Verse. 3204 (AR)

٢٧ - ٱلنَّمْل

27 - An-Naml (AR)

وَلَقَدْ اَرْسَلْنَاۗ اِلٰى ثَمُوْدَ اَخَاہُمْ صٰلِحًا اَنِ اعْبُدُوا اللہَ فَاِذَا ہُمْ فَرِيْقٰنِ يَخْتَصِمُوْنَ۝۴۵
Walaqad arsalna ila thamooda akhahum salihan ani oAAbudoo Allaha faitha hum fareeqani yakhtasimoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم» من القبيلة «صالحاً أن» أي بأن «اعبدا الله» وحدوه «فإذا هم فريقان يختصمون» في الدين فريق مؤمنون من حين إرساله إليهم وفريق كافرون.

45

Tafseer

الرازي

تفسير : القصة الثالثة ـ قصة صالح عليه السلام قرىء {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } بالضم على إتباع النون الباء. أما قوله: {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ } ففيه قولان: أحدهما: المراد فريق مؤمن وفريق كافر الثاني: المراد قوم صالح قبل أن يؤمن منهم أحد. أما قوله: {يَخْتَصِمُونَ } فالمعنى أن الذين آمنوا إنما آمنوا لأنهم نظروا في حجته فعرفوا صحتها، وإذا كان كذلك فلا بد وأن يكون خصماً لمن لم يقبلها، وإذا كان هذا الاختصام في باب الدين دل ذلك على أن الجدال في باب الدين حق وفيه إبطال التقليد. أما قوله: {قَالَ يٰقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ } ففيه بحثان: الأول: في تفسير استعجال السيئة قبل الحسنة وجهان: أحدهما: أن الذين كذبوا صالحاً عليه السلام لما لم ينفعهم الحجاج توعدهم صالح عليه السلام بالعذاب فقالوا: { أية : ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } تفسير : [العنكبوت: 29] على وجه الاستهزاء، فعنده قال صالح: {لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ } والمراد أن الله تعالى قد مكنكم من التوصل إلى رحمة الله تعالى وثوابه، فلماذا تعدلون عنه إلى استعجال عذابه وثانيهما: أنهم كانوا يقولون لجهلهم إن العقوبة التي يعدها صالح إن وقعت على زعمه أتينا حينئذ واستغفرنا فحينئذ يقبل الله توبتنا ويدفع العذاب عنا، فخاطبهم صالح على حسب اعتقادهم، وقال هلا تستغفرون الله قبل نزول العذاب فإن استعجال الخير أولى من استعجال الشر. البحث الثاني: أن المراد بالسيئة العقاب وبالحسنة الثواب، فأما وصف العذاب بأنه سيئة فهو مجاز وسبب هذا التجويز، إما لأن العقاب من لوازمه أو لأنه يشبهه في كونه مكروهاً، وأما وصف الرحمة بأنها حسنة فمنهم من قال إنه حقيقة ومنهم من قال إنه مجاز والأول أقرب، ثم إن صالحاً عليه السلام لما قرر هذا الكلام الحق أجابوه بكلام فاسد، وهو قولهم: {ٱطَّيَّرْنَا بِكَ } أي تشاءمنا بك لأن الذي يصيبنا من شدة وقحط فهو بشؤمك وبشؤم من معك. قال صاحب «الكشاف» كان الرجل يخرج مسافراً فيمر بطائر فيزجره فإن مر سانحاً تيمن وإن مر بارحاً تشاءم فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير لما كان للخير والشر وهو قدر الله وقسمته، فأجاب صالح عليه السلام بقوله: {طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ } أي السبب الذي منه يجيء خيركم وشركم عند الله وهو قضاؤه وقدره إن شاء رزقكم وإن شاء حرمكم وقيل بل المراد إن جزاء الطيرة منكم عند الله وهو العقاب، والأقرب الوجه الأول لأن القوم أشاروا إلى الأمر الحاصل فيجب في جوابه أن يكون فيه لا في غيره، ثم بين أهذا جهل منهم بقوله: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ } فيحتمل أن غيرهم دعاهم إلى هذا القول، ويحتمل أن يكون المراد أن الشيطان يفتنكم بوسوسته، ثم إنه سبحانه قال: {وَكَانَ فِى ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِى ٱلأَرْضِ } والأقرب أن يكون المراد تسعة جمع إذ الظاهر من الرهط الجماعة لا الواحد، ثم يحتمل أنهم كانوا قبائل، ويحتمل أنهم دخلوا تحت العدد لاختلاف صفتهم وأحوالهم لا لاختلاف السبب، فبين تعالى أنهم يفسدون في الأرض ولا يمزجون ذلك الفساد بشيء من الصلاح، فلهذا قال: {يُفْسِدُونَ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ } ثم بين تعالى أن من جملة ذلك ما هموا به من أمر صالح عليه السلام. أما قوله: {تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ } فيحتمل أن يكون أمراً أو خبراً في محل الحال بإضمار قد، أي قالوا متقاسمين، والبيات متابعة العدو ليلاً. أما قوله: {ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ } يعني لو اتهمنا قومه حلفنا لهم أنا لم نحضر. وقرىء (مهلك) بفتح الميم واللام وكسرها من هلك ومهلك بضم الميم من أهلك، ويحتمل المصدر والمكان والزمان، ثم إنه سبحانه قال: {وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } وقد اختلفوا في مكر الله تعالى على وجوه: أحدها: أن مكر الله إهلاكهم من حيث لا يشعرون، شبه بمكر الماكر على سبيل الاستعارة، روي أنه كان لصالح عليه السلام مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه، فقالوا زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث فنحن نفرغ منه، ومن أهله قبل الثلاث فخرجوا إلى الشعب وقالوا إذا جاء يصلي قتلناه، ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم، فبعث الله تعالى صخرة فطبقت الصخرة عليهم فم الشعب فهلكوا وهلك الباقون بالصيحة وثانيها: جاؤا بالليل شاهرين سيوفهم وقد أرسل الله تعالى الملائكة ملء دار صالح فدمغوهم بالحجارة، يرون الأحجار ولا يرون رامياً وثالثها: أن الله تعالى أخبر صالحاً بمكرهم فتحرز عنهم فذاك مكر الله تعالى في حقهم. أما قوله: {أَنَّا دَمَّرْنَـٰهُمْ } استئناف، ومن قرأ بالفتح رفعه بدلاً من العاقبة أو خبر مبتدأ محذوف تقديره هي تدمرهم أو نصبه على معنى لأنا أو على أنه خبر كان أي كان عاقبة مكرهم الدمار. أما قوله: {خَاوِيَةٍ } فهو حال عمل فيها ما دل عليه تلك، وقرأ عيسى بن عمر (خاوية) بالرفع على خبر المبتدأ المحذوف، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} تقدّم معناه. {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} قال مجاهد: أي مؤمن وكافر؛ قال: والخصومة ما قصه الله تعالى في قوله: {أية : أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ} تفسير : [الأعراف: 75] إلى قوله: {أية : كَافِرُونَ}تفسير : [الأعراف:76]. وقيل: تخاصمهم أن كل فرقة قالت: نحن على الحق دونكم. قوله تعالى: {قَالَ يٰقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ} قال مجاهد: بالعذاب قبل الرحمة؛ المعنى: لم تؤخرون الإيمان الذي يجلب إليكم الثواب، وتقدّمون الكفر الذي يوجب العقاب؛ فكان الكفار يقولون لفرط الإنكار: ايتنا بالعذاب. وقيل: أي لم تفعلون ما تستحقون به العقاب؛ لا أنهم التمسوا تعجيل العذاب. {لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ ٱللَّهَ} أي هلا تتوبون إلى الله من الشرك. {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} لكي ترحموا؛ وقد تقدّم. قوله تعالى: {قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ} أي تشاءمنا. والشؤم النحس. ولا شيء أضر بالرأي ولا أفسد للتدبير من اعتقاد الطِّيرة. ومن ظن أن خُوار بقرة أو نعيق غراب يرد قضاء، أو يدفع مقدوراً فقد جهل. وقال الشاعر:شعر : طِيرةُ الدهر لا تَردُّ قضاءً فاعذر الدهرَ لا تشبه بلومِ أيُّ يومٍ يَخصُّه بسعودٍ والمنايا ينزلن في كل يومِ ليس يومٌ إلا وفيه سعودٌ ونحوسٌ تجري لقومٍ فقومِ تفسير : وقد كانت العرب أكثر الناس طِيرة، وكانت إذا أرادت سفراً نفرت طائراً، فإذا طار يمنة سارت وتيمنت، وإن طار شمالاً رجعت وتشاءمت، فنهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال: «حديث : أَقِرُّوا الطير على وكناتها» تفسير : على ما تقدمّ بيانه في «المائدة». {قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ} أي مصائبكم. {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} أي تمتحنون. وقيل: تعذبون بذنوبكم.

البيضاوي

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} بأن اعبدوا الله، وقرىء بضم النون على اتباعها الباء. {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} ففاجئوا التفرق والاختصام فآمن فريق وكفر فريق، والواو لمجموع الفريقين. {قَالَ يَـا قَوْمٍ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيّئَةِ} بالعقوبة فتقولون ائتنا بما تعدنا. {قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ} قبل التوبة فتؤخرونها إلى نزول العقاب فإنهم كانوا يقولون إن صدق إيعاده تبنا حينئذ. {لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ ٱللَّهَ} قبل نزوله. {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} بقبولها فإنها لا تقبل حينئذ. {قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا} تشاءمنا. {بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ } إِذ تتابعت علينا الشدائد، أو وقع بيننا الافتراق منذ اخترعتم دينكم. {قَالَ طَائِرُكُمْ } سببكم الذي جاء منه شركم. {عَندَ ٱللَّهِ} وهو قدره أو عملكم المكتوب عنده. {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} تختبرون بتعاقب السراء والضراء، والإِضراب من بيان طائرهم الذي هو مبدأ ما يحيق بهم إلى ذكر ما هو الداعي إليه. {وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ} تسعة أنفس، وإنما تمييزاً للتسعة باعتبار المعنى، والفرق بينه وبين النفر أنه من الثلاثة أو السبعة إلى العشرة، والنفر من الثلاثة إلى التسعة. {يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ} أي شأنهم الإِفساد الخالص عن شوب الصلاح. {قَالُواْ} أي قال بعضهم لبعض. {تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ} أمر مقول أو خبر وقع بدلاً أو حالاً بإضمار قد. {لَنُبَيّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ} لنباغتن صالحاً وأهله ليلاً. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على خطاب بعضهم لبعض، وقرىء بالياء على أن تقاسموا خبر. {ثُمَّ لَنَقُولَنَّ} فيه القراءات الثلاث. {لِوَلِيِّهِ} لولي دمه. {مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ } فضلاً أن تولينا إهلاكهم، وهو يحتمل المصدر والزمان والمكان وكذا »مُهْلِكَ« في قراءة حفص فإن مفعلاً قد جاء مصدراً كمرجع. وقرأ أبو بكر بالفتح فيكون مصدراً. {وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ} ونحلف إنا لصادقون، أو والحال {إِنَّا لَصَـٰدِقُونَ} فيما ذكرنا لأن الشاهد للشيء غير المباشر له عرفاً، أو لأنا ما شهدنا مهلكهم وحده بل مهلكه ومهلكهم كقولك ما رأيت ثمة رجلاً بل رجلين. {وَمَكَرُواْ مَكْراً} بهذه المواضعة. {وَمَكَرْنَا مَكْراً} بأن جعلناها سبباً لإِهلاكهم. {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} بذلك، روي أنه كان لصالح في الحجر مسجد في شعب يصلي فيه فقالوا: زعم أنه يفرغ منا إلى ثلاث فنفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث، فذهبوا إلى الشعب ليقتلوه، فوقع عليهم صخرة حيالهم فطبقت عليهم فم الشعب فهلكوا ثمة وهلك الباقون في أماكنهم بالصيحة كما أشار إليه قوله: {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَـٰهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ } و {كَانَ} إن جعلت ناقصة فخبرها {كَيْفَ } و {أَنَّا دَمَّرْنَـٰهُمْ } استئناف أو خبر محذوف لا خبر {كَانَ} لعدم العائد، وإن جعلتها تامة فـ {كَيْفَ} حال. وقرأ الكوفيون ويعقوب {أَنَّا دَمَّرْنَـٰهُمْ } بالفتح على أنه خبر محذوف أو بدل من اسم {كَانَ } أو خبر له و {كَيْفَ } حال. {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً } خالية من خوى البطن إذا خلا، أو ساقطة منهدمة من خوى النجم إذا سقط، وهي حال عمل فيها معنى الإِشارة. وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. {بِمَا ظَلَمُواْ} بسبب ظلمهم. {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} فيتعظون. {وَأَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} صالحاً ومن معه.{وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} الكفر والمعاصي فلذلك خصوا بالنجاة. {وَلُوطاً} واذكر لوطاً، أو وأرسلنا لوطاً لدلالة ولقد أرسلنا عليه. {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ } بدل على الأول وظرف على الثاني. {أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} تعلمون فحشها من بصر القلب واقتراف القبائح من العالم بقبحها أقبح، أو يبصرها بعضكم من بعض لأنهم كانوا يعلنون بها فتكون أفحش. {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرّجَالَ شَهْوَةً} بيان لإتيانهم الفاحشة وتعليله بالشهوة للدلالة على قبحه، والتنبيه على أن الحكمة في المواقعة طلب النسل لاقضاء الوطر. {مّن دُونِ ٱلنّسَاء} اللاتي خلقن لذلك. {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} تفعلون فعل من يجهل قبحها، أو يكون سفيهاً لا يميز بين الحسن والقبيح، أو تجهلون العاقبة والتاء فيه لكون الموصوف به في معنى المخاطب. {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُواْ ءَالَ لُوطٍ مّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} أي يتنزهون عن أفعالنا، أو عن الأقذار ويعدون فعلنا قذراً. {فَأَنجَيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَـٰهَا مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ} قدرنا كونها من الباقين في العذاب. {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَاء مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ} مر مثله. {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَى} أمر رسوله صلى الله عليه وسلم ـ بعدما قص عليه القصص الدالة على كمال قدرته وعظم شأنه وما خص به رسله من الآيات الكبرى والانتصار من العدا ـ بتحميده والسلام على المصطفين من عباده شكراً على ما أنعم عليهم، أو علمه ما جهل من أحوالهم وعرفاناً لفضلهم وحق تقدمهم واجتهادهم في الدين، أو لوطاً بأن يحمده على هلاك كفرة قومه ويسلم على من اصطفاه بالعصمة من الفواحش والنجاة من الهلاك. {ٱللَّهِ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} إلزام لهم وتهكم بهم وتسفيه لرأيهم، إذ من المعلوم أن لا خير فيما أشركوه رأساً حتى يوازن بينه وبين من هو مبدأ كل خير. وقرأ أبو عمرو وعاصم ويعقوب بالتاء. {أَمَّن} بل أمن. {خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} التي هي أصول الكائنات ومبادىء المنافع. وقرأ أمن بالتخفيف على أنه بدل من الله. {وَأَنزَلَ لَكُمْ } لأجلكم. {مِّنَ ٱلسَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ} عدل به من الغيبة إلى التكلم لتأكيد اختصاص الفعل بذاته، والتنبيه على أن إنبات الحدائق البهية المختلفة الأنواع المتباعدة الطباع من المواد المتشابهة لا يقدر عليه غيره كما أشار إليه بقوله: {مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا } شجر الحدائق وهي البساتين من الإحداق وهو الإِحاطة. {أَءِلَهٌ مَّعَ ٱللهِ} أغيره يقرن به ويجعل له شريكاً، وهو المنفرد بالخلق والتكوين. وقرىء «أإلهاً» بإضمار فعل مثل أتدعون أو أتشركون وبتوسيط مدة بين الهمزتين وإخراج الثانية بين بين. {بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} عن الحق الذي هو التوحيد.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن ثمود، وما كان من أمرها مع نبيها صالح عليه السلام حين بعثه الله إليهم، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} قال مجاهد: مؤمن وكافر؛ كقوله تعالى: {أية : قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَـٰلِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ}؟ قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا بِٱلَّذِيۤ ءَامَنتُمْ بِهِ كَـٰفِرُونَ} تفسير : [الأعراف: 75 ــــ 76]. {قَالَ يٰقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ} أي: لم تدعون بحضور العذاب، ولا تطلبون من الله رحمته؟ ولهذا قال: {لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ} أي: ما رأينا على وجهك ووجوه من اتبعك خيراً، وذلك أنهم لشقائهم كان لا يصيب أحداً منهم سوء، إلا قال: هذا من قبل صالح وأصحابه. قال مجاهد: تشاءموا بهم، وهذا كما قال الله تعالى إخباراً عن قوم فرعون: {أية : فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ} تفسير : [الأعراف: 131] الآية. وقال تعالى: {أية : وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} تفسير : [النساء: 78] أي: بقضائه وقدره، وقال تعالى مخبراً عن أهل القرية إذ جاءها المرسلون: {أية : قَالُوۤاْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [يس: 18 ــــ 19] الآية، وقال هؤلاء: {ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ} أي: الله يجازيكم على ذلك، {ٱللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} قال قتادة: تبتلون بالطاعة والمعصية. والظاهر أن المراد بقوله: {تُفْتَنُونَ} أي: تستدرجون فيما أنتم فيه من الضلال.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ } من القبيلة {صَٰلِحاً أَنِ } أي بأن {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } وحِّدوه {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ } في الدين فريق مؤمنون من حين إرساله إليهم وفريق كافرون.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلنَا } معطوف على قوله:{وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُودُ} واللام هي الموطئة للقسم، وهذه القصة من جملة بيان قوله: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ } و {صَـٰلِحاً } عطف بيان، و {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } تفسير للرسالة، وأن هي المفسرة، ويجوز أن تكون مصدرية أي بأن اعبدوا الله، و"إذا" في {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ } هي الفجائية أي ففاجئوا التفرق، والاختصام، والمراد بـ {الفريقان}: المؤمنون منهم والكافرون. ومعنى الاختصام: أن كلّ فريق يخاصم على ما هو فيه، ويزعم أن الحقّ معه، وقيل: إن الخصومة بينهم في صالح هل هو مرسل أم لا؟ وقيل: أحد الفريقين صالح، والفريق الآخر جميع قومه، وهو ضعيف. {قَالَ يٰقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ } أي قال صالح للفريق الكافر منهم منكراً عليهم: لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة؟ قال مجاهد: بالعذاب قبل الرحمة. والمعنى: لم تؤخرون الإيمان الذي يجلب إليكم الثواب وتقدّمون الكفر الذي يجلب إليكم العقوبة؟ وقد كانوا لفرط كفرهم يقولون: ائتنا يا صالح بالعذاب {لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ ٱللَّهَ } هلا تستغفرون الله وتتوبون إليه من الشرك {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } رجاء أن ترحموا أو كي ترحموا فلا تعذبوا، فإن استعجال الخير أولى من استعجال الشرّ، ووصف العذاب بأنه سيئة مجازاً، إما لأن العقاب من لوازمه، أو لأنه يشبهه في كونه مكروهاً، فكان جوابهم عليه بعد هذا الإرشاد الصحيح، والكلام اللين أنهم {قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ } أصله تطيرنا، وقد قرىء بذلك، والتطير: التشاؤم أي تشاءمنا منك وبمن معك ممن أجابك ودخل في دينك، وذلك لأنه أصابهم قحط فتشاءموا بصالح، وقد كانت العرب أكثر الناس طيرة وأشقاهم بها، وكانوا إذا أرادوا سفراً أو أمراً من الأمور نفروا طائراً من وكره فإن طار يمنة ساروا، وفعلوا ما عزموا عليه، وإن طار يسرة تركوا ذلك فلما قالوا ذلك قَال لهم صالح: {طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ } أي ليس ذلك بسبب الطير الذي تتشاءمون به، بل سبب ذلك عند الله، وهو ما يقدّره عليكم، والمعنى: أن الشؤم الذي أصابكم هو من عند الله بسبب كفركم، وهذا كقوله تعالى: {أية : يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ } تفسير : [الأعراف: 131]. ثم أوضح لهم سبب ما هم فيه بأوضح بيان، فقال: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ } أي تمتحنون، وتختبرون وقيل: تعذبون بذنوبكم، وقيل: يفتنكم غيركم، وقيل: يفتنكم الشيطان بما تقعون فيه من الطيرة، أو بما لأجله تطيرون، فأضرب عن ذكر الطائر إلى ما هو السبب الداعي إليه. {وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ } التي فيها صالح، وهو الحجر {تِسْعَةُ رَهْطٍ } أي تسعة رجال من أبناء الأشراف، والرهط: اسم للجماعة، فكأنهم كانوا رؤساء يتبع كلّ واحد منهم جماعة، والجمع أرهط وأراهط، وهؤلاء التسعة هم أصحاب قدار عاقر الناقة، ثم وصف هؤلاء بقوله: {يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ } أي شأنهم وعملهم الفساد في الأرض الذي لا يخالطه صلاح، وقد اختلف في أسماء هؤلاء التسعة اختلافاً كثيراً لا حاجة إلى التطويل بذكره. {قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ } أي قال بعضهم لبعض: احلفوا بالله، هذا على أن {تقاسموا} فعل أمر، ويجوز أن يكون فعلاً ماضياً مفسراً لقالوا، كأنه قيل: ما قالوا؟ فقال: تقاسموا، أو يكون حالاً على إضمار قد أي قالوا ذلك متقاسمين، وقرأ ابن مسعود: "يفسدون في الأرض ولا يصلحون تقاسموا بالله" وليس فيها قالوا، واللام في {لَنُبَيّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ } جواب القسم أي لنأتينه بغتة في وقت البيات، فنقتله وأهله {ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيّهِ } قرأ الجمهور بالنون للمتكلم في {لنبيتنه}، وفي {لنقولن}، واختار هذه القراءة أبو حاتم. وقرأ حمزة والكسائي بالفوقية فيهما على خطاب بعضهم لبعضهم، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وقرأ مجاهد وحميد بالتحتية فيهما، والمراد بوليّ صالح: رهطه {مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ } أي ما حضرنا قتلهم، ولا ندري من قتله، وقتل أهله، ونفيهم لشهودهم لمكان الهلاك يدلّ على نفي شهودهم لنفس القتل بالأولى، وقيل: إن المهلك بمعنى الإهلاك، وقرأ حفص والسلمي مهلك بفتح الميم واللام، وقرأ أبو بكر، والمفضل بفتح الميم، وكسرها {وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ } فيما قلناه. قال الزجاج: وكان هؤلاء النفر تحالفوا أن يبيتوا صالحاً وأهله، ثم ينكروا عند أوليائه أنهم ما فعلوا ذلك، ولا رأوه، وكان هذا مكراً منهم، ولهذا قال الله سبحانه: {وَمَكَرُواْ مَكْراً } أي بهذه المحالفة {وَمَكَرْنَا مَكْراً } جازيناهم بفعلهم فأهلكناهم {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بمكر الله بهم. {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ مَكْرِهِمْ } أي انظر ما انتهى إليه أمرهم الذي بنوه على المكر، وما أصابهم بسببه {أَنَّا دَمَّرْنَـٰهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ } قرأ الجمهور بكسر همزة أنا، وقرأ حمزة والكسائي والأعمش والحسن وابن أبي إسحاق وعاصم بفتحها، فمن كسر جعله استئنافاً. قال الفراء، والزجاج: من كسر استأنف، وهو يفسر به ما كان قبله. كأنه جعله تابعاً للعاقبة، كأنه قال: العاقبة إنا دمرناهم، وعلى قراءة الفتح يكون التقدير: بأنا دمرناهم أو لأنا دمرناهم، وكان تامة وعاقبة فاعل لها، أو يكون بدلاً من عاقبة، أو يكون خبر مبتدأ محذوف أي هي أنا دمرناهم، ويجوز أن تكون كان ناقصة، وكيف خبرها، ويجوز أن يكون خبرها أنا دمرنا. قال أبو حاتم: وفي حرف أبيّ: "أن دمرناهم". والمعنى في الآية: أن الله دمّر التسعة الرهط المذكورين، ودمر قومهم الذين لم يكونوا معهم عند مباشرتهم لذلك، ومعنى التأكيد بأجمعين: أنه لم يشذ منهم أحد ولا سلم من العقوبة فرد من أفرادهم. وجملة: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً } مقرّرة لما قبلها. قرأ الجمهور: {خاوية} بالنصب على الحال. قال الزجاج: المعنى: فانظر إلى بيوتهم حال كونها خاوية، وكذا قال الفراء، والنحاس: أي خالية عن أهلها خراباً ليس بها ساكن. وقال الكسائي وأبو عبيدة: نصب خاوية على القطع. والأصل فتلك بيوتهم الخاوية، فلما قطع منها الألف، واللام نصبت كقوله: {أية : وَلَهُ ٱلدّينُ وَاصِبًا } تفسير : [النحل: 52]. وقرأ عاصم بن عمر ونصر بن عاصم والجحدري وعيسى بن عمر برفع {خاوية} على أنه خبر اسم الإشارة، وبيوتهم بدل، أو عطف بيان، أو خبر لاسم الإشارة، وخاوية خبر آخر، والباء في: {بِمَا ظَلَمُواْ } للسببية أي بسبب ظلمهم {إِنَّ فِي ذَلِكَ } التدمير، والإهلاك {لآيَةً } عظيمة {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } أي يتصفون بالعلم بالأشياء. {وَأَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } وهم صالح ومن آمن به {وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } الله ويخافون عذابه. وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس: {طَائِرُكُمْ } قال: مصائبكم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ } قال: هم الذين عقروا الناقة، وقالوا حين عقروها: نبيت صالحاً وأهله فنقتلهم، ثم نقول لأولياء صالح: ما شهدنا من هذا شيئاً، وما لنا به علم فدمرهم الله أجمعين.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} فيه قولان: أحدهما: كافر ومؤمن، قاله مجاهد. الثاني: مصدق ومكذب، قاله قتادة. وفيم اختصموا؟ فيه قولان: أحدهما: أن تقول كل فرقة نحن عل الحق دونكم. الثاني: اختلفوا أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه، قاله مجاهد. قوله: {قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ} فيه قولان: أحدهما: بالعذاب قبل الرحمة، قاله مجاهد، لقولهم {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}. الثاني: بالبلاء قبل العافية، قاله السدي. {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} فيه وجهان: أحدهما: بالكفاية. الثاني: بالإِجابة. قوله: {قَالُواْ اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ} أي تشاءَمنا بك وبمن معك مأخوذ من الطيرة، وفي تطيرهم به وجهان: أحدهما: لافتراق كلمتهم، قاله ابن شجرة. الثاني: للشر الذي نزل بهم، قاله قتادة. {قَالَ طَآئِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ} فيه وجهان: أحدهما: مصائبكم عند الله، قاله ابن عباس، لأنها في سرعة نزولها عليكم كالطائر. الثاني: عملكم عند الله، قاله قتادة، لأنه في صعوده إليه كالطائر. {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} فيه وجهان: أحدهما: تبتلون بطاعة الله ومعصيته، قاله قتادة. الثاني: تصرفون عن دينكم الذي أمركم الله به وهو الإسلام، قاله الحسن.

ابن عطية

تفسير : هذه الآية على جهة التمثيل لقريش، و {أن} من قوله {أن اعبدوا الله}، يحتمل أن تكون مفسرة ويحتمل أن تكون في موضع نصب تقديره "بأن اعبدوا الله"، و {فريقان} يريد بهما من آمن بصالح ومن كفر به، و"اختصاصهم" تنازعهم وجدلهم، وقد ذكره الله تعالى في سورة الأعراف، ثم إن {صالحاً} تلطف بقومه وترفق بهم في الخطاب فوقفهم على خطيئتهم في استعجال العذاب قبل الرحمة والمعصية لله تعالى قبل الطاعة وفي أن يكون اقتراحهم وطلبهم يقتضي هلاكهم، ثم حضهم على ما هو أيسر من ذلك وأعود بالخير وهو الإيمان وطلب المغفرة ورجاء الرحمة فخاطبوه عند ذلك بقول سفساف معناه تشاءمنا بك، قال المفسرون: وكانوا في قحط فجعلوه لذات صالح وأصل "الطيرة" ما تعارفه أهل الجهل من زجر الطير وشبهت العرب ما عن بما طار حتى سمي ما حصل الإنسان في قرعة طائراً، ومنه قوله تعالى {أية : ألزمناه طائره في عنقه} تفسير : [الإسراء: 13]، وخاطبهم صالح ببيان الحق أي {طائركم} على زعمكم وتسميتكم وهو حظكم في الحقيقة من تعذيب أو إعفاء هو {عند الله} وبقضائه وقدره وإنما أنتم قوم تختبرون، وهذا أحد وجوه الفتنة، ويحتمل أن يريد بل أنتم قوم تولعون بشهواتكم وهذا معنى قد تعورف استعمال لفظ الفتنة فيه ومنه قولك: فتن فلان بفلان، وشاهد ذلك كثير.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَرِيقَانِ} مؤمن وكافر، أو مصدق ومكذب. {يَخْتَصِمُونَ} بقولهم {أية : أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ}تفسير : [الأعراف: 75]، أو يقول كل فريق: نحن على الحق دونكم.

النسفي

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ } في النسب {صَـٰلِحاً } بدل {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } بكسر النون في الوصل: عاصم وحمزة وبصري، وبضم النون: غيرهم اتباعاً للباء، والمعنى بأن اعبدوا الله وحدوه {فَإِذَا } للمفاجأة {هُمْ } مبتدأ {فَرِيقَانِ } خبر {يَخْتَصِمُونَ } صفة وهي العامل في {إِذَا } والمعنى فإذا قوم صالح فريقان مؤمن به وكافر به يختصمون فيقول كل فريق الحق معي وهو مبين في قوله: {أية : قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَـٰلِحاً مُّرْسَلٌ مّن رَّبّهِ قَالُواْ إِنَّا بما أرسل به مؤمنون قال الذين استكبروا إنا بالذي أمنتم به كافرون}تفسير : [الأعراف: 75] وقال الفريق الكافر: {أية : يَاصَـٰحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ تفسير : {[الأعراف: 77] {قَالَ يَـا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيّئَةِ } بالعذاب الذي توعدون {قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ } قبل التوبة {لَوْلاَ } هلا {تَسْتَغْفِرُونَ ٱللَّهَ } تطلبون المغفرة من كفركم بالتوبة والإيمان قبل نزول العذاب بكم {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } بالإجابة {قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ } تشاءمنا بك لأنهم قحطوا عند مبعثه لتكذيبهم فنسبوه إلى مجيئه. والأصل {تَطَيَّرْنَا } وقريء به فأدغمت التاء في الطاء وزيدت الألف لسكون الطاء {وَبِمَن مَّعَكَ } من المؤمنين {قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ } أي سببكم الذي يجيء منه خيركم وشركم عند الله وهو قدره وقسمته، أو عملكم مكتوب عند الله فإنما نزل بكم ما نزل عقوبة لكم وفتنة ومنه {أية : وَكُلَّ إِنْسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـئِرَهُ فِى عُنُقِهِ }تفسير : [الإسراء:13] وأصله أن المسافر إذا مر بطائر فيزجره فإن مر سانحاً تيامن، وإذا مر بارحاً تشاءم، فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير لما كان سببهما من قدر الله وقسمته، أو من عمل العبد الذي هو السبب في الرحمة والنقمة {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ } تختبرون أو تعذبون بذنبكم.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً أن اعبدوا الله} أي وحدوه لا تشركوا به شيئاً {فإذا هم فريقان} أي مؤمن وكافر {يختصمون} أي في الدين كل فريق يقول الحق معنا {قال} يعني صالحاً للفريق المكذب {يا قوم لم تستعجلون بالسيئة} أي بالبلاء والعقوبة {قبل الحسنة} أي العافية الرحمة {لولا} أي هلا {تستغفرون الله} أي بالتوبة إليه من الكفر {لعلكم ترحمون} أي لا تعذبون في الدنيا {قالوا اطيرنا} أي تشاءمنا {بك وبمن معك} قيل: إنما قالوا ذلك لتفرق كلمتهم وقيل: الإمساك القطر عنهم قالوا إما أصابنا هذا الضر والشدة من شؤمك وشؤم أصحابك {قال طائركم عند الله} أي ما يصيبكم من الخير والشر بأمر الله مكتوب عليكم، سمي طائراً لأنه لا شيء أسرع من نزول القضاء المحتوم وقال ابن عباس الشؤم الذي أتاكم من عند الله بكفركم وقيل طائركم أي عملكم، عند الله، سمي طائراً لسرعة صعوده إلى السماء {بل أنتم قوم تفتنون} قال ابن عباس تختبرون بالخير والشر وقيل معناه تعذبون. قوله تعالى {وكان في المدينة} يعني مدينة ثمود وهي الحجر {تسعة رهط} يعني من أبناء أشرافهم {يفسدون في الأرض} أي بالمعاصي {ولا يصلحون} أي لا يطعيون وهم غواة قوم صالح الذي اتفقوا على عقر الناقة ورأسهم قدار بن سالف {قالوا تقاسموا بالله} يعني يقول بعضهم لبعض احلفوا بالله أيها القوم {لنبيتنه} أي لنقتلنه ليلاً {وأهله} يعني قومه الذين آمنوا معه {ثم لنقولن لوليه} أي لولي دمه {ما شهدنا} يعني ما حضرنا {مهلك أهله} أي ما ندري من قتله ولا هلاك أهله {وإنا لصادقون} يعني قولنا ما شهدنا ذلك.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {لتنبيه} على الجمع المخاطب وهكذا {لتقولن}: حمزة وعلي وخلف. الباقون بالنون فيهما على التكلم {مهلك} بفتح الميم واللام: أبو بكر غير البرجمي وحماد والمفضل. وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام. الباقون بضم الميم وفتح اللام والكل يحتمل المصدر والمكان والزمان {أنا دمرناهم} و {أن الناس} بالفتح فيهما: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ورويس {أئنكم} مذكور في "الأنعام" {يشكرون} بياء الغيبة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم {أءله} مثل {أئنكم} {الريح} على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف {يذكرون} بياء الغيبة: ابو عمرو وهشام. الآخرون بتاء الخطاب {بل أدرك} بقطع الهمزة وسكون الدال: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد المفضل {بل ادّرك} بهمزة موصولة ودال مشددة: الشموني. الباقون مثله ولكن بألف بعد الدال. الوقوف: {يختصمون} ه {الحسنة} ج لابتداء استفهام آخر مع اتحاد القائل. {ترحمون} ه {معك} ط {تفتنون} ه {ولا يصلحون} ه {لصادقون} ه {لا يشعرون} ه {مكرهم} ط لمن قرأ. "إنا" بكسر الألف على الاستئناف. {أجمعين} ه {ظلموا} ط {يعلمون} ه {يتقون} ه {تبصرون} ه {النساء} ط {تجهلون} ه {قريتكم} ج لاحتمال تقدير لام التعليل {يتطهرون} ه {إلا أمرأته} ز لاحتمال أن ما بعده مستأنف والأظهر أنه حال تقديره استثناء امرأته مقدرة {في الغابرين} ه {مطر المنذرين} ه {اصطفى} ط {يشكرون} ه ط لأن ما بعده استفهام متسأنف و"أم" منقطعة تقديره بل أمن خلق السموات خير أمّا يشركون وكذلك نظائره {ماء} ج للعدول مع اتحاد المقول {بهجة} ط ولاحتمال الحال أي وقد ورد {خيراً} ط {القتال} ط {عزيزاً} ه ج للآية والعطف {فريقاً} ه ج لاحتمال أن يكون ما بعده استئنافاً أو حالاً {تطؤها} ط {قديراً} ه {جميلاً} ه {عظيماً} ه {ضعفين} ط {يسيراً} ه مرتين لا لأن التقدير وقد أعتدنا {كريماً} ه {معروفاً} ج للعطف {ورسوله} ط {تطهيراً} ه لوقوع العوارض بين المعطوفين {والحكمة} ط {خبيراً} ه {عظيماً} ه {من أمرهم} ط {مبيناً} ه {الناس} ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال {تخشاه} ط {منهن وطراً} ط {مفعولاً} ه {له} ط {من قبل} لا {مقدوراً} ه لا بناء على أن {الذين} وصف أو بدل {إلا الله} ط {حسيباً} ه {النبيين} ط {عليماً} ه. التفسير: لما فرغ من توبيخ المنافقين حث جمع المكلفين على مواساة الرسول وموازرته كما واساهم بنفسه في الصبر على الجهاد والثبات في مداحض الأقدام. والأسوة القدوة وهو المؤتسى به أي المقتدى به، فالمراد أنه في نفسه كما تقول في البيضة عشرون منا حديداً اي هي في نفسها هذا المبلغ من الحديد. والمراد أن فيه خصلة هي المواساة بنفسه فمن حقها أن يؤتسى بها وتتبع. قال في الكشاف: قوله {لمن كان} بدل من قوله {لكم} وضعف بأن بدل الكل لا يقع من ضمير المخاطب فالأظهر أنه وصفة الأسوة. والرجاء بمعنى الأمل أو الخوف. وقوله {يرجو الله واليوم الآخر} كقولك: رجوت زيداً وفضله أي رجوت فضل زيد، أو اريد يرجو ايام الله واليوم الآخر خصوصاً. وقوله {وذكر} معطوف على {كان} وفيه أن المقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي واظب على ذكر الله وعمل ما يصلح لزاد المعاد. ثم حكى أن ما ظهر من المؤمنين وقت لقاء الأحزاب خلاف حال المنافقين. وقوله {هذا} إشارة إلى الخطب أو البلاء. عن ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: إن الأحزاب سائرون إليكم تسعاً أو عشراً اي في آخر تسع ليال أو عشر، فلما رأوهم قد اقبلوا للميعاد قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وقد وقع. {وصدق الله ورسوله} في كل وعد {وما زادهم إلا إيماناً} بمواعيده إلا فساد هم بقتل نبيهم. والتقاسم التحالف فإن كان أمراً فظاهر وإن كان خبراً فمحله نصب بإضمار "قد" اي قالوا متقاسمين: والتبيت العزم على إهلاك العدوّ ليلاً. وأشير على الإسكندر بالبيات فقال: ليس من آيين الملوك استراق الظفر. قال في الكشاف" كأنهم اعتقدوا أنهم إذا بيتوا صالحاً وبيتوا أهله فجمعوا بين البياتين. ثم قالوا لولاة دمه: ما شهدنا مهلك أهله فإذا ذكروا أحدهما كانوا صادقين لأنهم فعلوا البياتين جميعاً لا أحدهما. قلت: إنما ارتكب هذا التكليف لأنه استقبح أن يأتي العاقل بالخبر على خلاف المخبر عنه. يروى أنه كان لصالح مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه فقالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث، فخرجوا إلى الشعب مبادرين وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم فهذا مكرهم، فبعث الله صخرة فطبقت عليهم فم الشعب فلم يدر قومهم أين هم ولم يدروا ما فعل بقومهم، وعذب الله كلاً في مكانه ونجى صالحاً ومن معه وهذا مكر الله. وقيل: جاؤا بالليل شاهري سيوفهم وقد أرسل الله الملائكة فدمغوهم بالحجارة يرون الحجارة ولا يرون رامياً. من قرأ {أنا دمرناهم} بالفتح فمرفوع المحل بدلاً من العاقبة أو خبراً لمحذوف أي هي تدميرهم، أو منصوب على أنه خبر "كان" أي كان عاقبة مكرهم الدمار، أو مجرور تقديره: لأنا وجوز في الكشاف على هذا التقدير أن يكون منصوباً بنزع الخافض. وانتصب {خاوية} على الحال والعامل معنى الإشارة في تلك. وإنما قال في هذه السورة {وأنجينا الذين آمنوا} موافقة لما بعده {فأنجيناه وأهله} {وأمطرنا} وكله على "أفعل". وقال في "حم السجدة" {أية : ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون}تفسير : [فصلت: 18] موافقة لما قبله وما بعده وزينا وقيضنا والله أعلم. القصة الخامسة قصة لوط {و} انتصب {لوطاً} بإضمار "اذكر" أو بما دل عليه {ولقد أرسلنا} و"إذ" بدل على الأول بمعنى مجرد الوقت ظرف على الثاني، و{يبصرون} إما من بصر الحاسة فكأنهم كانوا معلنين بتلك المعصية في ناديهم، أو أراد ترون آثار العصاة قبلكم، أو من بصر القلب والمراد تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا بمثلها، وعلى هذا فمعنى قوله {بل أنتم قوم تجهلون} أنكم تفعلون فعل الجاهلية بأنها فاحشة مع علمكم بذلك، أو اراد جهلهم بالعاقبة، أو اراد بالجهل السفاهة والمجانة التي كانوا عليها. أو الخطاب في قوله {تجهلون} تغليب ولو قرئ بياء الغيبة نظراً إلى الموصوف وهو قوم لجاز من حيث العربية، وباقي القصة مذكور في "الأعراف" {قل الحمد لله} قيل: هو خطاب للوط عليه السلام أن يحمد الله على هلاك كفار قومه ويسلم على من اصطفاه بالعصمة من الذنوب وبالنجاة من العذاب. وقيل: أمر لنبينا صلى الله عليه وسلم بالتحميد على الهالكين من كفار الأمم وبالتسليم على الأنبياء وأشياعهم الناجين، والأكثرون على أنه خطاب مستأنف لأنه صلى الله عيله وسلم كان كالمخالف لمن تقدمه من الأنبياء من حيث إن عذاب الاستئصال مرتفع عن قومه، فأمره الله سبحانه بأن يشكر ربه على هذه النعمة ويسلم على الأنبياء الذين صبروا على مشاق الرسالة. ثم شرع في الدلالة على الوحدانية والرد على عبدة الأوثان، وفيه توقيف على أدب حسن وبعث على التيمن بالحمد والصلاة قبل الشروع في كل كلام يعتد به، ولذا توارثه العلماء خلفاً عن سلف فافتتحوا بهما أمام كل كتاب وخطبة، وعند التكلم بكل أمر له شأن. قال جار الله: معنى الاستفهام "وأم" المتصلة في قوله {الله خير أمّا يشركون} إلزام وتبكيت وتهكم بحالهم وتنبيه على الخطأ المفرط والجهل المفرط؛ فمن المعلوم أنه لا خير فيما اشركوه أصلاً حتى يوازن بينه وبين من هو خالق كل خير ومالكه. قلت: يحمل أن يكون هذا من قبيل الكلام المنصف. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قرأها قال: بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم. ثم عدل عن الاستفهام بذكر الذات إلى الاستفهام بذكر الصفات مبتدئاً بما هو أبين الحسيات فقال: {أمن خلق السموات} وإنما قال ههنا {وأنزل لكم} واقتصر في إبراهيم على قوله {أية : وأنزل} تفسير : [إبراهيم: 32] لأن لفظة {لكم} وردت هناك بالآخرة، وليس قوله {ما كان لكم} مغنياً عن ذكره لأنه نفي لا يفيد معنى الأول. ومعنى الالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله {فأنبتنا} تأكيد معنى اختصاص الإنبات بذاته لأن الإنسان قد يتوهم أن له مدخلاً في ذلك من حيث الغرس والسقي. والحدائق جمع حديقة البستان عليه حائط من الإحداق والإحاطة. والبهجة الحسن والنضارة لأن الناظر يبتهج به. وإنما لم يقل ذوات بهجة على الجمع لأن المعنى جماعة حدائق كما يقال: النساء ذهبت. ومعنى {أءله مع الله} أغيره يقرن به ويجعل شريكاً له. قال في الكشاف: قوله {بل هم} بعد الخطاب أبلغ في تخطئة رأيهم. قلت: إنما تعين الغيبة ههنا لأن الخطاب في قوله {ما كان لكم} إنما هو لجميع الناس أي ما صح وما ينبغي للإنسان أن يتأتى منه الإنبات. ولو قال بعد ذلك بل أنتم لزم أن يكون كل الناس مشركين وليس كذلك. وقوله {يعدلون} من العدل أو من العدول اي يعدلون به غيره أو يعدلون عن الحق الذي هو التوحيد. ثم شرع في الاستدلال بأحوال الأرض وما عليها. والقرار المستقر اي دحاها وسواها بحيث يمكن الاستقرار عليها. والحاجز البرزخ كما في "الفرقان". ثم استدل بحاجة الإنسان إليه على العموم. والمضطر الذي عراه ضر من فقر أو مرض فألجأه إلى التضرع إلى الله سبحانه، وإنه افتعال من الضر. وعن ابن عباس: هو المجهود. وعن السدي: الذي لا حول له ولا قوة. وقيل: هو المذنب ودعاؤه استغفاره. والمضطر اسم جنس يصلح للكل وللبعض فلا يلزم من الآية إجابة جميع المضطرين، نعم يلزم الإجابة بشرائط الدعاء كما مر في "البقرة" وفي ادعوني وقوله {ويكشف السوء} كالبيان لقوله {يجيب المضطر} والخلافة في الأرض إما بتوارث السكنى وإما بالملك والتسلط وقد مر في آخر "الأنعام". وقوله {قليلاً ما تذكرون} معناه تذكرون تذكراً قليلاً، ويجوز أن يراد بالقلة العدم. ثم استدل لحاجة الناس وخصوصاً الهداية في البر والبحر بالعلامات وبالنجوم، ثم استدل باحوال المبدأ والمعاد وما بينهما وذلك أنهم كانوا معترفين بالإبداء ودلالة الإبداء على الإعادة دلالة ظاهرة فكأنهم كانوا مقرين بالإعادة أيضاً، فاحتج عليهم بذلك لذلك. والرزق من السماء الماء ومن الأرض النبات. واعلم أن الله سبحانه ذكر قوله {أءله مع الله} في خمس آيات على التوالي وختم الأولى بقوله {بل هم قوم يعدلون} ثم بقوله {بل أكثرهم لا يعلمون} ثم بقوله {قليلاً ما تذكرون} ثم بقوله {تعالى الله عما يشركون} ثم {هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} والسر فيه أن أول الذنوب العدول عن الحق، ثم لم يعلموا ولو علموا ما عدلوا، ثم لم يتذكروا فيعلموا بالنظر والاستدلال فاشركوا من غير حجة وبرهان. قل لهم يا محمد: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين أن مع الله إلهاً آخر. وحين بين اختصاصه بكمال القدرة أراد أن يبين اختصاصه بعلم الغيب. قال في الكشاف: هذا على لغة بني تميم يرفعون المستثنى المنقطع على البدل إذا كان المبدل منه مرفوعاً يقولون: ما في الدار أحد إلا حمار كأن أحداً لم يذكر كقوله: شعر : وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس تفسير : والمعنى إن كان الله ممن في السموات والأرض فهم يعلمون الغيب كما أن معنى البيت إن كانت اليعافير أنيساً ففيها أنيس بتاً للقول بخلوها عن الأنيس. قلت: لقائل أن يقول: إن استثناء نقيض المقدم غير منتج فلا يلزم من استحالة كون الله سبحانه في كل مكان ممن في السموات والأرض أنهم لا يعلمون الغيب، ولا من امتناع كون اليعافير أنيساً القطع بخلوّ البلدة عن الأنيس. وقال غيره: إن الاستثناء متصل لأن الله سبحانه في كل مكان بالعلم فيصح الرفع عند الحجازيين ايضاً. وزيفه في الكشاف بأن كونه في السموات والأرض بالعلم مجاز، وكون الخلق فيهن حقيقة من حيث حصول ذواتهم في تلك الأحياز، ولا يصح أن يريد المتكلم بلفظ واحد حقيقة ومجازاً معاً. وأجيب بأنا نحمل كون الخلق فيهن على المعنى المجازي أيضاً لأنهم أيضاً عالمون بتلك الأماكن لا أقل من العلم الإجمالي. وضعفه في الكشاف بأن فيه إيهام تسوية بين الله وبين العبد في العلم وهو خروج عن الأدب. ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم: حديث : بئس خطيب القوم أنتتفسير : . لمن قال: ومن يعصهما فقد غوى. والحق أن وقوع اللفظ على الواجب وعلى الممكن بمعنى واحد لا بد أن يكون بالتشكيك إذ هو في الواجب أدل وأولى لا محالة، فهذا الوهم مدفوع عند العاقل ولا يلزم منه سوء الأدب، ولهذا جاز إطلاق العالم والرحيم والكريم ونحوهما على الواجب وعلى الممكن معاً من غير محذور شرعي ولا عقلي، وليس هذا كالجمع بين الضميرين إذا كان يمكن للقائل أن يفرق بينهما فيزداد الكلام جزالة وفخامة. عن عائشة: من زعم أنه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية والله تعالى يقول {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله} وعن بعضهم: أخفى غيبه عن الخلق ولم يطلع عليه أحداً لئلا يأمن الخلق مكره. قال المفسرون: سال المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الساعة فنزلت. وأيان بمعنى متى. إلا أنه لا يسأل به إلا عن أمر ذي بال وهو "فعال" من أن يئين فلو سمي به لانصرف، وحين ذكر أن العباد لا يعلمون الغيب ولا يشعرون البعث الكائن ووقته بين أن عندهم عجزاً آخر أبلغ منه وهو أنهم ينكرون الأمر الكائن مع أن عندهم أسباب معرفته فقال {بل ادّارك} أي تدارك. ومن قرأ بغير الألف فهو "افتعل" من الدرك أي تتابع واستحكم. ومعنى أدرك بقطع الهمزة انتهى وتكامل علمهم في الآخرة أي في شأنها ومعناها، ويمكن أن يكون وصفهم باستحكام العلم وتكامله تهكماً بهم كما يقول لأجل الناس: ما أعلمك. وإذا لم يعرفوا نفس البعث يقيناً فلأن لا يعرفوا وقته أول. ويحتمل أن تكون أدرك بمعنى انتهى وفني من قولهم "أدركت الثمرة" لأن تلك غايتها التي عندها تعدم. وقد فسره الحسن باضمحل علمهم وتدارك من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك، وصفهم أوّلاً بأنهم لا يشعرون وقت البعث ثم أضرب عن ذلك قائلاً إنهم لا يعلمون القيامة فضلاً عن وقتها ثم إن عدم العلم قد يكون مع الغفلة الكلية فأضرب عن ذلك قائلاً إنهم ليسوا غافلين بالكلية ولكنهم في شك ومرية، ثم إن الشك قد يكون بسبب عدم الدليل فأضرب عن ذلك قائلاً إنهم عمون عن إدراك الدليل مع وضوحه، وقد جعل الآخرة مبدأ أعمالهم ومنشأه فلهذا عداه بمن دون "عن" والضمائر تعود إلى من في السموات والأرض. وذلك أن المشركين كانوا في جملتهم فنسب فعلهم إلى الجميع كما يقال: بنو فلان فعلوا. وإنما فعله ناس منهم قاله في الكشاف. قلت: قد تقدّم ذكر المشركين في قوله {بل هم قوم يعدلون} وغيره فلا حاجة إلى هذا التكلف ولو لم يتقدّم جاز للقرينة. التأويل: {ولقد أرسلنا} صالح القلب بالإلهام الرباني إلى صفات القلب وهو الفريق المؤمن، وإلى النفس وصفاتها وهو الفريق الكافر. والسيئة طلب الشهوات واللذات الفانية، والحسنة طلب السعادات الباقية. وكان في مدينة القالب الإنساني {تسعة رهط} هم خواص العناصر الأربعة والحواس الخمس {يفسدون} في ارض القلب بإفساد الاستعداد الفطري {تقاسموا} بالموافقة على السعي في إهلاك القلب وصفاته وأن يقولوا لوليه وهو الحق سبحانه. ما أهلكناهم وما حضرنا مع النفس الأمَّارة حين قصدت هلاكهم {ومكروا مكراً} في هلاك القلب بالهواجس النفسانية والوساوس الشيطانية {ومكرنا مكراً} بتوارد الواردات الربانية وتجلي صفات الجمال والجلال {وهم لا يشعرون} أن صلاحهم في هلاكهم. فمن قتلته فأنا ديته {فانظر كيف كان عاقبة مكرهم} أنا أفنينا خواص التسعة وآفاتها وأفنينا قومهم أجميعن وهم النفس وصفاتها {فتلك بيوتهم} وهي القالب والأعضاء التي هي مساكن الحواس خالية عن الحواس المهلكة والآفات الغالبة {بما ظلموا} أي وضعوا من نتائج خواص العناصر وآفات الحواس في غير موضعها وهو القلب، وكان موضعها النفس بأمر الشارع لا بالطبع لصلاح القالب وبقائه {وأنجينا الذين آمنوا} وهم القلب وصفاته من شر النفس وصفاتها. ولوط الروح {إذ قال لقومه} وهم القلب والسر والعقل عند تبدل أوصافهم بمجاورة النفس {أتأتون الفاحشة} وهي كل ما زلت به اقدامهم عن الصراط المستيم وأمارتها في الظاهر إتيان المناهي على وفق الطبع، وفي الباطن حب الدنيا وشهواتها {وأنتم تبصرون} تميزون الخير من الشر. وإتيان الرجال دون النساء عبارة عن صرف الاستعداد فيما يبعد عن الحق لا فيما يقرب منه {فما كان جواب قومه} وهم القلب المريض بتعلق حب الدنيا والسر المكدر بكدورات الرياء والنفاق والعقل المشوب بآفة الوهم والخيال {أخرجوا} الصفات الروحاينة من قرية الشخص الإنساني {إنهم أناس يتطهرون} من لوث الدنيا وشهواتها {فأنجيناه وأهله} وهم السر والعقل وصفاتهما من عذاب تعلق الدنيا {إلا امرأته} وهي النفس الأمارة بالسوء {وأمطرنا} على النفس وصفاتها مطراً بترك الشهوات {فساء مطر المنذرين} أي صعب فإِن الفطام من المألوفات شديد وهذه حالة مستدعية للحمد والشكر فلهذا قال {قل الحمد لله وسلام} من تعلقات الكونين وآفات الوجود المجازي {على عباده} {أمن خلق} سموات القلوب وأرض النفوس وأنزل من سماء القلب ماء نظر الرحمة {فأنبتنا به حدائق} من العلوم والمعاني والأسرار {أءله مع الله} من الهوى {أمن جعل} أرض النفس {قراراُ} في الجسد {وجعل خلالها أنهاراً} من دواعي البشرية {وجعل لها رواسي} من القوى والحواس {وجعل بين} بحر الروح وبحر النفس {حاجزاً} القلب فإن في اختلاطهما فساد حالهما {أءله مع الله} كما زعمت الطبائعية {أمن يجيب المضطر إذا دعاه} في العدم بلسان الحال {ويجعلكم} مستعدين لخلافته في الأرض {أءله مع الله} كما يزعم أرباب الحلول والاتحاد {أمن يهديكم في ظلمات} بر البشرية وبحر الروحانية وإن كانت الروحانية نورانية بالنسبة إلى ظلمة البشرية والمراد يهديكم بإخراجكم من ظلمات البشرية إلى نور الروحانية، ومن ظلمات خلقته الروحانية إلى نور الربوبية وذلك حين يرسل رياح العناية بين يدي سحاب الهداية {أءله مع الله} كما يقول المنجمون: مطرنا بنوء كذا. وكما يقوله قاصروا النظر: هدانا الشيخ والمعلم إلى كذا {من يبدأ الخلق} بالوجود المجازي {ثم يعيده} بالوجود الحقيقي إلى عالم الوحدة {ومن يرزقكم} من سماء الربوبية لتربية الأرواح ومن أرض بشرية الأشباح {أءله مع الله} كائناً من كان دليله أنه لا يعلم الغيب إلا هو ومن جملته علم قيام الساعة والله أعلم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحاً...} الآية، تمثيلٌ لقريشٍ، و {فَرِيقَانِ}: يريد بهما مَنْ آمنَ بصالِح. وَمَنْ كفَر به. واختصامهُم هُو تنازُعُهم. وقد ذكر تعالى ذلك في سورة الأعراف، ثم إن صالحاً ـــ عليه السلام ـــ ترفَّق بِقَوْمِهِ وَوَقَفَهم على خطأهم في استعجالهم العذابَ؛ قبل الرحمة. أو المعصيةَ للَّهِ قبلَ الطاعةِ، ثم أجابو بقولهم: {ٱطَّيَّرْنَا بِكَ} أي: تَشَاءَمْنَا بكَ. و {تِسْعَةُ رَهْطٍ} هُمْ رجالٌ كانوا من أوجُهِ القوْمَ وأعْتَاهُمْ؛ وهم أصحاب قدار، والمدينةُ مُجْتَمَعُ ثمودَ وقَرْيَتِهُم. وقوله تعالى: {تَقَاسَمُواْ}. قال الجمهور: هو فعل أمر، أشَار بعضُهم على بعضٍ بأن يَتحَالَفُوا على هذا الفعل بصالح، وحكَى الطبريُّ أَنه يجوز أن يكونَ تقاسموا فِعْلاً ماضِياً في موضعِ الحالِ، كأنه قال: متقاسِمينَ أو متحالفِين باللّه لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهلَه، وتؤيِّدِه قراءةُ عبد اللّه: «ولا يصلحون تقاسموا» بإسقاطِ «قالوا». قال * ع *: وهذه الألفاظُ الدالةُ على قَسَمِ تجاوب باللام، وإن لم يتقدمْ قَسَمٌ ظاهرٌ، فاللامُ في {لَنُبَيِّتَنَّهُ}: جوابُ القَسَمِ. ورُوِيَ في قصصِ هذهِ الآيةِ أَن هؤلاءِ التسعة؛ لمَّا كانَ فِي صَدْرِ الثلاثة الأيام. بعد عَقْرِ النَّاقَةِ وَقَدَ أخبرَهُمْ صالحٌ بمجيء العذابِ، اتفق هؤلاءِ التسعةُ فَتَحَالَفُوا على أن يأتوا دارَ صالحٍ ليلاً فيقتلوه وأهلَه المُخْتَصِّينَ به، قالوا فإن كان كاذباً في وعيدِهِ أوقعناه به ما يستحقُّ، وإن كانَ صادقاً كنَّا قَدْ عَجَّلْنَاه قبلَنا وشَفَيْنَا بهِ نُفُوسَنَا، فجاءوا واخْتَفَوْا لذلك في غارٍ قريبٍ من داره، فرُوِيَ أنَّه انْحَدَرَتْ عليهِم صَخْرَةٌ شَدَخَتْهُم جميعاً ورُوِيَ أنَّها طَبَّقَتْ عليهمُ الغَارَ فَهَلَكوا فيه حينَ هَلَكَ قَوْمُهُمْ، وكلُّ فَريقٍ لا يَعلم بِما جَرَى على الآخِرَ، وقَدْ كانوا على جحودِ الأمر من قرابةِ صالحٍ، ويعني بالأهل كلَّ مَنْ آمنَ بهِ؛ قاله الحسن. وقوله سبحانه: {وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} قال ابن العربيّ الحاتميّ: المكرُ إرداف النِّهمِ مع المخالفةِ وإبقاءِ الحالِ معَ سُوءِ الأدَب، انتهى من شرحه لألفاظ الصوفية. والتدميرُ: الهلاكُ و {خَاوِيَة} مَعْنَاهُ: قَفْرا، وهذه البيوتُ المشارُ إليهَا هِي التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم عَامَ تَبُوكَ: «حديث : لاَ تَدْخَلُوا بُيُوتَ المُعَذَّبِينَ إلاَّ أنْ تَكُونُوا بَاكِينَ»تفسير : الحديثُ في «صحيحِ مُسْلِمٍ» وغيره.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً} الآية. قوله: {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} أي: وحدوه، ويجوز في "أَنْ" أن تكون مفسرة وأن تكون مصدرية، أي بأن اعبدوا فيجيء في محلها القولان. قوله: {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ} تقدم الكلام في "إذَا" الفجائية، والمراد بالفريقين قوم صالح، وأنهم انقسموا فريقين: مؤمن وكافر، وقد صرح بذلك في الأعراف في قوله: {أية : قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ}تفسير : [الأعراف: 75]. وجعل الزمخشري الفريق الواحد صالحاً وحده والآخر جميع قومه؛ وحمله على ذلك العطف بالفاء، فإنه يؤذن أنه بمجرد إرسالة صاروا فريقين، ولا يصير قومه فريقين إلا بعد زمان ولو قليلاً. و "يَخْتَصِمُونَ" صفة لـ "فَرِيقَان" على المعنى، كقوله: {أية : هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ}تفسير : [الحج: 19] و {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ}تفسير : [الحجرات: 9] واختير هنا مراعاة الجمع، لكونها فاصله. قوله: {يٰقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ} أي: قال لهم صالح يا قوم لم تستعجلون بالسيئة بالبلاء والعقوبة، أي أن الله قد مكنكم من التوصّل إلى رحمته وثوابه فلماذا تعدلون عنه إلى استعجال عذابه، وقيل: إنّهم كانوا يقولون إن العقوبة التي يعدّها صالح - إن وقعت على زعمه - تُبْنَا حينئذ واستغفرنا فحينئذ يقبل الله توبتنا، ويدفع العذاب عنا، فخاطبهم صالح على حسب اعتقادهم، فقال: هلاّ تستغفرون الله قبل نزول العذاب، فإن استعجال الخير أولى من استعجال الشر، ووصف العذاب بأنّه سيئة مجازاً، إمّا لأنّ العقاب من لوازمه، أو لأنه يشبهه في كونه مكروهاً، وأمّا وصف الرحمة بأنّها حسنة، فقيل: حقيقة، وقيل: مجاز. ثم إن صالحاً عليه السلام لما قرّر هذا الكلام الحقّ أجابوه بكلام فاسد، فقالوا "اطّيَّرنَا بِكَ" أي: تشاءمنا بك، لأنّ الذي يصيبنا من شدة وقحط شؤمك وشؤم من معك. وقرىء: "تطيّرنّا بِكَ"، وهو الأصل، وأدغم، وتقدّم تقريره، قال الزمخشري: كان الرجل يخرج مسافراً فيمرُّ بطائر فيزجره، فإن مرّ سانحاً تيمّن، وإن مرَّ بارحاً تشاءم، فلمّا نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير لما كان للخير والشر، وهو قدر الله وقسمته، فأجاب صالح - عليه السلام - بقوله: طائركم عند الله، أي السبب الذي يجيء منه خيركم وشركم عند الله، وهو قضاؤه وقدره وهو مكتوب عليكم. سمي طائراً لسرعة نزوله بالإنسان، لأنّه لا شيء أسرع من قضاء محتوم. قال ابن عباس: الشؤم أتاكم من عند الله بكفركم. وقيل طائركم: عملكم عند الله، سمى طائراً لسرعة صعوده إلى السماء، وقيل: إنما قالوا ذلك لتفرق كلمتهم، وقيل: لأنه أمسك عنهم المطر في ذلك الوقت وقحطوا. قوله: "تُفْتَنُونَ" جاء بالخطاب مراعاةً لتقدّم الضمير، ولو روعي ما بعده لقيل "يُفْتَنُونَ" بياء الغيبة، وهو جائز ولكنه مرجوح، ويقول: أنت رجل يفعل وتفعل بالياء والتاء، ونحن قوم نقرأ ويقرأون. والمراد من هذا الكلام أن صالحاً - عليه السلام - بين بهذا الكلام جهلهم بقوله: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ}، فيحتمل أن غيرهم دعاءهم إلى هذا القول، ويحتمل أن المراد أن الشيطان يفتنكم بوسوسته. وقال ابن عباس: يُخْتَبرون بالخير والشر كقوله: {أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً}تفسير : [الأنبياء: 35]، وقال محمد بن كعب: يعذبون. قوله: {وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ} يعني: مدينة ثمود، والأكثر أن يتميز، والعدد مجرور بـ "من"، كقوله: {أية : أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ}تفسير : [البقرة: 260] وفي المسألة مذاهب: أحدها: أنه لا يجوز إلا في قليل. الثاني: أنه يجوز ولكن لا ينقاس. الثالث: التفصيل بين أن تكون للقلة كرهط ونفر، فيجوز، أو للكثرة فقط، أو لها وللقلة فلا يجوز نحو: تسعة قوم. ونصب سيبويه على امتناع ثلاث غنم. قال الزمخشري: وإنما جاز تمييز التسعة بالرهط، لأنه في معنى الجمع، كأنه قيل: تسعة أنفس. قال أبو حيان: وتقدير غيره تسعة رجال هو الأولى؛ لأنه من حيث أضاف إلى أنفس كان ينبغي أن يقول: تِسع أنفس - على تأنيث النفس - إذا الفصيح فيها التأنيث، ألا تراهم عدوا من الشذوذ قول الشاعر: شعر : 3968 - ثَلاَثَةُ أَنْفُسٍ وثَلاثُ ذَوْدٍ تفسير : قال شهاب الدين: وإنما أراد تفسير المعنى. وقال ابن الخطيب: والأقرب أن يكون المراد تسعة جمع؛ إذ الظاهر من الرهط الجماعة لا الواحد، ثم يحتمل أنهم كانوا قبائل ويحتمل أنهم دخلوا تحت العدد، لاختلاف وصفهم وأحوالهم، لا لاختلاف النسب. قوله: "يُفْسِدُونَ" يجوز أن يكون نعتاً للمعدود أو العدد، فيكون في موضع جر أو رفع. قوله: "ولا يصلِحُون" قيل: مؤكد للأول، وقيل: ليس مؤكداً؛ لأن بعض المفسدين قد يصلح في وقت ما، فأخبر عن هؤلاء بانتفاء توهم ذلك، وهم الذي اتفقوا على عقر الناقة، وهم غواة قوم صالح، ورأسهم: قُدَار بن سالف، وهو عاقر الناقة. قوله: "قَالُوا تَقَاسَمُوا" يجوز في "تَقَاسَمُوا" أن يكون أمراً، قال بعضهم لبعض: احلفوا على كذا، ويجوز أن يكون فعلاً ماضياً، وحينئذ يجوز أن يكون مفسراً لـ "قَالُوا" كأنه قيل: ما قالوا؟ فقيل: تقاسموا. ويجوز أن يكون حالاً على إضمار "قد"، أي: قالوا ذلك متقاسمين، وإليه ذهب الزمخشري، فإنه قال: يحتمل أن يكون أمراً وخبراً في محل الحال بإضمار "قد". قال أبو حيان: أما قوله: وخبراً. فلا يصح؛ لأن الخبر أحد قِسْمَي الكلام لأنه ينقسم إلى الخبر والإنشاء، وجميع معانيه إذا حققت راجعة إلى هذين القسمين قال شهاب الدين: ولا أدري عدم الصحة مماذا؟ لأنه جعل الماضي خبراً، لاحتماله الصدق والكذب، مقابلاً للأمر الذي لا يحتملهما، أما كون الكلام لا ينقسم إلا إلى خبر وإنشاء وأن معانيه إذا حققت ترجع إليهما، فأي مدخل لهذا في الرد على الزمخشري. ثم قال أبو حيان: والتقييد بالحال ليس إلا من باب نسبة التقييد، لا من نسبة الكلام التي هي الإسناد، فإذا أطلق عليها الخبر كان ذلك على تقدير أنها لو لم تكن حالاً لجاز أن تستعمل خبراً، وكذلك قولهم في الجملة الواقعة صلة: هي خبرية، فهو مجاز والمعنى: أنها لو لم تكن صلة لجاز أن تسعتمل خبراً، وهذا فيه عوض. قال شهاب الدين: مسلم أن الجملة ما دامت حالاً أو صلة لا يقال لها خبرية، بمعنى أنها تستقلّ بإفادة الإسناد، لأنها سيقت مساق القيد في الحال ومساق حد كلمة في الصلة، وكان ينبغي أن يذكر أيضاً الجملة الواقعة صفة، فإن الحكم فيها كذلك، ثم قال: وأما إضمار "قد" فلا يحتاج إليه، لكثرة وقوع الماضي حالاً دون "قد"، كثرة ينبغي القياس عليها. قال شهاب الدين: الزمخشري مَشَى مع الجمهور فإنّ مذهبهم أنه لا بدَّ من "قد" ظاهرةً أو مضمرةً لتقرّبه من الحال. وقرأ ابن أبي ليلى: "تَقَسَّمُوا" - دون ألف مع تشديد السين - والتَّقاسم والتقسُّم كالتَّظاهر والتَّظَهُّر. قوله: "بِاللَّهِ" إن جعلت "تَقَاسَمُوا" أمراً، تعلق به الجار قولاً واحداً، وإن جعلته ماضياً احتمل أن يتعلق به، ولا يكون داخلاً تحت القول، والمقول هو "لنُبَيِّتنَّهُ" (إلى آخره، واحتمل ان يتعلق بمحذوف هو فعل القسم، وجوابه: "لنُبَيِّتَنَّهُ" فعلى هذا يكون ما بعده داخلاً تحت المقول. قوله: "لنُبيِّتَنَّهُ") قرأ الأخوان بتاء الخطاب المضمومة وضم التاء، والباقون بنون المتكلم وفتح التاء. "ثُمَّ لَنَقُولَنَّ": قرأ الأخوان بتاء الخطاب المضمومة وضم اللام والباقون بنون المتكلم وفتح اللام، ومجاهد وابن وثاب والأعمش كقراءة الأخوين. (إلا أنّه بياء الغيبة في الفعلين، وحميد بن قيس كهذه القراءة في الأول، وقراءة غير الأخوين) من السبعة في الثاني. فأمَّا قراءة الأخوين فإن جعلنا "تقاسموا" فعل أمرٍ، فالخطاب واضح، رجوعاً بآخر الكلام إلى أوله، وإن جعلناه ماضياً، أو أمراً فالأمر فيهما واضح وهو حكاية إخبارهم عن أنفسهم وأمّا قراءة الغيبة فيهما فظاهرةٌ على أن يكون "تَقَاسَمُوا" ماضياً رجوعاً بآخر الكلام إلى أوله في الغيبة، وإن جعلناه أمراً كان "لنُبَيَّتنهُ" جواباً لسؤال مقدر، كأنّه قيل: كيف تقاسموا؟ فقيل: لَنُبَيِّتَنَّه. وأما غيبة الأول والمتكلم في الثاني: فتعليله مأخوذ ممّا تقدّم في تعليل القراءتين، وقال الزمخشري: وقرىء "لتُبَيِّتنَّهُ" بالتاء والياء والنون، فـ "تَقَاسَمُوا" مع التاء والنون يصح (فيه الوجهان، يعني يصح) في "تَقَاسَمُوا" أن يكون أمراً وأن يكون خبراً، قال: ومع الياء لا يصح إلاّ أن يكون خبراً. قال شهاب الدين: وليس كذلك لما تقدّم من أنه يكون أمراً وتكون الغيبة فيما بعده جواباً لسؤال مقدر. وقد تابع الزمخشريَّ أبو البقاء على ذلك فقال: "تَقَاسَمُوا" فيه وجهان: أحدهما: هو أمرٌ أي: أمر بعضهم بذلك بعضاً، فعلى هذا يجوز في "لنُبَيِّتَنَّهُ" النون بتقدير: قولوا لنُبَيِّتَنَّهُ، والتاء على خطاب الأمر المأمور، ولا يجوز التاء. والثاني: هو فعل ماض، وعلى هذا يجوز الأوجه الثلاثة. يعني بالأوجه: النون والتاء والياء، قال: وهو على هذا تفسير، أي: وتقاسموا على كونه ماضياً مفسّراً لنفس "قَالُوا" وقد سبقهما إلى ذلك مكي - رحمه الله - وتقدم توجيه ما منعوه ولله الحمد، وتنزيل هذه الأوجه بعضها على بعض مما يصعب استخراجه من كلام القوم، وتقدّم الكلام في "مَهْلِكَ أَهْلِهِ" في الكهف. فصل من جعله أمراً فموضع "تَقَاسَمُوا" جزم على الأمر، أي: احلفوا، ومن جعله فعلاً ماضياً فمحله نصب أي: تحالفوا وتوافقوا لنبيتّنه لنقتلنه، بياتاً أي: ليلاً، وأهله: أي: قومه الذين أسلموا معه، {ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ}: أي لولي دمه، "مَا شَهِدْنَا" ما حضرنا، "مَهْلِكَ أَهْلَهِ" إهلاكهم، ولا ندري من قتله، ومن فتح الميم فمعناه: هلاك أهله، "وَإِنَّا لَصَادِقُونَ": في قولنا ما شهدنا ذلك. قوله: "وَمَكَرُوا مَكْراً" غدروا غدراً حين قصدوا تبييت صالح والفتك به، "وَمَكَرْنَا مَكْراً" جازيناهم على مكرهم بتعجيل عقوبتهم، "وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ" فشبّه إهلاكهم من حيث لا يشعرون بمكر الماكر على سبيل الاستعارة. وقيل: إنّ الله تعالى أخبر صالحاً بمكرهم فتحرز عنهم، فذلك مكر الله في حقهم. قوله: {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ}: قرأ الكوفيون بفتح "أَنَّا"، والباقون بالكسر، فالفتح من أوجه: أحدها: أن يكون على حذف الجر، لأنَّا دمّرناهم، و "كَانَ" تامّة، و "عَاقِبَةُ" فاعل بها، و "كَيْفَ": حال. الثاني: أن يكون بدلاً من "عَاقِبَةُ"، أي: كيف كان تدميرنا إيّاهم، بمعنى كيف حدث. الثالث: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هي أنَّا دمَّرناهم، أي: العاقبة تدميرنا إياهم، ويجوز مع هذه الأوجه الثلاثة أن تكون كان ناقصة، ويجعل "كَيْفَ" خبرها، فتصير الأوجه ستة، ثلاثة مع تمام "كَانَ" وثلاثة مع نقصانها، ونزيد مع الناقصة وجهاً آخر، وهو أن يجعل "عَاقِبَة" اسمها، و "أَنَّا دَمَّرناهُم" خبرها، و "كَيْفَ": حال، فهذه سبعة أوجه، والثامن: أن تكون "كان" زائدة، و "عاقبة" مبتدأ، وخبره "كَيْفَ"، و "أَنَّا دَمَّرنَاهُم" بدل من "عاقبة" أو خبر مبتدأ مضمر، وفيه تعسُّف. التاسع: أنها على حذف الجار أيضاً، إلا أنه الباء، أي: بأنَّا دمَّرناهم، ذكره أبو البقاء. العاشر: أنها بدل من "كَيْفَ"، وهذا وهم من قائله، لأن المبدل من اسم الاستفهام يلزم معه إعادة حرف الاستفهام، نحو: كم مالكم أعشرون أم ثلاثون؟ وقال مكي: ويجوز في الكلام نصب "عَاقِبَة" ويجعل "أَنَّا دَمَّرنَّاهُم" اسم كان. انتهى. بل كان هذا هو الأرجح كما كان النصب في قوله: {أية : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ}تفسير : [العنكبوت: 24] ونحوه أرجح، لما تقدّم شبهه بالمضمر، لتأويله بالمصدر، وتقدّم تحقيق هذا. وقرأ أُبيّ: "أنْ دَمَّرْنَاهُمْ" وهي: أن المصدرية التي يجوز أن تنصب المضارع، والكلام فيها كالكلام على "أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ" وأمّا قراءة الباقين، فعلى الاستئناف، وهو تفسير للعاقبة، وكان يجوز فيها التمام والنقصان والزيادة، و "كَيْفَ" وما في حيّزها في محل نصب على إسقاط الخافض، لأنّه معلق للنظر، و "أَجْمَعِينَ": تأكيد للمعطوف والمعطوف عليه. فصل قال ابن عباس: أرسل الله الملائكة تلك الليلة إلى دار صالح يحرسونه، فأتى التسعة دار صالح شاهرين سيوفهم فرمتهم الملائكة بالحجارة من حيث يرون الحجارة ولا يرون الملائكة، فقتلتهم. وقال مقاتل: نزلوا في سفح جبل ينتظر بعضهم بعضاً، ليأتوا دار صالح، فجثم عليه الجبل فأهلكهم وأهلك الله قومهم بالصيحة. قوله: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً} العامة على نصب "خَاوِيَةً" حالاً، والعامل فيها معنى اسم الإشارة، وقرأ عيسى: "خَاوِيَةٌ" بالرفع، إمّا على خبر "تلك"، و "بُيُوتُهُمْ" بدل من "تِلْك"، وإمّا خبر ثان، و "بُيُوتُهُم" خبر أول، وإمّا على خبر مبتدأ محذوف, أي: هي خاوية، وهذا إضمار مستغنًى عنه، و "بِمَا ظَلَمُوا" متعلق بـ "خاوية"، أي بسبب ظلمهم. و "خَاويَةً" أي: خالية "بِمَا ظَلَمُوا" بظلمهم وكفرهم، {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً} لَعِبْرَةً، "لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" قدرتنا: {وَأَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} قيل: كان الناجون منهم أربعة آلاف.

البقاعي

تفسير : ولما أتم سبحانه هذه القصة المؤسسة على العلم المشيد بالحكمة المنبئة عن أن المدعوين فيها أطبقوا على الاستسلام للدخول في الإسلام، مع أبالة الملك ورئاسة العز، والقهر على يد غريب عنهم بعيد منهم، أتبعها قصة انقسم أهلها مع الذل والفقر فريقين مع أن الداعي منهم لا يزول باتباعه شيء من العز عنهم، مع ما فيها من الحكمة، وإظهار دقيق العلم بإبطال المكر، بعد طول الأناة والحلم، فقال تعالى مفتتحاً بحرف التوقع والتحقيق لمن ظن أن هذا شأن كل رسول مع يدعوهم، عاطفاً على {ولقد آتينا داود}: {ولقد أرسلنا} أي بما لنا من العظمة {إلى ثمود} ثم أشار إلى العجب من توقفهم بقوله: {أخاهم صالحاً} فجمع إلى حسن الفعل حسن الاسم وقرب النسب. ثم ذكر المقصود من الرسالة بما لا أعدل منه ولا أحسن، وهو الاعتراف بالحق لأهله، فقال: {أن اعبدوا الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له وحده، ولا تشركوا به شيئاً ولا سيما شيئاً لا يضر بوجه ولا ينفع، بياناً لأن الرسل عليهم الصلاة والسلام متفقون على ذلك عربهم وعجمهم. ثم زاد في التعجيب منهم بما أشارت إليه الفاء وأداة المفاجأة من المبادرة إلى الافتراق بما يدعو إلى الاجتماع فقال: {فإذا هم} أي ثمود {فريقان} ثم بين بقوله: {يختصمون*} أنها فرقة افتراق بكفر وإيمان، لا فرقة اجتماع في هدى وعرفان، فبعضهم صدق صالحاً واتبعه كما مضى في الأعراف. وتأتي هنا الإشارة إليه بقوله "وبمن معك" وبعضهم استمر على شركه وكذبه، وكل فريق يقول: أنا على الحق وخصمي على الباطل. ثم استأنف بما أشار إليه حرف التوقع من شدة التشوف قائلاً: {قال} أي صالح مستعطفاً في هدايته: {يا قوم} أي يا أولاد عمي ومن فيهم كفاية للقيام بالمصالح {لم تستعجلون} أي تطلبون العجلة بالإتيان {بالسيئة} أي الحالة التي مساءتها ثابتة وهي العقوبة التي أنذرت بها من كفر {قبل} الحالة {الحسنة} من الخيرات التي أبشركم بها في الدنيا والآخرة إن آمنتم، والاستعجال: طلب الإتيان بالأمر قبل الوقت المضروب له. واستعجالهم لذلك للإصرار على سببه وقولهم استهزاء {ائتنا بما تعدنا} {لولا} أي هلا ولم لا {تستغفرون الله} أي تطلبون غفران الذي له صفات الكمال لذنوبكم السالفة بالرجوع إيه بالتوبة بإخلاص العبادة له {لعلكم ترحمون*} أي لتكونوا على رجاء من أن تعاملوا من كل من فيه خير معاملة المرحوم بإعطاء الخير والحماية من الشر، ثم استأنف حكاية جوابهم فقال: {قالوا} فظاظة وغلظة مشيرين بالإدغام إلى أن ما يقولونه إنما يفهمه الحذاق بمعرفة الزجر وإن كان الظاهر خلافه بما أتاهم به من الناقة التي كان في وجودها من البركة أمر عظيم؛ {اطيرنا} أي تشاءمنا {بك وبمن معك} أي وهو الذين آمنوا بك، فإنه وقع بيننا بسببكم الخلاف، وكثر القال والقيل والإرجاف، وحصلت لنا شدائد واعتساف، لأنا جعلناكم مثل الطائر الذي يمر من جهة الشمال - على ما يأتي في الصافات {قال طائركم} أي ما تيمنون به فيثمر ما يسركم، أو تتشاءمون به فينشأ عنه ما يسوءكم وهو عملكم من الخير أو الشر {عند الله} أي الملك الأعظم المحيط بكل شيء علماً وقدرة، وليس شيء منه بيد غيره ولا ينسب إليه، فإن شاء جعلنا سببه وإن شاء جعل غيرنا. ولما كان معنى نسبته إلى الله أن هذا الذي بكم الآن من الشر ليس منا، قال: {بل أنتم قوم تفتنون*} أي تختبرون من الملك الأعلى بما تنسبونه إلى الطير من الخير والشر، أي تعاملون به معاملة الاختبار هل تصلحون للخير بالرجوع عن الذنب فيخفف عنكم أو لا فتمحنوا. ولما أخبر عن عامة هذا الفريق بالشر، أخبر عن شرهم بقوله: {وكان في المدينة} أي مدينتهم الحجر من عظماء القرية وأعيانها {تسعة رهط} أي رجال، مقابلة لآيات موسى التسع. ولما كان الرهط بمعنى القوم والرجال، أضيفت التسعة إليه، فكأنه قيل: تسعة رجال، وإن كان لقوم ورجال مخصوصين، وهم ما بين الثلاثة أو السبعة إلى العشرة، وما دون التسعة فنفر، وقال في القاموس: إن النفر ما دون العشرة غير أنه يفهم التفرق، والرهط يفهم العظمة والشدة والاجتماع {يفسدون} وقال: {في الأرض} إشارة إلى عموم فسادهم ودوامه. ولما كان الكفرة كلهم مفسدين بالكفر، وكان بعضهم ربما كان يصلح في بعض أفعاله، بين أن هؤلاء ليسوا كذلك، بل هم شر محض فحقق خلوصهم للفساد بقوله مصرحاً بما أفهمته صيغة المضارع: {ولا يصلحون*}. ولما اقتضى السياق السؤال عن بيان بعض حالهم، أجاب بقوله: {قالوا تقاسموا} أمر مما منه القسم، أي أوقعوا المقاسمة والمحالفة بينكم {بالله} أي الذي لا سمى له لما شاع من عظمته، وشمول إحاطته في علمه وقدرته، فليقل كل منكم عن نفسه ومن معه إشارة إلى أنكم كالجسد الواحد: {لنبيتنّه} أي صالحاً {وأهله} أي لنهلكن الجميع ليلاً، فإن البيات مباغتة العدو ليلاً. ولما كانت العادة جارية بأن المبيتين لا بد أن يبقى بعضهم، قالوا: {ثم لنقولن لوليّه} أي المطالب بدمه إن بقي منهم أحد: {ما شهدنا} أي حضرنا حضوراً تاماً {مهلك} أي هلاك {أهله} أي أهل ذلك الولي فضلاً عن أن نكون باشرنا، أو أهل صالح عليه السلام فضلاً عن أن نكون شهدنا مهلك صالح أو باشرنا قتله ولا موضع إهلاكهم. ولما كانت الفجيعة من وليه بهلاكه - عليه السلام - أكثر من الفجيعة بهلاك أهله وأعظم، كان في السياق بالإسناد إلى الولي - على تقدير كون الضمير لصالح عليه السلام - أتم إرشاد إلى أن التقدير: ولا مهلكه. ولما كانوا قد صمموا على هذا الأمر، وظنوا أنفسهم على المبالغة في الحلف والاجتراء على الكذب فقالو: {وإنا} أي ونقول في جملة القسم تأكيداً للقسم، إيهاماً لتحقق الصدق: وإنا {لصادقون*} فيا للعجب من قوم إذا عقدوا اليمين فزعوا إلى الله العظيم، ثم نفروا عنه نفور الظليم، إلى أوثان أنفع منها الهشيم.

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏فإذا هم فريقان يختصمون‏} ‏ قال‏:‏ مؤمن، وكافر، قولهم صالح مرسل من ربه‏.‏ وقولهم ليس بمرسل‏.‏ وفي قوله ‏ {‏لم تستعجلون بالسيئة‏} ‏ قال‏:‏ العذاب ‏ {‏قبل الحسنة‏} قال‏:‏ الرحمة‏.‏ وفي قوله ‏ {‏قالوا اطيرنا بك‏} ‏ قال‏:‏ تشاءمنا‏.‏ وفي قوله ‏ {‏وكان في المدينة تسعة رهط‏}‏ قال‏:‏ من قوم صالح‏.‏ وفي قوله ‏ {‏تقاسموا بالله‏} ‏ قال‏:‏ تحالفوا على هلاكه فلم يصلوا إليه حتى أهلكوا وقومهم أجمعين‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏فإذا هم فريقان يختصمون‏}‏ قال‏:‏ إن القوم بين مصدق ومكذب‏.‏ مصدق بالحق ونازل عنده، ومكذب بالحق تاركه‏.‏ في ذلك كانت خصومة القوم ‏{‏قالوا اطيرنا بك‏}‏ قال‏:‏ قالوا‏:‏ ما أصبنا من شر فإنما هو من قبلك ومن قبل من معك ‏‏قال {طائركم عند الله‏} ‏ يقول‏:‏ علم أعمالكم عند الله ‏ {‏بل أنتم قوم تفتنون‏} ‏ قال‏:‏ تبتلون بطاعة الله ومعصيته ‏ {‏وكان في المدينة تسعة رهط‏} ‏ قال‏:‏ من قوم صالح ‏ {‏قالوا‏:‏ تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله‏} قال‏:‏ توافقوا على أن يأخذوه ليلاً فيقتلوه قال‏:‏ ذكر لنا أنهم بينما هم معانيق إلى صالح - يعني مسرعين - ليقتلوه بعث الله عليهم صخرة فأخمدتهم ‏ {‏ثم لنقولن لوليه‏} ‏يعنون رهط صالح ‏{‏ومكروا مكرا‏ً} ‏ قال‏:‏ مكرهم الذي مكروا بصالح ‏ {‏ومكرنا مكراً‏}‏ قال‏:‏ مكر الله الذي مكر بهم‏:‏ رماهم بصخرة فأهمدتهم ‏ {‏فانظر كيف كان‏} ‏ مكرهم قال‏:‏ شر والله ‏{‏كان عاقبة مكرهم‏}‏ أن دمرهم الله وقومهم أجمعين ثم صيرهم إلى النار‏. ‏وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏طائركم‏} ‏ قال‏:‏ مصائبكم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏وكان في المدينة تسعة رهط‏} ‏ قال‏:‏ كان أسماؤهم زعمي، وزعيم، وهرمي، وهريم، وداب، وهواب، ورياب، وسيطع، وقدار بن سالف عاقر الناقة‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وكان في المدينة تسعة رهط‏}‏ قال‏:‏ وهم الذين عقروا الناقة وقالوا حين عقروها تبيتن صالحاً وأهله فنقتلهم، ثم نقول لأولياء صالح ما شهدنا من هذا شيئاً، وما لنا به علم فدمرهم الله أجمعين‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء بن أبي رياح ‏ {‏وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون‏} ‏ قال‏:‏ كانوا يقرضون الدراهم‏.‏ والله أعلم‏.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ}. ذكر قصةَ ثمود، وقصة نبيِّهم صالح عليه السلام، وما جرى بينه وبينهم من التكذيب، وطلبهم منه معجزةً، وحديث الناقة وعقرها، وتبرمهم بالناقة بعد أن رأوا فيها من الفعل الذي كانت لهم فيه أعظم آية... إلى قوله: {وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}. ومَكْرُهُم ما أظهروا في الظاهر من موافقة صالح، وعقرهم الناقة خفيةٌ، وتوريك الذَّنبِ على غير جارمه، والتبرِّي من اختيارهم ذلك. وأمَّا مَكْرُ اللَّهِ جزاؤهم على مَكِرْهم بإخفاء ما أراد بهم من العقوبة عنهم، ثم إحلالها بهم بغتةً. فالمَكْرُ من الله تخليتُه إياهم مع مَكْرِهم بحيث لا يعصمهم، وتزيينُ ذلك في أعينهم، وتجيبُ ذلك إليهم... ولو شاء لَعَصَمَهُم. ومن أليم مَكْرِهِ انتشارُ الصيت بالصلاح، والعمر في السِّرِّ بخلاف ما يتوهم بهم من الصلاح، وفي الآخرة لا يَجُوزُ في سُوقِها هذا النَّقْدُ!.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد ارسلنا الى ثمود} وهى قبيلة من العرب كانوا يعبدون الاصنام {اخاهم} النسبى المعروف عندهم بالصدق والامانة {صالحا} قد سبق ترجمته {ان} مصدرية اى بان {اعبدوا الله} الذى لاشريك له {فاذا هم فريقان يختصمون} الاختصام [بايكديكرخصومت وجدل كردن] واصله ان يتعلق كل واحد بخصم الآخر بالضم اى جانبه. والمعنى فاجأوا التفرق والاختصام فآمن من فريق وكفر فريق: وبالفارسية [بس آنكاه ايشان دو فريق شدند مؤمن وكافر وبجنك وخصومت در آمدند بايكديكر]. قال الكاشفى [ومخاصمه ايشان در سوره اعراف رقم ذكر يافته] وهو قوله تعالى {أية : قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا}تفسير : الآية

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (ولقد أرسلنا): عطف على (ولقد آتينا داود...) إلخ. يقول الحق جل جلاله: {و} الله {لقد أرسلنا إلى ثمودَ أخاهم} نسباً {صالحاً أن اعبدوا الله} أي: بأن اعبدوه وحده، {فإذا هم فريقان يختصمون} أي: ففاجؤوا التفرق والاختصام، ففريق مؤمن به، وفريق كافر، أو يختصمون فيه، فكل فريق يقول: الحق معي. وقد فسر هذا الاختصام قوله تعالى في الأعراف: {أية : قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا بِٱلَّذِيۤ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} تفسير : [الأعراف: 75- 76] {قال} عليه السلام للفريق الكافر، بعد ما شاهد منهم ما شاهد؛ من نهاية العتو والعناد، حتى استعجلوا العذاب: {يا قوم لِمَ تستعجلون بالسيئة}؛ بالعقوبة السيئة {قبلَ الحسنة} أي: التوبة الصالحة، فتؤخرونها إلى حين نزولها، حيث كانوا – من جهلهم وغوايتهم يقولون، إن وقع العذاب تُبنا حينئذٍ، وإلا فنحن على ما كنا عليه. أو: لِمَ تستعجلون بالعذاب قبل الرحمة، أو: بالمعصية قبل الطاعة، {لولا تستغفرون الله}: هلا تطلبون المغفرة من كفركم بالتوبة والإيمان قبل نزوله، {لعلكم تُرْحَمون} بالإجابة قبل النزول، إذ لا قبول بعده، {قالوا اطَّيَّرنا بك}؛ تشاءمنا بك {وبمن معك} من المؤمنين؛ لأنهم قُحِطوا عند مبعثه؛ لكفرهم، فنسبوه إلى مجيئه. والأصل: تطيرنا. وقرئ به، فأدغمت التاء في الطاء، وزيدت ألف وصل، للسكون. {قال} صالح عليه السلام: {طائِرُكُم عند الله} أي: سببكم الذي به ينالكم ما ينالكم من الخير والشر عند الله، وهو قدره وقضاؤه، أو: عملكم مكتوب عند الله، فمنه نزل بكم ما نزل، عقوبة لكم وفتنة. ومنه: {أية : وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} تفسير : [الإسراء: 13] أي: ألزمناه جزاء عمله، أو: ما قدر له في عنقه، وأصله: أن المسافر كان إذا مرّ بطائر يزجره، فإن مر إلى جهة اليمين تيمن، وإن مر إلى ناحية الشمال تشاءم، فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير لما كان سببهما من قدر الله وقسمته، أو: من عمل العبد الذي هو السبب في الرحمة والنقمة، {بل أنتم قوم تُفتَنون} : تختبرون بتعاقب السراء والضراء، أو: تعذبون، أو: يفتنكم الشيطان بوسوسته إليكم الطيرة. قال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : لا عدوى ولا طِيَرة" تفسير : وقال أيضاً: "حديث : إذا تطيرت فلا ترجع" تفسير : . والله تعالى أعلم. الإشارة: سَير أهل التربية مع أهل زمانهم كسير الأنبياء مع أممهم، إذا بعثهم الله إلى أهل زمانهم اختصموا فيهم، ففريق يصدق وفريق يكذب، فيطلبون الكرامة والبرهان، ويتطيرون بهم وبمن تبعهم، إن ظهرت بهم قهرية من عند الله، كما رأينا ذلك كله. وبالله التوفيق. ثم ذكر اهتمامهم بقتل صالح وهلاكهم، فقال: {وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ...}

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ} مؤمنون وجاحدون {يَخْتَصِمُونَ قَالَ} صالح (ع) لهم بعد ما قالوا فأتنا بما تعدنا ان كنت من الصّادقين {يٰقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ} بالعذاب {قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ} اى قبل سؤال الرّحمة {لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ ٱللَّهَ} لولا تطلبون مغفرته وعفوه عمّا فعلتم {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} منه.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً} اي: أخوهم في النسب وليس بأخيهم في الدين. {أَنِ اعْبُدُوا اللهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ}. قال بعضهم: يقول: إذا القوم بين مصدّق ومكذّب، أي: مصدّق بالحق، ونازل عنده، ومكذّب بالحق وتارك، في ذلك كانت خصومة القوم. {قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ} والسيئة العذاب، لقولهم: (أية : فَأتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) تفسير : [الأعراف: 70] أي: المرسلين. والحسنة: الرحمة. {لَوْلاَ} أي: هلا {تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ} أي: من شرككم {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي: لكي تُرْحَمُوا.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً} سماه أخا لأنه من قبيلتهم. {أَن اعْبُدُوا اللهَ} أي بأن اعبدوا أو أن مفسرة أي وحدوه وقرأه أبو عمرو وعاصم وحمزة بكسر النون. {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} فريق مؤمنون من حين ارساله اليهم وفريق كافرون كل يقول الحق معي وجملة يختصمون خبر ثان فقد روعي اللفظ والمعنى أو نعت فريقان فقد روعي المعنى وقيل الفريقان صالح وقومه قبل أن يؤمن منهم أحد.

اطفيش

تفسير : {ولَقد أرْسَلنا إلى ثَمُود أخاهُم صالحاً} عطف على "أية : ولقد آتينا داود" تفسير : [النمل: 15] الخ أى ووالله لقد أرسلنا، أو وبالله، وتقدير باء القسم هنا أولى من الواو، لئلا يجتمع واوان، لقد أرسلنا بالتوحيد والأحكام الشرعية الى ثمود، وهم عاد الثانية، أخاهم فى النسب صالحا {أن اعبدوا الله} أن مفسرة لا مصدرية بتقدير الباء أو اللام، لأن الأمر لا خارج له يعبر عنه بالمصدر. {فإذا هُم فريقان} أى مضت مدة، فاذاهم، فالتفريع بالمفاجأة على محذوف لا على الارسال إذ لا يكونون فريقين يختصمون بأول الارسال، أو الفاء للترتيب بدون اتصال، أو يعتبر الترتيب فى كل مكان بحسبه، وهم عائد الى ثمود، وقيل الى المذكورين، فيشمل صالحا وهو فريق، وقومه وهم فريق آخر، وعليه فالاتصال ظاهر بلا حذف، ويرده قوله: "أية : قالوا اطيرنا بك وبمن معك"تفسير : [النمل: 47] فأحد الفريقين صالح ومن معه لا صالح وحده، والآخر الباقون على الكفر {يختصمون} نعت فريقان، ولم يقل يختصمان للفاصلة، وقيل خبر ثان.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلنَا } عطف على قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُود وَسُلَيْمَـٰنَ عِلْماً } تفسير : [النمل: 15] مسوق لما سيق هو له، واللام واقعة في جواب قسم محذوف أي وبالله لقد أرسلنا {إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحاً } وإنما أقسم على ذلك اعتناء بشأن الحكم، و {صَـٰلِحاً } بدل من {أَخَـٰهُمْ } أو عطف بياني، وأن في قوله تعالى: {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } مفسرة لما في الإرسال من معنى القول دون حروفه. وجوز كونها مصدرية حذف منها حرف الجر أي بأن، وقيل لأن ووصلها بالأمر جائز لا ضير فيه كما مر. / وقرىء بضم النون اتباعاً لها للباء {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ } أي فاجآ ارسالنا تفرقهم واختصامهم فآمن فريق وكفر فريق وكان ما حكى الله تعالى في محل آخر بقوله سبحانه: {أية : قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قومِهِ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ }تفسير : [الأعراف: 75] الآية. فإذا فجائية والعامل فيها مقدر لا {يَخْتَصِمُونَ } خلافاً لأبـي البقاء لأنه صفة «فريقان» كما قال ومعمول الصفة لا يتقدم على الموصوف، وقيل: هذا حيث لا يكون المعمول ظرفاً، وضمير «يختصمون» لمجموع الفريقين ولم يقل يختصمان للفاصلة، ويوهم كلام بعضهم أن الجملة خبر ثان وهو كما ترى، و «هم» راجع إلى ثمود لأنه اسم للقبيلة، وقيل: إلى هؤلاء المذكورين ليشمل صالحاً عليه السلام والفريقان حينئذ أحدهما صالح وحده وثانيهما قومه. والحامل على هذا كما ذكره ابن عادل العطف بالفاء فإنها تؤذن أنهم عقيب الإرسال بلا مهلة صاروا فريقين ولا يصير قومه عليه السلام فريقين إلا بعد زمان. وفيه أنه يأباه قوله تعالى: {أية : ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ }تفسير : [النمل: 47] وتعقيب كل شيء بحسبه على أنه يجوز كون الفاء لمجرد الترتيب. ولعل فريق الكفرة أكثر ولذا ناداهم بقوله يا قوم كما حكى عنه في قوله تعالى: {قَالَ يَٰقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ...}.

سيد قطب

تفسير : في معظم المواضع في القرآن ترد قصة صالح وثمود في سياق قصص عام من نوح وهود، ولوط وشعيب. وأحياناً تجيء قصة إبراهيم في هذا السياق أو لا تجيء. أما في هذه السورة والتركيز فيها على قصص بني إسرائيل، فقد جاءت قصة موسى وقصة داود وسليمان. واختصرت قصة هود وقصة شعيب من السلسلة ولم تجيء قصة إبراهيم. وفي هذه السورة لا تذكر حلقة الناقة في قصة صالح ـ عليه السلام ـ إنما يذكر تبييت الرهط التسعة المفسدين لصالح وأهله، ومكرهم به وهو لا يشعر، فمكر الله بالمفسدين وهم لا يشعرون، ودمرهم وقومهم أجمعين. وأنجى الذين آمنوا وكانوا يتقون، وترك بيوت المفسدين خاوية وجعلها لمن بعدهم آية. والمشركون في مكة يمرون بهذه البيوت المدمرة الخاوية ولكنهم لا يعتبرون.. {ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً أن اعبدوا الله، فإذا هم فريقان يختصمون}.. يلخص رسالة صالح ـ عليه السلام ـ في حقيقة واحدة: {أن اعبدوا الله} فهذه هي القاعدة التي ترتكز عليها رسالة السماء إلى الأرض في كل جيل، ومع كل رسول. ومع أن كل ما حول البشر في هذا الكون، وكل ما يكمن فيهم أنفسهم، يهتف بهم إلى الإيمان بهذه الحقيقة الواحدة، فقد أمضت البشرية أجيالاً وأزماناً لا يعلمها إلا الله، وهي تقف أمام هذه الحقيقة البسيطة وقفة الإنكار والجحود، أو وقفة الهزء والتكذيب. وما تزال إلى اليوم تروغ عن هذه الحقيقة الخالدة، وتجنح إلى شتى السبل، التي تتفرق بها عن سبيل الله الواحد المستقيم. فأما قوم صالح ـ ثمود ـ فيحكي القرآن خلاصة موقفهم بعد دعوته إياهم، وجهده معهم بأنهم أصبحوا فريقين يختصمون. فريقاً يستجيب له، وفريقاً يخالف عنه. وكان الفريق المعارض هو الكثرة، كما نعرف من المواضع الأخرى في القرآن عن هذه القصة. وهنا فجوة في السورة على طريقة القصص القرآني ندرك منها أن المكذبين المعرضين استعجلوا عذاب الله الذي أنذرهم به صالح، بدلاً من أن يطلبوا هدى الله ورحمته ـ شأنهم في هذا شأن مشركي قريش مع الرسول الكريم ـ فأنكر عليهم صالح أن يستعجلوا بالعذاب ولا يطلبوا الهداية، وحاول أن يوجههم إلى الاستغفار لعل الله يدركهم برحمته: {قال: يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة؟ لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون}! ولقد كان يبلغ من فساد القلوب أن يقول المكذبون: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذابٍ أليم}.. بدلاً من أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إلى الإيمان به والتصديق! وكذلك كان قوم صالح يقولون. ولا يستجيبون لتوجيه رسولهم إلى طريق الرحمة والتوبة والاستغفار. ويعتذرون عن ضيقهم به وبالذين آمنوا معه بأنهم يرونهم شؤماً عليهم، ويتوقعون الشر من ورائهم: {قالوا: اطيرنا بك وبمن معك}. والتطير. التشاؤم. مأخوذ من عادة الأقوام الجاهلة التي تجري وراء الخرافات والأوهام، لأنها لا تخرج منها إلى نصاعة الإيمان. فقد كان الواحد منهم إذا همّ بأمر لجأ إلى طائر فزجره أي أشار إليه مطارداً. فإن مر سانحاً عن يمينه إلى يساره استبشر ومضى في الأمر. وإن مر بارحاً عن يساره إلى يمينه تشاءم وتوقع الضر! وما تدري الطير الغيب، وما تنبئ حركاتها التلقائية عن شيء من المجهول. ولكن النفس البشرية لا تستطيع أن تعيش بلا مجهول مغيب تكل إليه ما لا تعرفه وما لا تقدر عليه. فإذا لم تكل المجهول المغيب إلى الإيمان بعلام الغيوب وكلته إلى مثل هذه الأوهام والخرافات التي لا تقف عند حد، ولا تخضع لعقل، ولا تنتهي إلى اطمئنان ويقين. وحتى هذه اللحظة ترى اللذين يهربون من الإيمان بالله، ويستنكفون أن يكلوا الغيب إليه، لأنهم ـ بزعمهم ـ قد انتهوا إلى حد من العلم لا يليق معه أن يركنوا إلى خرافة الدين! ـ هؤلاء الذين لا يؤمنون بالله ولا بدينه ولا بغيبه.. نراهم يعلقون أهمية ضخمة على رقم 13، وعلى مرور قط أسود يقطع الطريق أمامهم، وعلى إشعال أكثر من لفافتين بعود ثقاب واحد.. إلى آخر هذه الخرافات الساذجة. ذلك أنهم يعاندون حقيقة الفطرة، وهي جوعتها إلى الإيمان، وعدم استغنائها عنه، وركونها إليه في تفسير كثير من حقائق هذا الكون التي لم يصل إليها علم الإنسان؛ وبعضها لن يصل إليه في يوم من الأيام، لأنه أكبر من الطاقة البشرية، ولأنه خارج عن اختصاص الإنسان، زائد على مطالب خلافته في هذه الأرض، التي زود على قدرها بالمواهب والطاقات! فلما قال قوم صالح قولتهم الجاهلة الساذجة، الضالة في تيه الوهم والخرافة، ردهم صالح إلى نور اليقين، وإلى حقيقته الواضحة، البعيدة عن الضباب والظلام: {قال: طائركم عند الله}. حظكم ومستقبلكم ومصيركم عند الله. والله قد سن سنناً وأمر الناس بأمور، وبين لهم الطريق المستنير. فمن اتبع سنة الله، وسار على هداه، فهناك الخير، بدون حاجة إلى زجر الطير. ومن انحرف عن السنة، وحاد عن السواء، فهناك الشر، بدون حاجة إلى التشاؤم والتطير. {بل أنتم قوم تفتنون}.. تفتنون بنعمة الله، وتختبرون بما يقع لكم من خير ومن شر. فاليقظة وتدبر السنن، وتتبع الحوادث والشعور بما رواءها من فتنة وابتلاء هو الكفيل بتحقيق الخير في النهاية. لا التشاؤم والتطير ببعض خلق الله من الطير ومن الناس سواء. وهكذا ترد العقيدة الصحيحة الناس إلى الوضوح والاستقامة في تقدير الأمور. وترد قلوبهم إلى اليقظة والتدبر فيما يقع لهم أو حولهم. وتشعرهم أن يد الله وراء هذا كله، وأن ليس شيء مما يقع عبثاً أو مصادفة.. وبذلك ترتفع قيمة الحياة وقيمة الناس. وبذلك يقضي الإنسان رحلته على هذا الكوكب غير مقطوع الصلة بالكون كله من حوله، وبخالق الكون ومدبره، وبالنواميس التي تدبر هذا الكون وتحفظه بأمر الخالق المدبر الحكيم. ولكن هذا المنطق المستقيم إنما تستجيب له القلوب التي لم تفسد، ولم تنحرف الانحراف الذي لا رجعة منه. وكان من قوم صالح، من كبرائهم، تسعة نفر لم يبق في قلوبهم موضع للصلاح والإصلاح. فراحوا يأتمرون به، ويدبرون له ولأهله في الظلام.. {وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون. قالوا: تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله، ثم لنقولن لوليه: ما شهدنا مهلك أهله. وإنا لصادقون}.. هؤلاء الرهط التسعة الذين تمحضت قلوبهم وأعمالهم للفساد وللإفساد، لم يعد بها متسع للصلاح والإصلاح، فضاقت نفوسهم بدعوة صالح وحجته، وبيتوا فيما بينهم أمراً. ومن العجب أن يتداعوا إلى القسم بالله مع هذا الشر المنكر الذي يبيتونه، وهو قتل صالح وأهله بياتاً، وهو لا يدعوهم إلا لعبادة الله! وإنه لمن العجب كذلك أن يقولوا: {تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه: ما شهدنا مهلك أهله} ولا حضرنا مقتله.. {وإنا لصادقون}.. فقد قتلوهم في الظلام فلم يشهدوا هلاكهم أي لم يروه بسبب الظلام! وهو احتيال سطحي وحيلة ساذجة. ولكنهم يطمئنون أنفسهم بها، ويبررون كذبهم، الذي اعتزموه للتخلص من أولياء دم صالح وأهله. نعم من العجب أن يحرص مثل هؤلاء على أن يكونوا صادقين! ولكن النفس الإنسانية مليئة بالانحرافات والالتواءات، وبخاصة حين لا تهتدي بنور الإيمان، الذي يرسم لها الطريق المستقيم. كذلك دبروا. وكذلك مكروا.. ولكن الله كان بالمرصاد يراهم ولا يرونه، ويعلم تدبيرهم ويطلع على مكرهم وهم لا يشعرون: {ومكروا مكراً، ومكرنا مكراً. وهم لا يشعرون}.. وأين مكر من مكر؟ وأين تدبير من تدبير؟ وأين قوة من قوة؟ وكم ذا يخطئ الجبارون وينخدعون بما يملكون من قوة ومن حيلة، ويغفلون عن العين التي ترى ولا تغفل، والقوة التي تملك الأمر كله وتباغتهم من حيث لا يشعرون: {فانظر كيف كان عاقبة مكرهم. أنا دمرناهم وقومهم أجمعين. فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا}.. ومن لمحة إلى لمحة إذا التدمير والهلاك، وإذا الدور الخاوية والبيوت الخالية. وقد كانوا منذ لحظة واحدة، في الآية السابقة من السورة، يدبرون ويمكرون، ويحسبون أنهم قادرون على تحقيق ما يمكرون! وهذه السرعة في عرض هذه الصفحة بعد هذه مقصودة في السياق. لتظهر المباغتة الحاسمة القاضية. مباغتة القدرة التي لا تغلب للمخدوعين بقوتهم؛ ومباغتة التدبير الذي لا يخيب للماكرين المستعزين بمكرهم. {إن في ذلك لآية لقوم يعلمون}.. والعلم هو الذي عليه التركيز في السورة وتعقيباتها على القصص والأحداث وبعد مشهد المباغتة يجيء ذكر نجاة المؤمنين الذين يخافون الله ويتقونه.. {وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون}.. والذي يخاف الله يقيه سبحانه من المخاوف فلا يجمع عليه خوفين. كما جاء في حديث قدسي جليل.

ابن عاشور

تفسير : هذا مثل ثالث ضربه الله لحال المشركين مع المؤمنين وجعله تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن له أسوة بالرسل والأنبياء من قبله. والانتقال من ذكر ملك سليمان وقصّة ملكة سبأ إلى ذكر ثمود ورسولهم دون ذكر عاد لمناسبة جِوار البلاد، لأن ديار ثمود كانت على تخوم مملكة سليمان وكانت في طريق السائر من سَبأ إلى فلسطين. ألا ترى أنه أعقب ذكر ثمود بذكر قوم لوط وهم أدنى إلى بلاد فلسطين، فكان سياق هذه القصص مناسباً لسياق السائر من بلاد اليمن إلى فلسطين. ولما كان ما حلّ بالقوم أهمَّ ذِكراً في هذا المقام قدم المجرور على المفعول لأن المجرور هو محل العبرة، وأما المفعول فهو محلّ التسلية، والتسلية غرض تَبَعيّ. ولام القسم لتأكيد الإرسال باعتبار ما اتصل به من بقية الخبر؛ فإما أن يكون التأكيد لمجرد الاهتمام، وإما أن يبنى على تنزيل المخاطبين منزلة من يتردد فيما تضمنه الخبر من تكذيب قومه إياه واستخفافهم بوعيد ربّهم على لسانه. وحلول العذاب بهم لأجل ذلك لأن حالهم في عدم العظة بما جرى للمماثلين في حالهم جعلهم كمن ينكر ذلك. و{أن أعبُدوا الله} تفسير لما دل عليه {أرسلنا} من معنى القول. وفرع على {أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً} إلخ {إذا هم فريقان يختصمون}. فالمعنى: أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً لإنقاذهم من الشرك ففاجأ من حالهم أن أعرض فريق عن الإيمان وآمن فريق. والإتيان بحرف المفاجأة كناية عن كون انقسامهم غير مرضي فكأنّه غير مترقب، ولذلك لم يقع التعرض لإنكار كون أكثرهم كافرين إشارة إلى أن مجرد بقاء الكفر فيهم كاف في قبْح فعلهم. وحالهم هذا مساوٍ لحال قريش تجاه الرسالة المحمدية. وأعيد ضمير {يختصمون} على المثنى وهو {فريقان} باعتبار اشتمال الفريقين على عدد كثير. كقوله تعالى: {أية : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا}تفسير : [الحجرات: 9] ولم يقل: اقتتلتا. والفريقان هما: فريق الذين استكبروا، وفريق الذين استضعفوا وفيهم صالح. والفاء للتعقيب وهو تعقيب بحسب ما يقتضيه العرف بعد سماع الدعوة. والاختصام واقع مع صالح ابتداء، ومع أتباعه تبعاً.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه أرسل نبيه صالحاً إلى ثمود، فإذا هم فريقان يختصمون، ولم يبين هنا خصومة الفريقين، ولكنه بين ذلك في سورة الأعراف في قوله تعالى: {أية : قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا بِٱلَّذِيۤ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} تفسير : [الأعراف: 75ـ76] فهذه خصومتهم، وأعظم أنواع الخصومة، الخصومة في الكفر والإيمان.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أن اعبدوا: أي بأن اعبدوا الله. فريقان يختصمون: أي طائفتان مؤمنة موحدة وكافرة مشركة يختصمون. تستعجلون بالسيئة: أي تطالبون بالعذاب قبل الرحمة. لولا تستغفرون الله: أي هلا تطلبون المغفرة من ربكم بتوبتكم إليه. قالوا اطيرنا بك: أي تشاءمنا بك وبمن معك من المؤمنين. قال طائركم عند الله: أي ما زجرتم من الطير لما يصيبكم من المكاره عند الله علمه. بل أنتم قوم تفتنون: أي تختبرون بالخير والشر. تسعة رهط: أي تسعة رجال ظلمة. تقاسموا بالله: أي تحالفوا بالله أي طلب كل واحد من الثاني أن يحلف له. لنبيتنه وأهله: أي لنقتلنه والمؤمنين به ليلاً. ما شهدنا مهلك أهله: أي ما حضرنا قتله ولا قتل أهله. معنى الآيات: قوله تعالى {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ} هذا بداية قصص صالح عليه السلام مع قومه ثمود لما ذكر تعالى قصص سليمان مع بلقيس ذكر قصص صالح مع ثمود وذلك تقريراً لنبوة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ووضع المشركين من قريش أمام أحداث تاريخية تمثل حالهم مع نبيهم لعلهم يذكرون فيؤمنوا قال تعالى {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ} أي قبيلة ثمود {أَخَاهُمْ} أي في النسب {صَالِحاً أَنِ ٱعْبُدُواْ} أي قال لهم اعبدوا الله أي وحدوه {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ} موحدون ومشركون {يَخْتَصِمُونَ} فريق يدعو إلى عبادة الله وحده وفريق يدعو إلى عبادة الأوثان مع الله وشأن التعارض أن يحدث التخاصم كل فريق يريد أن يخصم الفريق الآخر. وطالبوا صالحاً بالآيات وقالوا {أية : فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ} تفسير : [الأعراف: 70] أي من العذاب {أية : إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} تفسير : [الأعراف: 70] في أنك رسول إلينا مثل الرسل فرد عليهم وقال {يٰقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ} أي تطالبونني بعذابكم {قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ} فالمفروض أن تطالبوا بالحسنة التي هي الرحمة لا السيئة التي هي العذاب. إن كفركم ومعاصيكم هي سبيل عذابكم، كما أن إيمانكم وطاعتكم هي سبيل نجاتكم وسعادتكم فبادروا بالإِيمان والطاعة طلباً لحسنة الدنيا والآخرة. إنكم بكفركم ومعاصيكم تستعجلون عذابكم {لَوْلاَ} أي هلا {تَسْتَغْفِرُونَ ٱللَّهَ} بترككم الشرك والمعاصي {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي كي ترحموا بعد هذا الوعظ والإِرشاد. كان جواب القوم ما أخبر تعالى به عنهم في قوله {قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ} أي تشاءمنا بك وبأتباعك المؤمنين، فرد عليهم بقوله {طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ} أي ما زجرتم من الطير لما يصيبكم من المكاره عند الله علمه وهو كائن لا محالة، وليست القضية تشاؤماً ولا تيامناً {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} وقوله تعالى {وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ} أي مدينة الحجر حجر ثمود تسعة رجال {يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ} بالكفر والمعاصي {وَلاَ يُصْلِحُونَ} وهم الذين تمالؤوا على عقر الناقة ومن بينهم قُدَار بن سالف الذي تولى عقر الناقة. هؤلاء التسعة نفر قالوا لبعضهم بعضاً في اجتماع خاص {تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ} أي ليقسم كل واحد منكم قائلاً والله {لَنُبَيِّتَنَّهُ} أي صالحاً {وَأَهْلَهُ} أي أتباعه، أي لنأتينهم ليلاً فنقتلهم، ثم في الصباح {لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ} أي لولي دم صالح من أقربائه، والله {مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ} ولا مهلكه {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} فيما نقسم عليه من أنا لم نشهد مهلك صالح ولا مهلك أصحابه. هداية الآيات هداية الآيات: 1- تقرير نبوة النبي صلى الله عليه وسلم. 2- تقرير حقيقة أن الصراع بين الحق والباطل لا ينتهي إلا بانتهاء الباطل. 3- حرمة التشاؤم والتيامن كذلك، ولم يجز الشارع إلا التفاؤل لا غير. 4- العمل بمعاصي الله تعالى هو الفساد في الأرض، والعمل بطاعته هو الإِصلاح في الأرض. 5- تقرير أن المشركين يؤمنون بالله ولذا يحلفون به، ولم يدخلهم ذلك في الإِسلام لشركهم في عبادة الله تعالى غيره من مخلوقاته.

القطان

تفسير : فريقان: طائفتان. طائفة مؤمنة، واخرى كافرة. يختصمون: يتنازعون. السيئة: العقوبة. الحسنة: الرحمة. اطّيرنا: تشاءمنا. طائركم: ما يصيبكم من الخير والشر. تفتنون: تختبرون. المدينة: الحِجر، مداين صالح. الرهط: النفر من الثلاثة الى التسعة. تقاسموا: حلفوا. لنبيتنّه: نهجم عليه بغتة ليلا. وليّه: أقرب الناس اليه. مهلك اهله. أهلاك أهله. دمرناهم: أهلكناهم. خاوية: خالية. ولقد بعثنا الى قوم ثمود أخاهم صالحاً، فقال لهم اعبدوا الله، فإذا هم طائفتان يختصمون: جماعةُ تؤمن بالله، واخرى كافرة، هي الأكثرُ والأقوى. فقال صالح لقومه: لِمَ يستعجلون طلبَ العذاب قبل الرحمة؟ هلاّ تستغفرون ربكم لعله يرحمكم! قالوا: إننا تشاءمنا بك وبمن اتبعك. (وأصلُ التطيرُّ: ان العرب كانوا اذا خرجوا مسافرين فمرّوا بطائر وزجروه فان طار الى جهة اليمين تيمّنوا به، وان مرّ الى جهة اليسار تشاءموا به). قال لهم صالح: ان سببَ تشاؤمكم هو كفركم بالله، فقد اراد الله ان يختبركم ليعرف من منكم سيؤمن، ومن يكفر. وكان في مدينة صالح تسعةُ رجال من المفسِدين، طواغيتُ لا يسلم من شرهم احد، تحالفوا على مباغتته ليلاً وقتله هو واهله، وان يقولوا لوليّ دمه: لا علم لنا بمن قتلهم. ومكَر هؤلاء مكرهم، ودبّر الله ردّ كيدهم في نحرهم وهم لا يشعرون، فكان عاقبة مكرهم ان دمّرهم الله أجمعين. وتلك بيوتُهم خالية. والمشركون من مكة يمرّون بهذه البيوت المدمرة الخاوية ولكنهم لا يعتبرون. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وخلف: لتبيّتنّه واهله ثم لتقولن، بالتاء، وقرأ مجاهد: "ليبيتنه" بالياء، والباقون: لنبيتنه.... بالنون. وقرأ عاصم: مهلك اهله، بكسر اللام، وقرأ ابو بكر: مهلك بفتح الميم واللام. والباقون: مهلك بضم الميم وفتح اللام.

د. أسعد حومد

تفسير : {صَالِحاً} (45) - يُخْبِرُ اللهُ تَعالى عَنْ قَوْمِ ثَمودَ وما كانَ من أَمرهمْ مَعَ نبيِّهِمْ صَالحٍ عليهِ السلامُ. حينَ بَعَثَهُ اللهُ إليهم فدعاهُمْ إلى عِبَادَةِ اللهِ وحْدَهُ لا شريكَ لهُ، فآمنَ بهِ، بعضُهُمْ، وكَفَرَ بِهِ بعضُهُمْ، وأصْبَحُوا فَرِيقينِ يخْتَصِمَانِ ويتَجَادَلاَنِ في اللهِ، وفي رسالةِ صالحٍ.

الثعلبي

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ} يعني بأن {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} وحده { فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ} مؤمن وكافر ومصدّق ومكذّب {يَخْتَصِمُونَ} في الدين. قال مقاتل: واختصامهم مُبَّين في سورة الأعراف وهو قوله {أية : قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ}تفسير : [الأعراف: 75] الى قوله {أية : وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [الأعراف: 77]. فقال لهم صالح {يٰقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ} بالبلاء والعقوبة {قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ} العافية والرحمة، والاستعجال طلب التعجيل بالأمر، وهو الإتيان به قبل وقته. {لَوْلاَ} هلاّ {تَسْتَغْفِرُونَ ٱللَّهَ} بالتوبة من كفركم {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا} تشاءمنا، وأصله تطيّرنا {بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ} وذلك أنّ المطر أمسك عنهم في ذلك الوقت وقحطوا فقالوا: أصابنا هذا الضرّ والشرّ من شؤمك وشؤم أصحابك، وإنّما ذكر التطيّر بلفظ الشأم على عادة العرب ونسبتهم الشؤم إلى البارح، وهو الطائر الذي يأتي من جانب اليد الشومى وهي اليسرى. {قَالَ طَائِرُكُمْ} من الخير والشر وما يصيبكم من الخصب والجدب {عِندَ ٱللَّهِ} بأمره وهو مكتوب على رؤوسكم، لازم أعناقكم، وليس ذلك إليَّ ولا علمه عندي. {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} قال ابن عباس: تُختبرون بالخير والشر، نظيره {أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً}تفسير : [الأنبياء: 35]. الكلبي: تُفتنون حتى تجهلوا أنّه من عند الله سبحانه وتعالى. محمد بن كعب: تُعذّبون بذنوبكم وقيل: تمتحنون بإرسالي إليكم لتثابوا على طاعتكم ومتابعتي، وتعاقبوا على معصيتي ومخالفتي. {وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ} يعني مدينة ثمود وهي الحجر {تِسْعَةُ رَهْطٍ} من أبناء أشرافهم {يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ} وأسماؤهم قدار بن سالف ومصدع بن دهر وأسلم ورهمى وبرهم ودعمى وعيم وقتال وصَداف. {قَالُواْ تَقَاسَمُواْ} تحالفوا {بِٱللَّهِ} أيّها القوم وموضع تقاسموا جزم على الأمر كقوله {أية : بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ} تفسير : [الإسراء: 88 ، الزخرف: 67] وقال قوم من أهل المعاني: محله نصب على الفعل الماضي يعني انهم تحالفوا وتواثقوا، تقديره: قالوا متقاسمين بالله، ودليل هذا التأويل أنّها في قراءة عبد الله: ولا يصلحون تقاسموا بالله، وليس فيها قالوا. {لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ} من البيات فلنقتله، هذه قراءة العامة بالنون فيهما واختيار أبي حاتم، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة والكسائي: لتبيّتنّه ولتقولنّ بالتاء فيهما وضم التاء واللام على الخطاب واختاره أبو عبيد، وقرأ مجاهد وحميد بالتاء فيهما وضم التاء واللام على الخبر عنهم. ثم {ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا} ما حضرنا {مَهْلِكَ أَهْلِهِ} أي إهلاكهم، وقرأ عاصم برواية أبي بكر مهلك بفتح الميم واللام، وروى حفص عنه بفتح الميم وكسر اللام، وهما جميعاً بمعنى الهلاك {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} في قولنا: إنّا ما شهدنا ذلك. {وَمَكَرُواْ مَكْراً} وغدروا غدراً حين قصدوا تبييت صالح والفتك به {وَمَكَرْنَا مَكْراً} وجزيناهم على مكرهم بتعجيل عقوبتهم {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا} قرأ الحسن والأعمش وعاصم وحمزة والكسائي أَنّا بفتح الالف ولها وجهان: أحدهما: أن يكون أنّا في محلّ الرفع ردّاً على العاقبة. والثاني: النصب على تكرير (كان) تقديره: كان عاقبة مكرهم التدمير، واختار أبو عبيد هذه القراءة اعتبار الحرف أي أنْ دمرناهم، وقرأ الباقون: إنّا بكسر الألف على الابتداء. {دَمَّرْنَاهُمْ} يعني أهلكنا التسعة، واختلفوا في كيفية هلاكهم. فقال ابن عباس: أرسل سبحانه الملائكة فامتلأت بهم دار صالح فأتى التسعة الدار شاهرين سيوفهم فرمتهم الملائكة بالحجارة من حيث يرون الحجارة ولا يرون الملائكة فقتلتهم. قال قتادة: خرجوا مسرعين الى صالح فسلَّط الله عليهم صخرة فدمغتهم. مقاتل: نزلوا في سفح جبل ينتظر بعضهم بعضا ليأتوا دار صالح، فجثم عليهم الجبل فأهلكهم. السدّي: خرجوا ليأتوا صالحاً فنزلوا خرقاً من الأرض يتمكنون فيه فانهار عليهم. {وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} بالصيحة وقد مضت القصة. {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً} خالية، قراءة العامّة بالنصب على الحال عن الفرّاء والكسائي وأبو عبيدة عن القطع مجازه: فتلك بيوتهم الخاوية، فلمّا قطع منها الألف واللام نصبت كقوله سبحانه {أية : وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً}تفسير : [النحل: 52] وقرأ عيسى بن عمر {خَاوِيَةً} بالرفع على الخبر {بِمَا ظَلَمُوۤاْ} أي بظلمهم {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً} لعبرة {لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَأَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} من صيحة جبريل، والخراج الذي ظهر بأيديهم. قال مقاتل: خرج أوّل يوم على أيديهم مثل الحمّصة أحمر ثمّ اصفرّ من الغد، ثمّ اسودّ اليوم الثالث، ثمّ تفقّأت، وصاح جبريل (عليه السلام) في خلال ذلك فخمدوا، وكانت الفرقة المؤمنة الناجية أربعة آلاف، خرج بهم صالح إلى حضرموت، فلمّا دخلها صالح مات، فسمّي (حضر موت). قال الضحّاك: ثمّ بنى الأربعة آلاف مدينة يقال لها: (حاضورا) وقد مضت القصّة جميعاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : مرَّتْ بنا قصة نبي الله صالح - عليه السلام - مع قومه ثمود في سورة الشعراء، وأُعيد ذكرها هنا؛ لأن القرآن يقصُّ على رسول الله من موكب الأنبياء ما يُثبِّت به فؤاده، كلّما تعرض لأحداث تُزلزل الفؤاد، يعطيه الله النَّجْم من القرآن بما يناسب الظروف التي يمرُّ بها، وهذا ليس تكراراً للأحداث، إنما توزيع للقطات، بحيث إذا تجمعتْ تكاملتْ في بناء القصة. وقوله سبحانه {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً ..} [النمل: 45] لا بُدَّ أنه أرسل بشيء ما هو؟ {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ..} [النمل: 45] لذلك سُمِّيت (أنْ) التفسيرية، كما في قوله تعالى: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ ..}تفسير : [القصص: 7] ماذا؟ {أية : أَنْ أَرْضِعِيهِ ..}تفسير : [القصص: 7]. وقد يأتي التفسير بجملة، كما في: {أية : فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ ..}تفسير : [طه: 120] بأي شيء؟ {أية : قَالَ يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ}تفسير : [طه: 120]. فشرح الوسوسة وهي شيء عام بقوله: {أية : قَالَ يٰآدَمُ ..}تفسير : [طه: 120] فرسالتنا إلى ثمود ملخصها ومؤداها {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ..} [النمل: 45]. والعبادة كما ذكرنا أن نطيع الله بفعل ما أمر، وبترْك ما نهى عنه وزَجر، أما ما لم يرِدْ فيه أمر ولا نَهْي فهو من المباحات إنْ شئتَ فعلتها، وإنْ شئت تركتها، وإذا ما استعرضنا حركة الأحياء والخلفاء في الأرض وجدنا أن 5% من حركتهم تدخّل فيها الشارع بافعل ولا تفعل، أما الباقي فهو مُباح. إذن: فالتكليف منُوط بأشياء يجب أنْ تفعلها؛ لأن فيها صلاحَ مجتمعك، أو أشياء يجب أن تتركها؛ لأن فيها فساد مجتمعك. فماذا كانت النتيجة؟ {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} [النمل: 45]. والاختصام أنْ يقف فريق منهم ضد الآخر، والمراد أن فريقاً منهم عبدوا الله وأطاعوا، والفريق الآخر عارض وكفر بالله. وقد وقف عند هذه الآية بعض الذين يحبون أنْ يتهجَّموا على الإسلام وعلى أسلوب القرآن، وهم يفتقدون الملَكة العربية التي تساعدهم على فَهْم كلام الله، وإنْ تعلَّموها فنفوسهم غير صافية لاستقبال كلام الله، وفيهم خُبْث وسُوء نية. واعتراضهم أن {فَرِيقَانِ ..} [النمل: 45] مثنى و{يَخْتَصِمُونَ} [النمل: 45] دالة على الجمع، فلماذا لم يَقُل: يختصمان؟ وهذه لغة القرآن في مواضع عدة. ومنها قوله تعالى: {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا ..}تفسير : [الحجرات: 9]. والقياس يقتضي أن يقول: اقتتلتا. لكن حين نتدبَّر المعنى نجد أن الطائفة جماعة مقابل جماعة أخرى، فإنْ حدث قتالٌ حمل كُلٌّ منهم السلاح، لا أن تتقدم الطائفة بسيف واحد، فهم في حال القتال جماعة. لذلك قال (اقتتلوا) بصيغة الجمع، أما في البداية وعند تقرير القتال فلكُلِّ طائفة منهما رأْيٌ واحد يعبر عنه قائدها، إذن: فهما في هذه الحالة مثنى. كما أن الطائفة وإنْ كانت مفردة لفظاً إلا أنها لا تُطلَق إلا على جماعة، فيقف كل واحد من الجماعة بسيفه في مواجهة آخر من الطائفة الأخرى. وهنا أيضاً {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ ..} [النمل: 45] أي: مؤمنون وكافرون {يَخْتَصِمُونَ} [النمل: 45] لأن كل فرد في هذه الجماعة يقف في مواجهة فرد من الجماعة الأخرى. وفي موضع آخر، شرح لنا الحق - تبارك وتعالى - هذه المسألة، فقال سبحانه: {أية : فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ}تفسير : [الحج: 19-22]. أما الفريق الآخر: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ}تفسير : [الحج: 23-24]. فبيَّن لنا الحق - سبحانه - كل فريق منهما، وبيَّن مصيره وجزاءه. ونلحظ هنا {فَإِذَا ..} [النمل: 45] يسمُّونها الفجائية، ويُمثِّلون لها بقولهم: خرجتُ فإذا أَسَدٌ بالباب، والمعنى: أنك فُوجِئْت بشيء لم تكُنْ تتوقعه، كذلك حدث من الكافرين من قوم ثمود حين قال لهم نبيهم {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ..} [النمل: 45] لكن يفاجئوننا بأنهم فريقان: مؤمنون وكافرون. ومنطق العقل والحق والفطرة السليمة يقتضي أنْ يستقبلوا هذا الأمر بالطاعة والتسليم، ولا يختلفوا فيه هذا الاختلاف: فريق في الجنة وفريق في السعير {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ}تفسير : [الانفطار: 13-14]. وقالوا: إن الله تعالى لا يرسل الرسل إلا على فساد في المجتمع، الخالق عز وجل خلق في الإنسان النفس اللوامة التي تردُّه إلى رُشْده وتنهاه، والنفس المطمئنة التي اطمأنتْ بالإيمان، وأَمنت الله على الحكم في افعل ولا تفعل، والنفس الأمَّارة بالسوء، وهَي التي لا تعرف معروفاً، ولا تنكر مُنْكَراً، ولا تدعو صاحبها إلا إلى السوء. والله - عزَّ وجلَّ - رب، ومن عادة الرب أنْ يتعهّد المربَّى ليؤدي غايته على الوجه الأكمل، أرأيتم أباً يُربِّي أبناءه إلا لغاية؟ وما دام هو سبحانه ربي فلا يأمرني إلا لصالحي، وصالح مجتمعي، فلا شيء من طاعتنا يعود عليه بالنفع ولا شيء من معاصينا يعود عليه بالضرر؛ لأنه سبحانه خلق الكون كله بصفات الكمال المطلق. إذن: كانت الفطرة السليمة تقتضي استقبال أوامر الله بالقبول والتسليم. وهذه الخصومة تجمع المؤمنين في جهة؛ لأنهم اتفقوا على الإيمان. والكافرين في جهة؛ لأنهم اتفقوا على الكفر. لكن يمتاز المؤمنون بأن يظل وفاقهم إلى نهاية العمر، بل وعند لقاء الله تعالى في الجنة؛ لأنهم اتفقوا في الدنيا في خطة العمل وفي الآخرة في غاية الجزاء، كما يقول تعالى: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : [الزخرف: 67]. أما الكفار فسوف تقوم بينهم الخصومات يوم القيامة، ويلعن بعضهم بعضاً، ويتبرَّأ بعضهم من بعض، والقرآن حين يُصوِّر تخاصم أهل النار يقول بعد أنْ ذكر نعيم أهل الجنة: {أية : هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ * هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ * هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ * قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ * قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ * وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار * إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ}تفسير : [ص: 55-64]. إذن: فالخصومة في الدنيا بين مؤمن وكافر، أما في الآخرة فبين الكافرين بعضهم البعض، بين الذين أَضَلُّوا والذين أُضِلُّوا، بين الذين اتَّبعُوا، والذين اتُّبِعوا.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن /55 ظ/ أَبي نجيح، عن مجاهد : {فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} [الآية: 45]. قال: يقول: مؤمن وكافر. قال بعضهم: صالح مرسل من ربه، وقال بعضهم ليس بمرسل. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ} [الآية: 46]. قال: السيئة العذاب، والحسنة الرحمة. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد : {إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [الآية: 56]. من أَدبار النساءِ والرجال، استهزاءً بهم. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ} [الآية: 49]. قال: تحالفوا على هلاكهم، فلم يصلوا إِليه حتى هلكوا وقومهم أَجمعون. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد : {ذَاتَ بَهْجَةٍ} [الآية: 60]. الفقاح مما يأَكل الناس والأَنعام.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى في أول السورة قصة موسى، ثم أعقبها بقصة داوْد وسليمان وما فيها من العجائب والغرائب، ذكر هنا قصة "صالح" ثم قصة "لوط" وكلُّ هذه القصص غرضُها التذكير والاعتبار، وبيانُ سنة الله في إهلاك المكذبين، ثم أتبعها بذكر البراهين الدالة على الوحدانية، والعلم، والقدرة. اللغَة: {ٱطَّيَّرْنَا} من التطير وهو التشاؤم قال الزجاج: أصلُها تطيَّرنا فأُدغمت التاء في الطاء واجْتُلبت الألف لسكون الطاء {خَاوِيَةً} خالية من خوى البطنُ إذا خلى، وخوى النجم إذا سقط {ٱلْفَاحِشَةَ} الفعلة القبيحة الشنيعة {حَدَآئِقَ} جمع حديقة وهي البستان الذي عليه سور قال الفراء: الحديقةُ البستانُ الذي عليه حائط، فإِن لم يكن عليه حائط فهو البستان {قَرَاراً} مستقراً يثبت عليه الشيء {حَاجِزاً} الحاجز: الفاصل بين الشيئين. التفسِير: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} اللام جواب قسم محذوف أي والله لقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم - في النسب لا في الدين - صالحاً عليه السلام يدعوهم إلى توحيد الله وعبادته {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} أي فإِذا هم جماعتان: مؤمنون وكافرون يتنازعون في شأن الدين قال مجاهد: "فريقان: مؤمنٌ، وكافر" واختصامُهم: اختلافهم وجدالهم في الدين، وجاء الفعل بالجمع {يَخْتَصِمُونَ} حملاً على المعنى {قَالَ يٰقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ} أي قال لهم صالح بطريق التلطف والرفق: يا قومِ لم تطلبون العذاب قبل الرحمة؟ ولأي شيء تستعجلون بالعذاب ولا تطلبون الرحمة؟ {لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي هلاّ تتوبون إلى الله من الشرك لكي يتوب الله عليكم ويرحمكم؟ قال المفسرون: كان الكفار يقولون لفرط الإِنكار: يا صالح ائتنا بعذاب الله فقال لهم: هلاّ تستغفرون الله قبل نزول العذاب، فإِن استعجال الخير أولى من استعجال الشر!! {قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ} أي تشاءمنا بك يا صالح وبأتباعك المؤمنين فإِنكم سبب ما حلَّ بنا من بلاء، وكانوا قد أصابهم القحط وجاعوا {قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ} أي حظكم في الحقيقة من خيرٍ أو شر هو عند الله وبقضائه، إن شاء رزقكم وإِن شاء حرمكم.. لمّا لاطفهم في الخطاب أغلظوا له في الجواب وقالوا تشاءَمنا بك وبمن معك، فأخبرهم أن شؤمهم بسبب عملهم لا بسبب صالح والمؤمنين {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} أي بل الحقيقةُ أنكم جماعة يفتنكم الشيطان بوسوسته وإِغوائه ولذلك تقولون ما تقولون {وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ} أي وكان في مدينة صالح - وهي الحِجْر - تسعةُ رجالٍ من أبناء أشرافهم قال الضحاك: كان هؤلاء التسعة عظماء أهل المدينة {يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ} أي شأنهم الإِفساد، وإِيذاء العباد بكل طريق ووسيلة قال ابن عباس: وهم الذين عقروا الناقة {قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ} أي قال بعضُهم لبعض: احلفوا باللهِ {لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ} أي لنقتلنَّ صالحاً وأهله ليلاً {ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ} أي ثم نقول لوليّ دمه ما حضرنا مكان هلاكه ولا عرفنا قاتله ولا قاتل أهله {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} أي ونحلف لهم إِنا لصادقون قال ابن عباس: أتوا دار صالح شاهرين سيوفهم، فرمتهم الملائكة بالحجارة فقتلتهم قال تعالى {وَمَكَرُواْ مَكْراً} أي دبَّروا مكيدةً لقتل صالح {وَمَكَرْنَا مَكْراً} أي جازيناهم على مكرهم بتعجيل هلاكهم، سمَّاه مكراً بطريق المشاكلة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أي من حيث لا يدرون ولا يعلمون قال أبو حيان: ومكرُهم ما أخفوه من تدبير الفتك بصالح وأهله، ومكرُ الله إهلاكُهم من حيث لا يشعرون {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} أي فتأملْ وتفكرْ في عاقبة أمرهم ونتيجة كيدهم، كيف أنَّا أهلكناهم أجمعين وكان مآلهم الخراب والدمار! {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوۤاْ} أي فتلك مساكنهم ودورهم خاليةً بسبب ظلمهم وكفرهم لأن أهلها هلكوا {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي إن في هذا التدمير العجيب لعبرة عظيمة لقوم يعلمون قدرة الله فيتعظون {وَأَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} أي وأنجينا من العذاب المؤمنين المتقين الذين آمنوا مع صالح {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} أي واذكر رسولنا "لوطاً" حين قال لقومه أهل سدوم {أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ} أي أتفعلون الفعلة القبيحة الشنيعة وهي اللواطة {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} أي وأنتم تعلمون علماً يقيناً أنها فاحشة وأنها عملٌ قبيح؟ {أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ} تكريرٌ للتوبيخ أي أئنكم أيها القوم لفرط سفهكم تشتهون الرجال وتتركون النساء؟ ويكتفي الرجال بالرجال بطريق الفاحشة القبيحة {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} أي بل أنتم قوم سفهاء ماجنون ولذلك تفضلون العمل الشنيع على ما أباح الله لكم من النساء {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ} أي فما كان جواب أولئك المجرمين إلا أن قالوا أخرجوا لوطاً وأهله من بلدتكم {إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} أي إنهم قوم يتنزهون عن القاذورات ويعدّون فعلنا قذراً، وهو تعليلٌ لوجوب الطرد والإِخراج قال قتادة: عابوهم والله بغير عيب بأنهم يتطهرون من أعمال السوء وقال ابن عباس: هو استهزاء يستهزئون بهم بأنهم يتطهرون عن أدبار الرجال {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ} أي فخلصناه هو وأهله من العذاب الواقع بالقوم إلا زوجته {قَدَّرْنَاهَا مِنَ ٱلْغَابِرِينَ} أي جعلناها بقضائنا وتقديرنا من المهلكين، الباقين في العذاب {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً} أي أنزلنا عليهم حجارة من السماء كالمطر فأهلكتْهُم {فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ} أي بئس العذاب الذي أُمطروا به وهو الحجارة من سجيلٍ منضود، ولما ذكر تعالى قصص الأنبياء أتبعه بذكر دلائل القدرة والوحدانية فقال {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ} أي قل يا محمد الحمدُ للهِ على إفضاله وإِنعامه، وسلامٌ على عباده المرسلين الذين اصطفاهم لرسالته، واختارهم لتبليغ دعوته قال الزمخشري: أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتلو هذه الآيات الدالة على وحدانيته، الناطقة بالبراهين على قدرته وحكمته، وأن يستفتح بتحميده والسلام على أنبيائه، وفيه تعليمٌ حسن، وتوقيفٌ على أدبٍ جميل، وهو حمد الله والصلاة على رسله، ولقد توارث العلماء والخطباء والوعاظ كابراً عن كابر هذا الأدب، فحمدوا الله وصلوا على رسوله أمام كل علم، وقبل كل عظة وتذكرة {ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} تبكيتٌ للمشركين وتهكمٌ بهم أي هل الخالق المبدع الحكيم خيرٌ أم الأصنام التي عبدوها وهي لا تسمع ولا تستجيب؟ {أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} برهان آخر على وحدانية الله أي أمَّن أبدع الكائنات فخلق تلك السماواتِ في ارتفاعها وصفائها، وجعل فيها الكواكب المنيرة، وخلق الأرض وما فيها من الجبال والسهول والأنهار والبحار، خيرٌ أمّا يشركون؟ {وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ} أي وأنزل لكم بقدرته المطر من السحاب فأخرج به الحدائق والبساتين، ذات الجمال والخضرة والنضرة، والمنظرِ الحسنِ البهيج {مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا} أي ما كان للبشر ولا يتهيأ لهم، وليس بمقدورهم ومستطاعهم أن يُنبتوا شجرها فضلاً عن ثمرها {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ} استفهام إنكار أي هل معه معبود سواه حتى تسوّوا بينهما وهو المتفرد بالخلق والتكوين؟ {بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} أي بل هم قوم يشركون بالله فيجعلون له عديلاً ومثيلاً، ويسوّون بين الخالق الرازق والوثن {أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً} برهان آخر أي جعل الأرض مستقَراً للإِنسان والحيوان، بحيث يمكنكم الإِقامة بها والاستقرار عليها {وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً} أي وجعل في شعابها وأوديتها الأنهار العذبة الطيبة، تسير خلالها شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً {وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ} أي وجعل جبالاً شامخة ترسي الأرض وتثبتها لئلا تميد وتضطرب بكم {وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً} أي وجعل بين المياه العذبة والمالحة فاصلاً ومانعاً يمنعها من الاختلاط، لئلا يُفسد ماء البحار المياهَ العذبة {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله} أي أمع الله معبودٌ سواه؟ {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي أكثر المشركين لا يعلمون الحق فيشركون مع الله غيره {أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} برهانٌ ثالث أي أمّن يجيب المكروب المجهود الذي مسَّه الضر فيستجيب دعاءه ويلبي نداءه؟ {وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ} أي ويكشف عنه الضُرَّ والبأساء؟ {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ} أي ويجعلكم سكان الأرض تعمرونها جيلاً بعد جيل، وأُمةً بعد أُمة {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ}؟ أي أإله مع الله يفعل ذلك حتى تعبدوه؟ {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} أي ما أقلَّ تذكركم واعتباركم فيما تشاهدون؟ {أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ}؟ برهان رابع أي أم من يرشدكم إلى مقاصدكم في أسفاركم في الظلام الدامس، في البراري، والقفار، والبحار؟ والبلاد التي تتوجهون إليها بالليل والنهار؟ {وَمَن يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}؟ أي ومن الذي يسوق الرياح مبشرةً بنزول المطر الذي هو رحمة للبلاد والعباد؟ {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ}؟ أي أإلهٌ مع الله يقدر على شيءٍ من ذلك؟ {تَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي تعظَّم وتمجَّد الله القادر الخالق عن مشاركة العاجز المخلوق {أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ} برهانٌ خامس أي أمَّنْ يبدأ خلق الإِنسان ثم يعيده بعد فنائه؟ قال الزمخشري: كيف قال لهم ذلك وهم منكرون للإِعادة؟ والجواب أنه قد أُزيحت علَّتُهم بالتمكين من المعرفة والإِقرار، فلم يبق لهم عذرٌ في الإِنكار {وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وٱلأَرْضِ} أي ومن يُنزل عليكم من مطر السماء، ويُنبتُ لكم من بركات الأرض الزروع والثمار؟ قال أبو حيان: لما كان إِيجاد بني آدم إنعاماً إليهم وإِحساناً عليهم، ولا تتم النعمة إلا بالرزق قال {وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} أي بالمطر {وٱلأَرْضِ} أي بالنبات {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ}؟ أي أإله مع الله يفعل ذلك؟ {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي أحضروا حجتكم ودليلكم على ما تزعمون إن كنتم صادقين في أنَّ مع الله إلهاً آخر {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} أي هو سبحانه وحده المختص بعلم الغيب، فلا يعلم أحدٌ من ملك أو بشر الغيب إلا اللهُ علامُ الغيوب قال القرطبي: نزلت في المشركين حين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن قيام الساعة {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}؟ أي وما يدري ولا يشعر الخلائق متى يُبعثون بعد موتهم؟ {بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} أي هل تتابع وتلاحق علمُ المشركين بالآخرة وأحوالها حتى يسألوا عن الساعة وقيامها؟ إنهم لا يصدقون بالآخرة فلماذا يسألون عن قيام الساعة؟ {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا} إضراب عن السابق أي هم شاكون في الآخرة لا يصدّقون بها ولذلك يعاندون ويكابرون {بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ} أي بل هم في عمَىً عنها، ليس لهم بصيرةٌ يدركون بها دلائل وقوعها لأن اشتغالهم باللذات النفسانية من شهوة البطن والفرج صيّرهم كالبهائم والأنعام لا يتدبرون ولا يبصرون قال ابن كثير: هم شاكون في وقوعها ووجودها، بل هم في عماية وجهلٍ كبير في أمرها. البَلاَغَة: تضمنت الآيات وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق {يُفْسِدُونَ.. وَلاَ يُصْلِحُونَ}. 2- التحضيض {لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ ٱللَّهَ} أي هلاّ تستغفرون الله. 3- جناس الاشتقاق {ٱطَّيَّرْنَا.. طَائِرُكُمْ}. 4- المشاكلة {وَمَكَرُواْ.. وَمَكَرْنَا} سمَّى تعالى إهلاكهم وتدميرهم مكراً على سبيل المشاكلة. 5- الطباق {لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ}؟ 6- الاستفهام التوبيخي {أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ}؟ 7- أسلوب التبكيت والتهكم {ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ}؟ 8- الاستعارة اللطيفة {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} أي أمام نزول المطر فاستعار اليدين للأمام. 9- الطباق {يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ}. 10- الاستعارة {بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ} استعار العمى للتعامي عن الحق وعدم التفكر والتدبر في آلاء الله. 11- مراعاة الفواصل مما يزيد في رونق الكلام وجماله، وله على السمع وقع خاص مثل {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} {أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً} ومثل {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَأَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ}. وأمثاله كثير، وفي القرآن روائع بيانية يعجز عن التعبير عنها اللسان، فسبحان من خصَّ نبيَّه الأمي بهذا الكتاب المعجز!!

الجيلاني

تفسير : {وَ} من وفور وجودنا وإحساننا {لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ} حين لاح عليهم أمارات العدوان، وعلامات الفسوق والعصيان {أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} أي: بأن اعبدوه حق عبادته، وتذللوا نحوه ولا تتكبروا عليه بالخروج عن مقتضى أوامره وحدوده {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} [النمل: 45] أي: بعدما أظهر عليهم الدعوة فاجئوا على الافتراق؛ حيث آمن له البعض، وصدقه وأعرض عنه البعض الآخر فكذبه، فاختصما. {قَالَ} صالح للمعرضين المكذبين: {يٰقَوْمِ} شأنكم الحذر والإعراض من عذاب الله ونكاله، وعن موجبات قهره وأسباب عضبه {لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ} الموجبة لأنواع العذاب والقهر الإلهي {قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ} المستجلبة لعموم الخيرات {لَوْلاَ} أي: هلاَّ {تَسْتَغْفِرُونَ ٱللَّهَ} العفو الغفور؛ لكفركم وذنبكم الذي صدر عنكم {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النمل: 46] قبل نزول عذابه عليكم؛ إذ حين نزول العذاب لا ينفع توبتكم واستغفاركم. وبعدما ظهر عليهم أمارات قهر الله وغضبه إياهم ووقع الجدب بينهم {قَالُواْ} مغاضبين على صالح: {ٱطَّيَّرْنَا} أي: تطيرنا وتشاءمنا {بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ} من المصدقين لك، المتدينين بدينك؛ إذ توارت علينا المصيبات مذ ظهرتم بدينكم هذا، ووقعت الوقائع الهائلة بشؤمكم وحدوث دينكم، وبعدما سمع منهم صالح ما سمع آيس عن إيمانهم وصلاحهم {قَالَ طَائِرُكُمْ} أي: سببكم الذي جاء منه شركم وخيركم {عِندَ ٱللَّهِ} وفي لوح قضائه وحضرة علمه، كتب عليكم الخير والشر حسب ما صدر عنكم من الأعمال الصالحة والطالحة، ولا معنى لتطيركم وتشاؤمكم بنا {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} [النمل: 47] وتُخبرون بتفاقهم المحن، وتلاطم أمواج الفتن؛ كي تستغفروا وتندموا عما أنتم عليه من الكفر، وتستأصلوا من الكفر والعصيان، وتستأصلوا بنزول عذاب الله، وبعدما سمعوا منه كلامه هذا قصدوا مقته وإهلاكه.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ } إلى آخر القصة. يخبر تعالى أنه أرسل إلى ثمود القبيلة المعروفة أخاهم في النسب صالحا وأنه أمرهم أن يعبدوا الله وحده ويتركوا الأنداد والأوثان، { فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ } منهم المؤمن ومنهم الكافر وهم معظمهم. { قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ } أي: لم تبادرون فعل السيئات وتحرصون عليها قبل فعل الحسنات التي بها تحسن أحوالكم وتصلح أموركم الدينية والدنيوية؟ والحال أنه لا موجب لكم إلى الذهاب لفعل السيئات؟. { لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ } بأن تتوبوا من شرككم وعصيانكم وتدعوه أن يغفر لكم، { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } فإن رحمة الله تعالى قريب من المحسنين والتائب من الذنوب هو من المحسنين. { قَالُوا } لنبيهم صالح مكذبين ومعارضين: { اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ } زعموا -قبحهم الله- أنهم لم يروا على وجه صالح خيرا وأنه هو ومن معه من المؤمنين صاروا سببا لمنع بعض مطالبهم الدنيوية، فقال لهم صالح: { طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ } أي: ما أصابكم إلا بذنوبكم، { بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ } بالسراء والضراء والخير والشر لينظر هل تقلعون وتتوبون أم لا؟ فهذا دأبهم في تكذيب نبيهم وما قابلوه به. { وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ } التي فيها صالح الجامعة لمعظم قومه { تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ } أي: وصفهم الإفساد في الأرض، ولا لهم قصد ولا فعل بالإصلاح قد استعدوا لمعاداة صالح والطعن في دينه ودعوة قومهم إلى ذلك كما قال تعالى: {أية : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ }. تفسير : فلم يزالوا بهذه الحال الشنيعة حتى إنهم من عداوتهم { تَقَاسَمُوا } فيما بينهم كل واحد أقسم للآخر { لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ } أي نأتيه ليلا هو وأهله فلنقتلنهم { ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ } إذا قام علينا وادعى علينا أنا قتلناه ننكر ذلك وننفيه ونحلف { إِنَّا لَصَادِقُونَ } فتواطئوا على ذلك، { وَمَكَرُوا مَكْرًا } دبروا أمرهم على قتل صالح وأهله على وجه الخفية حتى من قومهم خوفا من أوليائه { وَمَكَرْنَا مَكْرًا } بنصر نبينا صالح عليه السلام وتيسير أمره وإهلاك قومه المكذبين { وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ }. { فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ } هل حصل مقصودهم؟ وأدركوا بذلك المكر مطلوبهم أم انتقض عليهم الأمر ولهذا قال { أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ } أهلكناهم واستأصلنا شأفتهم فجاءتهم صيحة عذاب فأهلكوا عن آخرهم. { فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً } قد تهدمت جدرانها على سقوفها وأوحشت من ساكنيها وعطلت من نازليها { بِمَا ظَلَمُوا } أي هذا عاقبة ظلمهم وشركهم بالله وبغيهم في الأرض. { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } الحقائق ويتدبرون وقائع الله في أوليائه وأعدائه فيعتبرون بذلك ويعلمون أن عاقبة الظلم الدمار والهلاك وأن عاقبة الإيمان والعدل النجاة والفوز. ولهذا قال { وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } أي أنجينا المؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره وكانوا يتقون الشرك بالله والمعاصي ويعملون بطاعته وطاعة رسله.

همام الصنعاني

تفسير : 2181- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ}: [الآية: 45]، قال: مصدِّق بالقرآن ونازل عنده ومكذب بالقرآن وتارك له.