Verse. 3220 (AR)

٢٧ - ٱلنَّمْل

27 - An-Naml (AR)

اَمَّنْ جَعَلَ الْاَرْضَ قَرَارًا وَّجَعَلَ خِلٰلَہَاۗ اَنْہٰرًا وَّجَعَلَ لَہَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا۝۰ۭ ءَاِلٰہٌ مَّعَ اؘ۝۰ۭ بَلْ اَكْثَرُہُمْ لَا يَعْلَمُوْنَ۝۶۱ۭ
Amman jaAAala alarda qararan wajaAAala khilalaha anharan wajaAAala laha rawasiya wajaAAala bayna albahrayni hajizan ailahun maAAa Allahi bal aktharuhum la yaAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أمَّن جعل الأرض قراراً» لا تميد بأهلها «وجعل خلالها» فيما بينها «أنهاراً وجعل لها رواسي» جبالاً أثبت بها الأرض «وجعل بين البحرين حاجزاً» بين العذب والملح لا يختلط أحدهما بالآخر «أإلهٌ مع الله بل أكثرهم لا يعلمون» توحيده.

61

Tafseer

الرازي

تفسير : النوع الثاني ـ ما يتعلق بالأرض قال صاحب «الكشاف» {أَمَّن جَعَلَ } وما بعده بدل من { أية : أَمَّنْ خَلَقَ } تفسير : [النمل: 6] فكان (حكمها) حكمه. واعلم أنه تعالى ذكر من منافع الأرض أموراً أربعة: المنفعة الأولى: كونها قراراً وذلك لوجوه: الأول: أنه دحاها وسواها للاستقرار الثاني: أنه تعالى جعلها متوسطة في الصلابة والرخاوة فليست في الصلابة كالحجر الذي يتألم الإنسان بالاضطجاع عليه وليست في الرخاوة كالماء الذي يغوص فيه الثالث: أنه تعالى جعلها كثيفة غبراء ليستقر عليها النور، ولو كانت لطيفة لما استقر النور عليها، ولو لم يستقر النور عليها لصارت من شدة بردها بحيث تموت الحيوانات الرابع: أنه سبحانه جعل الشمس بسبب ميل مدارها عن مدار منطقة الكل بحيث تبعد تارة وتقرب أخرى من سمت الرأس، ولولا ذلك لما اختلفت الفصول، ولما حصلت المنافع الخامس: أنه سبحانه وتعالى جعلها ساكنة فإنها لو كانت متحركة لكانت إما متحركة على الاستقامة أو على الاستدارة، وعلى التقديرين لا يحصل الانتفاع بالسكنى على الأرض السادس: أنه سبحانه جعلها كفاتاً للأحياء والأموات وأنه يطرح عليها كل قبيح ويخرج منها كل مليح. المنفعة الثانية الأرض: قوله: {وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَاراً } فاعلم أن أقسام المياه المنبعثة عن الأرض أربعة: الأول: ماء العيون السيالة وهي تنبعث من أبخرة كثيرة المادة قوية الاندفاع تفجر الأرض بقوة، ثم لا يزال يستتبع جزء منها جزءاً الثاني: ماء العيون الراكدة وهي تحدث من أبخرة بلغت من قوتها أن اندفعت إلى وجه الأرض ولم تبلغ من قوتها وكثرة مادتها أن يطرد تاليها سابقها الثالث: مياه القنى والأنهار وهي متولدة من أبخرة ناقصة القوة على أن تشق الأرض، فإذا أزيل عن وجهها ثقل التراب صادفت حينئذ تلك الأبخرة منفذاً تندفع إليه بأدنى حركة الرابع: مياه الآبار وهي نبعية كمياه الأنهار إلا أنه لم يجعل له سيل إلى موضع يسيل إليه ونسبة القنى إلى الآبار نسبة العيون الراكدة فقد ظهر أنه لولا صلابة الأرض لما اجتمعت تلك الأبخرة في باطنها إذ لولا اجتماعها في باطنها لما حدثت هذه العيون في ظاهرها. المنفعة الثالثة للأرض: قوله: {وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِىَ } والمراد منها الجبال، فنقول أكثر العيون والسحب والمعدنيات إنما تكون في الجبال أو فيما يقرب منها، أما العيون فلأن الأرض إذا كانت رخوة نشفت الأبخرة عنها فلا يجتمع منها قدر يعتد به، فإذن هذه الأبخرة لا تجتمع إلا في الأرض الصلبة والجبال أصلب الأرض، فلا جرم كانت أقواها على حبس هذا البخار حتى يجتمع ما يصلح أن يكون مادة للعيون ويشبه أن يكون مستقر الجبل مملوءاً ماء، ويكون الجبل في حقنه الأبخرة مثل الأنبيق الصلب المعد للتقطير لا يدع شيئاً من البخار يتحلل ونفس الأرض التي تحته كالقرعة والعيون كالأذناب والبخار كالقوابل، ولذلك فإن أكثر العيون إنما تنفجر من الجبال وأقلها في البراري، وذلك الأقل لا يكون إلا إذا كانت الأرض صلبة. وأما أن أكثر السحب تكون في الجبال فلوجوه ثلاثة: أحدها: أن في باطن الجبال من النداوات مالا يكون في باطن الأرضين الرخوة وثانيها: أن الجبال بسبب ارتفاعها أبرد فلا جرم يبقى على ظاهرها من الأنداء ومن الثلوج ما لا يبقى على ظهر سائر الأرضين وثالثها: أن الأبخرة الصاعدة تكون محبوسة بالجبال فلا تتفرق ولا تتحلل، وإذا ثبت ذلك ظهر أن أسباب كثرة السحب في الجبال أكثر لأن المادة فيها ظاهراً وباطناً أكثر، والاحتقان أشد السبب المحلل وهو الحر أقل، فلذلك كانت السحب في الجبال أكثر. وأما المعدنيات المحتاجة إلى أبخرة يكون اختلاطها بالأرضية أكثر وإلى بقاء مدة طويلة يتم النضج فيها فلا شيء لها في هذا المعنى كالجبال. المنفعة الرابعة للأرض: قوله: {وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً } فالمقصود منه أن لا يفسد العذب بالاختلاط، وأيضاً فلينتفع بذلك الحاجز، وأيضاً المؤمن في قلبه بحران بحر الإيمان والحكمة وبحر الطغيان والشهوة وهو بتوفيقه جعل بينهما حاجزاً لكي لا يفسد أحدهما بالآخر، وقال بعض الحكماء في قوله: { أية : مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ } تفسير : [الرحمٰن: 19، 20] قال عند عدم البغي { أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } تفسير : [الرحمٰن: 22] فعند عدم البغي في القلب يخرج الدين والإيمان بالشكر، فإن قيل ولم جعل البحر ملحاً؟ قلنا لولا ملوحته لأجن وانتشر فساد أجونته في الأرض وأحدث الوباء العام، واعلم أن اختصاص البحر بجانب من الأرض دون جانب أمر غير واجب بل الحق أن البحر ينتقل في مدد لا تضبطها التواريخ المنقولة من قرن إلى قرن لأن استمداد البحر في الأكثر من الأنهار، والأنهار تستمد في الأكثر من العيون، وأما مياه السماء فإن حدوثها في فصل بعينه دون فصل، ثم لا العيون ولا مياه السماء يجب أن تتشابه أحوالها في بقاع واحدة بأعيانها تشابهاً مستمراً فإن كثيراً من العيون يغور، وكثيراً ما تقحط السماء فلا بد حينئذ من نضوب الأودية والأنهار فيعرض بسبب ذلك نضوب البحار، وإذا حدثت العيون من جانب آخر حدثت الأنهار هناك فحصلت البحار من ذلك الجانب، ثم إنه سبحانه لما بين أنه هو المختص بالقدرة على خلق الأرض التي فيها هذه المنافع الجليلة وجب أن يكون هو المختص بالإلهية، ونبه بقوله تعالى: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } على عظم جهلهم بالذهاب عن هذا التفكر.

البيضاوي

تفسير : {أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً} بدل من {أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ} وجعلها قراراً بإبداء بعضها من الماء وتسويتها بحيث يتأتى استقرار الإِنسان والدواب عليها. {وَجَعَلَ خِلاَلَهَا} وسطها. {أَنْهَاراً} جارية. {وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ} جبالاً تتكون فيها المعادن وتنبع من حضيضها المنابع. {وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ} العذب والمالح، أو خليجي فارس والروم. {حَاجِزاً } برزخاً وقد مر بيانه في سورة «الفرقان». {أََءِلَهٌ مَّعَ ٱللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} الحق فيشركون به. {أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} المضطر الذي أحوجه شدة ما به إلى اللجوء إلى الله تعالى من الاضطرار، وهو إفتعال من الضرورة واللام فيه للجنس لا للاستغراق فلا يلزم منه إجابة كل مضطر. {وَيَكْشِفُ ٱلسُّوء } ويدفع عن الإِنسان ما يسوءه. {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ} خلفاء فيها بأن ورثكم سكناها والتصرف فيها ممن قبلكم. {أََءِلَهٌ مَّعَ ٱللهِ} الذي خصكم بهذه النعم العامة والخاصة. {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} أي تذكرون آلاءه تذكراً قليلاً، وما مزيدة والمراد بالقلة العدم أو الحقارة المزيحة للفائدة. وقرأ أبو عمرو وهشام وروح بالياء وحمزة والكسائي وحفص بالتاء وتخفيف الذال. {أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} بالنجوم وعلامات الأرض، والـ {ظُلُمَـٰتِ } ظلمات الليالي وإضافتها إلى {ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ} للملابسة، أو مشتبهات الطرق يقال طريقة ظلماء وعمياء للتي لا منار بها. {وَمَن يُرْسِلُ ٱلرّيَاحَ بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} يعني المطر، ولو صح أن السبب الأكثر في تكون الرياح معاودة الأدخنة الصاعدة من الطبقة الباردة لإِنكسار حرها وتمويجها الهواء فلا شك أن الأسباب الفاعلية والقابلية لذلك من خلق الله تعالى، والفاعل للسبب فعل المسبب. {أَءِلَهٌ مَّعَ ٱللهِ} يقدر على مثل ذلك. {تَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تعالى الله القادر الخالق عن مشاركة العاجز المخلوق. {أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ} والكفرة وإن أنكروا الإِعادة فهم محجوجون بالحجج الدالة عليها. {وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَاءِ وٱلأَرْضِ} أي بأسباب سماوية وأرضية. {أَءِلَهٌ مَّعَ ٱللهِ} يفعل ذلك. {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ } على أن غيره يقدر على شيء من ذلك. {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } في إشراككم فإن كمال القدرة من لوازم الألوهية. {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} لما بين اختصاصه تعالى بالقدرة التامة الفائقة العامة أتبعه ما هو كاللازم له، وهو التفرد بعلم الغيب والاستثناء منقطع، ورفع المستثنى على اللغة التميمية للدلالة على أنه تعالى إن كان ممن في السموات والأرض ففيها من يعلم الغيب مبالغة في نفيه عنهم، أو متصل على أن المراد ممن في السموات والأرض من تعلق علمه بها واطلع عليها اطلاع الحاضر فيها، فإنه يعم الله تعالى وأولي العلم من خلقه وهو موصول أو موصوف. {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} متى ينشرون مركبة من «أي» «وآن»، وقرئت بكسر الهمزة والضمير لمن وقيل للكفرة. {بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} لما نفى عنهم علم الغيب وأكد ذلك ينفي شعورهم بما هو مآلهم لا محالة بالغة فيه، بأن أضرب عنه وبين أن ما انتهى وتكامل فيه أسباب علمهم من الحجج والآيات وهو أن القيامة كائنة لا محالة لا يعلمونه كما ينبغي. {بَلْ هُمْ فِي شَكّ مّنْهَا} كمن تحير في الأمر لا يجد عليه دليلاً. {بَلْ هُم مّنْهَا عَمُونَ} لا يدركون دلائلها لاختلال بصيرتهم، وهذا وإن اختص بالمشركين ممن في السموات والأرض نسب إلى جميعهم كما يسند فعل البعض إلى الكل، والإِضرابات الثلاث تنزيل لأحوالهم، وقيل الأول إضراب عن نفي الشعور بوقت القيامة عنهم إلى وصفهم باستحكام علمهم في أمر الآخرة تهكماً بهم، وقيل أدرك بمعنى انتهى واضمحل من قولهم أدركت الثمرة لأن تلك غايتها التي عندها تعدم. وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص »بَلِ أَدْرَاكَ« بمعنى تتابع حتى استحكم، أو تتابع حتى انقطع من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك، وأبو بكر «أدرك» وأصلهما تفاعل وافتعل. وقرىء «أأدرك» بهمزتين «وآأدرك» بألف بينهما و «بل أدرك» و «بل تدارك» و «بلى أأدرك» و «بلى أأدرك» و «أم إدراك» أو «تدارك»، وما فيه استفهام صريح أو مضمن من ذلك فإنكار وما فيه بلى فإثبات لشعورهم وتفسير له بالإِدراك على التهكم، وما بعده إضراب عن التفسير مبالغة في نفيه ودلالة على أن شعورهم بها أنهم شاكون فيها {بَلِ} إنهم {مّنْهَا عَمُونَ} أوْ رَدَّ وإنكار لشعورهم. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَءِذَا كُنَّا تُرَاباً وَءَابَاؤُنَا أَءِنَّا لَمُخْرَجُونَ} كالبيان لعمههم والعامل في إذا ما دل عليه {أَءنَّا لَمُخْرَجُونَ}، وهو نخرج لا مخرجون لأن كلاً من الهمزة وإن واللام مانعة من عمله فيما قبلها، وتكرير الهمزة للمبالغة في الإِنكار، والمراد بالإِخراج الإِخراج من الأجداث أو من حال الفناء إلى الحياة، وقرأ نافع «إذا كنا» بهمزة واحدة مكسورة، وقرأ ابن عامر والكسائي «إننا لمخرجون» بنونين على الخبر. {لَقَدْ وُعِدْنَا هَـٰذَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَاَ مِن قَبْلُ} من قبل وعد محمد صلى الله عليه وسلم، وتقديم هذا على نحن لأن المقصود بالذكر هو البعث وحيث أخر فالمقصود به المبعوث. {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} التي هي كالأسمار. {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَاْنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ} تهديد لهم على التكذيب وتخويف بأن ينزل بهم مثل ما نزل بالمكذبين قبلهم، والتعبير عنهم بـ {ٱلْمُجْرِمِينَ} ليكون لطفاً بالمؤمنين في ترك الجرائم. {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } على تكذبيهم وإعراضهم. {وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ} في حرج صدر، وقرأ ابن كثير بكسر الضاد وهما لغتان، وقرىء ضيق أي أمر ضيق. {مّمَّا يَمْكُرُونَ} من مكرهم فإن الله يعصمك من الناس.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً} أي: قارة ساكنة ثابتة، لا تميد ولا تتحرك بأهلها، ولا ترجف بهم؛ فإنها لو كانت كذلك، لما طاب عليها العيش والحياة، بل جعلها من فضله ورحمته مهاداً بساطاً ثابتة، لا تتزلزل ولا تتحرك، كما قال تعالى في الآية الآخرى: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً}تفسير : [غافر: 64] {وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً} أي: جعل فيها الأنهار العذبة الطيبة، شقها في خلالها، وصرفها فيها؛ ما بين أنهار كبار وصغار وبين ذلك، وسيرها شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً بحسب مصالح عباده في أقاليمهم وأقطارهم حيث ذرأهم في أرجاء الأرض، وسير لهم أرزاقهم بحسب ما يحتاجون إليه، {وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ} أي: جبالاً شامخة ترسي الأرض وتثبتها؛ لئلا تميد بهم، {وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ} أي: جعل بين المياه العذبة والمالحة حاجزاً، أي: مانعاً يمنعها من الاختلاط؛ لئلا يفسد هذا بهذا، وهذا بهذا؛ فإن الحكمة الإلهية تقتضي بقاء كل منهما على صفته المقصودة منه، فإن البحر الحلو هو هذه الأنهار السارحة الجارية بين الناس، والمقصود منها أن تكون عذبة زلالاً يسقى الحيوان والنبات والثمار منها. والبحار المالحة هي المحيطة بالأرجاء والأقطار من كل جانب، والمقصود منها أن يكون ماؤها ملحاً أجاجاً؛ لئلا يفسد الهواء بريحها؛ كما قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً} تفسير : [الفرقان: 53] ولهذا قال تعالى: {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللهِ} أي: فعل هذا؟ أو يعبد، على القول الأول والآخر؟. وكلاهما متلازم صحيح، {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: في عبادتهم غيره.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً } لا تميد بأهلها {وَجَعَلَ خِلاَلَهَا } فيما بينها {أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِىَ } جبالاً أثبت بها الأرض {وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً } بين العذب والملح لا يختلط أحدهما بالآخر {أَءِلٰهٌ مَّعَ ٱلله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } توحيده.

الماوردي

تفسير : قوله: {أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً} أي جعلها مستقراً. {وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً} أي في مسالكها ونواحيها أنهار جارية ينبت بها الزرع ويحيي به الخلق. {وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ} يعني جبالاً هي لها ماسكة والأرض بها ثابتة. {وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَينِ حَاجِزاً} فيه أربعة أقاويل: أحدها: بحر السماء والأرض، قاله مجاهد. الثاني: بحر فارس والروم، قاله الحسن. الثالث: بحر الشام والعراق، قاله السدي. الرابع: العذب والمالح، قاله الضحاك. والحاجز المانع من اختلاط أحدهما بالآخر فيه وجهان: أحدهما: حاجزاً من الله لا يبغي أحدهما على صاحبه، قاله قتادة. الثاني: حاجزاً من الأرض أن يختلط أحدهما بالآخر، حكاه قتادة. {أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يعقلون، قاله ابن عباس. الثاني: لا يعلمون توحيد الله، حكاه النقاش. الثالث: لا يتفكرون، حكاه ابن شجرة.

ابن عبد السلام

تفسير : {قَرَاراً} مستقراً. {خِلالَهَآ} في مسالكها ونواحيها. {الْبَحْرَيْنِ} بحر السماء وبحر الأرض، أو بحر فارس والروم، أو بحر الشام والعراق، أو العذب والمالح. {حَاجِزاً} مانعاً من الله تعالى لا يبغي أحدهما على صاحبه، أو حاجزاً من الأرض أن يختلطا. {لا يَعْلَمُونَ} التوحيد، أو لا يعقلون، أو لا يتفكرون.

ابن عادل

تفسير : قوله: {أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً}، قال الزمخشري: "أَمَّنْ" وما بعده بدل من "أَمَّنْ خَلَقَ"، وحكمها حكمه. ومعنى قراراً: لا تميد بأهلها، فإنها لو كانت متحركة لما استقر أحد بالسكنى على الأرض. قوله: "خِلاَلَهَا": يجوز أن يكون ظرفاً، لـ "جعل" بمعنى خلق المتعدية لواحد، وأن يكون في محلّ المفعول الثاني على أنها بمعنى صيّر، وخلالها: وسطها أنهاراً. واعلم أنّ المياه المنبعثة في الأرض أربعة. الأوّل: مياه العيون السيالة، قال ابن الخطيب: وهي تنبيعث من أبخرة كثيرة المادة قوية الاندفاع تفجر الأرض بقوة. الثاني: ماء العيون الراكدة، وهي تحدث من أبخرة بلغت قوتها إلى وجه الأرض، ولم يبلغ من قوتها وكثرة مادتها أن يطرد (تاليها سابقها). الثالث: ماء القنى والأنهار، وهي متولدة من أبخرة ناقصة القوة عن أن تشق الأرض، فإذا أزيل عن وجهها ثقل التراب صار حينئذ لتلك الأبخرة منفذاً يندفع إليه بأدنى حركة. الرابع: مياه الآبار، وهي منبعثة كمياه الأنهار إلاّ أنه لم يحصل لها ميل إلى موضع تسيل إليه. ونسبة القنى إلى الآبار نسبة العيون السيالة إلى العيون الراكدة. قوله: {وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ} وهي الجبال ثوابت. قوله: {بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ}: يجوز فيه ما جاز في "خِلاَلَهَا"، والحاجز: الفاصل: حجز بينهم يحجز أي: منع وفصل، والمراد بالبحرين: العذب والملح: {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله} قرىء "أَإِلهٌ" بتحقيق الهمزتين وتخفيف الثانية، وإدخال ألف بينهما تخفيفاً وتسهيلاً. وهذا كله معروف من أوّل هذا الكتاب، {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} توحيد ربهم. قوله: {أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} المضطر: اسم مفعول مأخوذ من اضطر، ولا يستعمل إلا مبنياً للمفعول، وإنّما كرر الجعل هنا، ولم يشرك بين المعمولات في عامل واحد، لأن كل واحدة من هذه مِنّة مستقلة، فأبرزها في جملة مستقلة بنفسها، قال الزمخشري الضرورة الحال المحوجة إلى الالتجاء، والاضطرار: افتعال منها، فيقال: اضطُرّ إلى كذا والفاعل والمفعول مضطر. فإن قيل: هذا يعم المضطرين، وكم من مضطر يدعو فلا يجاب، فالجواب: أنه ثبت في أصول الفقه أن المفرد المعرّف لا يفيد العموم، وإنما يفيد الماهية فقط، والحكم المثبت للماهية يكفي في صدقه ثبوته في فرد واحد من أفراد الماهية فقط، فإنه تعالى وعد بالاستجابة، ولم يذكر أنه يستجيب في الحال. قوله: "وَيَكْشِفُ السُوءَ" كالتفسير للاستجابة، فإنّه لا يقدر أحد على كشف ما دفع إليه من فقر إلى غنى ومرض إلى صحة، إلاَّ القادر الذي لا يعجز، والقاهر الذي لا ينازع، {وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ} اي: يورثكم سكناها والتصرف فيها قرناً بعد قرن، وأراد بالخلافة الملك والتسليط. قوله {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} قرأ أبو عمرو وهشام: "يَذكرُونَ" بالغيبة والباقون بالخطاب، وهما واضحتان، وأبو حيوة: "تَتَذكرون" بتاءين.

ابو السعود

تفسير : {أَم مَّنْ جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً} قيلَ: هو بدلٌ من أمْ مَنْ خلقَ السمواتِ الخ وكذا ما بعدَه من الجُملِ الثَّلاثِ، وحكم الكلِّ واحدٌ والأظهرُ أنَّ كلَّ واحدةٍ منها إضرابٌ وانتقالٌ من التبكيتِ بما قبلها إلى التبكيتِ بوجهٍ آخرَ أدخلُ في الإلزامِ بجهةٍ من الجهاتِ أي جعلها بحيثُ بستقرُّ عليها الإنسانُ والدوابُّ بإبداءِ بعضِها من الماءِ ودخولها وتسويتِها حسبما تدورُ عليه منافعهُم {وَجَعَلَ خِلاَلَهَا} أوساطَها {أَنْهَاراً} جاريةً ينتفعونَ بها {وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِىَ} أي جبالاً ثوابتَ تمنعها أنْ تميدَ بأهلها ويتكونُ فيها المعادنُ وينبعُ في حضيضِها الينابـيعُ ويتعلقُ بها من المصالح ما لا يُحصى {وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ} أي العذابِ والمالحِ أو خليجيْ فارسَ والرومِ {حَاجِزاً} برزخاً مانعاً من الممازجةِ وقد مرَّ في سورةِ الفرقانِ، والجعلُ في المواقعِ الثلاثةِ الأخيرةِ إبداعيٌّ وتأخيرُ مفعولِه عن الظرفِ لما مرَّ مراراً من التَّشويقِ {أَءِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللهِ} في الوجودِ أو في إبداعِ هذه البدائعِ على ما مرَّ. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي شيئاً من الأشياءِ ولذلك لا يفهمونَ بطلانَ ما هُم عليهِ من الشركِ مع كمالِ ظهورِه.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً} [الآية: 61]. قال ابن عطاء: النفس خلقت من الأرض فسماها الله بها لمجاورتها لها، وقربها فقال: من جعل للنفوس القرار عند المناجاة فى أوان الحزمة، وجعل خلالها أنهارًا ألسنةٌ ناطقة بالذكر وأعينًا ناظرة بالعبرة وأسماعًا واعية عن الحق مخاطبًا به على لسان السفر أو الوسائط وجعل بهذه الأنفس رحمة وهم الرواسى القطب من الأولياء يرجعون إليهم عند العثرات فيقومونهم بتقويم الحق، ويردونهم إلى طرق الرشاد. قوله تعالى: {وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً} [الآية: 61]. بين أوقات الذكر، وأوقات الغفلة هل أحد يستحق الألهية إلا من يقدر على مثل هذه اللطائف. وقال جعفر: من جعل قلوب أوليائه مستقر معرفته، وجعل فيها أنوار الزوائد من بره فى كل نفس وأثبتها بحبال التوكل، وزينها بأنوار الإخلاص واليقين والمحبة، وجعل بينهما حاجزًا أى القلب والنفس لئلا يقلب عليه النفس وظلماتها. فيظلمها فجعل الحاجز بينهما التوفيق، والعقل.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ}. نفوسُ العابدين قرارُ طاعتهم، وقلوبُ العارفين قرار معرفتهم، وأرواح الواجدين قرار محبتهم، وأسرار الموحِّدين قرار مشاهدتهم، في أسرارهم أنوار الوصله وعيون القربة، وبها يسكن ظمأُ اشتياقهم وهيجانُ قَلَقِهم واحتراقِهم. {وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ} من الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة. ويقال {وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ} اليقين والتوكل. ويقال الرواسي في الأرض الأبدالُ والأولياء والأوتاد؛ بهم يديم إمساكَ الأرض، وببركاتهم يَدْفَعُ عن أهلها البلاء. ويقال الرواسي هم الأئمة الذين يَهْدُون المسترشدين إلى الله. قوله جلّ ذكره: {وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}. {وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً} بين القلب والنفس لئلا يغلب أحدُهما صاحبَه. ويقال بين العبودية وأحكامها، والحقيقة وأحكامها، فلو غَلَبَتْ العبوديةُ كان جَحْداً للحقيقة، ولو غلبت الحقيقةُ العبوديةَ كانت طَيّاً للشريعة. ويقال: ألْسِنَةُ المريدين مَقَرُّ ذكره، وأسماعُهم مَحلُّ الإدراك الموصِّل إلى الفهم، والعيون مقر الاعتبار.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً} جعل قرار ارض القلوب بانوار الغيوب لنوازل واردات المشاهدات وكشف القربان ولسكون الارواح الملكوتية فيها {وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً} اجرى فى خلال عقولها انهار انوار معرفته لانبات زواهرات المحبة والمودة والزلفة {وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ} رواسى تلك القلوب غلبات استيلاء استواء انوار شهود جلاله على دوام الانفاس {وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً} جعل بين بحر مشاهدته القديمة بحر الارواح المقدسة حواجز الارادة وبرزخ امتناع ذات القديم الازلى عن النماذج بالحدوثية وقال جعفر من جعل قلوب اوليائه مستقر معرفته وجعل فيها انهار الزوائد من بره فى كل نفس واثبتها بحبال التوكل وزينها بانوار الاخلاص واليقين والمحبة وجعل بينها حاجز اي بين القلب و النفس لئلا يغلب عليه النفس وظلمانها فيظلمها فجعل بينهما التوفيق والعقل قال الاستاذ نفوس العابدين قرار طاعتهم وقلوب العارفين قرار معرفتهم وارواح الواجدين قرار محبتهم واسرار الموحدين قرار مشاهدتهم فى اسرارهم انوار الوصلة وعيون القربة بها يسكن ظمأ اشتياقهم وهيجان قلبهم واحتراقهم وجعل لها رواسى من الخوف والرجاء والرغبة والرهبة.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {أمَّن جعلَ الأرضَ قراراً} أي: قارة ثابتة، ليستقر عليها الإنسان والدواب، بإظهار بعضها من الماء، ودحوها وتسويتها، حسبما يدور عليه منافعهم. {وجعل خلالها}؛ أواسطها {أنهاراً} جارية ينتفعون بها، {وجعل لها رواسيَ} أي: جبالاً ثوابت، تمنعها أن تميد بأهلها، ولتتكون فيها المعادن، وينبع من حضيضها المنابع. {وجعل بين البحرين} أي: العذب والمالح، أو: خليجي فارس والروم (حاجزاً)؛ برزخاً مانعاً من المعارجة والمخالطة، {أإله مع الله} في الوجود، أو: في إبداع هذه البدائع؟ {بل أكثرهم لا يعلمون} شيئاً من الأشياء، ولذلك لا يفهمون بطلان ما هم عليه من الشرك مع كمال ظهوره. الإشارة: أم من جعل أرض النفوس قراراً، لتستقر عليها أحكام العبودية، وتتصرف فيها أقدار الربوبية، وجعل خلالها أنهاراً من علوم الشرائع، وما يتعلق بعالم الحكمة من الحِكَم والأحكام، وجعل لها جبالاً من العقل لتعرف صانعها ومدبرها، وجعل بين بحر الحقيقة والشريعة حاجزاً وبرزخاً، وهو نور العقل؟ فما دام العقل صاحياً ميّز بين الحقيقة والشريعة، فيلزمه التكليف، ويعطي كل ذي حق حقه. فإذا سكر وغاب نوره سقط التكليف. وقد تُشرق على نور قمر العقل شمسُ العرفان، فتغطيه مع وجود صحوه، فيميز بين الحقائق والشرائع، وتكون عبادته أدباً وشكراً. وبالله التوفيق. ثم ذكر نوعاً آخر، فقال: {أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ...}

الطوسي

تفسير : قرأ اهل البصرة وعاصم {عما يشركون} بالياء. الباقون بالتاء. وقرأ ابو عمرو وهشام وروح {قليلاً ما يذكرون} بالياء. الباقون بالتاء. من قرأ بالياء في الموضعين جعله للمخاطبين ومن قرأ بالتاء فالى الغائبين. يقول الله تعالى منبهاً على مواقع نعمه على خلقه، ممتناً بها عليهم بأن قال {أمن} الذي {جعل الأرض قراراً} بأن أسكنها للاستقرار عليها، وامكان التصرف عليها، فمن جعلها كذلك لمصالح عباده بها على ما يحتاجون اليه منها عالم حكيم، وهو أولى بالعبادة من الاصنام {وجعل خلالها أنهاراً} يعني خلال الأرض وهي المسالك في نواحيها {أنهاراً} جمع نهر وهي المجرى الواسع من مجاري الماء، واصله الاتساع، فمنه النهار لاتساع ضيائه، ومنه انهار الدم إذا جرى، كالنهر {وجعل لها رواسي} يعني الجبال الثابتة، رست ترسو رسواً إذا ثبتت فلم تبرح من مكانها كالسفينة وغيرها، ومنه المراسي. وقوله {وجعل بين البحرين حاجزاً} فالحاجز هو المانع بين الشيئين، أن يختلط احدهما بالآخر، وقد يكون ذلك بكف كل واحد منهما عن صاحبه. وفى ذلك دلالة على امكان كف النار عن الحطب، حتى لا تحرقه ولا تسخنه كما كف الماء المالح عن الاختلاط بالعذب. ثم قال {أإله مع الله} يقدر على ذلك، تبكيتاً لهم على الاشراك به. ثم قال {بل أكثرهم لا يعلمون} حقيقة ما ذكرناه لعدو لهم عن النظر في الدلالة المؤدية اليه. وقيل {بل أكثرهم لا يعلمون} ما لهم وعليهم في العبادة إن اخلصوها، او اشركوا فيها. ثم قال {أم من يجيب المضطر إذا دعاه} فاجابة دعاء المضطر هو فعل ما دعا به، لأجل طلبه، وذلك لا يكون إلا من قادر عليه مختار له، لانه يقع على ما دعا به الداعي {ويكشف السوء} يعني الآلام يصرفها عنكم {ويجعلكم خلفاء الأرض} أي يجعل أهل كل عصر يخلفون العصر الاول {أإله مع الله} يقدر على ذلك. ثم قال {قليلا ما تذكرون} أي تفكرون قليلا بما قلناه ونبهنا عليه. ثم قال {أم من يهديكم في ظلمات البر والبحر} بما نصب لكم من الدلالات التي تستدلون بها، من الكواكب وغيرها {ومن} الذي {يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته} يعني بين يدي المطر والغيث. ومن قرأ بالنون أراد ملقحات. وقيل: معناه منتشرة. ومن قرأ بالباء أراد مبشرات بالمطر. ثم نزه نفسه عن الاشراك به واتخاذ إله معه فقال {تعالى عما يشركون} ثم قال {أم من يبدؤ الخلق ثم يعيده} يبدؤهم بأن يخترعهم ابتداء، ثم يعيدهم بعد أن يميتهم، ويعيدهم إلى ما كانوا عليه {ومن يرزقكم من السماء والأرض} من السماء بالغيث والمطر. ومن الارض بالنبات وانواع الثمار {أإله مع الله} يقدر على ذلك {قل} لهم يا محمد {هاتوا برهانكم} وحجتكم {إن كنتم صادقين} في قولكم محقين في الاشراك معه، فاذا لم تقدروا على اقامة البرهان على ذلك، فاعلموا انه لا إله معه، ولا يستحق العبادة سواه، لان كان ما يكون حقاً من أمر الدين لا بد أن يكون عليه دلالة وبرهان. ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) {قل} يا محمد {لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله} يعني الغائب عن الخلق لا يعلم به إلا الله تعالى أو من أعلمه الله، ثم اخبر انهم لا يشعرون متى يبعثون ويحشرون يوم القيامة.

الجنابذي

تفسير : {أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً} يمكن لكم التّعيّش عليها او يمكن لكم تحصيل معايشكم منها {وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً} هى عمدة اسباب معايشكم {وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ} بسببها يمكن جريان الانهار وتوليد المياه وبها سكون الارض؛ هذا بحسب التّنزيل وبحسب التّأويل لا يكون لكم خير ولا شرّ ولا قليل ولا كثيرٌ الاّ بها ولولاها لفنى الكلّ ولم يبق ذرّة من الذّرّات {وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً} مانعاً من اختلاط الماء العذب بماء الملح الاجاج وبحسب التّأويل جعل بين عالم الشّرور وعالم النّور حاجزاً مانعاً من اختلاط عالم الزّور وافساده لكم ولعالمكم وقد مرّ فى سورة الفرقان بيان البحرين وحاجزها {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} ليس لهم علمٌ وملحقون بالبهائم او اكثرهم لا يعلمون الله وصفاته.

الحبري

تفسير : مستدركات المؤلف على تفسيره ـ فُراتٌ، قالَ: حَدَّثَنَا الحُسَيْن بن الحَكَم ـ معنعناً ـ عن أَنَس بن مالِك، قالَ: لَمَّا نَزَلَ على رَسُول الله صَلَّى الله عليه وآلِهِ وَسَلَّمَ هذه الآياتُ من " طسۤ النَمْل": {أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً} إلى قَوْلِه ـ {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ}. قالَ: انَتَفَضَ عليٌّ عليه السلامُ انْتِفاضَ العُصْفُور، فقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عليه وآلِهِ وَسَلَّم: "حديث : ما لَكَ يا عليُّ؟ " تفسير : قالَ: عَجِبْتُ يا رَسُولَ اللهِ من كُفْرِهم وجُرْأَتِهِم على الله وحِلْمِ الله عَنْهُم. قالَ: فَمَسَحَهُ رَسُولُ الله صَلَّى الله عليهِ وآلِهِ وَسَلَّم وقالَ: "حديث : ابْشِر يا عليُّ، فإنَّه لا يُحِبُّكَ مُنافِقٌ، ولا يُبْغِضُكَ مُؤْمِنٌ، ولولا أَنْتَ لم يُعْرَفْ حِزْبُ الله وحِزْبُ رَسُولِهِ ".

اطفيش

تفسير : {أَمَنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً} يستقر الخلق عليها ولا تميد بهم. {وَجَعَلَ خِلالِهَا} أي بين أجزائها. {أَنْهَاراً} تجري. {وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ} جبالا فيها معادن ثبتت بها الأرض فيلا تميل. {وَجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنَ} البحر العذب والمالح أو بحر فارس وبحر الروم. {حَاجِزاً} يمنع من اختلاط أحدهما بالآخر وهو أرض وقال مجاهد حلزا لا يرى. {أَءِلَهٌ مَّعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} الحق فهم يشركون به.

اطفيش

تفسير : {أمَّن جَعَل الأرض قراراً} إضراب انتقال الى تبكيتهم لأنه لا قادر على جعل الأرض قراراً سواه سبحانه وتعالى، فكيف يعبد سواه، وقراراً موضع استقرار الانسان ولحيوان عليها بحسب ما يريدون من المصالح على حذف مضاف كما رأيت، وذلك يفيد كونها قارة فى نفسها إذ لو كانت تتحرك لم يستقروا عليها، فلا داعى الى تفسيره بأنها قارة فى نفسها، وأن قرارهم عليها يؤخذ التزاما من قرارها {وجعل خلالها} أوساطها جمع خلل وهو الفرحة بين الشيئين {أنهاراً} مجارى الماء، مستطيلة على الأرض، وليس ثقب نبع الماء {وجَعَل لَها} فيها أو لصلاح شأنها، وهو أولى للدلالة على صلاح شأنها {رواسِىَ} جبالاً رواسى ثوابت، فيها مياه تمد الأنهار، وفى أصلها عيون تجرى، وفيها معادن، وتؤخذ منها الحجارة للبناء وسائر المصالح، وتنحت منها عُمُد، وأما منع الأرض بها عن الحركة ففى غير هذه الآية، ولو أريد ذلك هنا لقيل مثلاً: امن جعل الأرض قرارا بالرواسى، ويجوز جعل ضمير لها للأنهار، بمعنى وجعل لامدادها رواسى ينبع من حضيضها الماء، فيمدها لكن فيه تفكيك الضمائر، وتغيير الجملة عما سبق له ما قبلها، وفيه أن شأن ذكر الجبال الرواسى أعظم من أن تذكر لشأن إمداد الماء فقط. {وجَعَل بيْن البَحرين} جنس البحر العذب، وجنس البحر المالح، فدخل النيل والفرات، وسيحون وجيحون {حاجزاً} مانعاً من الاختلاط، وهو القطعة من الأرض، ولو أفاض الله ما يليهن من البحور المالحة لفسدت، وقيل: البحران: بحر فارس وبحر الروم، وقيل بحر العراق والشام، ولو خلطهما لفات صلاح ما بينهما من العمران، وقيل بحر السماء وبحر الأرض، ولو خلطهما لغرقت الدنيا {أإلهٌ مع الله} يفعل ذاك أو بعضه، أو يخلق حبة من خردل أو أقل {بل أكْثرهُم لا يعْلمون} رسخ فيهم الجهل حتى إنهم لم ينكروا الشرك، مع ظهور بطلانه لبادئ الرأى، ولأصل الخلقة، ولا سيما مع تكرر الوعظ والبيان والحجج.

الالوسي

تفسير : {أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً } أي جعلها بحيث يستقر عليها الإنسان والدواب بإبداء بعضها من الماء ودحوها وتسويتها حسبما يدور عليه منافعهم ـ فقراراً ـ بمعنى مستقراً لا بمعنى قارة غير مضطربة كما زعم الطبرسي فإن الفائد على ذلك أتم، والجعل إن كان تصييرياً فالمنصوبان مفعولان وإلا فالثاني حال مقدرة، وجملة قوله تعالى: {أَمَّن جَعَلَ } الخ على ما قيل: بدل من قوله سبحانه: {أية : أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ }تفسير : [النمل: 60] إلى آخر ما بعدها من الجمل الثلاث وحكم الكل واحد، وقال بعض الأجلة: الأظهر أن كل واحدة منها إضراب وانتقال من التبكيت بما قبلها إلى التبكيت بوجه آخر داخل في الإلزام بجهة من الجهات، وإلى الإبدال ذهب صاحب «الكشاف»، وسننقل إن شاء الله تعالى عن صاحب «الكشف» ما فيه الكشف عن وجهه {وَجَعَلَ خِلَـٰلَهَا } أي أوساطها جمع خلل، وأصله الفرجة بين الشيئين فهو ظرف حل محل الحال من قوله تعالى: {أَنْهَـٰراً} وساغ ذلك مع كونه نكرة لتقدم الحال أو المفعول الثاني - لجعل - و {أَنْهَاراً } هو المفعول الأول، والمراد بالأنهار ما يجري فيها لا المحل / الذي هو الشق أي جعل خلالها أنهاراً جارية تنتفعون بها. {وَجَعَلَ لَهَا } أي لصلاح أمرها {رَوَاسِىَ } أي جبالاً ثوابت فإن لها مدخلاً عادياً اقتضته الحكمة في انكشاف المسكون منها وانحفاظها عن الميد بأهلها؛ وتكون المياه الممدة للأنهار المفضية لنضارتها في حضيضها إلى غير ذلك، وذكر بعضهم في منفعة الجبال تكوّن المعادن فيها ونبع المنابع من حضيضها ولم يتعرض لمنفعة منعها الأرض عن الحركة والميلان، وعلل ترك التعرض بأنه لو كان المقصود ذلك لذكر عقب جعل الأرض قراراً، ومن أنصف رأى أن منع الجبال الأرض عن الحركة والميلان اللذين يخرجان الأرض عن حيز الانتفاع ويجعلان وجودها كعدمها من أهم ما يذكر هنا لأنه مما به صلاح أمرها ورفعة شأنها، وذكر {لَهَا } دون فيها أو عليها ظاهر في أن المراد ما هو من هذا القبيل من المنافع فتأمل. وإرجاع ضمير {لَهَا } للأنهار ليكون المعنى وجعل لامدادها رواسي ينبع من حضيضها الماء فيمدها لا يخفى ما فيه {وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ } أي العذب والملح - عن الضحاك - أو بحري فارس والروم - عن الحسن - أو بحري العراق والشام - عن السدي - أبو بحري السماء والأرض - عن مجاهد - {حَاجِزاً } فاصلاً يمنع من الممازجة، وقد مر الكلام في تحقيق ذلك فتذكر. {ءَإِله مَعَ ٱللَّهِ } في الوجود أو في إبداع هذه البدائع على ما مر {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أي شيئاً من الأشياء علماً معتداً به وذلك لا يفهمون بطلان ما هم عليه من الشرك مع كمال ظهوره.

ابن عاشور

تفسير : {أم} للإضراب الانتقالي مثل أختها السابقة. وهذا انتقال من الاستدلال المشوب بالامتنان إلى الاستدلال المجرد بدلائل قدرته وعلمه بأن خلق المخلوقات العظيمة وبتدبيره نظامها حتى لا يطغى بعضها على بعض فيختل نظام الجميع. ولأجل كون الغرض من هذا الاستدلال إثبات عظم القدرة وحكمة الصنع لم يجيء خلاله بخطاب للمشركين كما جاء في قوله في الآية قبلها {أية : وأنزل لكم من السماء ماء}تفسير : [النمل: 60] الآية، وإن كان هذا الصنع العجيب لا يخلو من لطف بالمخلوقات أراده خالقها، ولكن ذلك غير مقصود بالقصد الأول من سوق الدليل هنا. والقرار: مصدر قرّ، إذا ثبت وسكن. ووصف الأرض به للمبالغة، أي ذات قرار. والمعنى جعل الأرض ثابتة قارّة غير مضطربة. وهذا تدبير عجيب ولا يُدرك تمام هذا الصنع العجيب إلا عند العلم بأن هذه الأرض سابحة في الهواء متحركة في كل لحظة وهي مع ذلك قارّة فيما يبدو لسكانها فهذا تدبير أعجب، وفيه مع ذلك رحمة ونعمة، ولولا قرارها لكان الناس عليها متزلزلين مضطربين ولكانت أشغالهم مُعنتة لهم. ومع جعلها قراراً شقّ فيها الأنهار فجعلها خلالها. وخلال الشيء: منفرج ما بين أجزائه. والأنهار تشق الأرض في أخاديد فتجري خلال الأرض. والرواسي: الجبال، جمع راسٍ وهو الثابت. واللام في {لها}لام العلة، أي الرواسي لأجلها أي لفائدتها، فإن في تكوين الجبال حكمة لدفع الملاسة عن الأرض ليكون سيرها في الكرة الهوائية معدلاً غير شديد السرعة وبذلك دوام سيرها. وجعل الحاجز بين البحرين من بديع الحكمة، وهو حاجز معنوي حاصل من دفع كلا الماءين: أحدهما الآخر عن الاختلاط به، بسبب تفاوت الثقل النسبي لاختلاف الأجزاء المركب منها الماء الملح والماء العذب. فالحاحز حاجز من طبعهما وليس جسماً آخر فاصلاً بينهما، وتقدم في سورة النحل. وهذا الجعل كناية عن خلق البحرين أيضاً لأن الحجز بينهما يقتضي خلقهما وخلق الملوحة والعذوبة فيهما. ثم ذيّل بالاستفهام الإنكاري وبالاستدراك بجملة مماثلة لما ذُيّل به الاستدلال الذي قبلها على طريقة التكرير تعديداً للإنكار وتمهيداً للتوبيخ بقوله {بل أكثرهم لا يعلمون.}وأوثر هنا نفي صفة العلم عن أكثر المشركين لقلة من ينظر في دقائق هذه المصنوعات وخصائصها منهم فإن اعتياد مشاهدتها من أول نشأة الناظر يذهله عما فيها من دلائل بديع الصنع. فأكثر المشركين يجهل ذلك ولا يهتدي بما فيه، أما المؤمنون فقد نبههم القرآن إلى ذلك فهم يقرأون آياته المتكرر فيها الاستدلال والنظر. وهذه الدلائل لا تخلو عن نعمة من ورائها كما علمته آنفاً ولكنها سيقت هنا لإرادة الاستدلال لا للامتنان.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَمْ مَنْ} {خِلاَلَهَآ} {أَنْهَاراً} {رَوَاسِيَ} {أَإِلَـٰهٌ} (61) - واسأَلْهُمْ: هَلْ عِبَادَةُ مَا تَعبُدُونَ مِنَ الأَوثانِ والأَصْنَامِ، التي لا تَضُرُّ وَلاَ تَنفَعُ خَيرٌ أمْ عِبَادَةُ اللهِ الذي جَعَلَ الأَرضَ مُسْتَقَرّاً للبَشَرِ وَالمَخْلُوقَاتِ، وَجَعَلَ فِيها أنهاراً يَنْتَفِعُونَ بِها في شُربِهِمْ وَسَقْيِ أنعَامِهِم وريِّ زُرُوعِهِمْ؟ وَجَعَلَ فِيها جبَالاً رَاسِيَاتٍ تُرسِي الأَرْضَ وَتُثَبِّتُها لِكيلا تَمِيدَ وَتَضْطَرِبَ بِمَنْ عَلَيها، وَجَعَلَ بَينَ المِيَاهِ العَذبَةِ والمَلِحَةِ حَاجِزاً يَمنَعُها مِنَ الاختِلاَطِ لِكَيلا يَفْسُدَ المَاءُ العَذْبُ، فَيمتَنِعَ عَلى الإِنسانِ والحَيَوانِ والنَّبَاتِ الانتِفَاعُ بهِ، وَجَعَلَ البِحَارَ مَلِحَةً لأَنها سَاكِنَةٌ، وَلولا مُلُوحَتُها لَفَسَدَتْ. إِنَّهُمْ سَيَقُولُونَ إِنَّ الذِي فَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ هُوَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَحْدَهُ، ولا شَرِيكَ لَهُ فِيهِ. فَقُلْ لَهُمْ كَيفَ تعبُدُونَ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى لاَ تَسْتَطِيعُ فِعْلَ شيءٍ مِنْ ذَلك كُلِّه؟ ولكِنَّ أَكثَرَهُمْ جَاهِلُونَ عَظَمَةَ اللهِ، وَيَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ (لاَ يَعْلَمُون). الأرضَ قَرَاراً - مُسْتَقرّاً بالدَّحْوِ والتَّسْوِيَةِ. رَوَاسِي - جِبَالاً ثَوَابِتَ لكَيلاَ تَضْطَرِبَ بِمَنْ عَلَيهَا. حَاجِزاً - فَاصِلاً يَمْنَعُ اختِلاَطَهُما.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لما تكلم الحق سبحانه في الآية السابقة عن السماوات والأرض أتى بأشياء مشتركة بينهما، فالسماء ينزل منها الماء، والأرض تستقبل الماء، وتنبت لنا الحدائق ذات البهجة. أما في هذه الآية، فالكلام عن الأرض، لذلك ذكر لنا مسائل من خصوصيات الأرض، {أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً ..} [النمل: 61] معنى: قراراً أي استقراراً، حيث خلقها سبحانه على هيئة مريحة تصلح لأنْ يستقرَّ عليها الإنسان. {وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً} [النمل: 61] الماء ينزل من السماء وينتفع به مَنْ سقط عليه مباشرة، أما ما ينزل على الجبال فيجتمع في الوديان وتُصنع له السدود لينتفع الناس به عند القحط، ومن ماء المطر ما ينساب في مَجَارٍ تُسمَّى الأنهار. وتستطيع أنْ تُفرِّق بين النهر والقناة الصناعية، فالنهر ينساب الماء فيه من أعالي الجبال، ومن أماكن متفرقة تتتبع المنخفضات والسهل من الأرض الذي يستطيع الماء أنْ يشقَّ مجراه فيه فتراه ملتوياً متعرجاً، يدور حول الجبال أو الصخور ليشقَّ مجراه. أما القناة الصناعية، فتراها على هيئة الاستقامة، إلا إذا اعترض طريق حفرها مثلاً أحد أصحاب النفوذ، فيحملهم على تغيير المسار والانحراف به ليتفادى المرور بأرضه. وتستطيع أنْ تلاحظ هذه الظاهرة إذا تبولْتَ في أرض رملية ونظرتَ إلى مجرى البول، فتراه يسير متعرجاً حسب طبيعة الأرض التي يمرُّ بها. {وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ} [النمل: 61] الرواسي: هي الجبال الثابتة الراسية، وفي موضع آخر بيَّن سبحانه الحكمة من هذه الجبال فقال: {أية : وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ}تفسير : [النحل: 15]. فالحكمة من خَلْق الجبال تثبيت الأرض حتى لا تضطرب، ولو أنها خُلِقَتْ على هيئة الثبات والاستقرار لما احتاجتْ إلى الجبال، إذن: هي مخلوقة على هيئة الحركة، ولا بُدَّ لها من مُثقِّلات. ولا تقتصر الحكمة من خَلْق الجبال على تثبيت الأرض، إنما لها مهمة أخرى في قوله تعالى: {أية : وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ}تفسير : [النازعات: 32ـ33]. فكيف تكون الجبال متاعاً للإنسان وللحيوان؟ نعم، هي متاع؛ لأنها مخزن مياه، حينما ينقطع المطر نجد المياه التي تساقطت على الجبال، إما في الأنهار، وإما في الشلالات، وخلف السدود بين الوديان، أو في العيون والآبار مما امتصته الأرض. وكما أن الجبال هي مخازن للمياه، هي أيضاً مخازن للخصوبة التي تمدُّ الأرض الزراعية عاماً بعد عام بقدر، بحيث تستمر خصوبة الأرض، وسبق أنْ تكلمنا عن ظاهرة التعرية التي تُفتِّت الطبقة العليا من الصخور، فتنزل إلى الوديان مع ماء المطر، وتختلط بالتربة الزراعية فتزيد من خصوبتها. ولولا صلابة الجبال وتماسك صخورها لتفتتتْ في عدة سنوات، ولفقدنا مصدر الخصوبة بعد ذلك، فهذه الظاهرة من علامات رحمة الله بخَلْقه؛ لأنها تتناسب مع الزيادة السكانية بحيث كلما زاد السكان زادتْ الرقعة الخصبة الصالحة للزراعة. وسبق أنْ قُلْنا: إنك حين تتأمل وضع الجبال مع الوديان تجد أن الجبل مُثلث قاعدته إلى أسفل، وقمته إلى أعلى، أما الوديان فعلى عكس الجبال، فهي مثلث قاعدته إلى أعلى وقمته إلى أسفل، وهكذا نرى أن كل زيادة من طَمْى الجبل والغِرْين الذي يتفتت منه يزيد في مساحة الوادي، فتزداد الرقعة الخصبة كل عام مع زيادة السكان. لذلك يقول تعالى عن الجبال: {أية : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا ..}تفسير : [فصلت: 9-10]. فجعل الجبال الرواسي هي مخازن القوت من طعام وشراب، ولك أن تتأمل نيل مصر وواديه، كيف تكوَّن من الطمي الذي حملتْه المياه من أعالي الجبال في إفريقيا، ليُكَوِّن هذه المنطقة الخِصْبة في مصر. ثم يقول سبحانه: {وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً} [النمل: 61]. البحرين: أي العَذْب والمالح لأن الماء: منه العَذْب، ومنه المالح، ومن قدرته تعالى وحكمته أنْ يحجز بينهما، وإنْ كان الماء المالح هو مصدر الماء العَذْب، لذلك جعل الله تعالى مساحة السطح للماء المالح ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، وكلما اتسع سطح الماء اتسع البَخْر الذي يكوِّن السحاب، بحيث يسقط المطر الكافي لمعيشة أهل الأرض. وما أجملَ قول الشاعر المادح: شعر : أهدى لمجلسه الكريم وإنَّما أهدى لَهُ مَا حُزْتَ مَن نَعْمائِهِ كَالبَحْرِ يُمطِرهُ السَّحابُ ومَا لَهُ فَضْلٌ عليْه لأنَّه مِنْ مَائِهِ تفسير : ولكي تعلم فضل الله علينا في إنزال المطر وتوفير الماء العَذْب، انظر إلى التكلفة والمشقة التي تعانيها لتقطير عدة سنتميترات من الماء، في حين أنك لا تدري بعملية التقطير الواسعة التي تسقي البلاد والعباد في كل أنحاء الدنيا. وقد مثَّلنْا لمسألة اتساع رقعة البَحْر بكوب الماء إذا أرقْتَه على الأرض، فإنه يجفُّ في عدة دقائق، أمّا لو تركت الماء في الكوب لعدة أيام، فإنه لا ينقص منه إلا القليل. ومن الماء العَذْب ما سلكه الله تعالى ينابيع في الأرض ليخرجه الإنسان إذا أعوزه الماء على السطح، أو سلكه ينابيع في الأرض بمعنى أن يسير العَذْب بجوار المالح، لا يختلط أحدهما بالآخر مع ما عُرِف عن الماء من خاصية الاستطراق. وهذه من عجائب قدرة الله الخالق، فمِنْ قَعْر البحر المالح تخرج عيون الماء العَذْب؛ لأن لكل منهما طريقاً ومسلكاً وشعيرات يسير فيها بحيث لا يبغي أحدهما على الآخر، كما قال تعالى: {أية : مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ}تفسير : [الرحمن: 19-20]. وكما أن الماء العَذْب يتسرب إلى باطن الأرض ليكوِّن الآبار والعيون، فكذلك الماء المالح يتسرب في باطن الأرض ليكوِّن من تفاعلاته الأحجار الكريمة، كالمرمر، والمعادن كالحديد والمنجنيز والجرانيت .. الخ. وبعد أن ذكر لنا هذه الآيات الخاصة بالأرض جاء بهذا الاستفهام {أية : أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ ..}تفسير : [النمل: 60] يعني خلق هذه الأشياء {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [النمل: 61] والذين لا يعلمون أعلمناهم، وقطعنا حُجَّتهم بعدم العلم. ولو نظرنا إلى الأرض لوجدنا فيها آيات أخرى غير أنها مُستقرٌّ وسَكَنٌ، فالأرض كثيفة، وفيها غبرة ليست صافية البياض؛ ذلك لأن الله تعالى يريد لها أنْ تستقبل حرارة الشمس وضوءها ليستفيد منها النبات، ولو أن الأرض كانت شفافة تعكس الضوء والحرارة لما استفاد منها النبات؛ لذلك نجد بعض المشروعات تنمو في الصيف، وأخرى في الشتاء. ولما أجرَوْا بعض التجارب على النبات، فوضعوه في مكان مظلم، ثم جعلوا ثُقْباً في ناحية بحيث يدخل الضوء وجدوا أن النَّبْتة بما أودع الخالق فيها من غريزة تتجه ناحية الضوء لتأخذ حظها من النور والدفء، فسبحان الذي خلق فسوّى، والذي قدَّر فهدى. ومن آيات الله في خَلْق الأرض أنْ جعلها على هيئة الحركة والدوران، لتأخذ كل مناطقها حظها من الحرارة ومن البرودة، ويتنوع فيها المناخ بين صيف وشتاء، وخريف وربيع، إنها أدوار تتطلبها مُقوِّمات الحياة. لذلك تجد علماء النبات يُقسِّمون المناطق الزراعية على الأرض يقولون: هذا حزام القمح مثلاً، وهذا حزام الموز، وهذا حزام البطاطس، فتجد كل حزام منها يصلح لنوع خاص من المزروعات يناسب سكان هذه المنطقة وبيئتها وجوّها. لذلك نجد أن كل نوع من المزروعات في مكانه المناسب لا تصيبه الآفات، أمّا حين يُنقل إلى مكان غير مكانه، وبيئة غير بيئته لا بُدَّ أنْ يُصاب. وفي الأرض خاصية أخرى تتعلق بالإنسان تعلقاً مباشراً، فمن خصائص الأرض وهي من الطين الذي خُلِق منه الإنسان، فهي في الحقيقة أمه الأولى - فإذا مات لا يسعه إلا أحضان أمه حين يتخلى عنه أقرب الناس إليه، وألصق الناس به، عندها تستقبله الأم وتحتويه وتستر عليه كُلَّ ما يسوؤه. ومن خصائص الأرض أنها تمتص فضلات الإنسان والحيوان ومخلَّفاته وتُحوِّلها بقدرة الله إلى مُخصِّب تزدهر به المزروعات، ويزيد به المحصول، وفي الريف يحملون رَوَثَ الحيوانات ذا الرائحة الكريهة إلى الحقول، فإذا به ينبت فيه الوردة الجميلة الذكية التي يتشوَّق الإنسان لرائحتها. إنها عجائب في الخَلْق، لا يقدر عليها إلا الله عز وجل، أتذكرون المثل الذي يقول: (فلان يعمل من الفسيخ شربات) هكذا قدرة الله التي تخلق الأضداد. أَلاَ تروْن أن أفضل الفاكهة نأكلها الآن من الجبل الأصفر بمصر وهي تُرْوى بماء المجاري. وبعد أنْ حدَّثنا الحق - تبارك وتعالى - عن هذه المظاهر العامة التي يحتاجها كل الخلق في السماء والأرض والجبال والمطر .. الخ يُحدِّثنا سبحانه عن مسائل خاصة يحتاجها إنسان دون آخر، وفي وقت دون آخر، فيقول سبحانه: {أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: هل الأصنام والأوثان الناقصة من كل وجه التي لا فعل منها ولا رزق ولا نفع خير؟ أم الله الذي { جَعَلَ الأرْضَ قَرَارًا } يستقر عليها العباد ويتمكنون من السكنى والحرث والبناء والذهاب والإياب. { وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا } أي: جعل في خلال الأرض أنهارا ينتفع بها العباد في زروعهم وأشجارهم، وشربهم وشرب مواشيهم. { وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ } أي: جبالا ترسيها وتثبتها لئلا تميد وتكون أوتادا لها لئلا تضطرب. { وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ } البحر المالح والبحر العذب { حَاجِزًا } يمنع من اختلاطهما فتفوت المنفعة المقصودة من كل منهما بل جعل بينهما حاجزا من الأرض، جعل مجرى الأنهار في الأرض مبعدة عن البحار فيحصل منها مقاصدها ومصالحها، { أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ } فعل ذلك حتى يعدل به الله ويشرك به معه. { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ } فيشركون بالله تقليدا لرؤسائهم وإلا فلو علموا حق العلم لم يشركوا به شيئا.