٢٧ - ٱلنَّمْل
27 - An-Naml (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
32
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِيۤ أَمْرِي} الملأ أشراف القوم وقد مضى في سورة «البقرة» القول فيه. قال ابن عباس: كان معها ألف قَيْل. وقيل: اثنا عشر ألف قَيْل مع كل قَيْل مائة ألف. والقَيْل الملِك دون الملِك الأعظم. فأخذت في حسن الأدب مع قومها، ومشاورتهم في أمرها، وأعلمتهم أن ذلك مطرد عندها في كل أمر يعرض، بقولها: {مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ} فكيف في هذه النازلة الكبرى. فراجعها الملأ بما يقر عينها، من إعلامهم إياها بالقوّة والبأس، ثم سلّموا الأمر إلى نظرها؛ وهذه محاورة حسنة من الجميع. قال قتادة: ذكر لنا أنه كان لها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً هم أهل مشورتها، كل رجل منهم على عشرة آلاف. الثانية: في هذه الآية دليل على صحة المشاورة. وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} تفسير : [آل عمران: 159] في «آل عمران» إما استعانة بالآراء، وإما مداراة للأولياء. وقد مدح الله تعالى الفضلاء بقوله: {أية : وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ} تفسير : [الشورى: 38]. والمشاورة من الأمر القديم وخاصة في الحرب؛ فهذه بلقيس امرأة جاهلية كانت تعبد الشمس: {قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِيۤ أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ } لتختبر عزمهم على مقاومة عدوهم، وحزمهم فيما يقيم أمرهم، وإمضائهم على الطاعة لها، بعلمها بأنهم إن لم يبذلوا أنفسهم وأموالهم ودماءهم دونها لم يكن لها طاقة بمقاومة عدوها، وإن لم يجتمع أمرهم وحزمهم وجِدّهم كان ذلك عوناً لعدوهم عليهم، وإن لم تختبر ما عندهم، وتعلم قدر عزمهم لم تكن على بصيرة من أمرهم، وربما كان في استبدادها برأيها وهن في طاعتها، ودخيلة في تقدير أمرهم، وكان في مشاورتهم وأخذ رأيهم عون على ما تريده من قوّة شوكتهم، وشدّة مدافعتهم؛ ألا ترى إلى قولهم في جوابهم: {نَحْنُ أُوْلُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ}. قال ابن عباس: كان من قوّة أحدهم أنه يَركُض فرسَه حتى إذا احتدّ ضم فخذيه فحبسه بقوّته. الثالثة: قوله تعالى: {وَٱلأَمْرُ إِلَيْكِ فَٱنظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} سلّموا الأمر إلى نظرها مع ما أظهروا لها من القوّة والبأس والشدّة، فلما فعلوا ذلك أخبرت عند ذلك بفعل الملوك بالقُرى التي يتغلبون عليها. وفي هذا الكلام خوف على قومها، وحيطة واستعظام لأمر سليمان عليه السلام. {وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ} قيل: هو من قول بلقيس تأكيداً للمعنى الذي أرادته. وقال ابن عباس: هو من قول الله عز وجل معرِّفاً لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته بذلك ومخبراً به. وقال وهب: لما قرأت عليهم الكتاب لم تعرف اسم الله، فقالت: ما هذا؟ٰ فقال بعض القوم: ما نظن هذا إلا عفريتاً عظيماً من الجن يقتدر به هذا الملك على ما يريده؛ فسكَّتوه. وقال الآخر: أراهم ثلاثة من العفاريت؛ فسكَّتوه؛ فقال شاب قد علم: يا سيدة الملوك! إن سليمان ملِك قد أعطاه مَلِكُ السماء مُلْكاً عظيماً فهو لا يتكلم بكلمة إلا بدأ فيها بتسمية إلهه، والله اسم مليك السماء، والرحمن الرحيم نعوته؛ فعندها قالت: {أَفْتُونِي فِي أَمْرِي} فقالوا: {نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ} في القتال {وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ} (قوة) في الحرب واللقاء {وَالأَمْرُ إِلَيْكِ} ردّوا أمرهم إليها لما جربوا على رأيها من البركة {فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} فـ{قَالَتْ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً} أهانوا شرفاءها لتستقيم لهم الأمور، فصدق الله قولها. {وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ} قال ابن الأنباري: {وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً} هذا وقف تام؛ فقال الله عز وجل تحقيقاً لقولها: {وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ} وشبيه به في سورة «الأعراف» {قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ} تم الكلام، فقال فرعون: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ}. وقال ابن شجرة: هو قول بلقيس، فالوقف {وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} أي وكذلك يفعل سليمان إذا دخل بلادنا.
ابن كثير
تفسير : لما قرأت عليهم كتاب سليمان، استشارتهم في أمرها وما قد نزل بها، ولهذا قالت: {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِيۤ أَمْرِي مَا كُنتُ قَـٰطِعَةً أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ} أي: حتى تحضرون وتشيرون، {قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ} أي: منوا إليها بعددهم وعددهم وقوتهم، ثم فوضوا إليها بعد ذلك الأمر، فقالوا: {وَٱلأَمْرُ إِلَيْكِ فَٱنظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} أي: نحن ليس لنا عاقة، ولا بنا بأس، إن شئت أن تقصديه وتحاربيه، فما لنا عاقة عنه. وبعد هذا، فالأمر إليك، مري فينا رأيك، نمتثله ونطيعه. قال الحسن البصري رحمه الله: فوضوا أمرهم إلى علجة تضطرب ثدياها، فلما قالوا لها ما قالوا، كانت هي أحزم رأياً منهم، وأعلم بأمر سليمان، وأنه لا قبل لها بجنوده وجيوشه وما سخر له من الجن والإنس والطير، وقد شاهدت من قضية الكتاب مع الهدهد أمراً عجيباً بديعاً، فقالت لهم: إني أخشى أن نحاربه ونمتنع عليه، فيقصدنا بجنوده، ويهلكنا بمن معه، ويخلص إلي وإليكم الهلاك والدمار دون غيرنا. ولهذا قالت: {إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا} قال ابن عباس: أي: إذا دخلوا بلداً عنوة، أفسدوه، أي: خربوه {وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً} أي: وقصدوا من فيها من الولاة والجنود، فأهانوهم غاية الهوان، إما بالقتل أو بالأسر. قال ابن عباس: قالت بلقيس: {إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً} قال الرب عز وجل: {وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ}. ثم عدلت إلى المصالحة والمهادنة والمسالمة والمخادعة والمصانعة، فقالت: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ} أي: سأبعث إليه بهدية تليق بمثله وأنظر ماذا يكون جوابه بعد ذلك، فلعله يقبل ذلك منا، ويكف عنا، أو يضرب علينا خراجاً نحمله إليه في كل عام، ونلتزم له بذلك، ويترك قتالنا ومحاربتنا. قال قتادة: رحمها الله ورضي عنها، ما كان أعقلها في إسلامها وشركها علمت أن الهدية تقع موقعاً من الناس. وقال ابن عباس وغير واحد: قالت لقومها: إن قبل الهدية، فهو ملك فقاتلوه، وإن لم يقبلها، فهو نبي فاتبعوه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُاْ أَفْتُونِى } بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية بقلبها واواً أي أشيروا عليّ {فِى أَمْرِى مَا كُنتُ قَٰطِعَةً أَمْراً } قاضيته {حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ } تحضرون.
الماوردي
تفسير : قوله: {قَالَتْ يَآ أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي} أشيروا عليّ في هذا الأمر الذي نزل بي فجعلت المشورة فتيا وقيل: إنها أول من وضع المشورة. {مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونَ} أي ممضية أمراً، وفي قراءة ابن مسعود قاضية أمراً، والمعنى واحد. {حَتَّى تَشْهَدُونَ} فيه وجهان. أحدهما: حتى تشيروا، قاله زهير. الثاني: حتى تحضرواْ، قاله الكلبي. قوله تعالى: {قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ} أي أهل عدد وعدة. {وَأُوْلُواْ بَأْسٍ شَدِيدٍ} أي شجاعة وآلة، وفي هذا القول منهم وجهان: أحدهما: تفويض الأمر إلى رأيها لأنها المدبرة لهم. الثاني: أنهم أجابوها تبادرين إلى قتاله، قاله ابن زيد. قال مجاهد: كان تحت يدي ملكة سبأ اثنا عشر ألف قيل تحت كل قيل مائة ألف مقاتل وهذا بعيد. {وَالأَمْرُ إِلَيْكِ} الآية. عرضوا عليها الحرب وردواْ إليها الأمر، قال الحسن: ولّوا أمرهم علجة يضطرب ثدياها، حدث أبو بكرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ تَمْلِكُهُمُ امْرَأَةٌ ". تفسير : قوله: {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا} قال ابن عباس أخذوها عنوة، وأفسدوها، وخربوها. ويحتمل وجهاً آخر: أن يكون بالاستيلاء على مساكنها وإجلاء أهلها عنها. {وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً} أي أشرافهم وعظماءهم أذلة وفيه وجهان: أحدهما: بالسيف، قاله زهير. الثاني: بالاستعباد، قاله ابن عيسى. ويحتمل ثالثاً: أن يكون بأخذ أموالهم وحط أقدارهم. {وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ} فيه قولان: أحدهما: أن هذا من قول الله، وكذلك يفعل الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، قاله ابن عباس. الثاني أن هذا حكاية عن قول بلقيس: كذلك يفعل سليمان إذا دخل بلادنا، قاله ابن شجرة. قوله تعالى: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} اختلف فيها على أربعة فيها على أربعة أقاويل: أحدها: أنها كانت لبنة من ذهب، قاله ابن عباس. الثاني: أنها كانت جوهَراً، قاله ابن جبير. الثالث: أنها كانت صحائف الذهب في أوعية الديباج، قاله ثابت البناني. الرابع: أنها أهدت غلماناً لباسهم لباس الجواري، وجواري لباسهم لباس الغلمان، قاله مجاهد، وعكرمة وابن جبير، والسدي، وزهير، واختلف في عددهم فقال سعيد بن جبير: كانوا ثمانين غلاماً وجارية، وقال زهير كانوا ثمانين غلاماً وثمانين جارية. {فَنَاظِرةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} قال قتادة: يرحمها الله إن كانت لعاقلة في إسلامها وشركها، قد علمت أن الهدية تقع موقعها من الناس. واختلف فيما قصدت بهديتها على قولين: أحدهما: ما ذكره قتادة من الملاطفة والاستنزال. الثاني: اختبار نبوته من ملكه، ومن قال بهذا اختلفوا بماذا اختبرته على قولين: أحدهما: أنها اختبرته بالقبول والرد، فقالت: إن قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه على ملككم وإن لم يقبل الهدية فهو نبي لا طاقة لكم بقتاله، قاله ابن عباس وزهير. الثاني: أنها اختبرته بتمييز الغلمان من الجواري،ومن قال بهذا اختلفوا بماذا ميزهم سليمان عل ثلاثة أقوال. أحدها: أن أمرهم بالوضوء فاغترف الغلام بيده وأفرغت الجارية على يديها فميزهم بهذا، قاله السدي. الثاني: لما توضؤوا غسل الغلمان ظهور السواعد قبل بطونها، وغسل الجواري بطون السواعد قبل ظهورها، فميزهم بهذا، قاله قتادة. الثالث: أنهم لما توضؤوا بدأ الغلام من مرفقه إلى كفه وبدأت الجارية من كفها إلى مرفقها، فميزهم بهذا، قاله ابن جبير.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَفْتُونِى} أشيروا عَلَيَّ. {قَاطِعَةً} ممضية {تَشْهَدُونِ} تشيروا، أو تحضروا.
النسفي
تفسير : {قالت يا أيّها المللأ أفتوني في أمري} أشيروا علي في الأمر الذي نزل بي. والفتوى الجواب في الحادثة اشتقت على طريق الاستعارة من الفتاء في السن، والمراد هنا بالفتوى الإشارة عليها بما عندهم من الرأي، وقصدها بالرجوع إلى استشارتهم تطييب أنفسهم ليمالئوها ويقوموا معها {ما كنت قاطعةً أمراً} فاصلة أو ممضية حكماً {حتّى تشهدون} بكسر النون، والفتح لحن لأن النون إنما تفتح في موضع الرفع وهذا في موضع النصب، وأصله تشهدونني فحذفت النون الأولى للنصب والياء لدلالة الكسرة عليها. وبالياء في الوصل والوقف: يعقوب أي تحضروني وتشيروني وتشهدوا أنه صواب أي لا أبت الأمر إلا بمحضركم. وقيل: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً كل واحد على عشرة الاف. {قالوا} مجيبين لها {نحن أولوا قوّةٍ وأولوا بأسٍ شديدٍ} أرادوا بالقوة قوة الأجساد والآلات وبالبأس النجدة والبلاء في الحرب {والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين} أي موكول إليك ونحن مطيعون لك فمرينا بأمرك نطعك ولا نخالفك كأنهم أشاروا عليها بالقتال، أو أرادوا نحن من أبناء الحرب لا من أبناء الرأي والمشورة وأنت ذات الرأي والتدبير فانظري ماذا ترين نتبع رأيك. فلما أحست منهم الميل إلى المحاربة مالت إلى المصالحة ورتبت الجواب فزيفت أولاً ما ذكروه وأرتهم الخطأ فيه حيث {قالت إنّ الملوك إذا دخلوا قريةً} عنوة وقهراً {أفسدوها} خربوها {وجعلوا أعزّة أهلها أذلّةً} أذلوا أعزتها وأهانوا أشرافها وقتلوا وأسروا فذكرت لهم سوء عاقبة الحرب ثم قالت {وكذلك يفعلون} أرادت وهذه عادتهم المستمرة التي لا تتغير لأنها كانت في بيت الملك القديم فسمعت نحو ذلك ورأت. ثم ذكرت بعد ذلك حديث الهدية وما رأت من الرأي السديد. وقيل: هو تصديق من الله لقولها، واحتج الساعي في الأرض بالفساد بهذه الآية. ومن استباح حراماً فقد كفر، وإذا احتج له بالقرآن على وجه التحريف فقد جمع بين كفرين
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري} قال: جمعت رؤوس مملكتها، فشاورتهم في أمرها، فاجتمع رأيهم ورأيها على أن يغزوه. فسارت حتى إذا كانت قريبة قالت: أرسل إليه بهدية فإن قبلها فهو ملك أقاتله، وإن ردها تابعته فهو نبي. فلما دنت رسلها من سليمان علم خبرهم، فأمر الشياطين فهيئوا له ألف قصر من ذهب وفضة. فلما رأت رسلها قصور ذهب قالوا: ما يصنع هذا بهديتنا، وقصوره ذهب وفضة! فلما دخلوا بهديتها قال: أتهدونني بمال، ثم قال سليمان {أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين} فقال كاتب سليمان: ارفع بصرك؛ فرفع بصره. فلما رجع إليه طرفه إذا هو بسريرها {قال نكروا لها عرشها} فنزع عنه فصوصه ومرافقه وما كان عليه من شيء فقيل لها {أهكذا عرشك؟ قالت كأنه هو} وأمر الشياطين: فجعلوا لها صرحاً من قوارير ممرداً، وجعل فيها تماثيل السمك فقيل لها {ادخلي الصرح... وكشفت عن ساقيها} فإذا فيها الشعر. فعند ذلك أمر بصنعة النورة فقيل لها {إنه صرح ممرد من قوارير، قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} . وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله {أفتوني في أمري} تقول: أشيروا علي برأيكم {ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون} تريد: حتى تشيروا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان تحت يدي ملكة سبأ اثنا عشر ألف قيول، تحت يدي كل قيول مائة ألف مقاتل، وهم الذين قالوا {نحن أولو قوة وأولوا بأس شديد} . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: ذكر لنا أنه كان أول مشورتها ثلاثمائة واثني عشر رجلاً. كل رجل منهم على عشرة آلاف من الرجال. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها} قال: إذا أخذوها عنوة أخربوها. وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله {وجعلوا أعزة أهلها أذلة} قال: بالسيف. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قالت بلقيس {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة} قال: يقول الرب تبارك وتعالى {وكذلك يفعلون} . وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وإني مرسلة إليهم بهدية} قال: أرسلت بلبنة من ذهب، فلما قدموا إذا حيطان المدينة من ذهب فذلك قوله {أتمدوننِ بمال} . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: قالت إني باعثة إليهم بهدية، فمصانعتهم بها عن ملكي أن كانوا أهل دنيا. فبعثت إليهم بلبنة من ذهب في حرير وديباج، فبلغ ذلك سليمان، فأمر بلبنة من ذهب فصنعت، ثم قذفت تحت أرجل الدواب على طريقهم تبول عليها وتروث، فلما جاء رسلها واللبنة تحت أرجل الدواب، صغر في أعينهم الذي جاؤوا به. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ثابت البناني قال: أهدت له صفائح الذهب في أوعية الديباج. فلما بلغ ذلك سليمان أمر الجن، فموّهوا له الآجر بالذهب، ثم أمر به، فألقي في الطريق. فلما جاؤوا ورأوه ملقى في الطريق وفي كل مكان قالوا: جئنا نحمل شيئاً نراه ههنا ملقى ما يلتفت إليه. فصغر في أعينهم ما جاؤوا به. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وإني مرسلة إليهم بهدية} قال: جوار لباسهن لباس الغلمان، وغلمان لباسهن لباس الجواري. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: أرسلت بثمانين من وصيف ووصيفة، وحلقت رؤوسهم كلهم، وقالت: إن عرف الغلمان من الجواري فهو نبي، وإن لم يعرف الغلمان من الجواري فليس بنبي. فدعا بوضوء فقال: توضئوا. فجعل الغلام يأخذ من مرفقيه إلى كفيه، وجعلت الجارية تأخذ من كفها إلى مرفقها فقال: هؤلاء جوار وهؤلاء غلمان. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال: كانت هدية بلقيس لسليمان مائتي فرس على كل فرس غلام وجارية. الغلمان والجواري على هيئة واحدة، لا يعرف الجواري من الغلمان، ولا الغلمان من الجواري. على كل فرس لون ليس على الآخر وكانت أول هديتهم عند سليمان وآخرها عندها. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: الهدية. وصفان، ووصائف، ولبنة من ذهب. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كانت الهدية. جواهر. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: إن الهدية لما جاءت سليمان بين الغلمان والجواري امتحنهم بالوضوء. فغسل الغلمان ظهور السواعد قبل بطونها، وغسلت الجواري بطون السواعد قبل ظهورها. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: قالت: إن هو قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه دون ملككم، وإن لم يقبل الهدية فهو نبي لا طاقة لكم بقتاله. فبعثت إليه بهدية غلمان في هيئة الجواري وحليهم، وجوار في هيئة الغلمان ولباسهم، وبعثت إليه بلبنات من ذهب، وبخرزة مثقوبة مختلفة، وبعثت إليه بقدح، وبعثت إليه تعلمه. فلما جاء سليمان الهدية أمر الشياطين، فموّهوا لبن المدينة وحيطانها ذهباً وفضة، فلما رأى ذلك رسلها قالوا: أين نذهب باللبنات في أرض هؤلاء وحيطانهم ذهب وفضة؟! فحسبوا اللبنات وأدخلوا عليه ما سوى ذلك وقالوا: أخرج لنا الغلمان من الجواري. فأمرهم فتوضؤوا، وأخرج الغلمان من الجواري. أما الجارية فافرغت على يدها، وأما الغلام فاغترف، وقالوا: ادخل لنا في هذه الخرزة خيطاً. فدعا بالدساس فربط فيه خيطاً فأدخله فيها، فجال فيها واضطرب حتى خرج من الجانب الآخر. وقالوا: املأ لنا هذا القدح بماء ليس من الأرض ولا من السماء. فأمر بالخيل فأجريت حتى إذا اربدت مسح عرقها فجعله فيه حتى ملأه. فلما رجعت رسلها فأخبروها: أن سليمان رد الهدية. وفدت إليه وأمرت بعرشها فجعل في سبعة أبيات وغلقت عليها فأخذت المفاتيح. فلما بلغ سليمان ما صنعت بعرشها {قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين} . وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد قال: قال للهدهد {ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها} يعني من الانس والجن. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم صالح في قوله {لا قبل لهم بها} قال: لا طاقة لهم بها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: لما بلغ سليمان أنها جاءته وكان قد ذكر له عرشها فأعجبه. وكان عرشها من ذهب، وقوائمه من لؤلؤ وجوهر، وكان مستتراً بالديباج والحرير، وكان عليه سبعة مغاليق، فكره أن يأخذه بعد إسلامهم. وقد علم نبي الله سليمان أن القوم متى ما يسلموا تحرم أموالهم مع دمائهم، فأحب أن يؤتى به قبل أن يكون ذلك من أمرهم فقال {أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين} . وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {أيكم يأتيني بعرشها} قال: سرير في أريكة. وأخرج ابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس في قوله {قبل أن يأتوني مسلمين} قال: طائعين. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {قال عفريت من الجن} قال: مارد {قبل أن تقوم من مقامك} قال: من مقعدك. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله {قال عفريت} قال: عظيم كأنه جبل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن شعيب الجبائي قال: كان اسم العفريت. كوزن. وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن رومان قال: اسمه كوزي. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {قال عفريت من الجن} قال: هو صخر الجني {وإني عليه لقوي} قال: على حمله {أمين} قال: على ما استودع فيه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {قبل أن تقوم من مقامك} قال: من مجلسك. وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله {قبل أن تقوم من مقامك} قال: من مجلسك الذي تجلس فيه للقضاء. وكان سليمان إذا جلس للقضاء لم يقم حتى تزول الشمس. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وإني عليه لقوي أمين} قال: على جوهره. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد في قوله {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} قال: إني أريد أعجل من هذا {قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} قال: فخرج العرش من نفق من الأرض. وأخرج عبد بن حميد عن حماد بن سلمة قال: قرأت في مصحف أبي بن كعب {وإني عليه لقوي أمين} قال: أريد أعجل من ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {قال الذي عنده علم من الكتاب} قال: آصف: كاتب سليمان. وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن رومان قال: هو آصف بن برخيا. وكان صديقاً يعلم الاسم الأعظم. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان اسمه أسطوم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن لهيعة قال: هو الخضر. وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد قال: هو رجل من الإِنس يقال له: ذو النور. وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال: هو آصف بن برخيا بن مشعيا بن منكيل، واسم أمه باطورا من بني إسرائيل. وأخرج ابن جرير عن قتادة {قال الذي عنده علم من الكتاب} قال: كان اسمه تمليخا. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {قال الذي عنده علم من الكتاب} قال: الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وهو ياذا الجلال والإِكرام. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {قبل أن يرتد إليك طرفك} قال: ادامة النظر حتى يرتد إليك الطرف خاسئاً. وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: في قراءة ابن مسعود "قال الذي عنده علم من الكتاب أنا أنظر في كتاب ربي ثم آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك" قال: فتكلم ذلك العالم بكلام، دخل العرش في نفق تحت الأرض حتى خرج إليهم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله {قبل أن يرتد إليك طرفك} قال: قال لسليمان: انظر إلى السماء قال: فما اطرق حتى جاءه به فوضعه بين يديه. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس، مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الزهري قال: دعاء الذي عنده علم من الكتاب. يا إلهنا وإله كل شيء إلهاً واحداً لا إله إلا أنت: ائتني بعرشها. قال: فمثل له بين يديه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن عساكر عن ابن عباس قال: لم يجر عرش صاحبة سبأ بين الأرض والسماء، ولكن انشقت به الأرض فجرى تحت الأرض حتى ظهر بين يدي سليمان. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن سابط قال: دعا باسمه الأعظم، فدخل السرير فصار له نفق في الأرض حتى نبع بين يدي سليمان. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: دعا باسم من أسماء الله. فإذا عرشها يحمل بين عينيه. ولا يدري ذلك الاسم. قد خفي ذلك الإِسم على سليمان وقد أعظم ما أعطى. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} قال: كان رجلاً من بني إسرائيل يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطي. وارتداد الطرف أن يرى ببصره حيث بلغ ثم يرد طرفه. فدعاه فلما رآه مستقراً عنده جزع وقال: رجل غيري أقدر على ما عند الله مني. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله {هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر} إذا أتيت بالعرش {أم أكفر} إذا رأيت من هو أدنى مني في الدنيا أعلم مني. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {قال نكروا لها عرشها} قال: زيد فيه ونقص لـ {ننظر أتهتدي} قال: لننظر إلى عقلها. فوجدت ثابتة العقل. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {قال نكروا لها عرشها} قال: تنكيره أن يجعل أسفله أعلاه، ومقدمه مؤخره، ويزاد فيه أو ينقص منه، فلما جاءت {قيل أهكذا عرشك} قالت {كأنه هو} شبهته به وكانت قد تركته خلفها فوجدته أمامها. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: لما دخلت وقد غير عرشها. فجعل كل شيء من حليته أو فرشه في غير موضعه ليلبسوا عليها قيل {أهكذا عرشك} فرهبت أن تقول نعم هو. فيقولون: ما هكذا كان حليته ولا كسوته، ورهبت أن تقول ليس هو، فيقال لها: بل هو ولكنا غيرناه. فقالت كأنه هو. وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله {وأوتينا العلم من قبلها} قال: سليمان يقوله: أوتينا معرفة الله وتوحيده. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وأوتينا العلم من قبلها} قال: سليمان يقوله. وفي قوله {وصدها ما كانت تعبد من دون الله} قال: كفرها بقضاء الله غير الوثن أن تهتدي للحق. في قوله {قيل لها ادخلي الصرح} بركة ماء ضرب عليها سليمان قوارير، وكانت بلقيس عليها شعر، قدماها حافر كحافر الحمار، وكانت أمها جنية. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال: كان الصرح من زجاج وجعل فيه تماثيل السمك. فلما رأته وقيل لها: أدخلي الصرح. فكشفت عن ساقيها وظنت أنه ماء قال: {والممرد} : الطويل. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: كان قد نعت لها خلقها، فأحب أن ينظر إلى ساقيها، فقيل لها {ادخلي الصرح} فلما رأته ظنت أنه ماء، فكشفت عن ساقيها، فنظر إلى ساقيها أنه عليهما شعر كثير، فوقعت من عينيه وكرهها، فقالت له الشياطين: نحن نصنع لك شيئاً يذهب به. فصنعوا له نورة من أصداف، فطلوها فذهب الشعر، ونكحها سليمان عليه السلام. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله قالت {رب إني ظلمت نفسي} قال: ظنت أنه ماء. وأن سليمان أراد قتلها فقالت: أراد قتلي - والله - على ذلك، لأقتحمن فيه. فلما رأته أنه قوارير عرفت أنها ظلمت سليمان بما ظنت. فذلك قولها {ظلمت نفسي} وإنما كانت هذه المكيدة من سليمان عليه السلام لها. إن الجن تراجعوا فيما بينهم فقالوا: قد كنتم تصيبون من سليمان غرة، فإن نكح هذه المرأة اجتمعت فطنة الوحي والجن فلن تصيبوا له غرة. فقدموا إليه فقالوا: إن النصيحة لك علينا حق، إنما قدماها حافر حمار. فذلك حين ألبس البركة قوارير، وأرسل إلى نساء من نساء بني إسرائيل ينظرنها إذا كشفت عن ساقيها. ما قدماها؟ فإذا هي أحسن الناس ساقاً من ساق شعراء، وإذا قدماها هما قدم إنسان، فبشرن سليمان. وكره الشعر، فأمر الجن، فجعلت النورة. فذلك أول ما كانت النورة. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان سليمان بن داود عليه السلام إذا أراد سفراً قعد على سريره، ووضعت الكراسي يميناً وشمالاً، فيؤذن للإِنس عليه، ثم أذن للجن عليه بعد الانس، ثم أذن للشياطين بعد الجن، ثم أرسل إلى الطير فتظلهم، وأمر الريح فحملتهم وهو على سريره، والناس على الكراسي، والطير تظلهم، والريح تسير بهم. غدوها شهر، ورواحها شهر، رخاء حيث أراد. ليس بالعاصف، ولا باللين، وسطا بين ذلك. وكان سليمان يختار من كل طير طيراً، فيجعله رأس تلك الطير. فإذا أراد أن يسائل تلك الطير عن شيء سأل رأسها. فبينما سليمان يسير إذ نزل مفازة فقال: كم بعد الماء ههنا؟ فسأل الإِنس فقالوا: لا ندري! فسأل الشياطين فقالوا: لا ندري! فغضب سليمان وقال: لا أبرح حتى أعلم كم بعد مسافة الماء ههنا؟ فقالت له الشياطين: يا رسول الله لا تغضب، فإن يك شيء يعلم فالهدهد يعلمه. فقال سليمان: عليَّ بالهدهد. فلم يوجد، فغضب سليمان وقال {لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين} يقول: بعذر مبين غيبه عن مسيري هذا. قال: ومر الهدهد على قصر بلقيس فرأى لها بستاناً خلف قصرها، فمال إلى الخضرة فوقع فيه، فإذا هو بهدهد في البستان فقال له: هدهد سليمان أين أنت عن سليمان وما تصنع ههنا؟ فقال له هدهد بلقيس: ومن سليمان؟! فقال: بعث الله رجلاً يقال له: سليمان رسولاً وسخر له الجن والانس والريح والطير. فقال له هدهد بلقيس: أي شيء تقول؟ قال: أقول لك ما تسمع. قال: إن هذا لعجب! وأعجب من ذلك أن كثرة هؤلاء القوم تملكهم امرأة {وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم} جعلوا الشكر لله: أن يسجدوا للشمس من دون الله. قال: وذكر لهدهد سليمان، فنهض عنه فلما انتهى إلى العسكر تلقته الطير فقالوا: تواعدك رسول الله، وأخبروه بما قال. وكان عذاب سليمان للطير أن ينتفه، ثم يشمسه، فلا يطير أبداً ويصير مع هوام الأرض، أو يذبحه فلا يكون له نسل أبداً. قال الهدهد: وما استثنى نبي الله؟ قالوا: بلى. قال: أو ليأتيني بعذر مبين. فلما أتى سليمان قال: وما غيبتك عن مسيري؟ قال {أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين، إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم} قال: بل اعتللت {سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين، اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم} وكتب {بسم الله الرحمن الرحيم} إلى بلقيس {ألا تعلوا علي وائتوني مسلمين} فلما ألقى الهدهد الكتاب إليها، ألقى في روعها أنه كتاب كريم، وإنه من سليمان و {ألا تعلوا علي وائتوني مسلمين...، قالوا نحن أولوا قوة} قالت {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها...، وإني مرسلة إليهم بهدية} فلما جاءت الهدية سليمان قال: أتمدونني بمال ارجع إليهم. فلما رجع إليها رسلها خرجت فزعة، فأقبل معها ألف قيل مع كل قيل مائة ألف. قال: وكان سليمان رجلاً مهيباً لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه. فخرج يومئذ فجلس على سريره فرأى رهجاً قريباً منه قال: ما هذا؟ قالوا: بلقيس يا رسول الله قال: وقد نزلت منا بهذا المكان؟ قال ابن عباس: وكان بين سليمان وبين ملكة سبأ ومن معها حين نظر إلى الغبار كما بين الكوفة والحيرة قال: فأقبل على جنوده فقال: أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين؟ قال: وبين سليمان وبين عرشها حين نظر إلى الغبار مسيرة شهرين {قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} . قال: وكان لسليمان مجلس يجلس فيه للناس كما تجلس الأمراء، ثم يقوم قال سليمان: أريد اعجل من ذلك. قال الذي عنده علم من الكتاب: أنا انظر في كتاب ربي ثم آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك. فنظر إليه سليمان فلما قطع كلامه، رد سليمان بصره، فنبع عرشها من تحت قدم سليمان. من تحت كرسي كان يضع عليه رجله، ثم يصعد إلى السرير، فلما رأى سليمان عرشها مستقراً عنده {قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر} إذ أتاني به قبل أن يرتد إليَّ طرفي {أم أكفر} إذ جعل من هو تحت يدي أقدر على المجيء مني، ثم {قال نكروا لها عرشها...، فلما جاءت} تقدمت إلى سليمان {قيل لها أهكذا عرشك فقالت كأنه هو} ثم قالت: يا سليمان إني أريد أن أسألك عن شيء فأخبرني به قال: سلي. قالت: أخبرني عن ماء رواء لا من الأرض ولا من السماء. قال: وكان إذا جاء سليمان شيء لا يعلمه يسأل الإِنس عنه، فإن كان عند الإِنس منه علم... وإلا سأل الجن، فإن لم يكن عند الجن علم سأل الشياطين، فقالت له الشياطين: ما أهون هذا يا رسول الله! مر بالخيل فتجري ثم لتملأ الآنية من عرقها فقال لها سليمان: عرق الخيل قالت: صدقت قالت: فأخبرني عن لون الرب قال ابن عباس: فوثب سليمان عن سريره فخر ساجداً فقامت عنه، وتفرقت عنه جنوده، وجاءه الرسول فقال: يا سليمان يقول لك ربك ما شأنك؟ قال: يا رب أنت أعلم بما قالت قال: فإن الله يأمرك أن تعود إلى سريرك فتقعد عليه، وترسل إليها وإلى من حضرها من جنودها، وترسل إلى جميع جنودك الذين حضروك فيدخلوا عليك، فتسألها وتسألهم عما سألتك عنه قال: ففعل سليمان ذلك. فلما دخلوا عليه جميعاً قال لها: عم سألتيني؟ قالت: سألتك عن ماء رواء لا من الأرض ولا من السماء قال: قلت لك عرق الخيل قالت: صدقت. قال: وعن أي شيء سألتيني؟ قالت: ما سألتك عن شيء إلا عن هذا قال لها سليمان: فلأي شيء خررت عن سريري؟! قالت: كان ذلك لشيء لا أدري ما هو. فسأل جنودها فقالوا: مثل قولها. فسأل جنوده من الإِنس، والجن، والطير، وكل شيء كان حضره من جنوده، فقالوا: ما سألتك يا رسول الله عن شيء إلا عن ماء رواء قال: وقد كان. قال له الرسول: يقول الله لك: ارجع ثمة إلى مكانك فإني قد كفيتكم فقال سليمان للشياطين: ابنو لي صرحاً تدخل علي فيه بلقيس، فرجع الشياطين بعضهم إلى بعض فقالوا لسليمان: يا رسول الله قد سخر الله لك ما سخر، وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلاماً فلا ننفك له من العبودية أبداً قال: وكانت امرأة شَعْرَاء الساقين فقالت الشياطين: ابنو له بنياناً كأنه الماء يرى ذلك منها فلا يتزوجها، فبنوا له صرحاً من قوارير، فجعلوا له طوابيق من قوارير، وجعلوا في باطن الطوابيق كل شيء يكون من الدواب في البحر. من السمك وغيره ثمَّ اطبقوه، ثم قالوا لسليمان: ادخل الصرح. فألقي كرسياً في أقصى الصرح. فلما دخله أتى الكرسي فصعد عليه ثم قال: أدخلوا عليَّ بلقيس فقيل لها ادخلي الصرح فلما ذهبت تدخله فرأت صورة السمك، وما يكون في الماء من الدواب {حسبته لجة فكشفت عن ساقيها} لتدخل. وكان شعر ساقها ملتوياً على ساقيها. فلما رآه سليمان ناداها وصرف وجهه عنها {إنه صرح ممرد من قوارير} فألقت ثوبها وقالت {رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} . فدعا سليمان الإِنس فقال: ما أقبح هذا! ما يذهب هذا! قالوا: يا رسول الله الموسى. فقال: الموسى تقطع ساقي المرأة، ثم دعا الشياطين فقال مثل ذلك، فتلكؤوا عليه ثم جعلوا له النورة قال ابن عباس: فإنه لأول يوم رؤيت فيه النورة قال: واستنكحها سليمان عليه السلام. قال ابن أبي حاتم: قال أبو بكر بن أبي شيبة: ما أحسنه من حديث! وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الله بن شداد قال: كان سليمان عليه السلام إذا أراد أن يسير وضع كرسيه، فيأتي من أراد من الانس والجن، ثم يأمر الريح فتحملهم، ثم يأمر الطير فتظلهم. فبينا هو يسير إذ عطشوا فقال: ما ترون بعد الماء؟ قالوا: لا ندري. فتفقد الهدهد وكان له منه منزلة ليس بها طير غيره فقال {ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين، لأعذبنه عذاباً شديداً} وكان عذابه إذا عذب الطير نتفه، ثم يجففه في الشمس {أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين} يعني بعذر بين. فلما جاء الهدهد استقبلته الطير فقالت له: قد أوعدك سليمان فقال لهم: هل استثنى؟ فقالوا له: نعم. قد قال: إلا أن يجيء بعذر بين. فجاء بخبر صاحبة سبأ، فكتب معه إليها {بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا عليَّ وائتوني مسلمين} فأقبلت بلقيس، فلما كانت على قدر فرسخ قال سليمان {أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين، قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} فقال سليمان: أريد أعجل من ذلك. فقال الذي عنده علم من الكتاب {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} فأتى بالعرش في نفق في الأرض، يعني سرب في الأرض قال سليمان: غيروه. فلما جاءت {قيل لها أهكذا عرشك} فاستنكرت السرعة ورأت العرش {فقالت كأنه هو..، قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته} لجة ماء {وكشفت عن ساقيها} فإذا هي امرأة شعراء فقال سليمان: ما يذهب هذا؟ فقال بعض الجن: أنا أذهبه. وصنعت له النورة. وكان أول ما صنعت النورة، وكان اسمها بلقيس. وأخرج ابن عساكر عن عكرمة قال: لما تزوج سليمان بلقيس قال: ما مستني حديدة قط فقال للشياطين: أنظروا أي شيء يذهب بالشعر غير الحديد؟ فوضعوا له النورة، فكان أول من وضعها شياطين سليمان. وأخرج البخاري في تاريخه والعقيلي عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : أول من صنعت له الحمامات سليمان ". تفسير : وأخرج الطبراني وابن عدي في الكامل والبيهقي في الشعب عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : أول من دخل الحمام سليمان، فلما وجد حره أوَّهَ من عذاب الله ". تفسير : وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مجاهد قال: لما قدمت ملكة سبأ على سليمان رأت حطباً جزلاً فقالت لغلام سليمان: هل يعرف مولاك كم وزن هذا الدخان؟ فقال: أنا أعلم فكيف مولاي؟ قالت: فكم وزنه؟ فقال الغلام: يوزن الحطب ثم يحرق، ثم يوزن الرماد فما نقص فهو دخانه. وأخرج البيهقي في الزهد عن الأوزاعي قال: كسر برج من أبراج تدمر، فأصابوا فيه امرأة حسناء دعجاء مدمجة كأن أعطافها طي الطوامير، عليها عمامة طولها ثمانون ذراعاً، مكتوب على طرف العمامة بالذهب (بسم الله الرحمن الرحيم) أنا بلقيس ملكة سبأ زوجة سليمان بن داود، ملكت الدنيا كافرة ومؤمنة، ما لم يملكه أحد قبلي ولا يملكه أحد بعدي، صار مصيري إلى الموت فأقصروا يا طلاب الدنيا. وأخرج ابن عساكر عن سلمة بن عبد الله بن ربعي قال: لما أسلمت بلقيس تزوجها سليمان وأمهرها باعلبك.
ابو السعود
تفسير : {قَالَتْ} كُررتْ حكايةُ قولِها للإيذانِ بغايةِ اعتنائِها بما في حيزه من قولِها {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأ أَفْتُونِى فِى أَمْرِي} أي أجيبونِي في أمرِي الذي حَزَبني وذكرتُ لكم خُلاصتَه، وعبرتْ عن الجوابِ بالفَتوى التي هي الجواب في الحوادث المشكلة غالباً تهويلاً للأمر ورفعاً لمحلهم بالإشعار بأنهم قادرونَ على حلِّ المشكلاتِ المُلمَّةِ. وقولُها{مَا كُنتُ قَـٰطِعَةً أَمْراً} أي من الأمورِ المتعلقةِ بالملكِ {حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ} أي إلا بمحضرِكم وبموجبِ آرائِكم استعطافاً لهم واسمالةً لقلوبِهم لئلاَّ يخالفُوها في الرَّأي والتدبـير. {قَالُواْ} استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ نشأَ من حكايةِ قولِها كأنَّه قيل: فمَاذا قالُوا في جوابِها فقيلَ قالُوا {نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ} في الأجسادِ والآلاتِ والعُددِ {وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ} أي نجدةٍ وشجاعةٍ مفرطةٍ وبلاءٍ في الحربِ {وَٱلأَمْرُ إِلَيْكِ} أي هو موكولٌ إليكِ {فَٱنظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ} ونحنُ مطيعونَ لكِ فمُرينا بأمرِك نمتثلْ به ونتبعْ رأيكِ أو أرادوا نحنُ من أبناءِ الحربِ لا من أبناءِ الرأي والمشورةِ وإليكِ الرَّأي والتَّدبـيرِ فانظرِي ماذا ترينَ نكنْ في الخدمةِ فلَّما أحسَّتْ منهم الميلَ إلى الحرابِ والعدولَ عن سَنَنِ الصَّوابِ شرعتْ في تزيـيف مقالتِهم المبنيةِ على الغفلةِ عن شأنِ سليمانَ عليه السَّلامُ. وذلك قولُه تعالى: {قَالَتْ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً} من القُرى على منهاجِ المقاتلةِ والحرابِ {أَفْسَدُوهَا} بتخريبِ عماراتِها وإتلافِ ما فيها من الأموالِ {وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً} بالقتلِ والأسرِ والإجلاءِ وغيرِ ذلك من فُنونِ الإهانةِ والإذلالِ {وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ} تأكيدٌ لما وصفتْ من حالِهم بطريقِ الاعتراضِ التذيـيليِّ وتقريرٌ له بأنَّ ذلك عادتُهم المستمرةُ. وقيل تصديقٌ لها من جهةِ الله تعالى على طريقةِ قولِه تعالى: { أية : وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} تفسير : [سورة الكهف: الآية 109] إثرَ قولِه: { أية : لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَـٰتُ رَبّى} تفسير : [سورة الكهف: الآية 109]. {وَإِنّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} تقريرٌ لرأيها بعدَ ما زيفتْ آراءَهم وأتتْ بالجملةِ الاسميةِ الدالَّةِ على الثباتِ المصدرةِ بحرفِ التحقيق للإيذانِ بأنَّها مزمعةٌ على رأيها لا يَلْويها عنه صارفٌ ولا يَثْنيها عاطفٌ أيْ وإنِّي مرسلةٌ إليهم رُسُلاً بهديةٍ عظيمة {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ} حتَّى أعملَ بما يقتضيهِ الحالُ. رُوي أنَّها بعثت خمسمائةِ غلامٍ عليهم ثيابُ الجَوَاري وحليُّهن الأساورُ والأطواقُ والقِرَطةُ راكبى خيلٍ مغشَّاةٍ بالديباجِ محلاَّةِ اللُّجمِ والسُّروجِ بالذهبِ المُرَّصعِ بالجواهرِ وخمسمائةِ جاريةٍ على رِماك في زيِّ الغلمانِ وألفَ لبنةٍ من ذهبٍ وفضةٍ وتاجاً مكللاً بالدرِّ والياقوتِ المرتفعِ والمسكِ والعنبرِ وحُقَّاً فيه درةٌ عذراءُ وجزعة معوجة الثقبِ وبعثتْ رجلاً من أشرافِ قومِها المنذرَ بنَ عمروٍ وآخرَ ذَا رأيٍ وعقلٍ. وقالتْ: إنْ كانَ نبـياً ميَّز بـين الغلمانِ والجوارِي وثقبَ الدرةَ ثقباً مستوياً وسلك في الخرزةِ خيطاً، ثمَّ قالتْ للمنذرِ إنْ نظرَ إليكَ نظرَ غضبانَ فهو ملكٌ فلا يَهُولنَّك، وإنْ رأيتَه بشَّاً لطيفاً فهو نبـيٌّ. فأقبلَ الهدهدُ فأخبرَ سليمانَ عليه السَّلامُ بذلك فأمرَ الجنَّ فضربُوا لِبنَ الذهبِ والفضَّةِ وفرشُوه في ميدانٍ بـين يديِه طولُه سبعةُ فراسخ وجعلُوا حولَ الميدانِ حائطاً شرفاتُه من الذَّهبِ والفِضَّةِ وأمرَ بأحسنِ الدَّوابِّ في البرِّ والبحرِ فربطُوها عن يمينِ الميدانِ ويسارِه على اللبن وأمرَ بأولادِ الجنِّ وهم خلقٌ كثيرٌ فأُقيمُوا على اليمينِ واليسارِ ثم قعدَ على سريرِه والكراسيُّ من جانبـيِه واصطفتِ الشياطينُ صفوفاً فراسخَ، والإنسُ صفوفاً فراسخَ، والوحشُ والسباعُ والطيورُ والهوامُّ كذلك فلما دنا القومُ ونظرُوا بُهتوا ورَأوا الدوابَّ تروثُ على اللبنِ فتقاصرتْ إليهم نفوسُهم ورمَوا بما معهم ولما وقفُوا بـين يديِه نظَر إليهم بوجهٍ طَلْقٍ وقال: ما وراءكم وقال: أينَ الحُقُّ وأخبرَهُ جبريلُ عليهما السَّلامُ بما فيه فقالَ لهم إنَّ فيه كذا وكذا ثم أمرَ بالأَرَضةِ فأخذتْ شعرةً ونفذتْ في الدُّرة فجعلَ رزقَها في الشَّجرةِ وأخذتْ دودةٌ بـيضاءُ الخيطَ بفيها ونفذتْ في الجَزَعةِ فجعلَ رزقَها في الفواكِه ودعا بالماءِ فكانتِ الجاريةُ تأخذُ الماء بـيدِها فتجعلُه في الأُخرى ثم تضربُ به وجهَها والغلامُ كما يأخذُه يضربُ به وجهه ثمَّ ردَّ الهدية.
القشيري
تفسير : أَخَذَتْ في المشاورة كما تقتضيه الحال في الأمور العظام؛ فإن المَلِكَ لا ينبغي أن يكون مستبداً برأيه، ويجب أن يكون له قومٌ من أهل الرأي والبصيرة.
اسماعيل حقي
تفسير : {قالت} كررت حكاية قولها للايذان بغاية اعتنائها بما فى حيزه من قولها {يا ايها الملؤا افتونى فى امرى} اجيبونى فى الذى ذكرت لكم واذكروا ماتستصوبون فيه: وبالفارسية [فتوى دهيدمرا دركار من وآنجه صلاح وصواب باشد بامن بكوييده] وعبرت عن الجواب بالفتوى الذى هو الجواب فى الحوادث المشكلة غالبا اشعارا بانهم قادرون على حل المشكلات النازلة. قال بعضهم الفتوى من الفتى وهو الشاب القوى وسميت الفتوى لان المفتى اى المجيب الحاكم بما هو صواب يقوى السائل فى جواب الحادثة {ما كنت قاطعة امرا} فاصلة ومنفذة امرا من الامور {حتى تشهدون} تحضرونى اى لااقطع امرا الا بمحضركم وبموجب آرائكم: وبالفارسية [تاشما نزد من حاضر كرديد يعنى بى حضور ومشورت شما كارى نميكنيم] وهو استمالة لقلوبهم لئلا يخالفوها فى الرأى والتدبير. وفيه اشارة الى ان المرء لاينبغى ان يكون مستبدا برأيه ويكون مشاورا فى جميع ماسنح له من الامور لاسيما الملوك يجب ان يكون لهم قوم من اهل الرأى والبصيرة فلا يقطعون امرا الا بمشاورتهم شعر : مشورت رهبر صواب آمد درهمه كار مشورت بايد كارآنكس كه مشورت نكند غايتش غالبا خطا آيد
الطوسي
تفسير : خمس آيات حجازي. وأربع فيما عداه. عد الحجازيون شديد رأس آية ولم يعده الباقون. حكى الله تعالى ان المرأة لما وقفت على كتاب سليمان، ووصفته بأنه كتاب كريم، وعرفتهم ما فيه قالت لأشراف قومها {أفتوني في أمري} اي أشيروا علي والفتيا هو الحكم بما هو صواب بدلا من الخطأ، وهو الحكم بما يعمل عليه كما يسأل العامي العالم ليعمل على ما يجيبه به، ثم قالت لهم لم أكن أقطع أمراً ولا أفصل حكما دونكم ولا أعمل به {حتى تشهدون} وتعاينوه. وهذا ملاطفة منها لقومها في الاستشارة منهم فيما يعمل عليه، فقالوا لها في الجواب عن ذلك انا {نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد} أي أصحاب قدرة وأصحاب بأس أي شجاعة شديدة {والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين} ما الذي تأمرينا به لنمتثله، وهذا القول منهم فيه عرض القتال عليها إن أرادت، فقالت لهم في الجواب {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها} فكونوا على حذر من ذلك {وجعلوا أعزة أهلها أذلة} قيل بأن يستعبدوهم. فقال الله تعالى تصديقاً لهذا القول {وكذلك يفعلون} قال ابن عباس: إنما يفعلون ذلك إذا دخلوها عنوة. ثم حكى انها قالت {إني مرسلة إليهم بهدية} فأذنوا للأمر في ذلك لانظر ما عند القوم فيما يلتمسون من خير أو شر. وقيل إنها ارسلت بجوار وغلمان على زي واحد. فقالت ان ميز بينهم ورد الهدية وأبا إلا المتابعة، فهو نبي وإن قبل الهدية فانما هو من الملوك. وعندنا ما يرضيه - ذكره ابن عباس - وقيل: انها أرسلت اليه بلبنة من ذهب فأمر سليمان أن تطرح بين أرجل الدواب وسراقينها استهانة بذلك.
الجنابذي
تفسير : قالت ذلك لانّهم كانوا وزراءها واصحاب شورها وبمنزلة اعضاء دولتها.
الأعقم
تفسير : {قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري} أي أشيروا عليَّ بالصواب {ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون} أي حتى تحضرون وتشيرون عليَّ، ثم {قالوا نحن أولوا قوة وأولو بأس شديد} أي ذو سلاح وشدة في الحروب، فقالت لما عزوا الحرب {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزّة أهلها أذلّة} وقوله: {افسدوها} خربوها، وقيل: إذا دخلوا قرية عنوة وقهراً أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة، أي أهانوا أشرافها {وكذلك يفعلون}، قيل: هو قول الله تصديقاً لها فيما قالت، وقيل: قال ذلك قومها، قالت بلقيس: {وإني مرسلة إليهم بهدية} أي إلى سليمان وقومه {فناظرة بم يرجع المرسلون} بقبول أو ردّ، وقيل: ما يلتمسون من خير أو شر، قيل: أنها أرسلت بوصائف وغلمان على زي واحد وقالت ان ردّ الهدية وأبى إلاَّ المبايعة على دينه فهو نبي وإن قبل الهديَّة فإنما هو ملك وعندنا ما يرضيه، وقيل: إني مرسلة إليهم بهدية أي مرسلة رسلاً بهدية أصانعه بها على ملكي فناظرة ما يكون منه حتى أعمل على حسب ذلك، وروي أنها بعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجوار وحليهن الأساور والأطواق والقرطة راكبين خيل مغشاة بالديباج محلاّة اللجم والسروج بالذهب المرصّع بالجوهر وخمسمائة جارية على رماك في زي الغلمان، وألف لبنة من ذهب وفضة، وتاجاً مكللاً بالدرّ والياقوت المرتفع والمسك والعنبر، وحقا فيه درّة عذراء معوجة الثقب، وبعثت رجلاً من أشراف قومها المنذرين بن عمرو وآخر ذا رأي وعقل، وقالت: إن كان نبياً ميّز بين الغلمان والجواري، وثقب الدرة ثقباً مستوياً وسلك في الخرزة خيطاً ثم قالت للمنذر إن نظر اليك نظر غضبان فهو ملك فلا يهولك، وإن رأيته بشا لطيفاً فهو نبي، فأقبل الهدهد فأخبر سليمان، فأمر الجن فصرفوا لبن الذهب والفضة وفرشوه في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ، وجعلوا حول الميدان حائط فشرفوه من الذهب والفضة، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر فربطوها عن يمين الميدان ويساره على اللبن، وأمر أولاد الجن وهم خلق فأقيموا على اليمين واليسار، ثم قعد على سريره والكراسي عن جانبيه، فاصطفت الشياطين صفوفاً فراسخ والإِنس صفوفاً، والوحوش والسباع والطير والهوام كذلك، فلما دنا القوم ونظروا بهتوا ورأوا الدواب تروث على اللبن، فتقاصرت إليهم نفوسهم ورموا بما معهم، ولما وقفوا بين يدي سليمان نظر إليهم بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟ وأين الحقُ؟ وأخبره جبريل بما فيه فقال لهم: إن فيه كذا وكذا، ثم أمر الأرضة فأخذت شعرة ونفرت فيها وجعل رزقها في الفاكهة، ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ثم تضرب وجهها، والغلام كلما يأخذ به يضرب وجهه، ثم ردّ {ارجع إليهم} الآية، قالت: هو نبي وما لنا به من طاقة، فشخّصت اليه في اثني عشر ألف قيل تحت كل قيل ألف.
الهواري
تفسير : {قَالَتْ يَآأَيُّهَا المَلؤُا أَفْتُونِي فِي أَمْرِي} أي: إنها استشارتهم {مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ قَالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأمُرِينَ}. قال بعضهم: ذكر لنا أنه كان لها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً هم أهل مشورتها، كل رجل منهم على عشرة آلاف فجميعهم ثلاثة آلاف ألف ومائة ألف وثلاثون ألفاً. {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا} أي: خرّبوها {وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً} قال الله: {وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ}. قوله: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ} أي: رسلي، أي: إن قبل هديتنا فهو من الملوك وليس من أهل النبوّة كما ينتحل. وقال بعضهم: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ} فَمُصَانِعَتُهم بها عن مُلكي إن كانوا أهل دنيا. فبعثت إليهم بلبنة من ذهب في حريرة وديباج. فبلغ ذلك سليمان، فأمر بلبنة من ذهب فصيغت، ثم قذفت تحت أرجل الدواب على طريقهم تبول عليها وتروث عليها. فلما جاءت رسلها فرأوا اللبنة تحت أرجل الدواب صغُر في أعينهم الذي جاءوا به. وقال مجاهد: بعثت إليهم بِجَوَارٍ قد ألبستهن لباس الغلمان، وغلمان قد ألبستهم لباس الجواري، فخلّص سليمان بعضهم من بعض، ولم يقبل هديتها. قوله: {فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ ءَاتَانِيَ اللهُ} أي: ما أعطاني الله {خَيْرٌ مِّمَّآ ءَاتَاكُم} أي: خير مما أعطاكم {بَلْ أَنْتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ}.
اطفيش
تفسير : {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأَ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي} اي أشيروا عليّ فيما عرض لي قريء بتخفيف همزة {المَلأَ} وهمزة {أَفْتُونِي} وبقلب همزة {أَفْتُونِي} واوا. {مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً} قاضية أمرا كما هو قراءة ابن مسعود بالضاد والياء. {حَتَّىَ تَشْهَدُونِ} أي تحضروني وانما استفتتهم تطييبا لهم وجلبا لهم ولآرائهم وأصل الفتوى جواب الحادثة وجواب الحادث قال جار الله اشتقت على طريق الاستعارة من الفتى في السن. وكانت اذا ارادت خطابهم قعدت في الكرسي وخاطبتهم ووجها منكشفا لهم.
اطفيش
تفسير : {قالتْ يا أيها الملأ أفتونى فى أمْرى} كررت نداءهم لشدة اعتنائها بالنازلة وشدة اعتنائها بأن يعينوها ويساعدوها، ولذلك أيضا قالت: {ما كُنْت قاطِعةٍ أمراً} من امور الملك {حتى تَشْهَدون} تحضرونى فيه، والافتاء ذكر ما يجرى عليه فى الأمر الحادث، والتقوية فيه، وكأنه من الفتوة، وهى حداثة السن، ولا تخلو عن قوة وذكرت أن من شأنها انها لم تستقل عنهم بأمر، وأنها الى الآن كذلك، وهكذا يستحب فى الشرع المشاورة فى الأمر المهم.
الالوسي
تفسير : {قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُا أَفْتُونِى فِى أَمْرِى } كررت حكاية قولها للإيذان بغاية اعتنائها بما في حيزها، والإفتاء على ما قال صاحب «المطلع» الإشارة على المستفتي فيما حدث له من الحادثة بما عند المفتي من الرأي والتدبير وهو إزالة ما حدث له من الإشكال كالإشكاء إزالة الشكوى، وفي «المغرب» اشتقاق الفتوى من الفتى لأنها جواب في حادثة أو إحداث حكم أو تقوية لبيان مشكل، وأياً ما كان فالمعنى أشيروا علي بما عندكم من الرأي والتدبير فيما حدث لي وذكرت لكم خلاصته، وقصدت بما ذكرت استعطافهم وتطييب نفوسهم ليساعدوها ويقوموا معها وأكدت ذلك بقولها: {مَا كُنتُ قَـٰطِعَةً أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ } أي ما أقطع أمراً من الأمور المتعلقة بالملك إلا بمحضركم وبموجب آرائكم، والإتيان بكان للإيذان بأنها استمرت على ذلك أو لم يقع منها غيره في الزمن الماضي فكذا في هذا و {حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ } غاية للقطع. واستدل بالآية على استحباب المشاورة والاستعانة بالآراء في الأمور المهمة، وفي قراءة عبد الله {مَا كُنتُ قاضية أمْراً }.
ابن عاشور
تفسير : سألتْهم إبداء آرائهم ماذا تعمل تجاه دعوة سليمان. والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً مثل التي قبلها. والإفتاء: الإخبار بالفَتوى وهي إزالة مشكل يعرض. وقد تقدمت عند قوله تعالى: {أية : قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان} تفسير : في سورة يوسف (41). والأمر: الحال المهم، وإضافته إلى ضميرها لأنها المخاطبة بكتاب سليمان ولأنها المضطلعة بما يجب إجراؤه من شؤون المملكة وعليها تبعة الخطأ في المنهج الذي تسلكه من السياسة، ولذلك يقال للخليفة وللملك وللأمير ولعالم الدين: وَليُّ الأمر. وبهذه الثلاثة فُسِّر قوله تعالى: {أية : يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}تفسير : [النساء: 59]. وقال الراعي يخاطب عبد الملك بن مروان:شعر : أَوَليَّ أمرِ اللَّه إنا مَعشر حُنفاء نسجد بكرة وأصيلاً تفسير : فهذا معنى قولهم لها: {أية : والأمرُ إليك}تفسير : [النمل: 33]. وقد أفادت إضافة {أمري} تعريفاً، أي في الحادثة المعيَّنة. ومعنى {قاطعة أمراً} عاملةً عملاً لا تردد فيه بالعزم على ما تجيب به سليمان. وصيغة {كنت قاطعة} تؤذن بأن ذلك دأبها وعادتها معهم، فكانت عاقلة حكيمة مستشيرة لا تخاطر بالاستبداد بمصالح قومها ولا تعرِّض ملكها لمهاوي أخطاء المستبدين. والأمر في {ما كنت قاطعة أمراً} هو أيضاً الحال المهم، أي أنها لا تقضي في المهمات إلا عن استشارتهم. و{تَشهدون} مضارع شَهِد المستعمل بمعنى حَضر كقوله تعالى: {أية : فمن شهد منكم الشهر}تفسير : [البقرة: 185]، أي حتى تَحْضُرون. وشهد هذا يتعدى بنفسه إلى كل ما يحضر فاعل الفعل عنده من مكان وزمان واسم ذات، وذلك تعدّ على التوسع لكثرته، وحق الفعل أن يُعدى بحرف الجر أو يعلق به ظرف. يقال: شهد عند فلان وشهد مجلس فلان. ويقال: شهد الجمعة. وفعل {تشهدون} هنا مستعمل كناية عن المشاورة لأنها يلزمها الحضور غالباً إذ لا تقع مشاورة مع غائب. والنون في {تشهدون} نون الوقاية وحذفت ياء المتكلم تخفيفاً وألقيت كسرة النون المجتلبة لوقاية الحرف الأخير من الفعل عن أن يكون مكسوراً، ونون الوقاية دالة على المحذوف. وقرأه الجمهور بحذف الياء وصلاً ووقفاً. وقرأ يعقوب بإثبات الياء وصلاً ووقفاً. وفي قولها: {حتى تشهدون} كناية عن معنى: توافقوني فيما أقطعه، أي يصدر منها في مقاطع الحقوق والسياسة: إما بالقول كما جرى في هذه الحادثة، وإما بالسكوت وعدم الإنكار لأن حضور المعدود للشورى في مكان الاستشارة مغن عن استشارته إذ سكوته موافقة. ولذلك قال فقهاؤنا: إن على القاضي إذا جلس للقضاء أن يقضي بمحضر أهل العلم، أو مشاورتهم. وكان عثمان يقضي بمحضر أهل العلم وكان عُمر يستشيرهم وإن لم يَحضروا. وقال الفقهاء: إن سكوتهم مع حضورهم تقرير لحكمه. وليس في هذه الآية دليل على مشروعية الشورى لأنها لم تحك شَرعاً إلهياً ولا سيق مساق المدح، ولكنه حكاية ما جَرى عند أمة غير متدينة بوحي إلهي؛ غير أن شأن القرآن فيما يذكره من القَصص أن يذكر المهم منها للموعظة أو للإسوة كما قدمناه في المقدمة السابعة. فلذلك يستروح من سياق هذه الآية حسن الشورى. وتقدم ذكر الشورى في سورة آل عمران.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 32- قالت لمجلس شوراها: بينوا لى الصواب فى هذا الأمر الخطير الذى عرض لى، فإنى لا أبت فى أمر حتى يكون بمحضركم. 33- قالوا مطمئنين لها: نحن أصحاب قوة بدنية وأهل نجدة وشجاعة، لا نخاف الحرب، فانظرى فى الأمر الذى تأمريننا به، فإنا مطيعون. 34- قالت متريثة مسالمة: إن الملوك إذا دخلوا مدينة عظيمة بجيوشهم أفسدوها، فأذهبوا عمرانها، وأبادوا الحرث والنسل، وأفعالهم كذلك دائماً. 35- وإنى - إيثاراً للسلم والعافية - مرسلة إلى سليمان وقومه بهدية، ومنتظرة ما يرجع به الرسل، بقبول الهدية أم بردها. 36- وصل الرسل إلى سيدنا سليمان بالهدية، فقال لهم شاعراً بأنعم الله تعالى عليه، مخاطباً لها ولقومها فى مواجهة رسلها: أتعطوننى مالا؟! فما أعطانى الله من النبوة والملك والنعمة أعظم مما آتاكم، بل أنتم بهديتكم وكثرة أموالكم تفرحون لا مثلى، لأنكم لا تعلمون إلا ما يتعلق بالدنيا. 37- وقال يخاطب المتكلم باسمهم: ارجع - أيها الرسول - إليهم، فوالله لنأتينّهم بجنود لا طاقة لهم بمقاومتها ومقابلتها، ولنخرجنهم من سبأ فاقدى العز، وهم مستعبدون.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أفتوني في أمري: بينوا لي فيه وجه الصواب، وما هو الواجب اتخاذه إزاءه. ما كنت قاطعة أمراً: أي قاضيته. حتى تشهدون: أي تحضروني وتبدوا رأيكم فيه. وأولوا بأس شديد: أي أصحاب قوة هائلة مادية وأصحاب بأس شديد في الحروب. إذا دخلوا قرية: أي مدينة وعاصمة ملك. أفسدوها: اي خربوها إذا دخلوها عنوة بدون مصالحة. وكذلك يفعلون: أي وكالذي ذكرت لكم يفعل مرسلو هذا الكتاب. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم عن حديث قصر الملكة بلقيس وها هي ذي تقول لرجال دولتها ما حكاه تعالى عنها بقوله {قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِيۤ أَمْرِي} أي أشيروا علي بما ترونه صالحاً {مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً} أي قاضية باتَّةً فيه {حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ} أي تحضروني وتبدوا فيه وجهة نظركم. فأجابها رجالها بما أخبر تعالى به عنهم {قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُو قُوَّةٍ} عسكرية من سلاح وعتاد وخبرة {وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ} عند خوضنا المعارك {وَٱلأَمْرُ إِلَيْكِ فَٱنظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} به فأمري ننفّذْ إنا طوع يديك. فأجابتهم بما حكاه الله تعالى عنها {قَالَتْ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً} أي مدينة عنوة بدون صلح. {أَفْسَدُوهَا} أي خربوا معالمها وبدلوا وغيروا فيها، {وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً} بضربهم وإهانتهم وخلعهم من مناصبهم. {وَكَذٰلِكَ} أصحاب هذا الكتاب {يَفْعَلُونَ} {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ} أي الذين نرسلهم من قبول الهدية ورفضها وعلى ضوء ذلك نتصرف فإنهم إن قبلوا الهدية المالية فهم أصحاب دنيا، وإن رفضوها فهم أصحاب دين، وعندها نتخذ ما يلزم حيالهم، ولا شك أن هذه الهدية كانت فاخرة وثمينة. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير مبدأ الشورى في الحكم. 2- مشروعية إبداء الرأي بصدق ونزاهة ثم ترك الأمر لأهله. 3- مشروعية إعداد العدة وتوفير السلاح وتدرب الرجال على حمله واستعماله. 4- دخول العدو المحارب الغالب البلاد عنوة ذو خطورة فلذا يتلافى الأمر بالمصالحة. 5- بيان حسن سياسة الملكة بلقيس وفطنتها وذكائها ولذا ورثت عرش أبيها.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {ٱلْمَلأُ} (32) - ولما قَرَأَتْ عَليهمْ كِتَابَ سُلَيمانَ واسْتَشَارَتْهُمْ في أَمْرِهَا، وكَيْفَ تَفَعَلُ، قَالَتْ لَهمْ إِنَّهَا لا تَقْطَعُ بأَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدَّوْلَةِ حَتَّى يَجْتَمِعُوا إِليْها، ويُشِيرُوا عَلَيها فِيهِ. تَشْهَدُونَ - تَحْضُرُونَ، أَو تُشِيرُون عليَّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : سبق أن تكلمنا في معنى الفتوى، وأنها من الفُتوة أي: القوة، وهي مثل: غَنِيَ فلان أي: صار غنياً بذاته، وأغناه غيره أمدَّه بالغنى، كذلك أفتاه يعني: أعطاه قوة في الحكم والحجة. وقالت: {فِيۤ أَمْرِي ..} [النمل: 32] مع أن الأمر خاصٌّ بالدولة كلها، لا بها وحدها؛ لأنها رمز للدولة وللملْك، وإنْ تعرض لها سليمان فسوف يُخدش مُلْكها أولاً، ويُنال من هيبتها قبل رعيتها. {مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ} [النمل: 32] يعني: لا أَبُتُّ في أمر إلا في حضوركم، وبعد استشارتكم. وهذا يدل على أنها كانت تأخذ بمبدأ الشورى رغم ما كان لها من الملْك والسيطرة والهيمنة. فردّ عليها الملأ من قومها: {قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُو قُوَّةٍ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):