٢٧ - ٱلنَّمْل
27 - An-Naml (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
44
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى إقامتها على الكفر مع كل ما تقدم من الدلائل ذكر أن سليمان عليه السلام أظهر من الأمر ما صار داعياً لها إلى الإسلام وهو قوله {قِيلَ لَهَا ٱدْخُلِى ٱلصَّرْحَ } والصرح القصر كقوله: { أية : يٰهَـٰمَـٰنُ ٱبْنِ لِى صَرْحاً } تفسير : [غافر: 36] وقيل صحن الدار، وقرأ ابن كثير عن {سَأقَيْهَا } بالهمز ووجهه أنه سمع سؤقاً فأجرى عليه الواحد، والممرد المملس، روي أن سليمان عليه السلام أمر قبل قدومها فبنى له على طريقها قصر من زجاج أبيض كالماء بياضاً، ثم أرسل الماء تحته وألقى فيه السمك وغيره ووضع سريره في صدره فجلس عليه وعكف عليه الإنس والجن والطير، وإنما فعل ذلك ليزيدها استعظاماً لأمره وتحققاً لنبوته، وزعموا أن الجن كرهوا أن يتزوجها فتفضي إليه بأسرارهم لأنها كانت بنت جنية، وقيل خافوا أن يولد له منها ولد فيجتمع له فطنة الجن والإنس فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك هو أشد، فقالوا إن في عقلها نقصاناً وإنها شعراء الساقين ورجلها كحافر حمار فاختبر سليمان عقلها بتنكير العرش، واتخذ الصرح ليتعرف ساقها، ومعلوم من حال الزجاج الصافي أنه يكون كالماء فلما أبصرت ذلك ظنته ماءاً راكداً فكشفت عن ساقيها لتخوضه، فإذا هي أحسن الناس ساقاً وقدماً، وهذا على طريقة من يقول تزوجها، وقال آخرون كان المقصود من الصرح تهويل المجلس وتعظيمه، وحصل كشف الساق على سبيل التبع، فلما قيل لها هو صرح ممرد من قوارير استترت، وعجبت من ذلك واستدلت به على التوحيد والنبوة، فقالت: {رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى } فيما تقدم بالثبات على الكفر ثم قالت: {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَـٰنَ لِلَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وقيل حسبت أن سليمان عليه السلام يغرقها في اللجة، فقالت ظلمت نفسي بسوء ظني سليمان، واختلفوا في أنه هل تزوجها أم لا، وأنه تزوجها في هذه الحال أو قبل أن كشفت عن ساقيها، والأظهر في كلام الناس أنه تزوجها، وليس لذلك ذكر في الكتاب، ولا في خبر مقطوع بصحته، ويروى عن ابن عباس أنها لما أسلمت قال لها اختاري من قومك من أزوجك منه فقالت مثلي لا ينكح الرجال مع سلطاني، فقال النكاح من الإسلام، فقالت إن كان كذلك فزوجني ذا تبع ملك همدان فزوجها إياه ثم ردهما إلى اليمن، ولم يزل بها ملكاً، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قِيلَ لَهَا ٱدْخُلِي ٱلصَّرْحَ} التقدير عند سيبويه: ادخلي إلى الصرح فحذف إلى وعدّي الفعل. وأبو العباس يغلِّطه في هذا؛ قال: لأن دخل يدلّ على مدخول. وكان الصرح صحناً من زجاج تحته ماء وفيه الحيتان، عمله ليريها ملكاً أعظم من ملكها؛ قاله مجاهد. وقال قتادة: كان من قوارير خلفه ماء {حَسِبَتْه لُجَّةً} أي ماء. وقيل: الصرح القصر؛ عن أبي عبيدة. كما قال:شعر : تَـحـسِـب أعـلامَـهـنّ الـصُّـروحَـا تفسير : وقيل: الصَّرْح الصَّحْن؛ كما يقال: هذه صَرْحة الدار وقاعتها؛ بمعنًى. وحكى أبو عبيدة في الغريب المصنف أن الصَّرح كل بناء عال مرتفع من الأرض، وأن الممرد الطويل. النحاس: أصل هذا أنه يقال لكل بناء عمل عملاً واحداً صرح؛ من قولهم: لبن صريح إذا لم يَشُبه ماء؛ ومن قولهم: صَرَّح بالأمر، ومنه: عربي صريح. وقيل: عمله ليختبر قول الجن فيها إن أمها من الجن، ورِجلها رِجل حمار؛ قاله وهب بن منبّه. فلما رأت اللجة فزعت وظنت أنه قصد بها الغرق: وتعجبت من كون كرسيه على الماء، ورأت ما هالها، ولم يكن بَدّ من امتثال الأمر. {وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا} فإذا هي أحسن الناس ساقاً؛ سليمة مما قالت الجن، غير أنها كانت كثيرة الشعر، فلما بلغت هذا الحد، قال لها سليمان بعد أن صرف بصره عنها: {إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ} والممرد المحكوك المملس، ومنه الأمرد. وتمرد الرجل إذ أبطأ خروج لحيته بعد إدراكه؛ قاله الفراء. ومنه الشجرة المرداء التي لا ورق عليها. ورملة مرداء إذا كانت لا تُنْبِت. والممرد أيضاً المطوَّل، ومنه قيل للحصن مارد. أبو صالح: طويل على هيئة النخلة. ابن شجرة: واسع في طوله وعرضه. قال:شعر : غدوت صباحاً باكراً فوجدتهم قبيل الضحا في السَّابريِّ الممرَّد تفسير : أي الدروع الواسعة. وعند ذلك استسلمت بلقيس وأذعنت وأسلمت وأقرت على نفسها بالظلم؛ على ما يأتي. ولما رأى سليمان عليه السلام قدميها قال لناصحه من الشياطين: كيف لي أن أقلع هذا الشعر من غير مضرة بالجسد؟ فدلّه على عمل النُّورَة، فكانت النُّورَة والحمامات من يومئذٍ. فيروى أن سليمان تزوّجها عند ذلك وأسكنها الشام؛ قاله الضحاك. وقال سعيد بن عبد العزيز في كتاب النقاش: تزوّجها وردّها إلى ملكها باليمن، وكان يأتيها على الريح كل شهر مرة؛ فولدت له غلاماً سماه داود مات في زمانه. وفي بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : «كانت بلقيس من أحسن نساء العالمين ساقين وهي من أزواج سليمان عليه السلام في الجنة» فقالت عائشة: هي أحسن ساقين مني؟ فقال عليه السلام: «أنت أحسن ساقين منها في الجنة»تفسير : ذكره القشيري. وذكر الثعلبي عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أول من اتخذ الحمامات سليمان بن داود فلما ألصق ظهره إلى الجدار فمسه حرُّها قال أوّاه من عذاب الله»تفسير : . ثم أحبها حباً شديداً وأقرها على ملكها باليمن، وأمر الجن فبنوا لها ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعاً: سَلْحون وبَيْنون وغُمْدان، ثم كان سليمان يزورها في كل شهر مرة، ويقيم عندها ثلاثة أيام. وحكى الشّعبي أن ناساً من حِمْير حفروا مقبرة الملوك، فوجدوا فيها قبراً معقوداً فيه امرأة عليها حُلَل منسوجة بالذهب، وعند رأسها لوح رخام فيه مكتوب:شعر : يأيّها الأقوامُ عُوجُوا معاً وأربعوا في مَقْبَرِى العِيسَا لتعلموا أنِّي تلك التي قد كنتُ أُدعَى الدهر بَلْقِيسَا شَيَّدْتُ قصرَ الْمُلْكِ في حِميْرٍ قَوْمِي وقِدْماً كان مأنوسا وكنتُ في مُلْكي وتدبيره أُرْغِمُ في الله المَعَاطِيسَا بَعْلِي سليمانُ النبيُّ الذي قد كان للتوراة دِرِّيسَا وسخّر الريحُ له مركبا تَهبُّ أحياناً رَوَامِيسَا مع ابن داودَ النبيّ الذي قَدَّسه الرحمنُ تَقْدِيسَا تفسير : وقال محمد بن إسحاق ووهب بن منبه: لم يتزوجها سليمان، وإنما قال لها: اختاري زوجاً؛ فقالت: مثلي لا ينكح وقد كان لي من الملك ما كان. فقال: لا بد في الإسلام من ذلك. فاختارت ذا تُبَّع ملك هَمْدَان، فزوجه إياها وردها إلى اليمن، وأمر زوبعة أمير جنَّ اليمن أن يطيعه، فبنى له المصانع، ولم يزل أميراً حتى مات سليمان. وقال قوم: لم يرد فيه خبر صحيح لا في أنه تزوَّجها ولا في أنه زوّجها. وهي بلقيس بنت السرح بن الهداهد بن شراحيل بن أدد بن حدر بن السرح بن الحرس بن قيس بن صيفي بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. وكان جدها الهداهد ملكاً عظيم الشأن قد ولد له أربعون ولداً كلهم ملوك، وكان ملك أرض اليمن كلها، وكان أبوها السرح يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفؤا لي، وأبى أن يتزوج منهم، فزوجوه امرأة من الجن يقال لها ريحانة بنت السكن، فولدت له بلقمة وهي بلقيس، ولم يكن له ولد غيرها. وقال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : كان أحد أبوي بلقيس جنياً»تفسير : فمات أبوها، واختلف عليها قومها فرقتين، وملكوا أمرهم رجلاً فساءت سيرته، حتى فجر بنساء رعيته، فأدركت بلقيس الغيرة، فعرضت عليه نفسها فتزوجها، فسقته الخمر حتى حزت رأسه، ونصبته على باب دارها فملكوها. وقال أبو بكرة: ذكرت بلقيس عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»تفسير : . ويقال: إن سبب تزوج أبيها من الجن أنه كان وزيراً لملك عاتٍ يغتصب نساء الرعية، وكان الوزير غيوراً فلم يتزوج، فصحب مرة في الطريق رجلاً لا يعرفه، فقال هل لك من زوجة؟ فقال: لا أتزوج أبداً، فإن ملك بلدنا يغتصب النساء من أزواجهن، فقال لئن تزوجت ابنتي لا يغتصبها أبداً. قال: بل يغتصبها. قال: إنا قوم من الجن لا يقدر علينا؛ فتزوَّج ابنته فولدت له بلقيس؛ ثم ماتت الأم وابتنت بلقيس قصراً في الصحراء، فتحدث أبوها بحديثها غلطاً، فنمى للملك خبرها فقال له: يا فلان تكون عندك هذه البنت الجميلة وأنت لا تأتيني بها، وأنت تعلم حبي للنساء! ثم أمر بحبسه، فأرسلت بلقيس إليه إني بين يديك؛ فتجهز للمسير إلى قصرها، فلما همّ بالدخول بمن معه أخرجت إليه الجواري من بنات الجن مثل صورة الشمس، وقلن له ألا تستحي؟! تقول لك سيدتنا أتدخل بهؤلاء الرجال معك على أهلكٰ فأذن لهم بالانصراف ودخل وحده، وأغلقت عليه الباب وقتلته بالنعال، وقطعت رأسه ورمت به إلى عسكره، فَأَمَّرُوها عليهم؛ فلم تزل كذلك إلى أن بلّغ الهدهد خبرها سليمان عليه السلام. وذلك أن سليمان لما نزل في بعض منازله قال الهدهد: إن سليمان قد اشتغل بالنزول، فارتفع نحو السماء فأبصر طول الدنيا وعرضها، فأبصر الدنيا يميناً وشمالاً، فرأى بستاناً لبلقيس فيه هدهد، وكان اسم ذلك الهدهد عفير، فقال عفير اليمن ليعفور سليمان: من أين أقبلت؟ وأين تريد؟ قال: أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود. قال: ومَن سليمان؟ قال: ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحش والريح وكل ما بين السماء والأرض. فمن أين أنت؟ قال: من هذه البلاد؛ ملكها امرأة يقال لها بلقيس، تحت يدها اثنا عشر ألف قَيْل، تحت يد كل قَيل مائة ألف مقاتل من سوى النساء والذراري؛ فانطلق معه ونظر إلى بلقيس ومُلكها، ورجع إلى سليمان وقت العصر، وكان سليمان قد فقده وقت الصلاة فلم يجده، وكانوا على غير ماء. قال ابن عباس في رواية: وقعت عليه نفحة من الشمس. فقال لوزير الطير: هذا موضع مَن؟ قال: يا نبيّ الله هذا موضع الهدهد. قال: وأين ذهب؟ قال: لا أدري أصلح الله الملك. فغضب سليمان وقال: {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً} الآية. ثم دعا بالعُقَاب سيد الطير وأصرمها وأشدها بأساً فقال: ما تريد يا نبيّ الله؟ فقال: عليّ بالهدهد الساعة. فرفع العقاب نفسه دون السماء حتى لزق بالهواء، فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم، فإذا هو بالهدهد مقبلاً من نحو اليمن، فانقض نحوه وأنشب فيه مِخْلَبه. فقال له الهدهد: أسألك بالله الذي أقدرك وقوَّاك عليّ إلا رحمتني. فقال له: الويل لك؛ وثكلتك أمُّك! إن نبي الله سليمان حلف أن يعذبك أو يذبحك. ثم أتى به فاستقبلته النّسور وسائر عساكر الطير. وقالوا الويل لك؛ لقد توعدك نبيّ الله. فقال: وما قدري وما أناٰ أما استثنى؟ قالوا: بلىٰ إنه قال: {أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} ثم دخل على سليمان فرفع رأسه، وأرخى ذنبه وجناحيه تواضعاً لسليمان عليه السلام. فقال له سليمان: أين كنت عن خدمتك ومكانك؟ لأعذبنك عذاباً شديداً أو لأذبحنك. فقال له الهدهد: يا نبيّ الله! اذكر وقوفك بين يدي الله بمنزلة وقوفي بين يديك. فاقشعر جلد سليمان وارتعد وعفا عنه. وقال عكرمة: إنما صرف الله سليمان عن ذبح الهدهد أنه كان بارّاً بوالديه؛ ينقل الطعام إليهما فيزقهما. ثم قال له سليمان: ما الذي أبطأ بك؟ فقال الهدهد ما أخبر الله عن بلقيس وعرشها وقومها حسبما تقدّم بيانه. قال الماوردي: والقول بأن أمّ بلقيس جنية مستنكر من العقول لتباين الجنسين، واختلاف الطبعين، وتفارق الحسَّين؛ لأن الآدمي جسماني والجن روحاني، وخلق الله الآدمي من صلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار، ويمنع الامتزاج مع هذا التباين، ويستحيل التناسل مع هذا الاختلاف. قلت: قد مضى القول في هذا، والعقل لا يحيله مع ما جاء من الخبر في ذلك، وإذا نظر في أصل الخلق فأصله الماء على ما تقدّم بيانه، ولا بعد في ذلك؛ والله أعلم. وفي التنزيل {أية : وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ}تفسير : [الإسراء: 64] وقد تقدّم. وقال تعالى: {أية : لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ} تفسير : [الرحمن: 56] على ما يأتي في «الرحمن». قوله تعالى: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} أي بالشرك الذي كانت عليه؛ قاله ابن شجرة. وقال سفيان: أي بالظن الذي توهمته في سليمان؛ لأنها لما أمرت بدخول الصرح حسبته لجة، وأن سليمان يريد تغريقها فيه. فلما بان لها أنه صرح ممرد من قوارير علمت أنها ظلمت نفسها بذلك الظن. وكسرت {إن} لأنها مبتدأة بعد القول. ومن العرب من يفتحها فيعمل فيها القول. {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}. إذا سكنت {مع} فهي حرف جاء لمعنى بِلا اختلاف بين النحويين. وإذا فتحها ففيها قولان: أحدهما: أنه بمعنى الظرف اسم. والآخر: أنه حرف خافض مبني على الفتح؛ قاله النحاس]
المحلي و السيوطي
تفسير : {قِيلَ لَهَا } أيضاً {ٱدْخُلِى ٱلصَّرْحَ } هو سطح من زجاج أبيض شفاف تحته ماء عذب جار فيه سمك اصطنعه سليمان لما قيل له إن ساقيها وقدميها كقدمي الحمار {فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً } من الماء {وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا } لتخوضه وكان سليمان على سريره في صدر الصرّح فرأى ساقيها وقدميها حساناً {قَالَ } لها {إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ } مملس {مّن قَوارِيرَ } أي زجاج ودعاها إلى الإِسلام {قَالَتْ رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى } بعبادة غيرك {وَأَسْلَمْتُ } كائنة {مَعَ سُلَيْمَٰنَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ } وأراد تزوّجها فكره شعر ساقيها فعملت له الشياطين النورة فأزالته فتزوجها وأحبها وأقرّها على ملكها وكان يزورها في كل شَهْرٍ مرة ويقيم عندها ثلاثة أيام وانقضى ملكها بانقضاء ملك سليمان روي أنه ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة فسبحان من لا انقضاء لدوام ملكه.
ابن عبد السلام
تفسير : {الصَّرْحَ} بكرة بنيت من قوارير، أو صحن الدار، وصرحه الدار وساحتها وباحتها وقاعتها كلها واحد من التصريح وهو الإظهار، أو القصر. {حَسِبَتْهُ لُجَّةً} لأنه أمر الجن أن يبنوه من قوارير في ماء فبنوه وجعلوا حوله أمثال السمك فأمرها بالدخول إليه لأنها وصفت له فأحب أن يراها وكانت هلباء الشعر وقدماها كحافر حمار وأمها جنية وخافت الجن إن تزوجها أن تطلعه على أشياء كانت الجن تخفيها ويبعد أن يتولد بين الإنس والجن ولد لأن الجن لطيف والإنس كثيف. {وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا} فرأهما شعراوين فصنعت له الجن النورة وقصد بدخولها الصرح. وكشف ساقيها اختبار عقلها، أو أُخبر أن ساقيها ساق حمار فأراد أن يعلم ذلك، أو أراد تزوجها فأحب مشاهدتها. {مُّمَرَّدٌ} مملس، أو واسع في طوله وعرضه. {ظَلَمْتُ نَفْسِى} بالشرك، أو ظنت أن سليمان أراد تغريقها لما أمرها بدخول الصرح فلما بان أنه صرح علمت أنها ظلمت نفسها بذلك الظن، قاله سفيان. {وَأَسْلَمْتُ} استسلمت طاعة لله قبل تزوجها سليمان عليه الصلاة والسلام، واتخذ لها بالشام حماماً ونورة، وكان أول من اتخذ ذلك.
ابن عادل
تفسير : قوله: {قِيلَ لَهَا ٱدْخُلِي ٱلصَّرْحَ} تقدّم الخلاف في الظرف الواقع بعد "دخل" هل هو منصوب على الظرف، وشذّ ذلك مع دخل خاصة - كما قاله سيبويه - أو مفعول به كَهَديت البيت كما قاله الأخفش. والصَّرحُ: القصر، أو صحن الدار، أو بلاط متخذ من زجاج وأصله من التصريح، وهو الكشف، وكذِبٌ "صُرَاحٌ"، أي: ظاهر مكشوف ولومٌ صُراحٌ. والصريحُ مقابل الكناية، لظهوره واستتار ضده. وقيل: الصريح الخالص من قولهم: لبنٌ صَرِيحٌ بيّن الصراحة والصروحة. وقال الراغب: الصَّرحُ بيت عالٍ مُزوّق، سمي بذلك اعتباراً بكونه صرحاً عن البيوت، أي: خالصاً. قوله: "سَاقَيْهَا" العامة على ألف صريحة، وقُنْبُل روى همزها عن ابن كثير، وضعَّفَها أبو علي، وكذلك فعل قنبل في جمع ساق في: ص، وفي الفتح، همز واوه، فقرأ "بالسُّؤْقِ والأَعْنَاق"، {فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُؤْقِهِ} [الفتح: 29] بهمزة مكان الواو، وعنه وجه آخر: السُّؤوق، وسُؤُوقِهِ - بزيادة واو بعد الهمز -، وروي عنه أنه كان يهمزه مفرداً في قوله: {يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} [القلم: 42] فأما همزة الواو ففيها أوجه: أحدها: أن الواو الساكنة المضموم ما قبلها يقلبها بعض العرب همزة، وتقدم تحقيق هذا أول البقرة عند "يوقِنُونَ"، وأنشد عليه: شعر : 3966 - أَحَبُّ المؤقدينَ إِلَيَّ مُؤْسَى تفسير : وكان أبو حيّة النميري يهمزُ كُلَّ واوٍ في القرآن هذا وصفها. الثاني: أَنَّ ساقاً على "فَعَل" كأسد، فجمع على "فُعُل" بضم العين، كأسد والواو المضمومة تطلب همزة، نحو: "وُجُوه"، و "وُقِّتَتْ" ثم بعد الهمزة سكنت. الثالث: أن المفرد سمع همزه كما سيأتي تقريره، فجاء جمعه عليه. وأما سؤوق - بالواو بعد الهمزة - فإن ساقاً جمع على سووق بواو، فهمزت الأولى لانضمامها وهذه الرواية غريبة عن قنبل. وأما "ساقها" فوجه الهمزة أحد أوجه: إما لغة من يقلب الألف همزة، وعليه لغة العجاج في: العألم و "الخأتم"، وأنشد: شعر : 3967 - وَخِنْدفُ هَامَة هذَا العَأْلَم تفسير : وسيأتي تقريره في: {أية : مِنسَأَتَهُ}تفسير : [سبأ: 14] - إن شاء الله - وتقدم طرف منه في الفاتحة، وإما على التشبيه برأس، وكأْسٍ، كما قالوا: حلأْتُ السَّويقَ، حملاً على حلأْته عن الماء، أي: طردته وإما حملاً للمفرد والمثنى على جمعها، وقد تقرر في جمعها الهمز. فصل لما حكى تعالى إقامتها على الكفر مع الدلائل المتقدمة، ذكر أنَّ سليمان أظهر أمراً آخر داعياً لها إلى الإسلام، فأمر الشياطين فبنوا صرحاً أي: قصراً من زجاج، كأنه الماء بياضاً وأجري تحته الماء، وألقى فيه كل شيء من دواب البحر من السمك والضفادع وغيرها، ثم وضع سريره في صدره وجلس عليه وعكفت عليه الطير والجن والإنس، وقيل: اتخذ صحناً من قوارير وجعل تحتها تماثيل من الحيتان والضفادع، فكان الواحد إذا رآه ظنه ماء، فلما جلس على السرير دعا بلقيس، فلما جاءت قِيل لها: ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً، وهي معظم الماء، {وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَاَ} لتخوضه، فقيل كان المقصود من بناء الصرح تهويل المجلس وتعظيمه، وحصل كشف الساق على سبيل التبع، وقيل: إن سليمان أراد أن ينظر إلى ساقيها من غير أن يسألها كشفها لما قالت الشياطين له إن رجلها كحافر الحمار، وهي شعراء الساقين، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقاً وقدماً، إلا أنها كانت شعراء الساقين، فلما رأى سليمان ذلك صرف بصره عنها وناداها أنّه صرح "مُمرَّد"، أي: مُمَلَّسٌ، ومنه الأمرد لملاسة وجهه من الشعر وبريَّةٌ مرداء لخلوها من النبات، ورملةٌ مرداء، لا تنبت شيئاً، والمارد من الشياطين من تَعَرَّى من الخير وتجرد منه. ومارد حصنّ معروف، وفي أمثال الزَّبَّاء: "تَمَرَّدَ مَارِدٌ وَعَزَّ الأَبْلَقُ" قالتها في حصنين امتنع فتحهما عليها. والقوارير، وهي الزجاج الشفاف، و "مِنْ قَوَارِيرَ" صفة ثانية لـ "صرح". قوله: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِيَ} قال مقاتل: لما رأت السرير والصرح، علمت أن ملك سليمان من الله، فقالت ربِّ إنِّي ظلمتُ نَفْسِي بعبادة غيرك، وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين، وأخلصت لك التوحيد. وقيل: إنها لما بلغت الصرح وظنته لجة قالت في نفسها إن سليمان يريد أن يغرقني وكان القتل أهون من هذا، فقولها: "ظَلَمْتُ نَفْسِي" تعني ذلك الظن. واختلفوا: هل تزوجها سليمان أم لا؟ وأنه تزوجها في هذه الحال، ومن قبل أن يكشف عن ساقيها؟ والأظهر من كلام الناس أنه تزوجها، وروي عن ابن عباس لما أسلمت، قال لها: اختاري من قومك من يتزوجك، فقالت: مثلي لا تنكح الرجال - مع سلطاني - فقال: النكاح من الإسلام، فقالت: إن كان كذلك فزوجني لتبع ملك همدان، فزوجها إياه، ثم ردهما إلى اليمن. وروي أن الملك وصل إلى سليمان وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. قوله: "مَعَ سُلَيْمَانَ" متعلق بمحذوف على أنه حال، ولا يتعلق: "أَسْلَمْتُ"، لأنَّ إسلامه سابق إسلامها بزمان، وهو وجه لطيف، وقال ابن عطية: و "مَعَ" ظرف بُني على الفتح، وأمَّا إذا أسكنت العين، فلا خلاف أنه حرفٌ. وقد تقدم القول في ذلك وقال مكي هنا نحواً من قول ابن عطية.
ابو السعود
تفسير : {قِيلَ لَهَا ٱدْخُلِى ٱلصَّرْحَ} الصَّرحُ القصرُ وقيل: صحنُ الدَّارِ. رُوي أنَّ سليمان عليهِ السَّلامُ أمرَ قبلَ قدومِها فبنَى له على طريقِها قصراً من زجاجٍ أبـيضَ وأُجري منْ تحته الماءُ وأُلقَي فيه من دوابَ البحرِ السَّمك وغيرُه ووضعَ سريرُه في صدرِه فجلسَ عليهِ وعكفَ عليه الطيرُ والجنُّ والإنسُ وإنَّما فعلَ ذلك ليزيدَها استعظاماً لأمرِه وتحققاً لنبوتِه وثباتاً على الدِّينِ، وزعمُوا أنَّ الجنَّ كرهوا أنْ يتزوجَها فتفضيَ إليه بأسرارِهم لأنَّها كانتْ بنتَ جنيةٍ وقيل: خافُوا أنْ يولَد له منْهَا ولدٌ يجتمعُ له فطنةُ الجنِّ والإنسِ فيخرجونَ من مُلكِ سلِيمانَ عليه السَّلامُ إلى مُلكٍ هو أشدُّ وأفظعُ فقالُوا إنَّ في عقلِها شيئاً وهي شَعراءُ الساقينِ ورجلُها كحافِر الحمارِ فاختبرَ عقلَها بتنكيرِ العرشِ واتخذَ الصَّرحَ ليتعرَّفَ ساقَها ورجلَها {فَلَمَّا رَأَتْهُ} وهو حاضرٌ بـينَ يديها كما يَعربُ عنه الأمرُ بدخولِها وأحاطتْ بتفاصيلِ أحوالِه خبراً {حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا} وتشمرتْ لئلاَّ تبتلَّ أذيالُها فإذَا هي أحسنُ النَّاسِ ساقاً وقدماً خلا أنَّها شعْراءُ. قيلَ: هيَ السببُ في اتخاذِ النورةِ أمرَ بها الشياطينَ فاتخذوهَا واستنكحَها عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وأمرَ الجنَّ فبنَوا لها سيلحينَ وغمدانَ وكان يزورُها في الشهرِ مرةً ويقيمُ عندها ثلاثةَ أيامٍ وقيل بل زوَّجها ذا تُبَّعٍ ملكِ هَمْدانَ وسلَّطه علي اليمنِ وأمر زوبعةَ أميرَ جنِّ اليمنِ أنْ يطيعَه فبنى له المصانعَ. وقُرىء ساقها حملا للمفردِ على الجمعِ في سُؤْقٍ وأَسْؤُقٍ {قَالَ} عليه الصَّلاة السَّلام حين رأَى ما اعتراها من الدَّهشةِ والرُّعبِ {إنَّهُ} أي ما توهمْتُه ماءً {صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ} أي مملسٌ {مّن قَوارِيرَ} من الزجاجِ {قَالَتْ} حينَ عاينتْ تلكَ المعجزَة أيضاً {رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى} بما كنتُ عليهِ إلى الآنَ من عبادةِ الشَّمسِ وقيل: بظنِّي بسليمانَ حيثُ ظنَّتْ أنَّه يريدُ إغراقَها في اللُّجةِ وهو بعيدٌ {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَـٰنَ} تابعةً له مقتديةً به، وما في قولِه تعالى: {للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} من الالتفاتِ إلى الاسمِ الجليلِ، ووصفُه بربوبـيةِ العالمينَ لإظهارِ معرفتِها بألوهيتِه تعالَى وتفرُّده باستحقاقِ العبادِة وربوبـيتِه لجميعِ الموجُوداتِ التي منْ جُملتها ما كانتْ تعبدُه قبلَ ذلكَ من الشَّمسِ. {وَلَقَدْ أَرْسَلنَا} عطفٌ على قولِه تعالى: { أية : وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودُ وَسُلَيْمَـٰنَ عِلْماً} تفسير : [سورة النمل: الآية 15] مسوقٌ لما سيقَ هُو له من تقريرِ أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام يُلَقَّى القرآنَ من لدنٍ حكيمٍ فإنَّ هذه القصةَ من جُملةِ القرآنِ الكريمِ الذي لقيَهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. واللامُ جوابُ قسمٍ محذوفٍ أيْ وبالله لقد أرسلنَا {إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحاً} وأنْ في قوله تعالى: {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} مفسرةٌ لما في الإرسالِ من معنى القولِ أو مصدريةٌ حُذف عنها الباءُ. وقُرىء بضمِّ النُّونِ إتباعاً لها للباءِ {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} ففاجؤا التفرق والاختصامَ فآمنَ فريقٌ وكفرَ فريقٌ. والواوُ مجموعُ الفريقينِ. {قَالَ} عليه الصَّلاة والسَّلام للفريقِ الكافرِ منهم بعدَ ما شاهدَ منهم ما شاهدَ من نهايةِ العتوِّ والعنادِ حتَّى بلغُوا من المُكابرةِ إلى أنْ قالُوا له عليه الصَّلاة والسَّلام يا صالحُ ائتِنا بما تعدُنا إنْ كنتَ من الصادقينَ {يٰقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيّئَةِ} أي بالعقوبةِ السيئةِ {قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ} أي التوبةِ فتؤخرونَها إلى حينِ نزولِها حيثُ كانُوا من جهلِهم وغوايتِهم يقولونَ: إنْ وقعَ إيعادُه تُبنَا حينئذٍ وإلاَّ فنحنُ على ما كُنَّا عليه. {لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ ٱللَّهَ} هلاَّ تستغفرونَه تعالَى قبل نزولِها {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} بقبولها إذ لا إمكانَ للقبولِ عندَ النُّزولِ.
اسماعيل حقي
تفسير : {قيل لها ادخلى الصرح} الصرح القصر وكل بناء عالى سمى بذلك اعتبارا بكونه صرحا من الشوب اى خالصا فان الصرح بالتحريك الخالص من كل شىء {فلما رأته} [بس جون بديد قصررا در حالتى كه آفتاب برآن تافته بود وآب صافى مينمود وماهيانرا ديد] {حسبته لجة} اللجة معظم الماء. وفى المفردات لجة البحر تردد امواجه. وفى كشف الاسرار اللجة الضحضاح من الماء وهو الماء اليسير او الى الكعبين وانصاف السوق او مالاغرق فيه كما فى القاموس. والمعنى ظنت انه ماء كثير بين يدى سرير سليمان: وبالفارسية [بنداشت كه آب زرف است ندانست كه آب درزير ابكينه است] فارادت ان تدخل فىالماء {وكشفت عن ساقيها} تثنية ساق وهى مابين الكعبين كعب الركبة وكعب القدم اى تشمرت لئلا تبتل اذيالها فاذا هى احسن الناس ساقا وقدما خلا انها شعراء {قال} لها سليمان لا تكشفى عن ساقيك {انه} اى ماتوهمته ماء {صرح ممرد} مملس مسوى: بالفارسية [همواره جون روى آبكينه وشمشير] ومنه الامرد لتجرده عن الشعر وكونه املس الخدين وشجرة مرداء اذا لم يكن عليها ورق {من قوارير} اى مصنوع من الزجاج الصافى وليس بماء جمع قارورة: وبالفارسية [آبكينه]. وفى القاموس القارورة ما قر فيه الشراب ونحوه او يخص بالزجاج {قالت} حين عاينت تلك المعجزة ايضا {رب} [اى بروردكارمن] {انى ظلمت نفسى} بعبادة الشمس {واسلمت مع سليمان لله رب العالمين} فيه التفات الى الاسم الجليل والوصف بالربوبية لاظهار معرفتها بالوهيته تعالى وتفرده باستحقاق العبودية وربوبيته لجميع الموجودات التى من جملتها ماكانت تعبده قبل ذلك من الشمس. والمعنى اخصلت له التوحيد تابعة لسليمان مقتدية به. وقال القيصرى اسلمت اسلام سليمان اى كما اسلم سليمان ومع هذا الموضع كمع فى قوله {أية : يوم لايخزى الله النبى والذين آمنوا معه}تفسير : اذ لاشك ان زمان ايمان المؤمنين ما كان مقارنا لزمان ايمان الرسل وكذا اسلام بلقيس ما كان عند اسلام سليمان فالمراد كما انه آمن بالله آمنت بالله وكما انه اسلم اسلمت لله انتهى. ويجوز ان يكون مع ههنا واقعا موقع بعد كما فى قوله {أية : ان مع العسر يسرا}،تفسير : واختلف فى نكاح بلقيس فقيل انكحها سليمان فتى من ابناء ملوك اليمن وهو ذو تبع ملك همدان وتبع بلغة اليمن الملك المتبوع وذلك ان سليمان لما عرض عليها النكاح ابته وقالت مثلى لاينكح الرجال فاعلمها سليمان ان النكاح من شريعة الاسلام فقالت ان كان ذلك فزوجنى من ذى تبع فزوجه اياها ثم ردها الى اليمن وسلط زوجها اذا تبع على اليمن ردعا زوبعة امين جن اليمن فامره ان يكون فى خدمة ذى تبع ويعمل له مااستعمله فيه فصنع له صنائع باليمن وبنى له حصونا مثل صرواح ومرواج وهندة وهنيدة وفتلوم [اين نام قلعها ست درزمين يمن كه شياطين آنرا بناكرده اندازبهر ذى تبع وامروز ازان هيج برباى نيست همه خراب كشته ونيست شده] وانقضى ملك ذى تبع وملك بلقيس مع ملك سليمان ولما مات سليمان نادى زوبعة يامعشر الجن قد مات سليمان فارفعوا رؤسكم فرفعوها وتفرقوا. والجمهور على ان سليمان نكحها لنفسه. قال فى التأويلات النجمية فى الآية دليل عى ان سليمان اراد ان ينكحها وانما صنع الصرح لتكشف عن ساقيها فرآها ليعلم ماقالت الشياطين فى حقها أصدق ام كذب ولو لم يستنكحها لما جوز من نفسه النظر الى ساقيها انتهى. قال فى فتح الرحمن اراد سليمان تزوجها فكره شعر ساقيها فسأل الانس مايذهب هذا قالوا الموسى فقال الموسى يخدش ساقها فسأل الجن فقالوا لاندرى ثم سأل الشياطين فقالوا نحتال لك حتى تصير كالفضة البيضاء فاتخذوا النورة والحمام فكانت النورة والحمام من يومئذ. ويقال ان الحمام الذى ببيت المقدس بباب الاسباط انما بنى له وانه اول حمام بنى على وجه الارض. وفى روضة الاخبار قال جنى لسليمان ابنى لك دارا تكون فى بيوته الاربعة الفصول الاربعة من السنة فبنى الحمام فلما تزوجها سليمان احبها حبا شديدا واقرها على ملكها وامر الجن فبنوا لها بارض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا حسنا وهى ملحين وغمدان وبينون [امروز ازان بناها وقصرها جز اسم وطلل آن برجاى نيست بلكه همه خرابند] كما قال تعالى فى سورة هود وحصيد ثم كان يزروها فى كل شهر مرة ويقيم عندها ثلاثة ايام وولدت له داود بن سليمان بن داود [وآن بسر درحيات بدر ازدينا برفت] ـ روى ـ ان سليمان ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة فمدة ملكه اربعون سنة ووفاته فى اواخر سنة خمس وسبعين وخمسمائة لوفاة موسى عليه السلام وبين وفاته والهجرة الشريفة الاسلامية الف وسبعمائة وثلاث وسبعون سنة ونقل ان قبره ببيت المقدس عند الجيسمانية وهو وابوه داود فى قبر واحد. وبلقيس بعد [از سليمان بيك ماه ازدينا برفت] ولما كسروا جدار تدمر وجدوها قائمة عليها اثنتان وسبعون حلة قد امسكها الصبر والمصطكى ذلك وان جمالها شىء عظيم اذا حركت تحركت مكتوب عندها انا بلقيس صاحبة سليمان بن داود خرب الله من يخرب بيتى وكان ذلك فى ملك مروان الحمار شعر : همه تخت وملكى بذيرد زوال بجز ملك فرمانده لايزال جهان اى بسر مالك جاويد نيست ز دنيا وفادارى اميد نيست مكن تكيه برملك وجاه وحشم كه بيش ازتو بودست وبعدازتوهم نه لايق بود عشق بادلبرى كه هر بامدادش بود شوهرى دريغا كه بى مابسى روز كار برويد كل وبشكفد نو بهار مكن عمر ضايع بافسوس وحيف كه فرصت عزيزست والوقت سيف عروسى بود نوبت ما تمت كرت نيك روزى بود خاتمت
الجنابذي
تفسير : {قِيلَ لَهَا ٱدْخُلِي ٱلصَّرْحَ} الصّرح هو الموضع المنبسط من غير سقفٍ، وقيل: انّه قصر من زجاجٍ، وقيل: كلّ بناءٍ من زجاجٍ او صخرٍ او غير ذلك موثّق فهو صرح، قيل: لمّا اقبلت بلقيس امر سليمان (ع) الشّياطين ببناء الصّرح من قوارير واجرى تحته الماء وجمع فى الماء الحيتان والضّفادع ودوابّ البحر ثمّ وضع له فيه سرير فجلس عليه {فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً} قيل قالت: ما وجد ابن داود (ع) عذاباً يقتلنى به الاّ الغرق وانِفَت ان تجبن فلا تدخل {وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا} فلمّا رآها سليمان (ع) وكان عليهما شعور كرهتها سليمان فاستشار الجنّ فى ذلك فعملوا الحمّامات وطبخوا النّورة وكان اوّل ما صنعت النّورة {قَالَ} لها سليمان (ع): ليس ههنا ماء {إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ} مملّس {مِّن قَوارِيرَ قَالَتْ} بعد ما علمت انّها اساءت الظّنّ بنبىّ الله (ع) {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} بالظّنّ السّوء بنبيّك {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} وللاشارة الى ضعفها وعدم استقلالها باسلامها قال: اسلمت مع سليمان (ع) واختلف فى امرها؛ فقيل: انّه تزوّجها سليمان واقرّها على ملكها، وقيل: انّه زوّجها من ملك يقال له تتّبع وردّها الى ارضها، وامر اميراً من امراء الجنّ باليمن ان يطيعه ويعمل له، فصنع له المصانع باليمن.
الأعقم
تفسير : {قيل لها ادخلي الصرح} القصر، وقيل: صحن الدار، وروي أنه أمر قيل: قدومها فبني له على طريقها قصر من زجاج أبيض وأجرى فيه من تحته الماء وألقى فيه من دواب البحر السمك وغيره، ووضع سريره في صدره فجلس عليه وعكفت عليه الطير والجن والإِنس، وإنما فعل ذلك ليزيدها استعظاماً لأمره وتحقيقاً لنبوته وبياناً على الدين، وزعموا أن الجن كرهوا أن يتزوجها فتفضي إليه بأسرارهم لأنها كانت بنت جنيّة، وقيل: خافوا أن يولد له منها ولد فيجمع له فطنة الجن والإِنس فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك هو أشد وأفظع، فقالوا له: إن في عقبها شيئاً وهو شعر الساقين ورجلها كحافر الحمار، فاختبر عقلها بتنكير العرش، واتخذ الصرح ليعرف ساقها فكشفت عنهما فإذا هي أحسن الناس ساقاً إلا أنها شعراء، ثم صرف بصره وناداها: {إنه صرح ممرّد من قوارير}، وقيل: هي السبب في اتحاد النورة أمر بها الشياطين فاتخذوها، واستنكحها سليمان وأحبها وأقرها على ملكها وأمر الجن فبنوا لها سلحين وعمدان، وكان يزورها في الشهر مرة فيقيم عندها ثلاثة أيام وولدت له، وقيل: بل زوجها ذا تبع ملك همدان وسلطه على اليمن، وأمر زوبعة أمير جن اليمن أن يطيعه فبنى له المصانع ولم يزل أميراً حتى مات سليمان، روي ذلك في الكشاف، ثم بيَّن تعالى قصة صالح فقال تعالى: {ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون} يعني فريق مؤمن وفريق كافر، وقيل: أراد بالفريقين صالح وقومه قبل أن يؤمن منهم أحد، وقوله: {يختصمون} يقول كل فريق: الحق معي، وذلك أنهم سارعوا في الدين قبل اختصامهم ما حكى الله عنهم في سورة الأعراف قوله: {أية : وقال الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا} تفسير : [الأعراف: 75] إلى أن قالوا: {أية : يا صالح ائتنا بما تعدنا} تفسير : [الأعراف: 77] من العذاب فقال صالح: {يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة}، قيل: بالعذاب قبل الرحمة، وقيل: السيئة العقوبة، والحسنة التوبة، وقيل: أنهم كانوا بجهلهم يقولون: أن العقوبة التي يعدها صالح إن وقعت بيننا حينئذ واستغفرنا مقدرين أن التوبة مقبولة في ذلك الوقت، وإن لم يقع فنحن على ما نحن عليه، فخاطبهم صالح على حسب قولهم واعتقادهم قال لهم: هلا {تستغفرون الله} قبل نزول العذاب {لعلكم ترحمون} {قالوا اطيرنا بك} أي تشاءمنا بك {وبمن معك} ممن هو على دينك، قيل: امسك عنهم المطر فحطموا فقالوا: هذا من شؤمك وشؤم أصحابك، ولم يعلموا أن ذلك شؤم كفرهم فقال صالح: {طائركم عند الله} مصائبكم، يعني ما يصيبكم من الخير والشر والخصب والجدب عند الله {بل أنتم قوم تفتنون} تعذبون أو يفتنكم الشيطان بوسوسته إليكم {وكان في المدينة تسعة رهط} يعني مدينة هود وهي الحجر {يفسدون} يعني تسعة نفر، وقيل: كانوا من أشرافهم، وروي أنهم الذين سعوا في عقر الناقة {قالوا تقاسموا بالله} أي تحالفوا بينهم، وقيل: لما آتاهم أمارات العذاب اجتمعوا وتقاسموا على قتله وقتل من معه من المؤمنين، وقيل: لما متعوا ثلاثة أيام فخافوا العذاب ودبروا في قتله فقالوا عند التحالف {لنبيتنه} ليلاً ولنقتلنه {وأهله} الذين معه على دينه، ثم طلبوا عذراً عند أوليائه، وكانوا أهل شوكة فقالوا: {ثم لنقولنّ لوليّه} ولي دمه {ما شهدنا مهلك أهله} أي إهلاكهم {وإنا لصادقون} في هذا العذر، قيل: لما اجتمعوا أتوا صالحاً دفعهم الملائكة بالحجارة، وقيل: أخذتهم الصيحة {ومكروا مكراً} أي دبروا واحتالوا حتى قصدوا بيت صالح {ومكرنا مكراً} أي جازيناهم على مكرهم {وهم لا يشعرون} يعني لا يعلمون عاقبة أمرهم {فانظر} يا محمد أو أيها السامع {كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمّرناهم وقومهم أجمعين} {فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا} يعني بيوت ثمود وهي بوادي الحجر بين المدينة والشام خاوية خربة خالية، وروي أنهم أهلكوا بالصيحة، وقيل: رموا بالحجارة {إن في ذلك لآية} لعبرة فيما تقدم من القصص {لقوم يعلمون} {وأنجنيا الذين آمنوا} من العذاب صالح ومن معه {وكانوا يتقون} الكفر والمعاصي {ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون} أنها فاحشة {أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون}، قيل: تجهلون الحق، وقيل: تجهلون العقوبة {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون} عن إتيان الرجال {فأنجيناه وأهله} ومن آمن به، قوله تعالى: {إلاَّ امرأته قدرناها} قضينا عليها، وقيل: كتبنا عليها {من الغابرين} الباقين في العذاب لأنها شاركتهم في الشرك ورضيت بفعلهم {وأمطرنا عليهم مطراً} وهي الحجارة، وقيل: مطر الغائب وخسف الحاضر في المدينة فهم يهوون إلى يوم القيامة عن الحسن {فساء مطر المنذرين} أي الكفار، قيل: الخطاب للوط، وقيل: للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: يحتمل لكل من سمع.
اطفيش
تفسير : {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ} القصر وقيل صحن الدار وقيل الصرح القصر قبل عرصة الدار قال محمد بن كعب أمر سليمان الجن فصنعت له صرحا وهو أملس وهو السطح في الصحن من غير سقف وبنته كالسهريج مملوءً ماء وبث فيه السمك وطبقه بالزجاج الأبيض الشفاف وبهذا جاء صرحا والصرح أيضا كل بناء عال والكل من التصريح وهو الاعلان البالغ وقيل الصرح صحن الدار والقى تحته في الماء السمك والضفادع وغيرها من دواب الماء ووضع كرسيه في صدره فجلس عليه وعكف عليه الطير والجن والانس وفعل ذلك ليزيدها استعظاما لأمره وتحققا لنبوته ولتكشف عن ساقيها فيرى هل هما شعرا وان أم لا وهل هما كحافر حمار أم لا وذلك ان الجن بهتوها بذلك لئلا يتزوجها فيولد له ولد منها فيجمع فطنة الجن والانس فيملك بعده فلا ينفكون من التسخير بل يشتد التسخير ولئلا تفشي اليه ما كتموه من أمر الجن وقيل عمل الصرح ليختبر فهمها كما فعلت بالوصفان والوصائف ويعاتبها بذلك وهو قول بن منبه. {فَلَمَا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً} ماء عظيما. {وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا} لتخوضها الى سليمان ولا تبتل ثيابها. {قَالَ} سليمان. {إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ} مملس. {مِّن قَوَارِيرَ} الزجاج وليس بماء قال لها ذلك بعد أن رآها أحسن الناس قدما وساقا الا انها كانت شعراء الساقين وكف بصره عنها بعد ذلك وأخبرها انه ليس بماء فسترت ساقيها وروي ان الجن قالوا لها ذلك أيضا بعد ان رآها وقرأ ابن كثير (سأقيها) بهمزة الألف قال الكلبي: اجروا الماء أو حفروه في أرض بيضاء وبنوا عليه بالزجاج وتحته دواب البحر وعن مجاهد كان الصرح بركة ماء ضرب عليها سليمان الزجاج وزعموا عنه أن امها جنية وأن مؤخر رجليها كحافر الدابة فكانت اذا وضعته على الصرح هشمته وروي ان بعض الجن قال أنا اصرفه عن تزوجها وجاءه فقال له لم تلد جنية من انسي إلا وكان رجلها رجل حمار فوقع ذلك في نفس سليمان فجاءه جني يحبه فقال له يا نبي الله أنا أعمل لك شيئا تختبرها به فعمل الصرح وعلمت أن ملك سليمان من الله تعالى وآمنت بالله وبنبوته. {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} بعبادة غيرك وقيل لما بلغت الصرح ظنته لجة فقالت في نفسها أن سليمان يريد أن يغرقني وكان القتل أهون من هذا ولما تبين لها غير ذلك قالت رب اني ظلمت نفسي بذلك الظن. {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} والظاهر أن هذا الكلام منها يوجب ولايتها والقطع انها من أهل الجنة فانظر كتب الفقه ثم أن بعض العلماء يقول لا علم لأحد وراء قولها وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين اذ لم يرد أمرها في الكتاب ولا في السنة وقيل أمرها بعد ذلك انه تزوجها سليمان وكره كثرة شعر ساقيها فسأل الانس عما يذهب ذلك؟ فقال: الموسى فقالت: انه لم يمسني حديد قط فكره سليمان الموسى وقال: انها تقطع ساقيها فسأل الجن فقالوا: لا ندري فسأل الشياطين فكتموا فألح عليهم فقالوا: نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء فاتخذوا النورة والحمام ولم يكونا قبل ذلك وأحبها سليمان حبا شديدا وأقرها على ملكها وأمر الجن فبنوا لها في اليمن سلحين وبينون وغمدان ثلاثة حصون لم ير مثلها ارتفاعا وحسنا وكان يزورها من الشام كل شهر مرة على الريح فيقيم عندها ثلاثة ايام وولدت له ابنا سمّاه داوود ومات في حياته وقال الضحاك: تزوجها وأسكنها الشام وعن ابي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أول من اتخذ الحمام سليمان عليه السلام ولما ألصق ظهره للجدار قال أواه من عذاب الله "تفسير : وعن محمد ابن اسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه انهم زعموا أن سليمان قال لها لما أسلمت وفرغ أمرها: اختاري رجلا من قومك أزوجكه فقالت: ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال وقد كان لي من قومي الملك والسلطان قال: نعم لا يكون في الاسلام الا ذلك ولا ينبغي لك ان تحرمي ما أحل الله لك. فقالت: ان كان ذلك لا بد منه فزوجني تبعا ملك همدان فزوجه إياها وردها الى اليمن وسلط زوجها ذا تبع على اليمن وامر زوبعة امير جن اليمن ان يعمل لتبع ما استعمله فيه فلم يزل يعمل له ما اراد الى ان مات سليمان وحال الحول وعلمت الجن بموته فغنى رجل منهم بأعلى صوته يا معشر الجن ان الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم وملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة ومات وهو ابن ثلاث وخمسين فرفعت الجن ايديها عن الخدمة وانقضى ملكه وملك تبع وملك بلقيس فسبحان من لا ينقضي ملكه. وروي انه لما دخلت الصرح وأعلمها انه غير ماء وجلست معه، قالت: عليك السلام يا نبي الله أريد أن أسألك عن شيء. قال: سليني. قالت: أخبرني عن ماء روي ليس من السماء ولا من الأرض وكان سليمان عليه السلام اذا جاءه شيء لا يعلمه سأل الانس فان كان عندهم علم وإلا سأل الجن فان علموا وإلا سأل الشياطين فسأل الشياطين فقالوا: ما أوهن ذلك من الخيل فلتجر واملأ الآنية من عرقها. فقال عليه السلام: هو عرق الخيل، قالت: صدقت، فقالت: أخبرني عن لون ربك تعالى الله عن اللون فوثب عن سريره وخر ساجدا لله فقامت عنه وتفرقت جنوده وجاء جبريل عليه السلام فقال له: يا نبي الله يقول لك ربك ما شأنك قال يا رب أنت اعلم بما قالت قال فان الله تعالى يأمرك ان تعود إلى سريرك فترسل اليها والى من حضر من جنودك تسألها عما سألتك ففعل سليمان عليه السلام ذلك فلما دخلوا عليه قال لها: عماذا سألتني؟ قالت: سألتك عن ماء ليس من الأرض ولا من السماء؟ فأجبت فقال: وعن أي شيء سألتني أيضا؟ قالت: ما سألتك عن شيء إلا هذا فسأل الجنود فقالوا مثل قولها أنساهم الله تعالى ذلك وكفى سليمان الجواب ثم دعاها للاسلام فأسلمت.
الالوسي
تفسير : {قِيلَ لَهَا ٱدْخُلِى ٱلصَّرْحَ } استئناف بياني كأنه قيل فماذا قيل لها بعد الامتحان المذكور؟ فقيل: {قِيلَ لَهَا ٱدْخُلِى } الخ ولم يعطف على قوله تعالى: {أية : أَهَكَذَا عَرْشُكِ }تفسير : [النمل: 42] لئلا يفوت هذا المعنى. وجىء بلها هنا دون ما مر لمكان أمرها، و {ٱلصَّرْحَ } القصر وكل بناء عال ومنه {أية : ٱبْنِ لِى صَرْحاً }تفسير : [غافر: 36] وهو من التصريح وهو الإعلان البالغ. وقال مجاهد {ٱلصَّرْحَ } هنا البركة. وقال ابن عيسى الصحن وصرحة الدار ساحتها. وروي أن سليمان عليه السلام أمر الجن قبل قدومها فبنوا له على طريقها قصراً من زجاج أبيض وأجرى من تحته الماء وألقى فيه من دواب البحر السمك وغيره. وفي رواية أنهم بنوا له صرحاً وجعلوا له طوابيق من قوارير كأنها الماء وجعلوا في باطن الطوابيق كل ما يكون من الدواب في البحر ثم أطبقوه - وهذا أوفق بظاهر الآية - ووضع سريره في صدره فجلس عليه وعكفت عليه الطير والجن والإنس وفعل ذلك امتحاناً لها أيضاً على ما قيل، وقيل: ليزيدها استعظاماً لأمره وتحقيقاً لنبوته وثباتاً على الدين، وقيل لأن الجن قالوا له عليه السلام إنها شعراء / السابقين ورجلها كحافر الحمار فأراد الكشف عن حقيقة الحال بذلك، وقال الشيخ الأكبر قدس سره ما حاصله إنه أراد أن ينبهها بالفعل على أنها صدقت في قولها في العرش {أية : كَأَنَّهُ هُوَ }تفسير : [النمل: 42] حيث إنه انعدم في سبأ ووجد مثله بين يديه فجعل لها صرحاً في غاية اللطف والصفاء كأنه ماء صاف وليس به، وهذا غاية الإنصاف منه عليه السلام ولا أظن الأمر كما قال والله تعالى أعلم. واستدل بالآية على القول بأن أمرها بدخول الصرح ليتوصل به إلى كشف حقيقة الحال على إباحة النظر قبل الخطبة وفيه تفصيل مذكور في كتب الفقه. {فَلَمَّا رَأَتْهُ } أي رأت صحته بناء على أن الصرح بمعنى القصر {حَسِبَتْهُ لُجَّةً } أي ظنته ماء كثيراً {وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا } لئلا تبتل أذيالها كما هو عادة من يريد الخوض في الماء، وقرأ ابن كثير برواية قنبل {سأقيها} بهمز ألف سأق حملاً له على جمعه سؤق وأسؤق فإنه يطرد في الواو المضمومة هي أو ما قبلها قلبها همزة فأنجر ذلك بالتبعية إلى المفرد الذي في ضمنه. وفي «البحر» حكى أبو علي أن أباحية النميري كان يهمز كل واو قبلها ضمة وأنشد:شعر : أحب المؤقدين إلى مؤسى تفسير : وفي «الكشف» الظاهر أن الهمز لغة في ساق ويشهد له هذه القراءة الثابتة في السبعة. وتعقب بأنه يأباه الاشتقاق. وأياً ما كان فقول من قال: إن هذه القراءة لا تصح لا يصح {قَالَ } أي سليمان عليه السلام حين رأى ما اعتراها من الدهشة والرعب، وقيل: القائل هو الذي أمرها بدخول الصرح وهو خلاف الظاهر {إِنَّهُ } أي ما حسبته لجة {صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ } أي مملس ومنه الأمرد للشاب الذي لا شعر في وجهه وشجرة مرداء لا ورق عليها ورملة مرداء لا تنبت شيئاً والمارد المتعري من الخير {مّن قَوارِيرَ } من الزجاج وهو جمع قارورة. {قَالَتْ } حين عاينت هذا الأمر العظيم {رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى } أي بما كنت عليه من عبادة الشمس، وقيل: بظني السوء بسليمان عليه السلام حيث ظنت أنه يريد إغراقها في اللجة وهو بعيد. ومثله ما قيل أرادت ظلمت نفسي بامتحاني سليمان حتى امتحنني لذلك بما أوجب كشف ساقي بمرأى منه {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَـٰنَ } تابعة له مقيدة به، وما في قوله تعالى: {للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } من الالتفات إلى الاسم الجليل لإظهار معرفتها بألوهيته تعالى وتفرده باستحقاق العبادة وربوبيته لجميع الموجودات التي من جملتها ما كانت تعبده قبل ذلك من الشمس، وكأن هذا القول تجديد لإسلامها على أتم وجه وقد أخرجته مخرجاً لا أنانية فيه ولا كبر أصلاً كما لا يخفى. واختلف في أمرها بعد الإسلام فقيل إنه عليه السلام تزوجها وأحبها وأقرها على ملكها وأمر الجن فبنوا لها سيلحين وغمدان وكان يزورها في الشهر مرة فيقيم عندها ثلاثة أيام وولدت له. وأخرج ابن عساكر عن سلمة بن عبد الله بن ربعي أنه عليه السلام أمهرها بعلبك، وذكر غير واحد أنها حين كشفت عن ساقيها أبصر عليهما شعراً كثيراً فكره أن يتزوجها كذلك فدعا الأنس فقال: ما يذهب بهذا؟ فقالوا: يا رسول الله المواسي فقال: المواسي تقطع ساقي المرأة، وفي رواية أنه قيل لها ذلك فقالت لم يمسسني الحديد قط فكره سليمان المواسي وقال: إنها تقطع ساقيها ثم دعا الجن فقالوا مثل ذلك ثم دعا الشياطين فوضعوا له النورة، قال ابن عباس وكان ذلك اليوم أول يوم رؤيت فيه النورة، وعن عكرمة أن أول من / وضع النورة شياطين الإنس وضعوها لبلقيس وهو خلاف المشهور، ويروى أن الحمام وضع يومئذ. وفي «تاريخ البخاري» حديث : عن أبـي موسى الأشعري قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من صنعت له الحمامات سليمان» تفسير : وأخرج الطبراني وابن عدي في «الكامل» والبيهقي في «شعب الإيمان» عنه أيضاً قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام:«حديث : أول من دخل الحمام سليمان فلما وجد حره قال أوه من عذاب الله تعالى»تفسير : وروي عن وهب أنه قال: زعموا أن بلقيس لما أسلمت قال لها سليمان: اختاري رجلاً من قومك أزوجكه فقالت: أمثلي يا نبـي الله تنكح الرجال وقد كان في قومي من الملك والسلطان ما كان؟ قال: نعم إنه لا يكون في الإسلام إلا ذلك وما ينبغي لك أن تحرمي ما أحل الله تعالى لك فقالت: زوجني إن كان لا بد من ذلك ذا تبع ملك همدان فزوجها إياه ثم ردها إلى اليمن وسلط زوجها ذا تبع على اليمن ودعا زوبعة أمير جن اليمن فقال اعمل لذي تبع ما استعملك فيه فلم يزل بها ملكاً يعمل له فيها حتى مات سليمان فلما أن حال الحول وتبين الجن موته عليه السلام أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته با معشر الجن إن الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم فرفعوا أيديهم وتفرقوا وانقضى ملك ذي تبع وملك بلقيس مع ملك سليمان عليه السلام. وقال عون بن عبد الله: سأل رجل عبد الله بن عتبة هل تزوج سليمان بلقيس فقال انتهى أمرها إلى قولها: {أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَـٰنَ لِلَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } قيل: يعني لا علم لنا وراء ذلك. والمشهور أنه عليه السلام تزوجها وإليه ذهب جماعة من أهل الأخبار. وأخرج البيهقي في «الزهد» عن الأوزاعي قال: كسر برج من أبراج تدمر فأصابوا فيه امرأة حسناء دعجاء مدمجة كأن أعطافها طي الطوامير عليها عمامة طولها ثمانون ذراعاً مكتوب على طرف العمامة بالذهب (بسم الله الرحمن الرحيم أنا بلقيس ملكة سبأ زوجة سليمان بن داود عليهما السلام ملكت من الدنيا كافرة ومؤمنة ما لم يملكه أحد قبلي ولا يملكه أحد بعدي صار مصيري إلى الموت فاقصروا يا طالبـي الدنيا) والله تعالى أعلم بصحة الخبر، وكم في هذه القصة من أخبار الله تعالى أعلم بالصحيح منها، والقصة في نفسها عجيبة وقد اشتملت على أشياء خارقة للعادة بل يكاد العقل يحيلها في أول وهلة، ومما يستغرب ولله تعالى فيه سر خفي خفاء أمر بلقيس على سليمان عدة سنين كما قاله غير واحد مع أن المسافة بينه وبينها لم تكن في غاية البعد وقد سخر الله تعالى له من الجن والشياطين والطير والريح ما سخر وهذا أغرب من خفاء أمر يوسف على يعقوب عليهما السلام بمراتب، وسبحان من لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات وفي الأرض، وهذا وللصوفية في تطبيق ما في هذه هذه القصة على ما في الأنفس كلام طويل، ولعل الأمر سهل على من له أدنى ذوق بعد الوقوف على بعض ما مر من تطبيقاتهم ما في بعض القصص على ذلك والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
ابن عاشور
تفسير : جملة: {قيل لها ادخلي الصرح} استئناف ابتدائي لجزء من القصة. وطوي ذكر ترحلها إلى وصولها في ذكر ما يدل عليه من حلولها أمام صرح سليمان للدخول معه إليه أو الدخول عليه وهو فيه. لما أراها سليمان عظمة حضارته انتقل بها حيث تشاهد أثراً بديعاً من آثار الصناعة الحكيمة وهو الصرح. والصرح يطلق على صحن الدار وعَرصتها. والظاهر أن صرح القصر الذي ذكر في سفر الملوك الأول في الإصحاح السابع وهو بيت وَعْر له بابان كان يجلس فيه سليمان للقضاء بين الناس. والقائل لها: {ادخلي الصرح} هم الذين كانوا في رفقتها. والقائل {إنه صرح ممرد من قوارير} هو سليمان كان مصاحباً لها أو كان يترقبها وزجاج الصرح المبلط به الصرح بينهما. وذكر الدخول يقتضي أن الصرح مكان له باب. وفي سفر الملوك الأول في الإصحاح العاشر: فلما رأت البيت الذي بناه. وحكاية أنها حسبته لجة عندما رأته تقتضي أن ذلك بدا لها في حين دخولها فدل على أن الصرح هو أول ما بدا لها من المدخل فهو لا محالة ساحة مَعْنِيّة للنزهة فرشت بزجاج شفاف وأجري تحته الماء حتى يخاله الناظر لُجّة ماء. وهذا من بديع الصناعة التي اختصت بها قصور سليمان في ذلك الزمان لم تكن معروفة في اليمن على ما بلغته من حضارة وعظمة بناء. وقرأ قنبل عن ابن كثير {عن سأقيها} بهمزة ساكنة بعد السين عوضاً عن الألف على لغة من يهمز حرف المدّ إذا وقع وسط الكلمة. ومنه قول جرير:شعر : لحَب المُؤقِدانِ إليَّ مؤسى وجعدة إذْ أضاءهما الوقود تفسير : فهمَز المؤقدان ومؤسى.وكشف ساقيها كان من أجل أنها شمرت ثيابها كراهية ابتلالها بما حسبته ماء. فالكشف عن ساقيها يجوز أن يكون بخلع خفيها أو نعليها، ويجوز أن يكون بتشمير ثوبها. وقد قيل: إنها كانت لا تلبس الخفّين. والممرّد: المملس. والقوارير: جمع قارورة وهي اسم لإناء من الزجاج كانوا يجعلونه للخمر ليظهر للرائي ما قرّ في قعر الإناء من تفث الخمر فيظهر المقدار الصافي منها. فسمى ذلك الإناء قارورة لأنه يظهر منه ما يقَرّ في قعره، وجمعت على قَوارير، ثم أطلق هذا الجمع على الطين الذي تتخذ منه القارورة وهو الزجاج، فالقوارير من أسماء الزجاج، قال بشار:شعر : ارفُق بعمرو إذا حركْت نسبته فإنه عربي من قَوارير تفسير : يريد أن نسبته في العرب ضعيفة إذا حُرّكت تكسرت. وقد تقدم ذكر الزجاج عند قوله تعالى: {أية : المصباح في زجاجة} تفسير : في سورة النور (35). بهرها ما رأت من آيات علمت منها أن سليمان صادق فيما دعاها إليه وأنه مؤيَّد من الله تعالى، وعلمت أن دينها ودين قومها باطل فاعترفت بأنها ظلمت نفسها في اتباع الضلال بعبادة الشمس. وهذا درجة أولى في الاعتقاد وهو درجة التخلية، ثم صعدت إلى الدرجة التي فوقها وهي درجة التحَلّي بالإيمان الحق فقالت: {وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} فاعترفت بأن الله هو رب جميع الموجودات، وهذا مقام التوحيد. وفي قولها: {مع سليمان} إيمان بالدين الذي تقلده سليمان وهو دين اليهودية، وقد أرادت جمع معاني الدين في هذه الكلمة ليكون تفصيلها فيما تتلقاه من سليمان من الشرائع والأحكام. وجملة: {قالت رب إني ظلمت نفسي} جواب عن قول سليمان {إنه صرح ممرّد من قوارير} ولذلك لم تعطف. والإسلام: الانقياد إلى الله تعالى. وتقلُّد بلقيس للتوحيد كان في خاصة نفسها لأنها دانت لله بذلك إذ لم يثبت أن أهل سبأ انخلعوا عن عبادة الأصنام كما يأتي في سورة سبأ. وأما دخول اليهودية بلاد اليمن فيأتي في سورة البروج. وسكت القرآن عن بقية خبرها ورجوعها إلى بلادها، وللقصاصين أخبار لا تصح فهذا تمام القصة. ومكان العبرة منها الاتعاظ بحال هذه الملكة، إذ لم يصدّها علوّ شأنها وعظمة سلطانها مع ما أوتيته من سلامة الفطرة وذكاء العقل عن أن تنظر في دلائل صدق الداعي إلى التوحيد وتوقن بفساد الشرك وتعترف بالوحدانية لله، فما يكون إصرار المشركين على شركهم بعد أن جاءهم الهدي الإسلامي إلا لسخافة أحلامهم أو لعمايتهم عن الحق وتمسكهم بالباطل وتصلبهم فيه. ولا أصل لما يذكره القصّاصون وبعض المفسرين من أن سليمان تزوج بلقيس، ولا أن له ولداً منها. فإن رحبعام ابنَه الذي خلفه في الملك كان من زوجة عَمُّونِيَّة.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 44- قيل لها من بعد ذلك: ادخلى قصر سليمان، وكان صحنه من زجاج تحته ماء يسبح فيه السمك، فكشفت عن ساقيها تحسب ما تمر فيه ماء، فنبهها سليمان إلى أن الصحن أملس مكون من زجاج، فراعها ذلك المنظر المادى، وعلمت أن ملكها لا يساوى شيئاً بجوار ملك سليمان - النبى - فقالت: رب إنى ظلمت نفسى باغترارى بملكى وكفرى، وأذعنت فى صحبة سليمان مؤمنة بالله تعالى خالق العالمين ومربيهم والقائم عليهم. 45- ولقد بعثنا إلى ثمود أخاهم صالحاً بأن وحِّدوا الله، فسارعوا إلى الاختصام والاختلاف، وصاروا فريقين: أحدهما مؤمن والآخر كافر. 46- قال صالح ناصحاً لهم: يا قوم لم تستعجلون بالعذاب الذى توعدون قبل التوبة، هلا تطلبون المغفرة من ربكم وتؤمنون به رجاء أن ترحموا؟! 47- وقالوا: تشاءمنا بك أنت ومن معك وأصابنا القحط، قال: أسباب الخير والشر الذى نزل بكم إنما كان من عند الله. بل أنتم قوم تختبرون بالسراء والضراء، لعلكم تؤمنون. 48- وكان زعماء الشر فيهم تسعة، يفسدون بآرائهم ودعايتهم فى الأرض، وليس من شأنهم عمل الصالح. 49- قال أولئك المشركون بعضهم لبعض: تبادلوا القسم بالله لنغيرن عليه هو وأهله ونقتلهم، ثم نقول لولى دمه: ما شهدنا هلاكه ولاهلاك أهله، وإنا لصادقون فيما ذكرنا. 50- دبَّروا الفتك بصالح وأهله، والله من ورائهم قد دبَّر النجاة لنبيه وأهله والهلاك لهم وهم لا يشعرون بتدبير الله.
د. أسعد حومد
تفسير : {سُلَيْمَانَ} {ٱلْعَالَمِينَ} (44) - كانَ سليمانُ عليهِ السلامُ قد أمَرَ الشَّياطينَ فَبَنَوْا لَها قَصْراً (صَرْحاً) عَظيماً من زُجَاجٍ، أُجِريَ الماءُ من تحتِهِ، فمَنْ لا يَعْرِفُ أَمْرَهُ يَظُنُّ أَنَّهُ ماءٌ، ولكنَّ الزُّجَاجَ يَحُولُ بينَ الماءِ وبينَ الماشِي. ثمَّ قالَ لها سليمانُ: ادْخُلِي الصَّرْحَ لِيُرِيَها مُلْكاً أعَزَّ من مُلْكِها، وسُلْطَاناً أعْظَمَ من سُلْطَانِها، فَلَمّا رأتِ الماءَ تَحْتَ الزُّجَاجِ ظَنَّتْ أنَّهَا سَتَخُوضُ فيهِ، فَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْها لِتَخُوضُ فقَالَ لَها سُليمانُ إِنَّهُ زُجَاجُ، وليسَ ماء، فلَمَّا وقَفَتْ عَلَى سليمانَ عَاتَبهَا على عِبَادَةِ الشَّمسِ مِنْ دُونِ اللهِ، وَدَعَاهَا إِلى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، فأسْلَمَتْ وحَسُنَ إسِلامُها، واتَّبعَتْ دينَ سُليمانَ، وَقَالَتْ: رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بعِبَادَةِ الشَّمسِ، وبِاغْتِرَارِي بِمُلْكِي، وأسْلَمْتُ مَعَ سُليمانَ للهِ ربِّ العالمينَ، وخالقِ كلِّ شيءٍ. الصَّرْحُ - القَصْرُ أَوِ البِنَاءُ المُرْتَفِعُ. مُمرَّدٌ - مُملَّسٌ مُسَوَّى. لُجَّةً - مَاءً غَزيراً أو عَمِيقاً. مِن قَواريرَ - من زجاجٍ شَفَّافٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الصَّرْح: إما أن يكون القصر المشيد الفخم، وإما أن يكون البهو الكبير الذي يجلس فيه الملوك مثل: إيوان كسرى مثلاً، فلما دخلتْ {حَسِبَتْهُ لُجَّةً ..} [النمل: 44] ظنَّته ماءً، والإنسان إذا رأى أمامه ماءً أو بَلَلاً يرفع ثيابه بعملية آلية قَسْرية حتى لا يصيبه البَلَل؛ لذلك كشفتْ بلقيس عن ساقيها يعني: رفعتْ ذَيْل ثوبها. وهنا نَبهها سليمان {إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوارِيرَ ..} [النمل: 44] يعني: ادخلي لا تخافي بللاً، فهذا ليس لُجةَ ماء، إنما صَرْح ممرد من قوارير يعني: مبنيٌّ من الزجاج والبللور أو الكريستال، بحيث يتموج الماء من تحته بما فيه من أسماك. {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ..} [النمل: 44] بالكفر أولاً، وبظنِّ السوء في سليمان، وأنه يريد أنْ يُغرقني في لجة الماء {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [النمل: 44] ويبدو أنها لم تنطق بكلمة الإسلام صريحة إلا هذه المرة، وأن القول السابق {أية : وَكُنَّا مُسْلِمِينَ}تفسير : [النمل: 42] كان من كلام سليمان عليه السلام. وقولها {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ ..} [النمل: 44] مثل قول سَحَرة فرعون لما رأوا المعجزة: {أية : آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ}تفسير : [طه: 70] لأن الإيمان إنما يكون بالله والرسول دال على الله، لذلك قالت: {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ ..} [النمل: 44] ولم تقُلْ: أسلمتُ لسليمان، نعم لقد دانتْ له، واقتنعتْ بنبوته، لكن كبرياء الملك فيها جعلها لا تخضع له، وتعلن إسلامها لله مع سليمان؛ لأنه السبب في ذلك، وكأنها تقول له: لا تظن أنِّي أسلمتُ لك، إنما أسلمتُ معك، إذن: أنا وأنت سواء، لا يتعالى أحد منا على الآخر، فكلانا عبد لله. وقد دخل هذه القصة بعض الإسرائيليات، منها أن سليمان - عليه السلام - جعل الصرح على هذه الصورة لتكشف بلقيس عن ساقيها؛ لأنه بلغه أنها مُشْعِرة الساقين، إلى غير هذا من الافتراءات التي لا تليق بمقام النبوة. ثم يأتي بنا الحق سبحانه إلى نبي آخر في موكب الأنبياء: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {قِيلَ لَهَا ٱدْخُلِي ٱلصَّرْحَ} معناه القَصرُ. وكانَ من قَواريرَ {فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً} معناه ماءٌ {[مُّمَرَّدٌ]} والمُمردُ: الطَّويلُ.
همام الصنعاني
تفسير : 2167- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {حَسِبَتْهُ لُجَّةً}: [الآية: 44]، قال: كانَ مِنْ قوارير، وكَانَ الماء من خلفه، فحسبته لُجَّةً أيْ ماءً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):