Verse. 3213 (AR)

٢٧ - ٱلنَّمْل

27 - An-Naml (AR)

وَلُوْطًا اِذْ قَالَ لِقَوْمِہٖۗ اَتَاْتُوْنَ الْفَاحِشَۃَ وَاَنْتُمْ تُبْصِرُوْنَ۝۵۴
Walootan ith qala liqawmihi atatoona alfahishata waantum tubsiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولوطاً» منصوب باذكر مقدراً قبله ويبدل منه «إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة» أي اللواط «وأنتم تبصرون» أي يبصر بعضكم بعضا انهماكاً في المعصية.

54

Tafseer

الرازي

تفسير : القصة الرابعة ـ قصة لوط عليه السلام قال صاحب «الكشاف»، واذكر لوطاً أو أرسلنا لوطاً بدلالة { أية : وَلَقَدْ أَرْسَلنَا } تفسير : [النمل: 45] عليه، و(إذ) بدل على الأول ظرف على الثاني. أما قوله: {أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ } فهو على وجه التنكير وإن كان بلفظ الاستفهام وربما كان التوبيخ بمثل هذا اللفظ أبلغ. أما قوله: {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ } ففيه وجوه: أحدها: أنهم كانوا لا يتحاشون من إظهار ذلك على وجه الخلاعة ولا يتكاتمون وذلك أحد ما لأجله عظم ذلك الفعل منهم فذكر في توبيخه لهم ماله عظم ذلك الفعل وثانيها: أن المراد بصر القلب أي تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا إليها وأن الله تعالى لم يخلق الذكر للذكر فهي مضادة لله في حكمته وثالثها: تبصرون آثار العصاة قبلكم وما نزل بهم، فإن قلت فسرت (تبصرون) بالعلم وبعده {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } فكيف يكونون علماء وجهلاء؟ قلت أراد تفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة مع علمكم بذلك أو تجهلون العاقبة أو أراد بالجهل السفاهة والمجانة التي كانوا عليها، ثم إنه تعالى بين جهلهم بأن حكى عنهم أنهم أجابوا عن هذا الكلام بما لا يصلح أن يكون جواباً له فقال: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُواْ ءالَ لُوطٍ مّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } فجعلوا الذي لأجله يخرجون أنهم يتطهرون من هذا الصنيع الفاحش وهذا يوجب تنعيمهم وتعظيمهم أولى لكن في المفسرين من قال: إنما قالوا ذلك على وجه الهزء، ثم بين تعالى أنه نجاه وأهله إلا امرأته وأهلك الباقين وقد تقدم كل ذلك مشروحاً، والله أعلم، وههنا آخر القصص في هذه السورة، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} أي وأرسلنا لوطاً، أو اذكر لوطاً. {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} وهم أهل سدوم. وقال لقومه: {أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ} الفعلة القبيحة الشنيعة. {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} أنها فاحشة، وذلك أعظم لذنوبكم. وقيل: يأتي بعضكم بعضاً وأنتم تنظرون إليه. وكانوا لا يستترون عتوّاً منهم وتمرّداً. {أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ} أعاد ذكرها لفرط قبحها وشنعتها. {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} إما أمر التحريم أو العقوبة. واختيار الخليل وسيبويه تخفيف الهمزة الثانية من {أَئِنَّكُمْ} فأما الخط فالسبيل فيه أن يكتب بألفين على الوجوه كلها؛ لأنها همزة مبتدأة دخلت عليها ألف الاستفهام. قوله تعالى: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } أي عن أدبار الرجال. يقولون ذلك استهزاء منهم؛ قاله مجاهد. وقال قتادة: عابوهم والله بغير عيب بأنهم يتطهرون من أعمال السوء. {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ ٱلْغَابِرِينَ } وقرأ عاصم: {قَدَرْنَا} مخففاً والمعنى واحد. يقال قد قَدَرتُ الشيءَ قَدْراً وقَدَراً وقدّرته. {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ } أي من أُنذر فلم يقبل الإنذار. وقد مضى بيان هذا في «الأعراف» و«هود».

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن عبده ورسوله لوط عليه السلام: أنه أنذر قومه نقمة الله بهم في فعلهم الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم، وهي إتيان الذكور دون الإناث، وذلك فاحشة عظيمة، استغنى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، فقال: {أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} أي: يرى بعضكم بعضاً، وتأتون في ناديكم المنكر {أَءِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} أي: لا تعرفون شيئاً، لا طبعاً ولا شرعاً؛ كما قال في الآية الأخرى: {أية : أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَٰجِكُمْ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ }تفسير : [الشعراء: 165 ــــ 166] {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوۤاْ ءَالَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} أي: يتحرجون من فعل ما تفعلونه، ومن إقراركم على صنيعكم، فأخرجوهم من بين أظهركم؛ فإنهم لا يصلحون لمجاورتكم في بلادكم، فعزموا على ذلك، فدمر الله عليهم، وللكافرين أمثالها، قال الله تعالى: {فَأَنجَيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَـٰهَا مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ} أي: من الهالكين مع قومها؛ لأنها كانت ردءاً لهم على دينهم وعلى طريقتهم؛ في رضاها بأفعالهم القبيحة، فكانت تدل قومها على ضيفان لوط ليأتوا إليهم، لا أنها كانت تفعل الفواحش؛ تكرمة لنبي الله صلى الله عليه وسلم لا كرامة لها. وقوله تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا} أي: حجارة من سجيل منضود، مسومة عند ربك، وما هي من الظالمين ببعيد، ولهذا قال: {فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ} أي: الذين قامت عليهم الحجة، ووصل إليه الإنذار، فخالفوا الرسول وكذبوه، وهموا بإخراجه من بينهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلُوطاً } منصوب باذكر مقدّراً قبله ويبدل منه {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَٰحِشَةَ } أي اللواط {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ }؟ أي يبصر بعضكم بعضاً انهماكاً في المعصية.

الشوكاني

تفسير : انتصاب {لوطاً} بفعل مضمر معطوف على أرسلنا، أي وأرسلنا لوطاً، و {إِذْ قَالَ } ظرف للفعل المقدر، ويجوز أن يقدر: اذكر؛ والمعنى: وأرسلنا لوطاً وقت قوله لقومه {أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ } أي الفعلة المتناهية في القبح والشناعة، وهم أهل سدوم، وجملة {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ } في محل نصب على الحال متضمنة لتأكيد الإنكار أي وأنتم تعلمون أنها فاحشة. وذلك أعظم لذنوبكم، على أن {تبصرون} من بصر القلب، وهو العلم، أو بمعنى النظر، لأنهم كانوا لا يستترون حال فعل الفاحشة عتوًّا وتمرّداً، وقد تقدّم تفسير هذه القصة في الأعراف مستوفى. {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرّجَالَ شَهْوَةً } فيه تكرير للتوبيخ مع التصريح بأن تلك الفاحشة هي اللواطة، وانتصاب {شهوة} على العلة أي للشهوة، أو على أنه صفة لمصدر محذوف، أي: إتياناً شهوة، أو أنه بمعنى الحال، أي مشتهين لهم {مّن دُونِ ٱلنّسَاء } أي متجاوزين النساء اللاتي هنّ محل لذلك {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } التحريم، أو العقوبة على هذه المعصية، واختار الخليل وسيبويه تخفيف الهمزة من أئنكم. {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُواْ ءَالَ لُوطٍ مّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } قرأ الجمهور بنصب {جواب} على أنه خبر كان، واسمها {إلاّ أن قالوا}: أي إلاّ قولهم. وقرأ ابن أبي إسحاق برفع جواب على أنه اسم كان، وخبرها ما بعده، ثم علّلوا ما أمروا به بعضهم بعضاً من الإخراج بقولهم: إنهم أناس يتطهرون أي يتنزهون عن أدبار الرجال! قالوا ذلك استهزاء منهم بهم. {فَأَنجَيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ } من العذاب {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَـٰهَا مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ } أي قدّرنا أنها من الباقين في العذاب، ومعنى {قدرنا}: قضينا، قرأ الجمهور قدّرنا بالتشديد، وقرأ عاصم بالتخفيف. والمعنى واحد مع دلالة زيادة البناء على زيادة المعنى {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا } هذا التأكيد يدل على شدّة المطر، وأنه غير معهود {فَسَاء مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ } المخصوص بالذم محذوف أي ساء مطر المنذرين مطرهم، والمراد بالمنذرين: الذين أنذروا، فلم يقبلوا، وقد مضى بيان هذا كله في الأعراف والشعراء. {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ } قال الفراء: قال أهل المعاني: قيل للوط: قل: الحمد لله على هلاكهم، وخالفه جماعة فقالوا: إن هذا خطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم، أي قيل: الحمد لله على هلاك كفار الأمم الخالية، وسلام على عباده {ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَى } قال النحاس: وهذا أولى؛ لأن القرآن منزل على النبي صلى الله عليه وسلم، وكلّ ما فيه فهو مخاطب به إلاّ ما لم يصحّ معناه إلا لغيره. قيل: والمراد بعباده الذين اصطفى: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والأولى حمله على العموم، فيدخل في ذلك الأنبياء وأتباعهم {ءَآللَّهِ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ } أي آلله الذي ذكرت أفعاله وصفاته الدالة على عظيم قدرته خير أما يشركون به من الأصنام؟ وهذه الخيرية ليست بمعناها الأصلي، بل هي كقول الشاعر:شعر : أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفـداء تفسير : فيكون ما في الآية من باب التهكم بهم، إذ لا خير فيهم أصلاً. وقد حكى سيبويه أن العرب تقول: السعادة أحبّ إليك أم الشقاوة، ولا خير في الشقاوة أصلاً. وقيل: المعنى: أثواب الله خير، أم عقاب ما تشركون به؟ وقيل: قال لهم ذلك جرياً على اعتقادهم، لأنهم كانوا يعتقدون أن في عبادة الأصنام خيراً. وقيل: المراد من هذا الاستفهام: الخبر. قرأ الجمهور: "تشركون" بالفوقية على الخطاب، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. وقرأ أبو عمرو وعاصم ويعقوب: {يشركون} بالتحتية، و«أم» في {أَمَّا يُشْرِكُونَ } هي المتصلة، وأما في قوله: {أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } فهي المنقطعة. وقال أبو حاتم: تقديره ءآلهتكم خير أم من خلق السماوات والأرض وقدر على خلقهنّ؟ وقيل: المعنى: أعبادة ما تعبدون من أوثانكم خير، أم عبادة من خلق السماوات والأرض؟ فتكون "أم" على هذا متصلة، وفيها معنى التوبيخ، والتهكم كما في الجملة الأولى. وقرأ الأعمش: "أمن" بتخفيف الميم {وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلسَّمَاء مَاء } أي نوعاً من الماء، وهو المطر {فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ } جمع حديقة. قال الفراء: الحديقة البستان الذي عليه حائط، فإن لم يكن عليه حائط، فهو البستان، وليس بحديقة. وقال قتادة، وعكرمة: الحدائق: النخل {ذَاتَ بَهْجَةٍ } أي ذات حسن، ورونق. والبهجة: هي الحسن الذي يبتهج به من رآه، ولم يقل: ذوات بهجة على الجمع؛ لأن المعنى: جماعة حدائق {مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا } أي ما صح لكم أن تفعلوا ذلك، ومعنى هذا النفي: الحظر، والمنع من فعل هذا أي ما كان للبشر، ولا يتهيأ لهم ذلك، ولا يدخل تحت مقدرتهم لعجزهم عن إخراج الشيء من العدم إلى الوجود. ثم قال سبحانه موبخاً لهم، ومقرّعاً {أَإِلَـٰه مَعَ ٱللَّهِ } أي هل معبود مع الله الذي تقدّم ذكر بعض أفعاله حتى يقرن به ويجعل شريكاً له في العبادة، وقرىء: "ءَإلٰهاً مع الله" بالنصب على تقدير: أتدعون إلٰهاً. ثم أضرب عن تقريعهم وتوبيخهم بما تقدّم، وانتقل إلى بيان سوء حالهم مع الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، فقال: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ } أي يعدلون بالله غيره، أو يعدلون عن الحق إلى الباطل. ثم شرع في الاستدلال بأحوال الأرض وما عليها، فقال: {أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً } القرار: المستقرّ أي دحاها، وسوّاها بحيث يمكن الإستقرار عليها. وقيل: هذه الجملة وما بعدها من الجمل الثلاث بدل من قوله: {أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ}، ولا ملجىء لذلك، بل هي وما بعدها إضراب وانتقال من التوبيخ والتقريع بما قبلها إلى التوبيخ والتقريع بشيء آخر {وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَاراً } الخلال: الوسط. وقد تقدّم تحقيقه في قوله: {أية : وَفَجَّرْنَا خِلَـٰلَهُمَا نَهَراً } تفسير : [الكهف: 33] {وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ } أي جبالاً ثوابت تمسكها، وتمنعها من الحركة {وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً } الحاجز: المانع، أي جعل بين البحرين من قدرته حاجزاً. والبحران هما: العذب والمالح، فلا يختلط أحدهما بالآخر فلا هذا يغير ذاك ولا ذاك يدخل في هذا، وقد مرّ بيانه في سورة الفرقان {أَإِلَـٰهٌ مَعَ ٱللَّهِ } أي إذا ثبت أنه لا يقدر على ذلك إلاّ الله فهل إِلـٰهٌ في الوجود يصنع صنعه، ويخلق خلقه؟ فكيف يشركون به ما لا يضرّ ولا ينفع {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } توحيد ربهم، وسلطان قدرته. {أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ } هذا استدلال منه سبحانه بحاجة الإنسان إليه على العموم، والمضطر اسم مفعول من الاضطرار وهو المكروب المجهود الذي لا حول له ولا قوة. وقيل: هو المذنب، وقيل: هو الذي عراه ضرّ من فقر أو مرض، فألجأه إلى التضرّع إلى الله. واللام في {المضطر} لجنس لا للاستغراق، فقد لا يجاب دعاء بعض المضطرين لمانع يمنع من ذلك بسبب يحدثه العبد يحول بينه وبين إجابة دعائه، وإلاّ فقد ضمن الله سبحانه إجابة دعاء المضطرّ إذا دعاه، وأخبر بذلك عن نفسه، والوجه في إجابة دعاء المضطرّ أن ذلك الاضطرار الحاصل له يتسبب عنه الإخلاص، وقطع النظر عما سوى الله، وقد أخبر الله سبحانه بأنه يجيب دعاء المخلصين له الدين، وإن كانوا كافرين، فقال: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلّ مَكَانٍ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} تفسير : [يونس: 22]، وقال: {أية : فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } تفسير : [العنكبوت: 65] فأجابهم عند ضرورتهم، وإخلاصهم مع علمه بأنهم سيعودون إلى شركهم {وَيَكْشِفُ ٱلسُّوء } أي الذي يسوء العبد من غير تعيين، وقيل: هو الضرّ، وقيل: هو الجور {وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاء ٱلأَرْضِ } أي يخلف كل قرن منكم القرن الذي قبله بعد انقراضهم، والمعنى: يهلك قرناً وينشىء آخرين، وقيل: يجعل أولادكم خلفاً منكم، وقيل: يجعل المسلمين خلفاً من الكفار ينزلون أرضهم، وديارهم {أَإِلَـٰهٌ مَعَ ٱللَّهِ } الذي يوليكم هذه النعم الجسام {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } أي تذكرا قليلاً ما تذكرون. قرأ الجمهور بالفوقية على الخطاب. وقرأ أبو عمرو وهشام ويعقوب بالتحتية على الخبر ردًّا على قوله: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } واختار هذه القراءة أبو حاتم. {أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ } أي يرشدكم في الليالي المظلمات إذا سافرتم في البرّ أو البحر. وقيل: المراد: مفاوز البرّ التي لا أعلام لها، ولجج البحار، وشبهها بالظلمات لعدم ما يهتدون به فيها {وَمَن يُرْسِلُ ٱلرّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } والمراد بالرحمة هنا المطر أي: يرسل الرياح بين يدي المطر، وقبل نزوله {أَإِلَـٰهٌ مَعَ ٱللَّهِ } يفعل ذلك، ويوجده {تَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي تنزه، وتقدّس عن وجود ما يجعلونه شريكاً له {أَم مَّنْ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } كانوا يقرّون بأن لله سبحانه هو الخالق، فألزمهم الإعادة أي إذا قدر على الإبتداء قدر على الإعادة {وَمَن يَرْزُقُكُم مّنَ ٱلسَّمَاء وٱلأَرْضِ } بالمطر والنبات أي هو خير أم ما تجعلونه شريكاً له مما لا يقدر على شيء من ذلك {أَإِلَـٰهٌ مَعَ ٱللَّهِ } حتى تجعلونه شريكاً له {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } أي حجتكم على أن الله سبحانه شريكاً، أو هاتوا حجتكم أن ثمّ صانعاً يصنع كصنعه، وفي هذا تبكيت لهم، وتهكم بهم {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ } أي لا يعلم أحد من المخلوقات الكائنة في السمٰوات والأرض الغيب الذي استأثر الله بعلمه، والاستثناء في قوله إِلاَّ ٱللَّهُ منقطع، أي لكن الله يعلم ذلك، ورفع ما بعد إلاّ مع كون الاستثناء منقطعاً هو على اللغة التميمية كما في قولهم:شعر : إلاّ اليعافير وإلاّ العيس تفسير : وقيل: إن فاعل {يعلم} هو ما بعد إلاّ، و{من في السماوات} مفعوله، و{الغيب} بدل من "من" أي لا يعلم غيب من في السمٰوات والأرض إلاّ الله، وقيل: هو استثناء متصل من «من». وقال الزجاج: {إلاّ الله} بدل من «من». قال الفراء: وإنما رفع ما بعد إلاّ لأن ما بعدها خبر كقولهم: ما ذهب أحد إلاّ أبوك، وهو كقول الزجاج. قال الزجاج: ومن نصب نصب على الاستثناء {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } أي لا يشعرون متى ينشرون من القبور، وأيان مركبة من أي، وإن. وقد تقدّم تحقيقه، والضمير للكفرة. وقرأ السلمي: "إيان" بكسر الهمزة، وهي لغة بني سليم، وهي منصوبة بـ "يبعثون"، ومعلقة لـ "يشعرون"، فتكون هي وما بعدها في محل نصب بنزع الخافض، أي وما يشعرون بوقت بعثهم، ومعنى أَيَّانَ معنى متى. {بَلِ ٱدارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ }. قرأ الجمهور: {ادّارك}. وأصل ادارّك: تدارك، أدغمت التاء في الدال، وجيء بهمزة الوصل ليمكن الابتداء بالساكن. وقرأ أبو جعفر وابن كثير وأبو عمر وحميد: "بل أدرك" من الإدراك. وقرأ عطاء بن يسار وسليمان بن يسار والأعمش: "بل ادّرك" بفتح لام بل، وتشديد الدال. وقرأ ابن محيصن: "بل أدرك" على الاستفهام. وقرأ ابن عباس وأبو رجاء وشيبة والأعمش والأعرج: "بلى أدّارك" بإثبات الياء في بل وبهمزة قطع وتشديد الدال. وقرأ أبيّ "بل تدارك"، ومعنى الآية: بل تكامل علمهم في الآخرة؛ لأنهم رأوا كل ما وعدوا به، وعاينوه. وقيل: معناه: تتابع علمهم في الآخرة، والقراءة الثانية معناها: كمل علمهم في الآخرة مع المعاينة، وذلك حين لا ينفعهم العلم؛ لأنهم كانوا في الدنيا مكذبين. وقال الزجاج: إنه على معنى الإنكار، واستدلّ على ذلك بقوله فيما بعد: {بَلْ هُم مّنْهَا عَمُونَ } أي لم يدرك علمهم علم الآخرة، وقيل: المعنى: بل ضلّ، وغاب علمهم في الآخرة فليس لهم فيها علم، ومعنى القراءة الثالثة كمعنى القراءة الأولى، فافتعل، وتفاعل قد يجيئان لمعنى، والقراءة الرابعة هي بمعنى الإنكار. قال الفراء: وهو وجه حسن كأنه وجهه إلى المكذبين على طريق الاستهزاء بهم، وفي الآية قراءات أخر لا ينبغي الاشتغال بذكرها وتوجيهها. {بَلْ هُمْ فِي شَكّ مّنْهَا } أي بل هم اليوم في الدنيا في شك من الآخرة، ثم أضرب عن ذلك إلى ما هو أشدّ منه، فقال: {بَلْ هُم مّنْهَا عَمُونَ } فلا يدركون شيئاً من دلائلها لاختلال بصائرهم التي يكون بها الإدراك، وعمون جمع عم: وهو من كان أعمى القلب، والمراد بيان جهلهم بها على وجه لا يهتدون إلى شيء مما يوصل إلى العلم بها، فمن قال: إن معنى الآية الأولى أعني {بَلِ ٱدّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ } أنه كمل علمهم، وتمّ مع المعاينة فلا بدّ من حمل قوله: {بْل هُمْ فَي شَكّ } إلخ على ما كانوا عليه في الدنيا، ومن قال: إن معنى الآية الأولى: الاستهزاء بهم، والتبكيت لهم لم يحتج إلى تقييد قوله: {بْل هُمْ فَي شَكّ } إلخ بما كانوا عليه في الدنيا. وبهذا يتضح معنى هذه الآيات، ويظهر ظهوراً بينا. وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَى }. قال: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم اصطفاهم الله لنبيه، وروي مثله عن سفيان الثوري. والأولى ما قدمناه من التعميم فيدخل في ذلك أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم دخولاً أولياً. وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والطبراني، عن رجل من بلهجيم قال: قلت: يا رسول الله إلى ما تدعو؟ قال: «حديث : أدعو الله وحده الذي إن مسك ضرّ فدعوته كشفه عنك»تفسير : ، هذا طرف من حديث طويل. وقد رواه أحمد من وجه آخر فبين اسم الصحابي فقال: حدّثنا عفان، حدّثنا حماد بن سلمة، حدّثنا يونس، حدّثنا عبيد بن عبيدة الهجيمي عن أبيه عن أبي تميمة الهجيمي عن جابر بن سليم الهجيمي. ولهذا الحديث طرق عند أبي داود والنسائي. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عائشة قالت: ثلاث من تكلم بواحدة منهن، فقد أعظم على الله الفرية وقالت في آخره: ومن زعم أنه يخبر الناس بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ }. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس: {بَلِ ٱدّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ } قال: حين لا ينفع العلم. وأخرج أبو عبيد في فضائله، وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عنه أنه قرأ: "بل أدرك علمهم في الآخرة" قال: لم يدرك علمهم. قال أبو عبيد: يعني: أنه قرأها بالاستفهام. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً: "بَلِ ٱدّرَكَ عِلْمُهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ" يقول: غاب علمهم.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} فيه وجهان: أحدهما: أي وأنتم تعلمون أنها فاحشة. الثاني: يبصر بعضكم بعضاً.

ابن عبد السلام

تفسير : {تُبْصِرُونَ} أنها فاحشة، أو يبصر بعضكم بعضاً.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} تقدمَ قصصُ هؤلاءِ القومِ، و {تُبْصِرُونَ} معناه: بقلوبِكُم. قال أبو حيان: و {شَهْوَةً} مفعولٌ منْ أجله، انتهى. وعن ابن عباس قال: قالَ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : لَعَنَ اللّه مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ»تفسير : رواه أبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ؛ واللفظُ له؛ وابن ماجهْ وابنُ حبان في صحيحه، انتهى من «السلاح».

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} الآية، "ولُوطاً" إمّا منصوب عطفاً على "صالحاً" أي: وأرسلنا لوطاً، وإمّا عطفاً على "الَّذِينَ آمَنُوا"، أي: وأنجينا لوطاً، وإمّا "باذْكُر" مضمرة، و "إذْ قَالَ": بدل اشتمال من "لُوطاً"، وتقدّم نظيره في مريم وغيرها. "أَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ" استفهام على وجه الإنكار، والتوبيخ بمثل هذا اللفظ أبلغ، و "الفَاحِشَةِ": الفعلة القبيحة. قوله: "وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ" جملة حالية من فاعل "تَأْتُونَ" أو من "الفَاحِشَةَ"، والعائد محذوف، أي: وأنتم تبصرونها لستم عُمياً عنها جاهلين بها، وهو أشْنَعُ. وقيل: المعنى يرى بعضكم بعضاً، وكانوا لا يستترون، عتوّاً منهم. فإن قيل: إذا فسرت "تُبْصِرُونَ" بالعلم، وبعده: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} فكيف يكون علماً جهلاً؟ فالجواب: تفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة مع علمكم بذلك، أو تجهلون العاقبة، أو أراد بالجهل: السفاهة والمجانة التي كانوا عليها. قوله: "شَهْوَةً": مفعول من أجله، أو في موضع الحال، وقد تقدّم. قوله: فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ: خبر مقدم، و {إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ} في موضع الاسم. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق برفعه اسماً، و {إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ} خبر وهو ضعيف، لما تقدّم تقريره. وتقدّم قراءتا "قَدَّرْنَا" تشديداً وتخفيفاً، والمخصوص بالذم محذوف في قوله: {فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ} أي: مَطَرُهُمْ. فصل لما بيَّن تعالى جهلهم، بيّن أنهم أجابوا بما لا يصلح أن يكون جواباً، فقال: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ}، أي: يتطهرون من هذا الصنيع الفاحش. وقيل: قالوا ذلك على وجه الهزء. {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا} قضينا عليها وجعلناها بتقديرنا "مِنَ الغَابِرِينَ"، أي: الباقين في العذاب، و {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً}، وهو الحجارة {فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ}.

القشيري

تفسير : ذَكَرَ قصة لوطٍ وأمته، وما أصَرُّوا عليه من الفاحشةِ، وما أَحَلَّ اللَّهُ بهم من العقوبة، وإحلالَ العقوبة بامرأته التي كانت تطابق القومَ، وتخليص الحقِّ لوطاً من بينهم، وما كان من أمر الملائكة الذين بُعِثُوا لإهلاكهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولوطا} اى وارسلنا لوطا بن هاران {اذ قال لقومه} ظرف للارسال على ان المراد به امر ممتد وقع فيه الارسال وماجرى بينه وبين قومه من الافعال والاقوال. وقال بعضهم انتصاب لوطا باضمار اذكر واذ بدل منه اى واذكر اذ قال لوط لقومه على وجه الانكار عليهم {أتأتون الفاحشة} الفاحشة ما عظم قبحه من الافعال والاقوال والمراد به ههنا اللواطة والاتيان فى الادبار. والمعنى أتفعلون الفعلة المتناهية فى القبح: وبالفارسية [آيامى آييد بعمل زشت] {وانتم تبصرون} من بصر القلب وهو العلم فانه يقال لقوة لقلب المدركة بصيرة وبصر ولايكاد يقال للجارحة بصيرة ويقال للضرير بصير على سبيل العكس او لما له قوة بصيرة القلب اى والحال انكم تعلمون فحشها علما يقينيا وتعاطى القبيح من العالم بقبحه اقبح من غيره ولذا قيل فساد كبير جاهل متنسك وعالم متهتك او من نظر العين اى وانتم تبصرونها بعضكم من بعض لما انهم كانوا يعلنون بها ولايستترون فيكون افحش

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (ولوط): عطف على (صالحا) داخل معه في القسم، أي: ولقد أرسلنا صالحاً ولوطاً. و(إذ قال): ظرف للإرسال، أو: منصوب باذكر، و(إذ قال): بدل من (لوط). يقول الحق جل جلاله: {و} لقد أرسلنا {لوطاً}، أو: واذكر لوطاً {إِذْ قال لقومه} أي: وقت قوله لهم: {أتأتونَ الفاحشةَ} أي: الفعلة المتناهية في الفُحش والسماجة، {وأنتم تبصرون} أي: الحالة أنكم تعلمون علماً يقينياً أنها فاحشة، لم تُسبَقوا إليها. والجملة الحالية تفيد تأكيد الإنكار، فإنَّ تعاطيَ القبيح من العالم بقُبحه أقبح وأشنع، ولذلك ورد في الخبر: "حديث : أشدُّ الناس عذاباً يوم القيامةِ عَالِمٌ لم ينْفَعْهُ الله بعلْمِه". تفسير : وقال الفخر: لا تصدر المعصية من العالم قط وهو عالم، وحين صدورها منه هو جاهل؛ لأنه رجح المرجوح وترجيح المرجوح جهل، ولذلك قال: {بل أنتم قوم تجهلون}. هـ. وفي الحديث: "حديث : لا يَزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"تفسير : . إذ لو صدّق بإطلاع الحق عليه ما قدر على الزنى، لكنه جهل ذلك. و {تُبصرون}، من: بصر القلب. وقيل: يُبصر بعضُكم بعضاً؛ لأنهم كانوا يرتكبونها في ناديهم، معلنين بها، لا يستتر بعضهم من بعض، مَجانةً وانهماكاً في المعصية، أو: تُبصرون آثار العصاة قبلكم، وما نزل بهم. {أئنكم لتَأْتون الرجالَ شهوةً} أي: للشهوة {من دون النساء} أي: إن الله تعالى إنما خلق الأنثى للذكر، ولم يخلق الذكر للذكر، ولا الأنثى للأنثى، فهي مضادة للهِ تعالى في حكمته، فلذلك كانت أشنع المعاصي، {بل أنتم قوم تجهلون}؛ تفعلون فعل الجاهلين بقُبحها، أو: تجهلون العاقبة. أو: بمعنى السفاهة والمجون، أي: بل أنتم سُفهاء ماجنون. والتاء فيه - مع كونه صفة لقوم؛ لكونهم في حيز الخطاب. وكذا قوله: {أية : بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ}تفسير : [النمل: 47]، غلّب الخطاب على الغيبة. قال ابن عرفة: "بل" للانتقال، والانتقال في باب الذم إنما يكون عن أمر خفيف إلى ما هو أشد منه، وتقرير الأشدّية هنا: أن المضروب عنه راجع للقوة الحسية العملية، وهي منقطعة تنقضي بانقضاء ذلك الفعل, والثاني راجع للقوة العلمية, وهي دائمة؛ لأن العلم بالشيء دائم، والعمل به منقطع غير دائم. هـ. {فما كان جوابَ قومه} حين نهاهم عن تلك الفاحشة ودعاهم إلى الله، {إلا أن قالوا أَخْرِجوا آلَ لوط} أي: لوطاً ومتبعيه {من قريتكم إنهم أُناس يتطهرون}؛ يتنزهون عن أفعالنا، أو: عن القاذورات، ويعدون فعلنا قذراً. وعن ابن عباس: إنه استهزاء، كقوله: {أية : إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ} تفسير : [هود: 87]. {فأنجيناه}: فخلّصناه من العذاب الواقع بالقوم، {وأهلَه إلا امرأتَه قدرناها} بالتشديد والتخفيف، أي: قدرنا أنها {من الغابرين}؛ الباقين في العذاب. {وأمطرنا عليهم مطراً} غير معهود؛ حجارة مكتوب عليها اسم صاحبها، {فساءَ}: قَبُحَ {مطرُ المنذَرِينَ} الذين لم يقبلوا الإنذار. وقد مرّ كيفية ما جرى بهم غير مرة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما أنكر لوط على قومه إلا غلبة الشهوة على قلوبهم، والانهماك في غفلتهم، فرجعت إلى معصية القلوب، وهي أشد من معصية الجوارح؛ لأن معصية الجوارح إذا صحبتها التوبة والانكسار، عادت طاعة، بخلاف معصية القلوب؛ فإنها تنطمس بها أنوار الغيوب، فلا يزيد صاحبها إلا البُعد والطرد. والعياذ بالله. ثم أمر رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بالتحميد، ثم السلام على عباده المرسلين؛ توطئة لما يتلوه من دلالة على وحدانيته تعالى وقدرته على كل شيء، وهو تعليم لكل متكلم في كل أمر ذي بال، بأن يبتدئ في خطبته بحمد الله والثناء على رسله، فقال: {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ...}

الجنابذي

تفسير : {وَلُوطاً} عطف على مجموع الى ثمود صالحاً {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ} الّتى هى اتيان الذّكور {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} بُصراء، او تعلمون قبحه، او ترون بعضكم من بعضٍ.

اطفيش

تفسير : {وَلُوطاً} أي واذكر لوطا. {إِذْ} بدل من لوطا أو وأرسلنا لوط لدلالة ولقد أرسلنا فاذ ظرف. {قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأتُونَ الفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} تعلمون بفحشها واقتراف الفاحشة من العالم بفحشها أقبح أو المراد وأنتم يبصر بعضكم بعضا لأنهم يعلنون بها فتكون أفحش وفي الآية تلويح إلى أن ما كان قبيحا عند الناس فهو أقبح عند الله لأنه أعلم وأحكم أو المراد وأنتم تبصرون آثار العصاة قبلكم.

اطفيش

تفسير : {ولُوطاً} عطف على أخاهم، فقد انسحب عليه القسم، وكأنه قيل ولقد ارْسلنا لوطاً الى قومه {إذْ قال لقَوْمه} إذ ظرف لصحة الارسال للوط الجارى له فيها مع قومه، ما جرى، أو لوط منصوب باذكر، فإذا هو بدل اشتمال من لوط، والرابط ضمير، قال: ويجوز عطف لوط على الذين آمنوا، وتعليق إذ به أى وأنجبنا الذين آمنوا ولوطاً إذ قال، وذلك خروج عن المشهور فى عطف القصص {أتأتونَ الفاحشة} الفعلية المتناهية فى القبح إتيان الأدبار، والاستفهام إنكار {وأنْتُم تُبْصرون} تعلمون قبحها، والقبيح من العالم بقبحه أشد من الجاهل به، أو تبصرون بأعينكم قبحها، وهذا مبالغة فى تنزيل قبحها منزلة المحسوس ولا يتبادر أن يقدر وأنتم تبصرون بأعينكم أو بقلوبكم أثر هلاك العصاة قبلكم، ويجوز وأنتم تبصرون الفعلة ولا تستحيون.

الالوسي

تفسير : {وَلُوطاً } منصوب بمضمر معطوف على {أية : أَرْسَلْنَا} تفسير : [النمل: 45] في صدر قصة صالح عليه السلام داخل معه في حيز القسم أي وأرسلنا لوطاً {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ } ظرف للإرسال على أن المراد به أمر ممتد وقع فيه الإرسال وما جرى بينه وبين قومه من الأحوال والأقوال. وجوز أن يكون منصوباً بإضمار اذكر معطوفاً على ما تقدم عطف قصة على قصة و {إِذْ} بدل منه بدل اشتمال وليس بذاك. وقيل: هو معطوف على {أية : صَالِحاً} تفسير : [النمل: 45]. وتعقب بأنه غير مستقيم لأن صالحاً بدل أو عطف بيان لأخاهم وقد قيد بقيد مقدم عليه وهو {أية : إِلَى ثَمُودَ}تفسير : [النمل: 45] فلو عطف عليه تقيد به ولا يصح لأن لوطاً عليه السلام لم يرسل إلى ثمود وهو متعين إذا تقدم القيد بخلاف ما لو تأخر، وقيل إن تعينه غير مسلم إذ يجوز عطفه على مجموع القيد والمقيد لكنه خلاف المألوف في الخطابيات وارتكاب مثله تعسف لا يليق، وجوز أن يكون عطفاً على {أية : ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} تفسير : [النمل: 53] / وتعقب بأنه لا يناسب أساليب سرد القصص من عطف إحدى القصتين على الأخرى لا على تتمة الأولى وذيلها كما لا يخفى. {أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ } أي أتفعلون الفعلة المتناهية في القبح والسماجة، والاستفهام انكاري. وقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تُبْصرُونَ} جملة حالية من فاعل {تأتون} مفيدة لتأكيد الإنكار فإن تعاطي القبيح من العالم بقبحه أقبح وأشنع، و {تُبْصِرُونَ } من بصر القلب أي أتفعلونها والحال أنكم تعلمون علماً يقينياً كونها كذلك. ويجوز أن يكون من بصر العين أي وأنتم ترون وتشاهدون كونها فاحشة على تنزيل ذلك لظهوره منزلة المحسوس، وقيل: مفعول {تُبْصِرُونَ } من المحسوسات حقيقة أي وأنتم تبصرون آثار العصاة قبلكم أو وأنتم ينظر بعضكم بعضاً لا يستتر ولا يتحاشى من إظهار ذلك لعدم أكتراثكم به، ووجه إفادة الجملة على الاحتمالين تأكيد الإنكار أيضاً ظاهر.

سيد قطب

تفسير : هذه الحلقة القصيرة من قصة لوط تجيء مختصرة، تبرزهمّ قوم لوط بإخراجه، لأنه أنكر عليهم الفاحشة الشاذة التي كانوا يأتونها عن إجماع واتفاق وتعارف وعلانية. فاحشة الشذوذ الجنسي بإتيان الرجال، وترك النساء، على غير الفطرة التي فطر الله الناس عليها. بل عامة الأحياء. وهي ظاهرة غريبة في تاريخ الجماعات البشرية. فقد يشذ أفراد، لأسباب مرضية نفسية أو لملابسات وقتية، فيميل الذكور لأتيان الذكور؛ وأكثر ما يكون هذا في معسكرات الجنود حيث لا يوجد النساء، أو في السجون التي يقيم فيها المسجونون فترات طويلة معرضين لضغط الميل الجنسي، محرومين من الاتصال بالنساء.. أما أن يشيع هذا الشذوذ فيصبح هو القاعدة في بلد بأسره، مع وجود النساء وتيسر الزواج، فهذا هو الحادث الغريب حقاً في تاريخ الجماعات البشرية! لقد جعل الله من الفطرة ميل الجنس إلى الجنس الآخر، لأنه جعل الحياة كلها تقوم على قاعدة التزاوج. فقال: {سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض، ومن أنفسهم ومما لا يعلمون}. فجعل الأحياء كلها أزواجاً سواء نبات الأرض والأنفس وما لا يعلمه الناس في شتى المخلوقات. والتزاوج يبدو أصيلاً في بناء الكون كله ـ فضلاً على الأحياء ـ فالذرة ذاتها مؤلفة من كهارب وإلكترونات. أي من كهربائية إيجابية وأخرى سلبية. وهي وحدة الكائنات المكرورة فيها جميعاً كما يبدو حتى الآن. وعلى أية حال فالحقيقة المضمونة أن الأحياء كلها تقوم على قاعدة التزاوج. حتى التي لا يوجد لها من جنسها ذكر وأنثى تجتمع خلايا التذكير والتأنيث في آحادها، وتتكاثر بهذا الاجتماع. ولما كان التزاوج هو قاعدة الحياة في ناموس الخلق، فقد جعل الله التجاذب بين الزوجين هو الفطرة، التي لا تحتاج إلى تعليم، ولا تتوقف على تفكير. وذلك كي تسير الحياة في طريقها بدافع الفطرة الأصيل. والأحياء يجدون لذتهم في تحقيق مطالب الفطرة. والقدرة المدبرة تحقق ما تشاؤه من وراء لذتهم المودعة في كيانهم بلا وعي منهم ولا توجيه من غيرهم. وقد جعل الله تركيب أعضاء الأنثى وأعضاء الذكر، وميول هذا وتلك بحيث تحقق اللذة الفطرية من اجتماعهما. ولم يجعل هذا في أعضاء الذكرين وميولهما. ومن ثم يكون عجيباً أن تنحرف الفطرة انحرافاً جماعياً كما حدث في قوم لوط، بدون ضرورة دافعة إلى عكس اتجاه الفطرة المستقيم. وهكذا واجه لوط قومه بالاستنكار والعجب مما يفعلون! {ولوطاً إذ قال لقومه: أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون؟ أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء؟ بل أنتم قوم تجهلون}.. عجب في عبارته الأولى من إتيانهم هذه الفاحشة، وهم يبصرون الحياة في جميع أنواعها وأجناسها تجري على نسق الفطرة، وهم وحدهم الشواذ في وسط الحياة والأحياء.. وصرح في عبارته الثانية بطبيعة تلك الفاحشة. ومجرد الكشف عنها يكفي لإبراز شذوذها وغرابتها لمألوف البشرية، ولمألوف الفطرة جميعاً. ثم دمغهم بالجهل بمعنييه: الجهل بمعنى فقدان العلم. والجهل بمعنى السفه والحمق. وكلا المعنيين متحقق في هذا الانحراف البغيض. فالذي لا يعرف منطق الفطرة يجهل كل شيء، ولا يعلم شيئاً أصلاً. والذي يميل هذا الميل عن الفطرة سفيه أحمق معتد على جميع الحقوق! فماذا كان جواب قوم لوط على هذا الاستنكار للانحراف، وهذا التوجيه إلى وحي الفطرة السليمة؟ كان جوابهم في اختصار أن هموا بإخراج لوط ومن سمع دعوته وهم أهل بيته ـ إلا امرأته ـ بحجة أنهم أناس يتطهرون! {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا: أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون}. وقولهم هذا قد يكون تهكماً بالتطهر من هذا الرجس القذر. وقد يكون إنكاراً عليه أن يسمى هذا تطهراً، فهم من انحراف الفطرة بحيث لا يستشعرون ما في ميلهم المنحرف من قذارة. وقد يكون ضيقاً بالطهر والتطهر إذا كان يكلفهم الإقلاع عن ذلك الشذوذ!! على أية حال لقد هموا همهم، وحزموا أمرهم. وأراد الله غير ما كانوا يريدون: {فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين. وأمطرنا عليهم مطراً فساء مطر المنذرين}.. ولا يذكر تفصيلات هنا عن هذا المطر المهلك كما وردت تفصيلاته في السور الأخرى. فنكتفي نحن بهذا مجاراة للسياق. ولكننا نلمح في اختيار هلاك قوم لوط بالمطر، وهو الماء المحيي المنبت أنه مماثل لاستخدامهم ماء الحياة ـ ماء النطف ـ في غير ما جعل له وهو أن يكون مادة حياة وخصب.. والله أعلم بقوله ومراده، وأعلم بسننه وتدبيره. وإن هو إلا رأي أراه في هذا التدبير.

ابن عاشور

تفسير : عطف {لوطاً} على {صالحاً} في قوله السابق {أية : ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً}تفسير : [النمل: 45]. ولا يمنع من العطف أن العامل في المعطوف تعلق به قوله: {إلى ثمود} لأن المجرور ليس قيداً لمتعلَّقه، ولكنه كواحد من المفاعيل فلا ارتباط له بالمعطوف على مفعول آخر. فإن الإتْباع في الإعراب يميز المعطوف عليه من غيره. وقد سبق نظير هذا في سورة الأعراف. ولم يُذكر المرسل إليهم هنا كما ذكر في قصة ثمود لعدم تمام المشابهة بين قوم لوط وبين قريش فيما عدا التكذيب والشرك. ويجوز أن ينصب {ولوطاً} بفعل مقدّر تقديره: واذكر لوطاً، لأن وجود {إذ} بعده يقربه من نحو: {أية : وإذ قال ربّك للملائكة}تفسير : [البقرة: 30]. وتعقيب قصة ثمود بقصة قوم لوط جار على معتاد القرآن في ترتيب قصص هذه الأمم، فإن قوم لوط كانوا متأخرين في الزمن عن ثمود. وإنما الذي يستثير سؤالاً هنا هو الاقتصار على قصة قوم لوط دون قصة عاد وقصة مدين. وقد بينته آنفاً أنه لمناسبة مجاورة ديار قوم لوط لمملكة سليمان ووقوعها بين ديار ثمود وبين فلسطين وكانت ديارهم ممرّ قريش إلى بلاد الشام، قال تعالى {أية : وإنها لبسبيل مقيم}تفسير : [الحجر: 76] وقال {أية : وإنكم لتَمُرُّون عليهم مُصْبِحين وبالليل أفلا تعقلون}تفسير : [الصافات: 137، 138]. وظرف {إذ} يتعلق بــــ(أرسلنا) أو بــــ(اذكر) المقدّرْين. والاستفهام في {أتأتون} إنكاري. وجملة: {وأنتم تبصرون} حالٌ زيادة في التشنيع، أي تفعلون ذلك علَناً يبصر بعضكم بعضاً، فإن التجاهر بالمعصية معصية لأنه يدل على استحسانها وذلك استخفاف بالنواهي. وقوله: {أية : أئنكم لتأتون}تفسير : تقدم في الأعراف (81) {إنكم لتأتون، فهنا جيء بالاستفهام الإنكاري، وما في الأعراف جاء الخبر المستعمل في الإنكار، فيجوز أن يكون اختلاف الحكاية لاختلاف المحكي بأن يكون لوط قد قال لهم المقالتين في مقامين مختلفين. ويجوز أن يكون اختلاف الحكاية تفنناً مع اتحاد المعنى. وكلا الأسلوبين يقع في قصص القرآن، لأن في تغيير الأسلوب تجديداً لنشاط السامع. على أن ابن كثير وأبا عمرو وابن عامر وحمزة وأبا بكر عن عاصم قرأوا ما في سورة الأعراف بهمزتين فاستوت الآيتان على قراءة هؤلاء. وقد تقدمت وجوه ذلك في سورة الأعراف. ووقع في الأعراف (80) {أية : أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين} تفسير : ولم يذكر هنا لأن ما يجري في القصة لا يلزم ذكر جميعه. وكذلك القول في عدم ذكر وأنتم تبصرون} في سورة الأعراف مع ذكره هنا. ونظير بقية الآية تقدم في سورة الأعراف، إلاّ أن الواقع هنا {بل أنتم قوم تجهلون}، فوصفهم بالجهالة وهي اسم جامع لأحوال أَفن الرأي وقساوة القلب. وفي الأعراف وصفهم بأنهم قوم مسرفون وذلك يحمل على اختلاف المقالتين في مقامين. وفي إقحام لفظ {قوم} في الآيتين من الخصوصية ما تقدم آنفاً في قوله في هذه السورة {أية : إن في ذلك لآية لقوم يعلمون}تفسير : [النمل: 52]. ورُجّح في قوله: {تجهلون} جانب الخطاب على جانب الغيبة فلم يقل: يَجهلون، بياء الغيبة وكلاهما مقتضى الظاهر لأن الخطاب أقوى دلالة كما قرىء في قوله: {أية : بل أنتم قوم تُفتنون}تفسير : [النمل: 47].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} إلى قوله تعالى: {فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ}. قد قدمنا الآيات التي فيها إيضاح قصة لوط وقومه في سورة هود في الكلام على قصة لوط وقومه، وبينا هناك كلام أهل العلم ومناقشة أدلتهم في عقوبة فاعل فاحشة اللواط، ذكرنا الآيات المبينة لها أيضاً في سورة الحجر في الكلام على قصة لوط وقومه، وذكرنا بعض ذلك في سورة الفرقان.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ولوط: أي واذكر لقومك لوطاً إذ قال لقومه. لقومه: هم سكان مدن عمورية وسدوم. الفاحشة: أي الخصلة القبيحة الشديدة القبح وهي اللواط. وأنتم تبصرون: إذ كانوا يأتونها في أنديتهم عياناً بلا ستر ولا حجاب. قوم تجهلون: اي قبح ما تأتون وما يترتب عليه من خزي وعذاب. معنى الآيتين: هذا بداية قصص لوط عليه السلام مع قومه اللوطيين فقال تعالى {وَلُوطاً} أي واذكر كما ذكرت صالحاً وقومه اذكر لوطاً {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} منكراً عليهم موبخاً مؤنباً لهم على فعلتهم الشنعاء {أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} أي قبحها وشناعتها ببصائركم وبأبصاركم حيث كانوا يأتونها علناً وعياناً وهم ينظرون وقوله {أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ} أي لا للعفة والإِحصان ولا للولد والإِنجاب بل لقضاء الشهوة البهيمية فشأنكم شأن البهائم لا غير. وفي نفس الوقت آذيتم نساءكم حيث تركتم إتيانهن فهضمتم حقوقهن. وقوله تعالى {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} أي قال لهم لوط عليه السلام أي ما كان ذلك الشر والفساد منكم إلا لأنكم قوم سوء جهلة بما يجب عليكم لربكم من الإِيمان والطاعة وما يترتب على الكفر والعصيان من العقاب والعذاب. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيا ما كان عليه قوم لوط من الفساد والهبوط العقلي والخلقي. 2- تحريم فاحشة اللواط وأنها أقبح شيء وأن فاعلها أحط من البهائم. 3- بيان أن الجهل بالله تعالى وما يجب له من الطاعة، وبما لديه من عذاب وما عنده من نعيم مقيم هو سبب كل شر في الأرض وفساد. ولذا كان الطريق إلى إصلاح البشر هو تعريفهم بالله تعالى حتى إذا عرفوه وآمنوا به أمكنهم أن يستقيموا في الحياة على منهج الإِصلاح المهيء للسعادة والكمال.

القطان

تفسير : ذُكرت قصة لوط في عدد من السور: في سورة الأعراف وهود والحِجر والشعراء والنمل هنا، والتحريم، وذلك باختلافٍ يسير وبعضها يكمل بعضا. وخلاصة ما جاء هنا ان لوطا قال لقومه: ويلكم، أتأتون الفاحشة بالذكور وبعضكم ينظر الى بعض، وتأتون الذكور وتتركون النساء!! إنكم قوم جاهلون بنتائج ما سيحدُث لكم من هلاكٍ ودمار وعذاب في الآخرة. فما كان جواب قومه الا ان قال بعضهم لبعض: اطردوا لوطاً ومن آمن معه من بلادكم، إنهم اناس يتطهرون. فأنجاه الله وأهلَه والمؤمنين به الا امرأته التي كانت من الكافرين، ثم دمر بلادَهم، وامطر على أولئك المفسدين مطر عذابٍ ونقمة. انتهى الجزء التاسع عشر عند قوله تعالى: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} واكملنا بقية الآيات لإنهاء قصة لوط.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْفَاحِشَةَ} (54) - واذكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِقَومِكَ حَديثَ لُوطٍ مَعَ قَومِهِ إِذْ أَنذَرَهُمْ وَحَذَّرَهُمْ نِقَمَ اللهِ أَنْ تَحلَّ بِهِمْ إِذَا استَمرُّوا عَلَى فِعْلِهِم الفَاحِشَةَ التي لَمْ يَسبِقْهُمْ إٍِليها أَحَدٌ مِنَ البَشَرِ، فَقَدْ كَانُوا يَأتُونَ الرِّجَالَ شَهوةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ، ويأتوُنَ الفَاحِشَةَ في نَادِيهِمْ في حُضُورِ الآخَرِينَ، وأَمَامَ أَعيُنِهِمْ (وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ). (وقيلَ بَلِ: المَعْنَى هُوَ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْتُونَ الفَاحِشَةَ وَيعلَمُونَ أَنَّها فَاحِشَةٌ، واقتِرافُ القَبيحِ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّ مَا يَفعَلُهُ هُوَ قَبيحٌ، هُوَ أقْبَحُ وأَشْنَعُ). وأنتُمْ تُبْصِرُون - لاَ تَُبَالُونَ بِإِظْهَارِهَا مَجَانَةً.

الثعلبي

تفسير : {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ} وهي الفعلة القبيحة الشنيعة {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} أنّها فاحشة، وقيل: يرى بعضكم بعضاً. كانوا لا يتستّرون عتوّاً منهم وتمرّداً {أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} من أدبار الرجال، يقولونه استهزاءً منهم بهم {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ} وأهله {قَدَّرْنَاهَا} قضينا عليها أنها {مِنَ ٱلْغَابِرِينَ} أي الباقين في العذاب وقال أهل المعاني: معنى {قَدَّرْنَاهَا} جعلناها {مِنَ ٱلْغَابِرِينَ} وإنّما قال ذلك لأنّ جرمها على مقدار جرمهم، فلمّا كان تقديرها كتقديرهم في الشرك والرضى بأفعالهم القبيحة، جرت مجراهم في إنزال العذاب بها {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم} أي على شذّادها {مَّطَراً} وهو الحجارة {فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ * قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} قال الفرّاء: قيل للوط: {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} على هلاك كفار قومي. وقال الباقون: الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعني و {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} على هلاك كفّار الأُمم الخالية، وقال مقاتل: على ما علّمك هذا الأمر. الآخرون: على جميع نعمه. {وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ} لرسالاته وهم الأنبياء(عليهم السلام)، عن مقاتل دليله قوله: {أية : وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [الصاقات: 181] وأخبرني عبدالله بن حامد قال: أخبرنا السدي. قال: حدّثنا أحمد بن نجدة. قال: حدّثنا الحماني. قال: حدّثنا الحكم بن طهر، عن السدّي، عن أبي مالك، عن ابن عباس {وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ} قال: أصحاب محمّد(عليه السلام). وأخبرني عبدالرحيم بن إبراهيم بن محمّد العدل بقراءتي عليه، قال: أخبرني عبدالله بن محمّد بن مسلم، فيما أجازه لي أنّ محمّد بن إدريس حدّثهم، قال: حدّثنا الحميدي. قال: سمعت سفيان سُئل عن {عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} قال: هم أصحاب محمّد. وقال الكلبي: هم أُمّة محمّد اصطفاهم الله لمعرفته وطاعته، ثمّ قال إلزاماً للحجّة: {ءَآللَّهُ} القراءة بهمزة ممدودة وكذلك كلّ إستفهام فيه ألف وصل، مثل قوله: (آلذين وآلآن) جعلت المدّة علماً بين الاستفهام والخبر، ومعنى الآية: الله الذي صنع هذه الأشياء {خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} من الأصنام، وقرأ عاصم وأهل البصرة (بالياء)، الباقون (بالتاء)، وكان النبي (عليه السلام) إذا قرأ هذه الآية قال: «بل الله خيرٌ وأبقى وأجلّ وأكرم».

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : (لُوطاً) جاءت منصوبة على أنها مفعول به، والتقدير: أرسلنا لوطاً، كما قال سبحانه: {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ..}تفسير : [النمل: 45]. وقوله تعالى: {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} [النمل: 54] فذكر الداء الذي استشرى فيهم. وفي سورة الشعراء قال سبحانه {أية : أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأعراف: 80] وهنا قال: {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} [النمل: 54] أي: تتعالمون بها وتتجاهرون بها، فدلَّ على أنهم أجعوا عليها وارتضوْهَا، وأنه لم يَعُدْ عندهم حياء من ممارستها. أو: يكون المعنى: وأنتم تبصرون ما حَلَّ بأصحاب الفساد قبلكم من أقضية الله عليهم.

الجيلاني

تفسير : {وَ} من مقتضيات حكمتنا المتقنة أرسلنا {لُوطاً} إلى قوم خرجوا عن مقتضى حدودنا تاركين حدود حكمة التناسل والتوالد وإبقاء النوع، مبدلين لها إلى ما هو مذموم عقلاً وشرعاً، وعرفاً وعادة، ومروءة وطبعاً، اذكر يا أكمل الرسل {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} مستفهماً منهم على سبيل الإنكار والتوبيخ: {أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ} والفعلة القبيحة الشنيعة {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} [النمل: 54] وتشاهدون قبحها وشنعتها وقت ما فعلتم وآتيتم. {أَإِنَّكُمْ} أيها المسرفون المتسعبدون للشهوة {لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ} الذين هم مثلكم في الرجولية {شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ} مع أن الحكمة الإلهية تقتضي إيتاءهن للتناسل وبقاء النوع كسائر أنواع الحيوان، وهؤلاء مع جهلهم لا يخرجون عن مقتضى الحكمة، وأنتم أيها الحمقى مع أنكم مجبولون على العقل الفطري المميِّز بين الذمائم من الأخلاق والأطوار وحميدتها، تخرجون من مقتضاها {بَلْ أَنتُمْ} بفعلتكم هذه {قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [النمل: 55] منسلخون عن مقتضى العقل الإدراك المميِّز للإنسان عن سائر الحيوان، بل أسوأ حالاً من الحيوانات العجم؛ إذ لا يتأتى منها أمثال هذا إلا من الحمار الأرذل الأنزل، انظروا ما هو شريككم في فعلتكم هذا أيها الحمقى المسرفون المفرطون. {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} بعدما سمعوا منه أنواع الشتنيعات والتقريعات {إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ} من فرط انهماكهم في الغي والضلال، ونهاية عمههم وسكرتهم في رق شهواتهم ولذاتهم البهيمية متشاورين بينهم، متقاولين: {أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل: 56] عن أفعالنا ويتنزهون، ولا مناسبة بيننا وبينهم، فلهم أن يخرجوا من بيننا؛ حتى لا يتلوثوا بأفعالنا ويتنزهون، ولا مناسبة بيننا وبينهم، فلهم أن يخرجوا من بيننا؛ حتى لا يتلوثوا بأفعالنا، إنما قالوا هكذا تهكماً واستهزاءً. ثمَّ لمَّا استحقوا نزول العذاب والإهلاك، وحان حلول البوار عليهم {فَأَنجَيْنَاهُ} أي: أخرجنا لوطاً من بينهم {وَ} أمرناه أن يخرج {أَهْلَهُ} أيضاً عنايةً منَّا إياهم {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ} المائلة عليهم، والراضية بفعلهم؛ لأنها منهم، لذلك {قَدَّرْنَاهَا} في سابق قضائنا {مِنَ ٱلْغَابِرِينَ} [النمل: 57] الهالكين. {وَ} بعدما أخرجنا لوطاً وأهله من بينهم {أَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً} أي: مطر، وهو مطر الحجارة المهلكة {فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ} [النمل: 58] مطرهم الذي أمطروا به، بحيث لم يبقَ منهم ومن مساكنهم ومواشيهم شيء أصلاً. وبعدما قصَّ سبحانه لحبيبه صلى الله عليه وسلم قصص بعد أرباب الطبقات من الأنبياء والرسل المختصين بأنواع الفضائل والكرامات الموهبة من عنده سبحانه إياهم تفضلاً عليهم وامتناناً، أمره سبحانه بأن بادِر إلى تجديد الشكر والثناء عليه سبحانه بما أولاهم من النعم العظام، وأعطاهم من الفواضل الجسام إيفاءً لحقوق المؤاخاة، والاتحاد الحقيقي الواقع بين الأنبياء والرسل الكرام بعد رفع الإضافات وخلع التعينات. وقال سبحانه: {قُلِ} يا أكمل الرسل بعدما تلونا عليك بعض فضائل إخوانك تحميداً علينا من قبلهم، وتسليماً منَّا إياهم: {ٱلْحَمْدُ} والثناء الكامل اللائق {لِلَّهِ} الواحد الأحد، الحقيق بجميع المحامد والأثنية الصادرة عن ألسنة عموم من رش عليهم رشحات بحر وجوده، وامتد عليهم أضلال أسمائه وصفاته بمقتضى وجوده {وَسَلاَمٌ} من سبحانه ورحمة نازلة على التواتر والتوالي {عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ} واختارهم من بين البرايا التائهين في بيداء الغفلة والضلال، وتكميل الناقصين المنحطين عن رتبة الخلافة والنيابة بميلهم إلى قاذورات الدنيا العائقة عن الوصول إلى در الخلافة التي هي التوحيد المسقط لتوهم الإضافات مطلقاً. قل يا أكمل الرسل بعدما ظهر الحق مستفهماً، مقرعاً للمشركين المتخذين غير الله إلهاً جهلاً وعناداً: {ءَآللَّهُ} الواحد الأحد، القادر المتقدر، المدبر لأجله من معرفة مبدئه ومعاده {خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: 59] له عناداً ومكابرةً من الأظلال الهالكة في أنفسها، المجبورة تحت قهر الله وقدرته الكاملة.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن المقهورين غير المغفورين بقوله تعالى: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} [النمل: 54] والإشارة في تحقيق الآيات بقوله: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} [النمل: 54] يشير إلى أن لوط الروح إذ قال لقومه وهم القلب والسر والعقل عند تغيير أحوالهم وتبدل أوصافهم مجاورة النفس واستيلائها عليهم {أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ} [النمل: 54] وهو كل ما زلت به أقدامهم عن الصراط المستقيم وأمارتها في الظاهر إتيان منهيات الشرع على وفق الطبع وهو النفس وعلامتها حب الدنيا وشهواتها والاحتفاظ بها {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} [النمل: 54] أي: ولكم بصيرة تميزون بها الخير والشر والصلاح من الفساد. وفي قوله: {أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ} [النمل: 55] إشارة إلى صرف الاستعداد فيما يبعدهم عن الحق تعالى دون صرفه فيما يقربهم إلى الحق تعالى {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [النمل: 55] وإن تدعوا أن لكم بصيرة تعرفون بها الحق من الباطل {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} وهم القلب المريض بعلة حب الدنيا وانحراف مزاجه عن حب الآخرة، والسر المكدر بكدورة الرياء والنفاق، والعقل المشوب بآفة الوهم والخيال {إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ} من اتصافهم بصفات النفس {أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ} وهم الصفات الروحانية {مِّن قَرْيَتِكُمْ} وهي الشخص الإنساني {إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل: 56] من لوث الدنيا وشهواتها. وبقوله: {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ} [النمل: 57] يشير إلى روح نظر الله إليه بنظر العناية {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ} وهم قوم القلب والسر والعقل عذاب النفاق بالدنيا ومتابعة الهوى {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ} [النمل: 57] وهي النفس الأمارة بالسوء {قَدَّرْنَاهَا} في الأزل أنها {مِنَ ٱلْغَابِرِينَ} [النمل: 57] أي: الباقين في عذاب التعلق بالدنيا ومتابعة الهوى {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم} [النمل: 58] أي على النفس وصفاتها {مَّطَراً} [النمل: 58] وهو حجارة الشهوات الدنيوية. {فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ} [النمل: 58] بترك الشهوات أي صعب عليهم تركها، فإن الفطام عن المألوف شديد وبقوله: {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ} [النمل: 59] يشير إلى أن أمطار مطر الشهوات الدنيوية على النفس وصفاتها هو نعمة من الله مستدعية للحمد والشكر؛ لأن النفس بها قائمة، وبقاء الروح في القالب باستمداده من النفس كاستمداد نور السراج من الزيت وبقوله: {وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ} يشير إلى قوم أخصهم لعبوديته دون قوم يعبدون الهوى والدنيا وما سوى الله، ومعنى السلام عليهم توجه بالكلية إلى الحضرة مستسلمين للأحكام الأزلية، ثم قال: {ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: 59] به من الدنيا وشهواتها والآخرة ودرجاتها، يا أهل الدنيا ويا أهل الآخرة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ } إلى آخر القصة. أي: واذكر عبدنا ورسولنا لوطا ونبأه الفاضل حين قال لقومه -داعيا إلى الله وناصحا-: { أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ } أي: الفعلة الشنعاء التي تستفحشها العقول والفطر وتستقبحها الشرائع { وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ } ذلك وتعلمون قبحه فعاندتم وارتكبتم ذلك ظلما منكم وجرأة على الله. ثم فسر تلك الفاحشة فقال: { أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ } أي: كيف توصلتم إلى هذه الحال، صارت شهوتكم للرجال، وأدبارهم محل الغائط والنجو والخبث، وتركتم ما خلق الله لكم من النساء من المحال الطيبة التي جبلت النفوس إلى الميل إليها وأنتم انقلب عليكم الأمر فاستحسنتم القبيح واستقبحتم الحسن { بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } متجاوزون لحدود الله متجرئون على محارمه. { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ } قبول ولا انزجار ولا تذكر وادكار، إنما كان جوابهم المعارضة والمناقضة والتوعد لنبيهم الناصح ورسولهم الأمين بالإجلاء عن وطنه والتشريد عن بلده. فما كان جواب قومه { إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ }. فكأنه قيل: ما نقمتم منهم وما ذنبهم الذي أوجب لهم الإخراج، فقالوا: { إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } أي: يتنزهون عن اللواط وأدبار الذكور. فقبحهم الله جعلوا أفضل الحسنات بمنزلة أقبح السيئات، ولم يكتفوا بمعصيتهم لنبيهم فيما وعظهم به حتى وصلوا إلى إخراجه، والبلاء موكل بالمنطق فهم قالوا: {أية : أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ }. تفسير : ومفهوم هذا الكلام: " وأنتم متلوثون بالخبث والقذارة المقتضي لنزول العقوبة بقريتكم ونجاة من خرج منها ". ولهذا قال تعالى: { فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ } وذلك لما جاءته الملائكة في صورة أضياف وسمع بهم قومه فجاءوا إليه يريدونهم بالشر وأغلق الباب دونهم واشتد الأمر عليه، ثم أخبرته الملائكة عن جلية الحال وأنهم جاءوا لاستنقاذه وإخراجه من بين أظهرهم وأنهم يريدون إهلاكهم وأن موعدهم الصبح، وأمروه أن يسري بأهله ليلا إلا امرأته فإنه سيصيبها ما أصابهم فخرج بأهله ليلا فنجوا وصبحهم العذاب، فقلب الله عليهم ديارهم وجعل أعلاها أسفلها وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك. ولهذا قال هنا: { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ } أي: بئس المطر مطرهم وبئس العذاب عذابهم لأنهم أنذروا وخوفوا فلم ينزجروا ولم يرتدعوا فأحل الله بهم عقابه الشديد.