِ، لَمَّا عَبَدَ النَّاسُ الأوْثَانَ وَأشْرَكُوا بِاللهِ. وَانْتَقَمَ اللهُ مِنْ قَوْمِهِ الذِينَ رَفَضُوا الاسْتِجَابَةَ إليهِ حِينَما دَعَاهُمْ إلى الحَقِّ. وَجَاءَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّبِيِّينَ، ثُمَّ تَفَرّقَتْ ذُرِّيَّتُهُ وانْتَشَرَتْ فِي البِلاَدِ، وَفَشَتْ فيهم الوَثَنِيَّةُ، فَظَهَر إبراهِيمُ نَبِيّاً مُرْسَلاً، وَتَتَابَعَ المُرْسَلُونَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَآلِهِ كإسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ، وَكَانَ مِنْ أرْفَع أوْلاَدِهِ ذِكْراً آلُ عِمْرانَ وَهُمْ عِيسَى وَأمُّهُ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وَخُتِمَتِ النُّبُوَّةُ بِولدِ إسْمَاعِيلَ محمدٍ صَلَوَاتُ اللهِ عَليهِ. اصْطَفَى - أخَذَ مَا صَفَا مِنَ الشَّيء - اخْتَارَ. آلِ عِمْرَان - عِيسى وَأمِّهِ مَرْيَمَ بنْتِ عِمْرَانَ.
الثعلبي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ}: قال ابن عباس: قالت اليهود: نحن أبناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ونحن على دينهم ومنهاجهم، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية: يعني: إنَّ اللَّه اصطفى هؤلاء الَّذين قالوا بالإسلام، وأنتم على غير دين الإسلام، واصطفى (افتعل) من الصفوة وهو الخالص من كل شيء، يعني: اختاروا واستخلصوا آدم أبو البشر ونوحاً شيخ المرسلين، وآل إبراهيم وآل عمران. قال بعضهم: أراد بآل إبراهيم وآل عمران: إبراهيم وعمران نفسهما، كقوله عزَّ وجلَّ: {أية : وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ} تفسير : [البقرة: 248]: يعني موسى وهارون (عليهم السلام). قال الشاعر: شعر : ولاتبك ميتاً بعد ميّت أحبّه علي وعبّاس وآل أبي بكر تفسير : يعني: أبا بكر. قال الباقون: آل إبراهيم: إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وإنَّ محمَّداً (عليه السلام) من آل إبراهيم وآل عمران. وقال مقاتل: هو عمران بن يصهر بن فاهاث بن لاوي بن يعقوب وآله موسى وهارون. قال الحسن ووهب بن منبه: هو عمران بن أشهم بن أمون من ولد سليمان بن داود وآله مريم وعيسى. وقيل: هو عمران بن ماتان، وامرأته حنّة، وخصّه من الأنبياء؛ لأنَّ الأنبياء والرسُل بقضَّهم وقضيضهم من نسلهم. {عَلَى ٱلْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً}: نصب على حال قاله الأخفش. الفرّاء على [القطع]؛ لأنَّ الذريَّة نكرة وآل إبراهيم وآل عمران معرفة. الزجَّاج: نصبٌ على البدل. وقيل: على النكرة أي اصطفى ذريَّة {بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ}: وقيل: على الحال أي بعضها من ولد بعض. وقال أبو روق: بعضها على دين بعض. {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}: قال الحروي: لمَّا مات الحسن البصري وكان مماته عشية الجمعة، فلمَّا صلَّى النَّاس الجمعة حملوه، فلم (تترك الصلاة) في المسجد الجامع بالبصرة منذ كان الإسلام إلاَّ يوم ممات الحسن، فإن الناس إتَّبعوا جنازته فلم يبق أحد يصلَّي في المسجد صلاة العصر. قال الجزائري: سمعت منادياً ينادي: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ}، وإصطفى الحسن البصري على أهل زمانه. الأعمش عن أبي وائل، قال: قرأت في مصحف عبد اللَّه بن مسعود: إنَّ اللَّه إصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران، فقال ابن عباس ومقاتل: هو عمران بن مايان وليس هو بعمران أبو موسى وبينهما ألف وثلثمائة سنة، وكان بنو مايان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم. وقال ابن إسحاق: هو عمران بن أشهم بن آمون بن ميثا بن حوقتا بن إحرين ين يونام بن عواريا بن إمضيا بن ياوس بن جربهوا بن يارم بن صف شاط بن لمساين بن يعمر بن سليمان بن داود (عليه السلام). {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً}: أي جعلت الذي في بطني محرَّرا نذراً منَّي لك، والنذر: ما أوجبه الانسان على نفسه بشريطة كان ذلك أو بغير شريطة. قال اللَّه فقولي: {أية : إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً} تفسير : [مريم: 26]: أي أوجبت. وقال النَّبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم: "حديث : من نذر أن يطيع اللَّه فليطعه، ومن نذر أن يعصي اللَّه فلا يعصه ". تفسير : قال الأعشى: شعر : غشيتُ لليلي بليل خدورا وطالبتها ونذرت النذورا تفسير : ومن هذا قولهم: نذر فلان دم فلان: أي أوجبت على نفسه قتله. وقال جميل: شعر : فليت رجالاً فيك قد نذروا دمي وحموا لقائي يابثين لقوني تفسير : محرَّراً: أي عتيقاً خالصاً لله خادماً للكنيسة حبيساً عليها مفرغاً لعبادة الله ولخدمة الكنيسة، لا يشغله شيء من الدنيا وكلَّما أخلص فهو محرَّر، يقال: حرَّرت العبد إذا أعتقته، وحرَّرت الكتاب إذا أخلصته وأصلحته فلم يبق فيه ما يحتاج إلى إصلاحه، ورجل حرّ إذا كان خالصاً لنفسه ليس لأحد عليه متعلق، والطين الحر الذي خلُص من الرمل والحصاة والعيوب. ومحرَّراً: نصب على الحال. وقال الكلبي وابن إسحاق وغيرهما: فإن الحر رجل إذا حرَّر وجعل في الكنيسة يقوم عليها ويكنسها ويخدمها ولا يبرحها حتى يبلغ الحلم، ثم يخيّر فإن رغب أن يقيم فيها أقام، وإنْ أحبَّ أن يذهب ذهب حيث شاء، فإن أراد أن يخرج بعد التخير لم يكن له ذلك، ولم يكن أحد من [الأنبياء] والعلماء إلاَّ ومن نسل محرَّراً ببيت المقدس، ولم يكن محرَّراً إلاَّ الغلمان، وكانت الجارية لا تكلف ذلك ولا تصلح له لمّا يمسها من الحيض والأذى، فحرَّرت أُمَّ مريم ما في بطنها. وكان القصة في ذلك أنَّ زكرَّيا وعمران تزوجا أُختين، وكانت إيشاع بنت فاقود أم يحيى عند زكرَّيا وحنَّة بنت فاقود أم مريم عند عمران، وقد كان أمسك على حنَّة الولد حتى أيست وعجزت، وكانوا أهل بيت من الله بمكان، فبينما هي في ظل شجرة بصرتُ بطائر يطعم فرخاً فتحركت لذلك شهوتها للولد، ودعت الله أن يهب لها ولداً وقالت: اللهم لك عليَّ إن رزقتني ولداً أن أتصدَّق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمه نذراً وشكراً، فحملت بمريم فحرَّرت ما في بطنها ولا تعلم ما هو، فقال لها زوجها: ويحك ما صنعت أرأيت إن كان ما في بطنك أنثى [والأُنثى عورة] لا تصلح لذلك فوقعا جميعاً في همَّ من ذلك، فهلك عمران وحنَّة حامل بمريم. {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا}: أي ولدتها وإذا هي جارية، فالهاء في قوله: {وَضَعْتُهَآ} راجعة إلى النذيرة أي مريم من حنّة، لذلك أنَّث. {قَالَتْ}: عذراً وكانت ترجوا أن تكون غلاماً ولذلك حررَّت. {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ}: أعتذار إلى اللَّه عزّوجل. {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ}: [ما ظنّت] عن السدي، وقرأ [العامّة بتسكين التاء] وقرأ علي وأبو ميثم النجفي وابن عامر وأبو بكر ويعقوب: {وَضَعَتْ} بضمّ التاء جعلوها من كلام أمّ مريم. {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ}: في خدمة الكنيسة والعُبَّاد الذين فيها؛ لعورتها وضعفها وما يعتريها من الحيض والنفاس والأذى. {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ}: وهي بلغتهم: [الخادمة والعابدة، وكانت أجمل النساء في وقتها وأفضلها]. روى أبو زرعة عن أبي هريرة إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : حسبك من نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ". تفسير : {وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ}: آمنها وأجيرها بك. {وَذُرِّيَّتَهَا}: وأولادها. {مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِِ}: الطريد اللعين المرمي بالشهب. ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما من مولود إلاَّ والشيطان يمسه حين يولد فيستهلُ صارخاً من مس الشيطان إيّاه إلاَّ مريم وإبنها" تفسير : ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: {وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ}. سعيد عن قتادة قال: "حديث : كل أدمي طعن الشيطان في جنبه حين يولد غير عيسى ابن مريم وأمه جُعِل بينهما حجاب فأصاب الطعن الحجاب ولم ينفذ إليهما منه شيء ". تفسير : قال: وذكر لنا أنّهما كانا لا يصيبان من الذنوب كما يصيبه سائر بني آدم. وقال وهب بن منبه: "لمّا ولد عيسى (عليه السلام) أتى الشياطين إبليس فقالوا: أصبحت الأصنام منكّسة، فقال: هذا لحادثٌ حدث، وقال: مكانكم، فطار حتى جاء خافقي الأرض فلم يجد شيئاً، ثم جاء البحار فلم يجد شيئاً، ثمّ طار أيضاً فوجد عيسى قد ولد، وإذا الملائكة قد حفّت حوله فلم يصل إليه إبليس فرجع إليهم، فقال: إنّ نبياً قد ولد البارحة ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلاَّ أنا بحضرتها إلاَّ هذه، فأيسوا أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة، ولكن ائتوا بني آدم من قِبَل الخفة والعجلة. {فَتَقَبَّلَهَا}: أي تقبل اللَّه من حنّة مريم ورضيها مكان المحرر، يقال: قبل ولأن الشيء إذا رَضَيَه يقبله قبولاً بالفتح مصدر، مثل الزارع والزروع والقبول، ولم يأت غير هذه الثلاثة، والقياس الضم مثل الدخول والخروج، قاله أبو عمر والكسائي والأئمّة، وقال بعضهم: معنى التقبّل: التكفّل في التربية والقيام بشأنها. وقال الحسن: قبوله إيّاها أنه ما عذّبها ساعة من نهار ولا ليل. {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ}: ولم يقل بتقبّل وهذا النوع يقال له: المصدر على غير المصدر. قال الفرّاء: مثل قولك تكلمت كلاماً. قال الفطامي: وخير الأمر ما استقلّت فيه وليس بأن يتبعه إتباعاً. وقال آخر: وإن مشيتم تعاودنا عوادا، ولم يقل: تعاودوا. {وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً}: ولم يقل: إنباتاً. جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} يقول: سلك بها طريق السعداء {وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً}: يعني سوّى خلقها من غير زيادة ولا نقصان. وكانت تنبت في اليوم كمثل ما ينبت المولود في عام واحد. ابن جريج: أنبتها ربها في غذائه ورزقه نباتاً حسناً حتى تمت امرأة بالغة تامة. {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا}: قال المفسرون: أخذتها أمّ مريم حين ولدتها، فلفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد، فوضعتها عند الأحبار أولاد هارون وهم يومئذ يكونون في بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فتنافس فيها الأحبار؛ لأنّها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، فقال لهم زكريا: أنا أحقكم بها؛ [لأن] عندي خالتها. فقال له الأحبار: لا تفعل ذلك؛ فإنّها لو تركت وحقُّ الناس بها لتركت لأُمها التي ولدتها، ولكنّا نقرع عليها فتكون عند من خرج سهمه، فانطلقوا وكانوا تسعة وعشرين رجلاً إلى نهر جاري. قال السدي: هو نهر الأردن، فألقوا أقلامهم في الماء، فارتفع قلم زكريا فوق الماء وانحدرت أقلامهم [ورسبت] في النهر، قاله ابن إسحاق وجماعة. وقال السدي وجماعة: بل ثبت قلم زكريا وقام فوق الماء كأنه في طين وجرت أقلامهم مع جريان الماء [فذهب بها الماء]، فسهمهم وقرعهم زكريا، وكان رأس الأحبار ونبيهم فذلك قوله تعالى: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} ضمّها إلى نفسه وقام بأمرها. قال ابن إسحاق: فلمّا كفّلها زكريا ضمّها إلى خالتها أم يحيى واسترضع لها، حتى إذا نشأت وبلغت مبالغ النساء بنى لها محراباً: أي غرفة في المسجد، وجعل بابه إلى وسطها، لا يرقى إليها إلاّ بسلّم مثل باب الكعبة، فلا يصعد إليها غيره، وكان يأتيها بطعامها وشرابها ودهنها كلّ يوم. {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً}: يعني وجد زكريا عندها فاكهة في غير أوانها، فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف غضّاً طريّاً. {قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا} فإنّها كانت إذا رزقها اللَّه شيئاً وسألت عنه {قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. أخبرنا عبد الله بن حامد بإسناده عن جابر بن عبد الله: حديث : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام أيّاماً لم يُطعم طعاماً، حتى شقّ ذلك عليه فطاف في منازل أزواجه، فلم يصب في بيت أحد منهنّ شيئاً، فأتى فاطمة رضي الله عنها فقال: "يا بنيّة هل عندكِ شيء آكلُ فإنّي جائع؟" فقالت: لا والله بأبي أنتَ وأمّي، فلمّا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندها، بعثت إليها جارة لها برغيفين وبضعة لحم، فأخذته منها ووضعته في جفنة وغطّت عليه وقالت: لأوثرنّ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي ومن عندي، وكانوا جميعاً محتاجين إلى شبعة من طعام، فبعثت حسناً وحسيناً إلى جدّهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إليها، فقالت: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله قد أتانا الله بشيء فخبّأته لك، قال: "فهلمّي به"، فأُتي به فكشف عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزاً ولحماً، فلمّا نظرت إليه بهتت وعرفت أنّها من بركة الله، فحمدت الله تعالى وصلّت على نبيّه، فقال (عليه السلام): "من أين لك هذا يا بنيّة؟" قالت: هو من عندالله إنّ الله يزرق من يشاء بغير حساب، فحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "الحمد لله الذي جعلك شبيهة بسيّدة نساء بني إسرائيل، فإنّها كانت يرزقها الله رزقاً حسناً فسُئِلت عنه {قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}] فبعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى علي رضي اللَّه عنه، ثم أكل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين وجميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته جميعاً حتى شبعوا . تفسير : قالت فاطمة: وبقيت الجفنة كما هي فأوسعت منها على جميع جيراني فجعل اللَّه فيها بركة وخيراً. قال أهل التفسير: فلما رأى زكريا ذلك قال: إن الذي قدر على أن يأتي مريم بالفاكهة في غير حينها من غير سبب ولا فعل أحد لقادر على أن يصلح زوجتي ويهب لي غلاماً على الكبر، فطمع في الولد وذلك إن أهل بيته كانوا قد إنقرضوا، وكان زكريا قد شاخ وأيس من الولد. قال اللَّه تعالى: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ}: أي فعند ذلك. و"هنا" إشارة إلى الغاية كما أن "هذه" إشارة إلى الحاضر. والكاف: اسم المخاطب وكسرت اللام لإلتقاء الساكنين. قال المفضل بن سلمة: أكثر ما يقال هنالك في الزمان وهناك في المكان وقد جعل هذا مكان هذا. {دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ}: فدخل المحراب وغلق الأبواب وناجى ربه. {قَالَ رَبِّ}: أي يا رب فحذف حرف النداء من أوله والياء من آخره، استغني بكسر الباء عن الياء. {هَبْ لِي}: أعطني، {مِن لَّدُنْكَ}: من عندك. وفي لدن أربع لغات: لَدُنْ بفتح اللام وضم الدال وجزم النون وهو أفصحها، ولَدُ بفتح اللام وضم الدال وحذف النون، ولَدْنَ بفتح اللام وسكون الدال وفتح النون، ولُدْنَ بضم اللام وجزم الدال وفتح النون. قال الفرّاء: وهي يخصّص بها على الإضافة، وترفع على مذهب مذ، وأنشد قول أبي سفيان بن حرب على الوجهين: شعر : ما زال مهري مزجر الكلب منهم لدن غدوة حتى دنت لغروب تفسير : {ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً}: نسلاً مباركاً تقيّاً صالحاً رضيّاً، والذرية تكون واحداً أو جمعاً ذكراً أو أنثى، وهو ههنا واحد يدل عليه قوله: {أية : فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً} تفسير : [مريم: 5]، ولم يقل أولياء وإنّما أنث طيبة؛ لتأنيث لفظ الذرية. كما قال الشاعر: شعر : أبوك خليفة ولدته أخرى وأنت خليفة ذاك الكمال تفسير : فأنث ولدته؛ لتأنيث لفظ الخليفة، فكما قال آخر: شعر : فما تزدري من حية جبلية سكات إذا ما غض ليس بأدردا تفسير : فأنث الجبلية؛ لتأنيث لفظ الحية ثم رجع إلى المعنى، فقال: غض؛ لأنه أراد حية ذكراً والحية تكون الذكر والانثى، وإنّما جوّز هذا فيما لم يقع عليه؛ فلأن من الأسماء كالدابة والذرية والخليفة فإذا سمي بشيء من ذلك رجل هو كان من معنى رجلان، لم يجز تأنيث فعله ولا نعته فلا تقول من ذلك: حدثنا مغير الضبي، ولا يجوز حدثتنا مغيرة الضبية. {إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ}: أي سامعه وقيلَ مجيبه، لقوله تعالى: {أية : إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ} تفسير : [يس: 25]: أي فأجيبون. وقولهم: سمع اللَّه لمن حمده: أي أجابه. وأنشد: شعر : دعوت اللَّه حتى خفتُ ألا يكون اللَّه يسمعُ ما أقول: أي بكيتُ تفسير : قتادة عن أنس بن مالك قال: قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيما رجلٌ مات وترك ذرية طيبة أجرى اللَّه عليه مثل أجر عملهم لا ينقص من أجورهم شيئاً ". تفسير : {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ}: قرأ يحيى وثابت والأعمش وحمزة والكسائي وخلف: فناديه بالياء، وأبو عمارة وأبو عبيدة، وقرأ الباقون: بالتّاء واختاره أبو حاتم: فإذا تقدم الفعل فأنت فيه بالخيار إنْ شئت أنَّثت وإن شئت ذكَّرت، إلاّ أنّ من قرأ بالتاء؛ فلأجل تأنيث الملائكة للفظ والجمع مع إن الذكور إذا تقدم فعلهم وهو جماعة كان التأنيث فيه أحسن وأفصح كقوله: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا} تفسير : [الحجرات: 14]، ومَن ذكّر خلها. روى القاسم بن سلام عن جرير عن مغيرة عن إبراهيم، قال: كان عبد اللَّه يُذكّر الملائكة في القرآن، قال أبو عبيدة: إنمايرى [أن] اللَّه اختار ذلك خلافاً على المشركين في قولهم: الملائكة بنات اللَّه فأراد بالتذكير هاهنا إكذابهم. وروى الشعبي أن ابن مسعود قال: إذا اختلفتم في الياء والتاء فاجعلوها ياءاً وذكّروا القرآن. وروى عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: إذا كان الحرف في القرآن تاء وياء فأجعلوها ياء. وأراد بالملائكة ههنا: جبريل وحده؛ وذلك أنّ زكريا الحبر الكبير الذي تعهد بالقربان، وبفتح باب المذبح فلا يدخلون حتى يأذن لهم في الدخول، فبينا هو قائم في المسجد عند المذبح يصلي والناس ينتظرونه أن يأذن لهم في الدخول، إذ هو برجل شاب عليه ثياب بيض ففزع منه فناداه وهو جبريل: يا زكريا {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ} فذلك قوله: {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ}: يعني جبريل وحده نظيره قوله في هذه السورة {وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يٰمَرْيَمُ} [آل عمران: 42]: يعني جبريل وحده، وقوله في النحل: {أية : يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ} تفسير : [النحل: 2]: يعني جبريل ما يروح بالوحي؛ لأنّ الرسول إلى جميع الأنبياء جبريل (عليه السلام)، يأت عليه قوله ابن مسعود، فناداه جبريل {وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ}: وهذا جائز في العربية أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع كقولهم: ركب فلان في السفن، وإنما ركب سفينة واحدة، وخرج على بغال البريد، وإنما على بغل واحد، وسمعت هذا الخبر من الناس، وإنما سمع من واحد نظير قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ}تفسير : [آل عمران: 173]: يعني نعيم بن مسعود. {أية : إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ}تفسير : [آل عمران: 173]: يعني أبا سفيان ونحوها كثرة. وقال المفضل بن سلمة: إذا كان القائل رئيساً فيجوز الإخبار عنه بالجمع؛ لاجتماع أصحابه معه، فلمّا كان جبريل رئيس الملائكة وكل ما يُبعث إلاَّ ومعه جمع منهم فهي على هذا. {وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ}: يعني في المسجد، نظيره قوله: {أية : فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ} تفسير : [مريم: 11]: أي المسجد، وقوله: {أية : إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ} تفسير : [ص: 21]: أي المسجد، وهو مفعال من الحرب، قيل: سمي بهذا؛ لأنّه تحارب فيه الشيطان، كما قيل: مضمار للميدان الذي تضمر فيه الخيل، وأمال ابن عامر المحراب في جميع القرآن، وفخّمه الآخرون. {أَنَّ اللَّهَ} قرأ ابن عامر وعيسى بن عمرو والأعمش وحمزة: بكسر الألف على إضمار القول تقديره: فنادته الملائكة فقالت: إن اللَّه؛ لأن النداء قول. وقرأ الباقون: بالفتح بإيقاع النداء عليه كأنه قال: فنادته الملائكة أن اللَّه يُبشرك. وقرأ عبد اللَّه: {فِي ٱلْمِحْرَابِ} يا زكريا إن اللَّه {يُبَشِّرُكَ}: اختلف الفرّاء في مستقبل هذا الفعل وجملها في القرآن عشرة: موضعين ههنا وفي التوبة {أية : يُبَشِّرُهُمْ} تفسير : [الآية: 21] ومريم وفي الحجر {أية : إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} تفسير : [الحجر: 53]، [مريم: 7]، و {أية : فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} تفسير : [الحجر: 54] وفي سبحان والكهف {أية : وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [البقرة: 223]، [التوبة: 112]، وفي مريم موضعين: {أية : يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ} تفسير : [الآية: 7] و{أية : لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الآية: 97]، وفي حم عسق: {أية : ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ} تفسير : [الشورى: 21، 23] فهذه عشرة مواضع اتّفقوا على واحد منها إنها مشددة، وهو قوله: {فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} واختلفوا في التسعة الباقية فقرأها: حمزة كلها بفتح الباء وجزم الياء وضم الشين وتخفيفها. وقرأ يحيى بن رثاب والكسائي خمسة منها مخففة، موضعين ههنا وفي سبحان والكهف وعسق. وخفّف ابن كثير وأبو عمرو منها حرفاً واحداً وهو قوله: في {حم، عسق ذَلِكَ} النبي {أية : ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ} تفسير : [الشورى: 23]. وقرأها كلها حميد بن قيس: بضم الياء وجزم الباء وكسر الشين وتخفيفها. الباقون: بضم الياء وفتح الباء وكسر الشين وتشديده، فمن خفّف الشين وضم الباء وهو من أبشر يُبشر، قال الشاعر: شعر : يا أُمّ عمرو أبشري بالبشرى موتُ ذريع وجراد عظلي تفسير : ومن قرأ بتخفيف الشين مع فتح الباء فهو من بشر يبشر، وهو لغة أهل تهامة وقراءة ابن مسعود. قال الشاعر: شعر : نشرت عوالي إذ رأيتُ حيفة ماسك من الحجّاج تعلى كتابها تفسير : وقال الفرّاء: شعر : وإذا رأيت الباهشين إلى العلى غبراً أكفهم بقاع ممحل فأعنهم وأبشر بما بشروا به وإذا هم نزلوا بضنك فأنزل تفسير : روي عبد الرحمن بن أبي حماد عن معاذ الكوفي، قال: من قرأ يبشرهم مثقلة فإنّه من البشارة ومن قرأ يبشّرهم مخفّفة بنصب الياء فإنّه من السرور، يسرّهم، وتصديق هذه القراءة ما روى ابن زيد بن أسلم عن أبيه: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: إن اللَّه يبشرك بغلام فولدت امرأته غلاماً. ومن قرأ بالتشديد من بشر يُبشر بشيراً وهو أعرب اللغات وأفصحهم. قال جرير: شعر : يا بشر حق لوجهك التبشير هلا غضبت لنا وأنت أمير تفسير : ودليل التشديد: إنّ كلّ ما في القرآن من هذا الباب من فعل واجب أو أمر فهو بالتثقيل لقوله: {أية : فَبَشِّرْ عِبَادِ * ٱلَّذِينَ} تفسير : [الزمر: 17، 18]، {أية : وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ} تفسير : [الصافات: 112]، {أية : قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الحجر: 55]. {بِيَحْيَـىٰ}: هو اسم لا يجري لمعرفته، والمزايد في أوله مثل: يزيد ويعمر ويشكر وأماله قوم؛ لأجل الياء وفخّمه الآخرون، وجمعُهُ "يحيون" مثل موسون وعسون، واختلفوا فيه لِمَ سُمي "يحيى". قال ابن عباس: لأن اللَّه أحيا به عقر أُمه. قتادة: لأن اللَّه أحيا قلبه بالإيمان. بعضهم: لأن اللَّه أحيا قلبه بالنبوة. الحسن بن الفضل: لأن اللَّه أحياه بالطاعة حتى لم يعصِ ولم يهم بمعصية. ما روى عن ابن عباس، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ما من أحد إلاَّ ويلقى اللَّه عز وجل قد همّ بخطيئة قد عملها إلاَّ يحيى بن زكريا فإنه لم يهم ولم يعملها. قال الثعلبي: [سمعت] الاستاذ أبا القاسم بن حبيب يقول: سُمي بذلك؛ لأنه أُستشهد والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من هوان الدنيا على اللَّه إن يحيى بن زكريا قتلته امرأة ". تفسير : قال الثعلبي: وسمعت أبا منصور [الجمشاذي] يقول: عن عمر بن عبيد اللَّه المقدسي: أوحى اللَّه إلى إبراهيم الخليل: أن قل ليسارة وكذلك كان اسمها: أني مخرج منكما عبداً لا يموت بمعصيتي اسمه حيى فهبي له من اسمك حرفاً، فوهبت له أول حرف من إسمها فصار يحيى وصارت امرأة إبراهيم سارة. { مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ}: نصب على الحال {مِّنَ ٱللَّهِ}: يعني عيسى (عليه السلام) سُمي كلمة؛ لأن اللَّه قال له: كن من غير أب فكان، فوقع عليه اسم الكلمة؛ لأنه كان بها، ويحيى أول من آمن بعيسى فصدّقه، وكان يحيى أكبر من عيسى بستة أشهر، وكانا ابني خالة، ثم قُتل يحيى قبل أن يرفع عيسى (عليهما السلام). وقال أبو عبيدة وعبدالعزيز بن يحيى: بكلمة من اللَّه وآياته، يقول: أنشدني كلمة فلان: أي قصيدته. {وَسَيِّداً}: من فيعمل نحو ساد يسود أصله يسود، وهو الرئيس الذي يتَّبع ويُنتهى إلى قوله. قال المفضل: أراد سيداً في الدين. شريك عن أبي روق عن الضحاك قال: السيد الحسن الخلق. وروى شريك بإسناده أيضاً عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال: السيد هو الذي يطيع ربه عز وجل. سعيد بن المسيب: السيد الفقيه العالم. قتادة: سيد في العلم والصوم، سعيد بن جبير: الحليم، الضحّاك: التقي، عكرمة: الذي لا يغضب، مجاهد: الكريم على اللَّه، ابن زيد: الشريف الكبير، سفيان الثوري: الذي لا يحسد. روى يوسف بن الحسين الرازي عن ذي النون المصري قال: الحسود لا يسود. قال الخليل بن أحمد: مطاعاً. الزجّاج: هو الذي ينوي وبكل شيء من الخير أقرانه. أحمد بن عاصم: السيد القانع بما قسم له. أبو بكر الورّاق: الراضي بقضاء اللَّه تعالى. محمد بن علي الترمذي: المتوكل على اللَّه. أبو زيد البسطامي: هو الذي قد عظمت همته ونبل قدره، لم يُحدث نفسه بدار الدنيا، وقيل: هو السخي. روى ابن الزبير عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من سيدكم يا بني سلمة؟ قالوا: جد بن قيس غير أنّه بخيل جبان. قال: وأيُّ داء أدوى من البخل، بل سيدكم عمرو بن جموح. روى عبد اللَّه بن عباس: إنه كان قاعداً مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فجاءه بضعة عشر رجلاً عليهم ثياب السفر، فسلموا على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وعلى القوم، ثم قالوا: مَن السيد منكم؟ فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ذلك يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فعرفوا أنه رسول اللَّه، فقالوا: فما في أمتك سيد، قال: بلى رجلٌ أعطى مالاً حلالا ورُزِقَ سماحةً، وأدنى الفقراء وقلتْ شكايتهُ. وروى أن أسد بن عبد اللَّه قال لرجل من بني شيبان: بلغني أن السودد فيكم رخيص. فقال: أما نحن فلا نسود إلاَّ من يعطينا رحله، ويفرش لنا عرضه، ويعطينا ماله. فقال: واللَّه إن السودد فيكم لغال. {وَحَصُوراً}: أصله من الحصر وهو الحبس، يُقال: حصرت الرجل عن حاجته إذا حبسته، وحصرت من كذا أحصر إذا امتنع منهُ، وحصر فلان في قرأته إذا امتنع من القراءة فلم يقدر عليها، ومنه احصار العدو. قال اللَّه تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً} تفسير : [الإسراء: 8]: أي محبساً. ويقال للرجل الذي يكتم السر ويحبسهُ ولا يظره حُصر. قال جرير: شعر : ولقد تسقطني الوشاة فصادفوا حصراً بسركِ يا أميم ضنيناً تفسير : فالحصور في قول ابن مسعود وابن عباس وابن جبير وقتادة وعطاء وأبي الشعثاء والحسن والسدي وابن زيد: الذي لا يأتي النساء ولا يقربهنّ، فهو على هذا القول: مفعول بمعنى فاعل يعني: أنه يحصر نفسه عن الشهوات. وقال سعيد بن المسيب والضحّاك: هو العنّين الذي لا ماء له، ودليل هذا التأويل ما روى أبو صالح عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : كل ابن آدم يلقى اللَّه بذنب قد أذنبه يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلاّ يحيى بن زكريا فإنه كان سيداً وحصورا ". تفسير : {وَنَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ}: ثم أهوى النبي صلى الله عليه وسلم بيده إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال: "حديث : كان ذكره مثل هذه القذاة ". تفسير : وقال المبرد: الحصور الذي لا يدخل في اللعب والعبث والأباطيل، وأصله من قول العرب الذي لا يدخل في الميسر حصور. قال الأخطل: شعر : وشاربُ مربح بالكأس نادمني لا بالحصور ولا فيها بسوار تفسير : فلما نادت الملائكة زكريا بالبشارة {قَالَ رَبِّ}: يا سيدي قاله لجبرائيل (عليه السلام)، وهذا هو قول الكلبي وأكثر المفسرين. وقال الحسن بن الفضل: إنّما قال زكريا لله يا رب لا لجبرائيل. {أَنَّىٰ يَكُونُ}: من أين يكون، {لِي غُلاَمٌ}: ابن. {وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ}: قال أبو حمزة والفرّاء والمورّخ بن المفضّل: هذا من المقلوب: أي قد بلغت الكبر كما يقال: بلغني الجهد: أي إني في جهد، ويقول هذا القول لا يقطعني أي لا يبلغ [بي] ما أريد [أن] يقطعه، وأنشد المفضل: شعر : كانت فريضةٌ ما زعمت كما كانت الزناء فريضة الرجم تفسير : وقيل معناه: وقد نالني الكبر وأدركني وأخذ مني وأضعفني. قال الكلبي: كان يوم بُشر بالولد ابن اثنين وتسيعن سنة، وقيل: ابن تسع وتسعون سنة، فذلك قوله: {وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ}: أي عقيم لا تلد، يقال: رجل عاقر وامرأة عاقر، وقد عُقر بضم القاف، يعقر عقراً وعقارة، وقيل: تكلم حتى أُعقِر بكسر القاف يعقر عقراً إذا أبقى فلم يقدر على الكلام. وقال عامر بن الطفيل: شعر : ولبئس الفتى إن كنت أعورُ عاقراً جباناً فما عذري لدى كل محضر تفسير : وإنما حذف الهاء؛ لاختصاص الأُناث بهذه، وقال به تارة الخليل. وقال سيبويه: للنسبة أي ذات عقر، كما يقال: امرأة مرضع أي ذات ولد رضيع وكل (...) امرأتي عنى عاقر، وشخص عاقر. وقال عبيد: عاقر مثل ذات رحم، أو خانم مثل من [ينحب]. {قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ}: فإن قيل: لم تنكر زكريا ذلك وسأل الآية بعدما بشرته به الملائكة أكان ذلك [شكّ في صدقهم [أم أنّ] ذلك منه استنكاراً لقدرة ربّه]؟ وهذا لا يجوز أن يوصف به أهلُ الإيمان فكيف الأنبياء (عليهم السلام)؟ قيل: إن الجواب عنه ما روى عكرمة والسدي: إن زكريا لما سمع نداء الملائكة جاءه الشيطان، فقال: يا زكريا إن الصوت الذي سمعته ليس من اللَّه، إنما هو من الشيطان يسخر بك، ولو كان من اللَّه لأوحاه إليك خفياً، كما (ناداك) خفياً وكما يوحى إليك في سائر الأمور، فقال ذلك دفعاً للوسوسة. والجواب الثاني: إنه لم يشك في الولد وإنما شك في كيفيته والوجه الذي يكون منه الولد فقال: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ}: أي فكيف يكون لي ولد؟ أتجعلني وامرأتي شابين؟ أم ترزقنا ولداً على كبرنا؟ أم ترزقني من امرأتي أو غيرها من النساء؟ قال ذلك مستفهماً لا منكراً، وهذا قول الحسن وابن كيسان. {قَالَ رَبِّ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً}: علامة أعلم بها وقت حمل امرأتي فأزيد في العبادة شكراً لك. {قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ}: تكف عن الكلام. { ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً}: تقبل بكلمتك على عبادتي وطاعتي لا أنه حبيس لسانه عن الكلام، ولكنه نُهي عنه يُدل عليه قوله: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ}. قال بعض أهل المعاني وقال أكثر المفسرين: عُقد لسانه عن الكلام؛ عقوبة له لسؤاله الآية بعد مُساءلة الملائكة إياه، فلم يصدر على الكلام ثلاثة أيام إلاَّ رمزاً: إشارة. قال الفرّاء: ويكون الرمز باللسان من غير أن يبين، وهو الصوت الخفي شبه الهمس. وقرأ الأعمش: {رَمْزًا}: بفتح الميم وهو الصلاة كالطلب به. وقال عطا: أراد به صوم ثلاثة أيام؛ لأنهم كانوا إذا صاموا لم يتكلموا إلاَّ رمزاً. {وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ}: يعني جبرئيل وحده. {يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاكِ}: بولادة عيسى من غير أب. {وَطَهَّرَكِ}: من [مسيس] الرجل. وقال السدي: كانت مريم لا تحيض. {وَٱصْطَفَاكِ}: بالتحرير في المسجد، { عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَالَمِينَ}: عالمي زمانها ولا يحرر غيرها. {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي}: أطيعي وأطيلي الصلاة، {لِرَبِّكِ}: كلمت به الملائكة شفاهاً. قال [الأوزاعي]: لمّا قالت لها الملائكة ذلك، قامت في الصلاة حتى ورمت قدماها وسالتا دماً وقيحاً. {وَٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إنها عدالة القرآن الكريم، إنه الحق العادل الذي ينزل على الرسول بلاغاً يذكر الأبناء بطهارة أصول الآباء، ومن الخسارة أن يصير الأبناء إلى ما هم عليه. {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ} [آل عمران: 33] وكلمة "اصطفى" تدل على اختيار مُرضٍ. ولنا أن نسأل: هل اصطفى الحق هؤلاء الرسل، آدم ونوحاً، وآل إبراهيم، وآل عمران فكانوا طائعين، أم علم الحق أزلاً أنهم يكونون طائعين فاصطفاهم؟ إن الحق علمه أزلي، وعلمه ليس مرتباً على كل شيء. وساعة أن تأتي أنت بقانونك البشري وتتفرس في إنسان ما، وتوليه أمراً، وينجح فيه، هنا تهنئ نفسك بأن فراستك كانت في محلها، بعلم الله واقتداره؟ إن الذين اصطفاهم الله هم الذين علم الله أزلاً أنهم سيكونون طائعين، وقد يقول قائل: إنهم طائعون لله بالاصطفاء، لمثل هذا القائل نرد: إنهم طائعون بالنفس العامة ويكونون في مزيد من الطاعة بعد أن يأخذوا التكليف بالنفس الخاصة، إنهم طائعون من قبل أن يأخذوا أمور التكليف، ولو تركهم الحق للأمور العقلية لاهتدوا إلى طاعته، وعندما جاءهم الأمر التكليفي ويصطفيهم الله يكونون رسلاً وحملة منهج سماوي. عندما يسمع الإنسان قول الحق: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ} [آل عمران: 33] فقد يتساءل عن معناها، ذلك أن من اصطفاء الله لآدم تأتي إلى الذهن بمعنى "خصه" بنفسه أو أخذه صفوة من غيره، فكيف كان اصطفاء آدم، ولم يكن هناك أحد من قبله، أو معه لأنه الخلق الأول؟ إننا يمكن أن نعرف بالعقل العادي أن اصطفاء الله لنوح عليه السلام؛ كان اصطفاء من بشر موجودين، وكذلك اصطفاء إبراهيم خليل الرحمن وبقية الأنبياء. إذن، فكيف كان اصطفاء آدم؟ إن معنى "اصطفى آدم" - كما قلنا - تعني أن الله قد اختاره أو أن "المصطفى عليه" يأتي منه ومن ذريته. نعم وقد جاء المصطفى عليه من ذريته، وهذا المعنى يصلح، والمعنى السابق عليه يصلح أيضاً. إن الحق يقول: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً} [آل عمران: 33] ونحن نعلم أن سيدنا نوحاً عليه السلام واجه جماعة من الكافرين به، فأغرقهم الله في الطوفان، ونجا نوح ومن معه بأمر الله. {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ}تفسير : [هود: 40]. إن الذين بقوا من بعد نوح عليه السلام كانوا مؤمنين، ثم تعرضوا للأغيار. وجاءت هذه الأغيار في أعقابهم، فنشأ كفر وإيمان، لماذا؟ لأن آدم عليه السلام حين خلقه الله وضع له التجربة التكليفية في الجنة، كان من الواجب أن ينقل ما علمه له الله لأبنائه. لقد نقل آدم لهم مسائل صيانة مادتهم وعلمهم كيف يأكلون، وكيف يشربون، وغير ذلك. وكان يجب أن تكون معهم القيم. إن آدم عليه السلام قد أدى ذلك، وعلم أبناءه كيفية صيانة مادتهم وعلمهم القيم أيضاً، ولكن بمرور الزمان، ظل بعض من أبناء آدم يتخففون من التكاليف حتى اندثرت وذهبت. ومن رحمة الله بخلقه يجدد سبحانه وتعالى الرسالة ببعث رسول جديد. والرسالة الجديدة تعطي ما كان موجوداً أولاً، فيما يتعلق بالعقائد والأخبار، والأشياء التي لا تتغير، وتأتي الرسالة الجديدة بالأحكام المناسبة لزمن الرسالة. فإذا ما أمكن للبشر أن يعدلوا من سياسة البشر، يظل الأمر كما هو، فإن ارتكب واحد منكراً وضرب قومه على يده، استقام أمر الرسالة وبقيت هذه الأمة على الخير. لماذا؟ لأن مصافي اليقين في النفس الإنسانية موجودة، ونحن نراها ونلمسها. إن هناك واحداً تجد مصافي اليقين في ذاته، وقد لا يقدر على نفسه، فيرتكب المعصية، وتلومه نفسه، فيرجع عن المعصية. ومرة أخرى نجد إنساناً آخر لا يجد في نفسه مصافي اليقين، ولكنها موجودة في غيره، فنجد من يأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، فإذا امتنعت المصافي الذاتية للإيمان، وكذلك امتنعت المصافي الإيمانية في المجتمع، فلا أمل هنالك؛ لذلك يجب أن يأتي رسول جديد، وينبه الناس بمعجزة ما. لقد شاءت إرادة الحق سبحانه ألا يأتي رسول آخر بعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك شهادة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بأن الله أمنها على منهج الله، فإذا مُنِعت من أي نفس مصافيها الذاتية فستبقى مصافيها الاجتماعية، ولا بد أن يكون في أمة محمد ذلك؛ لأن امتناع ذلك كان يستدعي وجود نبيّ جديد. إن الله أمن أمة محمد على منهجه، ولذلك لم يأت نبيّ بعد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. لقد أمن الحق أمة محمد فلم يمنع فيها أبداً المصافي الذاتية أو الاجتماعية، ولذلك يأتي القول الحق: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ..}تفسير : [آل عمران: 110]. إن هذا توجيه لنا من الحق لنعرف أن المصافي الاجتماعية ستظل موجودة في أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، إذن فبعد حدوث الغفلة من بعد نوح عليه السلام جاء الله باصطفاءات أخرى رحمة منه بالعالمين، ويقول الحق: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 33]. ونحن نقول على إبراهيم عليه السلام: "أبو الأنبياء" وأورد الحق نبأ بعض من أبناء آل إبراهيم، وهم آل عمران وأعطاهم ميزة. وكلمة "عمران" هذه حين ترد في الإسلام فلنا أن نعرف أن هناك اثنين لهما الاسم نفسه، هناك "عمران" والد موسى وهارون عليهما السلام. وهناك "عمران" آخر. إن عمران والد موسى وهارون كان اسم أبيه "يصهر" وجده اسمه "فاهاث", ومن بعده "لاوى" ومن بعده "يعقوب"، ومن بعده "إسحاق"، وبعده "إبراهيم"، أما عمران الآخر، فهو والد مريم عليها السلام. وقد حدث إشكال عند عدد من الدارسين هو "أي العمرانين يقصده الله هنا؟" والذي زاد من حيرة هؤلاء العلماء هو وجود أخت لموسى وهارون عليهما السلام اسمها مريم، وكانت ابنة عمران والد موسى وهارون فكلتاهما اسمها مريم بنت عمران. وكانوا في ذلك الزمن يتفاءلون باسم "مريم" لأن معناه "العابدة"، ولما اختلفوا لم يفطنوا إلى أن القرآن قد أبان وأوضح المعنى، وكان يجب أن يفهموا أن المقصود هنا ليس عمران والد موسى وهارون عليهما السلام، بل عمران والد مريم، ومنها عيسى عليه السلام، وعمران والد مريم هو ابن ماثان، وهو من نسل سليمان، وسليمان من داود، وداود من أوشى، وأوشى من يهوذا، ويهوذا من يعقوب، ويعقوب من إسحاق. وكنا قديماً أيام طلب العلم نضع لها ضبطاً بالحرف، فنقول "عمعم سدئياً" ومعناها .. عيسى ابن مريم، ومريم بنت عمران، وعمران ابن ماثان، وماثان من سليمان، من داود من أوشى وأوشى من يهوذا ويهوذا من يعقوب ويعقوب من إسحاق. لقد التبس الأمر على الكثير فقالوا: أي العمرانين الذي يقول الله في حقه هذا القول الكريم؟ ولهؤلاء نقول: إن مجيء اسم مريم عليها السلام من بعد ذلك يعني أنه عمران والد مريم، وأيضاً يجب أن نفطن إلى أن الحق قد قال عن مريم: {أية : فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [آل عمران: 37]. وزكريا عليه السلام هو ابن آذن، وآذن كان معاصراً لماثان. إن المراد هنا هو عمران والد مريم. هكذا حددنا أي العمرانين يقصد الحق بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 33]. وعندما تقول: اصطفيت كذا على كذا، فمعنى ذلك أنه كان من الممكن أن تصطفى واحداً من مجموعة على الآخرين، ولذلك نفهم المقصود بـ "على العالمين" أي على عالمي زمانهم، إنهم قوم موجودون وقد اصطفى منهم واحداً، أما الذي سيولد من بعد ذلك فلا اصطفاء عليه، فلا اصطفاء على محمد صلى الله عليه وسلم. ويقول الحق بعد ذلك: {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما بيّن تعالى أن محبته لا تتم إِلا بمتابعة الرسل وطاعتهم، بيّن علوَّ درجات الرسل وشرف مناصبهم، فبدأ بآدم أولهم، وثنَّى بنوح أبي البشر الثاني، ثم أتى ثالثاً بآل إِبراهيم فاندرج فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه من ولد إِسماعيل، ثم أتى رابعاً بآل عمران فاندرج فيه عيسى عليه السلام، وأعقب ذلك بذكر ثلاث قصص: قصة ولادة مريم، وقصة ولادة يحيى، وقصة ولادة عيسى، وكلها خوارق للعادة تدل على قدرة العلي القدير. اللغَة: {ٱصْطَفَىٰ} اختار وأصله من الصفوة أي جعلهم صفوة خلقه {مُحَرَّراً} مأخوذ من الحرية وهو الذي يُجعل حراً خالصاً، والمراد الخالص لله عز وجل الذي لا يشوبه شيء من أمر الدنيا {أُعِيذُهَا} عاذ بكذا: اعتصم به {وَكَفَّلَهَا} الكفالة: الضمان يقال كفَلَ يكْفُل فهو كافل، وهو الذي ينفق على إِنسانٍ ويهتم بمصالحه وفي الحديث "حديث : أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين"تفسير : {ٱلْمِحْرَابَ} الموضع العالي الشريف، قال أبو عبيدة: سيد المجالس وأشرفها ومقدمها وكذلك هو من المسجد {حَصُوراً} من الحصر وهو الحبس، وهو الذي يحبس نفسه عن الشهوات، وللمفسرين في معناه قولان نختار منهما ما اختاره المحققون: أنه الذي لا يأتي النساء لا لعجزٍ بل للعفة {عَاقِرٌ} عقيم لا تلد والعاقر من لا يولد له من رجلٍ أو امرأة {رَمْزاً} الرمز: الإِشارة باليد أو بالرأس أو بغيرهما قال الطبري: الإِيماء بالشفتين وقد يستعمل في الحاجبين والعينين {ٱلْعَشِيِّ} من حين زوال الشمس إلى غروبها {ٱلإِبْكَارِ} من طلوع الشمس إِلى وقت الضحى قال الشاعر: شعر : فلا الظلُّ من برد الضحى تستطيعه ولا الفيء من برد العشيّ تذوق تفسير : التفسِيْر: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ} أي اختار للنبوة صفوة خلقه منهم آدم أبو البشر {وَنُوحاً} شيخ المرسلين {وَآلَ إِبْرَاهِيمَ} أي عشيرته وذوي قرباه وهم إِسماعيل وإِسحاق والأنبياء من أولادهما ومن جملتهم خاتم المرسلين {وَآلَ عِمْرَان} أي أهل عمران ومنهم عيسى بن مريم خاتم أنبياء بني إِسرائيل {عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} أي عالمي زمانهم قال القرطبي: وخصَّ هؤلاء بالذكر من بين الأنبياء لأن الأنبياء والرسل جميعاً من نسلهم {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ} أي اصطفاهم متجانسين في الدين والتُّقى والصلاح {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي سميع لأقوال العباد عليم بضمائرهم {إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ} أي اذكر لهم وقت قول امرأة عمران واسمها "حنَّة بنت فاقود" {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي} أي نذرت لعبادتك وطاعتك ما أحمله في بطني {مُحَرَّراً} أي مخلصاً للعبادة والخدمة {فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} أي السميع لدعائي العليم بنيّتي {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ} أي لمَّا ولدتها قالت على وجه التحسر والاعتذار يا رب إِنها أنثى قال ابن عباس: إِنما قالت هذا لأنه لم يكن يُقبل في النذر إِلا الذكور فقبل الله مريم قال تعالى {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} أي والله أعلم بالشيء الذي وضعت قالت ذلك أولم تقله {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ} أي ليس الذكر الذي طَلَبْته كالأنثى التي وُهِبتها بل هذه أفضل والجملتان معترضتان من كلامه تعالى تعظيماً لشأن هذه المولودة وما علّق بها من عظائم الأمور وجعلها وابنها آية للعالمين {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} من تتمة كلام امرأة عمران والأصل إِني وضعتُها أنثى وإِني سميتُها مريم أي أسميت هذه الأنثى مريم ومعناه في لغتهم العابدة خادمة الرب {وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ} أي أُجيرها بحفظك وأولادها من شر الشيطان الرجيم، فاستجاب الله لها ذلك قال تعالى {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} أي قبلها الله قبولاً حسناً قال ابن عباس: سلك بها طريق السعداء {وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً} أي ربّاها تربية كاملة ونشأها تنشئة صالحة {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} أي جعل زكريا كافلاً لها ومتعهداً للقيام بمصالحها، حتى إِذا بلغت مبلغ النساء انزوت في محرابها تتعبد الله {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً} أي كلما دخل عليها زكريا حجرتها ومكان عبادتها وجد عندها فاكهة وطعاماً، قال مجاهد: وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف {قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا}؟ أي من أين لك هذا؟ {قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي رزقاً واسعاً بغير جهد ولا تعب {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} أي في ذلك الوقت الذي رأى فيه زكريا كرامة الله لمريم دعا ربّه متوسلاً ومتضرعاً {قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} أي أعطني من عندك ولداً صالحاً - وكان شيخاً كبيراً وامرأته عجوزاً وعاقراً - ومعنى طيبة صالحةَ مباركة {إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} أي مجيبٌ لدعاء من ناداك {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ} أي ناداه جبريل حال كون زكريا قائماً في الصلاة {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ} أي يبشرك بغلام اسمه يحيى {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ} أي مصدقاً بعيسى مؤمناً برسالته، وسمي عيسى كلمة الله لأنه خلق بكلمة "كن" من غير أب {وَسَيِّداً} أي يسود قومه ويفوقهم {وَحَصُوراً} أي يحبس نفسه عن الشهوات عفةً وزهداً ولا يقرب النساء مع قدرته على ذلك، وما قاله بعض المفسرين أنه كان عنّيناً فباطل لا يجوز على الأنبياء لأنه نقص وذم والآية وردت مورد المدح والثناء {وَنَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} أي ويكون نبياً من الأنبياء الصالحين قال ابن كثير: وهذه بشارة ثانية بنبوته بعد البشارة بولادته وهي أعلى من الأولى كقوله لأم موسى {أية : إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [القصص: 7] {قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} أي كيف يأتينا الولد {وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ} أي أدركتني الشيخوخة وكان عمره حينذاك مائة وعشرين سنة {وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ} أي عقيم لا تلد وكانت زوجته بنت ثمان وتسعين سنة، فقد اجتمع فيهما الشيخوخة والعقم في الزوجة وكلٌ من السببين مانع من الولد {قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} أي لا يعجزه شيء ولا يتعاظمه أمر {قَالَ رَبِّ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً} أي علامة على حمل امرأتي {قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً} أي علامتك عليه أن لا تقدر على كلام الناس إِلا بالإِشارة ثلاثة أيام بلياليها مع أنك سويٌّ صحيح والغرض أنه يأتيه مانع سماوي يمنعه من الكلام بغير ذكر الله {وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً} أي اذكر الله ذكراً كثيراً بلسانك شكراً على النعمة، فقد منع عن الكلام ولم يُمنع عن الذكر لله والتسبيح له وذلك أبلغ في الإِعجاز {وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ} أي نزّه الله عن صفات النقص بقولك سبحان الله في آخر النهار وأوله. وقيل: المراد صلّ لله، قال الطبري: يعني عظّم ربك بعبادته بالعشي والإِبكار. البَلاَغَة: 1- {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ} جملتان معترضتان لتعظيم الموضوع ورفع منزلة المولود. 2- {وِإِنِّي أُعِيذُهَا} صيغة المضارع للدلالة على الاستمرار والتجدد. 3- {وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً} شبهها في نموها وترعرعها بالزرع الذي ينمو شيئاً فشيئاً، والكلام مجاز عن تربيتها بما يصلحها في جميع أحوالها بطريق الاستعارة التبعية. 4- {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} المنادي جبريل وعبّر عنه باسم الجماعة تعظيماً له لأنه رئيسهم. 5- {بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ} بين كلمتي العشيّ والإِبكار طباقٌ وهو من المحسنات البديعية. الفوَائِدَ: الأولى: روي أن "حنَّة" امرأة عمران كانت عجوزاً عاقراً فبينما هي ذات يوم تحت ظل شجرة إِذ رأت طائراً يطعم فرخه فحنّت إِلى الولد وتمنته وقالت: اللهم إِن لك عليَّ نذراً إِن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته ثم هلك عمران وهي حامل وهذا سر النذر. الثانية: قال ابن كثير عند قوله تعالى {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً} قال: والآية فيها دلالة على كرامات الأولياء، وفي السنة بهذا نظائر كثيرة وساق بسنده عن جابر قصة الجفنة وخلاصتها حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم جاع أياماً فدخل على ابنته فاطمة الزهراء يسألها عن الطعام فلم يكن عندها شيء وأرسلت إِليها جارتها برغيفين وقطعة لحم فوضعتها في جفنة ثم رأت الجفنة وقد امتلأت لحماً وخبزاً .
الجيلاني
تفسير : ثم لم وقف سبحاه محبته ورضاه لعباده على متابعة حبيبه ورسوله المصور على صورته، المتخلق بأخلاقه، صار مظنة أن يتوهم أن نسبة ظهوره إلى المظاهر كلها على السواء، فما وجه التخصيص باختيار بعض بالمتابعة؟ أشار سبحانه إلى دفعه، بأن من سنتنا تفضيل بعض مظاهرنا على بعض فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ} اختار واجتبى {ءَادَمَ} بالخلافة والنيابة، وأمر الملائكة الذين يدعون الفضيلة عليه بسجوده كرمه على جميع مخلوقاته {وَ} أيضاً اصطفى {نُوحاً} بالنجاة والخلاص، وإغراق جميع من في الأرض بدعائه {وَ} كذا اصطفى {آلَ إِبْرَاهِيمَ} أي: أهل بيته بالإمامة والخلافة، لذلك دعا إبراهيم عليه السلام ربه بألاَّ يخرج الزمان عن إمامة ذريته إلى يوم القيامة {وَ} كذا اختار {آلَ عِمْرَانَ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 33] بإرهاصات ومعجزات لم يظهر من آحد مثلها، مثل: إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى والولادة بلا أب وغير ذلك. ثم إن اصطفاء الله إياهم ليس مخصوصاً بهم بل اصطفى منهم {ذُرِّيَّةً} أخلافاً فضلاء {بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ} أي: أعلى ربتة من بعض في الفضيلة كما قال سبحانه: {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} [البقرة: 253] {وَٱللَّهُ} المحيط بسرائر عباده المتوجهين نحو بابه {سَمِيعٌ} لمناجاتهم الصادرة من ألسنة استعدادتهم {عَلِيمٌ} [آل عمران: 34] بما يليق لهم من المراتب العلية. اذكر يا أكمل الرسل لمن تبعك من مناقب آل عمران وقت {إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ} حين ناجت ربها في سرها بلسان استعدادها وقت ظهور حملها، بإلقاء الله إياها: {رَبِّ} يا من رباني بحولك وقولك {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً} معتقاً عن أمور الدنيا كلها، خالصاً لعبادتك وخدمة بيتك لا أشغله شيئاً سواه، وكان من عادتهم تحرير بعض أولادهم الذكور لخدمة بيت المقدس شرفها الله {فَتَقَبَّلْ} بلطفك {مِنِّي} ما نذرت لك للتقرب إليك يا رب {إِنَّكَ} بذاتك وصفاتك وأسمائك {أَنتَ ٱلسَّمِيعُ} لمناجاتي {ٱلْعَلِيمُ} [آل عمران: 35] بحاجاتي. {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا} أنثى آيست {قَالَتْ} متحسرة متحيرة مشتكية إلى ربها في نذرها: {رَبِّ إِنِّي} وإن بالغت في إخلاص النية في نذري لم تقبله مني يا رب أن {وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ} والأنثى لا تصلح لخدمة بيتك {وَ} لما امتدت في إظهار التحزن، وبث الشكوى والتحسر نودي في سرها: لا تجزعي ولا تحزني؛ إذ {ٱللَّهُ} المطلع لإخلاص نيتك {أَعْلَمُ} منك {بِمَا وَضَعَتْ} وما ظهرت منها من البدائع والغرائب والإرهاصات الخارقة للعادات {وَلَيْسَ} مطلق {ٱلذَّكَرُ} الذي حررر لخدمة هذا البيت {كَٱلأُنْثَىٰ} التي هي هذه؛ إذ يترتب على وجود عجائب صنع الله وبدائع قدرته لما سمعت بسمع سرها ما سمعت قالت نشطة فرحانة: {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} ليكون اسمها مطابقاً لمسماها؛ لأن مريم في لغتهم بمعنى العابدة، ولما تحققت عندها بإلهام الله وقاية الله إياها وذريتها، قالت مفوضة إلى الله: {وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا} أيضاً {مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ} [آل عمران: 36] لتكون هي وهم في حفظك وحمائك من إغوائه وإضلاله. {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا} ما نذرت له {بِقَبُولٍ حَسَنٍ} حتى نشطت بمكاشفة اللطف من الله بعدما آيست {وَ} بعد قبول الحسن {أَنبَتَهَا} ربها بلطفه حتى صار {نَبَاتاً حَسَناً} مظهراً لعجائب صنعه وبدائع حكمته {وَ} بعدما أنبتها وتقبلها {كَفَّلَهَا} أي: جعل كفيلها وحاضنها من أحبار البيت {زَكَرِيَّا}. روي أن حنة لما كوشفت بأمرها بإلهام الله إياها لفتها في خرقه وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار المجاورين فيه على العادة المستمرة، وقالت: دونكم هذه النذيرة، فتخالفوا في حضانتها؛ لأنها كانت بنت إمامهم وملكهم، فقال زكريا: أنا ا؛ق بحضانتها، لأن عندي خالتها، فأبطأ إلى أن اقترعوا وكانوا سبعة وعشرين، فانطلقوا إلى نهر فألقوا فيها أقلامهم، فطفا قلم زكريا ورسبت أقلامهم، فتكلفها في بيت لا باب له إلا كوة في سقفه. فلما أراد زكريا أن يأتي برزقها نزل منها، ولما خرج أغلق وقفل، ثم صار {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ} لتفقدها {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً} من ألوان الأطعمة والفواكة، وكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، والصيف في الشتاء، فتعجب من حالها إلى أن سألها {قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا} من أين لك هذا الرزق الآتي الذي لا يشبه أطعمة الدنيا، والفاكهة الآتية لا على وفق العادة والأبواب مغلقة عليك؟! {قَالَتْ} بإلهام الله إياها: {هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} المتكفل لأرزاق عباده {إِنَّ ٱللًّهَ} المراقب المحافظ لتربية مظاهره {يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} ما يشاء {بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37] بلا إحصاء وتعديد من حيث لا يحتسب.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن أهل الاصطفاء للمحبة والولاء بقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً} [آل عمران: 33]، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى خلق العالم على سبعة أنواع مختلفة: من الجمادات، والمعادن، والنبات، والحيوان، والنفوس، والعقول، والآرواح، مظهر لآياته وصفاته ثم اصطفى آدم {عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 33]، وجمع فيه الأنواع المختلفة السبعة لما خصه باختصاص تأمن وهو تشريف إضافة، {أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي}تفسير : [الحجر: 29]؛ ليكون مظهر لجميع وجودي صفاته تبارك وتعالى إلى هذا أشار بقوله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : إن الله خلق آدم على صورته" تفسير : أي: خلقه مرآة تظهر ذاته وصفاته فيه؛ لقوله تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ} تفسير : [فصلت: 53]، وقال تعالى: {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}تفسير : [الذاريات: 21]، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن خلق آدم فتجلى فيه"تفسير : ، ويشير في قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 33]، إلى خواص أولاد آدم عليه السلام الذين ثمرات شجرة الإنسانية، كما سئل عنه النبي صلى الله عليه وسلم، من آلك فقال: "حديث : آلي كل مؤمن تقي ونقي ". تفسير : قوله تعالى: {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ} [آل عمران: 34]؛ يعني: ورثة النبوة والعلم والدين يأخذ بعضها من بعض بالوراثة الدينية، كقوله تعالى: {أية : يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} تفسير : [مريم: 6]، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : العلماء ورثة الأنبياء، لم يورثوا دينار أولادهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر، والله أعلم ". تفسير : واعلم: أن العالم بما فيه كشجرة وثمرتها أهل المعرفة، فهم درة صدفة العالمين وخلاصة الكونين، وزبد اليقين، ولب قشر الوجود قلب شخص الموجود وستر: "فخلقت الخلق؛ لأعرف" {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ} [آل عمران: 34] لدعائهم واستدعائهم {عَلِيمٌ} [آل عمران: 34]، بأحوالهم وخصالهم بهم يمطرون وبهم يرزقون. ثم أخبر عن تحرير بنت عمران لرضاء الرحمن بقوله تعالى: {إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ} [آل عمران: 35]، إشارة في الآية: إن تعلم أن الله تعالى في كل ذرة من ذرات الموجودات حركة، ولحركتها أسراراً لا يعلمها إلا الله، فبعضها يظهر بعضها لتغير فيه وتقيس الباقي عليه، مثل ما رأت حنة طائراً بطعم فرخاً فتحركت لذلك نفسها للولد وهي عجوز، فدعت الله تعالى أن يهب لها ولداً كما مر ذكره، فانظر ماذا خرج الله من الأسرار عن إطعام ذلك الطائر فرخه، وظهر من الآيات والمعجزات من تلك الساعة إلى يوم القيامة بواسطة مريم وعيسى - عليهما السلام - كقوله: {أية : وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً}تفسير : [المؤمنون: 50]، فأول الآية منها أن حنة حملت بمريم مع كبر سنها، ثم {قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً} [آل عمران: 35]، فإن تحريها إياها ما كان إلا بإلهام رباني، قالت: {قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً} [آل عمران: 35]، وما قالت فأقبل مني؛ لأن معنى القبول راجع إلى التحرير؛ أي: فاقبل مني تحريراً إياها وأعطني عليه الثواب؛ ومعنى التقبل راجع إلى المحرى؛ أي: تقبلها مني بأن تكفلها وتربيها تربية المحررين، بيانه قوله تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا} [آل عمران: 37]؛ أي: تقبل الله مريم أن يربيها، {إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ} [آل عمران: 35]، الذي يسمع دعاء المضطرين، وتحبيبهم العلم الذي يعلم ضمير الداعي قبل أن يدعوا به، ويعلم ما المحرر في بطنها ولا تعلم الحامل ما هو، ويعلم ما في بطن المحرر ما أودع من كلمة وروح منه، وهي لا تعلم. {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ} [آل عمران: 36]؛ أي: أردت أن يكون المولود ذكراً يصلح للتحرير، فكان أنثى على خلاف رؤيتي {أُنْثَىٰ} [آل عمران: 36]، فعاملها الله، {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ} [آل عمران: 36]؛ فعاملها الله {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا} [آل عمران: 37]، يعني مريم {بِقَبُولٍ حَسَنٍ} [آل عمران: 37]؛ يعني: بقبول ذكر، وفيه معنى آخر؛ أي: تقبل الله مريم بدعاء حنة بقولها: {فَتَقَبَّلْ مِنِّي} [آل عمران: 35]، ورباها تربية التقبل والتكفل، ثم قبلها بقبول حسن؛ يعني: أخرج منها مثل عيسى عليه السلام، ويحتمل أيضاً أن يقال: {وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً} [آل عمران: 37]؛ أي: أثبت لها نباتاً حسناً؛ يعني: عيسى عليه السلام، دليله قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً} تفسير : [نوح: 17]؛ أي: أنبت لكم. ثم أخبر عن آية أخرى من آياته الكبرى بقوله تعالى: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} [آل عمران: 37]، إشارة في الآية: إن الله تعالى لما أراد أن يخرج عيسى عليه السلام من مريم بلا أب، فمن كمال حكمته جعل تكفل مريم إلى زكريا عليه السلام؛ لئلا يدخل عليها غيره، فيكون أبعد من التهمة عند الخلق، {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً} [آل عمران: 37]؛ إظهاراً لكرامتها لديه لتكون بريئة عن التهمة عند زكريا، فيقول لها: {قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 37]؛ أي: بأي سبب وطاقة وجدت هذه الكرامة؟ قالت: ليس هذا بسبب من عندي؛ بل هو فضل من عند الله، {إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37]، بغير سبب من الأسباب، وفيه معنى آخر، وجد عندها رزقاً من فتوحات الغيب الذي يطعم الله به خواص عباده، الذين يبيتون عنده لا عند أنفسهم ولا عند الخلق، كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني"تفسير : ، قال لي: {أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 37]، فإن من يبيت عند الله يكون رزقه من عند الله؛ يعني: مما عند الله من فيض ألطافه، وحسن إعطائه {إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} [آل عمران: 37]، مريم {بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37]، بما لم يكن في حسابها من ولد عيسى عليه السلام بلا أب، وفاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء بلا شجرة، والعلوم اللدنية بلا واسطة، والمعجزات بلا نبوة، نظيره قوله تعالى: {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} تفسير : [الطلاق: 2-3].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى باختيار من اختاره من أوليائه وأصفيائه وأحبابه، فأخبر أنه اصطفى آدم، أي: اختاره على سائر المخلوقات، فخلقه بيده ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة بالسجود له، وأسكنه جنته، وأعطاه من العلم والحلم والفضل ما فاق به سائر المخلوقات، ولهذا فضل بنيه، فقال تعالى: { ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } . واصطفى نوحا فجعله أول رسول إلى أهل الأرض حين عبدت الأوثان، ووفقه من الصبر والاحتمال والشكر والدعوة إلى الله في جميع الأوقات ما أوجب اصطفاءه واجتباءه، وأغرق الله أهل الأرض بدعوته، ونجاه ومن معه في الفلك المشحون، وجعل ذريته هم الباقين، وترك عليه ثناء يذكر في جميع الأحيان والأزمان. واصطفى آل إبراهيم وهو إبراهيم خليل الرحمن الذي اختصه الله بخلته، وبذل نفسه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان، ودعا إلى ربه ليلا ونهارا وسرا وجهارا، وجعله الله أسوة يقتدي به من بعده، وجعل في ذريته النبوة والكتاب، ويدخل في آل إبراهيم جميع الأنبياء الذين بعثوا من بعده لأنهم من ذريته، وقد خصهم بأنواع الفضائل ما كانوا به صفوة على العالمين، ومنهم سيد ولد آدم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى جمع فيه من الكمال ما تفرق في غيره، وفاق صلى الله عليه وسلم الأولين والآخرين، فكان سيد المرسلين المصطفى من ولد إبراهيم. واصطفى الله آل عمران وهو والد مريم بنت عمران، أو والد موسى بن عمران عليه السلام، فهذه البيوت التي ذكرها الله هي صفوته من العالمين، وتسلسل الصلاح والتوفيق بذرياتهم، فلهذا قال تعالى { ذرية بعضها من بعض } . أي: حصل التناسب والتشابه بينهم في الخلق والأخلاق الجميلة، كما قال تعالى لما ذكر جملة من الأنبياء الداخلين في ضمن هذه البيوت الكبار { ومن آبائهم وإخوانهم وذرياتهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم } { والله سميع عليم } يعلم من يستحق الاصطفاء فيصطفيه ومن لا يستحق ذلك فيخذله ويرديه، ودل هذا على أن هؤلاء اختارهم لما علم من أحوالهم الموجبة لذلك فضلا منه وكرما، ومن الفائدة والحكمة في قصه علينا أخبار هؤلاء الأصفياء أن نحبهم ونقتدي بهم، ونسأل الله أن يوفقنا لما وفقهم، وأن لا نزال نزري أنفسنا بتأخرنا عنهم وعدم اتصافنا بأوصافهم ومزاياهم الجميلة، وهذا أيضا من لطفه بهم، وإظهاره الثناء عليهم في الأولين والآخرين، والتنويه بشرفهم، فلله ما أعظم جوده وكرمه وأكثر فوائد معاملته، لو لم يكن لهم من الشرف إلا أن أذكارهم مخلدة ومناقبهم مؤبدة لكفى بذلك فضلا ولما ذكر فضائل هذه البيوت الكريمة ذكر ما جرى لمريم والدة عيسى وكيف لطف الله بها في تربيتها ونشأتها، فقال: { إذ قالت امرأة عمران } أي: والدة مريم لما حملت { رب إني نذرت لك ما في بطني محررًا } أي: جعلت ما في بطني خالصا لوجهك، محررا لخدمتك وخدمة بيتك { فتقبل مني } هذا العمل المبارك { إنك أنت السميع العليم } تسمع دعائي وتعلم نيتي وقصدي، هذا وهي في البطن قبل وضعها { فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى } كأنها تشوفت أن يكون ذكرا ليكون أقدر على الخدمة وأعظم موقعا، ففي كلامها [نوع] عذر من ربها، فقال الله: { والله أعلم بما وضعت } أي: لا يحتاج إلى إعلامها، بل علمه متعلق بها قبل أن تعلم أمها ما هي { وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم } فيه دلالة على تفضيل الذكر على الأنثى، وعلى التسمية وقت الولادة، وعلى أن للأم تسمية الولد إذا لم يكره الأب { وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم } دعت لها ولذريتها أن يعيذهم الله من الشيطان الرجيم. { فتقبلها ربها بقبول حسن } أي: جعلها نذيرة مقبولة، وأجارها وذريتها من الشيطان { وأنبتها نباتًا حسنًا } أي: نبتت نباتا حسنا في بدنها وخلقها وأخلاقها، لأن الله تعالى قيض لها زكريا عليه السلام { وكفلها } إياه، وهذا من رفقه بها ليربيها على أكمل الأحوال، فنشأت في عبادة ربها وفاقت النساء، وانقطعت لعبادة ربها، ولزمت محرابها أي: مصلاها فكان { كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقًا } أي: من غير كسب ولا تعب، بل رزق ساقه الله إليها، وكرامة أكرمها الله بها، فيقول لها زكريا { أنى لك هذا قالت هو من عند الله } فضلا وإحسانا { إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } أي: من غير حسبان من العبد ولا كسب، قال تعالى: { ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب } وفي هذه الآية دليل على إثبات كرامات الأولياء الخارقة للعادة كما قد تواترت الأخبار بذلك، خلافا لمن نفى ذلك، فلما رأى زكريا عليه السلام ما من الله به على مريم، وما أكرمها به من رزقه الهنيء الذي أتاها بغير سعي منها ولا كسب، طمعت نفسه بالولد، فلهذا قال تعالى: { هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 388- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ}: [الآية: 33]، قال: ذكر الله تعالى أهلَ بيتين صالحين، ورجلين صالحين، فَفَضَّلَهُما الله على العالمين، فكان محمد صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):