٢٧ - ٱلنَّمْل
27 - An-Naml (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
36
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَني بِمَالٍ} أي جاء الرسول سليمان بالهدية قال: {أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ}. قرأ حمزة ويعقوب والأعمش: بنون واحدة مشدّدة وياء ثابتة بعدها. الباقون بنونين وهو اختيار أبي عبيد؛ لأنها في كل المصاحف بنونين. وقد روى إسحاق عن نافع أنه كان يقرأ: {أَتُمِدُّونِ} بنون واحدة مخففة بعدها ياء في اللفظ. قال ابن الأنباري: فهذه القراءة يجب فيها إثبات الياء عند الوقف، ليصح لها موافقة هجاء المصحف. والأصل في النون التشديد، فخفف التشديد من ذا الموضع كما خفف من: أشهد أنك عالم؛ وأصله: أنك عالم. وعلى هذا المعنى بنى الذي قرأ: «أية : يُشَاقُّونِ فِيهِم» تفسير : [النحل:26]،«أية : أَتُحَاجُّونِ فِي اللَّهِ» تفسير : [الأنعام: 80]. وقد قالت العرب: الرجال يضربونِ ويقصدونِ، وأصله يضربونِّي ويقصدونِّي: لأنه إدغام يضربونني ويقصدونني قال الشاعر:شعر : تَرْهبينِ والجِيدُ منِك لِلَيْلَى والحَشَاء والبُغَامُ والعينَانِ تفسير : والأصل ترهبيني فخفف. ومعنى {أَتُمِدُّونَنِي} أتزيدونني مالاً إلى ما تشاهدونه من أموالي. قوله تعالى: {فَمَآ آتَانِي ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ} أي فما أعطاني من الإسلام والملك والنبوّة خير مما أعطاكم، فلا أفرح بالمال. و«آتَانِ» وقعت في كل المصاحف بغير ياء. وقرأ أبو عمرو ونافع وحفص: {آتَانِيَ اللَّهُ} بياء مفتوحة؛ فإذا وقفوا حذفوا. وأما يعقوب فإنه يثبتها في الوقف ويحذف في الوصل لالتقاء الساكنين. الباقون بغير ياء في الحالين. {بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} لأنكم أهل مفاخرة ومكاثرة في الدنيا. قوله تعالى: {ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ} أي قال سليمان للمنذر بن عمرو أمير الوفد؛ ارجع إليهم بهديتهم. {فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا} لام القسم والنون لها لازمة. قال النحاس: وسمعت أبا الحسن بن كيسان يقول: هي لام توكيد وكذا كان عنده أن اللامات كلها ثلاث لا غير؛ لام توكيد، ولام أمر، ولام خفض؛ وهذا قول الحذاق من النحويين؛ لأنهم يردّون الشيء إلى أصله: وهذا لا يتهيأ إلا لمن درب في العربية. ومعنى {لاَ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا} أي لا طاقة لهم عليها. {وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ} أي من أرضهم {أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ}. وقيل: {مِنْهَا} أي من قرية سبأ. وقد سبق ذكر القرية في قوله: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا}. {أَذِلَّةً} قد سُلبوا ملكهم وعزّهم. {وَهُمْ صَاغِرُونَ} أي مهانون أذلاء من الصّغر وهو الذل إن لم يسلموا؛ فرجع إليها رسولها فأخبرها؛ فقالت: قد عرفت أنه ليس بملك ولا طاقة لنا بقتال نبيّ من أنبياء الله. ثم أمرت بعرشها فجعل في سبعة أبيات بعضها في جوف بعض؛ في آخر قصر من سبعة قصور؛ وغلقت الأبواب، وجعلت الحرس عليه، وتوجهت إليه في اثني عشر ألف قَيْل من ملوك اليمن، تحت كل قَيْل مائة ألف. قال ابن عباس: وكان سليمان مهيباً لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه؛ فنظر ذات يوم رَهجاً قريباً منه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: بلقيس يا نبيّ الله. فقال سليمان لجنوده ـ وقال وهب وغيره: للجن ـ {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} وقال عبد الله بن شداد. كانت بلقيس على فرسخ من سليمان لما قال: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا} وكانت خلفت عرشها بسبأ، ووكّلت به حفظة. وقيل: إنها لما بعثت بالهدية بعثت رسلها في جندها لتغافص سليمان عليه السلام بالقتل قبل أن يتأهب سليمان لها إن كان طالب ملك، فلما علم ذلك قال: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا}. قال ابن عباس: كان أمره بالإتيان بالعرش قبل أن يكتب الكتاب إليها، ولم يكتب إليها حتى جاءه العرش. وقال ابن عطية: وظاهر الآيات أن هذه المقالة من سليمان عليه السلام بعد مجيء هديتها وردّه إياها، وبعثه الهدهد بالكتاب، وعلى هذا جمهور المتأولين. واختلفوا في فائدة استدعاء عرشها؛ فقال قتادة: ذكر له بعظَم وجَوْدة فأراد أخذه قبل أن يعصمها وقومها الإسلام ويحمي أموالهم؛ والإسلام على هذا الدِّين؛ وهو قول ابن جريج. وقال ابن زيد: استدعاه ليريها القدرة التي هي من عند الله، ويجعله دليلاً على نبوته؛ لأخذه من بيوتها دون جيش ولا حرب؛ و{مسلِمِينَ} على هذا التأويل بمعنى مستسلمين؛ وهو قول ابن عباس. وقال ابن زيد أيضاً: أراد أن يختبر عقلها ولهذا قال: {نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِيۤ}. وقيل: خافت الجن أن يتزوج بها سليمان عليه السلام فيولد له منها، فلا يزالون في السخرة والخدمة لنسل سليمان فقالت لسليمان في عقلها خلل؛ فأراد أن يمتحنها بعرشها. وقيل: (أراد) أن يختبر صدق الهدهد في قوله: {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} قاله الطبري. وعن قتادة: أحب أن يراه لما وصفه الهدهد. والقول الأوّل عليه أكثر العلماء؛ لقوله تعالى: {أية : قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ}تفسير : [النمل: 38]. ولأنها لو أسلمت لحظر عليه مالها فلا يؤتى به إلا بإذنها. روي أنه كان من فضة وذهب مرصعاً بالياقوت الأحمر والجوهر، وأنه كان في جوف سبعة أبيات عليه سبعة أغلاق. قوله تعالى: {قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن ٱلْجِنِّ} كذا قرأ الجمهور وقرأ أبو رجاء وعيسى الثقفي {عِفْرِيَةٌ} ورويت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وفي الحديث: «حديث : إن الله يُبغِض العِفرِية النفرِية»تفسير : . إتباع لعفرية. قال قتادة: هي الداهية قال النحاس: يقال للشديد إذا كان معه خبث ودهاء عِفر وعِفرية وعِفرِيت وعُفَارية. وقيل: {عفريت} أي رئيس. وقرأت فرقة: {قال عِفْرٌ} بكسر العين؛ حكاه ابن عطية؛ قال النحاس: من قال عفرية جمعه على عفار، ومن قال: عفريت كان له في الجمع ثلاثة أوجه؛ إن شاء قال عفريت، وإن شاء قال عَفارٍ؛ لأن التاء زائدة؛ كما يقال: طواغٍ في جمع طاغوت، وإن شاء عوض من التاء ياء فقال عَفارِي. والعفريت من الشياطين القوي المارد. والتاء زائدة. وقد قالوا: تَعَفْرَتَ الرجل إذا تخلق بخلق الأذاية. وقال وهب بن منبّه: اسم هذا العفريت كودن؛ ذكره النحاس. وقيل: ذكوان؛ ذكره السُّهيلي. وقال شعيب الجُبّائي: اسمه دعوان. وروي عن ابن عباس أنه صخر الجني. ومن هذا الاسم قول ذي الرُّمَّة:شعر : كأنّه كوكبٌ في إِثْرِ عِفْريةٍ مُصَوَّبٌ في سوادِ الليل مُنْقَضِبُ تفسير : وأنشد الكسائي:شعر : إذ قال شيطانُهُمُ العِفريتُ ليس لكمْ مُلكٌ ولا تثبِيتُ تفسير : وفي «الصحيح» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن عفريتاً من الجن جعل يَفْتِك عليّ البارحة ليقطع عليّ الصلاةَ وإنّ الله أمكنني منه فَدَعَتُّه» تفسير : وذكر الحديث. وفي البخاري «حديث : تَفلّت علي البارحةَ» تفسير : مكان «جعل يَفْتِك». وفي «الموطأ» عن يحيـى بن سعيد أنه قال: أُسرِي برسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى عفريتاً من الجن يطلبه بشعلة من نار، كلما التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه؛ فقال جبريل: أفلا أعلِّمك كلماتٍ تقولهنّ إذا قلتهنّ طُفِئت شعلته وخَرّ لفيه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بلى» فقال: «أعوذ بالله الكريم وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن برٌّ ولا فاجر من شرّ ما ينزل من السماء وشرّ ما يَعرُج فيها (وشرّ ما ذرأ في الأرض، وشر ما يخرج منها) ومن فِتَن الليل والنهار ومن طوارقِ الليل والنهار إلا طارقاً يَطرُق بخيرٍ يا رحمن». قوله تعالى: {أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ} يعني في مجلسه الذي يحكم فيه. {وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} أي قويٌّ على حمله. {أَمِينٌ} على ما فيه. ابن عباس: أمين على فرج المرأة؛ ذكره المهدوي. فقال سليمان أريد أسرع من ذلك؛ فـ{ـقَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} أكثر المفسرين على أن الذي عنده علم من الكتاب آصف بن برخيا وهو من بني إسرائيل، وكان صدّيقاً يحفظ اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أَعْطى، وإذا دعي به أجاب. وقالت عائشة رضي الله عنها قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف بن برخيا يا حيّ يا قيوُّم»تفسير : قيل: وهو بلسانهم، أهيا شراهيا؛ وقال الزهري: دعاء الذي عنده اسم الله الأعظم؛ يا إلٰهنا وإلٰه كل شيء إلٰهاً واحداً لا إلٰه إلا أنت ايتني بعرشها؛ فمثُلَ بين يديه. وقال مجاهد: دعا فقال: يا إلٰهنا وإلٰه كل شيء يا ذا الجلال والإكرام. قال السُّهَيليّ: الذي عنده علم من الكتاب هو آصف بن برخيا ابن خالة سليمان؛ وكان عنده اسم الله الأعظم من أسماء الله تعالى. وقيل: هو سليمان نفسه؛ ولا يصح في سياق الكلام مثل هذا التأويل. قال ابن عطية: وقالت فرقة هو سليمان عليه السلام، والمخاطبة في هذا التأويل للعفريت لما قال: {أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ} كأن سليمان استبطأ ذلك فقال له على جهة تحقيره: {أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} واستدلّ قائلو هذه المقالة بقول سليمان: {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي}. قلت: ما ذكره ابن عطية قاله النحاس في معاني القرآن له، وهو قول حسن إن شاء الله تعالى. قال بحر: هو مَلَك بيده كتاب المقادير، أرسله الله عند قول العفريت. قال السُّهَيليّ: وذكر محمد بن الحسن المقرىء أنه ضَبَّة بن أُدّ؛ وهذا لا يصح أَلبتة لأن ضَبَّة هو ابن أُدّ ابن طابخة، واسمه عمرو بن إلياس بن مُضر بن نِزار بن معَدّ: ومعدّ كان في مدة بختنصر، وذلك بعد عهد سليمان بدهر طويل؛ فإذا لم يكن معدّ في عهد سليمان، فكيف ضَبّة بن أدّ وهو بعده بخمسة آباء؟ٰ وهذا بيّن لمن تأمله. ابن لهِيَعة: هو الخضر عليه السلام. وقال ابن زيد: الذي عنده علم من الكتاب رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر، خرج ذلك اليوم ينظر من ساكن الأرض؛ وهل يعبد الله أم لا؟ فوجد سليمان، فدعا باسم من أسماء الله تعالى فجيء بالعرش. وقول سابع: إنه رجل من بني إسرائيل اسمه يمليخا كان يعلم اسم الله الأعظم؛ ذكره القشيري. وقال ابن أبي بزة: الرجل الذي كان عنده علم من الكتاب اسمه أسطوم وكان عابداً في بني إسرائيل؛ ذكره الغزنوي. وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان عليه السلام؛ أما إن الناس يرون أنه كان معه اسم وليس ذلك كذلك؛ إنما كان رجل من بني إسرائيل عالم آتاه الله علماً وفقهاً قال: {أَنَا آتيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} قال: هات. قال: أنت نبيّ لله ابن نبي الله فإن دعوت الله جاءك به، فدعا الله سليمان فجاءه الله بالعرش. وقول ثامن: إنه جبريل عليه السلام؛ قاله النّخَعي؛ وروي عن ابن عباس. وعلم الكتاب على هذا علمه بكتب الله المنزلة، أو بما في اللوح المحفوظ. وقيل: علم كتاب سليمان إلى بلقيس. قال ابن عطية: والذي عليه الجمهور من الناس أنه رجل صالح من بني إسرائيل اسمه آصف بن برخيا؛ روي أنه صلّى ركعتين، ثم قال لسليمان: يا نبيّ الله امدد بصرك فمدّ بصره نحو اليمن فإذا بالعرش، فما ردّ سليمان بصره إلا وهو عنده. قال مجاهد: هو إدامة النظر حتى يرتد طرفه خاسئاً حسيراً. وقيل: أراد مقدار ما يفتح عينه ثم يطرف، وهو كما تقول: افعل كذا في لحظة عين؛ وهذا أشبه؛ لأنه إن كان الفعل من سليمان فهو معجزة، وإن كان من آصف أو من غيره من أولياء الله فهي كرامة، وكرامة الوليّ معجزة النبيّ. قال القشيريّ: وقد أنكر كرامات الأولياء من قال إن الذي عنده علم من الكتاب هو سليمان، قال للعفريت: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ}. وعند هؤلاء ما فعل العفريت فليس من المعجزات ولا من الكرامات، فإن الجن يقدرون على مثل هذا. ولا يقطع جوهر في حال واحدة مكانين، بل يتصوّر ذلك بأن يعدم الله الجوهر في أقصى الشرق ثم يعيده في الحالة الثانية، وهي الحالة التي بعد العدم في أقصى الغرب. أو يعدم الأماكن المتوسطة ثم يعيدها. قال القشيري: ورواه وهب عن مالك. وقد قيل: بل جيء به في الهواء؛ قاله مجاهد. وكان بين سليمان والعرش كما بين الكوفة والحيرة. وقال مالك: كانت باليمن وسليمان عليه السلام بالشام. وفي «التفاسير»: انخرق بعرش بلقيس مكانه الذي هو فيه ثم نبع بين يدي سليمان؛ قال عبد الله بن شدّاد: وظهر العرش من نفق تحت الأرض؛ فالله أعلم أيّ ذلك كان. قوله تعالى: {فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ} أي ثابتاً عنده. {قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي} أي هذا النصر والتمكين من فضل ربي. {لِيَبْلُوَنِيۤ} قال الأخفش: المعنى لينظر {أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ}. وقال غيره: معنى {لِيَبْلُوَنِي} ليتعبدني؛ وهو مجاز. والأصل في الابتلاء الاختبار أي ليختبرني أأشكر نعمته أم أكفرها {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} أي لا يرجع نفع ذلك إلا إلى نفسه، حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها والمزيد منها. والشكر قيد النعمة الموجودة، وبه تنال النعمة المفقودة. {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ} أي عن الشكر {كَرِيمٌ } في التفضل.
ابن كثير
تفسير : ذكر غير واحد من المفسرين من السلف وغيرهم أنها بعثت إليه بهدية عظيمة من ذهب وجواهر ولآلىء وغير ذلك. وقال بعضهم: أرسلت بلبنة من ذهب، والصحيح أنها أرسلت إليه بآنية من ذهب. قال مجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما: أرسلت جواري في زي الغلمان، وغلمان في زي الجواري، فقالت: إن عرف هؤلاء من هؤلاء، فهو نبي، قالوا: فأمرهم سليمان أن يتوضؤوا فتوضؤوا، فجعلت الجارية تفرغ على يدها من الماء، وجعل الغلام يغترف، فميزهم بذلك، وقيل: بل جعلت الجارية تغسل باطن يدها قبل ظاهرها، والغلام بالعكس، وقيل: بل جعلت الجواري يغسلن من أكفهن إلى مرافقهن، والغلمان من مرافقهم إلى كفوفهم، ولا منافاة بين ذلك كله، والله أعلم. وذكر بعضهم أنها أرسلت إليه بقدح ليملأه ماء رواء، لا من السماء ولا من الأرض، فأجرى الخيل حتى عرقت، ثم ملأه من ذلك، وبخرزة وسلك ليجعله فيها، ففعل ذلك، والله أعلم أكان ذلك أم لا، وأكثره مأخوذ من الإسرائيليات، والظاهر أن سليمان عليه السلام لم ينظر إلى ما جاؤوا به بالكلية، ولا اعتنى به، بل أعرض عنه. وقال منكراً عليهم: {أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ} أي: أتصانعونني بمال؛ لأترككم على شرككم وملككم؟ {فَمَآ ءَاتَـٰنِي ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ ءَاتَـٰكُمْ} أي: الذي أعطاني الله من الملك والمال والجنود خير مما أنتم فيه، {بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} أي: أنتم الذين تنقادون للهدايا والتحف، وأما أنا، فلا أقبل منكم إلا الإسلام أو السيف. قال الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه: أمر سليمان الشياطين، فموهوا له ألف قصر من ذهب وفضة، فلما رأت رسلها ذلك، قالوا: ما يصنع هذا بهديتنا؟ وفي هذا جواز تهيؤ الملوك وإظهارهم الزينة للرسل والقصاد، {ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ} أي: بهديتهم، {فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا} أي: لا طاقة لهم بقتالهم، {وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةً} أي: ولنخرجنهم من بلدتهم أذلة، {وَهُمْ صَـٰغِرُونَ} أي: مهانون مدحورون. فلما رجعت إليها رسلها بهديتها، وبما قال سليمان، سمعت وأطاعت هي وقومها، وأقبلت تسير إليه في جنودها خاضعة ذليلة، معظمة لسليمان، ناوية متابعته في الإسلام، ولما تحقق سليمان عليه السلام قدومهم عليه، ووفودهم إليه، فرح بذلك، وسره.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَلَمَّا جَآءَ } الرسول بالهدية ومعه أتباعه {سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا ءَاتَٰنِ ٱللَّهُ } من النبوّة والملك {خَيْرٌ مّمَّا ءَاتَٰكُمْ } من الدنيا {بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ } لفخركم بزخارف الدنيا.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانُ} فيه وجهان: أحدهما: فلما جاءت هداياها سليمان، قاله يزيد بن رومان. الثاني: فلما جاءت رسلها سليمان لأن الهدهد قد كان سبق إلى سليمان فأخبره بالهدية والرسل فتأهب سليمان لهم. قال السدي: فأمر الشياطين فموّهوا لَبِن المدينة وحيطانها ذهباً وفضة، وقيل إنها بعثت مع رسلها بعصاً كان يتوارثها ملوك حمير، وقالت: أريد أن يعرفني رأس هذه من أسفلها، وبقدح وقالت: يملؤه ماءً ليس من الأرض ولا من السماء، وبخرزتين إحداهما ثقبُها معوج وقالت يدخل فيها خيطاً والأخرى غير مثقوبة وقالت يثقب هذه. {قَالَ} سليمان للرسل حين وصلوا إليه {أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ} معناه أتزيدونني مالاً إلى ما تشاهدونه من أموالي. {فَمَا ءَاتَانِ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا ءَاتَاكُم} أي فما آتاني من النبوة والملك خير مما آتاكم من المال، فرد عليهم المال وميز الغلمان من الجواري، وأرسل العصا إلى الأرض فقال أي الرأسين سبق للأرض فهو أصلها، وأمر بالخيل فأجريت حتى عرقت وملأ القدح من عرقها وقال: ليس هذا من الأرض ولا من السماء، وثقب إحدى الخرزتين وأدخل الخيط في الأخرى، فقال الرسل ما شاهدوا. واختلف في الرسل هل كانوا رجالاً أو نساء على قولين. قوله {ارْجِعْ إِلَيْهِمْ} فيه قولان: أحدهما: أنه قال ذلك للرسول ارجع إليهم بما جئت من الهدايا، قاله قتادة. ويزيد بن رومان. الثاني: أنه قال ذلك للهدهد [ارجع إليه]، قائلاً لهم: {فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُم بِهَا} أي لا طاقة لهم بها ليكون الهدهد نذيراً لهم،قاله زهير. وصدق نبي الله سليمان صلى الله عليه لأن من جنوده الإنس والجن والطير فليس لأحدٍ بها طاقة. {وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةً} الآية. إخباراً له عما يصنعه بهم ليسعد منهم بالإيمان من هدي وهذه سنة كل نبي.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَلَمَّا جَآَءَ} رسلها، أو هداياها {أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ} أمر الشياطين فموهوا لبِن المدينة وحيطانها بالذهب والفضة وبعثت إليه بعصا كان يتوارثها ملوك حمير، وطلبت أن يميز أعلاها من أسفلها، ويقدح التمست أن يملأه ماء فريداً لا من الأرض ولا من السماء وبخرزتين ليثقب أحدهما وليدخل في ثقب الأخرى خيطاً وكان ثقبها أعوج فلما جاء رسلها وكانوا رجالاً أو نساء قال {أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ ءَاتَانِ اللَّهُ} من النبوة والملك {خَيْرٌ مِّمَّآ ءَاتَاكُم} من المال. ثم ميز الجواري من الغلمان وأرسل العصا إلى الهواء وقال أي الرأسين سبق إلى الأرض فهو أسفلها وأجريت الخيل حتى عرقت فملأ القدح من عرقها، وثقب إحدى الخرزتين وأدخل الخيط في الأخرى فهال الرسل ما شاهدوه منه.
النسفي
تفسير : {فَلَمَّا جَآء } رسولها المنذر بن عمرو {سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ } بنونين وإثبات الياء في الوصل والوقف: مكي وسهل، وافقهما مدني وأبو عمرو في الوصل. {أتمدوني} حمزة ويعقوب في الحالين، وغيرهم بنونين بلا يا ء فيهما، والخطاب للرسل { فَمَا ءاتَـٰنِى ٱللَّهُ } من النبوة والملك والنعمة. وبفتح الباء: مدني وأبو عمرو وحفص {خَيْرٌ مّمَّا ءاتَـٰكُمْ } من زخارف الدنيا {بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ } الهدية اسم المهدي كما أن العطية اسم المعطي فتضاف إلى المهدي والمهدى له تقول «هذه هدية فلان» تريد هي التي أهداها أو أهديت إليه، والمعنى إن ما عندي خير مما عندكم وذلك أن الله آتاني الدين الذي فيه الحظ الأوفر والغنى الأوسع، وآتاني من الدنيا ما لا يستزاد عليه فكيف يرضى مثلي بأن يمد بمال بل أنتم قوم لا تعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا فلذلك تفرحون بما تزادون ويهدى إليكم لأن ذلك مبلغ همتكم، وحالي خلاف حالكم وما أرضي منكم بشيء ولا أفرح به إلا بالإيمان وترك المجوسية. والفرق بين قولك «أتمدونني بمال وأنا أغنى منكم» وبين أن تقوله بالفاء أني إذا قلته بالواو جعلت مخاطبي عالماً بزيادتي في الغنى وهو مع ذلك يمدني بمال، وإذا قلته بالفاء فقد جعلته ممن خفيت عليه حالي فأنا أخبره الساعة بما لا أحتاج معه إلى إمداده كأني أقول له: أنكر عليك ما فعلت فإني غني عنه، وعليه ورد {فما آتاني الله} ووجه الإضراب أنه لما أنكر عليهم الإمداد وعلل إنكاره أضرب عن ذلك إلى بيان السبب الذي حملهم عليه وهو أنهم لا يعرفون سبب رضا ولا فرح إلا أن يهدي إليهم حظ من الدنيا التي يعلمون غيرها. {ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ } خطاب للرسول أو الهدهد محملاً كتاباً آخر إليهم ائت بلقيس وقومها {فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا } لا طاقة لهم بها وحقيقة القبل المقاومة والمقابلة أي لا يقدرون أن يقابلوهم {وَلَنُخْرِجَنَّهُم مّنْهَا } من سبأ {أَذِلَّةً وَهُمْ صَـٰغِرُونَ } الذل أن يذهب عنهم ما كانوا فيه من العز والملك، والصغار أن يقعوا في أسر واستعباد. فلما رجع إليها رسولها بالهدايا وقص عليها القصة قالت: هو نبي وما لنا به طاقة ثم جعلت عرشها في آخر سبعة أبيات وغلقت الأبواب ووكلت به حرساً يحفظونه، وبعثت إلى سليمان إني قادمة إليك لأنظر ما الذي تدعو إليه، وشخصت إليه في إثني عشر ألف. قيل: تحت كل قيل ألوف فلما بلغت على رأس فرسخ من سليمان.
الخازن
تفسير : فقال تعالى: {فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله} أي ما أعطاني من الدين والنبوة والحكمة والملك {خير} أي أفضل {مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون} معناه أنتم أهل مفاخرة ومكاثرة بالدنيا تفرحون بإهداء بعضكم إلى بعض، وأما أنا فلا أفرح بالدنيا وليست الدنيا من حاجتي لأن الله قد أعطاني منها ما لم يعط أحداً ومع ذلك أكرمني بالدين والنبوة، ثم قال للمنذر بن عمرو أمير الوفد {ارجع إليهم} أي بالهدية {فلنأتينهم بجنود لا قبل} أي لا طاقة {لهم بها ولنخرجنهم منها} أي من أرض سبأ {أذلة وهم صاغرون} أي إن لم يأتوني مسلمين قال وهب وغيره من أهل الكتاب: لما رجعت رسل بلقيس إليها أي من عند سليمان، وبلغوها ما قال سليمان قالت والله لقد عرفت ما هذا بملك وما لنا به من طاقة. فبعثت إلى سليمان إني قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك، وما الذي تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بعرشها فجعلته في آخر سبعة أبيات بعضها داخل بعض ثم أغلقت عليه سبعة أبواب، ووكلت به حراساً يحفظونه ثم قالت لمن خلفت على ملكها احتفظ بما قبلك وسرير ملكي لا يخلص إليه أحد، ثم أمرت منادياً ينادي في أهل مملكتها تؤذنهم بالرحيل، وشخصت إلى سليمان في أثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن كل قيل تحت يده ألوف كثيرة، قال ابن عباس: وكان سليمان رجلاً مهيباً لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه. فخرج يوماً فجلس على سريره فرأى رهجاً قريباً منه قال ما هذا؟ قالوا: بلقيس قد نزلت منا بهذا المكان وكان على مسيرة فرسخ من سليمان فأقبل سليمان على جنوده {قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرضها قبل أن يأتوني مسلمين} قال ابن عباس يعني طائعين وقيل مؤمنين. قيل: غرض سليمان في إحضار عرشها ليريها قدرة الله تعالى وإظهار معجزة دالة على نبوته، وقيل أراد أن ينكره ويغيره قبل مجيئها ليختبر بذلك عقلها وقيل: إن سليمان علم أنها إن أسلمت يحرم عليه مالها فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه لأنه أعجبه وصفه، لما وصفه له الهدهد وقيل أراد أن يعرف قدر ملكها لأن السرير على قدر المملكة {قال عفريت من الجن} وهو المارد القوي، وقال ابن عباس العفريت الداهية قال وهب: اسمه كوذي. وقيل: ذكوان. وقيل: هو صخر المارد وكان مثل الجبل يضع قدمه عند منتهى طرفه {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} أي مجلس قضائك قال ابن عباس: وكان له في الغداة مجلس يقضي فيه إلى متسع النهار وقيل نصفه {وإني عليه} أي على حمله {لقوي أمين} أي على ما فيه من الجواهر وغيرها قال سليمان: أريد أسرع من ذلك.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَٰنَ} يعني: رسلُ بقليس، وقولُ سليمان: {ٱرْجِعْ} خطابٌ لرسلِها؛ لأن الرسولَ يقع على الجمعِ والإفرادِ والتذكيرِ والتأنيث. وفي قراءة ابن مسعود: «فلما جاؤوا سليمان» وقرأ «ارجعوا» ووعيدُ سليمانَ لهم مقترنٌ بدوامِهم على الكفرِ، قال البخاري: {لاَّ قِبَلَ لَهُم بِهَا} أي: لا طاقةَ لهم، انتهى. ثم قال سليمان لجَمْعِه {يَٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا}. قال ابن زيد: وغرضُه في استدعاءِ عرشِها؛ أن يُرِيَها القدرةَ التي من عندِ اللّهِ وليغرب عليها، و{مُسْلِمِينَ} في هذا التأويل بمعنى: مُسْتَسْلِمِينَ، ويحتملُ أنُ يكونَ بمعنى الإسلام. وقال قتادة: كان غرضُ سليمانَ عليه السلام قبل أن يَعْصِمَهُم الإسلامُ؛ فالإسلامُ على هذا التأويل يراد به الدين. * ت *: والتأويل الأول أَليَقُ يمَنْصِبِ النُّبُوَّةِ، فيتعينُ حملُ الآيةِ عليه، والله أعلم. ورُوِي أن عرشِهَا كانَ من ذهبٍ وفضةٍ؛ مُرَصَّعاً بالياقوتِ والجَوْهرِ، وأنه كان في جوفِه سبعةُ أبياتٍ عليها سَبْعة أغلاقٍ. والعِفْرِيتُ هو من الشياطين؛ القويُّ الماردُ. وقوله: {قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ} قال مجاهد وقتادة: معناه: قبل قيامِك من مجلس الحكم, وكان يجلس من الصبح إلى وقتَ الظهرِ في كل يوم، وقيل: معناه: قبلَ أنْ تستويَ من جلوسِكَ قَائِماً. وقول الذي عنده علم من الكتاب: {أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} قال ابن جبير وقتادة: معناه: قبل أن يصل إليكَ مَنْ يَقَعُ طَرْفُكَ عَلَيْهِ في أبعد ما ترى. وقال مجاهد: معناه: قبل أن تحتاج إلى التغميض، أي: مدة ما يمكنك أن تمد ببصرك دون تغميض؛ وذلك ارتداده. قال * ع *: وهذانِ القولانِ يقابلانِ القولينِ قبلَهما. وقوله: {لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} معناه: قويٌّ على حمله؛ أمين على ما فيه. ويُرْوَى أنَّ الجِنَّ كَانَتْ تُخْبِرُ سليمانَ بمَنَاقِل سَيْرِ بلقيس، فلما قربَتْ، قال: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا} فدعا الذي عنده علم من التوراة، ـــ وهو الكتاب المشار إليه ـــ باسم اللّه الأعظم؛ الذي كاانت العادة في ذلك الزمان أن لا يدعو به أحد، إلا أجيب، فشقت الأرض بذلك العرشِ، حتَّى نَبَعَ بَيْنَ يَدَيْ سليمانَ ـــ عليه السلام ـــ: وقيل: بل جِيءَ به في الهواءِ. وجمهورُ المفسرين على أن هذا الذي عنده علم من الكتاب ـــ كان رجلاً صالحاً من بني إسرائيل اسمه آصف بن برخيا، روي أنه صلى ركعتين، ثم قال لسليمان عليه السلام: يا نبي اللّه؛ ٱمْدُدُ بصرَك نحوَ اليَمَنِ، فمد بصره؛ فإذا بالعرش، فما رد سليمان بَصره إلا وهو عنده. وقال قتادة: اسمه بلخيا. وقولُ سليمانَ ـــ عليه السلام ـــ: {نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا} يريدُ تَجْرِبَة مَيْزِهَا ونَظَرِهَا، ورَوَتْ فرقةٌ أن الجنَّ أحسَّتْ من سليمان أوْ ظنت به أنه ربما تزوجها، فكرهوا ذلك وعيَّبُوها عنده، بأنها غيرُ عاقلِة ولا مميزة؛ وأَن رجلَها كحَافِرِ دابة، فجرَّب عَقْلَها وميَّزَها بتَنْكِيرِ السريرِ، وجرب أمر رجلِها بأمر الصَّرْحِ، لتكشفَ عن سَاقَيْها عنده، وتنكيرُ العرش: تغييرُ وضعهِ وسَتْرُ بعضِه. وقولُها {كَأَنَّهُ هُوَ} تحرزٌ فَصِيح، وقال الحسن بن الفضل: شَبَّهُوا عَلَيْهَا فَشَبَّهَتْ عَلَيْهِم. ولو قالوا: {أهذا عرشك؟} لقالت: نعم، ثم قال سليمان عليه السلام عند ذلك: {وَأُوتِينَا ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا} الآية، وهذا منه؛ على جهة تعديد نعم اللّه تعالى عليه وعلى آبائه.
ابو السعود
تفسير : وقوله تعالى: {فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ} أي الرَّسولُ {قَالَ} أي مخاطباً للرَّسولِ والمُرْسِلِ، تغليباً للحاضرِ على الغائبِ، وقيل: للرَّسولِ ومن مَعه ويؤيدُه أنَّه قُرىء فلمَّا جاءُوا والأولُ أَولى لما فيِه من تشديدِ الإنكارِ والتَّوبـيخِ وتعميمهُما لبلقيسَ وقومِها ويؤيدُه الإفرادُ في قولِه تعالى ارجعْ إليهم: {أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ} وهو إنكارٌ لإمدادِهم إيَّاه عليه الصَّلاة والسَّلام بالمالِ مع عُلوِّ شأنِه وسعَةِ سُلطانِه، وتوبـيخٌ لهم بذلكَ، وتنكيرُ مالٍ للتحقيرِ. وقولُه تعالى: {فَمَا ءاتَـٰنِى ٱللَّهُ} أيْ ممَّا رأيتُم آثارَه منَ النُّبوةِ والمُلكِ الذي لا غايةَ وراءَهُ {خَيْرٌ مّمَّا ءاتَـٰكُمْ} أي منَ المالِ الذي مِنْ جُملتِه ما جئتُم به فلا حاجةَ لي إلى هديَّتِكم ولا وقعَ لها عندي تعليلاً للإنكارِ، ولعلَّه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما قال لهم هذه المقالةَ إلى آخرِها بعد ما جَرى بـينَهُ وبـينهم ما حكي من قصة الحُقِّ وغيرها كما أشير إليه لا أنه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ خاطبَهم بها أولَ ما جاءوه كما يُفهم من ظاهرِ قولِه تعالى فلمَّا جاءَ الخ وقُرىء أتُمدُّونِّي بالإدغامِ وبنونٍ واحدةٍ وبنونين وحذفِ الياءِ. وقولُه تعالى: {بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} إضرابٌ عمَّا ذكر من إنكارِ الإمدادِ بالمالِ إلى التَّوبـيخِ بفرحِهم بهديتهم التي أهدَوها إليه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فرحَ افتخارٍ وامتنانٍ واعتدادٍ بها كما ينبىء عنه ما ذُكر من حديثِ الحقِّ والجَزَعةِ وتغيـيرِ زيِّ الغِلمانِ والجواري وغيرِ ذلك. وفائدةُ الإضرابِ التَّنبـيهُ على أنَّ إمدادَهُ عليه الصَّلاة والسَّلام بالمالِ منكرٌ قبـيجٌ، وعدُّ ذلكَ - مع أنَّه لا قدرَ له عنده عليه الصَّلاةُ والسَّلام - مما يتنافسُ فيه المتنافسون أقبحُ والتَّوبـيخُ به أدخلُ. وقيلَ المضافُ إليهِ المُهدى إليهِ والمعنى بل أنتمُ بما يُهدىٰ إليكم تفرحونَ حُبَّاً لزيادةِ المالِ لما أنَّكم لا تعلمون إلا ظاهراً من الحياةِ الدُّنيا. {اْرجِعِ} أفردَ الضميرَ هَهُنا بعد جمعِ الضمائر الخمسةِ فيما سبقَ لاختصاصِ الرجوعِ بالرَّسولِ، وعموم الإمدادِ ونحوِه للكلِّ أي ارجعْ أَيُّها الرَّسُولُ {إِلَيْهِمُ} أي إلى بلقيسَ وقومِها {فَلَنَأْتِيَنَّهُم} أي فوالله لنأتينَّهم {بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا} أي لا طاقةَ لَهمُ بمقاومتِها ولا قدرةَ لهم على مقابلتِها. وقُرىء بهم {وَلَنُخْرِجَنَّهُم} عطفٌ على جوابِ القسمِ {مِنْهَا} من سبأٍ {أَذِلَّةٍ} أي حالَ كونِهم أذلةً بعد ما كانُوا فيه من العزِّ والتمكينِ. وفي جمعِ القِلَّةِ تأكيدٌ لذِلَّتِهم. وقولُه تعالى: {وَهُمْ صَـٰغِرُونَ} أي أُسارَى مُهَانون، حالٌ أخرى مفيدةٌ لكونِ إخراجِهم بطريقِ الأسرِ لا بطريقِ الإجلاءِ. وعدمُ وقوعِ جوابِ القسمِ لأنَّه كانَ معلَّقاً بشرطٍ قد حُذفَ عندَ الحكايةِ ثقةً بدلالةِ الحالِ عليه كأنَّه قيلَ ارجعْ إليهم فليأتُوا مسلمينَ وإلا فلنأتينَّهم الخ.
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة ويعقوب {أتمدوني} بنون واحدة مشددة على الادغام وياء ثابتة في الوصل والوقف. الباقون بنونين. اخبر الله تعالى إن الهدية التي أنفذت بها المرأة، لما وصلت اليه، قال لموصلها {أتمدونني بمال} والامداد الحاق الثاني بالأول، والثالث بالثاني إلى حيث ينتهي. والمعنى لست أرغب في المال الذي تمدونني به، وإنما أرغب في الايمان الذي دعوتكم اليه والاذعان بالطاعة لله ورسوله. ثم قال {فما آتاني الله خير مما آتاكم} بالتمكين من المال الذي لي أضعافه واضعاف أضعافه إلى ما شئت منه. ثم قال لهم {بل أنتم بهديتكم تفرحون} أي ما يهدى اليكم، لانكم أهل مفاخرة في الدنيا ومكاثرة. وقيل بهديتكم التي اهديتموها اليّ تفرحون. والهدية العطية على جهة الملاطفة من غير مئابة، تهدى هدية، لانها تساق إلى صاحبها على هداية، فالاصل الهداية وهي الدلالة على طريق الرشد. ثم حكى ما قال سليمان لرسولها الذي حمل الهدية {ارجع إليهم} وقل لهم {فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها} أي لا طاقة لهم بهم ولا يقدرون على مقاومتهم {ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون} فالذليل هو الناقص القوة في نفسه بما لا يمكنه أن يدفع غيره عن نفسه. والصاغر هو الذليل الصغير القدر المهين، يدل على معنى التحقير بشيئين، ونقيض الذليل العزيز وجمعه أعزة،. جمع الذليل أذلة. ثم حكى تعالى أن سليمان قال لاشراف عسكره وأماثلة جنده {أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين} فاختلفوا في الوقت الذي قال سليمان {أيكم يأتيني بعرشها} فقال قوم قال ذاك حين جاءه الهدهد بالخبر، وهو الوقت الأول لأنه يبين به صدق الهدهد من كذبه، ثم كتب الكتاب بعد - في قول ابن عباس - وقال وهب بن منية: انما قال ذلك بعد مجيء الرسل بالهدية. واختلفوا في السبب الذي لأجله خص بالطلب فقيل لانه أعجبته صفته فأحب أن يراه، وكان من ذهب وقوائمه مكلل من جوهر، على ما ذكره قتادة. وقال ابن زيد: لأنه أحب أن يعاينها ويختبر عقلها إذا رأته اتثبته أم تنكره. وقيل: ليريها قدرة الله في معجزة، يأتي بها في عرشها. واختلفوا في معنى {مسلمين} فقال ابن عباس: معناه طائعين مستسلمين وقال ابن جريج: هو من الاسلام الذي هو دين الله الذي أمر به عباده. ثم حكى تعالى انه أجاب سليمان عفريت من الجن. ومعنى عفريت مارد قوي داهية، يقال: عفريت وعفرية، ويجمع عفاريت وعفاري. قال سيبويه: هو مأخوذ من العفر. والمعنى كل سديد في مذهبه من الدهاء والنكارة والنجابة يقال: رجل عفرية نفرية على وزن (زبينة) لواحد الزبانية. وقوله {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} أي من مجلسك الذي تقضي فيه - في قول قتادة - {وإني عليه} يعني على الاتيان به في هذه المدة {لقوي أمين} وفى ذلك دلالة على بطلان قول من يقول: القدرة تتبع الفعل لأنه أخبر انه قوي عليه، ولم يجيء بعد بالعرش. وقال ابن عباس: {أمين} على فرج المرأة. فقال عند ذلك {الذي عنده علم من الكتاب} قال ابن عباس وقتادة: هو رجل من الانس، كان عنده علم إسم الله الأعظم الذى إذا دعي به أجاب. وقيل: يا إلهنا وإله كل شيء يا ذا الجلال والاكرام، وقال الجبائي: الذى عنده علم من الكتاب سليمان (ع). وقال ذلك للعفريت ليريه نعمة الله عليه. والمشهور عند المفسرين هو الأول. وقد ذكر أن إسمه اصف بن برخيا. وقيل: هو الخضر. وقال مجاهد: اسمه أسطوع. وقال قتادة: اسمه مليخا. وقوله {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} قيل في معناه قولان: احدهما - قال مجاهد: إن ذلك على وجه المبالغة في السرعة. الثانى - قال قتادة: معناه قبل أن يرجع اليك ما يراه طرفك. وقيل: قبل ان يرجع طرفك خاسئاً إذا فتحتها وادمت فتحها. وقيل: قبل أن تفتحها وتطبقها. وقيل: حمل العرش من مأرب إلى الشام في مقدار رجع البصر. وقيل: شقت عنه الارض فظهر. وقيل يجوز أن يكون الله اعدمه ثم اوجده في الثاني بلا فصل بدعاء الذي عنده علم من الكتاب، وكان مستجاب الدعوة إذا دعا باسم الله الأعظم. ويكون ذلك معجزة له. وقال قوم: كان ذلك معجزة لسليمان. وفي الكلام حذف، لان تقديره {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} فأتاه به {فلما رآه} سليمان {مستقراً عنده قال} معترفا بنعم الله عليه {هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر} أي أأشكر على نعمه أم أجحدها. ثم قال سليمان {ومن شكر فإنما يشكر لنفسه} لأن ثواب ذلك يعود عليه ومن جحد نعم الله فانما يضر نفسه، لان عقاب ذلك يحل به {فإن الله غني} عن شكره وعن كل شيء {كريم} في انعامه على خلقه. وقرأ ابو عمرو ونافع وعاصم - في رواية حفص - {فما أتاني الله} - بفتح الياء - في الوصل. الباقون {فما آتان} بغير ياء في الوصل.
الجنابذي
تفسير : {فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِي ٱللَّهُ} وقد رأيتم شطراً منه {خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} يعنى انّكم بهديّة بعضكم لبعضٍ تفرحون اذا كان من الاعراض الدّنيويّة لا انا لانّ فرحى بهديّة القلب السّليم والايمان الصّحيح.
اطفيش
تفسير : {فَلَمَا جَآءَ} رسول بلقيس أو ما أهدت اليه وقرأ ابن مسعود فلما جاؤوا. {سُلَيْمَانَ قَالَ} سليمان. {أَتُمِدُّونَني} خطاب للرسول ومن معه، أوله ولبلقيس ولو غائبة تغليبا للخطاب وعليه فعبر بالجمع، أما لأن اقل الجمع اثنان أو للتجوز أو الخطاب للرسول ومن معه وبلقيس الغائبة وغيرها ممن معها غائبا تغليبا للخطاب، وقرأ حمزة قيل: ويعقوب بإدغام نون الرفع في نون الوقاية وقُرىء بترك الإدغام ولكن مع حذف الياء وقُريء بنون الوقاية، والإمداد التقوية والزيادة بالعطية. {بِمَالٍ} مربيان هذا المال وهو الهدية، ذكر جار الله أن الخيل التي ركبتها الغلمان الخمس مائة مُغشّاة بالديباج محليات اللجّم والسروج بالذهب المرصّع بالجواهر، وان الخمس مائة جارية على رماك في زي الغلمان وأنها ارسلت الف لبنة من ذهب وفضة وتاجاً مكللاً بالدر والياقوت والمسك والعنبر وانها أرسلت رجلين من أشراف قومها المنذر بن عمر وآخر ذا رأي وعقل، وذكر القاضي ان الذي أخبره بما أرسلت وبما أرادت هو جبريل. {فَمَآ آتَانِي اللهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم} أعطاه الله الدين والنبوة والحكمة والملك الذي لا يدركه أحد ولا أحتاج الى هديتكم ولا وقع لها عندي، ويقف نافع على {أَتُمِدُّونَنِي} بحذف الياء، وأما ياء أتاني فاثبتها مفتوحة في الوصل ساكنة في الوقف قالون وحفص وابو عمرو بخلاف عنهم في الوقف وفتحها في الوصل، وحذفها في الوقف ورش، وحذفها في الحالين الباقون، ذكر ذلك ابو عمرو الداني وذكر أن الكسائي وقف على وادي النمل بالياء والباقون بغير ياء. {بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} قال في عرائس القرآن: لأنكم أهل المفاخرة والمعاندة بالدنيا لا تعرفون غير ذلك وليست الدنيا من حاجتي قال: ثم قال للمنذر ابن عمرو أمير الوفد.
اطفيش
تفسير : {فلمَّا جاء سليمان} أى هو أى المال والهدية فى معناه، فذكَّرها ولم يؤنثها، ويدل لهذا قوله: {قال أتمدُّوننى بمالٍ} ولا يعود الى الرسول، لأنه قال: "أية : بم يرجع المرسلون"تفسير : [النمل: 35] ولم يقل: بم يرجع الرسول، ولو جاز تأويل المرسلون بجنس الرسول، لأنه خلاف المتبادر، اللهم إلا أن يعتبر كبير رسلها، وهو المنذر بن عمرو، على أنهم لا يلقون سليمان كلهم، ويتقوى هذا بقوله: {ارجع اليهم} بالافراد، أو يلقونه، ويخصه بالخطاب، والاداد الزيادة، والخطاب لها ولرسلها، تغليب للحضور والذكورة، والهدية مائة وصيف على البراذين، أو خمسمائة ألبستهم لباس النساء، وأمرتهم أن يخنثوا كلامهم، ومائة وصيفة على الرماك، أو خمسمائة البستهن لباس الرجال، وأمرتهن بتغليظ الكلام كالرجل، وحُق فيه درة عذراء، وخرزة جزع معوجة الثقب. وميز الاناث بأخذ الماء بيد، وإلقائه فى اخرى، وغسل الوجه بذلك، وإلقاء الماء على باطن الساعد، والذكور بأخذه باليدين، وغسل الوجه بهما، والقاءه على ظهر الساعد، وأخذت دودة بيضاء شعرة، فدخلت بها الثقب حتى خرجت من الخرزة، وثقبت الأرضة الدرة. ويروى أنه قريش تسعة فراسخ بِلَبِن الذهب والفضة وأخلى فيها مقدار ما أرسلت من اللبن، كانها سرقت من تلك الفراسخ، وجعل على الفراسخ دواب أفضل مما أرسلت من الدواب، تبول على لَبِن الذهب والفضة وتروث عليها، وفى الهدية عصا توارثها ملوك حمير، وقالت: بين لى رأسها فأرسلها فى الهواء فما وقع على الأرض فراسها، وقدر تريد ملأه بماء ليس من أرض ولا سماء فأجرى الخيل وملأه بعرفها، وبشر بالرسل إذ جاءوا، ولما رأى الهدية أنكر عليهم وقال: "أتمدوننى بمال" ومعناه ان هذا خطأ منكم، ولهذا علله بقوله: {فما آتانى اللهُ} من النبوَّة والمال والملك {خَيرٌ ممَّا آتاكم} من مال وملك {بل أنتُم} لا أنا {بهديتكُم تفْرحُون} إضرابٌ انتقالى الى تنقيصهم بفرحهم، بما أهدوا اليه، واعتناءهم به، وعدهم اياه مما يفرح به أو الى تنقيصهم بالفرح بما يهدى اليهم، أو الى أنه اعطاهم تلك الهدية التى جاءوا بها، فيفرحون فيه خفاء، والخطاب للرسل دخلوا عليه كلهم، كما هو الظاهر، أو كبيرهم المذكور، كما أفرد ضمير الرسل فى قوله: {ارْجِع إليْهم} يا منذر بن عمرو، ولو حضروا، لأن خطابه خطاب لهم لأنه أعظمهم وقرىءَ ارجعُوا، والهاء لبلقيس ومن تحتها غير تلك الرسل، وقيل: ارجع يا هدهد اليهم بكتاب آخر ينذرهم بقتال وهو ضعيف، وقد أخبره الهدهد بالهدية قبل أن تصله، وعلى كل حال لم يردها اليها، بل أمسكها كما طلب عرشها، وقيل: ردها وللامام العدل الأصلح من قبول أورد {فلنأتينَّهم} لعدم إتيانهم مسلمين {بجنودٍ} فأقسم بالله لنأتينهم عطف على ارجع، عطف إنشاء على آخر، لأن القسم إنشاء، وهذا يغنى عن جعل ذلك جوابا لمحذوف هكذا، إن لم يأتوا مسلمين فلنأتينهم بجنود من الجن والانس، أصيرهم آتين فالباء للتعدية، أو نأتى مقترنين بهم، فهى للمصاحبة. {لا قِبَل لهُم بها} لا مقابلة لهم بها، لأنهم أكثر وأقوى جدا أو عبر بالقِبَل عن الطاقة، لأنها سبب المقابلة، وملزومها {ولتخْرجنَّهم منها} من سبأ بالأسر والاستعباد، لا بالقتل لقوله: {أذِلةٍ وهُم صاغرون} اللهم إلا إن أريد بالعموم بالقتل والأسر، بأن يقتل بعضا ويأسر بعضا، ولا قتل إلا بعد ذل، وصغر بعد عز، وتمكن، والمراد بالصغر خصوص ما ينالهم بالأسر والاسعباد.
الالوسي
تفسير : {فَلَمَّا جَآء سُلَيْمَـٰنَ} في الكلام حذف أي فأرسلت الهدية فلما جاء الخ، وضمير {جَاء } للرسول، وجوز أن يكون لما أهدت إليه والأول أولى، وقرأ عبد الله {فَلَمَّا جاؤا} أي المرسلون {قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ } خطاب للرسول والمرسل تغليباً للحاضر على الغائب وإطلاقاً للجمع على الاثنين، وجوز أن يكون للرسول ومن معه وهو أوفق بقراءة عبد الله، ورجح الأول لما فيه من تشديد الإنكار والتوبيخ المستفادين من الهمزة على ما قيل وتعميمهما لبلقيس وقومها، وأيد بمجىء قوله تعالى: {أية : ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ }تفسير : [النمل: 37] بالإفراد؛ وتنكير {مالِ } للتحقير. وقرأ جمهور السبعة {تمدونن} بنونين وأثبت بعض الياء. وقرأ حمزة بإدغام نون الرفع في نون الوقاية وإثبات ياء المتكلم. وقرأ المسيبـي عن نافع بنون واحدة خفيفة والمحذوف نون الوقاية، وجوز أن يكون الأولى فرفعه بعلامة مقدرة كما قيل في قوله:شعر : أبيت أسري وتبيتي تدلكي وجهك بالعنبر والمسك الذكي تفسير : {فَمَا ءَاتَانيَ ٱللَّهِ } أي من النبوة والملك الذي لا غاية وراءه {خَيْرٌ مّمَّا ءاتِاكُمْ } أي من المال الذي من جملته ما جئتم به، وقيل: عنى بما آتاه المال لأنه المناسب للمفضل عليه والأول أولى لأنه أبلغ، والجملة تعليل للإنكار والكلام كناية عن عدم القبول لهديتهم، وليس المراد منه الافتخار بما أوتيه فكأنه قيل: أنكر إمدادكم إياي بمال لأن ما عندي خير منه فلا حاجة لي إلى هديتكم ولا وقع لها عندي، والظاهر أن الخطاب المذكور كان أول ما جاؤه كما يؤذن به قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ } الخ، ولعل ذلك لمزيد حرصه على إرشادهم إلى الحق، وقيل: لعله عليه السلام قال لهم ما ذكر بعد أن جرى بينهم وبينه ما جرى مما في خبر وهب وغيره، واستدل بالآية على استحباب رد هدايا المشركين. والظاهر أن الأمر كذلك إذا كان في الرد مصلحة دينية لا مطلقاً، وإنما لم يقل: وما آتاني الله خير مما آتاكم لتكون الجملة حالاً لما أن مثل هذه الحال وهي الحال المقررة للإشكال يجب أن تكون معلومة بخلاف العلة وهي هنا ليست كذلك. وقوله تعالى: {بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ } إضراب عما ذكر من إنكار الإمداد بالمال وتعليله إلى بيان ما حملهم عليه من قياس حاله عليه السلام على حالهم وهو قصور همتهم على الدنيا والزيادة فيها فالمعنى أنتم تفرحون بما يهدى إليكم لقصور همتكم على الدنيا وحبكم الزيادة فيها، ففي ذلك من الحط عليهم ما لا يخفى، والهدية مضافة إلى المهدى إليه وهي تضاف إلى ذلك كما تضاف إلى المهدي أو إضراب / عن ذلك إلى التوبيخ بفرحهم بهديتهم التي أهدوها إليه عليه السلام فرح افتخار وامتنان واعتداد بها، وفائدة الإضراب التنبيه على أن إمداده عليه السلام بالمال منكر قبيح، وعد ذلك مع أنه لا قدر له عنده عليه السلام مما يتنافس فيه المتنافسون أقبح والتوبيخ به أدخل، قيل: وينبـىء عن اعتداهم بتلك الهدية التنكير في قول بلقيس: {أية : وَإِنّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ } تفسير : [النمل: 35] بعد عدها إياه عليه السلام ملكاً عظيماً. وكذا ما تقدم في خبر وهب وغيره من حديث الحق والجزعة وتغيير زي الغلمان والجواري وغير ذلك، وقيل: فرحهم بما أهدوه إليه عليه السلام من حيث توقعهم به ما هو أزيد منه فإن الهدايا للعظماء قد تفيد ما هو أزيد منها ما لا أو غيره كمنع تخريب ديارهم هنا، وقيل: الكلام كناية عن الرد، والمعنى أنتم من حقكم أن تفرحوا بأخذ الهدية لا أنا فخذوها وافرحوا وهو معنى لطيف إلا أن فيه خفاء.
ابن عاشور
تفسير : أي فلما جاء الرسول الذي دل عليه قوله: {أية : وإني مرسلة إليهم بهدية}تفسير : [النمل: 35]، فالإرسال يقتضي رسولاً، والرسول لفظه مفرد ويصدق بالواحد والجماعة، كما تقدم في قصة موسى في سورة الشعراء. وأيضاً فإن هدايا الملوك يحملها رَكب، فيجوز أن يكون فاعل {جاء} الركبُ المعهود في إرسال هدايا أمثال الملوك. وقد أبى سليمان قبول الهدية لأن الملكة أرسلتها بعد بلوغ كتابه ولعلها سكتت عن الجواب عما تضمنه كتابه من قوله: {أية : وأتوني مسلمين}تفسير : [النمل: 31] فتبيّن له قصدُها من الهدية أن تصرفه عن محاولة ما تضمنه الكتاب، فكانت الهدية رشوة لتصرفه عن بثّ سلطانه على مملكة سبأ. والخطاب في {أتمدونن} لوفد الهدية لقصد تبليغه إلى الملكة لأن خطاب الرسل إنما يقصد به من أرسلهم فيما يرجع إلى الغرض المرسل فيه. والاستفهام إنكاري لأن حال إرسال الهدية والسكوت عن الجواب يقتضي محاولة صرف سليمان عن طلب ما طلبه بما بذل له من المال، فيقتضي أنهم يحسبونه محتاجاً إلى مثل ذلك المال فيقتنع بما وجّه إليه. ويظهر أن الهدية كانت ذهباً ومالاً. وقرأ الجمهور: {أتمدونني} بنونين. وقرأه حمزة وخلف بنون واحدة مشدّدة بالإدغام. والفاء لتفريع الكلام الذي بعدها على الإنكار السابق، أي أنكرت عليكم ظنكم فرحي بما وجهتم إليّ لأنّ ما أعطاني الله خير مما أعطاكم، أي هو أفضل منه في صفات الأموال من نفاسة ووفرة. وسَوق التعليل يشعر بأنه علم أن الملكة لا تعلم أن لدى سليمان من الأموال ما هو خير مما لديها، لأنه لو كان يظن أنها تعلم ذلك لما احتاج إلى التفريع. وهذا من أسرار الفرق في الكلام البليغ بين الواو والفاء في هذه الجملة فلو قال: وما آتاني الله خير مما آتاكم، لكان مُشعراً بأنها تعلم ذلك لأن الواو تكون واو الحال. و{بل} للإضراب الانتقالي وهو انتقال من إنكاره عليهم إمداده بمال إلى رد ذلك المال وإرجاعه إليهم. وإضافة {هديتكم} تشبيه؛ تحتمل أن تكون من إضافة الشيء إلى ما هو في معنى المفعول، أي بما تهدونه. ويجوز أن يكون شبيهة بالإضافة إلى ما هو في معنى المفعول، أي بما يُهدى إليكم. والخبر استعمل كناية عن رد الهدية للمهدي. ومعنى: {تفرحون} يجوز أن يكون تُسرُّون، ويجوز أن يكون تفتخرون، أي أنتم تعظم عندكم تلك الهدية لا أنا، لأن الله أعطاني خيراً منها. وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في «أنتم تَفرحون» لإفادة القصر، أي أنتم. وهو الكناية عن رد الهدية. وتوعدهم وهددهم بأنه مرسل إليهم جيشاً لا قِبَل لهم بحربه. وضمائر جمع الذكور الغائب في قوله: {فلنأتينهم} و{لنخرجنهم} عائدة إلى القوم، أي لنخرجن من نخرج من الأسرى. وقوله: {فلنأتينهم بجنود} يحتمل أنه أراد غزو بلدها بنفسه، فتكون الباء للمصاحبة. ويحتمل أنه أراد إرسال جنود لغزوها فتكون الباء للتعدية كالتي في قوله تعالى: {أية : ذهب الله بنورهم}تفسير : [البقرة: 17] أي أذهبه؛ فيكون المعنى: فلنؤتينهم جنوداً، أي نجعلها آتية إياهم. والقِبَل: الطاقة. وأصله المقابلة فأطلق على الطاقة لأن الذي يُطيق شيئاً يثبت للقائه ويقابله. فإذا لم يُطقه تقهقر عن لقائه. ولعل أصل هذا الاستعمال ناظر إلى المقابلة في القتال. والباء في {بها} للسببية، أي انتفى قِبلهم بسببها، أو تكون الباء للمصاحبة، أي انتفى قِبلهم المصاحب لها، أي للقدرة على لقائها. وضمير {بها} للجنود وضمير {منها} للمدينة، وهي مأرب، أي يخرجهم أسرى ويأتي بهم إلى مدينته. والصاغر: الذليل، اسم فاعل من صغر بضم الغين المستعمل بمعنى ذل ومصدره الصغار. والمراد: ذل الهزيمة والأسر.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: فلما جاء سليمان: أي رسول الملكة يحمل الهدية ومعه أتباعه. فما آتاني الله خير مما آتاكم: إنه أعطاني النبوة والملك وذلك خير مما أعطاكم من المال فقط. بهديتكم تفرحون: لحبكم للدنيا ورغبتكم في زخارفها. إرجع إليهم: أي بما أتيت به من الهدية. بجنود لا قبل لهم بها: أي لا طاقة لهم بقتالها. ولنخرجنهم منها: أي من مدينتهم سبأ المسماة باسم رجل يقال له سبأ. أذلة وهم صاغرون: أي إن لم يأتوني مسلمين أي منقادين خاضعين. قبل أن يأتوي مسلمين: فإنَّ لي أخذه قبل مجيئهم مسلمين لا بعده. قال عفريت من الجن: أي جني قوي إذ القوي الشديد من الجن يقال له عفريت. قبل أن تقوم من مقامك: أي من مجلس قضائك وهو من الصبح إلى الظهر. وإني عليه لقوي أمين: أي قوي على حمله أمين على ما فيه من الجواهر وغيرها. وقال الذي عنده علم من الكتاب: أي سليمان عليه السلام. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم مع سليمان وملكة سبأ إنه لما بعثت بهديتها تختبر بها سليمان هل هو رجل دنيا يقبل المال أو رجل دين، لتتصرف على ضوء ما تعرف من اتجاه سليمان عليه السلام، فلما جاء سليمان، جاءه سفير الملكة ومعه رجال يحملون الهدية قال لهم ما أخبر تعالى به عنهم في قوله: {قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِيَ ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ} آتاني النبوة والعلم والحكم والملك فهو خير مما آتاكم من المال {بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} وذلك لحبكم الدنيا ورغبتكم في زخارفها. وقال لرسول الملكة {ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ} أي بما أتيت به من الهدية، وعلمهم أنهم إن لم يأتوا إلي مسلمين {فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا} أي لا قدرة لهم على قتالهم، {وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ} أي من مدينتهم سبأ {أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} أي خاضعون منقادون. ثم قال سليمان عليه السلام لأشراف دولته وأعيان بلاده {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} فإني لا آخذه إلا قبل مجيئهم مسلمين لا بعده. فنطق عفريت من الجن قائلاً بما أخبر تعالى عنه به {أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ} أي مجلس قضائك والذي ينتهي عادة بنصف النهار، {وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} أي قادر على حمله والإِتيان به في هذا الوقت الذي حددت لكم وأمين على ما فيه من جواهر وذهب لا يضيع منه شيء. وهنا {قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ} وهو سليمان عليه السلام {أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} فافتح عينيك وانظر فلا يعود إليك طرفك إلا والعرش بين يديك، وسأل ربه باسمه الأعظم الذي ما دعي به إلا أجاب وإذا العرش بين يديه، {فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً} بين يديه لهج قائلاً {هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي} أي علي فلم يكن لي به يد أبداً {لِيَبْلُوَنِيۤ} بذلك {أَأَشْكُرُ} نعمته علي {أَمْ أَكْفُرُ} {وَمَن شَكَرَ} فلنفسه أي عائد الشكر يعود عليه بحفظ النعمة ونمائها ومن كفر أي النعمة {فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ} أي عن شكره وليس مفتقراً إليه، كريم قد يكرم الكافر للنعمة فلا يسلبها كلها منه أو يبقيها له على كفره. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- أهل الآخرة يفرحون بالدنيا، وأهل الدنيا لا يفرحون بالآخرة. 2- استعمال أسلوب الإِرهاب والتخويف مع القدرة على إنفاذه مع العدو أليق. 3- تقرير أن سليمان كان يستخدم الجن وأنهم يخدمونه في أصعب الأمور. 4- استجابة الله تعالى لسليمان فأحضر له العرش من مسافة شهرين أي من اليمن إلى الشام قبل ارتداد طرف الناظر إذا فتح عينه ينظر. 5- وجوب رد الفضل إلى أهله فسليمان قال {هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي} والجهال يقولون بثورتنا الخلاقة، وأبطالنا البواسل. 6- وجوب الشكر، وعائدته تعود على الشاكر فقط، ولكرم الله تعالى قد لا يسلب النعمة فور عدم شكرها وذلك لحلمه تعالى وكرمه.
القطان
تفسير : لا قِبل لهم بها: لا طاقة لهم بمقاومتها. صاغرون: مهانون محتقرون. العرش: سرير الملك. العِفريت من البشر: الخبيث الماكر، ومن الشياطين: المارد. قال الذي عنده علمٌ من الكتاب: رجل أعطاه الله علماً خاصا، وقوة روحية. قبل ان يرتد اليك طرفُك: قبل ان تطرف عينك، والمراد هو السرعة الفائقة. ليبلوَني ربي: ليختبرني ربي. فلما جاء رسلُها الى سليمان بالهدية لم يَقبلْها وقال إنه ليس في حاجةٍ إلى اموالهم لما عنده من الثروة والملك، كما توعّدهم بأنه سيرسل الى بلادهم جنوداً لا طاقة لهم بهم، وان عاقبة ذلك إخراجُهم من بلادهم أذِلَّةً صاغرين. فلما جاء الخبر من الرسُل الى الملكة وعلمت عظَمةَ سليمان وقوة ملكه - أشفقت على قومها. فأجمعت أمرها على الذهاب إليه في بعض أشراف قومها وتوجهت الى القدس بهدية عظيمة. ولمّا علم سليمان باعتزام ملكه سبأ زيارته، شيّد لها صَرحاً عظيما، ومرَّدَ أرضَه بالزجاج: وهذا شيء لا عهد لأهل اليمن بمثله. ولما قربت من ديار سليمان أراد ان يفاجئها بشيء يَبْهَرُها، كأن ترى بعينها ما لم تر من قبلُ في الاحلام، وهو أن يأتيها بعرشِها الجميل ليكون جلوسُها عليه في ذلك الصرح. فسأل جنوده عن قويّ يأتيه بذلك العرش: فانتدب له عفريت من الجن وقال: {أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} إني لقادر على ذلك وأمين على كل ما في العرش من جواهر وحلي. وقال رجل {عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} وكان الأمر كما قال. فجاء به ووُضع في الصرح الذي هُيِّىء لاستقبالها. فلما رأى سليمان عرش بلقيس أمامه قال: الحمد لله.... هذا من فضلِ ربي ليختبرني أأشكر ام اكفر.. ومن شكَر الله ففائدة الشكر تعود اليه، ومن جَحد ولم يشكر فان الله غنيّ عن العباد وعبادتهم، كريم بالإنعام عليهم وان لم يعبدوه. اما الطريقة التي جيء بها بالعرش فشيءٌ لم يأت تفصيل له بخبر صحيح، وهو معجزة خارقة للعادة، كبقية المعجزات نسلّم بها تسليما. وأهل القصص وبعض المفسرين يذكرون ان سليمان تزوّج منها وجاءه منها ولد، ويزعم ملوك الحبشة أنهم أبناء سليمان من الولد الذي ولدته من سليمان، لكن هذا زعمٌ منهم. قراءات: قرأ حمزة ويعقوب: اتمدونّي بنون واحدة مشددة. والباقون: اتمدونني بنونين.
د. أسعد حومد
تفسير : {سُلَيْمَانَ} {آتَانِيَ} {آتَاكُمْ} (36) - وأَرْسَلَتْ إلى سُلَيْمَانَ بالهَدِيَّةِ فَلَمْ يهتَمَّ بِهَا، وَقَالَ لِمَنْ حَمَلَ إليهِ الهَدِيَّةَ: إنَّكُمْ تُرِيدُونَ بهذِهِ الهَدِيَّةِ مُصَانَعَتِي عَلى مَالٍ لأَتْرُكَكُمْ، فما أعْطَانِي اللهُ، مِنَ المالِ والمُلْكِ وَالجُنُودِ، خَيْرٌ ممَّا آتَاكُمْ وممَّا أنتُمْ فِيهِ، وأَنتمُ الذينَ تَهْتَمُّونَ بالهَدايا والتُّحَفِ، وتَنْقَادُونَ إليْهَا، وَتَفْرَحُونَ بِهَا، أمَّا أنا فلا أقْبَلُ مِنْكُمْ إِلاّ الإِسلاَمَ أَوِ السَّيفَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: فلما جاء رسول بلقيس إلى سليمان بالهدية {قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِيَ ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ ..} [النمل: 36] فأيُّ هدية هذه، وأنا أملك مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعدي؟ {بَلْ ..} [النمل: 36] يعني: اضرب عن الكلام السابق {أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} [النمل: 36]. أضاف الهدية إليهم، لا إليه هو، والإضافة تأتي إما بمعنى اللام مثل: قلم زيد يعني لزيد، أو: بمعنى من مثل: إردب قمح يعني: من قمح، أو: بمعنى في مثل: مكر الليلَ يعني: في الليل. فقوله {بِهَدِيَّتِكُمْ ..} [النمل: 36] إما أن يكون المراد: هدية لكم. أي: فأنتم تفرحون إنْ جاءتكم هدية من أحد، أو لأنني سأردُّها إليكم فتفرحوا بردِّها كمَنْ يقول (بركة يا جامع) أو: هدية منكم. أي: أنكم تفرحون إنْ أهديتم لي هدية فقبلتُها منكم. فهذه معَانٍ ثلاثة لقوله: {بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} [النمل: 36].
الجيلاني
تفسير : {فَلَمَّا جَآءَ} الرسل {سُلَيْمَانَ} وحضروا عنده نظر إلأيهم بوجه حسن طلق، وتكلم معهم ليناً حزيناً مخبراً عن أحوال ملكتهم ومملكتهم، ثمَّ قال: ما أمركم ومصلحتكم؟ فأطعوا كتاب بلقيس فنظر فيه، فإذا هي فصلت فيه جميع ممتحناتها، قال سليمان عليه السلام: أين الحقة؟ فجيء بها فقال: إن فيها درة ثمينة غير مثقوبة، وجزعة معوجة الثقب، فأمر سليمان الأرضة فأخذت شعرة، فدخلت في الدرة حتى خرجت من الجانب الآخر، وأمر دودة أخرى حتى دخلت في الجزعة المعوجة الثقب بخيط حتى خرجت من الجانب الآخر، وميَّز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم بغسل وجوههم وأيديهم، فكانت الجارية تأخذ الماء بإحدى يديها وتصب في الأخرى، ثم تضر وجهها، والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه. ثمَّ أتوا ببقايا الهدايا المرسله فأبى سليمان عنها، وردَّ كله إليهم مهدداً عليهم حيث {قَالَ أَتُمِدُّونَنِ} وتزيدونني {بِمَالٍ} يميل إليها أبناء الدنيا المحرومين عن اللذات الأخروية {فَمَآ آتَانِيَ ٱللَّهُ} المنعم المفضل عليَّ من الأمور الأخروية من النبوة والرسالة، وتسخير الثقلين والرياح والطيور والوحوش، وجميع من الجو وعلى وجه الأرض {خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ} من حطام الدنيا ومن مزخرفاتها الفانية، فما لنا ميل والتفات إليها {بَلْ أَنتُمْ} وأمثالكم من أبناء الدنيا {بِهَدِيَّتِكُمْ} هذه {تَفْرَحُونَ} [النمل: 36] أي: تميلون وتسرون بها؛ لفخركم بأمثال هذه الزخارف؛ لقصور نظركم عليها وغفلتكم عن الأمور الأخروية. {ٱرْجِعْ} أيها الرسول {إِلَيْهِمْ} أي: إلى ملكتك ومن معها أي: إلى ملكتك ومن معها من الجنود، وقل لهم: مطلوبي منهم الإيمان بالله المتوحد بالألوهية والربوبية، والانقياد إليه والإطاعة لأحكامه فلهم الإتيان إليَّ مؤمنين مسلمين منقادين وإلا {فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ} من الإنس والجن وأصناف الوحوش والطيور، وأنواع الهوام والحشرات بالغة من الكثرة إلى حد {لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا} أي: لا يسع لهم مقابلتها من بعيد، فكيف ممانعتها ومقاتلتها؟! {وَ} بعدما لم يسع لهم المقابلة {لَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ} أي: من بلادهم {أَذِلَّةً} ضعفاء ذليلين بأيدينا {وَهُمْ} حنيئذ {صَاغِرُونَ} [النمل: 37] مهانون أُسراء بأيدي هؤلاء العفاريت. ثمَّ لمَّا رجع رسلها مع ما أهدت من الهدايا على وجهها قالت بلقيس: قد عرف أنه ليس بملك، بل نبي من الأنبياء مؤيد بأمر سماوي، وما لنا طاقة مقاومة ومقابلة معه سوى المصالحة والإطاعة بأمره والحضور عنده. ثمَّ أرسلت بلقيس إليه - صلوات الرحمن عليه - ثانياً: إني قادمة إليك عن قريب فيهأت أسبابه حتى تخرج، وجعلت سريرها داخل سبعة أبواب في قصرها، وقصرها داخل سبعة قصور، وأغلقت على الأبواب كلها، وجعلت عليها حرساً متعددة، وارتحلت إلى سليمان، فلما دنت إليه رأى سليمان حين كان على سريره جماً غفيراً من السواد مسيرة فرسخ فسأل عنهم، فقالوا: بلقيس أتت بجنودها مطيعين مسلمين. {قَالَ} سليمان لمن حوله من الج والإنس: {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي} ويحضروا عندي {مُسْلِمِينَ} [النمل: 38] مؤمنين؛ إذ بعدما أتوا لا يجوز إتيان عرشها إلا بإذنها؛ إذ لا يصح نقل مال المسلم إلا بإذنه. {قَالَ عِفْرِيتٌ} أي: خبيث مارد {مِّن ٱلْجِنِّ} اسمه ذكوان أو صخراً: {أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ} أي: مجلسك الذي تجلس عليه أنت للحكومة؛ إذ من دأبه الجلوس إلى وقت الزوال؛ يعني: آتيك به قبل إتيانها {وَإِنِّي عَلَيْهِ} أي: على حمل عرشها {لَقَوِيٌّ} أحمله بلا تزلزل أركانه وقوائمه {أَمِينٌ} [النمل: 39] لا أتصرف منه شيئاً من زينته وجواهره، فاستبطأ عليه السلام إتيانه، وطلب أسرع من ذلك. {قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ} فائض له {مِّنَ ٱلْكِتَابِ} أي: من حضرة العلم الإلهي المعبر بالقضاء واللوح المحفوظ، وعالم الأسماء والأعيان الثابتة، به يقدر على إحضار شيء وإعدامه دفعة، وكان هو وزيره آصف بن برخية، قد انكشف عليه خواص الأسماء الإلهية ففعل بها ما فعل: {أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} أي: قبل أن تعيد وتطبق أجفانك حين نظرك، وهذا كناية عن كمال الرسعة والعجلة، فأتى به طرشفة عين {فَلَمَّا رَآهُ} أي: سليمان العرش {مُسْتَقِرّاً عِندَهُ} قبل إتيان بلقيس {قَالَ} سليمان عليه السلام متوجهاً إلى ربه، مذكراً نعمه الفائضة على نفسه، مجدداً الشكر إياها: {هَـٰذَا} أي: حضور العرش العظيم الثقيل في غاية الثقل والعظمة في آنٍ و احدٍ، مع أنه كان في مسافة بعيدة {مِن} جملة {فَضْلِ رَبِّي} عليَّ، ومن عداد جلائل إنعامه وأفضاله إليَّ. إنما تفضل سبحانه عليَّ بهذا {لِيَبْلُوَنِيۤ} ويختبروني {أَأَشْكُرُ} بمواظبة شكر نعمه المتواترة عليَّ، بحيث أعجز عن أداء حق شكره، وأعترف بالعجز والقصور عن إحاطة نعمه، فيكف أداء حقوقها؟! {أَمْ أَكْفُرُ} لنعمه، ولا أقسيم بمقام الشكر عليها، وإن الإقامة والتوفيق عليها أيضاً من جملة نعمه وفضله وكرمه، ولا عائدة من شكرنا إليه سبحانه؛ إذ هو منزه عنها؟! بل {وَمَن شَكَرَ} على نعم الحق، وصرفها على مقتضى ما جبلها الحق لأجله {فَإِنَّمَا يَشْكُرُ} الشاكر {لِنَفْسِهِ} لازدياد النعم عليها بمزيد الشكر {وَمَن كَفَرَ} فإنما يكفر لنفسه بانتقاص النعم عليها {فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ} في ذاته عن جميع العوائد {كَرِيمٌ} [النمل: 40] جواد لا يعلل فعله بالأغراض وإنعامه بالأعواض.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):