٢٧ - ٱلنَّمْل
27 - An-Naml (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
48
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ} أي في مدينة صالح وهي الحِجر {تِسْعَةُ رَهْطٍ} أي تسعة رجال من أبناء أشرافهم. قال الضحاك: كان هؤلاء التسعة عظماء أهل المدينة، وكانوا يفسدون في الأرض ويأمرون بالفساد، فجلسوا عند صخرة عظيمة فقلبها الله عليهم. وقال عطاء بن أبي رباح: بلغني أنهم كانوا يقرِضون الدنانير والدراهم، وذلك من الفساد في الأرض؛ وقاله سعيد بن المسيّب. وقيل: فسادهم أنهم يتبعون عورات الناس ولا يسترون عليهم. وقيل: غير هذا. واللازم من الآية ما قاله الضحاك وغيره أنهم كانوا من أوجه القوم وأقناهم وأغناهم، وكانوا أهل كفر ومعاص جمة؛ وجملة أمرهم أنهم يفسدون ولا يصلحون. والرهط اسم للجماعة، فكأنهم كانوا رؤساء يتبع كل واحد منهم رهط. والجمع أرهط وأراهِط. قال:شعر : يا بؤس للحرب التي وضعت أراهط فاستراحوا تفسير : وهؤلاء المذكورون كانوا أصحاب قُدَار عاقر الناقة؛ ذكره ابن عطية. قلت: واختلف في أسمائهم؛ فقال الغزنوي: وأسماؤهم قُدَار بن سالف ومصدع وأسلم ودسما وذهيم وذعما وذعيم وقتال وصداق. ابن إسحاق: رأسهم قدار بن سالف ومصدع بن مهرع، فاتبعهم سبعة؛ هم بلع بن ميلع ودعير بن غنم وذؤاب بن مهرج وأربعة لم تعرف أسماؤهم. وذكر الزمخشري أسماءهم عن وهب بن منبّه: الهذيل بن عبد رب، غنم بن غنم، رياب بن مهرج، مصدع بن مهرج، عمير بن كردبة، عاصم بن مخرمة، سبيط بن صدقة، سمعان بن صفي، قدار بن سالف؛ وهم الذين سعوا في عقر الناقة، وكانوا عتاة قوم صالح، وكانوا من أبناء أشرافهم. السّهيلي: ذكر النقاش التسعة الذين كانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وسماهم بأسمائهم، وذلك لا ينضبط برواية؛ غير أني أذكره على وجه الاجتهاد والتخمين، ولكن نذكره على ما وجدناه في كتاب محمد بن حبيب، وهم: مصدع بن دهر. ويقال دهم، وقدار بن سالف، وهريم وصواب ورياب وداب ودعما وهرما ودعين بن عمير. قلت: وقد ذكر الماوردي أسماءهم عن ابن عباس فقال: هم دعما ودعيم وهرما وهريم وداب وصواب ورياب ومسطح وقدار، وكانوا بأرض الحجر وهي الشام. قوله تعالى: {قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ} يجوز أن يكون {تَقَاسَمُوا} فعلاً مستقبلاً وهو أمر؛ أي قال بعضهم لبعض احلفوا. ويجوز أن يكون ماضياً في معنى الحال كأنه قال: قالوا متقاسمين بالله؛ ودليل هذا التأويل قراءة عبد الله: {يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ. تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ} وليس فيها {قَالُوا}. {لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ} قراءة العامة بالنون فيهما واختاره أبو حاتم. وقرأ حمزة والكسائي: بالتاء فيهما، وضم التاء واللام على الخطاب أي أنهم تخاطبوا بذلك؛ واختاره أبو عبيد. وقرأ مجاهد وحميد بالياء فيهما، وضم الياء واللام على الخبر. والبيات مباغتة العدو ليلاً. ومعنى {لِوَلِيّهِ} أي لرهط صالح الذي له ولاية الدم. {مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ} أي ما حضرنا، ولا ندري من قتله وقتل أهله. {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} في إنكارنا لقتله. والمُهْلَك بمعنى الإهلاك؛ ويجوز أن يكون الموضع. وقرأ عاصم والسلميّ (بفتح الميم واللام) أي الهلاك؛ يقال: ضرب يضرب مَضْرَباً أي ضرباً. وقرأ المفضّل وأبو بكر: (بفتح الميم وجر اللام) فيكون اسم المكان كالمجلس لموضع الجلوس؛ ويجوز أن يكون مصدراً؛ كقوله تعالى: {أية : إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} تفسير : [يونس: 4] أي رجوعكم.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن طغاة ثمود ورؤوسهم الذين كانوا دعاة قومهم إلى الضلال والكفر وتكذيب صالح، وآل بهم الحال إلى أنهم عقروا الناقة، وهموا بقتل صالح أيضاً، بأن يبيتوه في أهله ليلاً، فيقلتوه غيلة، ثم يقولوا لأوليائه من أقربيه: إنهم ما علموا بشيء من أمره، وإنهم لصادقون فيما أخبروهم به؛ من أنهم لم يشاهدوا ذلك، فقال تعالى: {وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ} أي: مدينة ثمود {تِسْعَةُ رَهْطٍ} أي: تسعة نفر {يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ} وإنما غلب هؤلاء على أمر ثمود؛ لأنهم كانوا كبراءهم ورؤساءهم. قال العوفي عن ابن عباس: هؤلاء هم الذين عقروا الناقة، أي: الذين صدر ذلك عن رأيهم ومشورتهم، قبحهم الله ولعنهم، وقد فعل ذلك. وقال السدي عن أبي مالك عن ابن عباس: كان أسماء هؤلاء التسعة: دعمى، ودعيم، وهرما، وهريم، وداب، وصواب، ورياب، ومسطع، وقدار بن سالف عاقر الناقة، أي: الذي باشر ذلك بيده، قال الله تعالى: {أية : فَنَادَوْاْ صَـٰحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ } تفسير : [القمر: 29] وقال تعالى: {أية : إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَـٰهَا} تفسير : [الشمس: 12]. وقال عبد الرزاق: أنبأنا يحيى بن ربيعة الصنعاني، سمعت عطاء ــــ هو ابن أبي رباح ــــ يقول: {وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ} قال: كانوا يقرضون الدراهم، يعني أنهم كانوا يأخذون منها، وكأنهم كانوا يتعاملون بها عدداً؛ كما كان العرب يتعاملون. وقال الإمام مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال: قطع الذهب والورق من الفساد في الأرض. وفي الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم، إلا من بأس. والغرض أن هؤلاء الكفرة الفسقة كان من صفاتهم الإفساد في الأرض، بكل طريق يقدرون عليها، فمنها ما ذكره هؤلاء الأئمة، وغير ذلك. وقوله تعالى: {قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ} أي: تحالفوا، وتبايعوا على قتل نبي الله صالح عليه السلام من لقيه ليلاً غيلة، فكادهم الله، وجعل الدائرة عليهم، قال مجاهد: تقاسموا وتحالفوا على هلاكه، فلم يصلوا إليه حتى هلكوا وقومهم أجمعين، وقال قتادة: تواثقوا على أن يأخذوه ليلاً فيقتلوه، وذكر لنا أنهم بينما هم معانيق إلى صالح ليفتكوا به، إذ بعث الله عليهم صخرة فأهمدتهم، قال العوفي عن ابن عباس: هم الذين عقروا الناقة، قالوا حين عقروها: لنبيتن صالحاً وأهله، فنقتلهم، ثم نقول لأولياء صالح: ما شهدنا من هذا شيئاً، وما لنا به من علم، فدمرهم الله أجمعين. وقال محمد بن إسحاق: قال هؤلاء التسعة بعدما عقروا الناقة: هلم فلنقتل صالحاً، فإن كان صادقاً، عجلناه قبلنا، وإن كان كاذباً، كنا قد ألحقناه بناقته، فأتوه ليلاً ليبيتوه في أهله، فدمغتهم الملائكة بالحجارة، فلما أبطؤوا على أصحابهم، أتوا منزل صالح، فوجدوهم منشدخين قد رضخوا بالحجارة، فقالوا لصالح: أنت قتلتهم، ثم هموا به، فقامت عشيرته دونه، ولبسوا السلاح، وقالوا لهم: والله لا تقتلونه أبداً، وقد وعدكم أن العذاب نازل بكم في ثلاث، فإن كان صادقاً، فلا تزيدوا ربكم عليكم غضباً، وإن كان كاذباً، فأنتم من وراء ما تريدون، فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: لما عقروا الناقة، قال لهم صالح {أية : تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} تفسير : [هود: 65] قالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاثة أيام، فنحن نفرغ منه وأهله قبل ثلاث، وكان لصالح مسجد في الحجر عند شعب هناك يصلي فيه، فخرجوا إلى كهف، أي: غار هناك ليلاً، فقالوا: إذا جاء يصلي، قتلناه، ثم رجعنا إذا فرغنا منه إلى أهله ففرغنا منهم، فبعث الله عليهم صخرة من الهضب حيالهم، فخشوا أن تشدخهم، فتبادروا، فانطبقت عليهم الصخرة وهم في ذلك الغار، فلا يدري قومهم أين هم، ولا يدرون ما فعل بقومهم، فعذب الله هؤلاء ههنا، وهؤلاء ههنا، وأنجى الله صالحاً ومن معه ثم قرأ: {وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَـٰهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً} أي فارغة ليس فيها أحد {بِمَا ظَلَمُوۤاْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَأَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَكَانَ فِى ٱلْمَدِينَةِ } مدينة ثمود {تِسْعَةُ رَهْطٍ } أي رجال {يُفْسِدُونَ فِى ٱلأَرْضِ } بالمعاصي، منها قَرْضُهُم الدنانير والدراهم {وَلاَ يُصْلِحُونَ } بالطاعة.
الماوردي
تفسير : قوله: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ} الرهط الجمع لا واحد له يعني من ثمود قوم صالح وهم عاقرو الناقة، وذكر ابن عباس أساميهم فقال: هم زعجي وزعيم وهرمي ودار وصواب ورباب ومسطح وقدار، وكانواْ بأرض الحجر وهي أرض الشام، وكانوا فساقاً من أشراف قومهم. {يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ} فيه خمسة أوجه: أحدها: يفسدون بالكفر ولا يصلحون بالإيمان. الثاني: يفسدون بالمنكر ولا يصلحون بالمعروف. الثالث: يفسدون بالمعاصي ولا يصلحون بالطاعة. الرابع: يفسدون بكسر الدراهم والدنانير ولا يصلحون بتركها صحاحاً، قاله ابن المسيب، قاله عطاء. الخامس: أنهم كانوا يتتبعون عورات النساء ولا يسترون عليهن. قوله: {قَالُواْ تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ} أي تحالفواْ بالله. {لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ} أي لنقتلنه وأهله ليلاً، والبيات قتل الليل. {ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ} أي لرهط صالح. {مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ} أي قتله، وقتل أهله، ولا علمنا ذلك. {وَإِنَّا لَصّادِقُونَ} في إنكارنا لقتله. {وَمَكَرُواْ مَكْراً} وهو ما همّوا به من قتل صالح. {وَمَكَرْنَا مَكْراً} وهو أن رماهم الله بصخرة فأهلكهم. {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أي لا يعلمون بمكرنا وقد علمنا بمكرهم. وفي مكرهم ومكر الله تعالى بهم قولان: أحدهما: قاله الكلبي، وهم لا يشعرون بالملائكة الذين أنزل الله على صالح ليحفظوه من قومه حين دخلوا عليه ليقتلوه، فرموا كل رجل منهم بحجر حتى قتلوهم جميعاً، وسَلِمَ صالح من مكرهم. الثاني: قاله الضحاك، أنهم مكروا بأن أظهروا سفراً وخرجوا فاستتروا في غار ليعودوا في الليل فيقتلوهُ، فألقى الله صخرة على باب الغار حتى سدّه وكان هذا مكر الله بهم.
ابن عطية
تفسير : ذكر الله تعالى في هذه الآية {تسعة} رجال كانوا من أوجه القوم وأفتاهم وأغناهم وكانوا أهل كفر ومعاصٍ جمة، جملة أمرهم أنهم {يفسدون} {ولا يصلحون}، قال عطاء بن أبي رباح: بلغني أنهم كانوا يقرضون الدنانير والدراهم. قال القاضي أبو محمد: وهذا نحو الأثر المروي: قطع الدنانير والدراهم من الفساد في الأرض، و {المدينة} مجتمع ثمود وقريتهم، و"الرهط" من أسماء الجمع القليلة، العشرة فما دونها رهط، فـ {تسعة رهط} كما تقول تسعة رجال، وهؤلاء المذكورون كانوا أصحاب قدار عاقر الناقة وقد تقدم في غير هذا الموضع ما ذكر في أسمائهم، وقوله {تقاسموا} حكى الطبري أنه يجوز أن يكون فعلاً ماضياً في موضع الحال كأنه قال متقاسمين أي متحالفين بالله، وكان في قوله {لنبيتنه}، ويؤيد هذا التأويل أن في قراءة عبد الله "ولا يصلحون تقاسموا" بسقوط {قالوا}، ويحتمل وهو تأويل الجمهور أن يكون {تقاسموا} فعل أمر أشار بعضهم على بعض بأن يتحالفوا على هذا الفعل بـ"صالح"، فـ {تقاسموا} هو قولهم على هذا التأويل وهذه الألفاظ الدالة على قسم أو حلف تجاوب باللام وإن لم يتقدم قسم ظاهر فاللام في {لنبيتنه} جواب ذلك، وقرأ جمهور القراء "لنبيتنه" بالنون، "ثم لنَقولن" بنون وفتح اللام، وقرأ الأعمش وطلحة وابن وثاب "ليُبيتنه" بالياء مضمومة فيهما "ثم ليقولن" بالياء وضم اللام، وفي قراءة عبد الله "ثم لتقسمن ما شهدنا"، وقرأ حمزة والكسائي "لتبيتنه" بالتاء "ثم لتقولُن" بالتاء وضم اللام وهي قراءة الحسن وحميد، فهذا ذكر الله فيه المعنى الذي أرادوه، لا بحسب لفظهم، وروي في قصص هذه الآية أن هؤلاء التسعة لما كان في صدر الثلاثة الأيام بعد عقر الناقة وقد أخبرهم صالح بمجيء العذاب اتفق هؤلاء التسعة فتحالفوا على أن يأتوا دار صالح ليلاً فيقتلوه وأهله المختصين به، قالوا فإن كان كاذباً في وعيده أوقعنا به ما يستحق، وإن كان صادقاً كنا قد عجلناه قبلنا وشفينا نفوسنا، قال الداودي. فجاؤوا واختفوا لذلك في غار قريب من داره، فروي أنه انحدرت عليهم صخرة شدختهم جميعاً، وروي أنه طبقت عليهم الغار فهلكوا فيه حين هلك قومهم، وكل فريق لا يعلم بما جرى على الآخر، وكانوا قد بنوا على جحود الأمر من قرابة صالح الذين يمكن أن يغضبوا له فهذا كان أمرهم، و"المكر" نحو الخديعة، وسمى الله تعالى عقوبتهم باسم ذنبهم وهذا مهيع ومنه قوله تعالى: {أية : يستهزىء بهم} تفسير : [البقرة: 15] وغير ذلك، وقرأ الجمهور "مُهلَك" بضم الميم وفتح اللام، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بفتحهما، وروي عنه فتح الميم وكسر اللام، "والعاقبة" حال تقتضيها البدأة وتؤدي إليها بواجب، ويعني بالأهل، كل من آمن معه قاله الحسن، وقرأ جمهور القراء" إنا دمرناهم" بكسر الألف، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي "أنا دمرناهم" بفتح الهمزة وهي قراءة الحسن وابن أبي إسحاق، فـ {كان} على قراءة الكسر في الألف تامة، وإن قدرت ناقصة فخبرها محذوف أو يكون الخبر {كيف} مقدماً لأن صدر الكلام لها ولا يعمل على هذا "انظر"، في {كيف} لكن يعمل في موضع الجملة كلها، وهي في قراءة الفتح ناقصة وخبرها "أنَّا" ويجوز أن يكون الخبر {كيف} وتكون "أنَّا" بدلاً من العاقبة، ويجوز أن تكون {كان} تامة "وأنّا" بدلاً من العاقبة، ووقع تقرير السؤال بـ {كيف} عن جملة قوله {كان عاقبة مكرهم إنا دمرناهم} وليس بمحض سؤال ولكنه حقه أن يسأل عنه، و"التدمير" الهلاك. ويحتمل أن تتقدر {كان} تامة على قراءة الفتح، وغيره أظهر، وقرأ أبي بن كعب "أن دمرناهم" فهذه تؤيد قراءة الفتح في "أنا".
ابن عبد السلام
تفسير : {رَهْطٍ} الرهط: جمع لا واحد له وهم عاقرو الناقة: فُسَّاق من أشراف قومهم. {يُفْسِدُونَ} بالكفر ولا يصلحون بالإيمان، أو بالمنكر ولا يصلحون بالمعروف، أو بالمعاصي ولا يصلحون بالطاعة، أو بقطع الدنانير والدراهم ولا يصلحون بتركها صحاحاً، أو يتبعون عورات الناس ولا يسترون عليهم.
النسفي
تفسير : {وَكَانَ فِى ٱلْمَدِينَةِ } مدينة ثمود وهي الحجر {تِسْعَةُ رَهْطٍ } هو جمع لا واحد له ولذا جاز تمييز التسعة به فكأنه قيل تسعة أنفس، وهو من الثلاثة إلى العشرة. وعن أبي دؤاد: رأسهم قدار بن سالف وهم الذين سعوا في عقر الناقة وكانوا أبناء أشرافهم {يُفْسِدُونَ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ } يعني أن شأنهم الإفساد البحت لا يخلط بشيء من الصلاح كما ترى بعض المفسدين قد يندر منه بعض الصلاح. وعن الحسن يظلمون الناس ولا يمنعون الظالمين من الظلم. وعن ابن عطاء: يتبعون معايب الناس ولا يسترون عوراتهم {قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ } {تحالفوا} خبر في محل الحال بإضمار «قد» أي قالوا متقاسمين أو أمر أي أمر بعضهم بعضاً بالقسم {لَنُبَيّتَنَّهُ } لنقتلنه بياتاً أي ليلاً {وَأَهْلَهُ } ولده وتبعه {ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيّهِ } لولي دمه {لتبيتنه} بالتاء وبضم التاء الثانية ثم {لتقولن} بالتاء وضم اللام: حمزة وعلي {ماشهدنا} ما حضرنا {مَهْلِكَ أَهْلِهِ} حفص {مهلَك} أبو بكر وحماد والمفضل من هلك، فالأول موضع الهلاك، والثاني المصدر {مُهلَك غيرهم، من أهلك وهو الإهلاك أو مكان الإهلاك أي لم نتعرض لأهله فكيف تعرضنا له؟ أو ما حضرنا موضع هلاكه فكيف توليناه؟ {وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ } فيما ذكرنا. {وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } مكرهم ما أخفوه من تدبير الفتك بصالح وأهله. ومكر الله إهلاكهم من حيث لا يشعرون، شبه بمكر الماكر على سبيل الاستعارة. روي أنه كان لصالح مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه فقالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثالث، فخرجوا إلى الشعب وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم، فبعث الله صخرة من الهضب حيالهم فبادروا فطبقت الصخرة عليهم فم الشعب فلم يدر قومهم أين هم ولم يدروا ما فعل بقومهم، وعذب الله كلاً منهم في مكانه ونجى صالحاً عليه السلام ومن معه
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ} [الآية: 48]. قال ابن عطاء: يبيحون عورات النساء ولا يقبلون لهم عثرة، ولا يسترون لهم حرمة. قال بعضهم: يأمرون بالباطل وينهون عن الحق. وقال الحسن البصرى: يعينون الظالمين على ظلمهم، ولا يمنعونهم منه.
اسماعيل حقي
تفسير : {وكان فى المدينة} اى الحجر بكسر الحاء المهملة وهى ديار ثمود وبلادهم فيما بين الحجاز والشام {تسعة رهط} اشخاص وبهذا الاعتبار وقع تمييزا للتسعة لاباعتبار لفظه فان مميز الثلاثة الى العشرة مخفوض مجموع. والفرق بينه وبين النفر انه من الثلاثة او من السبعة الى العشرة ليس فيهم امرأة والنفر من الثلاثة الى التسعة واسماؤهم حسبما نقل عن وهب هذيل بن عبدالرب وغنم بن غنم وياب بن مهرج ومصدع بن مهرج وعمير بن كردية وعاصم بن مخزمة وسبيط بن صدقة وسمعان بن صفى وقدار بن سالف. وفى كشف الاسرار اسماؤهم قدار بن سالف ومصدع بن دهر واسلم ورهمى ورهيم ودعمى ودعيم وقبال وصداف وهم الذين سعوا فى عقر الناقة وكانوا عتاة قوم صالح وكانوا من ابناء اشرافهم ثم وصف التسعة بقوله {يفسدون فى الارض} فى ارض الحجر بالمعاصى. وفى الارشاد فى الارض لافى المدينة فقط وهو بعيد لان العرض فى نظائر هذه القصة انماحملت على ارض معهودة هى ارض كل قبيلة وقوم لا على الارض مطلقا {ولايصلحون} اى لايفعلون شيئا من الاصلاح ففائدة العطف بيان ان افسادهم لايخالطه شىء ما من الاصلاح
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وكان في المدينة}؛ مدينة ثمود وهي الحجر، {تسعةُ رَهْطٍ} أي: أشخاص، وهو جمع لا واحد له، فلذا جاز تمييز التسعة به، فكأنه قيل: تسعة أنفس، وهو من الثلاثة إلى العشرة، وكان رئيسهم "قدار بن سالف" وهم الذين سعوا في عقر الناقة، وكانوا أبناءَ أشرافهم ومن عتاتهم، {يُفسدون في الأرض} أي: في المدينة، إفساداً لا يخالطه شيء من الصلاح أصلاً، {ولا يُصلِحُون} يعني إن شأنهم الإفساد المحض، الذي لا صلاح معه. وعن الحسن: يظلمون الناس، ولا يمنعون الظالمين عن الظلم. وعن ابن عطاء: يتبعون معايب الناس، ولا يسترون عوراتهم. {قالوا تقاسموا بالله}: استئناف لبيان بعض فسادهم. و(تقاسموا): إما أمر مقول لقالوا، أي: تحالفوا أمر بعضهم بعضاً بالقسم على قتله. وإما خبر حال، أي: قالوا متقاسمين. {لنُبَيِّتَنَّهُ}: لنقتلنه بياتاً، أي: ليلاً، {وأهلَه}: ولده ونساءه، {ثم لنقولن لِوَلِيِّه} أي: لوليّ دمه: {ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهله} أي: ما حضرنا هلاكهم، أو: وقت هلاكهم. أو: مكانه فضلاً أن نتولى إهلاكهم، {وإِنا لصادقون} فيما ذكرناه. وهو إما من تمام المقول، أو: حال، أي: نقول ما نقول والحال أنا صادقون في ذلك؛ لأن الشاهد للشيء غير المباشر له عرفاً. ولأنا ما شهدنا مهلك أهله وحده، بل مهلكه ومهلككم جميعاً، كقولك: ما رأيت ثمَّ رجلاً، أي: بل رجلين. ولعل تحرجهم من الكذب في الأَيْمان مع كفرهم؛ لِما تعودوا من تعجيل العقوبة للكاذب في القسامة, كما كان أهل الشرك مع البيت الحرام في الجاهلية. وكان تقاسمهم بعد أن أنذرهم بالعذاب، وبعد قوله: {أية : تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ} تفسير : [هود: 65]. قال تعالى: {ومكروا مكراً} بهذه المواضع، {ومكرنا مكراً}؛ أهلكناهم إهلاكاً غير معهود، {وهم لا يشعرون} أي: من حيث لا يحتسبون، فمكرهم هو ما أخفوه من تدبير الفتك بصالح عليه السلام وأهله. ومكر الله: إهلاكهم من حيث لا يشعرون. {فانظر كيف كان عاقبةُ مكرهم} أي: فتفكر في أنه كيف كان عاقبة مكرهم. فسره بقوله: {أنَّا دمرناهم}: أهلكناهم بالصيحة {وقومَهم} الذين لم يكونوا معهم في التبييت {أجمعين}. رُوي أنه كان لصالح مسجد في شِعْبٍ يُصلِّي فيه. فقالوا: زعم صالح يفرغ منا إلى ثلاث، وقد رأى علامة ذلك، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث، فخرجوا إلى الشعب، وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه، ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم، فبعث الله تعالى صخرة من الهَضب التي حِيالهم، فبادروا، فأطبقت الصخرة عليهم فم الشعب، فلم يدر قومهم أين هم، ولم يدروا ما فُعِل بقومهم، وعذَّب الله كلاً في مكانه ونجى صالحاً ومن معه. وقال ابن عباس: أرسل الله الملائكة ليلاً، فامتلأت بهم دار صالح، فأتى التسعة إلى دار صالح، شاهرين السيوف، فقتلهم الملائكة بالحجارة يرون الحجارة، ولا يرون رامياً. هـ. ويمكن الجمع بأن بعضهم مات تحت الصخرة، وبعضهم أتى إلى دار صالح فقتل. قال تعالى: {فتلك بُيوتُهمْ خاويةً}؛ ساقطة متهدمة، من: خوى النجم: إذا سقط. أو: خالية من السكان، {بما ظلموا}؛ بسبب ظلمهم. {إن في ذلك} أي: فيما ذكر من التدمير العجيب {لآيةً لقوم يعلمون} قدرتنا، فيتعظون. {وأنجينا الذين آمنوا} أي: صالحاً ومن معه من المؤمنين، {وكانوا يتقون} الكفر والمعاصي، اتقاء مستمراً، ولذلك نجوا مع صالح. قال مقاتل: لما وقت لهم صالح العذاب إلى ثلاث، خرج أول يوم على أبدانهم مثل الحمّص أحمر، ثم اصفر من الغد، ثم اسود من اليوم الثالث. ثم تفقأت، وصاح جبريل في خلال ذلك، فخمدوا، وكانت القرية المؤمنة الناجية أربعة آلاف، خرج بهم صالح إلى حضرموت، فلما دخلها مات صالح، فسميت حضرموت. هـ. والله تعالى أعلم. الإشارة: وكان في مدينة القلب تسعُ علل، يُفسدون فيها ولا يُصلحون، وهي حب الدنيا، وحب الرئاسة، والحسد. والكبر، والحقد، والعجب، والرياء، والمداهنة، والبخل، هم أفسدوا قلوب الناس، وتقاسموا على هلاكها، ومكروا بهم حتى زيَّنوا لهم سوءَ عملهم، ومكر الله بهم، فدفعهم ودمَّرهم عن قلوب الصالحين، فتلك بيوتهم خاوية منها، أخرجهم منها، بسبب ظلمهم لها. وقال القشيري على قوله: {ومكروا مكراً...} الآية: مَكْرُ اللهِ: جزاؤهم على مَكْرِهم، بإخفاء ما أراد منهم من العقوبة، ثم إحلالها بهم بغتةً. هـ. وقال الورتجبي: حقيقة المكر: امتناع سر الأزلية عن مطالعة الخليقة، فإذا كان كذلك من ينجو من مَكْره، والحديث لا يطلع على سوابق علمه في القِدم، فمَكْره وقهره صفتان من صفاته، لا تفارقان ذاته، وذاته أبدية، انظر تمامه. قلت: ومعنى كلامه: أن مكر الله في الجملة: هو إخفاء السر الأزلي - وهو القضاء والقدر - عن مطالعة الخلق، فلا يدري أحد ما سبق له في العلم القديم، وإذا كان كذلك فلا ينجو أحد من مكره؛ إذ الحدث لا يطلع على سوابق العلم القديم، إلا من اطلع عليه بوحي، كالأنبياء، أو بنص صريح منهم، كالمبشرين بالجنة، ومع ذلك: العارف لا يقف مع وعد ولا وعيد؛ إذ قد يتوقف على شرط وأسباب خفية، ولذلك قيل: العارف لا يسكن إلى الله. قاله في لطائف المنن، أيّ: لا يسْكُن إلى وعد الله ولا وعيده، فلا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره. وقال القشيري - على قوله: {فتلك بيوتهم خاوية...}، في الخبر: "حديث : لو كان الظلم بيتاً في الجنة لسلط الله عليه الخراب"تفسير : . هـ. قلت: فكل من اشتغل بظلم العباد، فعن قريب ترى دياره بلاقع، كما هو مجرب. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ...}
الجنابذي
تفسير : {وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ} مدينة صالح (ع) {تِسْعَةُ رَهْطٍ} الرّهط ويحرّك قوم الرّجل وقبيلته وتكون من ثلاثة او سبعة الى عشرة او ما دون العشرة ولا واحد له من لفظه وكان هذه الارهط من اشراف قوم صالحٍ (ع) وهم الّذين سعوا فى عقر النّاقة {يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ} ارض مدينتهم ونواحيها وارض عالمهم الصّغير {وَلاَ يُصْلِحُونَ} حتّى يجعل اصلاحهم جبراناً لافسادهم.
اطفيش
تفسير : {وَكَانَ فِى المَدِينَةِ} مدينة ثمود وهي الحجر. {تِسْعَةُ رَهْطٍ} أي أنفس أو رجال ولكونه بمعنى الجمع أضيف اليه التسعة ولا يقال لو كان بمعنى انفس لم يقرن العدد بالتاء لأن عدد المؤنث يجرد عنها لأنا نقول النفس يذكر كما يؤنث ولأن الأنفس هنا رجال قيل الفرق بين النفر والرهط انه من الثلاثة او السبعة الى العشرة والنفر من الثلاثة الى التسعة وبسطه في النحو وكانت التسعة من ابناء شرف القوم واغنياءهم وهم أصحاب نذار وقيل قذار منهم قال وهب هم الهذيل ابن عبد رب وقيل هذيل بن مبلغ خال قذار وغنم بن عنم وقيل رعيا بن غنم ورباب بن مهرج ومصدع بن مهرج وعمرو بن كردبة وعاصم بن مخرمة وسبيط بن صرفة وشمعان بن صيفي وقذار بن سالف. {يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ} أي شأنهم الافساد الذي لا يشوبه شيء من الاصلاح ورأسهم قذار بن سالف وهم عاقروا الناقة ومن افسادهم قرض الدنانير والدراهم.
اطفيش
تفسير : {وكان فى المَدِينة} مدينة ثمود، وهى الحجر {تِسْعةُ رهْطٍ} من الترهيط، وهو تعظيم اللقمة، وشدة الأكل، يطلق على ثلاثة وعلى عشرة وما بينهما، وقيل: لسبعة وعشرة وما بينهما، وهو اسم جمع لا يضاف العدد اليه إلا سماعا، وهو فصيح استعمالاً، وقيل يقاس على كراهة، وقيل: يقاس إن كان موضوعا لما دون العشرة، وقيل: لها ولما دونها، وذلك كرهط ونفر وذود، لأنه كجمع القلة، وكأنه قيل تسعة أشخاص، وهم: الهذيل بن عبد رب، وغنم بن غنيم، ودباب بن مهرج، وعمير بن كردية، وعاصم بن مخزمة، وسبيط بن صدقة، وسمعان بن صفى، وقدار بن سالف، وهم الساعون فى عقر الناقة، وهم من أبناء أشرافهم، وأعنى قومهم. وعن ابن عباس: دعمى ودعيم، وهرمى وهريم، ودواب وصواب، ودباب ومسطح وقدار، وهو الذى، تولى عقرها، وتحت كل واحد جمع، وقد قيل: الرهط فى الآية الصنف، كأنه قيل تسع جماعات. {يُفسدون فى الأرض} أرضهم وأرض غيرهم، نعت تسعة أو رهط {ولا يُصْلحُون} انقطعوا عن الخير كله، أو لا يصلحون شيئا.
الالوسي
تفسير : {وَكَانَ فِى ٱلْمَدِينَةِ } أي مدينة ثمود وقريتهم وهي الحجر {تِسْعَةُ رَهْطٍ } هو اسم جمع يطلق على العصابة دون العشرة كما قال الراغب؛ وفي «الكشاف» هو من الثلاثة أو من السبعة إلى العشرة، وقيل: بل يقال إلى الأربعين وليس بمقبول، وأصله على ما نقل عن الكرماني من الترهيط وهو تعظيم اللقم وشدة الأكل، وقد أضيف العدد إليه. وقد اختلف في جواز إضافته إلى اسم اجلمع فذهب الأخفش إلى أنه لا ينقاس وما ورد من الإضافة إليه فهو على سبيل الندور، وقد صرح سيبويه أنه لا يقال ثلاث غنم. وذهب قوم إلى أنه يجوز ذلك وينقاس وهو مع ذلك قليل، وفصل قوم بين أن يكون اسم الجميع للقليل كرهط ونفر وذود فيجوز أن يضاف إليه إجراء له مجرى جمع القلة أو للكثير أو يستعمل لهما فلا يجوز إضافته إليه بل إذا أريد تمييزه به جيء به مقروناً بمن كخمسة من القوم، وقال تعالى: {أية : فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ ٱلطَّيْرِ } تفسير : [البقرة: 260] وهو قول المازني. واختار غير واحد أن إضافة تسعة إلى رهط هٰهنا باعتبار أن رهطاً لكونه اسم جمع للقليل في حكم أشخاص ونحوه من جموع القلة وهي يضاف إليها العدد كتسعة أشخاص وتسع أنفس وهذا معنى قولهم: إن وقوع رهط تمييزاً لتسعة باعتبار المعنى فكأنه قيل تسعة أشخاص، وقيل أي تسعة أنفس. وتأنيث العدد لأن المذكور في النظم الكريم {رَهْطٍ } وهو مذكر فليس ذاك من غير الفصيح كقوله ثلاثة أنفس وثلاث ذود، نعم تقدير ما تقدم أسلم من المناقشة، وأما ما قيل أي تسعة رجال ففيه الغفلة عما أشرنا إليه، ثم إنه ليس المراد أن الرهط بمعنى الشخص أو بمعنى النفس بل إن التسعة من الأشخاص أو من الأنفس هي الرهط فليس المعدود بالتسعة ما دل عليه الرهط من الجماعة ليكون هناك تسع جماعات لا تسعة أفراد. وقال الإمام الأقرب أن يكون المراد تسعة جمع إذ الظاهر من الرهط الجماعة، ثم يحتمل أنهم كانوا قبائل، ويحتمل أنهم دخلوا تحت العدد لاختلاف صفاتهم وأحوالهم لا لاختلاف النسب اهـ، وقيل: كان هؤلاء التسعة رؤساء مع كل واحد منهم رهط، ولذا قيل تسعة رهط وأسماؤهم عن وهب: الهذيل بن عبد رب وغنم بن غنم ودباب بن مهرج وعمير بن كردبة وعاصم بن مخرمة وسبيط بن صدقة وسمعان بن صفى وقدار بن سالف وهم الذين سعوا في عقر الناقة وكانوا عتادة قوم صالح ومن أبناء أشرافهم، وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن عباس أن أسماءهم دعمى ودعيم وهرمى وهريم ودواب وصواب ودياب ومسطح وقدار وهو الذي عقر الناقة. {يُفْسِدُونَ فِى ٱلأَرْضِ } لا في المدنية فقط إفساداً بحتاً لا يخالطه شيء من الصلاح كما ينطق به قوله تعالى: {وَلاَ يُصْلِحُونَ } أي لا يفعلون شيئاً من الإصلاح أو لا يصلحون شيئاً من الأشياء، والمراد أن عادتهم المستمرة ذلك الإفساد كما يؤذن به المضارع، والجملة في موضع الصفة لرهط أو لتسعة.
ابن عاشور
تفسير : عطف جزء القصة على جزء منها. و{المدينة}: هي حِجْر ثمود بكسر الحاء وسكون الجيم المعروف مكانُها اليوم بديار ثمود ومدائن صالح، وهي بقايا تلك المدينة من أطلال وبيوت منحوتة في الجبال. وهي بين المدينة المنورة وتبوك في طريق الشامحديث : وقد مرّ بها النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون في مسيرهم في غزوة تبوك ورأوا فيها آباراً نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الشرب والوضوء منها إلا بئراً واحدة أمرهم بالشرب والوضوء بها وقال: «إنها البئر التي كانت تشرب منها ناقة صالح»تفسير : . والرهط: العدد من الناس حوالي العشرة وهو مِثل النَفر. وإضافة تسعة إليه من إضافة الجزء إلى اسم الكل على التوسع وهو إضافة كثيرة في الكلام العربي مثل: خمس ذود. واختلف أيمة النحو في القياس عليها، ومذهب سيبويه والأخفش أنها سماعية. وكان هؤلاء الرهط من عتاة القوم، واختلف في أسمائهم على روايات هي من أوضاع القصّاصين ولم يثبت في ذلك ما يعتمد. واشتهر أن الذي عقر الناقة اسمه «قُدَار» بضم القاف وتخفيف الدال، وقد تشاءم بعض الناس بعدد التسعة بسبب قصة ثمود وهو من التشاؤم المنهي عنه. و{الأرض}: أرض ثمود فالتعريف للعهد. وعطف {لا يصلحون} على {يفسدون} احتراس للدلالة على أنهم تمحّضوا للإفساد ولم يكونوا ممن خلطوا إفساداً بإصلاح. وجملة: {قالوا} صفة لــــ{تسعة}، أو خبر ثان لــــ{كان}، أو هو الخبر لــــ{كان}. وفي {المدينة} متعلق بــــ{كان} ظرفاً لغواً ولا يحسن جعل الجملة استئنافاً لأنها المقصود من القصة والمعنى: قَال بعضهم لبعض. و{تقاسموا} فعل أمر، أي قال بعضهم: تقاسموا، أي ابتدأ بعضهم فقال: تقاسموا. وهو يريد شمول نفسه إذ لا يأمرهم بذلك إلا وهو يريد المشاركة معهم في المقسم عليه كما دل عليه قوله: {لنبيتنه}. فلما قال ذلك بعضهم توافقوا عليه وأعادوه فصار جميعهم قائلاً ذلك فلذلك أسند القول إلى التسعة. والقَسَم بالله يدل على أنهم كانوا يعترفون بالله ولكنهم يشركون به الآلهة كما تقدم في قصصهم فيما مرّ من السور. و{لنُبَيّتَنّهُ} جواب القسم، والضمير عائد إلى صالح. والتبييت والبيات: مباغتة العدوّ ليلاً. وعكسه التصبيح: الغارة في الصباح، وكان شأن الغارات عند العرب أن تكون في الصباح، ولذلك يقول مَن ينذر قوماً بحلول العدوّ: «يَا صبَاحَاهُ»، فالتبييت لا يكون إلا لقصد غدْر. والمعنى: أنهم يغيرون على بيته ليلاً فيقتلونه وأهلَه غدْراً من حيث لا يُعرف قاتله ثم ينكرون أن يكونوا هم قتلوهم ولا شهدوا مقتلهم. والمُهلك: مصدر ميمي من أهلك الرباعي، أي شهدنا إهلاك من أهلكهم. وقولهم: {وإنا لصادقون} هو من جملة ما هيَّأوا أن يقولوه فهو عطف على {ما شهدنا مهلك} أي ونؤكد إنّا لصادقون. ولم يذكروا أنهم يحلفون على أنهم صادقون. وقرأ الجمهور: {لنُبيّتنَّه} بنون الجماعة وفتح التاء التي قبل نون التوكيد. وقرأه حمزة والكسائي وخلف بتاء الخطاب في أوله وبضم التاء الأصلية قبل نون التوكيد. وذلك على تقدير: أمر بعضهم لبعض. وهكذا قرأ الجمهور {لنقولَنَّ} بنون الجماعة في أوله وفتح اللام. وقرأه حمزة والكسائي وخلف بتاء الخطاب وبضم اللام. وقرأ الجمهور: {مُهْلَك} بضم الميم وفتح اللام وهو مصدر الإهلاك أو مكانُه أو زمانه. وقرأه حفص بفتح الميم وكسر اللام ويحتمل المصدر والمكان والزمان. وقرأ أبو بكر عن عاصم بفتح الميم وفتح اللام فهو مصدر لا غير. ووليُّ صالح هم أقرب القوم له إذا راموا الأخذ بثأره. وهذا الجزء من قصة ثمود لم يذكر في غير هذه السورة. وأحسب أن سبب ذكره أن نزول هذه السورة كان في وقتتٍ تآمرَ فيه المشركون على الإيقاع بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو التآمر الذي حكاه الله في قوله: {أية : وإذ يمكُرُ بك الذين كفروا ليُثْبِتُوك أو يَقْتُلُوك أو يُخْرِجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين}تفسير : [الأنفال: 30]؛ فضرب الله لهم مثلاً بتآمر الرهط من قوم صالح عليه ومكرِهم وكيف كان عاقبة مكرهم، ولذلك ترى بين الآيتين تشابهاً وترى تكرير ذكر مكرهم ومكر الله بهم، وذكر أن في قصتهم آية لقوم يعلمون.
د. أسعد حومد
تفسير : (48) - وَكَانَ في مَدينةِ الحِجْرِ (وهِيَ مَدِينَةُ ثمودَ) تِسعةُ أفرادٍ (رَهْطٍ) مُجْرِمينَ طُغَاةٍ، وكانُوا همْ دُعَاةَ قَوْمِهِمْ إلى الكُفْرِ والضَّلاَلِ، وكانَ من عادَتِهِمُ الإِفسادُ في الأَرضِ، والأَمرُ بالفَسَادِ والضَّلاَلِ، ولَمْ يَكُونوا منَ المُصلِحِينَ، وقَدْ غَلَبُوا على قَومِهِمْ لأَنهمْ منْ رُؤَسائِهِم وَكُبَرائهِم، وَهُم الذِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ، وَهَمُّوا بقَتْلِ صَالحٍ غِيْلَةً. تِسْعَةُ رَهْطٍ - تِسْعَةُ أشْخَاصِ مِنَ الرُّؤَسَاءِ مَعاً كَأَنَّهُمْ رَهْطٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهذه المسألة أيضاً لقطة جديدة من القصة لم تُذكَر في الشعراء، وهكذا كل القَصَص القرآني لو تدبَّره الإنسان لوجده لقطاتٍ متفرقة، كلٌّ منها يضيف جديداً، ويعالج أمراً يناسب النجْم القرآني الذي نزل فيه لتثبيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. والرَّهْط: اسم جمع، لا واحدَ له من لفظه، ويدل على العدد من الثلاثة إلى العشرة، فمعنى {تِسْعَةُ رَهْطٍ ..} [النمل: 48] كأنهم كانوا قبائل أو أسراً أو فصائل، قبيلة فلان وقبيلة فلان .. إلخ. {يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ ..} [النمل: 48] فلماذا قال بعدها: {وَلاَ يُصْلِحُونَ} [النمل: 48]؟ قالوا: لأن الإنسان قد يُفسد في شيء، ويُصلح في آخر، كالذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وهؤلاء عسى الله أنْ يتوبَ عليهم. أما هؤلاء القوم، فكانوا أهل فساد مَحْض لا يعرفون الصلاح، فإنْ رأوْه عمدوا إليه فأفسدوه، فكأنهم مُصِرُّون على الإفساد، وللإفساد قوم ينتفعون به، لذلك يدافعون عنه ويعارضون في سبيله أهل الإصلاح والخير؛ لأنهم يُعطِّلون عليهم هذه المنفعة. وقلنا: إن صاحب الدين والخلق والمبادىء في أيِّ مصلحة تراه مكروهاً من هذه الفئة التي تنتفع من الفساد، يهاجمونه ويتتبعونه بالهَمْز واللمز، يقولون: حنبلي، وربما يهزأون به .. إلخ؛ لذلك لم يقف في وجه الرسل إلا هذه الطائفة المنتفعة بالفساد.
الجيلاني
تفسير : {وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ } أي: تسعة رجال اتفقوا إلى حيث صاروا رهطاً واحداً متفقين على قهره وقتله، والرهط جمع لا واحد له، يُطلق على ما دون العشرة، وكان شأنهم مقصوراً على الإفساد والفساد {يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ} بأنواع الفسادات {وَلاَ يُصْلِحُونَ} [النمل: 48] أصلاً في حال من الأحوال. وبعدما ظهر عليهم أمارات العذاب الإلهي، وتحقق عندهم نزوله قصدوا إهلاك صالح ومن معه قبل إهلاكهم، حيث {قَالُواْ} في ما بينهم: {تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ} بأن حلف كل منكم عند صاحبه {لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ} ونهلكنَّه قبل إلمام العذاب علينا {ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ} عند طلب ثأره مبالغين في الإنكار: {مَا شَهِدْنَا} في مدة عمرنا {مَهْلِكَ أَهْلِهِ} أي: المكان الذي أهلك فيه صالح. فكيف قتلنا إياه؟! {وَ} نؤكد قولنا هذا بالقسم أيضاً عند وليه، ونقسم {إِنَّا لَصَادِقُونَ} [النمل: 49] في قولنا هذا، وما لنا علم بأهلاكه. {وَمَكَرُواْ} واحتالوا، لمقت نبينا {مَكْراً} بلغياً {وَمَكَرْنَا} أيضاً؛ لهلاكهم واستئصالهم {مَكْراً} أبلغ من مكرهم، بأن أمرنا الملائكة حي يمم أولئك المفسدون الماكرون؛ لقتل صالح، وأخذوا يطلبونه أن يرجمهم بالحجارة، ويصيح عليهم بالصيحة الهائلة عند الرجم، ففعلوا معهم كذلك {وَهُمْ} حينئذٍ من شدة هولهم وفزعهم {لاَ يَشْعُرُونَ} [النمل: 50] الصائح والرماة، فهلكوا بالمرة بلا وصول إلى من مكروا لأجله. {فَٱنظُرْ} أيه الناظر المعتبر {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ} واصلة إليهم لاحقة بهم وبالجملة: {أَنَّا} من مقام قهرنا وجلالنا {دَمَّرْنَاهُمْ} وأهلكنا؛ أي: التسعة المتقاسمين {وَقَوْمَهُمْ} أيضاً {أَجْمَعِينَ} [النمل: 51] إلى حيث لم يبقَ منهم أحد يخلفهم. {فَتِلْكَ} الأطلال الخربة والرسوم المندرسة {بُيُوتُهُمْ} ومساكنهم التي شيدوها وحصنوها بأنواع التشييدات والمترصفات والتجصيصات انظر كيف صارت {خَاوِيَةً} ساقطة جدرانها على سقوفها منعسكة، كل ذلك {بِمَا ظَلَمُوۤاْ} وبشؤم ما خرجوا على مقتضى الحدود الإلهية عتواً واستكباراً {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} المكر والإهكلا {لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [النمل: 52] دالة على كمال قدرتنا على انتقام من خرج عن ربقة انقيادنا وطاعتنا. {وَ} بعدما أهلكناهم صاغرين {أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بتوحيدنا، وصدقوا رسلنا سالمين غانمين {وَ} هم من كمال إخلاصهم وخشيتهم {كَانُواْ يَتَّقُونَ} [النمل: 53] ويحذرون من قهرنا وغضبنا، ولا يسيئون الأدب معنا ومع رسلنا.
همام الصنعاني
تفسير : 2170- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ * قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ}: [الآيات: 48-49]، قالَ: تقاسَموا بالله أن يبيّتوا صَالحاً ثم يفتكوا به، ثم {لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * وَمَكَرُواْ مَكْراً}: [الآيات: 49-50]، فذلك مكرهم، فبينا هم معانيق إلى صالح - يعني يسرعون - سَلَّطَ الله عَلَيْهم صَحْرَةً فقتلتهم. 2171- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا يحيى بن ربيعة الصنعاني قال: سمعتُ عطاء بن أبي رباح، يقول في قوله تعالى: {وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ}: [الآية: 48]، قال: كانوا يقرضُوان الدراهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):