Verse. 3197 (AR)

٢٧ - ٱلنَّمْل

27 - An-Naml (AR)

قَالَ يٰۗاَيُّہَا الْمَلَؤُا اَيُّكُمْ يَاْتِيْنِيْ بِعَرْشِہَا قَبْلَ اَنْ يَّاْتُوْنِيْ مُسْلِـمِيْنَ۝۳۸
Qala ya ayyuha almalao ayyukum yateenee biAAarshiha qabla an yatoonee muslimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال يا أيها الملأ أيكم» في الهمزتين ما تقدم «يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين» منقادين طائعين فلي أخذه قبل ذلك لا بعده.

38

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن في قوله تعالى: {قَالَ يَـا أَيُّهَا ٱلْمَلأَ أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا } دلالة على أنها عزمت على اللحوق بسليمان، ودلالة على أن أمر ذلك العرش كان مشهوراً، فأحب أن يحصل عنده قبل حضورها، واختلفوا في غرض سليمان عليه السلام من إحضار ذلك العرض على وجوه: أحدها: أن المراد أن يكون ذلك دلالة لبلقيس على قدرة الله تعالى وعلى نبوة سليمان عليه السلام، حتى تنضم هذه الدلالة إلى سائر الدلائل التي سلفت وثانيها: أراد أن يؤتى بذلك العرش فيغير وينكر، ثم يعرض عليها حتى أنها هل تعرفه أو تنكره، والمقصود اختبار عقلها، وقوله تعالى: { أية : قَالَ نَكّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِى } تفسير : [النمل: 41] كالدلالة على ذلك وثالثها: قال قتادة: أراد أن يأخذه قبل إسلامها، لعلمه أنها إذا أسلمت لم يحل له أخذ مالها ورابعها: أن العرش سرير المملكة، فأراد أن يعرف مقدار مملكتها قبل وصولها إليه. أما قوله: {قَالَ عِفْرِيتٌ مّن ٱلْجِنّ } فالعفريت من الرجال الخبيث المنكر الذي يعفر أقرانه، ومن الشياطين الخبيث المارد. أما قوله: {قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ } فالمعنى من مجلسك، ولا بد فيه من عادة معلومة حتى يصح أن يؤقت، فقيل المراد مجلس الحكم بين الناس، وقيل الوقت الذي يخطب فيه الناس، وقيل إلى انتصاف النهار. وأما قوله: {لَقَوِىٌّ } أي على حمله {أَمِينٌ } آتي به كما هو لا أختزل منه شيئاً. أما قوله: {قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } ففيه بحثان: الأول: اختلفوا في ذلك الشخص على قولين: قيل كان من الملائكة، وقيل كان من الإنس، فمن قال بالأول اختلفوا، قيل هو جبريل عليه السلام، وقيل هو ملك أيد الله تعالى به سليمان عليه السلام، ومن قال بالثاني اختلفوا على وجوه: أحدها: قول ابن مسعود: إنه الخضر عليه السلام وثانيها: وهو المشهور من قول ابن عباس: إنه آصف بن برخيا وزير سليمان، وكان صديقاً يعلم الاسم الأعظم إذا دعا به أجيب وثالثها: قول قتادة: رجل من الإنس كان يعلم اسم الله الأعظم ورابعها: قول ابن زيد: كان رجلاً صالحاً في جزيرة في البحر، خرج ذلك اليوم ينظر إلى سليمان وخامسها: بل هو سليمان نفسه والمخاطب هو العفريت الذي كلمه، وأراد سليمان عليه السلام إظهار معجزة فتحداهم أولاً، ثم بين للعفريت أنه يتأتى له من سرعة الإتيان بالعرش ما لا يتهيأ للعفريت، وهذا القول أقرب لوجوه: أحدها: أن لفظة (الذي) موضوعة في اللغة للإشارة إلى شخص معين عند محاولة تعريفه بقصة معلومة والشخص المعروف بأنه عنده علم الكتاب هو سليمان عليه السلام، فوجب انصرافه إليه، أقصى ما في الباب أن يقال، كان آصف كذلك أيضاً لكنا نقول إن سليمان عليه السلام، كان أعرف بالكتاب منه لأنه هو النبي، فكان صرف هذا اللفظ إلى سليمان عليه السلام أولى الثاني: أن إحضار العرش في تلك الساعة اللطيفة درجة عالية، فلو حصلت لآصف دون سليمان لاقتضى ذلك تفضيل آصف على سليمان عليه السلام، وأنه غير جائز الثالث: أن سليمان عليه السلام، لو افتقر في ذلك إلى آصف لاقتضى ذلك قصور حال سليمان في أعين الخلق الرابع: أن سليمان قال: {هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبّى لِيَبْلُوَنِى أَءشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ } وظاهره يقتضي أن يكون ذلك المعجز قد أظهره الله تعالى بدعاء سليمان. البحث الثاني: اختلفوا في الكتاب، فقيل اللوم المحفوظ، والذي عنده علم منه جبريل عليه السلام. وقيل كتاب سليمان، أو كتاب بعض الأنبياء، ومعلوم في الجملة أن ذلك مدح، وأن لهذا الوصف تأثيراً في نقل ذلك العرش، فلذلك قالوا إنه الاسم الأعظم وإن عنده وقعت الإجابة من الله تعالى في أسرع الأوقات. أما قوله تعالى: {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } ففيه بحثان: الأول: (آتيك) في الموضعين، يجوز أن يكون فعلاً واسم فاعل. الثاني: اختلفوا في قوله: {قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } على وجهين: الأول: أنه أراد المبالغة في السرعة، كما تقول لصاحبك افعل ذلك في لحظة، وهذا قول مجاهد الثاني: أن نجريه على ظاهره، والطرف تحريك الأجفان عند النظر، فإذا فتحت الجفن فقد يتوهم أن نور العين امتد إلى المرئي، وإذا أغمضت الجفن فقد يتوهم أن ذلك النور ارتد إلى العين، فهذا هو المراد من ارتداد الطرف وههنا سؤال: وهو أنه كيف يجوز والمسافة بعيدة أن ينقل العرش في هذا القدر من الزمان، وهذا يقتضي إما القول بالطفرة أو حصول الجسم الواحد دفعة واحدة في مكانين جوابه: أن المهندسين قالوا كرة الشمس مثل كرة الأرض مائة وأربعة وستين مرة، ثم إن زمان طلوعها زمان قصير فإذا قسمنا زمان طلوع تمام القرص على زمان القدر الذي بين الشام واليمن كانت اللمحة كثيرة فلما ثبت عقلاً إمكان وجود هذه الحركة السريعة، وثبت أنه تعالى قادر على كل الممكنات زال السؤال، ثم إنه عليه السلام لما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر والكلام في تفسير الابتلاء قد مر غير مرة، ثم إنه عليه السلام بين أن نفع الشكر عائد إلى الشاكر لا إلى الله تعالى، أما أنه عائد إلى الشاكر فلوجوه: أحدها: أنه يخرج عن عهدة ما وجب عليه من الشكر وثانيها: أنه يستمد به المزيد على ما قال: { أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ } تفسير : [إبرهيم: 7]، وثالثها: أن المشتغل بالشكر مشتغل باللذات الحسية وفرق ما بينهما كفرق ما بين المنعم والنعمة في الشرف، ثم قال: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبّى غَنِىٌّ كَرِيمٌ } غني عن شكره لا يضره كفرانه، كريم لا يقطع عنه نعمه بسبب إعراضه عن الشكر.

البيضاوي

تفسير : {قَالَ يَـاأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا} أراد بذلك أن يريها بعض ما خصه الله تعالى به من العجائب الدالة على عظم القدرة وصدقه في دعوى النبوة، ويختبر عقلها بأن ينكر عرشها فينظر أتعرفه أم تنكره؟. {قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ} فإنها إذا أتت مسلمة لم يحل أخذه إلا برضاها. {قَالَ عِفْرِيتٌ} خبيث مارد. {مّن ٱلْجِنِّ} بيان له لأنه يقال للرجل الخبيث المنكر المعفر أقرانه، وكان اسمه ذكوان أو صخراً. {أَنَاْ ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ} من مجلسك للحكومة وكان يجلس إلى نصف النهار. {وَإِنِّي عَلَيْهِ} على حمله. {لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} لا أختزل منه شيئاً ولا أبدله. {قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ} آصف بن برخيا وزيره، أو الخضر أو جبريل عليهما السلام أو ملك أيده الله به، أو سليمان عليه السلام نفسه فيكون التعبير عنه بذلك للدلالة على شرف العلم وأن هذه الكرامة كانت بسببه والخطاب في: {أَنَاْ ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} للعفريت كأنه استبطأه فقال له ذلك، أو أراد إظهار معجزة في نقله فتحداهم أولاً ثم أراهم أنه يتأتى له مالاً يتأتى لعفاريت الجن فضلاً عن غيرهم، والمراد بـ {ٱلْكِتَـٰبِ } جنس الكتب المنزلة أو اللوح، و {ءَاتِيكَ} في الموضعين صالح للفعلية والاسمية، «والطرف» تحريك الأجفان للنظر فوضع موضعه ولما كان الناظر يوصف بإرسال الطرف كما في قوله:شعر : وَكُنْت إِذَا أَرْسَلْت طَرْفَكَ رَائِدا لِقَلْبِكَ يَوْماً أَتْعَبَتْكَ المَنَاظِرُ تفسير : وصف برد الطرف والطرف بالارتداد، والمعنى أنك ترسل طرفك نحو شيء فقبل أن ترده أحضر عرشها بين يديك، وهذا غاية في الإِسراع ومثل فيه. {فَلَمَّا رَءَاهُ} أي العرش {مُسْتَقِرّاً عِندَهُ} حاصلاً بين يديه. {قَالَ} تلقياً للنعمة بالشكر على شاكلة المخلصين من عباد الله تعالى {هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبّي} تفضل به عليَّ من غير استحقاق، والإِشارة إلى التمكن من إحضار العرش في مدة إرتداد الطرف من مسيرة شهرين بنفسه أو غيره، والكلام في إمكان مثله قد مر في آية «الإِسراء». {لِيَبْلُوَنِى ءَأَشْكُرُ} بأن أراه فضلاً من الله تعالى بلا حول مني ولا قوة وأقوم بحقه. {أَمْ أَكْفُرُ} بأن أجد نفسي في البين، أو أقصر في أداء مواجبه ومحلها النصب على البدل من الياء. {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} لأنه به يستجلب لها دوام النعمة ومزيدها ويحط عنها عبء الواجب ويحفظها عن وصمة الكفران. {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبّي غَنِيٌّ} عن شكره. {كَرِيمٌ } بالإنعام عليه ثانياً. {قَالَ نَكّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا } بتغيير هيئته وشكله. {نَنظُرْ } جواب الأمر، وقرىء بالرفع على الاستئناف. {أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ} إلى معرفته أو الجواب الصواب، وقيل إلى الإِيمان بالله ورسوله إذا رأت تقدم عرشها وقد خلفته مغلقة عليه الأبواب موكلة عليها الحراس. {فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ} تشبيهاً عليها زيادة في امتحان عقلها إذ ذكرت عنده بسخافة العقل. {قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ} ولم تقل هو لاحتمال أن يكون مثله وذلك من كمال عقلها. {وَأُوتِينَا ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ} من تتمة كلامها كأنها ظنت أنه أراد بذلك اختبار عقلها وإظهار معجزة لها فقالت: وأوتينا العلم بكمال قدرة الله وصحة نبوتك قبل هذه الحالة، أو المعجزة مما تقدم من الآيات. وقيل إنه من كلام سليمان عليه السلام وقومه وعطفوه على جوابها لما فيه من الدلالة على إيمانها بالله ورسوله حيث جوزت أن يكون ذلك عرشها تجويزاً غالباً، وإحضار ثمة من المعجزات التي لا يقدر عليها غير الله تعالى ولا تظهر إلا على يد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أي وأوتينا العلم بالله وقدرته وصحة ما جاء به عنده قبلها وكنا منقادين لحكمه ولم نزل على دينه، ويكون غرضهم فيه التحدث بما أنعم الله عليهم من التقدم في ذلك شكر الله تعالى. {وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي وصدها عبادتها الشمس عن التقدم إلى الإِسلام، أو وصدها الله عن عبادتها بالتوفيق للإِيمان. {إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَـٰفِرِينَ } وقرىء بالفتح على الإِبدال من فاعل صدها على الأول، أي صدها نشؤها بين أظهر الكفار أو التعليل له. {قِيلَ لَهَا ٱدْخُلِي ٱلصَّرْحَ } القصر وقيل عرصة الدار. {فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا} روي أنه أمر قبل قدومها ببناء قصر صحنه من الزجاج أبيض وأجرى من تحته الماء وألقى فيه حيوانات البحر ووضع سريره في صدره فجلس عليه، فلما أبصرته ظنته ماء راكداً فكشفت عن ساقيها. وقرأ ابن كثير برواية قنبل «سأقيها» بالهمز حملاً على جمعه سؤوق وأسؤق. {قَالَ إِنَّهُ} إن ما تظنينه ماء. {صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ } مملس. {مّن قَوارِيرَ } من الزجاج. {قَالَتْ رَبّ إِنّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} بعبادتي الشمس، وقيل بظني بسليمان فإنها حسبت أنه يغرقها في اللجة. {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَـٰنَ لِلَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} فيما أمر به عباده وقد، اختلف في أنه تزوجها أو زوجها من ذي تبع ملك همدان.

ابن كثير

تفسير : قال محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان قال: فلما رجعت إليها الرسل بما قال سليمان، قالت: قد والله عرفت ما هذا بملك، وما لنا به من طاقة، وما نصنع بمكابرته شيئاً، وبعثت إليه: إني قادمة عليك بملوك قومي؛ لأنظر ما أمرك، وما تدعونا إليه من دينك، ثم أمرت بسرير ملكها الذي كانت تجلس عليه، وكان من ذهب مفصص بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ، فجعل في سبعة أبيات، بعضها في بعض، ثم أقفلت عليه الأبواب، ثم قالت لمن خلفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد من عباد الله، و لايرينه أحد حتى آتيك، ثم شخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن، تحت يدي كل قيل منهم ألوف كثيرة، فجعل سليمان يبعث الجن يأتونه بمسيرها ومنتهاها كل يوم وليلة، حتى إذا دنت، جمع من عنده من الجن والإنس ممن تحت يده فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ}. وقال قتادة: لما بلغ سليمان أنها جائية، وكان قد ذكر له عرشها فأعجبه، وكان من ذهب، وقوائمه لؤلؤ وجوهر، وكان مستراً بالديباج والحرير، وكانت عليه تسعة مغاليق، فكره أن يأخذه بعد إسلامهم. وقد علم نبي الله أنهم متى أسلموا، تحرم أموالهم ودماؤهم، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} وهكذا قال عطاء الخراساني والسدي وزهير بن محمد: {قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ}، فتحرم علي أموالهم بإسلامهم {قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن ٱلْجِنِّ} قال مجاهد: أي: مارد من الجن، قال شعيب الجبائي: وكان اسمه كوزن، وكذا قال محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان، وكذا قال أيضاً وهب بن منبه. قال أبو صالح: وكان كأنه جبل: {أَنَاْ ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ} قال ابن عباس رضي الله عنه: يعني: قبل أن تقوم من مجلسك. وقال مجاهد: مقعدك، وقال السدي وغيره: كان يجلس للناس للقضاء والحكومات وللطعام، من أول النهار إلى أن تزول الشمس، {وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} قال ابن عباس: أي: قوي على حمله، أمين على ما فيه من الجوهر، فقال سليمان عليه الصلاة والسلام: أريد أعجل من ذلك، ومن ههنا يظهر أن سليمان أراد بإحضار هذا السرير إظهار عظمة ما وهب الله له من الملك، وما سخر له من الجنود الذي لم يعطه أحد قبله، ولا يكون لأحد من بعده، وليتخذ ذلك حجة على نبوته عند بلقيس وقومها؛ لأن هذا خارق عظيم أن يأتي بعرشها كما هو من بلادها قبل أن يقدموا عليه، هذا وقد حجبته بالأغلاق والأقفال والحفظة. فلما قال سليمان: أريد أعجل من ذلك، {قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ} قال ابن عباس: وهو آصف كاتب سليمان، وكذا روى محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان: أنه آصف بن برخياء. وكان صديقاً يعلم الاسم الأعظم. وقال قتادة: كان مؤمناً من الإنس، واسمه آصف، وكذا قال أبو صالح والضحاك وقتادة: إنه كان من الإنس، زاد قتادة: من بني إسرائيل. وقال مجاهد: كان اسمه أسطوم. وقال قتادة في رواية عنه: كان اسمه بليخا، وقال زهير بن محمد: هو رجل من الإنس، يقال له: ذو النور. وزعم عبد الله بن لهيعة أنه الخضر، وهو غريب جداً. وقوله: {أَنَاْ ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} أي: ارفع بصرك وانظر، مد بصرك مما تقدر عليه، فإنك لا يكل بصرك إلا وهو حاضر عندك، وقال وهب بن منبه: امدد بصرك، فلا يبلغ مداه حتى آتيك به، فذكروا أنه أمره أن ينظر نحو اليمن التي فيها هذا العرش المطلوب، ثم قام فتوضأ ودعا الله تعالى. قال مجاهد: قال: يا ذا الجلال والإكرام. وقال الزهري قال: يا إلهنا وإله كل شيء، إلهاً واحداً لا إله إلا أنت، ائتني بعرشها. قال: فمثل بين يديه، قال مجاهد وسعيد ابن جبير ومحمد بن إسحاق وزهير بن محمد وغيرهم: لما دعا الله تعالى، وسأله أن يأتيه بعرش بلقيس، وكان في اليمن، وسليمان عليه السلام ببيت المقدس، غاب السرير وغاص في الأرض، ثم نبع من بين يدي سليمان. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لم يشعر سليمان إلاَّ وعرشها يحمل بين يديه، قال: وكان هذا الذي جاء به من عباد البحر، فلما عاين سليمان وملؤه ذلك، ورآه مستقراً عنده، {قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي} أي: هذا من نعم الله عليّ {لِيَبْلُوَنِيۤ} أي: ليختبرني {ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} كقوله: {أية : مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا } تفسير : [فصلت: 46] وكقوله: {أية : وَمَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} تفسير : [الروم: 44]. وقوله: { وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} أي: هو غني عن العباد وعبادتهم، كريم، أي: كريم في نفسه، وإن لم يعبده أحد؛ فإن عظمته ليست مفتقرة إلى أحد، وهذا كما قال موسى: {أية : إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ} تفسير : [إبراهيم: 8] وفي "صحيح مسلم": «حديث : يقول الله تعالى: يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً. يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً، فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلاَّ نفسه».

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ يَٰأَيُّهَا ٱلْمَلؤُأْ أَيُّكُمْ } في الهمزتين ما تقدّم {يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ } منقادين طائعين؟ فلي أخذه قبل ذلك لا بعده.

الماوردي

تفسير : قوله {يَآ أَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأَتِيني بِعَرْشِهَا} الآية. حكى يزيد بن رومان أنه لما عاد رسلها بالهدايا قالت: قد والله عرفت أنه ليس بملك وما لنا به طاقة، ثم بعثت إليه: إني قادمة عليك بملوك قومي ثم أمرت بعرشها فجعلته في سبعة أبيات بعضها في جوف بعض وغلقت عليه الأبواب وشَخَصَت إلى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن، فقال سليمان حين علم قدومها عليه: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا} الآية: وفيه وجهان: أحدهما: مسلمين أي مستسلمين طائعين، قاله ابن عباس. الثاني: أن يأتوني مسلمين أي بحرمة الإٍسلام ودين الحق، قاله ابن جريج. فإن قيل: فلم أَمَرَ أنَ أن يؤتى بعرشها قبل أن يأتوا إليه مسلمين؟ قيل عنه في الجواب خمسة أوجه: أحدها: أنه أراد أن يختبر صدق الهدهد، قاله ابن عباس. الثاني: أنه أعجب بصفته حين وصفه الهدهد وخشي أن تسلم فيحرم عليه مالها فأراد أخذه قبل أن يحرم عليه بإسلامها، قاله قتادة. الثالث: أنه أحب أن يعاليها به وكانت الملوك يعالون بالملك والقدرة، قاله ابن زيد. الرابع: أنه أراد أن يختبر بذلك عقلها وفطنتها، وهل تعرفه أو تنكره، قاله ابن جبير. الخامس: أنه أراد أن يجعل ذلك دليلاً على صدق نبوته، لأنها خلفته في دارها وأوثقته في حرزها ثم جاءت إلى سليمان فوجدته قد تقدمها، قاله وهب. قوله: {قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ} العفريت المارد القوي، قال أبو صالح كأنه جبل وفيه وجهان: أحدهما: أنه المبالغ في كل شيء مأخوذ من قولهم فلان عفرية نفرية إذا كان مبالغاً في الأمور، قاله الأخفش. الثاني: أصله العفر وهو الشديد، زيدت فيه التاء فقيل عفريت، قاله ابن قتيبة. {أَنَاْ ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: من مجلسك وسمي المجلس مقاماً لإقامة صاحبه فيه كما قال تعالى: {أية : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ} تفسير : [الدخان: 51]. الثاني: أنه أراد يوماً معروفاً كان عادة سليمان أن يقوم فيه خطيباً يعظهم، ويأمرهم، وينهاهم، وكان مجيء اليوم تقريباً. الثالث: أنه أراد قبل أن تسير عن ملكك إليهم محارباً. {وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} لقوي على حمله، وفي الأمين ثلاثة أقاويل: أحدها: أمين على ما فيه من جوهر ولؤلؤ، قاله الكلبي وابن جرير. الثاني: أمين ألا آتيك بغيره بدلاً منه، قاله ابن زيد. الثالث: أمين على فرج المرأة، قاله ابن عباس، وحكى يزيد بن رومان ان اسم العفريت كودي، وحكى ابن أبي طلحة أن اسمه صخر، وحكى السدي أنه آصف بن السيطر بن إبليس، والله أعلم بصحة ذلك. قوله: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه ملك أيد الله به سليمان، والعلم الذي من الكتاب هو ما كتب الله لبني آدم، وقد علم الملائكة منه كثيراً فأذن الله له أن يعلم سليمان بذلك، وأن يأتيه بالعرش الذي طلبه، حكاه ابن بحر. القول الثاني: أنه بعض جنود سليمان من الجن والإِنس، والعلم الذي عنده من الكتاب هو كتاب سليمان الذي كتبه إلى بلقيس وعلم أن الريح مسخرة لسليمان وأن الملائكة تعينه فتوثق بذلك قبل أن يأتيه بالعرش قبل أن يرتد إليه طرفه. والقول الثالث: أنه سليمان قال ذلك للعفريت. والقول الرابع: أنه قول غيره من الإنس، وفيه خمسة أقاويل: أحدها: أنه مليخا، قاله قتادة. الثاني: أنه أسطوم، قاله مجاهد. الثالث: أنه آصف بن برخيا وكان صدّيقاً، قاله ابن رومان. الرابع: أنه ذو النور بمصر، قاله زهير. الخامس: أنه الخضر، قاله ابن لهيعة. و {عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ} هو اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب. {أَنَاْ ءَاتِيكَ بِهِ} يعني بالعرش. {قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} فيه ستة أوجه: أحدها: قبل أن يأتيك أقصى من تنظر إليه، قاله ابن جبير. الثاني: قبل أن يعود طرفك إلى مد بصرك، قاله ابن عباس، ومجاهد. الثالث: قبل أن يعود طرفك إلى مجلسك، قاله إدريس. الرابع: قبل الوقت الذي تنظر وروده فيه من قولهم: أنا ممد الطرف إليك أي منتظر لك، قاله ابن بحر. الخامس: قبل أن يرجع طرف رجائك خائباً لأن الرجاء يمد الطرف والإياس يقصر الطرف. السادس: قبل أن ينقص طرفك بالموت، أخبره أنه سيأتيه قبل موته. {فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِراً عِندَهُ} قبل أن يرتد طرفه لأن الذي عنده علم عن الكتاب دعا باسم الله الأعظم وعاد طرف سليمان إليه فإذا العرش بين يديه. قال عبد الرحمن بن زيد: لم يعلم سليمان ذلك الاسم وقد أُعطي ما أُعطي. قال السدي: فجزع سليمان وقال: غيري أقدر على ما عند الله مني، ثم استرجع. {قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلُ رَبِّي} يعني وصول العرش إليّ قبل أن يرتد إليَّ طرفي. {لِيَبْلُوَنِّي ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} قال زهير: أأشكر على العرش إذ أوتيته في سرعة أم أكفر فلا أشكر إذ رأيت من هو أعلم مني في الدنيا. قال زهير: ثم عزم الله له على الشكر فقال: {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرْ لِنَفْسِهِ} لأن الشكر تأدية حق واستدعاء مزيد. {وَمَن كَفَرَ فِإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ} عن الشكر {كَرِيمٌ} في التفضل، وهذه معجزة لسليمان أجراها الله على يد من اختصه من أوليائه. وكان العرش باليمن وسليمان بالشام فقيل: ان الله حرك به الأرض حتى صار بين يديه.

ابن عطية

تفسير : القائل سليمان عليه السلام و {الملأ} المنادى جمعه من الإنس والجن، واختلف المتأولون في غرضه في استدعاء "عرشها" فقال قتادة ذكر له بعظم وجودة فأراد أخذه قبل أن يعصمها وقومها الإسلام ويحمي أموالهم، و"الإسلام" على هذا التأويل الدين، وهو قول ابن جريج، وقال ابن زيد استدعاه ليريها القدرة التي هي من عند الله وليغرب عليها، و {مسلمين} في هذا التأويل بمعنى مستسلمين وهو قول ابن عباس وذكره صلة في العبارة لا تأثير لاستسلامهم في غرض سليمان، ويحتمل أن يكون بمعنى الإسلام، وظاهر هذه الآيات أن هذه المقالة من سليمان عليه السلام بعد مجيء هديتها ورده إياها، وقد بعث الهدهد بالكتاب وعلى هذا جمهور المفسرين، وحكى الطبري عن ابن عباس أنه قال هذه المقالة هي ابتداء النظر في صدق الهدهد من كذبه لما قال له {أية : ولها عرش عظيم} تفسير : [النمل: 23] قال سليمان {أيكم يأتيني بعرشها} ثم وقع في ترتيب القصص تقديم وتأخير. قال القاضي أبو محمد: والقول الأول أصح وروي أن عرشها كان من ذهب وفضة مرصعاً بالياقوت والجوهر وأنه كان في جوف سبعة أبيات عليه سبعة أغلاق، وقرأ الجمهور "قال عفريت" وقرأ أبو رجاء وعيسى الثقفي "قال عفرية"، ورويت عن أبي بكر الصديق، وقرأت فرقة "قال عِفر" بكسر العين، وكل ذلك لغات فيه وهو من الشياطين القوي المارد والتاء في {عفريت} زائدة، وقد قالوا تعفرت الرجل إذا تخلق بخلق الإذاية، قال وهب بن منبه اسم هذا العفريت كودا، وروي عن ابن عباس أنه صخر الجني ومن هذا الاسم قول ذي الرمة: [البسيط] شعر : كأنه كوكب في إثر عفرية مصوب في سواد الليل منقضب تفسير : وقوله {قبل أن تقوم من مقامك} قال مجاهد وقتادة وابن منبه معناه قبل قيامك من مجلس الحكم، وكان يجلس من الصبح إلى وقت الظهر في كل يوم، وقيل معناه قبل أن تستوي من جلوسك قائماً، و {قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك}، قال ابن جبير وقتادة قبل أن يصل إليك من يقع طرفك عليه في أبعد ما ترى، وقال مجاهد معناه قبل أن يحتاج إلى التغميض أي مدة ما يمكنك أن تمد بصرك دون تغميض وذلك ارتداد. قال القاضي أبو محمد: وهذان القولان يقابلان قول من قال إن القيام هو من مجلس الحكم، ومن قال إن القيام هو من الجلوس، فيقول في ارتداد الطرف هو أن يطرف أي قبل أن تصلح عينيك وتفتحهما، وذلك أن الثاني تعاطى الأقصر في المدة ولا بد. وقوله {لَقوي أمين} معناه "قوي" على حمله {أمين} على ما فيه، ويروى أن بلقيس لما فصلت من بلدها متوجهة إلى سليمان تركت العرش تحت أقفال وثقاف حصين فلما علم سليمان بانفصالها أراد أن يغرب عليها بأن تجد عرشها عنده ليبين لها أن ملكه لا يضاهى، فاستدعى سوقه فدعا الذي عنده علم من التوراة وهو {الكتاب} المشار إليه باسم الله الأعظم الذي كانت العادة في ذلك الزمن أن لا يدعو به أحد إلا أجيب، فشقت الأرض بذلك العرش حتى نبع بين يدي سليمان عليه السلام وقيل بل جيء به في الهواء. قال مجاهد وكان بين سليمان وبين العرش كما بين الكوفة والحيرة، وحكى الرماني أن العرش حمل من مأرب إلى الشام في قدر رجع البصر. قال القاضي أبو محمد: وهي مسيرة شهرين للمجدّ، وقول مجاهد: أشهر، وروي أن الجن كانت تخبر سليمان بمناقل سيرها فلما قربت قال {أيكم يأتيني بعرشها}، واختلف المفسرون في {الذي عنده علم من الكتاب} من هو، فجمهور الناس على أنه رجل صالح من بني إسرائيل اسمه "آصف بن برخيا" روي أنه صلى ركعتين ثم قال يا نبي الله أمدد بصرك فمد بصره نحو اليمن فإذا بالعرش فما رد سليمان بصره إلا وهو عنده، وقال قتادة اسمه بليخا، وقال إبراهيم النخعي هو "جبريل عليه السلام"، وقال ابن لهيعة هو الخضر وحكى النقاش عن جماعة أنهم سمعوا أنه ضبة بن آد جد بني ضبة من العرب، قالوا وكان رجلاً فاضلاً يخدم سليمان على قطعة من خيله. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف، وقالت فرقة بل هو سليمان عليه السلام والمخاطبة في هذا التأويل للعفريت لما قال هو {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك}، كأن سليمان عليه السلام استبطأ ذلك فقال له على جهة تحقيره {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} واستدل قائل هذا القول بقول سليمان. {هذا من فضل ربي}، واستدل أيضاً بهذا القول مناقضه إذ في كلا الأمرين على سليمان فضل من الله تعالى، وعلى القول الأول المخاطبة لسليمان، ولفظ، {آتيك}، يحتمل أن يكون فعلاً مستقبلاً، ويحتمل أن يكون اسم فاعل، وفي الكلام حذف تقديره فدعا باسم الله فجاء العرش بقدرة الله فلما رآه سليمان مستقراً عنده جعل يشكر نعمة ربه بعبارة فيها تعليم للناس وهي عرضة للاقتداء بها والاقتباس منها، وقال ابن عباس المعنى {ءاشكر} على السرير وسوقه {أم أكفر} إذ رأيت من هو دوني في الدنيا أعلم مني وظهر العامل في الظرف من قوله {مستقراً} وهذا المقدر أبداً في كل ظرف جاء هنا مظهراً وليس في كتاب الله تعالى مثله. وباقي الآية بين.

ابن عبد السلام

تفسير : {قَالَ يَآ أيُّهَا الْمَلَؤُاْ أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا} أراد أن يعلم بذلك صدق الهدهد "ع" أو أعجبه لما وصفه الهدهد فأراد أخذه قبل أن يَحْرُمَ عليه بإسلامها، أو أراد أن يعايها، وكانت الملوك يتعايون بالملك والقدرة، قاله ابن زيد، أو أراد اختبار فطنها هل تعرفه أو تنكره، أو أراد أن يعرفها بذلك صحة نبوته قاله وهب بن منبه. {مُسْلِمِينَ} طائعين أو على دين الحق.

النسفي

تفسير : {قَالَ يَـا أَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ } أراد أن يريها بذلك بعض ما خصه الله تعالى به من إجراء العجائب على يده مع إطلاعها على عظم قدرة الله تعالى وعلى ما يشهد لنبوة سليمان، أو أراد أن يأخذه قبل أن تسلم لعلمه أنها إذا أسلمت لم يحل له أخذ مالها وهذا بعيد عند أهل التحقيق، أو أراد أن يؤتى به فينكر ويغير ثم ينظر أتثبته أم تنكره اختباراً لعقلها {قَالَ عِفْرِيتٌ مّن ٱلْجِنّ } وهو الخبيث المارد واسمه ذكوان {أَنَاْ ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ} مجلس حكمك وقضائك {وَإِنّى عَلَيْهِ } على حمله {لَقَوِىٌّ أَمِينٌ } آتي به كما هو لا آخذ منه شيئاً ولا أبدله. فقال سليمان عليه السلام: أريد أعجل من هذا. {قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } أي ملك بيده كتاب المقادير أرسله الله تعالى عند قول العفريت، أو جبريل عليه السلام، والكتاب على هذا اللوح المحفوظ، أو الخضر أو آصف بن برخيا كاتب سليمان وهو الأصح وعليه الجمهور، وكان عنده اسم الله الأعظم الذي إذا دعى به أجاب وهو: يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام أو يا إلٰهنا وإله كل شيء إلهاً «واحداً» لا إله إلا أنت. وقيل: كان له علم بمجاري الغيوب إلهاماً {أنا ءَاتيك به} بالعرش و {آتيك} في الموضعين يجوز أن يكون فعلاً أو اسم فاعل. ومعنى قوله {قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } أنك ترسل طرفك إلى شيء فقبل أن ترده أبصرت العرش بين يديك. ويروى أن آصف قال لسليمان عليه السلام: مد عينيك حتى ينتهي طرفك فمد عينيه فنظر نحو اليمن فدعا آصف فغار العرش في مكانه ثم نبع عند مجلس سليمان بقدرة الله تعالى قبل أن يرتد طرفه {فَلَمَّا رَءاهُ } أي العرش {مُسْتَقِرّاً عِندَهُ } ثابتاً لديه غير مضطرب {قَالَ هَـٰذَا } أي حصول مرادي وهو حضور العرش في مدة ارتداد الطرف {مِن فَضْلِ رَبّى } عليّ وإحسانه إلي بلا استحقاق مني بل هو فضل خال من العوض صافٍ عن الغرض {ليبلونىِ ءَأشكر} ليمتحنني أأشكر إنعامه {أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ } لأنه يحط به عنها عبء الواجب ويصونها عن سمة الكفران ويستجلب به المزيد وترتبط به النعمة، فالشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة. وفي كلام بعضهم: إن كفران النعمة بوار وقلما أقشعت نافرة فرجعت في نصابها، فاستدع شاردها بالشكر، واستدم راهنها بكرم الجوار. واعلم أن سبوغ ستر الله تعالى متقلص عما قريب إذا أنت لم ترج لله وقاراً أي لم تشكر لله نعمة {وَمَن كَفَرَ } بترك الشكر على النعمة {فَإِنَّ رَبّى غَنِىٌّ } عن الشكر {كَرِيمٌ } بالإنعام على من يكفر نعمته، قال الواسطي: ما كان منا من الشكر فهو لنا، وما كان منه من النعمة فهو إلينا وله المنة والفضل علينا.

ابن عادل

تفسير : قال ابن عباس: طائعين، واختلفوا في السبب الذي لأجله أمر سليمان بإحضار عرشها، فقال أكثرهم: لأن سليمان علم أنها إن أسلمت يحرم عليها مالها، فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها، وقيل: ليريها قدرة الله تعالى وعظيم سلطانه في معجزة يأتي بها في عرشها. وقال قتادة: لأنه أعجبه صفته لما وصفه الهدهد، فأحب أن يراه. وقال ابن زيد: أراد أن يأمر بتنكيرها وتغييرها، فيختبر بذلك عقلها، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {أية : نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِيۤ}تفسير : [النمل: 41]. قوله: "قَالَ عِفْرِيتٌ" العامة على كسر العين وسكون الفاء بعدها تاء مجبورة. وقرأ أبو حيوة: بفتح العين، وأبو رجاء وأبو السمال - ورويت عن أبي بكر الصديق - "عفرية" مفتوحة بعدها تاء التأنيث المنقلبة هاء وقفاً، وأنشدوا على ذلك قول ذي الرمة: شعر : 3962 - كَأَنَّهُ كَوْكَبٌ فِي إِثْرِ عِفْرِيَةٍ مَصَوَّبٌ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ مُنْقَضِبُ تفسير : وقرأت طائفة "عِفْر" بحذف الياء والتاء، فهذه أربع قراءات قد قرىء بهن، وفيه لغتان أخريان، وهما: عُفَارِيَّةٌ، وطيّىء وتميم يقولون: عِفْرَى بألف التأنيث كذكرى، واشتقاقه من العفر، وهو التراب، يقال: عافره فعفره أي: صارعه فصرعه وألقاء في العفر وهو التراب. وقيل: من العفر، وهو القوة. والعفريت من الجن المارد الخبيث، ويقال: عفريت نفريت، وهو إتباع كشيطان ليطان، وحسن بسن. ويستعار للعارم من الإنس، ولاشتهار هذه الاستعارة وصف في الآية بكونه من الجن، تمييزاً له. قال ابن قتيبة: العفرية الموثق الخلق. وعفرية الديك والحبارى للشعر الذي على رأسهما. وعَفَرْنَى للقويّ، ورجل عِفِرٌّ - بتشديد الراء - للمبالغة، مثل: شرّ شِمرٌّ. قيل: إِنَّ الشيطان أقوى من الجن، وإن المردة أقوى من الشياطين، وإن العفريت أقوى منهما. قال بعض المفسرين: العفريت من الرجال الخبيث المنكر، وقال ابن عباس: العفريت، الداهية، وقال الربيع: الغليظ، وقال الفراء: القوي الشديد. قوله: {أَنَاْ آتِيكَ بِهِ} يجوز أن يكون فعلاً مضارعاً، فوزنه أفعل، نحو: أضرب، والأصل: أأتيك - بهمزتين - فأبدلت الثانية ألفاً، وأن يكون اسم فاعل، ووزنه فاعل، والألف زائدة، والهمزة أصلية عكس الأول. وأمال حمزة "آتيك" في الموضعين في هذه السورة بخلاف عن خلاد. فصل قوله: {قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ} أي: مجلسك الذي تقضي فيه، قال ابن عباس: كان له في كل غداة مجلس يقضي فيه إلى انتصاف النهار، "وإِنِّي عليهِ" على حمله، "لَقويٌّ أَمين" به على ما فيه من الجواهر، فقال سليمان: أريد أسرع من هذا، فـ {قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ}، فقيل: هو جبريل - عليه السلام - وقيل: ملك من الملائكة أيَّد الله به نبيه سلمان - عليه السلام - وقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخياء، وكان وزير سليمان، وكان صدّيقاً يعلم اسم الله الأعظم، إذا دعا به أجيب، وقيل: بل هو سليمان نفسه، والمخاطب هو العفريت الذي كلمه، وأراد سليمان - عليه السلام - إظهار معجزة، فتحداهم أولاً، ثم بين للعفريت أنه يتأتى له من سرعة الإتيان بالعرش ما لا يتهيأ للعفريت. (قال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان قال له عالم من بني إسرائيل آتاه الله علماً وفهماً: {أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ}، قال سليمان: هاتِ، قال: أنت النبي ابن النبي، وليس أحد أوجه عند الله منك، فإن دعوت الله وطلبت إليه كان عندك، قال: صدقت، ففعل ذلك، فجيء بالعرش في الوقت. وضعف السهيلي ذلك بأنه لا يصح من سياق الكلام)، قال ابن الخطيب: وهذا القول أقرب لوجوه: الأول: أن لفظة "الذي" موضوعة في اللغة للإشارة إلى شخص معين عند محاولة تعريفها بقضية معلومة، والشخص المعروف بأنه عنده علم من الكتاب هو سليمان - عليه السلام - فوجب انصرافه إليه أقصى ما في الباب أن يقال: كان آصف كذلك أيضاً، لكنا نقول: إن سليمان كان أعرف بالكتاب منه، لأنه هو النبي، فكان صرف اللفظ إلى سليمان أولى. الثاني: أن إحضار العرش في تلك الساعة اللطيفة درجة عالية، فلو حصلت لآصف دون سليمان، لاقتضى ذلك قصور حال سليمان في أعين الخلق. الثالث: أن سليمان قال {هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِيۤ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} فظاهره يقتضي أن يكون ذلك المعجز قد أظهره الله تعالى بدعاء سليمان. فصل واختلفوا في الكتاب، فقيل: هو اللوح المحفوظ، والذي عنده علم الكتاب جبريل - عليه السلام - وقيل: كتاب سليمان، أو كتاب بعض الأنبياء، وفي الجملة فإنّ ذلك مدح، وإن لهذا الوصف تأثيراً في نقل ذلك العرش، ولذلك قيل: إنَّه اسم الله الأعظم، وإن عنده وقعت الإجابة من الله تعالى في أسرع الأوقات. قوله: {قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} فيه وجهان: أحدهما: أنه الجفن عُبِّر به عن سرعة الأمر كما تقول لصاحبك: افعل ذلك في لحظة، وهذا قول مجاهد، وقال الزمخشري: وهو تحريكك أجفانك إذا نظرت، فوضع موضع النظر. الثاني: أنه بمعنى المطروف، أي: الشيء الذي تَنْظُره، والأول هو الظاهر، لأن الطرف قد وصف بالإرسال في قوله: شعر : 3963 - وَكُنْتَ إَذَا أَرْسَلْتَ طَرْفَكَ رَائِداً لِقَلْبكَ يوماً أَتْعَبَتْكَ المَناظِرُ رَأيتَ الَّذِي لا كلّه أَنْتَ قَادِر عَليْه ولاَ عن بعضهِ أَنْتَ صَابِرُ تفسير : قال سعيد بن جبير "من قبل أن يرتد" أي: من قبل أن يرجع إليك أقصى (من ترى، وهو أن يصل إليك من كان منك على مدّ بصرك. وقال مجاهد: يعني إدامة النظر) حتى يرتد الطرف خاسئاً. وقال وهب: تمد عينيك فلا ينتهي طرفك إلى مداه، حتى أمثله بين يديك. فإن قيل: هذا يقتضي (إما القول بالطفرة) أو حصول الجسم الواحد دفعة واحدة في مكانين. والجواب: أن المهندسين قالوا: كرة الشمس مثل كرة الأرض مائة وأربعة وستين مرة ثم إن زمان طلوعها زمان قصير، فإن زمان طلوع تمام القرص على زمان البعد الذي بين الشام واليمن كانت تلك اللمحة كثيرة فلما ثبت عقلاً إمكان وجود هذه الحركة السريعة وثبت أنه تعالى قادر على كل الممكنات زال السؤال. قوله: "فَلَما رآهُ" يعني سليمان، العرش "مستقراً" عنده محمولاً إليه من مأرب إلى الشام في قدر ارتداد الطرف، فـ "مُسْتَقِراً" حال، لأن الرؤية بصرية، و "عنده" معمول له، لا يقال إذا وقع الظرف حالاً وجب حذف متعلقه، فكيف ذكر هنا؟ لأن الاستقرار هنا ليس هو ذلك الحصول المطلق، بل المراد به هنا الثابت الذي لا يتقلقل، قاله أبو البقاء. وقد جعله ابن عطية هو العامل في الظرف الذي كان يجب حذفه، فقال: وظهر العامل في الظرف من قوله "مُسْتَقِراً"، وهذا هو المقدر أبداً مع كل ظرف جاء هنا مظهراً، وليس في كتاب الله مثله، وما قاله أبو البقاء أحسن على أنه قد ظهر العامل المطلق في قوله: شعر : 3964 - فَأَنْتَ لَدَى بُحْبوحَةِ الهُونِ كَائِن تفسير : وقد تقدم ذلك محققاً في أول الفاتحة. قوله "أأشكر" معلق "ليبلوني"، وأم متصلة، وكذلك قوله: {أية : نَنظُرْ أَتَهْتَدِيۤ أَمْ تَكُونُ}تفسير : [النمل: 41]. قوله: {ومَنْ شَكَر... ومن كفر} يحتمل أن تكون "من" شرطية، أو موصولة مضمّنة معنى الشرط، فلذلك دخلت الفاء في الخبر، والظاهر أن جواب الشرط: الثاني: أو خبر الموصول قوله: {فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} ولا بد حينئذ من ضمير يعود على "من" تقديره غني عن شكره، وقيل الجواب محذوف تقديره: فإنما كفر عليه، لدلالة مقابله، وهو قوله {فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} عليه. فصل تقدم معنى الابتلاء، وقوله: أشكر نعمته أم أكفرها فلا أشكرها، ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، أي: يعود نفع شكره إليه وهو أن يستوجب به تمام النعمة ودوامها، لأن الشكر قيد النعمة الموجودة وصيد النعمة المفقودة، ومن كفر فإن ربي غني عن شكره كريم بالإفضال على من يكفر نعمه.

ابو السعود

تفسير : {قَالَ يَـاأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا} قالَه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لما دَنا مجيءُ بلقيسَ إليه عليه الصَّلاة والسَّلام. يُروى أنَّه لمَّا رجعتْ رسلُها إليها بما حُكي من خبرِ سُليمانَ عليه السَّلام، قالتْ قد علمتُ والله ما هذا بملكٍ ولا لنا به من طاقةٌ، وبعثتْ إلى سُليمانَ عليه السَّلام إنِّي قادمةٌ إليكَ بملوكِ قَوْمي حتى أنظرَ ما أمرُك وما تدعُو إليهِ من دينِك ثمَّ آذنتْ بالرَّحيلِ إلى سُليمانَ عليه السَّلامُ فشخصتْ إليه في اثني عشرَ ألفاً قيل: تحتَ كلِّ قَيْلٍ ألوفٌ ويُروى أنَّها أمرتْ فجُعِلَ عرشُها في آخرِ سبعةِ أبـياتٍ بعضُها في بعضٍ في آخرِ قصرٍ من قصورٍ سبعةٍ لها وغلَّقتِ الأبوابَ ووكَّلتْ به حَرَساً يحفظونَهُ ولعَلَّه أُوحيَ إلى سُليمانَ عليه السَّلامُ باستيثاقِها من عرشِها فأرادَ أنْ يُريها بعضَ ما خصَّه الله عزَّ سلطانُه به من إجراءِ التعاجيبِ على يدهِ مع إطلاعِها على عظيمِ قدرتِه تعالى وصحَّةِ نبُّوتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ويختبرَ عقلَها بأنْ يُنكِّرَ عرشَها فينظرَ أتعرفُه أم لا. وتقيـيدُ الإتيانِ به بقولِه تعالى: {قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ} لمَا أنَّ ذلكَ أبدعُ وأغربُ وأبعدُ من الوقوعِ عادةً وأدلُّ على عظمِ قُدرةِ الله تعالى وصحَّةِ نبُّوتِه عليه الصَّلاة والسَّلام وليكونَ اختبارُها وإطلاعُها على بدائعِ المعجزاتِ في أولِ مجيئِها. وقيلَ: لأنَّها إذَا أتتْ مُسلمةً لم يحلَّ له أخذُ مالِها بغيرِ رِضَاها. {قَالَ عِفْرِيتٌ} أي ماردٌ خبـيثٌ {مّن ٱلْجِنّ} بـيانٌ له إذْ يقالُ للرجلِ الخبـيثِ المنكرِ المعفرِ لأقرانِه وكان اسمُه ذكوانَ أو صخراً {أَنَا ءَاتِيكَ بِهِ} أي بعرشِها {قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ} أي من مجلِسك للحكومةِ وكان يجلسُ إلى نصفِ النَّهار. وآتيكَ إمَّا صيغةُ المضارعِ أو الفاعلِ وهو الأنسبُ لمقامِ ادِّعاءِ الإتيانِ به لا محالةَ وأوفقُ لما عُطفَ عليه من الجملةِ الاسميةِ أي أنا آتٍ به في تلك المُدَّةِ ألبتةَ {وَإِنّى عَلَيْهِ} أي على الإتيانِ به {لَقَوِىٌّ} لا يثقلُ عليَّ حملُه {أَمِينٌ} لا أختزلُ منه شيئاً ولا أُبدِّلُه. {قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ} فُصلَ عمَّا قبلَه للإيذانِ بما بـينَ القائلينِ، ومقاليهما وكيفيّتي قدرتِهما على الإتيانِ من كمال التباينِ، أو لإسقاطِ الأولِ عن درجةِ الاعتبارِ. قيلَ هو آصِفُ بنُ بَرَخياً وزيرُ سليمانَ عليه السَّلام، وقيل رجلٌ كان عنده اسمُ الله الأعظمُ الذي إذا سُئل به أجابَ وقيل الخَضِرُ أو جبريلُ أو مَلَكٌ أيَّده الله عزَّ وجلَّ به عليهم السَّلام، وقيل هو سُليمانُ نفسُه عليه السَّلام وفيه بُعدٌ لا يَخْفى والمرادُ بالكتابِ الجنسُ المنتظمُ لجميعِ الكتبِ المنزلِة أو اللوحُ، وتنكيرُ عِلْمٌ للتفخيمِ والرمزِ إلى أنَّه علمٌ غيرُ معهودٍ ومِن ابتدائيةٌ {أَنَاْ ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} الطَّرفُ تحريكُ الأجفانِ وفتحُها للنَّظرِ إلى شيءٍ وارتدادُه انضمامُهما ولكونِه أمراً طبـيعياً غيرَ منوطٍ بالقصدِ أُوثر الارتدادُ على الردِّ ولمَّا لم يكُنْ بـينَ هذا الوعدِ وإنجازه مدةٌ كما في وعدِ العفريتِ استغنى عن التأكيدِ وطُوي عند الحكاية ذكرُ الإتيانِ به للإيذانِ بأنَّه أمرٌ متحققٌ غنيٌّ عن الإخبارِ به وجيءَ بالفاءِ الفصيحةِ لا داخلة على جملةٍ معطوفةِ على جملةٍ مقدرةٍ دالةٍ على تحققِه فقط كما في قولِه عزَّ وجلَّ: { أية : أَنِ ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ} تفسير : [سورة الشعراء: الآية 63] ونظائِره بل داخلة على الشرطيةِ حيثُ قيل: {فَلَمَّا رَءاهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ} أيْ رأى العرشَ حاضراً لديهِ كما في قولِه عزَّ وجلَّ: { أية : فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} تفسير : [سورة يوسف: الآية 31] للدلالةِ على كمالِ ظهورِ ما ذُكر مِن تحققةِ واستغنائِه عن الإخبارِ به ببـيان ظهورِ ما يترتبُ عليه من رؤيةِ سُليمان عليه السَّلامُ إيَّاهُ واستغنائِه أيضاً عن التصريح به إذِ التَّقديرُ فأتاه به فَرآهُ فلمَّا رآه الخ فحذفَ ما حُذف لما ذُكر وللإيذانِ بكمالِ سرعةِ الإتيانِ به كأنَّه لم يقعْ بـينَ الوعدِ به وبـين رؤيتِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيَّاه شيءٌ ما أصلاً، وفي تقيـيدِ رؤيتِه باستقرارِه عندَهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تأكيدٌ لهذا المَعْنى لإيهامهِ أنَّه لم يتوسط بـينَهما ابتداء الإتيانِ أيضاً كأنَّه لم يزلْ موجُوداً عندَهُ معَ ما فيِه من الدِّلالةِ على دوامِ قرارِه عنده مُنتظماً في سلكِ مُلكه {قَالَ} أيْ سليمانُ عليه السَّلامُ تلقياً للنعمةِ بالشُّكرِ جرياً على سَنَن أبناءِ جنسِه من أنبـياِ الله تعالى عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ وخلَّصِ عبادِه {هَـٰذَا} أي حضورُ العرشِ بـين يديِه في هذهِ المُدَّة القصيرةِ أو التمكنُ من إحضارِه بالواسطةِ أو بالذاتِ كما قيلَ: {مِن فَضْلِ رَبّي} أي تفضله عليَّ من غيرِ استحقاقٍ له من قِبلَي: {لِيَبْلُوَنِى ءَأَشْكُرُ} بأنْ أراهُ محضَ فضلِه تعالى من غيرِ حولٍ من جهتي ولا قوةٍ وأقومَ بحقِّه {أَمْ أَكْفُرُ} بأنْ أجدَ لنفسي مدخلاً في البـينِ أو أقصِّر في إقامةِ مواجبِه كما هو شأنُ سائرِ النعمِ الفائضةِ على العبادِ {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} لأنَّه يرتبطُ به عتيدُها ويُستجلبُ به مزيدُها ويحطُّ بهِ عن ذمَّته عبءَ الواجبِ ويتخلصُ عن وصمةِ الكُفرانِ {وَمَن كَفَرَ} أيْ لم يشكُرْ {فَإِنَّ رَبّى غَنِىٌّ} عن شُكرهِ {كَرِيمٌ} بتركِ تعجيلِ العقوبةِ والإنعامِ مع عدمِ الشكرِ أيضاً.

القشيري

تفسير : بسط اللَّهُ - سبحانه - مُلْكَ سليمان، وكان في مُلْكِه الجِنُّ والإِنسُ والشياطين؛ الجن على جهة التسخير، والإنس على حكم الطوع، والشياطين وكانوا على أقسام. ولمَّا قال: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا} قال عفريت من الجن - وكان أقواهم - {أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ}، فلم يرغب سليمانُ في قوله لأنه بَنَى القولَ فيه على دعوى قُوَّتِه.

ابن عجيبة

تفسير : ولما أرادت بلقيس الخروج إلى سليمان، جعلت عرشها آخر سبعة أبيات، وغلّقت الأبواب، وجعلت عليه حُراساً يحفظونه، وبعثت إلى سليمان: إني قادمة إليك؛ لأنظر ما الذي تدعو إليه، وشَخَصَتْ إليه في اثني عشر ألف قَيْل، تحت كل قيل ألوفٌ، فلما بلغت على رأس فرسخ من سليمان، {قال يا أيها الملأُ أيُّكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين}، أراد أن يريها بذلك بعض ما خصه الله تعالى به، من إجراء العجائب على يده، مع إطلاعها على عظيم قدرة الله تعالى، وعلى ما يشهد لنبوة سليمان. أو: أراد أن يأخذه قبل أن تتحصن بالإسلام، فلا يحل له، والأول أليق بمنصب النبوة، أو: أراد أن يختبرها في عقلها، بتغييره، هل تعرفه أو تُنكره. {فال عِفْريتٌ من الجن}، وهو المارد الخبيث، واسمه "ذكوان"، أو: "صَخْر": {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} أي: من مجلسك إلى الحكومة، وكان يجلس إلى تُسع النهار، وقيل: إلى نصفه. {وإني عليه}؛ على حمله {لقويُّ أمين}، آتي به على ما هو عليه، لا أغير منه شيئاً ولا أُبدله، فقال سليمان عليه السلام، أريد أعجل من هذا، {قال الذي عنده علم من الكتاب}. قيل هو: آصف بن برخيا – وزير سليمان عليه السلام، كان عنده اسمُ الله الأعظم، الذي إذا سئل به أجاب. قيل هو: يا حيّ يا قيوم، أو: يا ذا الجلال والإكرام، أو: يا إلهنا وإله كل شيء، إلهاً واحداً، لا إله إلا أنت. وليس الشأن معرفة الاسم، إنما الشأن أن يكون عين الاسم، أي: عين مسمى الاسم، حتى يكون أمره بأمر الله. وقيل: هو الخضر، أو: جبريل، أو: ملك بيده كتاب المقادير، أرسل تعالى عند قول العفريت. والأول أشهر. قال: {أنا آتيك به قبل أن يرتدَّ إليك طَرْفُك} أي: ترسل طرفك إلى شيء، فقبل أن ترده تُبصر العرش بين يديك. رُوي: أن آصف قال لسليمان: مُدّ عينيك حتى ينتهي طرفك، فمدّ عينيه، فنظر نحو اليمن، فدعا آصف، فغار العرش في مكانه، ثم نبع عند مجلس سليمان، بقدرة الله تعالى، قبل أن يرجع إليه طرفه. {فما رآه} أي: العرش {مستقراً عنده}؛ ثابتاً لديه غير مضطرب، {قال هذا} أي: حصول مرادي، وهو حضور العرش في مدة قليلة، {من فضل ربي} عليّ، وإحسانه إليّ، بلا استحقاق مني، بل هو فضل خالٍ من العوض، {ليبلُوني}: ليختبرني {أأشكرُ} نعمَه {أم أكفرُ ومن شكَر فإنما يشكر لنفسه}؛ لأنه يقيد به محصولها، ويستجلب به مفقودها، ويحط عن ذمته عناء الواجب، ويتخلص من وصمة الكفران. {ومن كَفَرَ فإِن ربي غنيٌّ كريم} أي: ومن كفر بترك الشكر، فإن ربي غني عن شكره، كريم بترك تعجيل العقوبة إليه. وفي الخبر: "حديث : من شكر النعم فقد قيّدها بعقالها، ومن لم يشكر فقد تعرض لزوالها ". تفسير : وقال الواسطي: ما كان مِنَّا من الشكر فهو لنا، وما كان منه من النعمة فهو إلينا، وله المنة والفضل علينا. هـ. {قال} سليمانُ عليه السلام لأصحابه: {نكِّروا لها عرشها} أي: غيّروا هيئته بوجه من الوجوه، {ننظر أتَهْتَدِي} لمعرفته، أو: للجواب الصواب إذا سُئلت عنه، {أم تكون من الذين لا يهتدون} إلى معرفة عرشها. أو إلى الجواب الصواب. {فلما جاءتْ} بلقيسُ سليمانَ عليه السلام، وقد كان العرش بين يديه، {قيل} من جهة سليمان، أو بواسطة: {أهكذا عرشُكِ}؟ ولم يقل: أهذا عرشك؛ لئلا يكون تلقيناً، فيفوت ما هو المقصود من اختبار عقلها، وقد قيل لسليمان – لما أراد تزوجها -: إن في عقلها شيئاً، فاختبرها بذلك. {قالت} - لما رأته -: {كأنه هو} فأجابت أحسن جواب، فلم تقل: هو هو، ولا: ليس به، وذلك من رجاحة عقلها، حيث لم تقل: هو هو مع علمها بحقيقة الحال، ولِمَا شبّهوا عليها بقولهم: أهكذا عرشك شبهت عليهم بقولها: {كأنه هو} مع أنها علمت بعرشها حقيقة، تلويحاً بما اعتراه بالتنكير من نوع مغايرة في الصفات مع اتحاد الذات، ومراعاة لحسن الأدب في محاورته عليه السلام. ولو قالوا: أهذا عرشك؟ لقالت: هو. ثم قالت: {وأُوتينا العلم} بقدرة الله تعالى، وبصحبة نبوتك {مِن قَبْلِها}؛ من قَبل هذا الأمر، أي: من قبل المعجزة التي شاهدنا الآن، من أمر الهدهد، وبما سمعناه من المنذر من الآيات الدالة على ذلك، {وكُنا مسلمين}؛ منقادين لك من ذلك الوقت، وكأنها ظنت أنه أراد عليه السلام اختبار عقلها، وإظهار المعجزة، لتؤمن به. فأظهرت أنها آمنت به قبل وصولها إليه. أو قال سليمان: {وأُوتينا العلم} بالله تعالى وبكمال قدرته من قبل هذه الآية، {وكنا مسلمين}؛ موحدين، أو: {وأُوتينا العلم} بإسلامها ومجيئها طائعةً {من قبل} مجيئها، {وكنا مسلمين} موحّدين. {وصدّها ما كانت تعبدُ من دون الله}، هو من كلام سليمان، أي: وصدها عن العلم بما علمناه – أو: عن التقدم إلى الإسلام - عبادةُ الشمس وإقامتها بين ظهرانيِّ الكفرة، أو: من كلام تعالى، بياناً لما كان يمنعها من إظهار ما ادعته من الإسلام الآن، أي: صدَّها عن ذلك عبادتُها القديمة للشمس، {إنها كانت من قوم كافرين} أي: كانت من قوم راسخين في الكفر، ولذلك لم تكن قادرة على إظهار إسلامها، وهو بين ظهرانيهم، حتى دخلت تحت ملكة سليمان عليه السلام، أو: وصدها الله تعالى، أو: سليمان، عما كانت تعبد من دون الله، فحذف الجار وأوصل الفعل. {قيل لها ادْخلي الصَّرْحَ} أي: القصر، أو: صحن الدار، {فما رأته حسِبَتْهُ لُجَّةً}: ماء عظيماً، {وكشفتْ عن ساقيها}. رُوي أن سليمان عليه السلام أمر قبل قدومها، فبُني له على طريقها قصر من زجاج أبيض، وأجرى من تحته الماء، وألقى فيه السمك وغيره، ووضع سريره في صدره، فجلس عليه، وعكف عليه الطير والجن والإنس. وإنما فعل ليزيدها استعظاماً لأمره، وتحقيقاً لنبوته. وقيل: إن الجن كرهوا أن يتزوجها، فنفضي إليه بأسرارهم؛ لأنها كانت بنت جنّية. وقيل: خافوا أن يولد له منها ولد، فيجتمع له فطنة الجن والإنس، فيخرجون من مُلْكِ سليمان إلى مُلْكِ أشدّ منه، فقالوا له: إن في عقلها شيئاً، وهي شَعْراء الساقين، ورِجْلها كحافر الحمار، فاحتبر عقلها بتنكير العرش، واتخذ الصرح ليتعرف ساقيها ورِجلها فكشفت عنهما، فإذا هي أحسن الناس ساقاً وقدماً، إلا أنه شعراء وصرف يصره. ثم {قال} لها {إنه صرح مُمَرد}؛ مملس مستو. ومنه: الأمرد، للذي لا شعر في وجهه، {من قواريرَ}؛ من الزجاج، وأراد سليمان تزوجها، فكره شعرها، فعملت له الشياطين النورة، فنكحها سليمان، وأحبها، وأقرها على ملكها، وكان يزورُها في الشهر مرة، فيقيم عندها ثلاثة ايام, وولدت له، وانقضى ملكها بانقضاء ملك سليمان عليه السلام، فسبحان من لا انقضاء لملكه. رُوي أنه مُلِك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. هـ. ثم ذكر إسلامها، فقال: {قالت ربي إني ظلمتُ نفسي} بعبادة الشمس، {وأسلمتُ مع سُليمانَ} تابعة له، مقتدية به، {لله ربِّ العالمين}. وفيه الالتفات إلى الاسم الجليل، ووصفه بربوبيته للعالمين؛ لإظهار معرفتها بألوهيته تعالى، وتفرده باستحاق العبادة، وربوبيته لجميع الموجودين، التي من جملتها: ما كانت تعبد قبل ذلك من الشمس. والله تعالى أعلم. الإشارة: عرش النفس الذي تستقر عليه هو الدنيا، فمن أحب الدنيا وركن إلى أهلها، فقد أجلس نفسه على عرشها، وصيَّرها مالكه له، متصرفة فيه بما تُحب، ومن أبغض الدنيا وزهد في أهلها، فقد هدم لها عرشها، وصارت خادمة مملوكة له، يتصرف فيها كيف يشاء. فيقول الداعي إلى الله – وهو من أهَّله الله للتربية - للمريدين: أيكم يأتيني بعرشها، ويَخرج عنها لله في أول بدايته؟ فمنهم من يأتي بها بعد مدة، ومنهم من يأتي بها أسرع من طرفة، على قدر القوة والعزم والصدق في الطلب، ومن أتى بعرش نفسه، وخرج عنها لله، فهو الذي آتاه الله علماً من الكتاب، وعرف مدلوله ومقصوده، لكن من السياسة أن يتدرج المريدُ في تركها شيئاً فشيئاً، حتى يخرج عنها، أو يغيب عن شغلها بالكلية، وإن كانت بيده. فاما خرجوا عن عرش نفوسهم لله، وتوجهوا إليه، ورأى ذلك منهم، قال: هذا من فضل ربي، حيث وقعت الهداية على يدي، ليبلوني, أشكر أم أكفر.. الآية. قال نكروا لها عرشها، أي: اعرضوا عليها الدنيا، وأرُوها عرشها التي كانت عليه، متغيراً عن حاله الأولى - لأنه كان معشوقاً لها، والآن صار ممقوتاً، لغناها بالله - ننظر أتهتدي إليه، وترجع إلى محبته، فيكون علامة على عدم وصولها، أم تكون من الذين لا يهتدون إليه أبداً، فتكون قد تمكنت من الأنس بالله، فلما جاءت وأظهر لها عرشها اختباراً، قيل: أهكذا عرشك؟ قالت:كأنه هو، وأوتينا العلم بالله من قبل هذه الساعة، وكنا منقادين لمراده، فلن نرجع إلى ما خرجنا عنه لله أبداً. وصدّها عن الحضرة ما كانت تبعد من الهوى، من دون محبة الله، إنها كانت من قوم كافرين، منكرين للحضرة، غير عارفين بها. قيل لها حين رحلت عن عرشها: ادخلي دار الحضرة، فلما رأت بحر الوحدة, يتموج بتيار الصفات, دهشت, وحسبته لُجةً, يغرق صاحبه في بحر الزندقة، قال لها رئيس البحرية - وهو شيخ التربية: إنه بحر منزه متصل، لا أول له، ولا آخر له. ليس مثله شيء، ولا معه شيء، محيط بكل شيء، وماحٍ لكل شيء. ثم اعترفت أنها ظالمة لنفسها، مشغولة بهواها، قبل أن تعرف هواه، فلما عرفته غابت عن غيره، واستسلمت وانقادت له. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ...}

الجنابذي

تفسير : {قَالَ} لاشراف جنوده {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} وقيل: انّ هذا القول كان منه بعد ما وصلت بلقيس الى مكانٍ قريبٍ منه فانّه كان مهيباً لا يبتدء بالكلام عنده حتّى يكون هو الّذى يسأل عنه فخرج يوماً فجلس على سريره فرأى غباراً قريباً منه فقال: ما هذا؟ فقالوا بلقيس يا رسول الله وقد نزلت منّا بهذا المكان وكان ما بينه وبين الكوفة على قدر فرسخٍ فقال: ايّكم يأتينى بعرشها عند ذلك.

الأعقم

تفسير : {قال يا أيها الملأ أيّكم يأتيني بعرشها}، قيل: رجعت الرسل إليها بالرسالة، قالت: ما هذا ملك، وبعثت إلى سليمان إني قادمة إليك، فعند ذلك قال سليمان لأشراف قومه: {يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها}، وقيل: جلس سليمان ذات يوم فرأى غباراً قريباً منه فقال: ما هذا؟ قالوا: بلقيس، فقال: أيّكم يأتيني بعرشها، وروي أنه رأى الغبار على قدر فرسخ واختلفوا ما السبب الذي لأجله طلب العرش، قيل: أعجبه صفته فأحب أن يراه وكان من ذهب وقوائمه من جوهر مكلل باللؤلؤ، وقيل: معجزة الله تعالى في عرشها، وقيل: علم أنها إذا أسلمت حرم عليه مالها فأراد أخذه قبل اسلامها {قبل أن يأتوني مسلمين} طائعين {قال عفريت من الجن أنا آتيك به} أي بالعرش {قبل أن تقوم من مقامك}، قيل: مجلسك الذي تقضي فيه بين الناس، وقيل: كان يقضي بين الناس إلى نصف النهار ولم يكن ذلك الحمل معجزة لأنه تعالى قوى الشياطين وقت سليمان فلما مات سليمان رجعوا إلى حالهم {وإني عليه لقوي أمين} قال سليمان أريد أسرع من هذا {قال الذي عنده علم من الكتاب} رجل كان عنده اسم الله الأعظم وهو يا حي يا قيوم، وقيل: يا إلهنا وإله كل شيء واحداً لا إله إلا أنت، وقيل: ياذا الجلال والإِكرام، وعن الحسن: الله والرحمان، وقيل: هو آصف بن برخيا كاتب سليمان وكان صديقاً عالماً، وقيل: هو جبريل، وقيل: هو الخضر علم من الكتاب المنزل وهو علم الوحي والشرائع {انا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك}، قيل: أراد المبالغة في السرعة، ومعنى قوله: قبل أن يرتد إليك طرفك إنك ترسل طرفك إلى شيء قبل أن تراه أبصرت العرش بين يديك، وروي أن آصف قال لسليمان: مدّ عينيك حتى ينتهي طرفك، فمدّ عينيه فنظر نحو اليمن ودعا آصف فغار العرش بمأرب ثم نبع عند مجلس سليمان بقدرة الله قبل أن يرتد طرفه {فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه} لأن نفعه يعود عليه {ومن كفر فإن ربي غني كريم} {قال} يعني سليمان {نكروا لها عرشها} غيروا هيئة السرير هل تهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون إلى أنه عرشها {فلما جاءت قيل أهكذا عرشك} فنظرت فيه و{قالت كأنه هو} فعرف سليمان كمال عقلها {وأوتينا العلم} هذا من كلام سليمان، يعني أوتينا العلم بالله وبقدرته على ما شاء من قبل هذه المرأة {وكنا مسلمين}، وقيل: هو من كلام قوم سليمان {وصدّها ما كانت تعبد من دون الله} وهو الشمس {إنها كانت من قوم كافرين}.

اطفيش

تفسير : {قَالَ يَا أَيُّهَا المَلاُ أَيّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا} اي بسريرها. {قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} مؤمنين أو منقادين لي قال ابن زيد: غرضه في استدعاء عرشها أن يريها القدرة التي من عند الله وأن يظر لها معجزة دالة على نبوته وأمراً عظيما خصه الله به من إجراء العجائب على يده وكأنه أوحي اليه باستيثاقها من عرشها ففعل ذلك وقال قتادة: أراد أخذه قبل إسلامها فيمنعه عنه الإسلام وكان من ذهب وفضة مرصعاً بالياقوت والجواهر، وروي أن الهدهد وصفه له، والقول الأول أليق بمنصب النبوة فيتعين حمل الآية عليه والقول الثاني بعيد عنها، وقيل غرضه أن يغيره ليختبر بذلك عقلها، وقيل أراد ان يعرف قدر ملكها لأن السرير على قدر المملكة وقيل عن قتادة: أن الهدهد وصفه له فأراد أن يراه.

اطفيش

تفسير : {قالَ يا أيُّها الملأ أيُّكم يأْتِينى} طلب فرداً واحداً منهم، وهذا من القوة بمكان، إذ كان غير محتاج الى تعد {بعَرْشها} وفى الكلام حذف، أى فرجع الرسول أو الهدهد اليها، فأخبرها فآمنت وأقبلت بملوكها بعد أن جعلت عرشها فى بيت دار به سبعة أبيات، ووكلت به حرسا، وروى أنها أرسلت اليه: انى قادمة اليك بملوكى، لأنظر ما تدعو إليه، ولما كانت على فرسخ من سليمان رأى رَهَجا فقيل له: انه من بلقيس، فقال: {أيُّكم يأتينى بعَرْشها} ومراده إعزاز الاسلام به، إقامة الحجة عليها، بقدرة الله ووحيه. {قَبْل أنْ يأتُونى مُسْلمِينَ} مُذعنين لما أتصرف فيهم وعليهم، فيرق لهم قلبى، أو مؤمنين بالله ورسله وشرعه، فلا يحل لى، وليس هذا من أخذ الغنائم فضلا عن أن يعترض باختصاصها بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بل شىء أباحه الله لسليمان عليه السلام بلا قتال، كما قيل: الهدية والجمهور، على أنه لم يقبلها، وقيل استدعى كرسيها ليرى قدر عقلها، إذا رأته أو ليرى قدر ملكها، لأن سرير الملك على قدر ملكه.

الالوسي

تفسير : في الكلام حذف أي فرجع الرسول إليها وأخبرها بما أقسم عليه سليمان فتجهزت للمسير إليه إذ علمت أنه نبـي ولا طاقة لها بقتاله، فروي أنها أمرت عند خروجها فجعل عرشها في آخر سبعة أبيات بعضها في جوف بعض في آخر قصر من قصورها وغلقت الأبواب ووكلت به حراساً يحفظونه وتوجهت إلى سليمان في أقيالها وأتباعهم وأرسلت إلى سليمان إني قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، قال عبد الله بن شداد: فلما كانت على فرسخ من سليمان قال: (أيكم يأتيني بعرشها) وعن ابن عباس كان سليمان مهيباً لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه فنظر ذات يوم رهجاً قريباً منه فقال: ما هذا؟ فقالوا: بلقيس فقال: أيكم الخ، ومعنى مسلمين على ما روي عنه طائعين، وقال بعضهم: هو بمعنى مؤمنين. واختلفوا في مقصوده عليه السلام من استدعائه عرشها، فعن ابن عباس وابن زيد أنه عليه السلام استدعى ذلك ليريها القدرة التي هي من عند الله تعالى وليغرب عليها، ومن هنا قال في «الكشاف»: لعله / أوحي إليه عليه السلام باستيثاقها من عرشها فأراد أن يغرب عليها ويريها بذلك بعض ما خصه الله تعالى به من إجراء العجائب على يده مع اطلاعها على عظيم قدرة الله تعالى وعلى ما يشهد لنبوة سليمان عليه السلام ويصدقها انتهى، وتقييد الإتيان بقوله: {قَبْل} الخ لما أن ذلك أبدع وأغرب وأبعد من الوقوع عادة وأدل على عظيم قدرة الله عز وجل وصحة نبوته عليه السلام وليكون اطلاعها على بدائع المعجزات في أول مجيئها. وقال الطبري: أراد عليه السلام أن يختبر صدق الهدهد في قوله: {أية : وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ }تفسير : [النمل: 23] واستُبعد ذلك لعدم احتياجه عليه السلام إلى هذا الاختبار فإن أمارة الصدق في ذلك في غاية الوضوح لديه عليه السلام لا سيما إذا صح ما روي عن وهب. وغيره. وقيل: أراد أن يؤتى به فينكر ويغير ثم ينظر أتثبته أم تنكره اختباراً لعقلها. وقال قتادة: وابن جريج: إنه عليه السلام أراد أخذه قبل أن يعصمها وقومها الإيمان ويمنع أخذ أموالهم. قال في «الكشف»: فيه أن حل الغنائم مما اختص به نبينا صلى الله عليه وسلم، وقال في «التحقيق» لا يناسب رد الهدية وتعليله بقوله: {أية : فما ءَاتَٰنِ الله خير مما آتاكم}تفسير : [النمل: 36]. وأجيب بأن هذا ليس من باب أخذ الغنائم وإنما هو من باب أخذ مال الحربـي والتصرف بغير رضاه مع أن الظاهر أنه بوحي فيجوز أنه من خصوصياته لحكمة ولم يكن ذلك هدية لها حتى لا يناسب الرد السابق وفيه بحث، ولعل الألصق بالقلب أن ذاك لينكره فيمتحنها اختباراً لعقلها مع إراءتها بعض خوارقه الدالة على صحة نبوته وعظيم قدرة الله عز وجل. ثم الظاهر أن هذا القول بعد رد الهدية وهو الذي عليه الجمهور. وفي رواية عن ابن عباس أنه عليه السلام قال ذلك حين ابتدأ النظر في صدق الهدهد من كذبه لما قال: {أية : وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ } تفسير : [النمل: 23] ففي ترتيب القصص تقديم وتأخير وأظن أنه لا يصح هذا عن ابن عباس.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي لذكر بعض أجزاء القصة طوي خبر رجوع الرسل والهدية، وعلم سليمان أن ملكة سبأ لا يسعها إلا طاعته ومجيئها إليه، أو ورد له منها أنها عزمت على الحضور عنده عملاً بقوله: {أية : وأتوني مسلمين}تفسير : [النمل: 31]. ثم يحتمل أن يكون سليمان قال ذلك بعد أن حطت رحال الملكة في مدينة أورشليم وقبل أن تتهيَّأ للدخول على الملك، أو حين جاءه الخبَر بأنها شارفت المدينة فأراد أن يحضر لها عرشها قبل أن تدخل عليه ليُرِيَها مقدرة أهل دولته. وقد يكون عرشها محمولاً معها في رحالها جاءت به معها لتجلس عليه خشية أن لا يهيىء لها سليمان عرشاً، فإن للملوك تقادير وظنوناً يحترزون منها خشية الغضاضة. وقوله: {آتيك} يجوز أن يكون فعلاً مضارعاً من أتى، وأن يكون اسم فاعل منه، والباء على الاحتمالين للتعدية. ولمّا علم سليمان بأنها ستحضر عنده أراد أن يبهتها بإحضار عرشها الذي تفتخر به وتعده نادرة الدنيا، فخاطب ملأه ليظهر منهم منتهى علمهم وقوتهم. فالباء في {بعرشها} كالباء في قوله: {أية : فلنأتينّهم بجنود}تفسير : [النمل: 37] تحتمل الوجهين. وجملة: {قال يا أيها الملؤا} مستأنفة ابتداء لجزء من قصة. وجملة: {قال عفريت} واقعة موقع جواب المحاورة ففصلت على أسلوب المحاورات كما تقدم غير مرة. وجملة: {قال الذي عنده علم من الكتاب} أيضاً جواب محاورة. ومعنى {عفريت} حسبما يستخلص من مختلف كلمات أهل اللغة أنه اسم للشديد الذي لا يصاب ولا ينال، فهو يُتَّقى لشَره. وأصله اسم لعُتاة الجن، ويوصف به الناس على معنى التشبيه. و{الذي عنده علم من الكتاب} رجل من أهل الحكمة من حاشية سليمان. و{مِن} في قوله: {من الكتاب} ابتدائية، أي عنده علم مكتسب من الكتب، أي من الحكمة، وليس المراد بالكتاب التوراة. وقد عدّ في سفر الملوك الأول في الإصحاح الرابع أحد عشر رجلاً أهل خاصة سليمان بأسمائهم وذكر أهل التفسير والقصص أن: {الذي عنده علم من الكتاب} هو «آصف بن برخيا» وأنه كان وزير سليمان. وارتداد الطرف حقيقته: رجوع تحديق العين من جهة منظورة تَحُول عنَها لحظة. وعبر عنه بالارتداد لأنهم يعبرون عن النظر بإرسال الطرف وإرسال النظر فكان الارتداد استعارة مبنية على ذلك. وهذه المناظرة بين العفريت من الجن والذي عنده علم من الكتاب ترمز إلى أنه يتأتى بالحكمة والعلم ما لا يتأتى بالقوة، وأن الحكمة مكتسبة لقوله: {عنده علم من الكتاب}، وأن قوة العناصر طبيعة فيها، وأن الاكتساب بالعلم طريق لاستخدام القوى التي لا تستطيع استخدام بعضها بعضاً. فذكر في هذه القصة مثلاً لتغلب العلم على القوة. ولما كان هذان الرجلان مسخرَيْن لسليمان كان ما اختصا به من المعرفة مزية لهما ترجع إلى فضل سليمان وكرامته أن سخر الله له مثل هذه القوى. ومقام نبوته يترفع عن أن يباشر بنفسه الإتيان بعرش بلقيس. والظاهر أن قوله: {قبل أن تقوم من مقامك} وقوله: {قبل أن يرتد إليك طرفك} مثلان في السرعة والأسرعية، والضمير البارز في {رءاه} يعود إلى العرش. والاستقرار: التمكن في الأرض وهو مبالغة في القرار. وهذا استقرار خاص هو غير الاستقرار العام المرادف للكون، وهو الاستقرار الذي يقدر في الإخبار عن المبتدأ بالظرف والمجرور ليكون متعلِّقاً بهما إذا وقعا خبراً أو وقعا حالاً، إذ يقدر (كائن) أو (مستقر) فإن ذلك الاستقرار ليس شأنه أن يصرح به. وابن عطية جعله في الآية من إظهار المقدر وهو بعيد. ولما ذَكر الفضل أضافه إلى الله بعنوان كونه ربّه لإظهار أن فضله عليه عظيم إذ هو عبد ربه. فليس إحسان الله إليه إلا فضلاً محضاً، ولم يشتغل سليمان حين أحضر له العرش بأن يبتهج بسلطانه ولا بمقدرة رجاله ولكنه انصرف إلى شكر الله تعالى على ما منحه من فضل وأعطاه من جند مسخرين بالعلم والقوة، فمزايا جميعهم وفضلهم راجع إلى تفضيله. وضرب حكمة خُلقية دينية وهي: {من شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كَفر فإن ربي غني كريم}؛ فكل متقرب إلى الله بعمل صالح يجب أن يستحضر أن عمله إنما هو لنفسه يرجو به ثواب الله ورضاه في الآخرة ويرجو دوام التفضل من الله عليه في الدنيا، فالنفع حاصل له في الدارين ولا ينتفع الله بشيء من ذلك. فالكلام في قوله: {يشكر لنفسه} لام الأجْل وليست اللام التي يُعدى بها فعل الشكر في نحو {أية : واشكُروا لي}تفسير : [البقرة: 152]. والمراد بــــ{من كفر} من كفر فضل الله عليه بأن عبَد غير الله، فإن الله غني عن شكره وهو كريم في إمهاله ورزقه في هذه الدنيا. وقد تقدم عند قوله فيما تقدم: {أية : قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك}تفسير : [النمل: 19]. والعدول عن الإضمار إلى الإظهار في قوله: {فإن ربي غني كريم} دون أن يقول: فإنه غني كريم، تأكيد للاعتراف بتمحض الفضل المستفاد من قوله: {فضل ربي}.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 38- اتجه سليمان إلى الاستعانة بمن سخرهم الله له من الإنس والجن، ليفاجئها بأمر غريب، فقال: أيكم يأتينى بعرشها العظيم قبل أن يأتونى خاضعين منقادين؟ 39- قال مارد من الجن: أنا آتيك به وأنت فى مجلسك هذا قبل أن تقوم منه، وإنى لقادر أمين فى قولى وفعلى. 40- قال الذى آتاه الله قوة روحية وعلماً من الكتاب: أنا آتيك بهذا العرش قبل أن تحرك أجفانك. وقد نفذ ما قال. فلما رأى سليمان العرش ثابتاً عنده غير مضطرب قال: هذا من فضل الله الذى خلقنى وأمدنى بخيره ليختبرنى أأشكر هذه النعمة أم لا أؤدى حقها؟ ومن شكر الله فإنما يحط عن نفسه عبء الواجب، ومن يترك الشكر على النعمة فإن ربى غنى عن الشكر، كريم بالإنعام. 41- قال سليمان لحاشيته: اخفوا عنها العرش ببعض التغيير فى مظاهره لنرى أتعرفه مهتدية إليه أم لا تعرفه فلا تهتدى إليه؟ 42- فلما أقبلت وجهت نظرها إلى عرشها، فقيل لها: أهذا مثل عرشك؟ فقالت: - لكمال التشابه - كأنه هو. وقال سليمان ومن معه: أوتينا العلم بالله وبقدرته وبصحة ما جاء من عنده مثل علمها وكنا قوماً منقادين لله مخلصين العبادة له. 43- وصرفها عن عبادة الله ما كانت تعبده من آلهة غير الله تعالى من شمس ونحوها، إنها كانت من قوم كافرين.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {ٱلْمَلأُ} (38) - ولما تَحقَّقَ سُليمانُ مِنْ قُدُومِهِمْ عَلَيهِ طَائِعينَ مُسْتَسلِمينَ فَرِحَ، وَكَانَ الهُدْهُدُ قَدْ وَصَفَ لَهُ كُرْسِيَّ المُلْكِ الذي تَجلِسُ بلْقيسُ عَليهِ، وَمَا هُوَ عَليهِ مِنَ الرَّوْعَةِ والبَهَاءِ، فأعجَبَهُ، وَخَافَ أَنَّهُمْ إِنْ أَتَوْهُ مُسْلِمِينَ أَنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أخْذَهُ بَعدَ ذَلكَ، فَجَمَعَ مَنْ تَحْتَ يدِهِ منَ الإِنْسِ والجِنِّ وسَألَهُمْ مَنْ مِنْهُمْ يَستطيعُ أنْ يحمِلَ إليهِ عَرْشَها قَبْلَ أَنْ يَأْتُوه مُسْلِمِينَ؟ لِيُريَهَا بَعْضَ مَا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ عليهِ مِنَ القُدْرَةِ والعَجَائِبِ، لِتَعرِفَ صِدْقَ نُبوَّتِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الملأ: أشراف القوم وسادتهم وأصحاب الرأي فيهم {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: 38] هنا أيضاً مظهر من إشراقات النبوة عند سليمان، فهو يعلم ما سيحدث عندهم حينما تعود إليهم هديتهم، وأنهم سيسارعون إلى الإسلام، فردُّ الهدية يعني أننا أصحاب كلمة ورسالة ومبدأ ندافع عنه لا أصحاب مصلحة. ولما علم أنهم سيأتون مسلمين طلب من جنوده أنْ يأتوه بعرشها، وحدَّد زمن الإتيان بهذا العرش {قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: 38]. إذن: لا بُدَّ من الذهاب إلى مملكة سبأ وفكِّ العرش، وحَمْله إلى مملكة سليمان، ثم إعادة تركيبه عنده، وهذه مهمة بالطبع فوق قدرة البشر؛ لذلك لم يتكلم منهم أحد، حتى الجن العادي لم يعرض على سليمان استعداده للقيام بهذه المهمة: {قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن ٱلْجِنِّ ...}.