Verse. 3193 (AR)

٢٧ - ٱلنَّمْل

27 - An-Naml (AR)

قَالَتْ اِنَّ الْمُلُوْكَ اِذَا دَخَلُوْا قَرْيَۃً اَفْسَدُوْہَا وَجَعَلُوْۗا اَعِزَّۃَ اَہْلِہَاۗ اَذِلَّۃً۝۰ۚ وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُوْنَ۝۳۴
Qalat inna almulooka itha dakhaloo qaryatan afsadooha wajaAAaloo aAAizzata ahliha athillatan wakathalika yafAAaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قالت إن الملوك إذا دخلوا قريةً أفسدوها» بالتخريب «وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون» أي: مرسلو الكتاب.

34

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنها لما عرضت الواقعة على أكابر قومها وقالوا ما تقدم أظهرت رأيها، وهو أن الملوك إذا دخلوا قرية بالقهر أفسدوها، أي خربوها وأذلوا أعزتها، فذكرت لهم عاقبة الحرب. وأما قوله: {وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ } فقد اختلفوا أهو من كلامها أو من كلام الله تعالى كالتصويب لها والأقرب أنه من كلامها، وأنها ذكرته تأكيداً لما وصفته من حال الملوك. فأما الكلام في صفة الهدية فالناس أكثروا فيها لكن لا ذكر لها في الكتاب وقولها: {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ } فيه دلالة على أنها لم تثق بالقبول وجوزت الرد، وأرادت بذلك أن ينكشف لها غرض سليمان، ولما وصلت الهدايا إلى سليمان عليه السلام ذكر أمرين: الأول: قوله: {أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ } فأظهر بهذا الكلام قلة الاكتراث بذلك المال. أما قوله: {بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ } ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الهدية اسم للمهدي، كما أن العطية اسم للمعطي، فتضاف إلى المهدي وإلى المهدى إليه، والمضاف إليه ههنا هو المهدى إليه، والمعنى أن الله تعالى آتاني الدين الذي هو السعادة القصوى، وآتاني من الدنيا ما لا مزيد عليه، فكيف يستمال مثلي بمثل هذه الهدية، بل أنتم تفرحون بما يهدى إليكم، لكن حالي خلاف حالكم وثانيها: بل أنتم بهديتكم هذه التي أهديتموها تفرحون من حيث إنكم قدرتم على إهداء مثلها وثالثها: كأنه قال: بل أنتم من حقكم أن تأخذوا هديتكم وتفرحوا بها الثاني: قوله: {ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ } فقيل ارجع خطاب للرسول، وقيل للهدهد محملاً كتاباً آخر. أما قوله تعالى: {لاَّ قِبَلَ } أي لا طاقة، وحقيقة القبل المقاومة والمقابلة، أي لا يقدرون أن يقابلوهم. وقرأ ابن مسعود: (لا قبل لهم بهم)، والضمير في (منها) لسبأ، والذل أن يذهب عنهم ما كان عندهم من العز والملك، والصغار أن يقعوا في أسر واستعباد، ولا يقتصر بهم على أن يرجعوا سوقة بعد أن كانوا ملوكاً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَتْ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا } بالتخريب {وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ } أي: مرسلو الكتاب.

ابن عبد السلام

تفسير : {دَخَلُواْ قَرْيَةً} أخذوها عنوة "ع". {أَفْسَدُوهَا} أخربوها. {أَذِلَّةً} بالسيف، أو الاستعباد. {وَكّذَلِكَ يَفْعَلُونَ}. من قول الله إنهم يفسدون القرى "ع"، أو قالت بلقيس وكذلك يفعل سليمان إذا دخل بلادنا.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً} بالقهر "أَفْسَدُوهَا": خرّبوها، {وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً}، فذكرت لهم عاقبة الحرب، وحذرتهم مسير سليمان إليهم ودخوله بلادهم. قوله: {وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ} أي: مثل ذلك الفعل يفعلون، وهل هذه الجملة من كلامها - وهو الظاهر - فتكون منصوبة بالقول، أو من كلام الله تعالى، فهي استئنافية لا محل لها من الإعراب، وهي معترضة بين قولها. قوله: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ}: ما بعث على وجه الإكرام، وهي اسم للمهدى، فيحتمل أن يكون اسماً صريحاً، ويحتمل أن تكون - في الأصل - (مصدراً أطلق على اسم المفعول، وليست مصدراً قياسياً، لأن الفعل منه: أهدى رباعياً، فقياس) مصدره: إهداء. فصل اعلم أنَّ بلقيس كانت امرأة لبيبة قد سيست وساست فقالت للملأ من قومها: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ}، أي: لسليمان وقومه "بِهَديَّةٍ" أصانعه على ملكي وأختبره بها أَمَلِكٌ أَم نبيّ، فإن يكن ملكاً قبل الهديّة وانصرف، وإن يكن نبيّاً لم يقبل الهديّة ولم يرضه منا إلا أن نتبعه على دينه، فذلك قوله: {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ}، (وهذا الكلام يدل على أنّها لم تثق بالقبول وجوّزت الرد، وأرادت أن ينكشف لها غرض سليمان). قوله: "فَنَاظِرَةٌ" عطف على "مُرْسِلَة"، و "بم" متعلق بـ "يرجع"، وقد وهم الحوفي فجعلها متعلقة بـ "نَاظِرَةٌ"، وهذا لا يستقيم، لأن اسم الاستفهام له صدر الكلام و "بم يرجع" معلق لناظرة. قوله: {فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ} أي: فلما جاء الرسول، أضمره لدلالة قولها "مرسِلة" فإنه يستلزم رسولاً، والمراد به الجنس لا حقيقة رسول واحد، بدليل خطابه لهم بالجمع في قوله: "أَتَمِدُّونَنِي.. " إلى آخره، وكذلك قرأ عبد الله: فلما جاءوا، وقرأ: "فارجعوا إليهم"، اعتباراً بالأصل المشار إليه. قوله: "أَتُمِدُونَنِي" استفهام إنكار، وقرأ حمزة بإدغام نون الرفع في نون الوقاية، وأما الياء فإنه يحذفها وقفاً، ويثبتها وصلاً على قاعدته في الزوائد، والباقون بنونين - على الأصل - وأما الياء فإن نافعاً وأبا عمرو كحمزة يثبتانها وصلاً ويحذفانها وقفاً، وابن كثير يثبتها في الحالين، والباقون يحذفونها في الحالين. وروي عن نافع أنه يقرأ بنون واحدة، فتكملت ثلاثة قراءات كما في: {أية : تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ}تفسير : [الزمر: 64]. قال الزمخشري: ما الفرق بين قولك: أتمدونني بمال وأنا أغنى منكم، وبين أن تقوله بالفاء؟ قلت: إذا قلته بالواو فقد جعلت مخاطبي عالماً بزيادتي عليه في الغنى، وهو - مع ذلك - يمدني بالمال، وإذا قلته بالفاء فقد جعلته ممن خفي عليه حالي، وإنما أخبره الساعة بما لا أحتاح معه إلى إمداده، كأني أقول له: أنكر عليك ما فعلت فإني غني عنه، وعليه ورد قوله: {فَمَآ آتَانِي ٱللَّهُ} انتهى. وفي هذا الفرق نظر، إذ لا يفهم ذلك بمجرد الواو والفاء، ثم إنه لم يجب عن السؤال الأول، وهو أنه: لم عدل عن قوله: وأنا أغنى منكم إلى قوله: {فَمَآ آتَانِي ٱللَّهُ}؟ وجوابه: أنه أسند إيتاء الغنى إلى الله، إظهاراً لنعمته عليه، ولو قال: وأنا أغنَى منكم، كان فيه افتخار من غير ذكر لنعمة الله عليه، فأظهر - بهذا الكلام - قلة الاكتراث بذلك المال. قوله: "بَلْ أَنْتُم" إضراب انتقال، قال الزمخشري: فإن قلت: فما وجه الإضراب؟ قلت: لما أنكر عليهم الإمداد، وعلل إنكاره، أضرب عن ذلك إلى بيان السبب الذي حملهم عليه، وهو أنهم لا يعرفون سبب رضى إلا مما يهدى إليهم من حظوظ الدنيا التي لا يعرفون غيرها، والهدية: يجوز إضافتها إلى المهدي وإلى المهدى إليه، وهي هنا محتملة للأمرين. قال أبو حيان: وهي هنا مضافة للمهدى إليه، وهذا هو الظاهر، ويجوز أن تكون مضافة إلى المهدي، أي: بل أنتم بهديتكم هذه التي أهديتموها تفرحون فرح افتخار. قال شهاب الدين: كيف يجعل الأول هو الظاهر، ولم ينقل أن سليمان - صلى الله عليه وسلم - أرسل إليهم هدية في هذه الحالة، حتى يضيفها إليهم، بل الذي يتعين إضافتها إلى المهدي. ومعنى الآية: {بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ}، لأنكم أهل مفاخرة بالدنيا ومكاثرة بها تفرحون بإهداء بعضكم لبعض، وأما أنا فلا أفرح بها وليست الدنيا من حاجتي، لأن الله تعالى قد مكنني فيها وأعطاني منها ما لم يعط أحداً، ومع ذلك أكرمني بالدين والنبوة. قوله: "ارْجِعْ" الظاهر أن الضمير يعود على الرسول، وتقدمت قراءة عبد الله: "ارجعوا"، وقيل: يعود على الهدهد. "فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ" وهذا جواب قسم مقدر، وكذلك قوله: "ولَنُخْرَجَنَّهُم". قوله: "لاَ قِبَلَ" صفة لـ "جُنُود"، أي: لا طاقة, وحقيقته: لا مقابلة والضمير في "بها" عائد على "جنود", لأنه جمع تكسير فيجري مجرى المؤنثة الواحدة كقولهم: الرِّجَالُ وأعضَادَها. وقرأ عبد الله "بهم" على الأصل. "ولَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا" أي من بلادهم وأرض سبأ "أَذِلَّةً" حال، والذل: أن يذهب عنهم ما كان عندهم من العز والملك. قوله: "وَهُمْ صَاغِرُون" حال ثانية، والظاهر أنها مؤكدة، لأن "أَذِلَّةً" تغني عنها. فإن قيل: قوله "فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ"، و "لَنُخْرِجَنَّهُمْ" قسم، فلا بد أن يقع!‍ فالجواب: أنه معلق على شرطٍ حُذِفَ لفهم المعنى، أي: إن لم يأتوني مسلمين، والصغار: أن يقعوا في أسر واستبعاد. فصل قال ابن عباس: لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان، قالت: قد عرفت والله ما هذا بملك، ولا لنا به من طاقة، وبعثت إلى سليمان: إني قادمة عليك بملوك قومي، حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك ثم آذنت بالرحيل إلى سليمان، فلما قربت منه على فرسخ، فرأى سليما رهجاً قريباً، فقال ما هذا؟ قالوا بلقيس قد نزلت منا بهذا المكان. قال ابن عباس: وكان بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ، فأقبل سليمان حينئذٍ على جنوده، فقال: {يَٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ}؟.

البقاعي

تفسير : ولما علمت أن من سخر له الطير على هذا الوجه لا يعجزه شيء يريده، ولا أحد يكيده، مالت إلى المسالمة، فاستأنف سبحانه وتعالى الإخبار عنها بقوله: {قالت} جواباً لما أحست في جوابهم من ميلهم إلى الحرب أن الصواب من غير ارتياب أن نحتال في عدم قصد هذا الملك المطاع؛ ثم عللت هذا الذي أفهمه سياق كلامها بقولها {إن الملوك} أي مطلقاً، فكيف بهذا النافذ الأمر، العظيم القدر {إذا دخلوا قرية} أي عنوة بالقهر والغلبة {أفسدوها} أي بالنهب والتخريب {وجعلوا أعزة أهلها أذلة} أي بما يرونهم من البأس، ويحلون بهم من السطوة. ثم أكدت هذا المعنى بقولها: {وكذلك} أي ومثل هذا الفعل العظيم الشأن، الوعر المسلك البعيد الشأو {يفعلون*} دائماً، هو خلق لهم مستمر جميعهم على هذا، فكيف بمن تطيعه الطيور، ذوات الوكور، فيما يريده من الأمور. ولما بينت ما في المصادمة من الخطر، أتبعته ما عزمت عليه من المسالمة، فقالت: {وإني مرسلة} وأشار سبحانه إلى عظيم ما ترسل به بالجمع في قولها: {إليهم} أي إليه وإلى جنوده {بهدية} أي تقع منهم موقعاً. قال البغوي: وهي العطية على طريق الملاطفة. {فناظرة} عقب ذلك وبسببه {بم} أي بأي شيء {يرجع المرسلون*} بتلك الهدية عنه من المقال أو الحال، فنعمل بعد ذلك على حسب ما نراه من أمره، فنكون قد سلمنا من خطر الإقدام على ما لم نعرف عاقبته، ولم يضرنا ما فعلنا شيئاً. ولما كان التقدير: فأرسلت بالهدية، وهي فيما يقال خمسمائة غلام مرد، زينتهم بزي الجواري، وأمرتهم بتأنيث الكلام، وخمسمائة جارية في زي الغلمان، وأمر لهم بتغليظ الكلام. وجزعه معوجة الثقب، ودرة غير مثقوبة - وغير ذلك، وسألته أن يميز بين الغلمان والجواري، وأن يثقب الدرة، وأن يدخل في الجزعة خيطاً، فأمرهم بغسل الوجوه والأيدي، فكانت الجارية تأخذ الماء بإحدى يديها ثم تنقله إلى الأخرى ثم تضرب الوجه وتصب الماء على باطن ساعدها صباً، وكان الغلام كما يأخذ الماء يضرب به وجهه ويصب الماء على ظهر الساعد ويحدره على يديه حدراً، وأمر الأرضة فثقبت الدرة، والدودة فأدخلت السلك في الثقب المعوج، رتب عليه قوله مشيراً بالفاء إلى سرعة الإرسال: {فلما جاء} أي الرسول الذي بعثته وأرسلته، والمراد به الجنس؛ قال أبو حيان: وهو يقع على الجمع والمفرد والمذكر والمؤنث. {سليمان} فدفع إليه ذلك {قال} أي سليمان عليه السلام للرسول ولمن في خدمته استصغاراً لما معه: {أتمدونن} أي أنت ومن معك ومن أرسلك {بمال} وإنما قصدي لكم لأجل الدين، تحقيراً لأمر الدنيا وإعلاماً بأنه لا التفات له نحوها بوجه، ولا يرضيه شيء دون طاعة الله. ثم سبب عنه ما أوجب له استصغار ما معه فقال: {فما آتاني الله} أي الملك الأعظم الذي له جميع الكمال من المال والجلال بالنبوة والملك والقرب منه سبحانه، وهو الذي يغني مطيعه عن كل ما سواه، فمهما سأله أعطاه، وذلك أنه صف الشياطين والإنس والسباع والوحش والطير والهوام صفوفاً فراسخ عدة، وبسط المكان كله بلين الذهب إلى غير ذلك مما يليق به {خير مما آتاكم} أي من الملك الذي لا نبوة فيه، ولا تأييد من الله. ولما كان التقدير: ولكنكم لا تعلمون أن هديتكم مما يزهد فيه لتقيدكم بظاهر من الحياة الدنيا، نسق عليه قوله: {بل أنتم} أي بجهلكم لذلك تستعظمون ما أنتم فيه، فأنتم {بهديتكم تفرحون*} بتجويزكم أن الدنيا تردني عنكم لأنها غاية قصدي، ويجوز أن يراد أنكم تفرحون بما يهدي إليكم فتتركون من كنتم تريدون غزوه لأجل ما آتاكم منه من الدنيا، فحالي خلاف حالكم، فإنه لا يرضيني إلا الدين. ثم أفرد الرسول إرادة لكبيرهم بقوله: {ارجع} وجمع في قوله: {إليهم} إكراماً لنفسه، وصيانه لاسمها عن التصريح بضميرها، وتعميماً لكل من يهتم بأمرها ويطيعها {فلنأتينهم بجنود لا قبل} أي طاقة {لهم بها} أي بمقابلتها لمقاومتها وقلبها عن قصدها، أي لا يقدرون أن يقابلوها {ولنخرجنهم منها} أي من بلادهم {أذلة}. ولما كان الذل قد يكون لمجرد الانقياد، لا على سبيل الهوان، حقق المراد بقوله: {وهم صاغرون*} أي لا يملكون شيئاً من المنعة إن لم يقروا بالإسلام. ولما ذهب الرسل، وعلم صلى الله عليه السلام مما رأى من تصاغرهم لما رأوا من هيبته وجلاله الذي حباه به ربه وعظمته أنهم يأتون بها مذعنة {قال} لجماعته تحقيقاً لقوله: {وأوتينا من كل شيء} لإعلامه بأنها استوثقت من عرشها: {يا أيها الملأ} أي الأشراف {أيّكم يأتيني بعرشها} لترى بعض ما آتاني الله من الخوارق، فيكون أعون على متابعتها في الدين، ولآخذه قبل أن يحرم أخذه بإسلامها، وأختبر به عقلها {قبل أن يأتوني} أي هي وجماعتها {مسلمين*} أي منقادين لسلطاني، تاركين لعز سلطانهم، منخلعين من عظيم شأنهم، ليكون ذلك أمكن في إقامة الحجة عليها في نبوتي وأعون على رسوخ الإيمان في قلبها وإخلاصها فيه {قال عفريت}. ولما كان هذا اللفظ يطلق على الأسد، وعلى المارد القوي، وعلى الرجل النافذ في الأمر المبالغ فيه مع دهاء وقوة - وقال الرازي: مع خبث ومكر - وعلى غيره، بينه بأن قال: {من الجن أنا} الداهية الغليظ الشديد {آتيك به} ولما علم أن غرضه الإسراع قال: {قبل أن تقوم من مقامك} أي مجلسك هذا، ثم أوثق الأمر وأكده بقوله: {وإني عليه} أي الإتيان به سالماً {لقوي} لا يخشى عجزي عنه {أمين*} لا يخاف انتقاضي شيئاً منه. ولما كانت القصة لإظهار فضل العلم المستلزم للحكمة، دلالة على أنه تعالى حكيم عليم، ترغيباً في القرآن، وحثاً على ما أفاده من البيان، قال حاكياً لذلك استئنافاً جواباً لاستشرافه صلى الله عليه وسلم لأقرب من ذلك: {قال الذي عنده}. ولما كان لكتب الله من العظمة ما لا يحيطه إلا الله، اشار إلى ذلك بتنكير ما لهذا الذي يفعل مثل هذا الخارق العظيم من ذلك فقال: {علم} تنبيهاً على أنه اقتدر على ذلك بقوة العلم ليفيد ذلك تعظيم العلم والحث على تعلمه، وبين أن هذا الفضل إنما هو للعلم الشرعي فقال: {من الكتاب} أي الذي لا كتاب في الحقيقة غيره، وهو المنسوب إلينا، وكأنه الذي كان شهيراً في ذلك الزمان، ولعله التوراة والزبور، إشارة إلى أن من خدم كتاباً حق الخدمة كان الله - تعالى كما ورد في شرعنا - سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، أي إنه يفعل له ما يشاء، وقيل في تعيينه إنه آصف بن برخيا وكان صديقاً عالماً: {أنا آتيك به} وهذا أظهر في كونه اسم فاعل لأن الفعل قارن الكلام؛ وبين فضله على العفريت بقوله: {قبل أن يرتد} أي يرجع {إليك طرفك} أي بصرك إذا طرفت بأجفانك فأرسلته إلى منتهاه ثم رددته؛ قال القزاز: طرف العين: امتداد بصرها حيث أدرك، ولذلك يقولون: لا أفعل ذلك ما ارتد إليّ طرفي، أي ما دمت أبصر، ويقال: طرف الرجل يطرف - إذا حرك جفونه، وقيل: الطرف اسم لجامع البصر لا يثنى ولا يجمع. وبين تصديق فعله لقوله أنه استولىعليه قبل أن يتحكم منه العفريت فبادر الطرف إحضاره كما أشار إليه قوله تعالى: {فلما رآه} أي العرش. ولما كانت الرؤية قد تكون عن بعد ومجازية، وكذلك العندية، بين أنها حقيقية بإظهار العامل في الظرف ومن حقه في غير هذا السياق الحذف فقال: {مستقراً عنده} أي ثابتاً ثباتاً لا مرية فيه، ما هو بسحر ولا منام لا مثال؛ قال الإمام جمال الدين بن هشام في الباب الثالث من كتابه المغني: زعم ابن عطية أن {مستقراً} هو المتعلق الذي يقدر في أمثاله قد ظهر، والصواب ما قاله أبو البقاء وغيره من أن هذا الاستقرار معناه عدم التحرك لا مطلق الوجود والحصول، فهو كون خاص. {قال} أي سليمان عليه السلام شكراً لما آتاه الله من هذه الخوارق: {هذا} أي الإتيان المحقق {من فضل ربي} أي المحسن إليّ، لا بعمل أستحق به شيئاً، فإنه أحسن إليّ بإخراجي من العدم وتطويقي للعمل، فكل عمل نعمة منه يستوجب عليّ به الشكر، ولذلك قال: {ليبلوني} أي يفعل معي فعل المبتلي الناظر {ءأشكر} فأعترف بكونه فضلاً {أم أكفر} بظن أني أوتيته باستحقاق. ثم زاد في حث نفسه على الشكر بقوله: {ومن شكر} أي أوقع الشكر لربه {فإنما يشكر لنفسه} فإن نفعه لها، وأما الله تعالى فهو أعلى من أن يكون له في شيء نفع أو عليه فيه ضر {ومن كفر فإن ربي} أي المحسن إليّ بتوفيقي لما أنا فيه من الشكر {غني} أي عن شكر، لا يضره تركه شيئاً {كريم*} يفعل معه بإدرار النعم عليه فعل من أظهر محاسنه وستر مساوئه، ثم هو جدير بأن يقطع إحسانه إن استمر على إجرامه كما يفعل الغني بمن أصر على كفر إحسانه فإذا هو قد هلك.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا} [الآية: 34]. قال جعفر الصادق: أشار الى قلوب المؤمنين أن المعرفة إذا دخلت القلوب زالت عنه الأمانى، والمرادات أجمع فلا يكون فى القلب محل لغير الله. قال ابن عطاء رحمه الله: إذا ظهر سلطان الحق، وتعظيمه فى القلب تلاشت الغفلات واستولت عليه الهيبة والأحوال فلا يبقى فيه تعظيم لشىء سوى الحق ولا يشغل جوارحه إلا بطاعته، ولسانه إلا بذكره، ولا قلبه إلا بالإقبال عليه. سئل بعضهم: عن نعت العارف فقال: إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها أى يفسدوا ما لغيرهم فيها وجعلوا الحظوظ كلها حظًا واحدًا. وقال الواسطى: فى قوله: {إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ} الآية أى عطلوها عما سواه وجعلوا أعزة أهلها أذلة كما كان أعز فى عينه وقلبه صار ذليلاً طريدًا عن قلبه، وحق لهم ذلك وقد غيبهم حال عن كل وارد فى الحال فأسرارهم عن سرهم نافذة وأماكنهم عن أماكنهم عليه لأن الحق لاحظهم بعناية القدرة واشتمال التولى والنصرة فحمل عنهم ما حملهم من أثقال هدايته، وولايته قوله تعالى: {بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} [الآية: 36]. قال جعفر: الدنيا أصغر عند الله وعند أنبيائه وأوليائه من أن يفرحوا بها ويحزنوا عليها.

القشيري

تفسير : ويقال إِنَّ: {وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ} مِنْ قوْلِها. ويقال: تغييرُ الملوك إذا دخلوا قريةً - عن صفتها - معلومٌ، ثم يُنْظَر... فإن كان الداخِلُ عادلاً أزال سُنَّةَ الجَوْرِ، وأثبت سُنَّةَ العَدْلِ، وإِنْ كان الداخلُ جائراً أزال الحَسَنَ وأثبت الباطلَ. هذا معلوم؛ فإنَّ خرابَ البلادِ بولاةِ السُّوءِ، حيث يستولي أسافلُ الناس وأَسقاطُهم على الأعزة منهم، وكما قيل: شعر : يا دولة ليس فيها من المعالي شظيهْ زولى فما أنتِ إِلاّ على الكرام بليهْ تفسير : وعمارة الدنيا بولاة الرُّشْدِ، يكسرون رقابَ الغاغة، ويُخَلِّصُون الكرامَ من أَسْرِ السِّفْلة، (ويأخذ القوس باريها)، وتطلع شمسُ العدل من برج شرفها... كذلك المعرفةُ والخصالُ المحمودة إذا باشَرَتْ قلبَ عبدٍ أخرجت عنه الشهواتِ والمُنى، وسفاسفَ الأخلاقِ من الحقد والحسد والشُّحِّ وصِغَرِ الهمة... وغير ذلك من الأوصاف الذميمة وتُثْبِتُ بَدَلَها من الأحوال العَلِيَّةِ والأوصاف المَرْضِيَّةِ ما به نظامُ العبد وتمامُ سعادته. ومتى استولت على قلبٍ غاغةُ النَّفسِ والخصالُ المذمومة أزالت عنه عمارته، وأَبْطَلَتْ نضارتَه، فتخرب أوطانُ الحقائق، وتتداعى مساكنُ الأوصاف الحميدة للأفول، وعند ذلك، يَعْظُم البلاءُ وتتراكم المِحَنُ.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا} لما وجدت فى الكتاب تلك الكرامات عرفت عظم شان سليمان وجلاله ما عليه من انوار الحسن والجمال فمال قلبها الى العشق والمحبة فارادات ان لا يكون مخذولة حين دخل فى بلدها سليمان ولا يتاذى بنفسه فى محبته فان العاشق لا يريد ايذاء معشوقه ومن اشارة المعرفة اذا دخل سلطان الوجد والمحبة والمعرفة والمشاهدة فى قلوب العارفين اغارما دون الله من العرش الى الثرى ولا يبقى فيها الا نور بلا ظلمة وصفاءً بلا كدورة وجمعا بلا تفرقة وذكر بلا فترة وعشقا بى شهوة وصدقا بلا غفلة ويقينا بلا شك واخلاصً بلا رياء ويصير اوصاف النفس الامارة محمودة وصارت ابواب القلوب على الشياطين مسدودة ويكون الروح مشاهدة الحق بلا حجاب قال جعفر صادق اشارات قلوب المؤمنين ان المعرفة اذا دخلت القلوب زال عنها الامانى والمرادات اجمع فلا يكون للقلب محل بغير الله قال ابن عطا اذا ظهر سلطان الحق فى تعظيمه فى القلب تلاشى الغفلات واستولى عليها الهيبة والاجلال ولا يبقى فيه تعظيم شئ سوى الحق فلا يشتغل جوارحه الا بطاعته ولسان الا بذكره وقلبه الا بالاقبال عليه وسئل ابو يزيد عن نعت العارف فقال ان الملوك اذا ادخلوا قرية افسدوها قال الواسطى فى قوله افسدوها الى عطلوها عما سواه وجعلوا اعزة اهلها اذلة كل ما كان اعز فى -----وقلبه صار ذليلا طريدا عن قلبه وحتى لهم ذلك وقد غيبهم الحال عن كل وارد فى الحال فاسراهم عن سرهم نافذة وامكانهم غايبة لان الحق لاحظهم بعناية القدرة واشتمال التولى والنصرة فحمل عنهم من اثقال هداية وولاية.

اطفيش

تفسير : {قَالَتْ إِنَّ المُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةٍ} عنوة أعني قهرا. {أَفْسَدُوهَا} خربوها ذلك تفسير ابن عباس فيما رواه الداوودي وذلك أن الحرب دول فما يدري أحد لمن تكون الدولة فلعل سليمان يغلبكم ويأخذ أموالكم ويفسد ما أراد افساده. {وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ} جمع عزيز. {أَهْلِهَا أَذِلَةً} جمع ذليل أي أهانوا عظماءها لئلا ينازعوهم فيستقيم لهم الأمر والأصل اعززه وأذلَلة باسكان ثانيهما وكسر ثالثيهما نقل الكسر للساكن وادغم الثالث في الرابع أنشد أبو القاسم الحبيبي: شعر : ان الملوك بلا حيث ما حلوا فلا يكن لك في أكنافهم ظل ماذا تؤمل من قوم اذا غضبوا جاروا عليك وان أرضتهم ملوا وان أجبتهم اجلتك خدعتهم واستثقلوك كما يستثقل الكل فاستغن بالله عن أبوابهم أبدا إن الوقوف على أبوابهم ذل تفسير : {وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} اي هذا عادة مستمرة لهم لا تتغير لانها كانت في بيت الملك القديم فسمعت نحو ذلك ولات وقيل إن {وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ} من كلام الله وعليه جرى الشيخ هود رحمه الله تعالى وهو تفسير ابن عباس رضي الله عنه فيكون تصديقا من الله سبحانه لبلقيس قال جار الله: وقد يتعلق الساعون في الأرض بالفساد بهذه الآية ويجعلونها حجة لأنفسهم ومن استباح حراما فقد كفر فاذا احتج له بالقرآن على وجه التحريف فقد جمع بين كفرين انتهى.

اطفيش

تفسير : {قالت} لما رأت ميلهم الى القتال وهى مائلة الى الصلح {إنَّ المُلوك إذا دخَلُوا قَريةً} من القرى بالحرب {أفْسدُوها} بتخريب العمارة، وفصل المتصل وإتلاف الأموال {وجَعَلوا أعزَّة أهْلها أذلَّةً} بالقتل والأسر والاجلاء والاستعباد والاستخدام، وغير ذلك، أحست أن مُلكها مع قُوته بالنسبة الى ملك سُليمان كالعدم، فأرشدتهم الى ما هو خير لهم من الحرب التى مالوا إليها، {وكَذلك يفْعَلون} من عادتهم ذلك، وهو تأكيد لما قبله، وزعم بعض انها أرادت بالملوك سليمان ومن تحته، وهو خلاف الظاهر بلا دليل، مع أنها تحتاج فى ذلك الى أنها قد علمت أن سليمان دخل قرى وأفسدها، وجعل أعزة أهلها أذلة، وإن قيل: أرادت توقع ذلك منه، بقى أن الجرى على ذلك خلاف الظاهر بلا دليل، كما مر، وزعم بعض أن قوله: {وكذلك يفْعَلون} من كلام الله تعالى، اعترض به فى كلامها تصديقاً لها.

الالوسي

تفسير : {قَالَتْ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً } من القرى على منهاج المقاتلة والحراب {أَفْسَدُوهَا } بتخريب عماراتها وإتلاف ما فيها من الأموال. {وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً } بالقتل والأسر والإجلاء وغير ذلك من فنون الإهانة والإذلال، ولم يقل وأذلوا أعزة أهلها مع أنه أخصر للمبالغة في التصيير والجعل {وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ } تصديق لها من جهته عز وجل على ما أخرج ابن أبـي حاتم عن ابن عباس أو هو من كلامها جاءت به تأكيداً لما وصفت من حالهم بطريق الاعتراض التذييلي وتقرير له بأن ذلك عادتهم المستمرة فالضمير للملوك، وقيل: هو لسليمان ومن معه فيكون تأسيساً لا تأكيداً. وتعقب بأن التأكيد لازم على ذلك أيضاً للإندراج تحت الكلية وكأنها أرادت على ما قيل: إن سليمان ملك والملوك هذا شأنهم وغلبتنا عليه غير محققة ولا اعتماد على العدد والعدة والشجاعة والنجدة فربما يغلبنا فيكون ما يكون فالصلح خير، وقيل: إنها غلب على ظنها غلبته حيث رأت أنه سخر له الطير فجعل يرسله بأمر خاص إلى شخص خاص مغلق عليه الأبواب فأشارت لهم إلى أنه يغلب عليهم إذا قاتلوه فيفسد القرى ويذل الأعزة وأفسدت بذلك رأيهم وما أحسته منهم من الميل إلى مقاتلته عليه السلام وقررت رأيها بقولها: {وَإِنّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ}.

ابن عاشور

تفسير : {قالت} جواب محاورة فلذلك فُصل. أبدت لهم رأيها مفضِّلةً جانب السلم على جانب الحرب، وحاذرة من الدخول تحت سلطة سليمان اختياراً لأن نهاية الحرب فيها احتمال أن ينتصر سليمان فتصير مملكة سبأ إليه، وفي الدخول تحت سلطة سليمان إلقاء للمملكة في تصرفه، وفي كلا الحالين يحصل تصرف مَلك جديد في مدينتها فعلمت بقياس شواهد التاريخ وبخبرة طبائع الملوك إذا تصرفوا في مملكة غيرهم أن يقلبوا نظامها إلى ما يساير مصالحهم واطمئنان نفوسهم من انقلاب الأمة المغلوبة عليهم في فُرص الضعف أو لوائح الاشتغال بحوادث مهمة، فأول ما يفعلونه إقصاء الذين كانوا في الحكم لأن الخطر يتوقع من جانبهم حيث زال سلطانهم بالسلطان الجديد، ثم يبدلون القوانين والنظم التي كانت تسير عليها الدولة، فأما إذا أخذوها عنوة فلا يخلو الأخذ من تخريب وسبي ومغانم، وذلك أشد فساداً. وقد اندرج الحالان في قولها {إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة}. وافتتاح جملة: {إن الملوك} بحرف التأكيد للاهتمام بالخبر وتحقيقه، فقولها {إذا دخلوا قرية أفسدوها} استدلال بشواهد التاريخ الماضي ولهذا تكون {إذا} ظرفاً للماضي بقرينة المقام كقوله تعالى: {أية : وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها}تفسير : [الجمعة: 11] وقوله: {أية : ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا}تفسير : [التوبة: 92]. وجملة: {وكذلك يفعلون} استدلال على المستقبل بحكم الماضي على طريقة الاستصحاب وهو كالنتيجة للدليل الذي في قوله: {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها}. والإشارة إلى المذكور من الإفساد وجَعْلِ الأعزة أذلة، أي فكيف نلقي بأيدينا إلى من لا يألو إفساداً في حالنا. فدبرت أن تتفادى من الحرب ومن الإلقاء باليد، بطريقة المصانعة والتزلف إلى سليمان بإرسال هدية إليه، وقد عزمت على ذلك ولم تستطلع رأي أهل مشورتها لأنهم فوضوا الرأي إليها، ولأن سكوتهم على ما تخبرهم به يُعدّ موافقة ورضى. وهذا الكلام مقدمة لما ستلقيه إليهم من عزمها، ويتضمن تعليلاً لما عزمت عليه. والباء في {بهدية} باء المصاحبة. ومفعول {مرسلة} محذوف دل عليه وصف {مرسلة} وكون التشاور فيما تضمنه كتاب سليمان. فالتقدير: مرسلة إليهم كتاباً ووَفداً مصحوباً بهدية إذ لا بد أن يكون الوفد مصحوباً بكتاب تجيب به كتاب سليمان فإن الجواب عن الكتاب عادة قديمة، وهو من سنن المسلمين، وعدّ من حق المسلم على المسلم، قال القرطبي: إذا ورد على إنسان في كتاب بالتحية أو نحوها ينبغي أن يَرد الجواب لأن الكتاب من الغائب كالسلام من الحاضر. وروي عن ابن عباس أنه كان يرى رد الكتاب واجباً كرد السلام اهــــ. ولم أقف على حكم فيه من مذاهب الفقهاء. والظاهر أن الجواب إن كان عن كتاب مشتمل على صيغة السلام أن يكون رد الجواب واجباً وأن يشتمل على رد السلام لأن الرد بالكتابة يقاس على الرد بالكلام مع إلغاء فارق ما في المكالمة من المواجهة التي يكون ترك الرد معها أقرب لإلقاء العداوة. ولم أر في كتب النبي صلى الله عليه وسلم جواباً عن كتاب إلا جوابه عن كتاب مسيلمة والسلام على من اتّبع الهدى. والهدية: فعيلة من أهدى: فالهدية ما يعطَى لقصد التقرب والتحبب، والجمع هَدايا على اللغة الفصحى، وهي لغة سُفلَى مَعَدَ. وأصل هدايا: هدائيَ بهمزة بعد ألف الجمع ثم ياءٍ لأن فعيلة يجمع على فعائل بإبدال ياء فعيلة همزة لأنها حرف وقع في الجمع بعد حرف مدّ فلما وجدوا الضمة في حالة الرفع ثقيلة على الياء سكّنوا الياء طرداً للباب ثم قلبوا اليَاء الساكنة ألفاً للخفة فوقعت الهمزة بين ألفين فثقلت فقلبوها ياء لأنها مفتوحة وهي أخف، وأما لغة سُفلى معدّ فيقولون: هَدَاوَى بقلب الهمزة التي بين الألفين واواً لأنها أخت الياء وكلتاهما أخت الهمزة. و{ناظرة} اسم فاعل من نَظر بمعنى انتظَر، أي مترقبةٌ، فتكون جملة: {بم يرجع المرسلون} مبيّنة لجملة {فناظرة}، أو مستأنفة. وأصل النظم: فناظرة ما يرجع المرسلون به، فغير النظم لمَّا أريد أنها مترددة فيما يرجع به المرسلون. فالباء في قوله: {بم يرجع المرسلون} متعلقة بفعل {يرجع} قدمت على متعلَّقها لاقترانها بحرف (ما) الاستفهامية لأن الاستفهام له صدر الكلام. ويجوز أن يكون {ناظرة} من النظر العقلي، أي عالمة، وتعلقَ الباء بفعل {يرجع}، وعلى كلا الوجهين فـــ{ناظرة} معلَّق عن العمل في مفعوله أو مفعوليه لوجود الاستفهام، ولا يجوز تعلق الباء بـــ{ناظرة} لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل فيما بعده فمن ثم غلطوا الحوفي في «تفسيره» لتعليقه الباء بــــ{ناظرة} كما في الجهة السادسة من الباب الخامس من «مغني اللبيب».

د. أسعد حومد

تفسير : (34) - وأَدْرَكَتْ بِلقيسُ أنَّها لا طَاقَة لَها، ولا لِقَوْمِها، بحَرْبِ سليمانَ، وقدْ لاحَظَتْ ما سَخَّرَهُ اللهُ لَهُ، فقالَتْ لَهُمْ إِنَّهَا تَخْشَى أن يَمْتَنِعُوا عليهِ ويبادِرُوهُ بالعدَاءِ، فيَقصِدهُمْ، ويُهْلِكهُمْ بمنْ مَعَهُ، فَيحِل في بَلَدِهِمْ الخرابُ والدَّمارُ، فإِن الملوكَ إذا دَخَلُوا بَلَداً عَنْوَةً خَرَّبُوهُ وأفْسَدُوه، وجَعَلُوا كِرَامَ أهلِهِ مِنْ قَادَةٍ وكُبَراءَ وأُمَراءَ وشُرَفَاءَ.. أذلةً بالقتْلِ والأسْرِ، وهَذا ما يَفْعَلُونَهُ عَادَةً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وتعرض بلقيس رأيها {إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا ..} [النمل: 34]، ذلك لأنهم يريدون مُلْكاً، فينهبون كل ما يمرُّون به بل ويُخربون ويفسدون لماذا؟ لأنهم ساعةَ يصل الملِك المغير لا يضمن النصر؛ لذلك يُخرِّب كل شيء، حتى إذا ما عرف أنه انتصر، وأن الأمور قد استقرتْ له يحافظ على الأشياء ولا يُخربها. {وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً ..} [النمل: 34] لأن الملْك يقوم على أنقاض مُلْك قديم، فيكون أصحاب العزة والسيادة هم أول مَنْ يُبدأ بهم؛ لأن الأمر أُخِذ من أيديهم، وسوف يسعَوْن لاستعادته، ولا بُدَّ أنْ يكون عندهم غَيْظ ولَدَد في الخصومة. أما قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ} [النمل: 34] فللعلماء فيه كلام: قالوا إنه من كلام بلقيس، وكأنه تذييل لكلامها السابق، لكن ماذا يضيف {وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ} [النمل: 34] بعد أن قالت {إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً ..} [النمل: 34]. فالرأي الصواب أن هذه العبارة من الحق - سبحانه وتعالى - ليُصدِّق على كلامها، وأنها أصابت في رأيها، فكذلك يفعل الملوك إذا دخلوا قرية، مما يدل على أن الحق سبحانه رب الخلْق أجمعين، إذا سمع من عبد من عبيده كلمة حق يؤيده فيها، لا يتعصب ضده، ولا يهضمه حقه.