٢٧ - ٱلنَّمْل
27 - An-Naml (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
35
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} هذا من حسن نظرها وتدبيرها؛ أي إني أجرب هذا الرجل بهدية، وأعطيه فيها نفائس من الأموال، وأغرب عليه بأمور المملكة: فإن كان ملكاً دنياوياً أرضاه المال وعملنا معه بحسب ذلك، وإن كان نبياً لم يرضه المال ولاَزَمَنا في أمر الدِّين، فينبغي لنا أن نؤمن به ونتبعه على دينه، فبعثت إليه بهدية عظيمة أكثر الناس في تفصيلها، فقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: أرسلت إليه بلَبِنة من ذهب، فرأت الرسل الحيطان من ذهب فصغُر عندهم ما جاؤوا به. وقال مجاهد: أرسلت إليه بمائتي غلام ومائتي جارية. وروي عن ابن عباس: باثنتي عشرة وصيفة مذكَّرين قد ألبستهم زيّ الغلمان، واثني عشر غلاماً مؤنثين قد ألبستهم زيّ النساء، وعلى يد الوصائف أطباق مسك وعنبر، وباثنتي عشرة نجيبة تحمل لَبِن الذّهب، وبخرزتين إحداهما غير مثقوبة، والأخرى مثقوبة ثَقْباً معوجاً، وبقدح لا شيء فيه، وبعصا كان يتوارثها ملوك حِميَر، وأنفذت الهدية مع جماعة من قومها. وقيل: كان الرسول واحداً ولكن كان في صحبته أتباع وخدم. وقيل: أرسلت رجلاً من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو، وضمت إليه رجالاً ذوي رأي وعقل، والهدية مائة وصيف ومائة وصيفة، قد خولف بينهم في اللباس، وقالت للغلمان: إذا كلَّمكم سليمان فكلِّموه بكلام فيه تأنيث يشبه كلام النساء، وقالت للجواري: كلِّمنه بكلام فيه غِلظ يشبه كلام الرجال؛ فيقال: إن الهدهد جاء وأخبر سليمان بذلك كله. وقيل: إن الله أخبر سليمان بذلك، فأمر سليمان عليه السلام أن يبسط من موضعه إلى تسع فراسخ بلبنات الذهب والفضة، ثم قال: أيّ الدواب رأيتم أحسن في البر والبحر؟ قالوا: يا نبيّ الله رأينا في بحر كذا دواب مُنقَّطة مختلفة ألوانها، لها أجنحة وأعراف ونواصي؛ فأمر بها فجاءت فشدّت على يمين الميدان وعلى يساره، وعلى لبِنات الذهب والفضة، وألقوا لها علوفاتها؛ ثم قال: للجن عليّ بأولادكم؛ فأقامهم ـ أحسن ما يكون من الشباب ـ عن يمين الميدان ويساره. ثم قعد سليمان عليه السلام على كرسيه في مجلسه، ووضع له أربعة آلاف كرسيّ من ذهب عن يمينه ومثلها عن يساره، وأجلس عليها الأنبياء والعلماء، وأمر الشياطين والجن والإنس أن يصطفوا صفوفاً فراسخ، وأمر السباع والوحوش والهوام والطير فاصطفوا فراسخ عن يمينه وشماله، فلما دنا القوم من الميدان ونظروا إلى مُلك سليمان، ورأوا الدواب التي لم تر أعينهم أحسن منها تَروث على لبِنات الذهب والفضة، تقاصرت إليهم أنفسهم، ورموا ما معهم من الهدايا. وفي بعض الروايات: إن سليمان لما أمرهم بفرش الميدان بلبِنَات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعاً على قدر موضع بساط من الأرض غير مفروش، فلما مروا به خافوا أن يتهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان، فلما رأوا الشياطين رأوا منظراً هائلاً فظيعاً ففزعوا وخافوا، فقالت لهم الشياطين: جُوزُوا لا بأس عليكم؛ فكانوا يمرون على كُرْدُوس كُرْدُوس من الجنّ والإنس والبهائم والطير والسباع والوحوش حتى وقفوا بين يدي سليمان، فنظر إليهم سليمان نظراً حسناً بوجه طَلْق، وكانت قالت لرسولها: إن نظر إليك نظر مغضَب فاعلم أنه ملِك فلا يهولنّك منظره فأنا أعز منه، وإن رأيت الرجل بشًّا لطيفاً فاعلم أنه نبيّ مرسل فتفهم قوله وردّ الجواب، فأخبر الهدهد سليمان بذلك على ما تقدّم. وكانت عمدت إلى حُقَّة من ذهب فجعلت فيها درّة يتيمة غير مثقوبة، وخرزة معوجة الثَّقْب، وكتبت كتاباً مع رسولها تقول فيه: إن كنت نبيًّا فميّز بين الوصفاء والوصائف، وأخبر بما في الحُقَّة، وعرفني رأس العصا من أسفلها، واثقب الدرّة ثَقْباً مستوياً، وأدخل خيط الخرزة، واملأ القدح ماء من ندى ليس من الأرض ولا من السماء؛ فلما وصل الرسول ووقف بين يدي سليمان أعطاه كتاب الملكة فنظر فيه، وقال: أين الحُقَّة؟ فأتى بها فحركها، فأخبره جبريل بما فيها، ثم أخبرهم سليمان. فقال له الرسول: صدقت؛ فاثقب الدرّة، وأدخل الخيط في الخَرَزة؛ فسأل سليمان الجن والإنس عن ثَقْبها فعجزوا؛ فقال للشياطين: ما الرأي فيها؟ فقالوا: ترسل إلى الأَرَضة، فجاءت الأرضة فأخذت شعرة في فيها حتى خرجت من الجانب الآخر؛ فقال لها سليمان: ما حاجتك؟ قالت: تصيِّر رزقي في الشجر؛ فقال لها: لكِ ذلك. ثم قال سليمان: من لهذه الخَرَزة يسلكها الخيط؟ فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا نبيّ الله؛ فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثَّقْب حتى خرجت من الجانب الآخر؛ فقال لها سليمان: ما حاجتك؟ قالت: تجعل رزقي في الفواكه؛ قال: ذلك لكِ. ثم ميز بين الغلمان والجواري. قال السديّ: أمرهم بالوضوء، فجعل الرجل يحدر الماء على اليد والرجل حَدْراً، وجعل الجواري يصببن من اليد اليسرى على اليد اليمنى، ومن اليمنى على اليسرى، فميّز بينهم بهذا. وقيل: كانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها، ثم تحملها على الأخرى، ثم تضرب به على الوجه؛ والغلام كان يأخذ الماء من الآنية يضرب به في الوجه، والجارية تصب على بطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، والجارية تصب الماء صباً، والغلام يحدر على يديه؛ فميز بينهم بهذا. وروى يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير قال: أرسلت بلقيس بمائتي وصيفة ووصيف، وقالت: إن كان نبياً فسيعلم الذكور من الإناث؛ فأمرهم فتوضؤوا؛ فمن توضأ منهم فبدأ بمرفقه قبل كفّه قال هو من الإناث، ومن بدأ بكفه قبل مرفقه قال هو من الذكور؛ ثم أرسل العصا إلى الهواء فقال: أي الرأسين سبق إلى الأرض فهو أصلها، وأمر بالخيل فأجريت حتى عرقت وملأ القدح من عرقها، ثم رد سليمان الهدية؛ فروي أنه لما صرف الهدية إليها وأخبرها رسولها بما شاهد؛ قالت لقومها: هذا أمر من السماء. الثانية: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثبت عليها ولا يقبل الصدقة، وكذلك كان سليمان عليه السلام وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين. وإنما جعلت بلقيس قبول الهدية أو ردّها علامة على ما في نفسها؛ على ما ذكرناه من كون سليمان ملكاً أو نبياً؛ لأنه قال لها في كتابه: {أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} وهذا لا تقبل فيه فدية، ولا يؤخذ عنه هدية، وليس هذا من الباب الذي تقرر في الشريعة عن قبول الهدية بسبيل، وإنما هي رشوة وبيع الحق بالباطل، وهي الرشوة التي لا تحل. وأما الهدية المطلقة للتحبب والتواصل فإنها جائزة من كل أحد وعلى كل حال، وهذا ما لم يكن من مشرك. الثالثة: فإن كانت من مشرك ففي الحديث: «حديث : نُهِيت عن زَبْد المشركين» تفسير : يعني رِفدهم وعطاياهم. وروي عنه عليه السلام أنه قبلها كما في حديث مالك عن ثور بن زيد الدِّيليّ وغيره، فقال جماعة من العلماء بالنسخ فيهما، وقال آخرون؛ ليس فيها ناسخ ولا منسوخ، والمعنى فيها: أنه كان لا يقبل هدية من يطمع بالظهور عليه وأخذ بلده ودخوله في الإسلام، وبهذه الصفة كانت حالة سليمان عليه السلام، فعن مثل هذا نهى أن تقبل هديته حملاً على الكفّ عنه؛ وهذا أحسن تأويل للعلماء في هذا؛ فإنه جمع بين الأحاديث. وقيل غير هذا. الرابعة: الهدية مندوب إليها، وهي مما تورث المودة وتذهب العداوة؛ روى مالك عن عطاء بن عبد الله الخراساني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تَصافحوا يَذهب الغِلُّ وتَهادوا تحابُّوا وتذهب الشَّحناء»تفسير : . وروى معاوية بن الحكم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : تهادوا فإنه يضعِّف الودّ ويذهب بغوائل الصَّدر»تفسير : . وقال الدَّارَقُطْنِيّ: تفرد به ابن بُجَير عن أبيه عن مالك، ولم يكن بالرضىّ، ولا يصح عن مالك ولا عن الزهري. وعن ابن شهاب قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تهادوا بينكم فإن الهدية تُذهب السَّخِيمة» تفسير : قال ابن وهب: سألت يونس عن السَّخِيمة ما هي فقال: الغل. وهذا الحديث وصله الوقّاصي عثمان عن الزهري وهو ضعيف. وعلى الجملة: فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية، وفيه الأسوة الحسنة. ومن فضَّل الهدية مع اتباع السنة أنها تزيل حزازات النفوس، وتكسب المهدي والمهدَى إليه رنّة في اللقاء والجلوس. ولقد أحسن من قال:شعر : هدايا الناس بعضهم لبعض تُولِّد في قلوبهمُ الوِصَالاَ وتزرعُ في الضمير هَوًى ووُدًّا وتُكسبهمْ إذا حضروا جَمالاَ تفسير : آخر:شعر : إنّ الهدايا لها حظٌّ إذا وَرَدتْ أحظى من الابن عند الوالد الحدب تفسير : الخامسة: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : جلساؤكم شركاؤكم في الهدية» تفسير : واختلف في معناه؛ فقيل: هو محمول على ظاهره. وقيل: يشاركهم على وجه الكرم والمروءة، فإن لم يفعل فلا يجبر عليه. وقال أبو يوسف: ذلك في الفواكه ونحوها. وقال بعضهم: هم شركاؤه في السرور لا في الهدية. والخبر محمول في أمثال أصحاب الصُّفَّة والخوانق والرّباطات؛ أما إذا كان فقيهاً من الفقهاء اختص بها فلا شركة فيها لأصحابه، فإن أشركهم فذلك كرم وجود منه. السادسة: قوله تعالى: {فَنَاظِرَةٌ} أي منتظرة {بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ} قال قتادة: يرحمها الله أن كانت لعاقلة في إسلامها وشركها؛ قد علمت أن الهدية تقع موقعاً من الناس. وسقطت الألف في {بِم} للفرق بين «ما» الخبرية. وقد يجوز إثباتها؛ قال:شعر : على ما قام يشتمني لئيم كخنزير تمرَّغ في رمادِ
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِنّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ } من قبول الهدية أو ردّها إن كان ملكاً قبلها أو نبياً لم يقبلها فأرسلت خدماً ذكوراً وإناثاً ألفاً بالسوية وخمسمائة لبنة من الذهب، وتاجاً مكللاً بالجواهر ومسكاً وعنبراً وغير ذلك مع رسول بكتاب فأسرع الهدهد إلى سليمان يخبره الخبر فأمَرَ أن تُضْرَبْ َلِبَناتُ الذهب والفضة وأن تُبسط من موضعه إلى تسعة فراسخ ميداناً وأن يبنوا حوله حائطاً مشرفاً من الذهب والفضة وأن يؤتى بأحسن دواب البَرِّ والبحر مع أولاد الجنّ عن يمين الميدان وشماله.
ابن عطية
تفسير : روي أن بلقيس قالت لقومها إني أجرب هذا الرجل {بهدية} أعطيه فيها نفائس الأموال وأغرب عليه بأمور المملكة، فإن كان ملكاً دنياوياً أرضاه المال فعملنا معه بحسب ذلك، وإن كان نبياً لم يرضه المال ولازمنا في أمر الدين فينبغي أن نؤمن به ونتبعه على دينه، فبعثت إليه {بهدية} عظيمة أكثر بعض الناس في تفصيلها فرأيت اختصار ذلك لعدم صحته، واختبرت علمه فيما روي بأن بعثت إليه قدحاً فقالت املأه لي ماء ليس من الأرض ولا من السماء، وبعثت إليه درة فيها ثقب محلزق وقالت يدخل سلكها دون أن يقربها إنس ولا جان، وبعثت أخرى غير مثقوبة وقالت يثقب هذه غير الإنس والجن، فملأ سليمان القدح من عرق الخيل، وأدخلت السلك دودة. وثقبت الدرة أرضة ماء، وراجع سليمان مع رد الهدية بما في الآية وعبر عن "المرسلين بـ {جاء} وبقوله {ارجع} لما أراد به الرسول الذي يقع على الجمع والإفراد والتأنيث والتذكير، وقرأ ابن مسعود "فلما جاؤوا سليمان" وقرأ "ارجعوا"، ووعيد سليمان لهم مقترن بدوامهم على كفرهم، وذكر مجاهد أنها بعثت في هديتها بعدد كثير من العبيد بين غلام وجارية وجعلت زيهم واحداً وجربته في التفريق بينهم. قال القاضي أبو محمد: وليس هذا بتجربة في مثل هذا الأمر الخطير، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو "أتمدونني" بنونين وياء في الوصل، وقرأ ابن عامر وعاصم والكسائي "أتمدونن" بغير ياء في وقف ووصل، وقرأ حمزة "أتمدونّي" بشد النون وإثبات الياء، وقرأ عاصم "فما آتانِ الله" بكسر النون دون ياء، وقرأ فرقة "آتاني" بياء ساكنة، وقرأ أبو عمرو ونافع "آتانيَ" بياء مفتوحة، ثم توعدهم بالجنود والغلبة والإخراج أذلاء والمعنى إن لم يسلموا، وقرأ عبد الله "لا قبل لهم بهم" على جمع ضمير الجنود. و {لا قبل} معناه لا طاقة ولا مقاومة.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِهَدِيَّةٍ} لبنة من ذهب "ع"، أو صحائف الذهب في أوعية الديباج، أو جوهر، أو غلمان ولباسهم لباس الجواري وجواري لباسهم لباس الغلمان، ثمانون غلاماً وجارية أو ثمانون غلاماً وثمانون جارية وقصدت بالهدية استعطافه لعلمها بموقع الهدايا من الناس، أو اختبرته فإن قبل هديتها فهو مَلِك فتقاتله وإن لم يقبلها فهو نبي فلا طاقة لها به، أو اختبرته بأن يميز الجواري من الغلمان فأمرهم بالوضوء فاغترف الغلام بيده وأفرغت الجارية على يدها فميزهم بذلك، أو يغسل الغلمان ظهور السواعد قبل بطونها وغسل الجواري بطون السواعد قبل ظهورها، وبدأ الغلمان بغسل المرافق إلى الأكف وبدأ الجواري من الأكف إلى المرافق.
النسفي
تفسير : {وإنّي مرسلةٌ إليهم بهديّةٍ} أي مرسلة رسلاً بهدية. {فناظرةٌ} فمنتظرة {بم} أي بـــــ «ما» لأن الألف تحذف مع حرف الجر في الاستفهام {يرجع المرسلون} بقبولها أم بردها لأنها عرفت عادة الملوك وحسن مواقع الهدايا عندهم، فإن كان ملكاً قبلها وانصرف، وإن كان نبياً ردها ولم يرض منا إلا أن نتبعه على دينه. فبعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري وحليهن راكبي خيل مغشاة بالديباج محلاة اللجم والسروج بالذهب المرصع بالجواهر، وخمسمائة جارية على رماك في زي الغلمان، وألف لبنة من ذهب وفضة وتاجاً مكللاً بالدر والياقوت وحقاً فيه درة عذراء وجزعة معوجة الثقب، وبعثت رسلاً وأمرت عليهم المنذر بن عمرو بدليل قوله تعالى؛ {بم يرجع المرسلون}. وكتبت كتاباً فيه نسخة الهدايا وقالت فيه: إن كنت نبياً فميز بين الوصفاء والوصائف وأخبر بما في الحق واثقب الدرة ثقباً واسلك في الخرزة خيطاً. ثم قالت للمنذر: إن نظر إليك نظر غضبان فهو ملك فلا يهولنك منظره، وإن رأيته بشاشاً لطيفاً فهو نبي. فأقبل الهدهد وأخبر سليمان الخبر كله فأمر سليمان الجن فضربوا لبنات الذهب والفضة وفرشوها في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ، وجعلوا حول الميدان حائطاً شرفه من الذهب والفضة، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر فربطوها عن يمين الميدان ويساره على اللبنات، وأمر بأولاد الجن وهم خلق كثير فأقيموا عن اليمين واليسار، ثم قعد على سريره والكراسي من جانبيه، واصطفت الشياطين صفوفاً فراسخ، والإنس صفوفاً فراسخ، والوحش والسباع والطيور والهوام كذلك، فلما دنا القوم ورأوا الدواب تروث على اللبن رموا بما معهم من الهدايا، ولما وقفوا بين يديه نظر إليهم سليمان بوجه طلق فأعطوه كتاب الملكة فنظر فيه وقال: أين الحق؟ فأمر الأرضة فأخذت شعرة ونفذت في الدرة وأخذت دودة بيضاء الخيط بفيها ونفذت فيها، ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ثم تضرب به وجهها والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه ثم رد الهدية وقال للمنذر: {ارجع إليهم}.
القشيري
تفسير : قوله جل ذكره: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ}. جاء في القصة أنها بعثت إلى سليمانَ بهدايا، ومن جملتها لَبِنَةٌ مصنوعةٌ من الفضة وأخرى من الذهب. وأن اللَّهَ أخبر سليمانَ بذلك، وأوحى إليه في معناه. وأمَرَ سليمانُ الشياطينَ حتى بَنَوْا بساحة منزله ميداناً، وأمرهم أن يفرشوا الميدان بهيئة اللَّبنِ المصنوعِ من الذهب والفضة من أوله إلى آخره. وأَمَرَ بأن توقف الدوابُّ على ذلك وألا تُنَظَّفَ آثارُها من رَوْثٍ وغيره، وأن يُتْرَكَ موضعان لِلَبِنَتَيْنِ خالِيَيْن في ممرِّ الدخول. وأقبل رُسُلُها، وكانت معهم اللبنتان ملفوفتين، فلمَّا رَأَوْا الأمر، ووقعت أبصارُهم على طريقهم، صَغُرَ في أعينهم ما كان معهم، وخَجِلوا من تقديم ذلك إلى سليمان ووقعوا في الفكرة... كيف يتخلصون مما معهم؟. فلمَّا رأوا موضع اللَّبنَتَيْن فارغا ظنُّوا أن ذلك سُرِق من بينها، فقالوا لو أظهرنا نُسِبْنا إلى أنَّا سرقناهما من هذا الموضع، فطرحاهما في الموضع الخالي، ودَخَلاَ على سليمان: قوله جل ذكره {فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِيَ ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ}. أتهدونني مالاً؟ وهل مثلي يُسْتَمالُ بمثل هذه الأفعال؟ إنكم وأمثالكم تعامِلُون بمثل ما عوملتم! ارجع إليهم:- {ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ}. فلمَّا رجعوا إلى بلقيس، وأخبروها بما شاهدوا وسمعوا علمت أنه لا وَجْه لها سوى الاستسلام والطاعة، فَعَزَمَتْ على المسير إلى خدمته، وأوحى الله إلى سليمان بذلك، وأنها خرجت مستسلمةً، فقال: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا}؟.
اسماعيل حقي
تفسير : {وانى مرسلة اليهم} الى سليمان وقومه رسلا {بهدية} عظيمة وهى اسم للشىء المهدى بملاطفة ورفق. قال فى المفردات الهدية مختصة باللطف الذى يهدى بعضنا الى بعض {فناظرة}. قال فى كشف الاسرار الناظر ههنا بمعنى المنتظر. وقال الكاشفى [بس نكرنده ام كه ازا آنجا] {بم} اصله بما على انه استفهام اى بأى شىء {يرجع المرسلون} بالجواب من عنده حتى اعمل بما يقتضيه الحال ـ روى ـ انها بعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجوارى وحليهن كالاساور والاطواق والقرطة مخضبى الايدى راكبى خيل مغشاة بالديباج محلاة اللجم والسروج بالذهب المرصع بالجواهر وخمسمائة جارية على رماك فى زىّ الغلمان والف لبنة من ذهب وفضة وفى المثنوى شعر : هديه بلقيس جهل اشتر بدست بار آنها جمله خشت زر بدست تفسير : وتاجا مكللا بالدر والياقوت المرتفع قيمة والمسك والعنبر وحقة فيها درة ثمينة عذراء اى غير مثقوبة وخرزة جزعية معوجة الثقب وكتبت كتابا فيه نسخة الهدايا وبعثت بالدية رجلا بالاشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو وضمت اليه رجالا من قومها ذوى رأى وعقل وقالت ان كان نبيا ميز بين الغلمان والجوارى واخبر بما فى الحقة قبل فتحها وثقب الدرة ثقبا مستويا وسلك فى الخرزة خيطا ثم قالت للمنذر ان نظر اليك نظر غضبان فهو ملك فلا يهولنك منظره وان رأيته هشا لطيفا فهو نبى فاقبل الهدهد نحو سليمان مسرعا فاخبره الخبر فأمر سليمان الجن فضربوا لبن الذهب والفضة وفرشوها فى ميدان بين يديه طوله ستة فراسخ وجعلوا حول الميدان حائطا شرفاته من الذهب والفضة [يعنى كرد ميدان ديوار بر آؤردند وبرسر ديوار شرف زرين وسيمين بستند] وامر باحسن الدواب التى فى البر والبحر. قال فى كشف الاسرار [جهار بايان بحرى بنقش بلنك از رنكهابى مختلف آوردند] فربطوها عن يمين الميدان ويساره على اللبن وامر باولاد الجن وهم خلق كثير فاقيموا على اليمين واليسار ثم قعد على سريره والكراسى من جانبيه: يعنى [جهار هزار كرسىء زر ازراست وى وجهار هزار ازجب وى نهاده] واصطفت الشياطين صفوفا فراسخ والانس صفوفا والوحش والسباع والهوام كذلك [ومرغان در روى هوا برده بافتند باصد هزار ديده فلك درهزار قرن مجلس بدان تكلف وخوبى نديده بود] فلما دنا رسل بلقيس نظروا وبهتوا ورأوا الدواب تروث على اللبن: وفى المثنوى شعر : جون بصحراى سليمانى رسيد فرش آنرا جمله زر بخته ديد بارها كفتند زر را وا بريم سوى مخزن ما بجه كار اندريم عرصه كش خاك زر ده دهيست زر بهدية بردن آنجا ابلهيست تفسير : فكان حالهم كحال اعرابى اهدى الى خليفة بغداد جرة ماء فلما رأى دجلة خجل وصبه شعر : باز كفتند ار كساد وارروا جيست برما بنده فرمانيم ما كر زر وكرخاك مارا بردنيست امر فرمانده بجا آوردنيست كر بفرمايند كه كين وابس بريد هم بفرمان تحفه را باز آوريد تفسير : وجلعوا يمرون بكراديس الجن والشياطين فيفزعون وكانت الشياطين يقولون جوزوا ولا تخافوا فلما وقفوا بين يدى سليمان نظر اليهم بوجه حسن طلق وقال ماوراءكم: يعنى [جه داريد وبجه آمديد] فاخبر المنذر الخبر واعطى كتاب بلقيس فنظر فيه فقال اين الحقة فجيىء بها فقال ان فيها درة ثمينة غير مثقوبة وخرزة جزعية معوجة الثقب وذلك باخبار جبريل عليه السلام ويحتمل ان يكون باخبار الهدهد على مايدل عليه سوق القصة [سليمان جن وانس را حاضر كرد وعلم ثقب وسلك نزديك ايشان نبود شياطين را حاضر كرد واز ايشان برسيد كفتند] ترسل الى الارضة فجاءت الارضة فاخذت شعرة فى فيها فدخلت فى الدرة وثقبتها حتى خرجت من الجانب الآخر فقال سليمان ما حاجتك فقالت تصير رزقى فى الشجر قال لك ذلك ثم قال من لهذه الخرزة يسلكه الخيط فقالت دودة بيضاء انا لها ياامين الله فاخذت الخيط فى فيها ونفذت فى الخرزة حتى خرجت من الجانب الآخر فقال سليمان ماحاجتك قالت تجعل رزقى فى الفواكه قال لك ذلك اى جعل رزقها فيها فجمع سليمان طرفى الخيط وختمه ودفعها اليهم. قال الكاشفى [سليمان آب طلبيد غلمان وجوارى را فرمودكه از غبار راه روى بشوييد] يعنى ميز بين الجوارى والغلمان بان امرهم بغسل وجوههم وايديهم فكانت الجارية تأخذ الماء باحدى يديها فتجعله فى الاخرى ثم تضرب به وجهها والغلام كان يأخذه من الآنية ويضرب به وجهه ثم رد الهدية وقد كانت بلقيس قالت ان كان ملكا اخذ الهدية وانصرف وان كان نبيا لم يأخذها ولم نأمنه على بلادنا وذلك قوله تعالى {فلما جاء} اى الرسول المبعوث من قبل بلقيس {سليمان} بالهدية {قال} اى مخاطبا للرسول والمرسل تغليبا للحاضر على الغائب اى قال بعد ماجرى بينه وبينهم من قصة الحقة وغيرها لا انه خاطبهم به او ماجاؤه كما يفهم ن ظاهر العبارة {أتمدونن} اصله أتمدوننى فحذفت الياء اكتفاء بالكسرة الدالة عليها والهمزة الاستفهامية للانكار. والامداد [مدد كردن] ويعدى الى المفعول الثانى بالباء: والمعنى بالفارسية [آيامدد ميدهيد مرا وزيادتى] {بمال} حقير وسمى مالا لكونه مائلا ابدا ونائلا ولذلك يسمى عرضا وعلى هذا دل من قال المال قبحه يكون يوما فى بيت عطار ويوما يكون فى بيت بيطار كما فى المفردات ثم علل هذا الانكار بقوله {فما} موصولة {آتانى الله} مما رأيتم آثاره من النبوة والملك الذى لاغاية وراءه {خير مما آتاكم} من المال ومتاع الدنيا فلا حاجة الى هديتكم ولا وقع لها عندى شعر : آنكه برواز كند جانب علوى جوهماى دينى اندر نظر همت او مردارست تفسير : وفى المثنوى شعر : من سليمان مى نخواهم ملكتان بلكه من برهانم ازهر هلكتان از شما كى كديه زر ميكنيم ماشمارا كيميا كر ميكنيم ترك اين كيريد كر ملك سباست كه برون از آب وكل بس ملكهاست تخته بنداست آنكه تختش خوانده صدر بندارى وبر درمانده تفسير : قال جعفر الصادق الدنيا اصغر قدرا عند الله وعند انبيائه واوليائه من ان يفرحوا بشىء منها او يحزنوا عليه فلا ينبغى لعالم ولا لعاقل ان يفرح بعرض الدنيا شعر : مال دنيا دام مرغان ضعيف ملك عقبى دام مرغان شريف تفسير : {بل انتم بهديتكم تفرحون} المضاف اليه المهدى اليه. والمعنى بل انتم بما يهدى اليكم تفرحون حبا لزيادة المال لما انكم لاتعلمون الا ظاهرا من الحياة الدنيا هذا هو المعنى المناسب لما سرد من القصة. وفى الارشاد اضراب عما ذكر من انكار الامداد بالمال الى التوبيخ بفرحهم بهديتهم التى اهدوها اليه افتخارا وامتنانا واعتدادا بها كما ينبىء عنه ماذكر من حديث الحقة والجزعة وتغيير زى الغلمان والجوارى وغير ذلك انتهى. يقول الفقير فيه انهم لما رأوا ما انعم الله به على سليمان من الملك الكبير استقلوا بما عندهم حتى هموا بطرح اللبنات الا انه منعتهم الامانة من ذلك فكيف امتنوا على سليمان بهديتهم وافتخروا على ان حديث الحقة ونحوه انما كان على وجه الامتحان لا بطريق الهدية كما عرف. وفى التأويلات يشير الى ان الهدية موجبة لاستمالة القلوب ولكن اهل الدين لما عارضهم امر دينى فى مقابلة منافع كثيرة دنيوية رجحوا طرف الدين على طرف المنافع الكثيرة الدنيوية واستقلوا كثرتها لانها فانية واستكثروا قليلا من امور الدين لانها باقية كما فعل سليمان لما جاءه الرسول بالهدية استقل كثرتها وقال فما آتانى الله من كمالات الدين والقربات والدرجات الاخروية خير مما أتاكم من الدنيا وزخارفها بل انتم اى امثالكم من اهل الدنيا بمثل هديتكم الدنيوية الفانية تفرحون لخسة نفوسكم وجهلكم عن السعادات الاخروية الباقية
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: في حكاية بلقيس - وكانت سيسة، قد سيست وساست، فقالت لقومها: {وإني مُرْسِلَةً إِليهم}؛ سليمان وقومه، {بهديةٍ} أُصانعه بذلك عن ملكي، وأختبره، أملك هو أم نبي؟ {فناظرة}؛ فمنتظرة {بمَ يرجعُ المرسلون}؛ بأي شيء يرجعون، بقبولها أم بردها؛ لأنها عرفت عادة الملوك، وحسن موقع الهدايا عندهم، فإن كان مَلِكاً قَبِلَها وانصرف. وإن كان نبياً ردها ولم يَقبل منا إلا أن نتبعه على دينه، فبعثت خمسمائة غلام، عليهم ثياب الجواري وحُليهنِ، راكبين خيلاً، مغشاة بالديباج، محلاة اللجم والسروج بالذهب المرصع بالجوهر، وخمسمائة جارية على رِمَاك في زي الغلمان، وألف لبنة من ذهب وفضة، وتاجاً مكللاً بالدر والياقوت، وحُقاً فيه دُرة عذراء، وخرزة جزعية مثقوبة، معوجّة الثقب، وأرسلت رسلاً، وأمّرت عليهم المنذر بن عمرو, وكتبت كتاباً فيه نسخة الهدية. وقالت فيه: إذ كنتَ نبياً فميّز بين الوصفاء و الوصائف، وأخْبِر بما في الحُقّ، واثقب الدرّة ثقباً مستوياً، واسلك في الخرزة خيطاً. ثم قالت للمنذر: إن نظر إليك نظر غضب فهو ملك، فلا يهولنك منظره، وإن رأيته ليناً لطيفاً فهو نبيّ. فأقبل الهدهد، فأخبر سليمان الخبر كله، فأمر سليمانُ الجن فضربوا لبِنَات الذهب والفضة، وفرشوها في الميدان بين يديه, طوله سبعة فراسخ، وجعلوا حول الميدان حائطاً، شرفه من الذهب والفضة، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر، فربطوها عن يمين الميدان و يساره، على اللبنات. وأمر بأولاد الجن - وهم خلقٌ كثير – فأُقيموا عن اليمين واليسار، ثم قعد على سريره، والكراسي من جانبيه، واصطفت الشياطين صفوفاً فراسخ، والإنس صفوفاً فراسخ، والوحش والسباع والطيور والهوام كذلك, فلما دنا القوم، ونظروا، بُهتوا، ورأوا الدواب تروث على اللبن، فتقاصرت إليهم أنفسهم، ورموا بما معهم من الهدايا. ولما وقفوا بين يديه، نظر إليهم سليمان بوجهٍ طَلْقٍ، فأعطوه كتاب الملكة، فنظر فيه، فقال: أين الحُق؟ فأتى به، فحرّكه، وأخبره جبريل عليه السلام بما فيه. فقال لهم: إن كان فيه كذا وكذا. ثم أمر بالأرضَة فأخذت شعرة، ونفذت في الدرّة، فجعل رزقها في الشجر. وأخذت دودة بيضاء الخيط بفيها, ونفذت في ثقب الجزعة, فجعل رزقها في الفواكه. ودعا بالماء، وأمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم، فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى، ثم تضرب به وجهها، والغلام كما يأخذ الماء يضرب به وجهه فيميزهم بذلك. ثم ردّ الهدية. ذلك قوله تعالى: {فلما جاء سليمانَ} أي: جاء رسولها المنذرُ بن عمرو إليه {قال أتمدُّونَنِ بمالٍ}، توبيخ وإنكار لإمدادهم إياه بالمال، مع علو شأنه وسعة سلطانه. والتنكير للتحقير، والخطاب للرسول ومن معه، أو للرسول والمرسل تغليب للحاضر. {فما آتانيَ الله} من النبوة والمُلك الذي لا غاية وراءه {خير مما آتاكم} أي: من المال الذي من جملته ما جئتم به، فلا حاجة لي إلى هديتكم، ولا وقْعَ لها عندي، ولعله عليه السلام إنما قال لهم هذه المقالة... إلخ بعد ما جرى بينه وبينهم ما حكي من قصة الحُقّ وغيرها، لا أنه عليه السلام خاطبهم بها أول ما جاؤوه. ثم قال لهم: {بل أنتم بهديتِكم تفرحون}. الهدية: اسم للمُهدَى، كما أن العطية اسم للمُعطَى، فتضاف إلى المُهْدِي والمهدَى له. والمعنى: أن ما عندي خير مما عندكم، وذلك أن الله تعالى آتاني الدين والمعرفة به، التي هي الغنى الأكبر، والحظ الأوفر، وأتاني من الدنيا ما لا يستزاد عليه، فكيف يرضى مثلي بأن يُمد بمال من قِبلكم؟ بل أنتم قوم لا تعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا، فلذلك تفرحون بما تزدادون ويُهدى إليكم؛ لأنَّ ذلك مبلغ همتكم، وحالي خلاف ذلكم، فلا أرضى منكم بشيء، ولا أفرح إلا بالإيمان منكم، وترك ما أنتم عليه من المجوسية. والإضراب راجع إلى معنى ما تقدم، كأنه قيل: أنا لا أفرح بما تمدونني به بل أنتم. ثم قال للرسول: {ارجعْ إليهم}؛ إلى بلقيس وقومها، وقل لهم: {فلَنَأْتينَّهم بجنودٍ لا قِبَلَ}: لا طاقة {لهم بها}. وحقيقة القِبَل: المقابلة والمقاومة، أي: لا يقدرون أن يقابلوهم، {ولنُخْرجنّهم منها} أي: من سبأ {أذلةً وهم صاغرون}: أسارى مهانون. فالذل: أن يذهب عنهم ما كانوا فيه من العز والملك، والصغار: أن يبقوا في أسر واستعباد. فلما رجع إليها رسولها بالهدايا، وقصّ عليها القصة، قالت: هو نبي، وما لنا به طاقة. ثم تجهزت للقائه، على ما يأتي إن شاء الله. الإشارة: إذا توجه المريد إلى مولاه، توجهت إليه نفسه بأجنادها، وهي الدنيا، والجاه، والرئاسة، والحظوظ، والشهوات، فتُمده أولاً بمالٍ وجاه، تختبره، فإن علت همته، وقويت عزيمته، أعرض عن ذلك وأنكره، وقال: أتمدونني بمال حقير، وجاهٍ صغير، فلما آتاني الله من معرفته والغنى به خير مما آتاكم. ثم يقول للوارد بذلك: ارجع إليهم – أي: للنفس وجنودها – فلنأتينهم بجنود من الأنوار لا قِبَل لهم بها، ولنخرجنهم منها - أي: قرية القلب - أذلة وهم صاغرون. والله تعالى أعلم بأسرار كتابه. ثم ذكر إيتان عرشها قبل إيتانها، فقال: {قَالَ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ...}
الجنابذي
تفسير : لانّها كانت تعلم عادة الملوك وانّهم يرضون بالهدايا، فقالت، نرسل اليه بهديّةٍ فان قبلها فهو سلطانٌ يريد الملك ويجوز المقاتلة معه، وان ردّها واصرّ على طلب ما اظهر من الدّين فهو رسولٌ الهىٌّ وليس لنا ان نقاتل معه؛ واختلف فى هديّتها فقيل: كانت وُصَفاء ووصائف البستهم لباساً واحداً حتّى لا يعرف ذكر من انثى، وقيل: البست الغلمان لباس الجوارى والجوارى لباس الغلمان، وقيل: كانت صفائح من ذهبٍ فى اوعبة من الدّيباج، وقيل: كانت خمسمائة غلام جعلتهم فى لباس الجوارى وحليّهنّ، وخمسمائة جارية جعلتهنّ فى لباس الغلمان وحليّهم، وحملت الجوارى على خمسمائة مكةٍ والغلمان على خمسمائة برزونٍ؛ على كلّ فرسٍ لجام من ذهبٍ مرصّعٍ بالجواهر، وبعثت اليه خمسمائة لبنة من ذهبٍ وخمسمائة من فضّة، وتاجاً مكلّلاً بالدّرّ والياقوت، وعمدت الى حقّةٍ فجعلت فيها درّة يتيمةً غير مثقوبة وخرزة جزعيّة مثقوبة معوجّة الثّقب ودعت رجلاً من اشراف قومها اسمه المنذر بن عمر وضمّت اليه رجالاً من قومها اصحاب رأى، وعقل وكتبت اليه كتاباً بنسخة الهديّة وقالت فيها: ان كنت نبيّاً فميّز بين الوصفاء والوصائف، وأخبر بما فى الحقّة قبل ان تفتحها، واثقب الدّرّة ثقباً مستوياً، وادخل الخرزة خيطاً من غير علاج انسٍ ولا جنٍّ فانطلق الرّسول بالهدايا، واقبل الهدهد مسرعاً الى سليمان (ع) فأخبره الخبر فأمر سليمان (ع) الجنّ ان يضربوا لبنات الذّهب ولبنات الفضّة ففعلوا ثمّ امرهم ان يبسطوا من موضعه الّذى هو فيه الى بضع فراسخ ميداناً واحداً بلبنات الذّهب والفضّة، وان يجعلوا حول الميدان حائطاً شرفها من الذّهب والفضّة، ففعلوا، ثمّ قال للجنّ: علىّ باولادكم فاجتمع خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان ويساره، ثمّ قعد فى مجلسه على سريرة ووضع له اربعة آلاف كرسىّ عن يمينه ومثلها عن يسارة وامر الشّياطين ان يصطفّوا صفوفاً فراسخ، وامر الانس فاصطفّوا فراسخ، وامر الوحوش والسّباع والهوامّ والطّير، فاصطفّوا فراسخ عن يمينه ويساره، فلمّا دنا القوم من الميدان ونظروا الى ملك سليمان تقاصرت اليهم انفسهم ورموا بما معهم من الهدايا ووقفوا بين يدى سليمان (ع) ونظر اليهم نظراً حسناً، وكانت بلقيس اوصتهم ان نظر اليكم نظر غضبٍ فانّه سلطانٌ وان نظر نظر لطفٍ فهو نبىٌّ، وقال سليمان (ع): ما وراءكم؟- فاخبره رئيس القوم بما جاؤا به وأعطاه كتاب الملكة، فنظر فيه وطلب الحقّة، وأخبرهم بما فيه، وثقب الدّرّة بالارضة، وسلك الخيط فى الخرزة بدودة بيضاء، وميّز بين الجوارى والغلمان، وردّ هداياها اليها كما قال تعالى {فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِي ٱللَّهُ...}.
اطفيش
تفسير : {وَإِنِي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ} أداريه بها عن ملكي واختبره أملك هو أم نبي فان كان ملكا قبل الهدية ورجع عنا وان كان نبيا لم يقبل الهدية ولم يرض منا إلا باتباع دينه كما قال. {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ} الذين ارسلتهم بالهدية الى سليمان وقومه فاذا علمت بماذا رجعوا عملوا بحسبه ومفعول مرسلة سوف و (بم) متعلق بيرجع وما استفهامية حذفت ألفها لدخول الجار عليها وجملة {يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ} مفعول للنظر معلقا عنها وقال الحوفي الباء متعلقة بناظرة ويرده كما قال ابن هشام ان الاستفهام له الصدر. قال في عرايس القرآن كانت بلقيس امرأة لبيبة قد ساست الأمور فأهدت اليه وصفانا ووصايف. قال ابن عباس: ألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف الذكر من الأنثى وقال مجاهد ألبست الغلمان لباس الجواري والجواري لباس الغلمان فعن ابن عباس مائة وصيف ومائة وصيفة وقال وهب خمس مائة غلام وخمس مائة جارية وأرسلت له الصفائح من الذهب في أوعية الديباج وبالصفائح فسر ثابت البنان الهدية ولما بلغ ذلك سليمان أمر الجن فموهوا له الآجر لذهب ثم أمر به فألقي في الطريق فلما جاءوا ورأوه ملقى في الطريق في كل مكان قالوا: جئنا نحمل فصغر في أعينهم ما جاءوا به شيئا نراه ها هنا ملقى ما يلتفت اليه وقيل: كانت اربع لبنات من ذهب قال ابن منبه جعلت في سواعدهم أساورة من ذهب وفي آذانهم أقراطا من ذهب وشنوفا مرصعات بأنواع الجواهر وحملت الجواري على خمس مائة مكة والغلمان على خمس مائة برذون على رأس كل فرس لجام من ذهب مرصّع بالجواهر وغواشيها من الديباج الملون وبعثت اليه خمس مائة لبنة من الذهب وخمس مائة لبنة من فضة وتاجا مكللا بالدرر والياقوت الرفيع وأرسلت أيضا المسك والعنبر وعمدت إلى حقة فجعلت فيها درة يتيمة غير مثقوبة وخرزة مثقوبة معوجة الثقبة ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له: المنذر بن عمر وضمت اليه رجالاً من قومها أصحاب رأي وعقل وكتبت معهم كتاباً كنسخة الهدهد وقالت: ان كنت نبيا فميز بين الوصفان والوصايف وأخبر بما في الحقة قبل أن تفتحها وأثقب الدرة ثقباً مستوياً وادخل الخيط في الخرزة وقالت للغلمان: اذا كلمكم سليمان فكلموه بكلام فيه تأنيث وتخنث ككلام النساء وأمرت الجواري أن يكلمنه بكلام غليظ ككلام الرجال وقالت للرسول: أنظر إذا دخلت عليه فان نظر إليك نظر غضب فاعلم انه ملك لا يهولنك منظره فأنا أعز منه وإن رأيت رجلاً بشاشاً لطيفاً فاعلم أنه نبي مرسل فتفهم قوله ورد الجواب فأنطلق الرسل بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعاً الى سليمان عليه السلام فأخبره الخبر كله فأمر بضرب لبنات الذهب والفضة فنعلوا وأمر ببسطها من موضعه الذي هو فيه الى سبع فراسخ ميداناً واحداً بلبنات الذهب والفضة وأن يجعلوا حول الميدان حائطا شرافاته من الذهب والفضة ففعلوا ذلك ثم قال: أي الدواب أحسن ما رأيتم في البحر قالوا: يا نبي الله إنّا رأينا دواباً في بحر كذا منمرة مختلفة الألوان لها أجنحة وأعراف ونواص قال: سليمان عليَّ بها الساعة فأتوا بها. فقال: شدوها على يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضة وألقوا لها علفانها، ثم قال للجن: عليَّ بأولادكم فاجتمع خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان ويساره وقعد على كرسيه ووضع أربعة آلاف كرسي عن يمنيه وكذا عن يساره وأمر الشياطين أن يصطفوا صفوفاً فراسخ وأمر الجن فاصطفوا فراسخ وأمر الوحوش والسباع والهوام فاصطفوا فرسخ عن يمينه ويساره، فلما دنى القوم من الميدان ونظروا الى ملك سليمان عليه السلام ورأوا الدواب التي لم ترَ أعينهم مثلها تروّت على لبن الذهب والفضة وتقاصرت إليهم أنفسهم ورموا بما معهم من الهدايا، وفي بعض الروايات أن سليمان على نبينا عليه الصلاة والسلام لما أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعاً على قدر اللبنات التي معهم فلما رأى الرسل موضع اللبنات خالياً وكل الأرض مفروشه خافوا أن يتهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان ولما رأوا الشياطين نظروا إلى منظر عجيب ففزعوا فقيل لهم جوزوا فلا بأس عليكم، وكانوا يمرون على كراديس الجن والانس والطير والسباع والوحوش حتى وقفوا بين يدي سليمان عليه السلام وله منظر حسن ووجه طليق وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاؤوا به وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه وقال: اين الحقة؟ فأُتى بها فحركها فجاء جبرائيل عليه السلام فأخبره بما فيه فقال: أن فيها درة يتيمة غير مثقوبة وخرزة مثقوبة معوّجة الثقب فقال الرجل: صدقت فاثقب الدرة وأدخل الخيط في الخرزة فقال سليمان عليه السلام: من لي يثقبها؟ فسأل الإنس ولم يكن عندهم علم بذلك ثم فسأل الشياطين فقالوا ترسل الى الأرضة، فأرسل اليها فجاءت فأخذت شعرة في فمها فدخلت فيها وخرجت من الجانب الآخر فقال سليمان عليه السلام: حاجتك فقالت: تُصيّر رزقي في الأشجار، فقال: لك ذلك، ثم قال: من لهذه الخرزة فيسلكها الخيط؟ فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا نبي الله، فأخذت الدودة الخيط في فمها ودخلت الثقبة حتى خرجت من الموضع الآخر، فقال سليمان عليه السلام: حاجتك؟ فقالت: تجعل رزقي في الفواكه قال: ذلك لك، ثم ميّز بين الجواري والغلمان بأمرهم بغسل الأيدي والوجوه فجعلت الجارية تأخذ الماء بإحدى يهديها ثم يديها تجعله على الأخرى ثم تضرب به على الوجه والغلام، كما يأخذه من الآنية يضرب به على وجهه وكانت الجارية تصب على باطن ساعديها والغلام يحدر الماء على يديه احداراً، وردّ إليها الهدية كما قال الله سبحانه.
اطفيش
تفسير : {وإنِّى مُرْسلةٌ إليْهِم} الى سليمان ومن تحته {بهَديَّة} متعلق بنعت المفعول به، أى مرسلة إليهم رسلا مقترنين بهدية، أو الباء صلة فى مفعول به، أو بمعنى لام التقوية، أو ضمن مرسلة معنى منتهية، والتنكير لتعظيم {فناظرة} منتظرة {بِمَ} متعلق بقوله: {يرجعُ} مسلط لناظرة على العمل فى مجموع قوله يرجع {المُرْسلون} فان كان سليمان سلطانا دنيوياً قبل الهدية، وغضب فنعامله بما يليق، وان كان نبيا من الله عز وجل لم يقبلها وبش، ولا نخرج عنه.
الالوسي
تفسير : حتى أعمل بما يقتضيه الحال، وهذا ظاهر في أنها لم تثق بقبوله عليه السلام هديتها. وروي أنها قالت لقومها: إن كان ملكاً دنياوياً أرضاه المال وعملنا معه بحسب ذلك وإن كان نبياً لم يرضه المال وينبغي أن نتبعه على دينه، والهدية اسم لما يهدى كالعطية اسم لما يعطى، والتنوين فيها للتعظيم؛ و {نَاظِرَةٌ } عطف على {مُرْسِلَةٌ } و {بِمَ } متعلق بيرجع. ووقع للحوفي أنه متعلق بناظرة وهو وهم فاحش كما في «البحر»، والنظر معلق والجملة في موضع المفعول به له والجملة الاسمية الدالة على الثبات المصدرة بحرف التحقيق للإيذان بأنها مزمعة على رأيها لا يلويها عنه صارف ولا يثنيها عاطف. واختلف في هديتها فعن ابن عباس أنها كانت مائة وصيف ومائة وصيفة، وقال وهب وغيره: عمدت بلقيس إلى خمسمائة غلام وخمسمائة جارية فألبست الجواري لبس الغلمان الأقبية والمناطق وألبست الغلمان / لباس الجواري وجعلت في أيديهم أساور الذهب وفي أعناقهم أطواق الذهب وفي آذانهم أقرطة وشنوفاً مرصعة بأنواع الجواهر وحملت الجواري على خمسمائة رمكة والغلمان على خمسمائة برذون على كل فرس سرج من الذهب مرصع بالجوهر وعليه أغشية الديباج وبعثت إليه لبنات من ذهب ولبنات من فضة وتاجاً مكللاً بالدر والياقوت وأرسلت بالمسك والعنبر والعود وعمدت إلى حق فجعلت فيه درة عذراء وخرزة جزع معوجة الثقب ودعت رجلاً من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو وضمت إليه رجالاً من قومها أصحاب رأي وعقل وكتبت معه كتاباً تذكر فيه الهدية وقالت فيه: إن كنت نبياً ميز بين الغلمان والجواري وأخبر بما في الحق قبل أن تفتحه ثم قالت للرسول: فإن أخبر فقل له اثقب الدرة ثقباً مستوياً وأدخل في الخرزة خيطاً من غير علاج إنس ولا جن وقالت للغلمان: إذا كلمكم سليمان فكلموه بكلام فيه تأنيث وتخنث يشبه كلام النساء وأمرت الجواري أن يكلموه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثم قالت للرسول: انظر إلى الرجل إذا دخلت فإن نظر إليك نظراً فيه غضب فاعلم أنه ملك فلا يهولنك منظره فأنا أعز منه وإن رأيت الرجل بشاشاً لطيفاً فاعلم أنه نبـي فتفهم منه قوله ورد الجواب فانطلق الرجل بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعاً إلى سلمان فأخبره الخبر فأمر عليه السلام الجن أن يضربوا لبناً من الذهب والفضة ففعلوا وأمرهم بعمل ميدان مقدار تسع فراسخ وأن يفرشوا فيه لبن الذهب والفضة وأن يخلو قدر تلك اللبنات التي معهم وأن يعملوا حول الميدان حائطاً مشرفاً من الذهب والفضة ففعلوا ثم قال: أي دواب البر والبحر أحسن فقالوا: يا نبـي الله ما رأينا أحسن من دواب في البحر يقال لها كذا وكذا مختلفة ألوانها لها أجنحة وأعراف ونواص قال علي بها الساعة فأتوه بها قال: شدوها عن يمين الميدان وشماله وقال للجن: علي بأولادكم فاجتمع منهم خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان وعلى شماله وأمر الجن والإنس والشياطين والوحوش والسباع والطير ثم قعد في مجلسه على سريره ووضع أربعة آلاف كرسي على يمينه وعلى شماله وأمر جميع الإنس والجن والشياطين والوحوش والسباع والطير فاصطفوا فراسخ عن يمينه وشماله فلما دنا القوم من الميدان ونظروا إلى ملك سليمان عليه السلام ورأوا الدواب التي لم يروا مثلها تروث على لبن الذهب والفضة تصاغرت إليهم أنفسهم وخبؤا ما كان معهم من الهدايا، وقيل: إنهم لما رأوا ذلك الموضع الخالي من اللبنات خالياً خافوا أن يتهموا بذلك فوضعوا ما معهم من اللبن فيه ولما نظروا إلى الشياطين هالهم ما رأوا وفزعوا فقالت لهم الشياطين: جوزوا لا بأس عليكم وكانوا يمرون على كراديس الجن والوحش والطير حتى وقفوا بين يدي سليمان فأقبل عليهم بوجه طلق وتلقاهم ملقى حسناً وسألهم عن حالهم فأخبره رئيس القوم بما جاؤوا فيه وأعطاه الكتاب فنظر فيه وقال: أين الحق فأتى به فحركه فجاء جبريل عليه السلام فأخبره بما فيه فقال لهم: إن فيه درة غير مثقوبة وجزعة معوجة الثقب قال الرسول: صدقت فاثقب الدرة وأدخل الخيط في الجزعة فقال سليمان عليه السلام من لي بثقبها وسأل الجن والإنس فلم يكن عندهم علم ذلك ثم سأل الشياطين فقالوا نرسل إلى الأرضة فلما جاءت أخذت شعرة بفيها ونفذت في الدرة حتى خرجت من الجانب الآخر فقال لها: ما حاجتك؟ قالت: تصير رزقي في الشجر فقال: لك ذلك ثم قال: من لهذه الخرزة؟ فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا نبـي الله فأخذت الخيط بفيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر فقال: ما حاجتك؟ قالت: يكون رزقي في الفواكه فقال: لك ذلك ثم ميز / بين الغلمان والجواري أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فجعلت الجارية تأخذ الماء بيدها وتضرب بها الأخرى وتغسل وجهها والغلام يأخذ الماء بيديه ويضرب به وجهه وكانت الجارية تصب الماء على باطن ساعديها والغلام على ظاهره ثم رد سليمان عليه السلام الهدية كما أخبر الله تعالى، وقيل: إنها أنفذت مع هداياها عصا كان يتوارثها ملوك حمير وقالت: أريد أن تعرفني رأسها من أسفلها وبقدح ماء وقالت: تملؤه ماء رواء ليس من الأرض ولا من السماء فأرسل عليه السلام العصا إلى الهواء وقال أي الطرفين سبق إلى الأرض فهو أصلها وأمر بالخيل فأجريت حتى عرقت وملأ القدح من عرقها وقال: هذا ليس من ماء الأرض ولا من ماء السماء اهـ. وكل ذلك أخبار لا يدرى صحتها ولا كذبها، ولعل في بعضها ما يميل القلب إلى القول بكذبه والله تعالى أعلم.
د. أسعد حومد
تفسير : (35) - ثمَّ قَالَتْ لَهُمْ: الرَّأْيُ أنْ يَمِيلُوا إلى المُصَالَحَةِ، والمُسَالَمَةِ، وإنَّها سَتُرْسِلُ إلى سُليمانَ بِهَدِيَّةٍ تَلِيقُ بمِثْلِهِ، وسَيَنْظُرونَ حينئذٍ ماذَا سيكونُ عليهِ جوابُهُ، فَلَعَلَّهُ يَقْبَلُ ذَلِكَ، ويَكُفَّ أذَاهُ عَنْهُمْ. (وقالَ ابنُ عَبَّاسٍ: إنَّها قَالتْ لَهُمْ إِنْ قَبِلَ سُليمانُ الهَدِيَّةَ فهو مَلِكٌ فَقَاتِلُوهُ، وإنِ لَمْ يَقْبَلْهَا فَهُوَ نَبِيّ فاتّبِعُوهُ، لأنَّ النبيَّ لا يَقْبَلُ منْهُم إِلاَّ اتِّباعَ دِينِهِ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أنْ ترك لها المستشارون الأمر والتدبير أخذتْ تُعمِل عقلها، وتستخدم فطنتها وخبرتها بحياة الملوك، فقالت: إنْ كان سليمان مَلِكاً فسوف يطمع في خيرنا، وإنْ كان نبياً فلن يهتم بشيء منه، فقررتْ أنْ تُرسل له هدية تناسب مكانته كملك ومكانتها هي أيضاً، لتثبت له أنها على جانب كبير من الثراء والغنى. ولا بد أنها كانت ثمينة لتستميل الملك، أو كما نقول (تلوحه أو تلويه). {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ} [النمل: 35] فإنْ كان ملكاً قَبِلها، وعرفنا أن علاجه في بعض الخراج والأموال تُسَاق إليه كل عام، وإنْ كان نبياً فلن يقبل منها شيئاً، وهذا رَأْي جميل من بلقيس يدل على فِطْنتها وذكائها وحصافتها، حيث جنَّبتْ قومها ويلات الحرب والمواجهة.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} معناه بآنيةٍ من ذَهبٍ.
الأندلسي
تفسير : {فَنَاظِرَةٌ} معطوف على مرسلة. و{بِمَ} متعلق بيرجع والنظر هنا معلق أيضاً والجملة في موضع مفعول به وفيه دلالة على أنها لم تثق بقبول الهدية بل جوزت الرد وأرادت بذلك أن ينكشف لها غرض سليمان والهدية إسم لما يهدى كالعطية إسم لما يعطى وروي أنها قالت لقومها إن كان ملكاً ديناوياً أرضاه المال وعملنا معه بحسب ذلك وإن كان نبياً لم يرضه المال وينبغي لنا أن نتبعه على دنيه وفي الكلام حذف فأرسلت الهدية. {فَلَمَّا جَآءَ} أي الرسول سليمان والمراد بالرسول الجنس لا حقيقة المفرد وكذلك الضمير في إرجع والرسول يقع على الجمع والمفرد والمذكر والمؤنث. و{أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ} إستفهام إنكار واستقلال وفي ذلك دلالة على عزوفه عن الدنيا وعدم تعلق قلبه بها عليه السلام ثم ذكر نعمة الله عليه وأن ما آتاه الله من النبوة وسعة الملك {خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ} بما يهدي إليكم. {تَفْرَحُونَ} لحبكم الدنيا. {ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ} وهو خطاب للرسول الذي جاء بالهدية وهو المنذر بن عمرو أمير الوفد والمعنى إرجع إليهم بهديتهم ثم أقسم سليمان فقال: {فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ} متوعداً لهم وفيه حذف أي إذا لم يأتوني مسلمين ودل هذا التوعد على أنهم كانوا كفاراً باقين على الكفر إذ ذاك والضمير في بها عائد على الجنود ومعنى. {لاَّ قِبَلَ} لا طاقة وحقيقة القبل المقاومة والمقابلة أي لا يقدرون أن يقاتلوهم والضمير في منها عائد على سبأ وهي أرض بلقيس وقومها وانتصب أذلة على الحال. {وَهُمْ صَاغِرُونَ} حال أخرى والذل ذهاب ما كانوا فيه من العز والصغار وقوعهم في أسر واستبعاد ولا يقتصر بهم على أن يرجعوا سوقة بعد أن كانوا ملوكاً. {قَالَ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا} الآية قال ابن عباس: كان سليمان مهيباً لا يبتدأ بشىء حتى يكون هو الذي يسأل عنه فنظر ذات يوم رهجاً قريباً منه فقال ما هذا؟ قالوا بلقيس فقال ذلك. {قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن ٱلْجِنِّ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ} الآية وكان سليمان عليه السلام يجلس في مجلس الحكم من الصبح إلى الظهر فقيل من مقامك أي من مجلس الحكم وقيل قبل أن تستوي من جلوسك قائماً. {وَإِنِّي عَلَيْهِ} أي على الإِتيان به. {لَقَوِيٌّ} على حمله. {أَمِينٌ} لا أختلس منه شيئاً. {قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ} قيل هو آصف بن برخيا وقيل غير ذلك والعلم الذي أوتيه إسم الله الأعظم والظاهر أن ارتداد الطرف حقيقة ولذلك روي أن سليمان قال: أريد أسرع من ذلك حين أجابه العفريت فروي أن آصف قال لسليمان عليه السلام: مد عينيك حتى ينتهي ظرفك فنظر نحو اليمن فدعا آصف فغار العرش من مكانه بمأرب ثم نبع عند مجلس سليمان عليه السلام بالشام بقدرة الله تعالى. {فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ} في الكلام حذف تقديره فدعا الله فأتاه به فلما رآه أي عرش بلقيس وانتصب مستقراً على الحال وعنده معمول له والظرف إذا وقع في موضع الحال كان العامل فيه واجب الحذف فقال ابن عطية وظهر العامل في الظرف من قوله مستقراً وهذا هو المقدر أبداً في كل ظرف جاءها هنا مظهراً وليس في كتاب الله مثله "انتهى". {قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي} أي هذا الإِتيان بعرشها وتحصيل ما أردت من ذلك هو فضل ربي علي وإحسانه ثم علل ذلك بقوله: {لِيَبْلُوَنِيۤ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} وتلقى سليمان النعمة وفضل الله بالشكر إذ ذاك نعمة متجددة والشكر قيد النعم. و{أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} في موضع نصب ليبلوني وهو معلق لأنه في معنى التمييز والتمييز في معنى العلم وكثر التعليق في هذا الفعل إجراء له مجرى العلم وإن لم يكن مرادفاً له لأن مدلوله الحقيقي هو الإِختبار. {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} أي ذلك الشكر عائد ثوابه إليه إذا كان قد صان نفسه عن كفران النعمة وفعل ما هو واجب عليه من شكر نعمة الله عليه. {وَمَن كَفَرَ} أي فضل الله ونعمته عليه. {فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ} عن شكره إذ ثمرة شكره لا يعود نفعها إلى الله لأنه هو الغني المطلق الكريم بالانعام على من كفر نعمته والظاهر أن قوله: فإِن ربي غني كريم هو جواب الشرط ولذلك أضمرنا في قوله غني أي عن شكره ويجوز أن يكون الجواب محذوفاً دل عليه ما قبله من قسيمة أي ومن كفر فلنفسه أي ذلك الكفر عائد عقابه عليه. {قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا} أمر بالتنكير وهو أن يزاد فيه وينقص والتنكير جعله متنكراً متغيراً عن شكله وهيئته. {فَلَمَّا جَآءَتْ} في الكلام حذف تقديره فنكروا عرشها ونظروا ما جوابها إذ سئلت عنه فلما جاءت. {قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ} أي أمثل هذا العرش الذي رأيتيه عرشك الذي تركتيه ببلادك ولم يأت التركيب أهذا عرشك بل جاء بأداة التشبيه لئلا يكون ذلك تلقينا لها ولما رأته على هيئة لا تعرفها فيه وتميزت فيه أشياء من عرشها لم تجزم بأنه هو ولا نفته النفي البالغ بل أبرزت ذلك في صورة تشبيهية فقالت: {كَأَنَّهُ هُوَ} وذلك من جودة ذهنها حيث لم تجزم في الصورة المختلفة بأحد الجائزين من كونه إياه أو من كونه ليس إياه وقابلت تشبيههم بتشبيهها والظاهر أن قوله: {وَأُوتِينَا ٱلْعِلْمَ} إلى قوله من قوم كافرين ليس من كلام بلقيس وإن كان متصلاً بكلامها فقيل هو من كلام سليمان عليه السلام والصرح كل بناء عال ومنه ابن لي صرحاً الآية ولما وصلت بلقيس أمر سليمان الجن فصنعت له صرحاً وهو السطح من الصحن من غير سقف وجعلته مبنياً كالصهريج وملىء ماء وبث فيه السمك والضفادع وطبق بالزجاج الأبيض الشفاف ولهذا جاء صرحاً وجعل لسليمان في وسطه كرسي فجلس عليه وعكفت عليه الطير والجن والإِنس فلما وصلت بلقيس قيل لها أدخلي إلى نبي الله سليمان فرأت اللجة وفزعت ولم يكن لها بد من امتثال الأمر فكشفت عن ساقيها فرأى سليمان ساقيها سالمتين مما قالت الجن فيها فلما بلغت هذا الحد قال لها سليمان انه صرح ممرد من قوارير فعند ذلك استسلمت بلقيس وأذعنت وأسلمت وأقرت على نفسها بالظلم وفي الكلام حذف تقديره فدخلت امتثالاً للأمر واللجة الماء الكثير وكشف ساقيها عادة كل من كان لابساً وأراد أن يخوض الماء إلى مقصد له ولم يكن المقصود من الصرح إلا تهويل الأمر وحصل كشف الساق على سبيل التبع قال ابن عطية: ومع ظرف بني على الفتح وأما إذا سكنت العين فلا خلاف أنه حرف جاء لمعنى "انتهى" الصحيح أنها ظرف فتحت العين أو سكنت وليس التسكين مخصوصاً بالشعر كما زعم بعضهم بل ذلك لغة لبعض العرب والظرفية فيها مجاز وإنما هو إسم يدل على معنى الصحبة. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً} الآية ثمود هي بعد عاد الأولى وصالح أخوهم في النسب لما ذكر قصة موسى وداود وسليمان وهم من بني إسرائيل ذكر قصة من هو من العرب يذكر بها قريشاً والعرب وينبههم على من تقدم من الأنبياء من العرب كان يدعو إلى إفراد الله تعالى بالعبادة ليعلموا أنهم في عبادة الأصنام على ضلالة وإن شأن الأنبياء عربهم وعجمهم هو الدعاء إلى عبادة الله تعالى وإن في أن اعبدوا الله يجوز أن تكون مفسرة لأن أرسلنا يتضمن معنى القول ويجوز أن تكون مصدرية أي بأن اعبدوا فحذف حرف الجر فعلى الأول لا موضع لها من الإِعراب وعلى الثاني ففي موضعها خلاف أهو في موضع نصب أم في موضع جر والظاهر أن الضمير في فأداهم عائد على ثمود وان قومه انقسموا فريقين مؤمناً وكافراً وقد جاء ذلك مفسراً في سورة الأعراف في قوله: قال الذين استكبروا للذين استضعفوا لمن آمن منهم وإذا هنا هي الفجائية وعطف بالفاء الذي تقتضي التعقب المهلة فكان المعنى أنهم بادروا بالاختصام متعقباً دعاء صالح إياهم إلى عبادة الله تعالى وجاء يختصمون على المعنى لأن الفريقين جمع قوله {أية : إِنَّا بِٱلَّذِيۤ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} تفسير : [الأعراف: 76] فقال آمنتم وهو ضمير الجمع وإن كان الفريق المؤمن هو صالحاً وحده فإِنه قد انضم إلى قومه والمجموع جمع وأوثر يختصمون على يختصمان وإن كان من حيث التثنية جائزاً فصيحاً لأنه مقطع فصل واختصامهم دعوى كل فريق أن الحق معهم وقد ذكر الله تعالى تخاصمهم في الأعراف ثم تلطف صالح بقومه ورفق بهم في الخطاب فقال منادياً لهم على جهة التحنن عليهم. {لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ} أي بوقوع ما يسوؤكم. {قَبْلَ} الحالة. {ٱلْحَسَنَةِ} وهي رحمة الله تعالى وكان قد قال لهم في حديث الناقة ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم فقالوا له: إئتنا بعذاب الله. {قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ} أي تشاء منا بك وبالذين آمنوا معك فرد عليهم بقوله: {قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ} أي حظكم في الحقيقة من خير أو شر هو من عند الله وبقضائه إن شاء رزقكم وإن شاء حرمكم * ثم انتقل إلى الاخبار عنهم بحالهم فقال: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} بشهواتكم أي تسعفون بها وجاء تفتنون بتاء الخطاب على مراعاة أنتم وهو الكثير في لسان العرب ويجوز يفتنون بالياء للغيبة على مراعاة لفظ قوم وهو قليل تقول العرب أنت رجل تأمر بالمعروف بتاء الخطاب وبياء الغيبة * والمدينة مجتمع ثمود وقريتهم وهي الحجر وذكر المفسرون أسماء التسعة وفي بعضها اختلاف ورأسهم قدار بن سالف وأسماء لا تنضبط بشكل ولا بتعيين وكانوا عظماء القرية وأغنياءها وفساقها * والرهط من الثلاثة إلى العشرة والنفر من الثلاثة إلى التسعة واتفق المفسرون على أن المعنى تسعة رجال. {قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ} معناه تحالفوا وقرىء لتبينته ثم لتقولن وضم ما قبل نون التوكيد وقرىء بالنون فيهما وفتح ما قبل نون التوكيد والظاهر أن في الكلام حذف معطوف يدل على ما قبله والتقدير ما شهدنا مهلك أهله ومهلكه ودل عليه قولهم لنبيتنه وما روي أنهم عزموا على قتله وقتل أهله ويكون قوله: {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} كذباً في الاخبار أوهموا قومهم أنهم إذا قتلوه وأهله سراً ولم يشعر بهم أحد وقالوا تلك المقالة انهم صادقون وهم كاذبون ومكرهم ما أخفوه من تدبير الفتك بصالح وأهله ومكر الله إهلاكهم من حيث لا يشعرون * والظاهر أن كيف خبر كان وعاقبة الإِسم والجملة في موضع نصب بانظر وهي معلقة وقرىء إنا بكسر الهمزة على الاستئناف وقرىء بفتحها فإِنا بدل من عاقبة أوجز لكان وكيف في موضع الحال أو خبر مبتدأ محذوف أي هي أي العاقبة تدميرهم أو يكون التقدير لأنا وحذف حرف الجر وعلى كلا القولين يجوز أن تكون كان تامة وعاقبة فاعلاً بها وأن تكون زائدة وعاقبة مبتدأ خبره كيف ولما أمر تعالى بالنظر فيما جرى لهم من الهلاك في أنفسهم بين ذلك والإِشارة إلى منازلهم وكيف خلت منهم وخراب البيوت خلوها من أهلها حتى لا يبقى منهم أحدكما تعاقب به الظلمة إذ يدل ذلك على استئصالهم. {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} الآية ولوطاً عطف على صالحاً أي أرسلنا لوطاً. و{أَتَأْتُونَ} إستفهام إنكار وتوبيخ وأبهم أولاً في قوله الفاحشة ثم عينها في قوله: {أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ} وقوله: {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} أي تعلمون قبح هذا الفعل المبتكر الذي أحدثتموه وأنه من أعظم الخطايا أو آثار العصاة قبلكم أو ينظر بعضكم لبعض لا يستتر ولا يتحاشى من إظهار ذلك وانتصب شهوة على أنه مفعول من أجله وتجهلون غلب فيه الخطاب كما غلب في قوله بل أنتم قوم تفتنون ومعنى تجهلون أي عاقبة ما أنتم عليه أو تفعلون فعل السفهاء المجان ولما أنكر عليهم ونسبهم إلى الجهل ولم تكن لهم حجة فيما يأتونه من ذلك عدلوا إلى المغالبة والإِيذاء وتقدّم معنى يتطهرون في الاعراف وباقي الآية تقدم تفسير نظيره في الأعراف. و{فَسَآءَ} بمعنى بئس والمخصوص بالذم محذوف تقديره مطرحم. {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ} الآية لما فرع من قصص هذه السورة أمر رسوله عليه الصلاة والسلام بحمده تعالى وبالسلام على المصطفين وأخذ في مباينة واجب الوجود للأصنام التي أشركوها مع الله تعالى وعبدوها وابتدأ في هذا التقرير لقريش وغيرهم بالحمدلة وكأنها صدر خطبة لما يلقى من البراهين الدالة على الوحدانية والعلم والقدرة * ولما كان خلق السماوات والأرض وإنزال الماء من السماء لا شبهة للعاقل في أن ذلك لا يكون إلا لله تعالى وكان الإِثبات مما قد يتسبب فيه الإِنسان بالبذر والسقي والتهيئة ويسوغ لفاعل السبب نسبة فعل المسبب إليه بين تعالى اختصاصه بذلك بطريق الإِلتفاف وتأكيد ذلك بقوله: ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ألا ترى أن المتسبب لذلك قد لا يأتي على وفق مراده ولو أتى فهو جاهل لطبعه ومقداره وكيفيته فكيف يكون فاعلاً لها * والبهجة الجمال والنضرة والحسن لأن الناظر فيها يبتهج أي يسر ويفرح وقوله: {ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} إستفهام فيه تبكيت وتوبيخ وتهكم بحالهم وتنبيه على موضع التباين بين الله تعالى وبين الأوثان التي يعبر عنها بما التي هي لما لا يعقل إذ معلوم عند من له عقل أنه لا يشرك في الخيرية بين الله وبينهم وكثيراً ما يجيء هذا النوع من أفعل التفضيل حيث يعلم ويتحقق أن لها شركة فيها وإنما يذكر على سبيل إلزام الخصم وتنبيهه على خطأ مرتكبه وقرىء: ذات بهجة بالإِفراد وجمع التكسير يجري في الوصف مجرى الواحدة كقوله تعالى: {أية : أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ}تفسير : [البقرة: 25] أو هو على معنى جماعة. {مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا} قد تقدّم أن نفي مثل هذه الكينونة قد يكون ذلك لاستحالة وقوعه كهذا أو لامتناع وقوعه شرعاً أو لنفي الأولوية والمعنى هنا أن إنبات ذلك منكم محال لأنه إبراز شىء من العدم إلى الوجود وهذا ليس بمقدور إلا الله تعالى ولما ذكر منته عليهم خاطبهم بذلك ثم لما ذكر ذمهم عدل من الخطاب إلى الغيبة فقال: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} إما التفاتاً وإما إخباراً للرسول عليه الصلاة والسلام بحالهم أي يعدلون عن الحق أو يعدلون به غيره أي يجعلون له مثيلاً وعديلاً ولما ذكر تعالى أنه منشىء السماوات والأرض وذكر شيئاً مشتركاً بين السماء والأرض وهو إنزال الماء من السماء وإنبات الحدائق بالأرض ذكر شيئاً مختصاً بالأرض وهو جعلها قراراً أي مستقراً لكم بحيث يمكنكم الإِقامة بها والاستقرار عليها ولا يديرها الفلك قيل لأنها مضمحلة في جنب الفلك كالنقطة في وسط الرحى. {وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ} أي بين أماكنها في شعابها وأوديتها. {أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ} أي جبالاً ثوابت حتى لا تنكفىء بكم وتميد. والبحران العذب والملح والحاجز الفاصل من قدرة الله تعالى وما أحسن ما جاء تركيب هذه الجمل بلفظ وجعل إذ صارت كل جملة مستقلة بذاتها بخلاف عطف المفردات وجاءت بلفظ الماضي دلالة على أن لا تجدد فيها بخلاف الجمل التي بعدها فإِنها جاءت بلفظ المضارع الدال على التكرار والتجدد. {أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ} المضطر إسم مفعول وهو الذي أحوجه مرض أو فقر أو حادث من حوادث الدهر إلى الإِلتجاء إلى الله تعالى والتضرع إليه فيدعوه لكشف ما اعتراه من ذلك وإزالته عنه. {وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ} هو كل ما يسوء وهو عام في كل ضر انتقل من حالة المضطر وهي خاص إلى أعم وهو ما يسوء سواء كان المكشوف عنه في حال الاضطرار أو فيما دونهم وخلفاء أي الأمم السالفة أو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظلمة البر هي ظلمة الليل وهي الحقيقة وتنطلق مجازاً على الجهل وعلى انبهام الأمر يقال أظلم على الأمر وهداية البر تكون بالعلامات وهداية البحر تكون بالعلامات وهداية البحر تكون بالنجوم. {وَمَن يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} تقدم تفسير نظير هذه الجملة وقرىء عما تشركون بتاء الخطاب. {أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ} الظاهر أن الخلق هو المخلوق وبدؤه اختراعه وإنشاؤه ويظهر أن المقصود هو من يعيده في الآخرة من الإِنس والجن والملك لا عموم المخلوق ولما كان إيجاد بني آدم إنعاماً إليهم وإحساناً ولا تتم النعمة إلا بالرزق قال: {وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} بالمطر. {وٱلأَرْضِ} بالنبات. {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} أي أحضروا حجتكم ودليلكم على ما تدعون من إنكار شىء مما تقدم تقريره. {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} في ان مع الله إلهاً آخر فأين دليلكم عليه وهذا رجع إلى ما تقدم من جميع الاستفهام الذي جاء به على سبيل التقرير وناسب ختم كل استفهام بما تقدمه كما ذكر إيجاد العلم العلوي والسفلي ختم بقوله: بل هم قوم يعدلون ولما ذكر جعل الأرض مستقراً ختم بقوله: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} إذ كان فيهم من يعلم ويفكر في ذلك ولما ذكر إجابة دعاء المضطر ختم بقوله: {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} إشارة إلى توالي النسيان على الإِنسان إذا صار في خير وزال اضطراره ولما ذكر الهداية في الظلمات قال عما يشركون واعتقب كل واحدة من هذه الجمل قوله أإله مع الله على سبيل التوكيد والتقرير أنه لا إله إلا هو تعالى قيل سأل الكفار عن وقت القيامة التي وعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وألحوا عليه فنزل: {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} الآية والمتبادر إلى الذهن أن من فاعل بيعلم والغيب مفعول وإلا الله استثناء منقطع لعدم إندراجه في مدلول لفظ من جاء مرفوعاً على لغة تميم ودلت هذه الآية على أنه تعالى هو المنفرد بعلم الغيب * وأيان تقدم الكلام فيها في الأعراف وهي هنا إسم استفهام بمعنى متى وهي هنا معمولة ليبعثون ويشعرون معلق والجملة التي فيها استفهام في موضع نصب به وقرىء بل إدراك أصله تدارك وقرىء أدرك على وزن أفعل قال ابن عباس: المعنى بل تدارك علمهم ما جهلوه في الدنيا أي علموه في الآخرة بمعنى تكامل علمهم في الآخرة بأن كل ما وعدوا به حق وهذا حقيقة إثبات العلم لهم لمشاهدتهم عياناً في الآخرة ما وعدوا به عياناً في الدنيا وكونه بمعنى المضي ومعناه الاستقبال لأن الاخبار به صدق فكأنه قد وقع. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ} الآية ناسب ذكر مقالتهم في استبعادها وأن ما وعدوا به من ذلك ليس بصحيح إنما ذلك ما سطر الأولون من غير إخبار بذلك عن حقيقة ثم ذكروا أنهم وعدوا ذلك هم وآباؤهم فلم يقع شىء من هذا الموعود ثم جزموا وحصروا أن ذلك من أكاذيب من تقدم وجاء هنا تقديم الموعود به وهو هذا وتأخر في آية أخرى على حسب ما سيق الكلام لأجله ثم أمر نبيه عليه السلام أن يأمرهم بالسير في الأرض وتقدم الكلام في نظيره وأراد بالمجرمين الكافرين ثم سلى نبيه فقال: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} أي في كونهم لم يسلموا ولم يذعنوا إلى ما جئت به ولما استعجلت قريش بأمر الساعة أو بالعذاب الموعود به هم وسألوا عن الوقت الموعود على سبيل الاستهزاء قيل له: {قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم} أي تبعكم عن قرب وصار كالرديف التابع لكم بعض ما استعجلتم به وهو كان عذاب يوم بدر وقيل عذاب القبر وقرىء: ردف لكم بكسر الدال وفتحها وهما لغتان وأصله التعدي بمعنى تبع ولحق فاحتمل أن يكون مضمناً معنى اللازم ولذلك فسره ابن عباس وغيره بازف وقرب لما كان يجيء بعد الشىء قريباً منه ضمن معنه ومزيد اللام في مفعوله لتأكيد وصول الفعل إليه كما زيدت الباء في ولا تلقوا بأيديكم وقد عدى بمن على سبيل التضمين لما يتعدى بها قال الشاعر: فلما ردفنا من عمير وصحبه * تولوا سراعاً والمنية تعنق. أي دنوا من عمير وبدأ فيما يحض الإِنسان ثم عم كل غائبة عبر أولاً بالمحال وهي الصدور عن الحال فيها وهي القلوب الظاهر عموم قوله من غائبة أي ما من شىء في غاية الغيبوبة والخفاء إلا في كتاب عند الله تعالى ومكنون علمه * ومن غائبة في موضع المبتدأ ومن زائدة وفي كتاب خبره. {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ} ولما كان القرآن وما قص الله فيه لا يكاد يجدي عندهم أخبر الله عنهم أنهم موتى القلوب أو شبهوا بالموتى وإن كانوا أحياء صحاح الأبصار كأنه إذا تلى عليهم لا تعيه آذانهم فكانت حالتهم لانتفاء جدوى السماع كحالة الموتى. {وَمَآ أَنتَ بِهَادِي ٱلْعُمْيِ} حيث يضلون الطريق فلا يقدر أحد أن يزيل ذلك عنهم ويحولهم هداة بصراء إلا الله تعالى وقرىء بهادي العمى إسم فاعل مضاف وقرىء بهاد منونا العمى وقرىء: تهدي مضارع هدي العمى بالنصب. {إِن تُسْمِعُ} هم الذين علم الله أنهم يصدقون بآياته. {فَهُم مُّسْلِمُونَ} منقادون للحق. {وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم} أي إذا انتجز وعد عذابهم الذي تضمنه القول الأزلي من الله تعالى كقوله {أية : حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [الزمر: 71] فالمعنى إذا أراد الله أن ينفذ في الكافرين سابق علمه فيهم من العذاب أخرج لهم دابة من الأرض ووقع عبارة عن الثبوت واللزوم وروي أن خروجها حين ينقطع الخبر ولا يؤمر بالمعروف ولا ينهى عن منكر ولا يبقى منيب ولا تائب وفي الحديث أن الدابة وطلوع الشمس من المغرب من أول الإِشراط ولم يعين الأول منهما وكذلك الدجال وظاهر الأحاديث أن طلوع الشمس آخرها والظاهر أن الدابة التي تخرج واحدة وروي أنها تخرج كل بلد دابة مما هو مثبوت نوعها في الأرض وليست واحدة فيكون قوله: دابة إسم جنس واختلفوا في كيفيتها اختلافاً كثيراً وقيل تخاطبهم فتقول للمؤمن هذا مؤمن وللكافر هذا كافر وقيل تكلمهم تجرحهم من الكلم وروي أنها تسم الكافر في جبهته فتربده وتمسح على وجه المؤمن فتبيضه. {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً} الآية الحشر الجمع على عنف من كل أمة أي من الأمم ومن هي للتبعيض فوجاً أي جماعة كثيرة. {مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا} من للبيان أي الذين يكذبون والآيات القرآن. {فَهُمْ يُوزَعُونَ} تقدم تفسيره. {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوا} أي إلى الموقف. {قَالَ أَكَذَّبْتُم} إستفهام توبيخ وتقريع وإهانة. {وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً} الظاهر أن الواو للحال أي أوقع تكذيبهم بها غير متدبرين لها ولا محيطين بكنهها وأم هنا منقطعة فتقدّر ببل وحدها انتقل من الاستفهام الذي يقتضي التوبيخ إلى الاستفهام عن عملهم أيضاً على جهة التوبيخ أي أي شيء كنتم تعملون والمعنى إذ كان لكم عمل أو حجة فهاتوا وليس لهم عمل ولا حجة فيما عملوه إلا الكفر والتكذيب وماذا بجملته يحتمل أن يكون استفهاماً منصوباً بخبر كان وهو تعملون وأن تكون ما هو الإِستفهام وإذا موصولة بمعنى الذي فيكونان مبتدأ وخبرا وكان صلة لذا والعائد محذوف تقديره الاستفهام وذا موصولة بمعنى الذي فيكونان مبتدأ وخبراً وكان صلة لذا والعائد محذوف تقديره أي شىء الذي كنتم تعملونه. {وَوَقَعَ ٱلْقَوْلُ} أي العذاب الموعود به بسبب ظلمهم وهو التكذيب بآيات الله ولما ذكر أشياء من أحوال يوم القيامة ليرتدع بسماعها من أراد الله تعالى ارتداعه نبههم على ما هو دليل على التوحيد والحشر بما هم يشاهدونه في حالة حياتهم وهو تقليب الليل والنهار من نور إلى ظلمة ومن ظلمة إلى نور وفاعل ذلك واحد وهو الله تعالى * قال الزمخشري: وهو مراعى من حيث المعنى وهكذا النظم المطبوع غير المتكلف لأن معنى مبصراً لتبصروا فيه طريق التقليب في المكاسب "انتهى" الذي يظهر أن هذا من باب ما حذف من أوله ما أثبت نظيره في مقابله وحذف من آخر، ما أثبت في أوله فالتقدير جعلنا الليل مظلماً لتسكنوا فيه والنهار مبصراً لتتصرفوا فيه فالابصار ينشأ عنه التصرف في المصالح ويدل عليه قوله: {أية : وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً} تفسير : [الإسراء: 12] فالكون علة لجعل الليل مظلماً والتصرف علة لجعل النهار مبصراً وتقدم لنا الكلام على نظير هذين الحذفين مشبعاً في البقرة في قوله:{أية : وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ}تفسير : [البقرة: 171].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):