٢٧ - ٱلنَّمْل
27 - An-Naml (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
50
Tafseer
القرطبي
تفسير : {وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } مكرهم ما روي أن هؤلاء التسعة لما كان في صدر الثلاثة الأيام بعد عقر الناقة، وقد أخبرهم صالح بمجيء العذاب، اتفقوا وتحالفوا على أن يأتوا دار صالح ليلاً ويقتلوه وأهله المختصين به؛ قالوا: فإذا كان كاذباً في وعيده أوقعنا به ما يستحق، وإن كان صادقاً كنا عجلناه قبلنا، وشفينا نفوسنا؛ قاله مجاهد وغيره. قال ابن عباس: أرسل الله تعالى الملائكة تلك الليلة، فامتلأت بهم دار صالح، فأتى التسعة دار صالح شاهرين سيوفهم، فقتلتهم الملائكة رضخاً بالحجارة فيرون الحجارة ولا يرون من يرميها. وقال قتادة: خرجوا مسرعين إلى صالح، فسلطّ عليهم ملك بيده صخرة فقتلهم. وقال السديّ: نزلوا على جرف من الأرض، فانهار بهم فأهلكهم الله تحته. وقيل: اختفوا في غار قريب من دار صالح، فانحدرت عليهم صخرة شدختهم جميعاً؛ فهذا ما كان من مكرهم. ومكر الله مجازاتهم على ذلك. {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ } أي بالصيحة التي أهلكتهم. وقد قيل: إن هلاك الكل كان بصيحة جبريل. والأظهر أن التسعة هلكوا بعذاب مفرد؛ ثم هلك الباقون بالصيحة والدمدمة. وكان الأعمش والحسن وابن أبي إسحاق وعاصم وحمزة والكسائي يقرؤون: {أَنَّا} بالفتح؛ وقال ابن الأنباري: فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على {عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ} لأن {أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ} خبر كان. ويجوز أن تجعلها في موضع رفع على الإتباع للعاقبة. ويجوز أن تجعلها في موضع نصب من قول الفرّاء، وخفض من قول الكسائي على معنى: بأنا دمرناهم ولأنا دمرناهم. ويجوز أن تجعلها في موضع نصب على الإتباع لموضع {كَيْفَ} فمن هذه المذاهب لا يحسن الوقف على {مَكْرِهِمْ}. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: {إِنَّا دَمَّرْنَاهُمْ} بكسر الألف على الاستئناف؛ فعلى هذا المذهب يحسن الوقف على «مَكْرِهِمْ». قال النحاس: ويجوز أن تنصب {عَاقِبَةُ} على خبر {كَانَ} ويكون {إِنَّا} في موضع رفع على أنها اسم «كان». ويجوز أن تكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ تبييناً للعاقبة؛ والتقدير: هي إنا دمرناهم؛ قال أبو حاتم: وفي حرف أُبَيّ {أَنْ دَمَّرْنَاهُمْ} تصديقاً لفتحها. قوله تعالى: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوۤاْ} قراءة العامة بالنصب على الحال عند الفرّاء والنحاس؛ أي خالية عن أهلها خراباً ليس بها ساكن. وقال الكسائي وأبو عبيدة: {خَاوِيَةً} نصب على القطع؛ مجازه؛ فتلك بيوتهم الخاوية، فلما قطع منها الألف واللام نصب على الحال؛ كقوله: {أية : وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً}تفسير : [النحل: 52]. وقرأ عيسى بن عمر ونصر بن عاصم والجحدري: بالرفع على أنها خبر عن {تِلْكَ} و{بُيُوتُهُمْ} بدل من {تِلْكَ}. ويجوز أن تكون {بُيُوتُهُمْ} عطف بيان و{خَاوِيَةٌ} خبر عن {تِلْكَ}. ويجوز أن يكون رفع {خَاوِيَةٌ} على أنها خبر ابتداء محذوف؛ أي هي خاوية، أو بدل من {بُيُوتُهُمْ} لأن النكرة تبدل من المعرفة. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَأَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بصالح {وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} الله ويخافون عذابه. قيل: آمن بصالح قدر أربعة آلاف رجل. والباقون خرج بأبدانهم ـ في قول مقاتل وغيره ـ خُرَاجٌ مثل الحمّص؛ وكان في اليوم الأوّل أحمر، ثم صار من الغد أصفر، ثم صار في الثالث أسود. وكان عقر الناقة يوم الأربعاء، وهلاكهم يوم الأحد. قال مقاتل: فقعت تلك الخراجات، وصاح جبريل بهم خلال ذلك صيحة فخمدوا، وكان ذلك ضحوة. وخرج صاح بمن آمن معه إلى حضرموت؛ فلما دخلها مات صالح؛ فسميت حضرموت. قال الضحاك: ثم بنى الأربعة الآلاف مدينة يقال لها حاضورا؛ على ما تقدّم بيانه في قصة أصحاب الرسّ.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَكَرُواْ } في ذلك {مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً } أي جازيناهم بتعجيل عقوبتهم {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَمَكَرُواْ} عزموا على بياته {ومكر الله} بهم فرماهم بصخرة فهلكوا أو أظهروا أنهم خرجوا مسافرين فاستتروا في غار ليعودوا في الليل فيقتلوه فألقى الله تعالى صخرة فسدت عليهم فم الغار {لا يَشْعُرُونَ} بمكرنا أو بالملائكة الذي أرسلوا لحفظ صالح من قومه لما دخلوا عليه ليقتلوه فرموا كل رجل منهم بحجر فقتلوهم جميعاً.
الخازن
تفسير : {ومكروا مكراً} أي غدروا غدراً حين قصدوا تبيت صالح وأهله {ومكرنا مكراً} يعني جازيناهم على مكرهم بتعجيل العذاب {وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم} يعني أهلكناهم أي التسعة قال ابن عباس: أرسل الله الملائكة تلك الليلة إلى دار صالح يحرسونه فأتت التسعة دار صالح شاهرين سلاحهم، فرمتهم الملائكة بالحجارة وهم يرون الحجارة ولا يرون الملائكة فقتلتهم وأهلك الله جميع القوم بالصيحة {وقومهم أجمعين، فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا} أي بظلمهم وكفرهم {إن في ذلك لآية} أي لعبرة {لقوم يعلمون} أي قدرتنا {وأنجينا الذين آمنوا، وكانوا يتقون} يقال إن الناجين كانوا أربعة آلاف. قوله تعالى {ولوطاً إذ قال لقومه: أتأتون الفاحشة} أي الفعلة القبيحة {وأنتم تبصرون} أي تعلمون أنها فاحشة هو من بصر القلب وقيل: معناه يبصر بعضكم بعضاً وكانوا لا يستترون عتواً منهم {أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون} فإن قلت إذا فسر تبصرون بالعلم وقد قال: بعده "قوم تجهلون" فيكون العلم جهلاً. قلت: معناه تفعلون فعل الجاهلين وتعلمون أنه فاحشة. وقيل: تجهلون العاقبة وقيل أراد بالجهل السفاهة التي كانوا عليها {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون} يعني من أدبار الرجال {فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين} أي قضينا عليها بأن جعلناها من الباقين في العذاب {وأمطرنا عليهم مطراً} أي الحجارة {فساء} أي فبئس {مطر المنذرين} قوله عز وجل {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى} هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحمد الله على هلاك كفار الأمم الخالية، وقيل: يحمده على جميع نعمه وسلام على عباده الذين اصطفى يعني الأنبياء والمرسلين وقال ابن عباس: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: هم كل المؤمنين من السابقين واللاحقين {الله خير أما يشركون} فيه تبكيت للمشركين وإلزام الحجة عليهم بعد هلاك الكفار. والمعنى آلله خير لمن عبده أم الأصنام لمن عبدها فإن الله خير لمن عبده وآمن به لإغنائه عنه من الهلاك والأصنام، لم تغن شيئاً عن عابديها عند نزول العذاب، ولهذا السبب ذكر أنواعاً تدل على وحدانيته وكمال قدرته. فالنوع الأول قوله تعالى: {أمن خلق السموات والأرض} ذكر أعظم الأشياء المشاهدة الدالة على عظيم قدرته. والمعنى الأصنام خير أم الذي خلق السموات والأرض ثم ذكر نعمه فقال {وأنزل لكم من السماء ماء} يعني المطر {فأنبتنا به حدائق} أي بساتين جمع حديقة، وهو البستان المحيط عليه فإن لم يكن عليه حائط فليس بحديقة {ذات بهجة} أي ذات منظر حسن والبهجة الحسن يبتهج به من يراه {ما كان لكم أن تنبتوا شجرها} يعني ما ينبغي لكم، لأنكم لا تقدرون على ذلك لأن الإنسان قد يقول: أنا المنبت للشجرة بأن أغرسها وأسقيها الماء فأزال هذه الشبهة بقوله {ما كان لكم أن تنبتوا شجرها} لأن إنبات الحدائق المختلفة الأصناف، والطعوم والروائح المختلفة والزروع تسقى بماء واحد، لا يقدر عليه إلا الله تعالى؛ ولا يتأتى لأحد وإن تأتى ذلك لغيره محال {أإله مع الله} يعني هل معه معبود أعانه على صنعه {بل} يعني ليس معه إله ولا شريك {هم قوم} يعني كفار مكة {يعدلون} يشركون وقيل يعدلون عن هذا الحق الظاهر إلى الباطل. النوع الثاني قوله عز وجل {أمن جعل الأرض قراراً} أي دحاها وسواها للاستقرار عليها، وقيل لا تميد بأهلها {وجعل خلالها أنهاراً} أي وسطها بأنهار تطرد بالمياه {وجعل لها رواسي} أي جبالاً ثوابت {وجعل بين البحرين} يعني العذاب والملح {حاجزاً} أي مانعاً لا يختلط أحدهما بالآخر {أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون} أي توحيد ربهم وقدرته وسلطانه. النوع الثالث قوله تعالى {أمن يجيب المضطر} أي المكروب المجهود، وقيل: المضرور بالحاجة المحوجة من مرض أو نازلة من نوازل الدهر يعني إذا نزلت بأحد بادر إلى الالتجاء والتضرع إلى الله تعالى وقيل: هو المذنب إذا استغفر {إذا دعاه} يعني فيكشف ضره {ويكشف السوء} أي الضر لأنه لا يقدر على تغيير حال من فقر إلى غنى، ومن مرض إلى صحة ومن ضيق إلى سعة إلا القادر، الذي لا يعجز والقاهر الذي لا يغلب ولا ينازع {ويجعلكم خلفاء الأرض} أي سكانها، وذلك أنه ورثهم سكانها والتصرف فيها قرناً بعد قرن وقيل يجعل أولادكم خلفاء لكم وقيل: جعلكم خلفاء الجن في الأرض {أإله مع الله قليلاً ما تذكرون} أي تتعظون. النوع الرابع قوله عز وجل {أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر} أي يهديكم بالنجوم والعلامات إذا جن عليكم الليل مسافرين في البر والبحر {ومن يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته} أي قدام المطر {أإله مع الله تعالى عما يشركون}
البقاعي
تفسير : ولما كان هذا منهم عمل من لا يظن أن الله عالم به، قال تعالى محذراً أمثالهم عن أمثال ذلك: {ومكروا مكراً} أي ستروا ستراً عظيماً أرادوا به الشر بهذه المساومة على المقاسمة، فكان مكرهم الذي اجتهدوا في ستره لدينا مكشوفاً وفي حضرتنا معروفاً وموصوفاً، فشعرنا بل علمنا به فأبطلناه {ومكرنا مكراً} أي وجزينانهم على فعلهم بما لنا من العظمة شيئاً هو المكر في الحقيقة فإنه لا يعلمه أحد من الخليقة، ولذلك قال: {وهم} أي مع اعتنائهم بالفحص عن الأمور. والتحرز من عظائم المقدور {لا يشعرون*} أي لا يتجدد لهم شعور بما قدرناه عليهم بوجه ما، فكيف بغيرهم، وذلك أنا جعلنا تدميرهم في تدبيرهم، فلم يقدروا على إبطاله، فأدخلناهم في خبر كان، لم يفلت منهم إنسان، وأهلكنا جميع الكفرة من قومهم في أماكنهم مساكنهم أو غير مساكنهم، وأما مكرهم فكانوا على اجتهادهم في إتقانه وإحكام شأنه، قد جوزوا فيه سلامة بعض من يقصدونه بالإهلاك، فشتان بين المكرين، وهيهات هيهات لما بين الأمرين، وقد ظهر أن الآية إما احتباك أو شبيهة به: عدم الشعور دال على حذف عدم الإبطال من الثاني، وعلى حذف الشعور والإبطال الذي هو نتيجته من الأول. ولما علم من هذا الإبهام تهويل الأمر، سبب عنه سبحانه زيادة في تهويله قوله: {فانظر} وزاده عظمة بالإشارة بأداة الاستفهام إلى أنه أهل لأن يسأل عنه فقال: {كيف كان عاقبة مكرهم} فإن ذلك سنتنا في أمثالهم، ثم استأنف لزيادة التهويل قوله بياناً لما أبهم: {إنا} أي بما لنا من العظمة، ومن فتح فهو عنده بدل من {عاقبة} {دمرناهم} أي أهلكناهم، أي التسعة المتقاسمين، بعظمتنا التي لا مثل لها {وقومهم أجمعين*} لم يفلت منهم مخبر، ولا كان في ذلك تفاوت بين مقبل ومدبر، وأين يذهب أحد منهم أو من غيرهم من قبضتنا أو يفر من مملكتنا. ولما كانت يتسبب عن دمارهم زيادة الهول والعرب بالإشارة إلى ديارهم، لاستحضار أحوالهم، واستعظامهم بعظيم أعمالهم، قال: {فتلك} أي المبعدة بالغضب على أهلها {بيوتهم} أي ثمود كلهم {خاوية} أي خالية، متهدمة بالية، مع شدة أركانها، وإحكام بنيانها، فسبحان الفعال لما يريد، القادر على الضعيف كقدرته على الشديد.. ولم ذكر الهلاك، أتبعه سببه في قوله: {بما ظلموا} أي أوقعوا من الأمور في غير مواقعها فعل الماشي في الظلام، كما عبدوا من الأوثان، ما يستحق الهوان، ولا يستحق شيئاً من التعظيم بوجه، معرضين عمن لا عظيم عندهم غيره عند الإقسام، والشدائد والاهتمام، وخراب البيوت - كما قال أبو حيان - وخلوّها من أهلها حتى لا يبقى منهم أحد مما يعاقب به الظلمة. ثم زاد في التهويل بقوله: {إن في ذلك} أي الأمر الباهر للعقول الذي فعل بثمود {لآية} أي عظيمة، ولكنها {لقوم يعلمون*} أي لهم علم. وأما من لا ينتفع بها نادى على نفسه بأنه في عداد البهائم. ولما كان ذلك ربما أوهم أن الهلاك عم الفريقين قال: {وأنجينا} بعظمتنا {الذين آمنوا} أو وهم الفريق الذين كانوا مع صالح عليه السلام كلهم {وكانوا يتقون*} أي متصفين بالتقوى اتصافاً كأنهم مجبولون عليه، فيجعلون بينهم وبين ما يسخط ربهم وقايه من الأعمال الصالحة، والمتاجر الرابحة. وكذلك نفعل بكل من فعل فعلهم، قيل: كانوا أربعة آلاف، ذهب بهم صالح عليه السلام إلى حضرموت، فلما دخلوها مات صالح عليه السلام، فسميت بذلك. ولما فرغ من قصة القريب الذي دعا قومه فإذا هم قسمان، بعد الغريب الذي لم يختلف عليه ممن دعاهم اثنان، اتبعها بغريب لم يتبعه ممن دعاهم إنسان، فقال دالاً على أنه له سبحانه الاختيار، فتارة يجري الأمور على القياس، وأخرى على خلاف الأساس، الذي تقتضيه عقول الناس، فقال: {ولوطاً} أي ولقد أرسلناه؛ وأشار إلى سرعة إبلاغه بقوله: {إذ} أي حين {قال لقومه} أي الذين كان سكن فيهم لما فارق عمه إبراهيم الخليل عليه السلام وصاهرهم، وكانوا يأتون الأحداث، منكراً موبخاً: {أتأتون} ولما كان للإبهام ثم التعيين من هز النفس وترويعها ما ليس للتعيين من أول الأمر قال: {الفاحشة} أي الفعلة المتناهية في القبح {وأنتم تبصرون*} أي لكم عقول تعرفون بها المحاسن والمقابح، وربما كان بعضهم يفعله بحضرة بعض كما قال {أية : وتأتون في ناديكم المنكر} تفسير : [العنكبوت: 29] فيكون حينئذ من البصر والبصيرة؛ ثم أتبع هذا الأنكار إنكاراً آخر لمضمون جملة مؤكدة أتم التأكيد، إشارة إلى أن فعلتهم هذه مما يعي الواصف، ولا يبلغ كنه قبحها ولا يصدق ذو عقل أن أحداً يفعلها، فقال معيناً لما أبهم: {أئنكم لتأتون} وقال: {الرجال} تنبيهاً على بعدهم عما يأتونه إليهم، ثم علله بقوله: {شهوة} إنزالاً لهم إلى رتبة البهائم التي ليس فيها قصد ولد ولا عفاف؛ وقال: {من دون} أي إتياناً مبتدئاً من غير، أو أدنى رتبة من رتبة {النساء} إشارة إلى أنهم أساؤوا من الطرفين في الفعل والترك. ولما كان قوله: {شهوة} ربما أوهم أنهم لا غنى بهم عن إتيانهم للشهوة الغالبة لكن النساء لا تكفيهم، لذلك نفى هذا بقوله: {بل} أي إنكم لا تأتونهم لشهوة محوجة بل {أنتم قوم} ولما كان مقصود السورة إظهار العلم والحكمة، وكانوا قد خالفوا ذلك إما بالفعل وإما لكونهم يفعلون من الإسراف وغيره عمل الجهلة، قال: {تجهلون*} أي تفعلون ذلك إظهاراً للتزين بالشهوات فعل المبالغين في الجهل الذين ليس لهم نوع علم في التجاهر بالقبائح خبثاً وتغليباً لأخلاق البهائم، مع ما رزقكم الله من العقول التي أهملتموها حتى غلبت عليها الشهوة، وأشار إلى تغاليهم في الجهل وافتخارهم به بما سببوا عن ذلك بقوله: {فما كان جواب قومه} أي لهذا الكلام الحسن لما لم يكن لهم حجة في دفعه بل ولا شبهة {إلا أن} صدقوه في نسبته لهم إلى الجهل بأن {قالوا} عدولاً إلى المغالبة وتمادياً في الخبث {أخرجوا آل لوط} فأظهر ما أضمره في الأعراف لأن الإظهار أليق بسورة العلم والحكمة وإظهار الخبء، وقالوا؛ {من قريتكم} مناً عليه بإسكانه عندهم؛ وعللوا ذلك بقولهم: {إنهم} ولعلهم عبروا بقولهم: {أناس} مع صحة المعنى بدونه تهكماً عليه لما فهموا من أنه أنزلهم إلى رتبة البهائم {يتطهرون*} أي يعدون أفعالنا نجسة ويتنزهون عنها. فلما وصلوا في الخبث إلى هذا الحد، سبب سبحانه عن قولهم وفعلهم قوله: {فأنجيناه وأهله} أي كلهم، أي من أن يصلوا إليه بأذى أو يلحقه شيء من عذابنا {إلا امرأته} فكأنه قيل: فما كان من أمرها؟ فقيل: {قدرناها} أي جعلناها بعظمتنا وقدرتنا في الحكم وإن كانت خرجت معه {من الغابرين*} أي الباقين في القرية في لحوق وجوههم والداهية الدهياء أنفسهم وديارهم حتى كانوا كأمس الدابر {وأمطرنا} وأشار إلى أنه إمطار عذاب بالحجارة مع تعديته بالهمزة وهو معدى بدونها فصارت كأنها لإزالة الإغاثة بالإتيان بضدها بقوله: {عليهم} وأشار إلى سوء الأثر لاستلزامه سوء الفعل الذي نشأ عنه وغرابته بقوله: {مطراً} أي وأيّ مطر؛ ولذلك سبب عنه قوله: {فساء مطر المنذرين*} أي الذين وقع إنذارنا لهم الإنذار الذي هو الإنذار.
ابو السعود
تفسير : {وَمَكَرُواْ مَكْراً} بهذهِ المواضعةِ {وَمَكَرْنَا مَكْراً} أي أهلكَناهم إهلاكاً غيرَ معهودٍ {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أو جازيناهم مكَرهم من حيثُ لا يحتسبونَ. {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ مَكْرِهِمْ} شروعٌ في بـيانِ ما ترتَّبَ على ما باشرُوه من المكرِ، وكيفَ معلقةٌ لفعلِ النظرِ. ومحلُّ الجملةِ النصبُ بنزعِ الخافضِ أي فتفكر في أنَّه كيفَ كانَ عاقبةُ مكرِهم. وقولُه تعالى: {أَنَّا دَمَّرْنَـٰهُمْ}. إما بدلٌ من عاقبةُ مكرِهم على أنَّه فاعلُ كان وهي تامَّة وكيفَ حالٌ أي فانظُرْ كيفَ حصلَ أي على أيِّ وجهٍ حدثَ تدميرُنا إيَّاهُم. وإمَّا خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ. والجملةُ مبنيةٌ لما في عاقبةُ مكرِهم من الإبهامِ أي هي تدميرُنا إيَّاهم {وَقَوْمَهُمْ} الذين لم يكونُوا معُهم في مباشرةِ التبـييتِ. {أَجْمَعِينَ} بحيثُ لم يشذَّ منُهم شاذٌّ. وإما تعليلٌ لما ينبـىءُ عنه الأمرُ بالنَّظرِ في كيفيةِ عاقبةِ مكرِهم من غايةِ الهولِ والفظاعةِ بحذفِ الجارِّ أي لأنَّا دمَّرناهم الخ وقيلَ كانَ ناقصةٌ اسمُها عاقبةُ مكرِهم خبرُها كيفَ كانَ فالأوجُه حينئذٍ أنْ يكونَ قولُه تعالى: أنَّا دمَّرناهم الخ تعليلاً لما ذكِر. وقُرىء إنَّا دمَّرناهم الخ بالكسرِ على الاستئنافِ. رُوي أنَّه كانَ لصالحٍ عليه السَّلام مسجدٌ في الحجر في شعبٍ يصلِّي فيهِ، فقالُوا زعمَ صالحٌ أنَّه يفرغُ منَّا إلى ثلاثٍ فنحنُ نفرغُ منه ومن أهلهِ قبل الثَّلاثِ فخرجُوا إلى الشِّعبِ، وقالُوا إذَا جاءَ يُصَلِّي قتلناهُ ثمَّ رجعنَا إلى أهلِه فقتلناهُم فبعثَ الله تعالى صخرةً من الهضبِ حيالَهم فبادرُوا فطبقتِ الصَّخرةُ عليهم فم الشِّعبِ فلم يدرِ قومُهم أينَ هُم ولم يدروا ما فُعل بقومِهم وعذَّب الله تعالى كلاً منهم في مكانِه ونجَّى صالحاً ومَن معه. وقيلَ جاءُوا بالليلِ شاهرِي سيوفِهم وقد أرسلَ الله تعالى الملائكةَ ملءَ دارِ صالحِ فدمغُوهم بالحجارةِ يرون الحجارةَ ولا يَرون رامياً. {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ} جملةً مقررةٌ لما قبلها. وقولُه تعالى: {خَاوِيَةٍ} أي خاليةً أو ساقطةً متهدمةً {بِمَا ظَلَمُواْ} أي بسببِ ظلمِهم المذكورِ، حالٌ من بـيوتُهم والعاملُ معنى الإشارةِ. وقُرىء خاويةٌ بالرَّفعِ على أنَّه خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ {إِنَّ فِى ذَلِكَ} أي فيَما ذُكر من التَّدميرِ العجيبِ بظلِمهم {لآيَةً} لعبرةً عظيمةً {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي ما من شأنِه أنْ يُعلم من الأشياءِ أو لقومٍ يتصفونَ بالعلم {وَأَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} صالحاً ومَن معه من المؤمنينَ. {وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} أي الكفَر والمعاصي اتقاءً مستمراً فلذلك خُصُّوا بالنَّجاةِ. {وَلُوطاً} منصوبٌ بمضمرٍ معطوفٍ على أرسلنا في صدرِ قصَّة صالحٍ داخلٌ معه في حيِّز القسمِ أي وأرسلنا لوطاً. وقوله تعالى: {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} ظرفٌ للإرسالِ على أنَّ المرادَ به أمرٌ ممتدٌ وقعَ فيه الإرسالُ وما جرى بـينَه وبـينَ قومِه من الأقوالِ والأحوالِ. وقيل: انتصابُ لوطاً بإضمارِ اذكُر، وإذْ بدلٌ منه، وقيل: بالعطفِ على الذين آمنُوا أي وأنجينا لوطاً وهو بعيدٌ {أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ} أي الفعلةَ المتناهيةَ في القبحِ والسَّماجةِ. وقولُه تعالى: {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} جملةٌ حاليةٌ من فاعلِ تأتُون مفيدةٌ لتأكيدِ الإنكارِ وتشديدِ التَّوبـيخِ، فإنَّ تعاطيَ القبـيحِ من العِالمِ بقُبحه أقبحُ وأشنعُ. وتُبصرون من بصرِ القلبِ أي أتفعلونَها والحال أنَّكم تعلمون علماً يقينياً بكونِها كذلك وقيل: يبصرُها بعضُكم من بعضٍ لما كانُوا يُعلنون بَها.
السلمي
تفسير : قال الصادق: مكر الله أخفى من دبيب النمل على صخرة سوداء فى ليلة ظلماء. قال النووى: المعصية لا تخلو من الخذلان، والطاعة لا تخلوا من المكر. قال الشبلى: اخترنا طريقة التصوف ليكون سلامة من مكر الله فإذا كله مكر. قال النووى: المكر لا يفهمه إلا الواصلون وأما المريد فإنه لا يعرف ذلك لأنه فى حرقة. قال ابن عطاء رحمه الله: ما كان منه فى القرب فهو مكرٌ، وما كان منه فى البعد فهو حجاب. قال الشبلى: المكر يعمُ الظاهر، والاستدراج يعم الباطن. قال الجنيد رحمة الله عليه: المكر هو المشى على الماء والمشى فى الهواء وصدق الوهم وصحة الإشارة فى كل هذا مكر لمن علم. قال الثورى: لولا المكر ما طاب عيش الأولياء.
البقلي
تفسير : حقيقة المكر امتناع سر الازلية عن مطالعة الخليقة فاذا كان كذلك من ينجو من مكره والحدث لا يطلع على سوابق علمه فى القدم فمكره وقهره صفتان من صفاته لا يفارقان من ذاته ابد قدر امر العارف قبل وجود العارف ولا يعرفه منه الا ما اراد منه فكلما بقى عنه مستورا وهو لا يعرف شانه حتى وقع عليه فهو مكر ومن يخلو عن مكره نفسا وان قهره مباشر وجوده بنعت الاحاطة وحقايقه مندرجة تحت غيوب خواطر القلوب وهى اخفى من دبيب النمل ولا يعرفها الا المرادون الواصلون المحفوظون برعاية الازل والابد قال الصادق مكر الله اخفى من دبيب النمل على صخرة سوداء فى ظلمة ظلماء قال النور المعصية لا تخلوا من الخذلان والطاعة لا تخلوا من المكر وقال الشبلى اخترنا طريقة التصرف سلامة من مكر الله فاذا كله مكر وقال النورى المكر لا يعرفه الا الواصلون فاما المريد فانه لا يعلم ذلك لانه فى حرقة قال ابن عطا ما كان منه فى القرب فهو مكر وما كان منه فى البعد فهو حجاب وقال الشبلى المكر نعم الظاهر والاستدراج نعم الباطن وقال الجنيد المكر هم المشى على الماء والمشى فى الهواء وصدق الوهم وصحة الاشارة واجابة الدعاء فى كل هذا مكر لمن علم وقال النورى لولا المكر لما طاب عيش الاولياء وقال بعضهم فى طريق الله الف قاطع من قطاع الطريق والف خادع وما كرمو كل بالمريد السالك ولكل موكل غدر ومكر وخداع خلاف الأخرة فاذا حاك السالك غدر الموكل معه بشئ يعطيه يمنعه عن قصده وارادته ويحجبه عن مولاه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومكروا مكرا} بهذه المواضعة. والمكر صرف الغير عما يقصده بحيلة {ومكرنا مكرا} اى جعلنا هذه المواضعة سببا لاهلاكهم {وهم لايشعرون} بذلك شعر : هر آنكه تخم بدى كشت وجشم نيكى داشت دماغ بيهده بخت وخيال باطل بست
اطفيش
تفسير : {وَمَكَرُوا مَكْراً} اخفوا تدبير الفتك بصالح وأهله بعد ناقته. {وَمَكَرْنَا مَكْراً} أي جازيناهم على مكرهم بتعجيل العذاب من حيث لا يشعرون كما قال. {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} بذلك أو لما كان مكرهم سببا للعذاب الذي جوزوا به سماه مكرا او لمجاورة لفظ المكر.
اطفيش
تفسير : {وَمَكروا مَكْراً} اعتقدوا مكراً، وهو ذلك الكيد، ولم يقدروا عليه {ومَكَرْنا مَكراً} جازيناهم على مكرهم، أو فعلنا ما يشبه المكر، وحققناه وهو مكر عظيم غير معهود، ونكر لذلك {وهم لا يشعرون} كيف مكرنا ولا شدته، ولا من حيث يجىء.
الالوسي
تفسير : {وَمَكَرُواْ مَكْراً } بهذه المواضعة {وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ يَشْعُرُونَ } أي أهلكناهم إهلاكاً غير معهود أو جازينا مكرهم من حيث لا يحتسبون.
ابن عاشور
تفسير : سمَّى الله تآمرهم مكراً لأنه كان تدبير ضُرّ في خفاءٍ. وأكد مكرهم بالمفعول المطلق للدلالة على قوته في جنس المكر، وتنوينه للتعظيم. والمكر الذي أسند إلى اسم الجلالة مكر مجازي. استعير لفظ المكر لمبادرة الله إياهم باستئصالهم قبل أن يتمكنوا من تبييت صالح وأهله، وتأخيره استئصالهم إلى الوقت الذي تآمروا فيه على قتل صالح لشَبَه فِعللِ الله ذلك بفعل الماكر في تأجيل فعل إلى وقت الحاجة، مع عدم إشعار من يُفعل به. وأُكد مكر الله وعُظّم كما أكد مكرهم وعُظّم، وذلك بما يناسب جنسه، فإن عذاب الله لا يدانيه عذاب الناس فعظيمه أعظم من كل ما يقدره الناس. والمراد بالمكر المسند إلى الجلالة هو ما دلت عليه جملة: {إنا دمرناهم وقومهم أجمعين} الآية. وفي قوله: {وهم لا يشعرون} تأكيد لاستعارة المكر لتقدير الاستئصال فليس في ذلك ترشيحٌ للاستعارة ولا تجريد. والخطاب في قوله: {فانظر} للنبي صلى الله عليه وسلم واقترانه بفاء التفريع إيماء إلى أن الاعتبار بمكر الله بهم هو المقصود من سَوْق القصة تعريضاً بأن عاقبة أمره مع قريش أن يكفّ عنه كيدَهم وينصره عليهم، وفي ذلك تسلية له على ما يلاقيه من قومه. والنظر: نظر قلبي، وقد علق عن المفعولين بالاستفهام. وقرأ الجمهور: {إنا دمرناهم} بكسر الهمزة فتكون الجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لما يثيره الاستفهام في قوله: {كيف كان عاقبة مكرهم} من سؤال عن هذه الكيفية. والتأكيد للاهتمام بالخبر. وقرأه عاصم والكسائي ويعقوب وخلف بفتح الهمزة فيكون المصدر بدلاً من {عاقبة}. والتأكيد أيضاً للاهتمام. وضمير الغيبة في {دمرناهم} للرهط. وعطف قومهم عليهم لموافقة الجزاء للمجزيّ عليه لأنهم مكروا بصالح وأهلِه فدمّرهم الله وقومهم. والتدمير: الإهلاك الشديد، وتقدم غير مرة منها في سورة الشعراء. والقصة تقدمت. وتقدم إنجاء صالح والذين آمنوا معه وذلك أن الله أوحى إليه أن يخرج ومن معه إلى أرض فلسطين حين أنذر قومه بتمتع ثلاثة أيام. وتفريع قوله: {فتلك بيوتهم خاوية} على جملة: {دمرناهم} لتفريع الإخبار. والإشارة منصرفة إلى معلوم غير مشاهد لأن تحققه يقوم مقام حضوره فإن ديار ثمود معلومة لجميع قريش وهي في طريقهم في ممرّهم إلى الشام. وانتصب {خاوية} على الحال. وعاملها ما في اسم الإشارة من معنى الفعل كقوله تعالى: {أية : وهذا بعْلِي شيخاً} تفسير : وقد تقدم في سورة هود (72). والخاوية: الخالية، ومصدره الخَواء، أي فالبيوت باق بعضها في الجبال لا ساكن بها. والباء في بما ظلموا} للسببية، و(ما) مصدرية، أي كان خَواؤها بسبب ظلمهم. والظلم: الشرك وتكذيب رسولهم، فذلك ظلم في جانب الله لأنه اعتداء على حق وحدانيته، وظلم للرسول بتكذيبه وهو الصادق. ولما خص الله عملهم بوصف الظلم من بين عدة أحوال يشتمل عليها كفرهم كالفساد كان ذلك إشارة إلى أن للظلم أثراً في خراب بلادهم. وهذا معنى ما روي عن ابن عباس أنه قال: أجد في كتاب الله أن الظلم يخرّب البيوت وتلا: {فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا}. وهذا من أسلوب أخذ كل ما يُحتمل من معاني الكلام في القرآن كما ذكرناه في المقدمة التاسعة من مقدمات هذا التفسير. ونزيده هنا ما لم يسبق لنا في نظائره، وهو أن الحقائق العقلية لما كان قوام ماهياتها حاصلاً في الوجود الذهني كان بين كثير منها انتساب وتقارب يُردّ بعضها إلى بعض باختلاف الاعتبار. فالشرك مثلاً حقيقة معروفة يكون بها جنساً عقلياً وهو بالنظر إلى ما يبعث عليه وما ينشأ عنه ينتسب إلى حقائق أخرى مثل الظلم، أي الاعتداء على الناس بأخذ حقوقهم فإنه من أسبابه، ومثل الفسق فإنه من آثاره، وكذلك التكذيب فإنه من آثاره أيضاً: {أية : وذرني والمكذبين}تفسير : [المزمل: 11]، ومثل الكبر ومثل الإسراف فإنهما من آثاره أيضاً. فمن أساليب القرآن أن يعبر عن الشرك بألفاظ هذه الحقائق للإشارة إلى أنه جامع عدة فظائع، وللتنبيه على انتسابه إلى هذه الأجناس، وليعلم المؤمنون فساد هذه الحقائق من حيث هي فيعبر عنه هنا بالظلم وهو كثير ليعلم السامع أن جنس الظلم قبيح مذموم، ناهيك أن الشرك من أنواعه. وكذلك قوله: {أية : إن الله لا يهدي من هو مُسرف كذّاب}تفسير : [غافر: 28] أي هو متأصل في الشرك وإلا فإن الله هدى كثيراً من المسرفين والكاذبين بالتوبة، ومن قوله: {أية : أليس في جهنم مثوى للمتكبرين}تفسير : [الزمر: 60] ونحو ذلك. وجملة: {إن في ذلك لآية} معترضة بين الجمل المتعاطفة. والإشارة إلى ما ذكر من عاقبة مكرهم. والآية: الدليل على انتصار الله لرسله. واللام في {لقوم يعلمون} لام التعليل يعني آية لأجلهم، أي لأجل إيمانهم. وفيه تعريض بأن المشركين الذين سبقت إليهم هذه الموعظة إن لم يتعظوا بها فهم قوم لا يعلمون. وفي ذكر كلمة (قوم) إيماء إلى أن من يعتبر بهذه الآية متمكن في العقل حتى كان العقل من صفته القومية، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : لآيات لقوم يعقلون} تفسير : في سورة البقرة (164). وفي تأخير جملة: وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون} عن جملة: {إن في ذلك لآية لقوم يعلمون} طمأنة لقلوب المؤمنين بأن الله ينجيهم مما توعد به المشركين كما نجى الذين آمنوا وكانوا يتّقون من ثمود وهم صالح ومن آمن معه. وقيل: كان الذين آمنوا مع صالح أربعة آلاف، فلما أراد الله إهلاك ثمود أوحى الله إلى صالح أن يخرج هو ومن معه فخرجوا ونزلوا في موضع الرسّ فكان أصحاب الرسّ من ذرياتهم. وقيل: نزلوا شاطىء اليمن وبنوا مدينة حَضرموت. وفي بعض الروايات أن صالحاً نزل بفلسطين. وكلها أخبار غير موثوق بها. وزيادة فعل الكون في {وكانوا يتقون} للدلالة على أنهم متمكّنون من التقوى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ومكروا مكراً: أي دبروا طريقة خفية لقتل صالح والمؤمنين. ومكرنا مكراً: أي ودبرنا طريقة خفية لنجاة صالح والمؤمنين وإهلاك الظالمين. وهم لا يشعرون: بأنا ندبر لهم طريق هلاكهم. بيوتهم خاوية: أي فارغة ليس فيها أحد. بما ظلموا: أي بسبب ظلمهم وهو الشرك والمعاصي. لآية: أي عبرة. وأنجينا الذين آمنوا: أي صالحاً والمؤمنين. معنى الآيات: قوله تعالى {وَمَكَرُواْ مَكْراً} هذا نهاية قصص صالح مع ثمود تقدم أن تسعة رهط من قوم صالح تقاسموا على تبييت صالح والمؤمنين وقتلهم ليلاً ليحولوا في نظرهم دون وقوع العذاب الذي واعدهم به صالح وأنه نازل بهم بعد ثلاثة أيام، وهذا مكرهم وطريقة تنفيذه أنهم أتوا صالحاً وهو يصلي في مسجد له تحت الجبل فسقطت عليهم صخرة من الجبل فأهلكتهم أجمعين وهكذا مكر الله بهم وهم لا يشعرون به، ثم أهلك الله القوم كلهم بالصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين. وهو معنى قوله {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ} أي انظر يا رسولنا كيف كانت نهاية ذلك المكر وعاقبته {أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوۤاْ} أي بسبب ظلمهم أنفسهم بالشرك وظلمهم صالحاً والمؤمنين. وقوله تعالى {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} أي الإِهلاك للرهط التسعة ولثمود قاطبة {لآيَةً} أي علامة على قدرة الله وعلمه وحسن تدبيره {لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} إذ هم الذين يرون الآية ويدركونها. وقوله تعالى: {وَأَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} يريد صالحاً والمؤمنين الذين آمنوا بالله رباً وإلهاً وبصالح نبياً ورسولاً. وكانوا طوال حياتهم يتقون عقاب الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله في الأمر والنهي. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير قاعدة: {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ}تفسير : [فاطر: 43]. 2- تقرير أن ديار الظالمين مآلها الخراب فالظلم يذر الديار بلا قع. 3- تقرير أن الإِيمان والتقوى هما سبب النجاة لأن ولاية الله للعبد تتم بِهِما.
د. أسعد حومد
تفسير : (50) - وَيَقُولُ اللهُ تَعالى إِنَّهُمْ دَبَّرُوا أمْراً لإِهْلاكِ نَبِيِّ اللهِ صَالحٍ، فَدَبَّرَ اللهُ تَدْبِيراً خَفِيّاً مُحْكَماً أبْطَلَ مَكْرَهُمْ وَتَدْبِيرَهُمْ، وأهْلَكَهُمْ قَبْلَ أن يَصِلُوا إلى صَالِحٍ وأَهلِهِ بأَذىً، وهُم لا يَشْعُرون بأنَّ عينَ اللهِ سَاهِرةٌ تَرْعَى نَبِيَّهُ صَالحاً والمؤمنينَ، وتعرفُ ما يُدَبِّرُهُ هؤلاءِ المُفْسِدُون. مَكَرَ - دَبَّرَ تَدْبِيراً خَفِيّاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : معنى {وَمَكَرُواْ مَكْراً ..} [النمل: 50] أي: ما دبّروه لقتل نبي الله ورسوله إليهم {وَمَكَرْنَا مَكْراً ..} [النمل: 50] وفَرْق بين مكر الله عز وجل {أية : وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ}تفسير : [آل عمران: 54] وبين مكْر الكافرين {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ ..}تفسير : [فاطر: 43]. إذن: حين تمكر بخير، فلا يُعَدُّ مكْراً، إنما إبطال لمكْر العدو، فلا يجوز لك أنْ تتركه يُدبِّر لك ويمكُر بك، وأنت لا تتحرك؛ لذلك قال تعالى {أية : وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ}تفسير : [الأنفال: 30] لأنهم يمكرون بشرٍّ، ونحن نمكر لدفع هذا الشر لِنُصْرة رسولنا، ونجاته من تدبيركم. والمكْر: مأخوذ من قولهم: شجرة ممكورة، وهذا في الشجر رفيع السَّاق المتسلق حين تلتفُّ سيقانه وأغصانه، بعضها على بعض، فلا تستطيع أن تُميِّزها من بعضها، فكُلٌّ منها ممكور في الآخر مستتر فيه، وكذلك المكر أن تصنع شيئاً تداريه عن الخصم. وقوله تعالى: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [النمل: 50] أي: أنه مكْر محبوك ومحكم، بحيث لا يدري به الممكور به، وإلا لا يكون مَكْراً. وحين نتأمل: {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ ..}تفسير : [فاطر: 43] و{أية : وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ}تفسير : [آل عمران: 54] نعلم أن المكر لا يُمدح ولا يُذَمُّ لذاته، إنما بالغاية من ورائه، كما في قوله تعالى عن الظن: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ ..}تفسير : [الحجرات: 12] فالظن منه الخيِّر ومنه السيىء. ونسمع الآن تعبيراً جديداً يعبر عما يدور في المجتمع من انتشار المكر وسوء الظن، يقولون: الصراحة مكر القرن العشرين، فالذي يمكر بالناس يظن أنهم جميعاً ماكرون فلا يصدق كلامهم، ويحتاط له حتى إنْ كان صدقاً، فأصبح المكر وسوء الظن هو القاعدة، فإنْ صارحتَ الماكر لا يُصدقك ويقول في نفسه: إنه يُعمى عليَّ أو يُضلِّلني.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):