Verse. 3221 (AR)

٢٧ - ٱلنَّمْل

27 - An-Naml (AR)

اَمَّنْ يُّجِيْبُ الْمُضْطَرَّ اِذَا دَعَاہُ وَيَكْشِفُ السُّوْۗءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَـفَاۗءَ الْاَرْضِ۝۰ۭ ءَ اِلٰہٌ مَّعَ اؘ۝۰ۭ قَلِيْلًا مَّا تَذَكَّرُوْنَ۝۶۲ۭ
Amman yujeebu almudtarra itha daAAahu wayakshifu alssooa wayajAAalukum khulafaa alardi ailahun maAAa Allahi qaleelan ma tathakkaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أَمَّن يجيب المضطر» المكروب الذي مسه الضر «إذا دعاه ويكشف السوء» عنه وعن غيره «ويجعلكم خلفاء الأرض» الإضافة بمعنى في، أي يخلف كل قرن القرن الذي قبله: «أَإِله مع الله قليلاً ما تذكَّرون» تتعظون بالفوقانية والتحتانية وفيه إدغام التاء في الذال وما زائدة لتقليل القليل.

62

Tafseer

الرازي

تفسير : النوع الثالث ـ ما يتعلق باحتياج الخلق إليه سبحانه اعلم أنه سبحانه نبه في هذه الآية على أمرين: أحدهما: قوله: {أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ } قال صاحب «الكشاف»: الضرورة الحالة المحوجة إلى الالتجاء والاضطرار افتعال منها: يقال اضطره إلى كذا والفاعل والمفعول مضطر، واعلم أن المضطر هو الذي أحوجه مرض أو فقر أو نازلة من نوازل الدهر إلى التضرع إلى الله تعالى، وعن السدي: الذي لا حول له ولا قوة، وقيل المذنب إذا استغفر، فإن قيل قد عم المضطرين بقوله: {أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ } وكم من مضطر يدعو فلا يجاب؟ جوابه: قد بينا في أصول الفقه أن المفرد المعرف لا يفيد العموم وإنما يفيد الماهية فقط، والحكم المثبت للماهية يكفي في صدقه ثبوته في فرد واحد من أفراد الماهية، وأيضاً فإنه تعالى وعد بالاستجابة ولم يذكر أنه يستجيب في الحال وتمام القول في شرائط الدعاء والإجابة مذكور في قوله تعالى: { أية : وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } تفسير : [غافر: 60] فأما قوله تعالى: {وَيَكْشِفُ ٱلسُّوء } فهو كالتفسير للاستجابة، فإنه لا يقدر أحد على كشف ما دفع إليه من فقر إلى غنى ومرض إلى صحة وضيق إلى سعة إلا القادر الذي لا يعجز والقاهر الذي لا ينازع وثانيهما: قوله: {وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاء ٱلأَرْضِ } فالمراد توارثهم سكناها والتصرف فيها قرناً بعد قرن وأراد بالخلافة الملك والتسلط، وقرىء {يَذَّكَّرُونَ } بالياء مع الإدغام وبالتاء مع الإدغام وبالحذف وما مزيدة أي يذكرون تذكرا قليلاً، والمعنى نفي التذكر والقلة تستعمل في معنى النفي.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} قال ابن عباس: هو ذو الضرورة المجهود. وقال السديّ: الذي لا حول له ولا قوّة. وقال ذون النون: هو الذي قطع العلائق عما دون الله. وقال أبو جعفر وأبو عثمان النيسابوري: هو المفلس. وقال سهل بن عبد الله: هو الذي إذا رفع يديه إلى الله داعياً لم يكن له وسيلة من طاعة قدّمها. وجاء رجل إلى مالك بن دينار فقال: أنا أسألك بالله أن تدعو لي فأنا مضطر؛ قال: إذاً فاسأله فإنه يجيب المضطر إذا دعاه. قال الشاعر:شعر : وإنِّي لأدعُو الله والأمرُ ضَيِّقٌ عليّ فما ينفَكُّ أن يَتفرّجَا ورُبَّ أخٍ سُدَّتْ عليه وُجوهُهُ أصاب لَها لَما دعا اللَّهَ مَخْرَجَا تفسير : الثانية: وفي مسند أبي داود الطيالسي عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعاء المضطر: «حديث : اللهم رحمتك أرجو فلا تَكِلْني إلى نفسي طَرْفة عين وأصلح لي شأني كلَّه لا إلٰه إلا أنت".تفسير : الثالثة: ضمن الله تعالى إجابة المضطر إذا دعاه، وأخبر بذلك عن نفسه؛ والسبب في ذلك أن الضرورة إليه باللجاء ينشأ عن الإخلاص، وقطع القلب عما سواه؛ وللإخلاص عنده سبحانه موقع وذمّة، وجد من مؤمن أو كافر، طائع أو فاجر؛ كما قال تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} تفسير : [يونس: 22] وقوله: {أية : فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} تفسير : [العنكبوت: 65] فأجابهم عند ضرورتهم ووقوع إخلاصهم، مع علمه أنهم يعودون إلى شركهم وكفرهم. وقال تعالى: {أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} تفسير : [العنكبوت: 65] فيجيب المضطر لموضع اضطراره وإخلاصه. وفي الحديث: «حديث : ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن دعوة المظلوم ودعوة المسافر ودعوة الوالد على ولده» تفسير : ذكره صاحب الشهاب؛ وهو حديث صحيح. وفي «صحيح مسلم» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاذ لما وجهه إلى أرض اليمن: «حديث : واتَّق دعوةَ المظلوم فليس بينها وبين الله حجاب» تفسير : وفي كتاب الشهاب: «حديث : اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام فيقول الله تبارك وتعالى وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين» تفسير : وهو صحيح أيضاً. وخرج الآجريِّ من حديث أبي ذَرٍّ عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : فَإني لا أردها ولو كانت من فم كافر»تفسير : فيجيب المظلوم لموضع إخلاصه بضرورته بمقتضى كرمه، وإجابة لإخلاصه وإن كان كافراً، وكذلك إن كان فاجراً في دينه؛ ففجور الفاجر وكفر الكافر لا يعود منه نقص ولا وهن على مملكة سيده، فلا يمنعه ما قضى للمضطر من إجابته. وفسر إجابة دعوة المظلوم بالنصرة على ظالمه بما شاء سبحانه من قهر له، أو اقتصاص منه، أو تسليط ظالم آخر عليه يقهره كما قال عز وجل: {أية : وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضاً} تفسير : [الأنعام: 129] وأكد سرعة إجابتها بقوله: «تُحمل على الغمام» ومعناه والله أعلم أن الله عز وجل يوكِّل ملائكته بتلقي دعوة المظلوم وبحملها على الغمام، فيعرجوا بها إلى السماء، والسماء قبلة الدعاء ليراها الملائكة كلهم، فيظهر منه معاونة المظلوم، وشفاعة منهم له في إجابة دعوته، رحمة له. وفي هذا تحذير من الظلم جملة، لما فيه من سخط الله ومعصيته ومخالفة أمره؛ حيث قال على لسان نبيه في «صحيح مسلم» وغيره: «حديث : يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّماً فلا تظالموا»تفسير : الحديث. فالمظلوم مضطر، ويقرب منه المسافر؛ لأنه منقطع عن الأهل والوطن، منفرد عن الصديق والحميم، لا يسكن قلبه إلى مسعد ولا معين لغربته، فتصدق ضرورته إلى المولى، فيخلص إليه في اللجاء، وهو المجيب للمضطر إذا دعاه، وكذلك دعوة الوالد على ولده، لا تصدر منه مع ما يعلم من حنَّته عليه وشفقته، إلا عند تكامل عجزه عنه، وصدق ضرورته؛ وإياسه عن بِرِّ ولده، مع وجود أذيته، فيسرع الحق إلى إجابته. قوله تعالى: {وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ} أي الضر. وقال الكلبي: الجور. {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ} أي سكانها يهلك قوماً وينشىء آخرين. وفي كتاب النقاش: أي ويجعل أولادكم خلفاً منكم. وقال الكلبي: خلفاً من الكفار ينزلون أرضهم، وطاعة الله بعد كفرهم. {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ} على جهة التوبيخ؛ كأنه قال أمع الله ويلكم إله؛ فـ{ـإله} مرفوع بـ{ـمع}. ويجوز أن يكون مرفوعاً بإضمار أإله مع الله يفعل ذلك فتعبدوه. والوقف على {مَعَ اللَّهِ} حسن. {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} قرأ أبو عمرو وهشام ويعقوب: {يَذَّكَّرُونَ} بالياء على الخبر، كقوله: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} و{تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} فأخبر فيما قبلها وبعدها؛ واختاره أبو حاتم. الباقون بالتاء خطاباً لقوله: {وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ}. قوله تعالى: {أَمَّن يَهْدِيكُمْ} أي يرشدكم الطريق {فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} إذا سافرتم إلى البلاد التي تتوجهون إليها بالليل والنهار. وقيل: وجعل مفاوز البر التي لا أعلام لها، ولجج البحار كأنها ظلمات؛ لأنه ليس لها علم يهتدى به. {وَمَن يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرًى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} أي قدام المطر باتفاق أهل التأويل. {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ} يفعل ذلك ويعينه عليه {تَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} من دونه. قوله تعالى: {أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ} كانوا يقرّون أنه الخالق الرازق فألزمهم الإعادة؛ أي إذا قدر على الابتداء فمن ضرورته القدرة على الإعادة، وهو أهون عليه. {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ} يخلق ويرزق ويبدىء ويعيد: {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} أي حجتكم أن لي شريكاً، أو حجتكم في أنه صنع أحد شيئاً من هذه الأشياء غير الله {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.

ابن كثير

تفسير : ينبه تعالى أنه هو المدعو عند الشدائد، المرجو عند النوازل، كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَ إِيَّاهُ} تفسير : [الإسراء: 67] وقال تعالى: {أية : ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْـئََرُونَ} تفسير : [النحل: 53] وهكذا قال ههنا: {أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ} أي: من هو الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه، والذي لا يكشف ضر المضرورين سواه؟ قال الإمام أحمد: أنبأنا عفان: أنبأنا وهيب، أنبأنا خالد الحذاء عن أبي تميمة الهجيمي، عن رجل من بلهجيم قال: قلت: يا رسول الله إلام تدعو؟ قال: «حديث : أدعو إلى الله وحده، الذي إن مسك ضر فدعوته، كشف عنك، والذي إن أضللت بأرض قفر، فدعوته، رد عليك، والذي إن أصابتك سنة، فدعوته، أنبت لك» تفسير : قال: قلت: أوصني، قال: «حديث : لا تسبن أحداً، ولا تزهدن في المعروف، ولو أن تلقى أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي، واتزر إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار؛ فإن إسبال الإزار من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة».تفسير : وقد رواه الإمام أحمد من وجه آخر، فذكر اسم الصحابي فقال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا يونس، هو ابن عبيد، حدثنا عبيدة الهجيمي، عن أبي تميمة الهجيمي عن جابر بن سليم الهجيمي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محتب بشملة، وقد وقع هدبها على قدميه، فقلت: أيكم محمد رسول الله؟ فأومأ بيده إلى نفسه، فقلت: يا رسول الله أنا من أهل البادية، وفيّ جفاؤهم، فأوصني، قال: «حديث : لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي، وإن امرؤ شتمك بما يعلم فيك، فلا تشتمه بما تعلم فيه؛ فإنه يكون لك أجره، وعليه وزره، وإياك وإسبال الإزار، فإن إسبال الإزار من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة، ولا تسبن أحداً» تفسير : قال: فما سببت بعده أحداً ولا شاة ولا بعيراً. وقد روى أبو داود والنسائي لهذا الحديث طرقاً، وعندهما طرف صالح منه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن هاشم، حدثنا عبدة بن نوح عن عمر ابن الحجاج، عن عبيد الله بن أبي صالح قال: دخل علي طاوس يعودني، فقلت له: ادع الله لي يا أبا عبد الرحمن فقال: ادع لنفسك؛ فإنه يجيب المضطر إذا دعاه، وقال وهب بن منبه: قرأت في الكتاب الأول: أن الله تعالى يقول: بعزتي إنه من اعتصم بي، فإن كادته السموات بمن فيهن، والأرض بمن فيها، فإني أجعل له من بين ذلك مخرجاً، ومن لم يعتصم بي، فإني أخسف به من تحت قدميه الأرض، فأجعله في الهواء، فأكله إلى نفسه. وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة رجل حكى عنه أبو بكر محمد ابن داود الدينوري المعروف بالدقي الصوفي، قال هذا الرجل: كنت أكاري على بغل لي من دمشق إلى بلد الزبداني، فركب معي ذات مرة رجل، فمررنا على بعض الطريق على طريق غير مسلوكة، فقال لي: خذ في هذه؛ فإنها أقرب، فقلت: لا خبرة لي فيها، فقال: بل هي أقرب، فسلكناها، فانتهينا إلى مكان وعر وواد عميق، وفيه قتلى كثيرة، فقال لي: أمسك رأس البغل حتى أنزل، فنزل وتشمر، وجمع عليه ثيابه، وسل سكيناً معه وقصدني، ففررت من بين يديه وتبعني، فناشدته الله وقلت: خذ البغل بما عليه، فقال هو لي: وإنما أريد قتلك، فخوفته الله والعقوبة، فلم يقبل، فاستسلمت بين يديه، وقلت: إن رأيت أن تتركني حتى أصلي ركعتين، فقال: عجل، فقمت أصلي، فارتج علي القرآن، فلم يحضرني منه حرف واحد، فبقيت واقفاً متحيراً، وهو يقول: هيه افرغ، فأجرى الله على لساني قوله تعالى: {أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ} فإذا أنا بفارس قد أقبل من فم الوادي، وبيده حربة، فرمى بها الرجل، فما أخطأت فؤاده، فخر صريعاً، فتعلقت بالفارس وقلت: بالله من أنت؟ فقال: أنا رسول الله الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء. قال: فأخذت البغل والحمل، ورجعت سالماً. وذكر في ترجمة فاطمة بنت الحسن أم أحمد العجيلة قالت: هزم الكفار يوماً المسلمين في غزاة، فوقف جواد جيد بصاحبه، وكان من ذوي اليسار، ومن الصلحاء، فقال للجواد: ما لك؟ ويلك إنما كنت أعدك لمثل هذا اليوم، فقال له الجواد: وما لي لا أقصر، وأنت تكل العلوفة إلى السواس، فيلظلمونني ولا يطعمونني إلا القليل؟ فقال: لك علي عهد الله أن لا أعلفك بعد هذا اليوم إلا في حجري، فجرى الجواد عند ذلك، ونجى صاحبه، وكان لا يعلفه بعد ذلك إلا في حجره، واشتهر أمره بين الناس، وجعلوا يقصدونه ليسمعوا منه ذلك، وبلغ ملك الروم أمره، فقال: ما تضام بلدة يكون هذا الرجل فيها، واحتال ليحصله في بلده، فبعث إليه رجلاً من المرتدين عنده، فلما انتهى إليه، أظهر له أنه قد حسنت نيته في الإسلام وقومه، حتى استوثق، ثم خرجا يوماً يمشيان على جنب الساحل، وقد واعد شخصاً آخر من جهة ملك الروم ليتساعدا على أسره، فلما اكتنفاه ليأخذاه، رفع طرفه إلى السماء وقال: اللهم إنه إنما خدعني بك، فاكفنيهما بما شئت. قال: فخرج سبعان إليهما فأخذاهما، ورجع الرجل سالماً. وقوله تعالى: {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ} أي: يخلف قرناً لقرن قبلهم، وخلفاً لسلف؛ كما قال تعالى: {أية : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ} تفسير : [الأنعام: 133] وقال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَـٰئِفَ ٱلأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ} تفسير : [الأنعام: 165] وقال تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} تفسير : [البقرة: 30] أي: قوماً يخلف بعضهم بعضاً؛ كما قدمنا تقريره، وهكذا هذه الآية: {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ} أي: أمة بعد أمة، وجيلاً بعد جيل، وقوماً بعد قوم، ولو شاء لأوجدهم كلهم في وقت واحد، ولم يجعل بعضهم من ذرية بعض، بل لو شاء لخلقهم كلهم أجمعين؛ كما خلق آدم من تراب، ولو شاء أن يجعلهم بعضهم من ذرية بعض، ولكن لا يميت أحداً حتى تكون وفاة الجميع في وقت واحد، فكانت تضيق عليهم الأرض، وتضيق عليهم معايشهم وأكسابهم، ويتضرر بعضهم ببعض، ولكن اقتضت حكمته وقدرته أن يخلقهم من نفس واحدة، ثم يكثرهم غاية الكثرة، ويذرأهم في الأرض، ويجعلهم قروناً بعد قرون، وأمماً بعد أمم، حتى ينقضي الأجل، وتفرغ البرية؛ كما قدر ذلك تبارك وتعالى، وكما أحصاهم وعدهم عداً، ثم يقيم القيامة، ويوفي كل عامل عمله إذا بلغ الكتاب أجله، ولهذا قال تعالى: {أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ أَءِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ} أي: يقدر على ذلك، أو أإله مع الله يعبد؟ وقد علم أن الله هو المتفرد بفعل ذلك وحده لا شريك له؟ {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} أي: ما أقل تذكرهم فيما يرشدهم إلى الحق ويهديهم إلى الصراط المستقيم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ } المكروب الذي مسَّه الضرّ {إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوء } عنه وعن غيره {وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاء ٱلاْرْضِ } الإِضافة بمعنى في: أي يخلف كل قرن القرن الذي قبله {أَءِلَٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } تتعظون بالفوقانية والتحتانية وفيه إدغام التاء في الذال و ما زائدة لتقليل القليل.

الماوردي

تفسير : قوله {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} وإنما خص إجابة المضطر لأمرين: أحدهما: لأن رغبته أقوى وسؤاله أخضع. الثاني: لأن إجابته أعم وأعظم لأنها تتضمن كشف بلوى وإسداء نعمى. {وَيَكْشِفُ السُّوءَ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون عن المضطر بإجابته. الثاني: عمن تولاه ألاَّ ينزل به. وفي {السُّوءَ} وجهان: أحدهما: الضر. الثاني: الجور، قاله الكلبي. {وَيَجْعَلَكُمْ خُلَفَآءَ الأَرْضِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: خلفاً من بعد خلف، قاله قتادة. الثاني: أولادكم خلفاء منكم، حكاه النقاش. الثالث: خلفاء من الكفار ينزلون أرضهم وطاعة الله بعد كفرهم، قاله الكلبي. {قَلِيلاً مَّا تَذَكَرُونَ} أي ما أقل تذكركم لنعم الله عليكم!

ابن عطية

تفسير : وقفهم في هذه الآية على المعاني التي تبين لكل عاقل أنه لا مدخل لصنم ولا لوثن فيها وهي عبر ونعم، فالحجة قائمة بها من الوجهين، وقوله تعالى: {يجيب المضطر} معناه بشرط إن شاء على المعتقد في الإجابة، لكن {المضطر} لا يجيبه متى أجيب إلا الله عز وجل، و {السوء} عام في كل ضر يكشفه الله تعالى عن عباده، وقرأ الحسن "ويجعلكم" بياء على صيغة المستقبل ورويت عنه بنون، وكل قرن خليف للذي قبله. وقرأ جمهور القراء "تذكرون" بالتاء على المخاطبة، وقرأ أبو عمرو وحده والحسن والأعمش بالياء على الغيب، و"الظلمات" عام لظلمة الليل التي هي الحقيقة في اللغة ولظلمة الجهل والضلال والخوف التي هي مجازات وتشبيهات وهذا كقول الشاعر: شعر : "تجلت عمايات الرجال عن الصبا" تفسير : وكما تقول أظلم الأمر وأنار، وقد تقدم اختلاف القراء في قوله {نشراً}، وقرأ الحسن وغيره، "يشركون" بالياء على الغيبة، وقرأ الجمهور "تشركون" على المخاطبة، و"بدء الخلق" اختراعه وإيجاده، و {الخلق} هنا المخلوق من جميع الأشياء لكن المقصود بنو آدم من حيث ذكر الإعادة، و "الإعادة" البعث من القبور ويحتمل أن يريد بـ {الخلق} مصدر خلق يخلق ويكون في {يبدأ} {ويعيد} استعارة للإتقان والإحسان كما تقول فلان يبدي ويعيد في أمر كذا وكذا إذا كان يتقنه، والرزق {من السماء} بالمطر ومن {الأرض} بالنبات، هذا مشهور ما يحسه البشر، وكم لله من لطف خفي، ثم أمر عز وجل نبيه أن يوقفهم على أن {الغيب} مما انفرد الله بعلمه ولذلك سمي غيباً لغيبه عن المخلوقين، ويروى أن هذه الآية من قولهم {قل لا يعلم}، إنما نزلت لأن الكفار سألوا وألحوا عن وقت القيامة التي يعدهم محمد فنزلت هذه الآية فيها التسليم لله تعالى وترك التحديد، فأعلم عز وجل أنه لا يعلم وقت الساعة سواه فجاء بلفظ يعم الساعة وغيرها، وأخبر عن البشر أنهم لا يشعرون {أيان يبعثون} وبهذه الآية احتجت عائشة رضي الله عنها على قولها ومن زعم أن محمداً يعلم الغيب فقد أعظم الفرية، والمكتوبة في قوله تعالى: {إلا الله} بدل من {من}، وقرأ جمهور الناس "أيان" بفتح الهمزة، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي "إيان" بكسرها وهما لغتان، وقرأ جمهور القراء "بل ادارك" أصله تدارك أدغمت التاء في الدال بعد أن أبدلت ثم احتيج إلى ألف الوصل، وقرأ أبي بن كعب فيما روي عنه "تدارك"، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر "بل ادرك" على وزن افتعل وهي بمعنى تفاعل، وقرأ سليمان بن يسار وعطاء بن يسار "بلَ ادّرك" بفتح اللام ولا همزة تشديد الدال دون ألف، وقرأ ابن كثير وأبو جعفر وأهل مكة، "بل أدرك"، وقرأ مجاهد "أم أدرك" بدل "بل"، وفي مصحف أبي بن كعب "أم تدارك علمهم"، وقرأ ابن عباس "بل أدرك" وقرأ ابن عباس أيضاً "بل آدارك" بهمزة ومدة على جهة الاستفهام، وقرأ ابن محيصن "بل آدرك" على الاستفهام ونسبها أبو عمرو الداني إلى ابن عباس والحسن. فأما قراءة الاستفهام فهي على معنى الهزء بالكفرة والتقرير لهم على ما هو في غاية البعد عنهم أي اعلموا أمر الآخرة وأدركها علمهم؟ وأما القراءات المتقدمة فتحتمل معنيين أحدهما "بل أدرك علمهم" أي تناهى كما تقول أدرك النبات وغيره وكما تقول هذا ما أدرك علمي من كذا وكذا فمعناه قد تتابع وتناهى علمهم بالآخرة إلى أن لا يعرفوا لها مقداراً فيؤمنوا، وإنما لهم ظنون كاذبة أو إلى أن لا يعرفوا لها وقتاً وكذلك "ادرك وتدارك" وسواها وإن جملت هذه القراءة معنى التوقيف والاستفهام ساغ وجاء إنكاراً لأن أدركوا شيئاً نافعاً، والمعنى الثاني "بل أدرك" بمعنى يدرك أي إنهم في الآخرة يدرك علمهم وقت القيامة، ويرون العذاب والحقائق التي كذبوا بها وأما في الدنيا فلا. وهذا هو تأويل ابن عباس ونحى إليه الزجاج، فقوله {في الآخرة} على هذا التأويل ظرف، وعلى التأويل الأول {في} بمعنى الباء، و "العلم" قد يتعدى بحرف الجر تقول علمي يزيد كذا ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : وعلمي بإسدام المياه... تفسير : البيت. ثم وصفهم عز وجل بأنهم {في شك منها} ثم أردف بصفة هي أبلغ من الشك وهي العمى بالجملة عن أمر الآخرة، و {عمون} أصله عميون كحذرون وغيره.

ابن عبد السلام

تفسير : {السُّوءَ} الضر، أو الجور. {خُلَفَآءَ} خلفاً بعد خلف، أولادكم خلفاً منكم، أو خلفاً من الكفار ينزلون أرضهم بطاعة الله تعالى بعد كفرهم. {مَّا تَذَكَّرُونَ} النعم.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ...} الآية، وعن حبيب بن مسلمة الفهري؛ وكان مجابَ الدعوة، قال: سمعتُ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: «لاَ يَجْتَمِعُ مَلأٌ فَيَدْعُوَ بَعْضُهُمْ وَيُؤَمِّنُ بَعْضُهُمْ إلاَّ أَجَابَهُمْ اللّهُ تعالى»، رواه الحاكم في «المستدرك»، انتهى من «سلاح المؤمن»، وعن أبي هريرةَ ـــ رضي اللّه عنه ـــ قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : ادْعُوا اللّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإجَابَةِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ لاَ يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاَهٍ» تفسير : رواه الترمذيُّ؛ وهذا لفظه. قال «صاحب السلاح»: ورواه الحاكمُ في «المستدرك» وقال: مستقيمُ الإسناد، انتهى. و {ٱلسُّوءُ} عامٌّ في كل ضرُّ يَكْشِفُه اللّهُ تعالى عن عبادِه، قال ابن عطاء اللّه: ما طُلِبَ لَك شيءٌ مثلَ الاضْطِرَارِ، ولا أسْرَع بالمواهِب لكَ مثلَ الذِّلةِ والافتقارِ، انتهى. و«الظلماتُ» عام؛ لظلمةِ الليل؛ ولظلمةِ الجهل والضلال، والرزقُ من السماءِ. هو بالمطر؛ ومن الأرض بالنبات؛ هذا هو مشهور ما يحُسُّه البشرُ، وكم للَّهِ بَعْدُ مِنْ لُطْفٍ خَفِي. ثم أمرَ تعالى نبيَّه ـــ عليه السلام ـــ أن يُوقِفَهُمْ عَلَى أَنَّ الغَيبَ مِما انفَرَدَ اللّه بعلمِه؛ ولذلكَ سُمِّي غَيْباً لغيبِه عن المخلوقين. رُوِيَ: أنَّ هذهِ الآيةَ مِن قوله: {قُل لاَّ يَعْلَمُ} إنما نَزَلَتْ لأَجْلِ سؤالِ الكفّارِ عن السَّاعَةِ الموعودِ بِهَا، فجاءَ بلفظ يَعُمَّ السَّاعَةَ وغيرَها، وأخبر عن البشر أنهم لا يشعرون إيان يبعثون. * ص *: {أَيَّانَ} اسم استفهامٍ بمعنى: متى، وهي معمولةً لـ {يُبْعَثُونَ}، والجملة في موضع نصب بـ {يَشْعُرُونَ}، انتهى. وقرأ جمهور القراء: {بَلِ ٱدَّٰرَكَ} أصله: تَدَارَكَ. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر «بل ٱدَّرَكَ» على وزن افتعل وهي بمعنى تَفَاعَلَ. وقرأ ابن كثير وأبو عمر: «بَلْ أَدْرَكَ» وهذه القراءاتُ تحتملُ مَعْنَيَيْن: أحدهما: ادَّرَكَ علمُهم، أي: تَناهى، كما تقول ادَّركَ النباتُ، والمعنى: قد تَنَاهى علمهُم بالآخرة إلى أَن لا يعرفوا لها مقداراً، فيؤمنوا وإنما لهم ظنونٌ كاذبةٌ، أو إلى أن لا يعرفوا لها وقْتاً، والمعنى الثاني: بل ادَّرَكَ بمعنى: يُدْرِك أي أنهم في الآخرة يُدْرِكُ علمُهم وقتَ القيَامَةِ، ويرونَ العذابَ والحقائقَ التي كذَّبوا بها، وأمَّا في الدنيا؛ فلا، وهذا هو تأويل ابن عباس، ونحا إليه الزجاج، فقوله {فِي ٱلأَخِرَةِ} على هذا التأويل: ظَرْفٌ؛ وعلى التأويل الأول: {فِي} بمعنى الباء. ثم وَصَفَهُمْ عَزَّ وَجَلَّ بأنهم في شكٍ منها، ثم أردف بصِفَةِ هي أبلغُ من الشَّكِ وهي العَمَى بالجُمْلَةِ عن أمر الآخرة، و {عَمُونَ}: أصله: (عميون) فَعِلُونَ كَحَذِرُون.

السيوطي

تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود والطبراني عن رجل من بلجهم قال‏:‏ قلت يا رسول الله إلام تدعو قال‏"حديث : ‏أدعو إلى الله وحده الذي إن نزل بك ضر فدعوته كشف عنك، والذي إن ضللت بأرض قفر فدعوته رد عليك، والذي إن أصابك سنة فدعوته أنزل لك ‏"‏‏.‏ تفسير : ‏وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله ‏ {‏ويكشف السوء‏}‏ قال‏:‏ الضر‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن سحيم بن نوفل قال‏:‏ بينما نحن عند عبد الله إذ جاءت وليدة إلى سيدها فقالت‏:‏ ما يحبسك وقد لفع فلان مهرك بعينه فتركه يدور في الدار كأنه في فلك‏؟‏ قم فابتغ راقياً فقال عبد الله‏:‏ لا تبتغ راقياً، وانفث في منخره الأيمن أربعاً، وفي الأيسر ثلاثاً، وقل‏:‏ لا بأس اذهب البأس رب الناس‏.‏ اشف أنت الشافي لا يكشف الضر إلا أنت قال‏:‏ فذهب ثم رجع إلينا فقال‏:‏ فعلت ما أمرتني فما جئت حتى راث وبال وأكل‏.‏ وأخرج الطبراني عن سعد بن جنادة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"‏حديث : من فارق الجماعة فهو في النار على وجهه‏؛‏ لأن الله تعالى يقول ‏{أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض‏}‏ فالخلافة من الله عز وجل فإن كان خيراً فهو يذهب به، وإن كان شراً فهو يؤخذ به، عليك أنت بالطاعة فيما أمر الله تعالى به‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البغوي في معجمه عن اياد بن لقيط قال‏:‏ قال جعدة بن هبيرة لجلسائه‏:‏ إني قد علمت ما لم تعلموا، وأدركت ما لم تدركوا، أنه سيجيء بعد هذا - يعني معاوية - أمراء ليس من رجاله ولا من ضربائه، وليس فيهم أصغر أو أبتر حتى تقوم الساعة‏.‏ هذا السلطان سلطان الله جعله وليس أنتم تجعلونه‏.‏ ألا وإن للراعي على الرعية حقاً، وللرعية على الراعي حقاً، فأدوا إليهم حقهم، فإن ظلموكم فكلوهم إلى الله فإنكم وإياهم تختصمون يوم القيامة؛ وإن الخصم لصاحبه الذي أدى إليه الحق الذي عليه في الدنيا‏.‏ ثم قرأ (‏فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين‏) ‏[‏الأعراف: 6‏] حتى بلغ (‏والوزن يومئذ القسط‏) ‏[‏الأعراف: 8‏] هكذا قرأ‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ‏{‏ويجعلكم خلفاء الأرض‏}‏ قال: خلفاً بعد خلف‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ‏{‏ويجعلكم خلفاء الأرض‏} ‏ قال‏:‏ خلفاً لمن قبلكم من الأمم‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن جرير عن ابن جريج {‏أمن يهديكم في ظلمات البر‏} ‏ قال‏:‏ ضلال الطريق ‏ {‏والبحر‏}‏ قال‏:‏ ضلالة طرقه وموجه وما يكون فيه‏.‏

ابو السعود

تفسير : {أَم مَّنْ يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} وهو الذي أحوجتْه شدةٌ من الشَّدائدِ وألجأته إى اللجَأِ والضَّراعةِ إلى الله عزَّ وجلَّ، اسم مفعولٍ من الاضطرارِ الذي هو افتعالٌ من الضِّرورةِ. وعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما هو المجهودُ وعن السُّدِّيِّ رحمه الله تعالى مَن لا حولَ له ولا قوةَ، وقيل: المذنبُ إذا استغفرَ. واللامُ للجِنسِ لا للاستغراقِ حتَّى يلزمَ إجابة كلِّ مضطرٍ. {وَيَكْشِفُ ٱلسُّوء} وهُو الذي يعترِي الإنسانَ مما يسوؤُه {وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاء ٱلأَرْضِ} أي خلفاءَ فيها بأنْ ورَّثكم سُكناها والتَّصرفَ فيها ممَّن قبلكم من الأممِ وقيل المرادُ بالخلافةِ الملكُ والتَّسلطُ. {أَءِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللهِ} الذي يُفيض على كافةِ الأنامِ هذه النعمَ الجسامَ {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} أي تذكراً قليلاً أو زماناً قليلاً تتذكرونَ، وما مزيدةٌ لتأكيدِ معنى القلَّةِ التي أريدَ بها العدمُ أو ما يجري مجراه في الحقارةِ وعدمِ الجدوى. وفي تذييلِ الكلامِ بنفي التذكرِ عنهم إيذانٌ بأنَّ مضمونَهُ مركوزٌ في ذهنِ كلِّ ذكيَ وغبـيَ وأنَّه من الوضوحِ بحيثُ لا يتوقفُ إلا على التوجِه إليه وتذكره. وقُرىء تتذكرونَ على الأصلِ وتذّكرون يذّكرونَ بالتاءِ والياءِ مع الإدغامِ. {أَم مَّنْ يَهْدِيكُمْ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ} أي في ظلماتِ الليالي فيهما على أنَّ الإضافةَ للملابسةِ أو في مشتبهاتِ الطرقِ يقالُ طريقةٌ ظلماءُ وعمياءُ للتي لا منارَ بها {وَمَن يُرْسِلُ ٱلرّيَاحَ بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ} وهي المطرُ، ولئن صحَّ أن السببَ الأكثريَّ في تكونِ الريحِ معاودةُ الأدخنةِ الصاعدةِ من الطبقةِ الباردةِ لانكسارِ حرِّها وتمويجِها للهواءِ فلا ريبَ في أنَّ الأسبابَ الفاعليةَ والقابليةَ لذلك كلِّه من خلقِ الله عزَّ وجلَّ، والفاعلُ للسببِ فاعلٌ للمسبَّب قطعاً {أَءِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللهِ} نفيٌ لأنْ يكونَ معه إلهٌ آخرُ. وقولُه تعالى: {تَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تقريرٌ وتحقيقٌ له، وإظهار الاسمِ الجليلِ في موضعِ الإضمارِ للإشعارِ بعلَّةِ الحُكمِ أي تعالَى وتنزه بذاتِه المنفردةِ بالألُوهيةِ المستتبعةِ لجميعِ صفاتِ الكمالِ ونعوتِ الجمالِ والجلالِ المقتضيةِ لكونِ كلِّ المخلوقاتِ مقهُوراً تحتَ قُدرتِه عمَّا يُشركون أي عنْ وجودِ ما يُشركونَه به تعالَى لا مُطلقاً فإنَّ وجودَه مما لا مردَّ لهُ بلْ عن وجودِه بعُنوانِ كونِه إلهاً وشريكاً له تعالَى أو عن إشراكهم.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ}[62] قيل: من المضطر؟ قال: الذي إذا رفع يديه لا يرى لنفسه حسنة غير التوحيد، ويكون منه على خطر. وقال مرة أخرى: المضطر هو المتبرئ من الحول والقوة والأسباب المذمومة. والدعوة صنفان: دعاء المضطر، ودعاء المظلوم وهي مستجابة من الناس لا محالة، مؤمناً كان أو كافراً، لأن الله تعالى يقول: {أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ}[62]، كقوله: {أية : وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وٱلأَرْضِ}تفسير : [النمل:64] ودعاء المظلوم يرفع فوق الحجاب، ويقول الله تعالى: "حديث : وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين ".

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} [الآية: 62]. قال سهل: أهل الدعوة صنفين من الناس: مستجابة لا محالة. مؤمناً وكافرًا دعاء المضطّر، ودعاء المظلوم لأن الله يقول: {أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} والنبى صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : دعاء المظلوم يرفع فوق الحجاب" تفسير : ويقول الله عز وجل: "حديث : وعزتى لأنصرنك ولو بعد حين ". تفسير : قال سهل رحمه الله: المضطر هو المنبرى من الحول والقوة والأسباب المذمومة. وقال: المضطر الذى إذا رفع يده لا يرى لنفسه حسنة غير التوحيد ويكون منه على خطرٍ. وقال ابن عطاء فى هذه الآية: أحوال المضطر أن يكون كالغريق أو كالمعطَّل فى مقابره قد أشرف على الهلاك. وقال عمرو المكى: أوجب الله على نفسه لله أعين له بصفة الخصوص للإجابة وهو المضطر: قال الله تعالى: {أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ}. وقال ابن عطاء رحمه الله: كمثل الطفل يلعب بين يدى أبويه ويلهو فإذا أصابته نائبة فزع إليهما لا يرى سواهما مفزعًا كذلك الموت يتقلب فى العوافى وإذا بدأ له عين من أعين البلاء فزع إلى ربه مضطرًا لأنه لا يرى سواه مفزعًا. وقال أبو عثمان: المضطر الخالى من أفعاله، وأحواله وأذكاره وأقواله الملقى عنانه إلى سيده، ولا يلتفت إلى سواه، ولا ينظر إليه حبًا منه يتنفس تنفس المكروب، ويتحرك تحرك المقيد ويفرح فرح المسجون لا له حركة، ولا قرار، ولا مأوى، ولا مسكن ولا مرجع يرجع إليه ينظر فى الخلق فيراهم مرة لما يرى من فساد أمره، يضحك الخلق ويبكى، ويفرح الخلق ويحزن، ويأكل الخلق ويجوع، ويروى الخلق ويعطش، وينام الخلق ويسهر ومع هذا كله يدرس كل يوم ديوان شقاوته، ويرى أنه أشقى عبدٍ لربه، والذى يرجو بركة دعائه قال الله تعالى: {أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} أى من يقدر على كشف هذه المحن عن قلوب عباده إلا من أبلاهم بها. وسأل بعضهم من المضطر؟ قال النبى عليه السلام إذا رفع يده لا يرى لنفسه شيئًا.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ}. فَصَلَ بين الإجابة وبين كَشْفِ السوء؛ فالإجابةُ بالقَولِ والكشفُ بالطَّوْلِ، الإجابة بالكلام والكشفُ بالإنعام. ودعاءُ المضطر لا حجابَ له، وكذلك دعاء المظلوم ولكن {أية : لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ}تفسير : [الرعد: 38]. ويقال للجناية: سراية؛ فَمَنْ كان في الجناية مختاراً فليس تسلم له دعوى الاضطرار عند سراية جُرْمِه الذي سَلَفَ منه وهو مختارٌ فيه، فأكثر الناس يتوهمون أنهم مضطرون، وذلك الاضطرار سراية ما بَدَرَ منهم في حال اختيارهم. وما دام العبدُ يتوهم من نفسه شيئاً من الحَوْلَ والحيلة، ويرى لنفسه شيئاً من الأسباب يعتمد عليه أو يستند إليه - فليس بمضطرٍ، فالمضطرُّ يرى نَفْسَه كالغريق في البحر، أو الضَّالِّ في المتاهة، وهو يرى عِنَانَه بيد سَيِّدِه، وزِمَامه في قبضته، فهو كالميت بين يدي غاسِله، وهو لا يرى لنفسه استحقاقاً للنجاة؛ لاعتقاده في نفسه أنه من أهل السخط، ولا يقرأ اسمه إلا من ديوان الشقاوة. ولا ينبغي للمضطر أن يستعين بأحدٍ في أن يدعوَ له، لأنَّ اللَّهَ وَعَدَ الإجابة له... لا لمن يدعو له. ثم كما وَعَدَ المضطرَّ الإجابةَ وكَشْفَ السوء وَعَدَه بقوله:- {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ}. فإنَّ مع العسر يسراً، ولم يقل: العسر إزالة، ولكن قال: مع العسرِ يُسْرٌ؛ فنهارُ اليُسْرِ حاصلٌ بعد ظلام العُسْرِ. ثم قال: {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} لأنَّ العبدَ إذا زَالَ عُسْرهُ، وكُشِفَ عنه ضُرُّه نَسِيَ ما كان فيه، وكما قال القائل: شعر : كأنَّ الفتى لـم يَعْـــرَ يومــاً إذا اكتســـى ولم يَــكُ صعلـوكــاً إذا مـا تَمَـــوَّلاَ

البقلي

تفسير : قوله تعالى {أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} المضطر مستغرق فى بحار شوقه متحير فى اودية النكرة دهش فى ميادين المعرفة واله فى سراب الحيرة يريد ان يفنى فى الحق ويغلب عليه محبة الوصال وعشق الجمال والانس بالجلال غايب عن الخليقة واله بكشف الحقيقة مجاب الدعوة بكشف الوصلة يريد عشقه بعد معرفة جماله وجلاله وعشقه بوصاله بنعت الافتقار الى نوال دنوه يرى بحار مشاهدته وهو عطشان الى فطرة منها ويقول بوصف الاضطرار شعر : لئن كان يهدى بردا نيابها العلى لا فقر منى اننى الفقير تفسير : وهذا الفقير يكرمه لمخلص من نفسه وجود الحدثان وجميع الحجاب والفراق وألام البعد الا ترى كيف قال سبحانه ويكشف السوء قال سهل المضطر هو المبرى من الحول والقوة والاسباب المذمومة قال ابن عطا احوال المطضر ان يكون كالفريق او كالمتعطل فى مفازة قد اشرف على الهلاك قال عمر والمكى اوجب الله على الداعين له بصفة خصوص الاجابة وهو المضطر قال الله امن يجب المضطر اذا دعاه وقال الحسين من شاهد اضطراره فليس بمضطر حتى يضطر فى اضطراره عن مشاهدة اضطراره بمشاهدة من اليه اضطرار وقال الاستاذ فصل بين الاجابة وكشف السوء فالاجابة بالقبول والكشف بالطول الاجابة بالكلام والكشف بالانعام ودعاء المضطر لا حجاب له ودعاء المظلوم لا رد له ولكل اجل كتاب ومعنى قوله {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ} هذا وصف التمكين بعد التلوين والتجلى بعد الاستتار والحضور بعد الغيبة والمغنى بعد الفقر والكشف بعد الحجاب والوصال بعد الفراق والوصلة بعد الحيرة يجعل العارفين ملوكا بعد كونهم مكدّين على باب جلاله مفتقرين الى وصاله بكشف جماله فاذا كانوا مستقرين على مساند الوصال فى مجال الجمال سكارى من شراب الموانسة بين ياسمين القربة لا يذكرون ايام الفراق بعد الوصال كما قال القائل شعر : كان الفتى لم يعر يوما اذا اكتسى ولم يك صعلوكا اذا ما تمولا تفسير : حتى قال الاستاذ كما وعد للمضطر الاجابة وكشف السوء وعده ان يجعله من خلفاء الارض فان مع العسر يسرا.

اسماعيل حقي

تفسير : {أم من يجيب المضطر اذا دعاه} الضمير المنصوب راجع الى المبتدأ وهو من الموصولة التى اريد بها الله تعالى والمعنى ام من يستجيب الملجأ الى ضيق من الامر اذا تضرع بالدعاء اليه {ويكشف السوء} ويدفع عن الانسان مايسوءه ويحزنه خير ام الذى يشركون به من الاصنام والاضطرار افتعال من الضرورة وهى الحالة المحوجة الى اللجأ والمضطر الذى احوجته شدة من الشدائد الى اللجأ والضراعة الى الله تعالى كالمرض والفقر والدين والغرق والحبس والجور والظلم وغيرها من نوازل الدهر فكشفها بالشفاء والاغناء والانجاء والاطلاق والتخليص [شيخ داود اليمانى قدس سره بعيادت بيمارى رفته بود بيمار كفت اى شيخ دعا كن براى شفاى من شيخ كفت تودعا كن كه مضطرى واجابت بدعاء مضطر بازبسته زيرا كه نياز او بيشتر باشد وحق سبحانه نياز بيجاركان دوست ميدارد] شعر : اين نياز مريمى بودست ودرد كان جنان طفلى سخن آغاز كرد هر كجا دردى دوا آنجابود هر كجا فقرى نوا آنجارود هر كجا مشكل جواب آنجارود هر كجا بستيست آب آنجارود بيش حق يك ناله ازروى نياز به كه عمرى درسجود ودر نماز زوررا بكذار زارى را بكير رحم سوى زارى آيد اى فقير تفسير : قال بعضهم فصل بين الاجابة وكشف السوء فالاجابة بالقول والكشف بالطول والاجابة بالكلام والكشف بالانعام ودعاء المضطر لاحجاب له ودعاء المظلوم لامر دله ولكل اجل كتاب. قال اهل التفسير اللام فى المضطر للجنس لا للاستغراق حتى يلزم اجابة كل مضطر فان الله تعالى يحب اجابة المضطرين لكن يجيب لبعضهم بالقول ولبعضهم بالفعل على حسب الحكمة والمصلحة. قال فى نفائس المجالس جاء فى الحديث "حديث : حبب الى من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعلت قرة عينى فى الصلاة" فلما سمعه ابو بكر رضى الله عنه قال "يارسول الله حبب الىّ من دنياكم ثلاث النظر اليك وانفاق مالى عليك والجلوس بين يديك" وقال عمر رضى الله عنه "حبب الىّ من دنياكم ثلاث النظر الى اولياء الله والقهر لاعداء الله والحفظ لحدود الله" وقال عثمان رضى الله عنه "ياسيدى حبب الىّ من دنياكم ثلاث افشاء السلام واطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام" وقال على رضى الله عنه "ياسيدى حبب الىّ من دنياكم ثلاث الضرب بالسيف والصوم بالصيف واكرام الضيف" فجاء جبريل عليه السلام وقال "ياسيدى حبب الىّ من دنياكم ثلاث ارشاد الضالين واعانة المساكين ومؤانسة كلام رب العالمين" ثم غاب وجاء بعد ساعة فقال ان الله يقرئك السلام ويقول "احب من دنياكم ثلاثا دمع العاصين وعذاب المذنبين غير التائبين واجابة دعوة المضطرين"تفسير : ، قال بعضهم العارف لايزال مضطرا معناه ان العامة اضطرارهم بمنيرات الاسباب فاذا زالت زال اضطرارهم وذلك لغلبة الحس على شهودهم فلو شهدوا قبضة الله الشاملة المحيطة لعلموا ان اضطرارهم الى الله دائم ولدوام شرط الاضطرار ووصفه لايزال دعاء العارفين مستجابا والاهم فى الدعاء تخليص النيات وتطهير الاعتقاد عن شوائب الشكوك والتوسل الى الله تعالى بالتوبة النصوح ثم تطهير الجوارح والاعضاء ليكون محلا للامداد من السماء ومنه الاستياك والتطيب ثم الوضوء واستقبال القبلة وتقديم الذكر والثناء والصلاة قبل الشروع فى عرض الحاجات والدعوات وكذا بسط يديه بالضراعة والابتهال ورفعها حذو منكبيه. قال ابو يزيد البسطامى قدس سره دعوت الله ليلة فاخرجت احدى يدى من كمى دون الاخرى لشدة البرد فنعست فرأيت فى منامى ان يدى الظاهرة مملوءة نورا والاخرى فارغة فقلت ولم ذلك يارب فنوديت اليد التى خرجت للطلب امتلأت والتى توارت حرمت. قال بعضهم ان كان وقت برد او عذر فاشار بالمسبحة قام مقام كفيه كما فى القنية {ويجعلكم خلفاء الارض} خلفاء فيها بان ورثكم سكناها والتصرف فيها ممن كان قبلكم من الامم يخلف كل قرن منكم القرن الذى قبله {أاله} آخر كائن {مع الله} الذى يفيض على كافة الانام هذه النعم الجسام {قليلا ما تذكرون} اى تتذكرون آلاءه تذكرا قليلا وزمانا قليلا ومامزيدة لتأكيد معنى القلة التى اريد بها العدم او مايجرى مجراه فى الحقارة وقلة الجدوى. وفيه اشارة الى ان مضمون الكلام مركوز فى ذهن كل ذكى وغبى وانه من الوضوح بحيث لايتوقف الا على التوجه اليه وتذكره

ابن عجيبة

تفسير : قلت: الاضطرار: الافتعال من الضرورة، وهي الحاجة المحوجة إلى اللجأ، يقال: اضطره إلى كذا، واسم الفاعل والمفعول: مضطر، ويختلف التقدير. يقول الحق جل جلاله: {أَمَّنْ يُجيبُ المُضْطَّر إِذا دعاه}، وهو من نزلت به شدة من شدائد الزمان، ألجأته إلى الدعاء والتضرع، كمرض، أو فقر، أو نازلة من نوازل الدهر ونوائبه، أو: المذنب إذا استغفر مبتهلاً، أو: المظلوم إذا دعا، أو: من رفع يديه ولم ير لنفسه حسنة يرجو بها القبول غير التوحيد، وهو منه على خطر، فهذه أنواع المضطر. وإجابة دعوته مقيدة بالحديث: "حديث : الدّاعِي عَلَى ثَلاث مراتب، إما أن يُعجل له ما طلب، وإما أن يدخر له أفضل منه، وإما يدفع عنه من السوء مثله" تفسير : . وأيضاً: إذا حصل الاضطرار الحقيقي حصلت الإجابة قطعاً، إما بعين المطلوب، أو بما هو أتم منه، وهو الرضا والتأييد. {ويكشفُ السُوءَ} وهو الذي يعتري الإنسان مما يسؤوه، كضرر أو جَور، {ويجعَلُكم خُلفاءَ الأرض} أي: خلفاء فيها، تتصرفون فيها كيف شئتم، بالسكنى وغيره، وراثة عمن كان قبلكم من الأمم، قرناً بعد قرن: أو: أو أراد بالخلافة الملك والتسلط. {أإله مع الله} الذي يفيض على الخلق هذه النعام الجسام، يمكن أن يعطيكم مثلها؟ {قليلاً ما تذكَّرون} أي: تذكراً قليلاً، أو: زماناً قليلاً تتذكرون فيه. و"ما": مزيدة، لتأكيد معنى القلة، التي أريد بها العدم، أو: ما يجري مجراه في الحقارة وعدم الجدوى. وتذييل الكلام بنفي عدم التذكر منهم إيذان بأن وجود التذكر مركوز في ذهن كل ذكي، وأنه من الوضوح بحيث لا يتوقف إلا على التوجه إليه وتذكره. والله تعالى أعلم. الإشارة: الاضطرار الحقيقي الذي لا تتخلف الإجابة عنه في الغالب: وهو أن يكون العبد في حال شدته كالغريق في البحر وحده، لا يرى لغياثه غير سيده. و قال ذو النون: هو الذي قطع العلائق عما دون الله. وقال سهل بن عبد الله: هو الذي رفع يديه إلى الله تعالى داعياً، ولم تكن له وسيلة من طاعة قدّمها. هـ. بل يقدم إساءته بين يديه، ليكون دعاؤه بلا شيء يستحق عليه الإجابة، إلا من محض الكرم. قال القشيري: يقال للجناية: سراية، فَمَن كان في الجناية مختاراً، فليس يسلم له دعوى الاضطرار عند سراية جرمه الذي سلف، وهو في ذلك مختار، فأكثر الناس أنهم مضطرون، وذلك الاضطرار سراية ما بَرَزَ منهم في حال اختيارهم، وما دام العبد يتوهم من نفسه شيئاً من الحَوْلِ والحِيل، ويرى لنفسه شيئاً من الأسباب يعتمد عليه، ويستند إليه، فليس بمضطر، إلا أن يرى نفسه كالغريق في البحر، والضَّالِّ في المتاهة. والمضطر يرى غِيَاثه بيد سَيِّدهِ، وزِمَامَه في قبضته، كالميت في يد غاسِله، ولا يرى لنفسه استحقاقاً في أن يجاب، بل اعتقاده في نفسه أنه من أهل السخط، ولا يقرأ اسمه في ديوان السعادة، ولا ينبغي للمضطر أن يستعين بأحدٍ في أن يدعو له؛ لأن الله وَعَدَ الإجابة له؛ لا من يدعو له. هـ. وبحث معه المحشي الفاسي في بعض ألفاظه، فانظره. قوله تعالى: {ويكشف السُوء}: أي: ما يسوء القلب وبحجبه عن مولاه، من أكدار وأغيار، وقوله: {ويجعلكم خلفاء الأرض} أي: تتصرفون في الوجود بأسره، بهمتكم، إن زال غم الحجاب عنكم، وشاهدتم ربكم بعين بصيرتكم وبصركم؛ لأن نور البصيرة إذا استولى على البصر، بعد فتح البصيرة، غطى نوره، فلا يرى البصر إلا ما تراه البصيرة؛ من أسرار الذات الأزلية القديمة. فمن بلغ هذا المقام كان خليفة الله في أرضه، يُملكه الوجود بأسره وما ذلك على الله بعزيز. ثم ذكر نوعاً آخر من دلائل توحيده، فقال: {أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ...}

الجنابذي

تفسير : {أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ}. معنى المضطرّ اعلم، انّ الانسان من اوّل استقرار مادّته فى مقرّها الّذى هو الرّحم جماد بالفعل، ونبات بالقوّة القريبة، وحيوان بالقوّة البعيدة، وانسان طبيعىّ ملكىّ بالقوّة الّتى هى ابعد، وانسان ملكوتىّ وجبروتىّ بالّتى هى ابعد، ولكنّه فى تلك الحال يقتضى بفطرته القرار فى الرّحم والاغتذاء بدمها وسائر رطوباتها ويتشبّث بها ويجذب من رطوباتها، ثمّ يصير نباتاً بالفعل، ثمّ حيواناً مثل حيوانيّة الخراطين حتّى يتولّد فيصير حيواناً بالفعل وانساناً ملكيّاً بالقوّة حتّى اذا بلغ الى مقام التّميز والمراهقة فيصير انساناً ضعيفاً بالفعل وكذلك شيطنته تكون ضعيفة وقوّته الشّهويّة والغضبيّة تكون قويّة بحيث تغلب الانسانيّة والشّيطانيّة، وبشهوته يطلب المشتهى ويجذبه، وبغضبه يدفع من يمانعه عنه ويغضب عليه، وبشيطانيّته الضّعيفة يحتال فى تحصيله حيلاً ضعيفةً، وبانسانيّته الضّعيفة يخجل من ظهور بعض افعاله خجلة ضعيفةً، فاذا بلغ الى مقام البلوغ والرّشد واستعدّ لتعلّق التّكليف به صار انسانيّته وشيطانيّته قويّتين كما انّ شهوته وغضبه يصيران قويّين، وبشهوته القويّة يشتدّ طلبه لمشتهياته، وبغضبه القوىّ يشتدّ دفعه وغضبه على من يمانعه، وبشيطنته القويّة يشتدّ حيلته فى طلبه، وبانسانيّته يشتدّ انزجاره وخجلته عمّا ينافى انسانيّته، فان ساعده التّوفيق ودعاه الدّاعى الآلهىّ دعوة ظاهرة او دعوة باطنة وقبل الدّعوة وبايع البيعة العامّة او البيعة الخاصّة وصار مسلماً او مؤمناً وعمل بما اخذ عليه فى بيعته صار انسانيّته فى الاشتداد وسلك الى الله وادبر عن العالم واسبابه، حتّى انّه يقطع النّظر عن الاسباب ويتوجّه بشراشره الى مسبّب الاسباب، وهذا اضطرار تكليفىّ فانّ الاضطرار هو قطع النّظر عن الوسائل والاسباب والتّوجّه الى مسبّب الاسباب والتّوسّل به واليه اشار الصّادق (ع) بقوله: فالاضطرار عين الدّين، وقد مضى تفصيل للدّعاء وطريقه فى سورة البقرة عند قوله تعالى: {أية : إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} تفسير : [البقرة:186]، واذا لم يتمسّك بذيل نبىٍّ (ع) او وصىّ نبىٍّ (ع) ولم يبايع بيعة اسلاميّة او بيعة ايمانيّة كان قواه البهيميّة والسّبعيّة والشّيطانيّة فى الاشتداد وقوّته الانسانيّة فى الضّعف فى اغلب النّاس وفى اغلب الاوقات حتّى يختفى الانسانيّة تحت القوى الثّلاث ويكون الحكم لتلك القوى والآثار منها فقط لكن هذا الانسان قد يبتلى حتّى يعجز الشّيطنة عن الاحتيال وييأس الشّهويّة عن المشتهى والآمال ويحسر الغضبيّة عن الدّفع والبسط فانّ المدركة تدرك المشتهى والشّيطنة باستعمال المتخيّلة واظهار الواهمة والخيال الصّور والمعانى عليها تتصرّف وتحتال للوصول اليه وتحرّك العمّالة لطلبه، واذا وجدت مانعاً ودافعاً لها عن الوصول حرّكت الغضبيّة لدفعه فان تيأس عن الوصول سكنت المتخيّلة عن الحركة والتّصرّف، والواهمة والخيال عن اظهار المعانى والصّور، والعمّالة عن الطلّب، والشّهوة والغضب عن الاشتهاء والدّفع، وحينئذٍ يظهر الانسانيّة من غير حاجب ومعاوق ولمّا كان فطرتها التّضرّع والالتجاء الى الله والسّؤال منه تضرّعت بفطرتها والتجأت وسألت؛ وهذا هو الاضطرار التّكوينىّ الفطرىّ وكلا الاضطرارين لمّا كان مظهراً لانسانيّة الانسان وكان اللّطيفة السّيّارة الانسانيّة لطيفة الهيّة كان لسانها لسان الله وسؤالها سؤال الله وسؤال الله من نفسه لا يردّ بل يجاب، والى هذا الاضطرار وكون لسان الدّاعى حين الاضطرار لسان الله اشار المولوىّ قدّس سرّه بقوله: شعر : هم دعا از من روان كردى جوآب هم ثباتش بخش وكَردان ستجاب هم تو بودى اوّل آرنده دعا هم تو باش آخر اجابت را رجا جون خدا از خود سؤال وكدّ كند بس سؤال خويش راكى ردّ كند هم دعا ازتو اجابت هم زتو ايمنى از تو مهابت هم ز تو تفسير : وهذا المضطرّ ان كان اضطراره تكليفيّاً غلب لا محالة على القوى الثّلاث وملكهم فى الصّغير واذا ملك فى العالم الصّغير ينتهى مالكيّته الى المالكيّة فى العالم الكبير وليست هذه المالكيّة وتلك الاجابة الاّ من الله تعالى وان كان اضطراره تكوينيّاً وبقى على اضطراره انتهى اضطراره الى الاضطرار التّكليفىّ، والاضطرار التّكليفىّ يصير سبباً للمالكيّة والاستخلاف فى العالمين {وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ} اجابة لدعائه، والسّوء اعمّ من الواردات الغير الملائمة لانسانيّة الانسان وحيوانيّته ومن تبعات الذّنوب ومن النّقائص الّلازمة له من الانانيّة والحدود {وَيَجْعَلُكُمْ} التفت من الغيبة الى الخطاب للاشعار بانّ المضطرّ اذا صار اهلاً للخلافة يصير له حالة الحضور والتّخاطب وبدون حصول حالة الحضور له لم يكن له شأنيّة الخلافة {خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ} خلفاء ارض العالم الصّغير والكبير كما ذكر، وامّا التّفسير بخلافة الماضين بايراث ارضهم واموالهم فلا يناسب ذكره بعد اجابة المضطرّين وكشف السّوء عنهم خصوصاً على ما ورد عنهم انّ الواو فى القرآن للتّرتيب، عن الصّادق (ع) انّ الآية نزلت فى القائم من آل محمّد (ص) هو والله المضطرّ اذا صلّى فى المقام ركعتين ودعا الله عزّ وجلّ فأجابه ويكشف السّوء ويجعله خليفةً فى الارض {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قَلِيلاً مَّا} اى تذكّر قليلاً او شيئاً قليلاً اىّ قليل من آلاء الله {تَذَكَّرُونَ أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} باعطاء القوى والمشاعر وانضباط الكواكب فى حركاتها {وَمَن يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ} كرّر من لانّ ارسال الرّياح جنس سوى جنس الهداية {بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ تَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} بتسبيب الاسباب السّماويّة من اشعّة الكواكب وتخالف اللّيل والنّهار وتحريك السّحاب وانزال الامطار، او المراد سماء عالم الارواح ورزق الانسان من العلوم والاحوال والاخلاق والمكاشفات {وٱلأَرْضِ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} يعنى انّ هذه الافعال لا يجوز ان تنسب الى معبوداتكم وهذه هى افعال الله فلا يجوز ان يكون شيءٌ من معبوداتكم شريكاً له تعالى فى ذلك، واذا لم يكن شريكاً له تعالى فى ذلك لم يكن شريكاً له فى العبادة، فانّ استحقاق العبادة ليس الاّ بهذه.

الهواري

تفسير : قوله: {أَمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} المضطر: المكروب والمظلوم والمريض. {وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الأَرْضِ} أي: خلفاً بعد خلف. وهو على الاستفهام يقول: أم من يفعل هذا خير أم أوثانهم. وهذا تبع لقوله: {اللهُ خَيْرٌ أَمَّا تُشْرِكُونَ} أي: إن الله خير من أوثانهم. قال: {أَءِلهٌ مَّعَ اللهِ} على الاستفهام أي: ليس معه إله. {قَلِيلاً مَّا تَذَّكَّرُونَ} أي: أقلّهم المتذكر، يعني أقلّهم من يؤمن. قوله: {أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالبَحْرِ} [أي: من شدائد البر والبحر] {وَمَن يُّرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً} أي: ملقحات للسحاب {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} أي: بين يدي المطر. وهو على الاستفهام. يقول: أم من يفعل هذا خير أم أوثانهم. وهذا تبع لقوله: {ءَآللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} أي: إن الله خير من أوثانهم. قال: {أَءِلهٌ مَّعَ اللهِ} على الاستفهام. أي: ليس معه إله. {تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ينزّه نفسه عمّا يشركون به. قوله: {أَمَّن يَبْدَؤُا الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} يعني البعث {وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السِّمَآءِ وَالأَرْضِ} وهو على الاستفهام، يقول أم من يفعل هذا خير أم أوثانهم؛ وهذا تبع لقوله: {ءَآللهُ خَيْرٌ أَمَّا تُشْرِكُونَ} أي: إن الله خير من أوثانهم قال الله: {أَءِلهٌ مَّعَ اللهِ} على الاستفهام، أي: ليس معه إله. {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} يقول للنبي عليه السلام أن يقول للمشركين: هاتوا برهانكم أي: حجتكم في تفسير الحسن. وفي تفسير بعضكم: بيّنتكم. {إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي: هذه الأوثان خلقت شيئاً أو صنعت شيئاً من هذا.

اطفيش

تفسير : {أَمَّن يُجِيبُ المُظْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} المضطر الذي أحوجه شدة ما به الى اللجوء إلى الله تعالى من الاضطرار وهو افتعال من الضرورة أو الضر والمضطر اسم مفعول فراؤه المدغمة في نية الفتح ويكون اسم فاعل فتكون في نية الكسر والمراد المظلوم والمكروب والمريض وال فيه للحقيقة لا للاستغراق فلا يلزم منه اجابة كل مضطر وحقيقة معناه الذي مسه الضر وأصل طاءه تاء. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : وأنتم موقنون بالاجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل "تفسير : ، قال ابن عطاء: الله ما طلب لك شيء مثل الاضطرار ولا أسرع لك بالمواهبة لك مثل الذلة والافتقار وعن حبيب بن سلمة وكان مجاب الدعاء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا يجتمع ملأ فيدعو بعض ويؤمن بعض إلا أجابهم الله "تفسير : . وعن ابن عباس: المجهود وعن السدي: الذي لا حول له ولا قوة، وقيل المضطر هنا المذنب يلتجيء الى الله سبحانه. {وَيَكْشِفُ} يزيل. {السُّوءَ} عنه وعن غيره. {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ} ورثتموها ممن قبلكم وتصرفتم فيها، وقيل: المراد الملك والتسلط وقيل يجعل أولادكم خلفاءكم وقيل خلفاء الجن في الأرض، قال بعض: الاضافة بمعنى في. {أَءِلَهٌ مَّعَ اللهِ} الذي أعطاكم هذه النعمة العامة والخاصة الموجبة لكثرة التذكر. {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} تتعظون وقيل (قليلا ما يذكرون نعمه) وقليلا نعت المصدر محذوف أي تذكرون تذكيرا قليلا وأخر العامل وحذف المنعوت و (ما) وصلة لتأكيد القلة أو قليلا ظرف على حذف المنعوت أي زمانا قليلا متعلق بمحذوف خبرا و (ما) مصدرية والمصدر مبتدأ والمراد بالقلة النفي والحقارة المزيحة للفائدة وأصل (تذكرون) تتذكرون أبدلت التاء الثانية ذالا وسكنت الذال وأدغمت، وقرأ أبو عمرو وهشام وروح (يذكر) بالتحتية وحمزة والكسائي وحفص بالفوقية وحفص بالفوقية وتخفيف الذال ساكنة.

اطفيش

تفسير : {أمَّن يُجيبُ} إضراب انتقال الى الاحتجاج عليهم، بأنه لا يدفع وقوع الضر قبل وقوعه، ولا يزيله بعد وقوعه إلا هو {المُضطر إذا دَعاهُ} لكشف الضراسم مفعول من الاضرار مصدر أصله المضطرر بفتح الراء الأولى بعد التاء، قلبت التاء طاء لتناسب الضاد، وسكنت الراء الأولى، وأدغمت فى الثانية من ضره، فاضطر أى ألجأه الى الضر والوقوع فيه، فطاوع اليه بالوقوع، بمعنى انه لم يخالف ولو بلا اختيار، وأل فى المضطر للجنس، لأن من الناس من لا يجاب كقوله تعالى: "أية : فيكشف ما تدعون إليه إنْ شاء"تفسير : [الأنعام: 41] أو للاستغراق، بأن يجاب بنفس ما دعاه قريباً أو بعيداً او بمثله أو خير منه، أو دفع ضر آخر، أو بثواب له بعد الموت، أو عنده. وحمل المعتزلة الاستغراق على المصلحة وهو باطل، إذ لا يجب الصلاح على الله، ولا واجب عليه تعالى، وقيل لعهد المشركين فى دعائهم عند خوف الغرق وغيره من قوارع الدهر، كانوا اذا حزبهم أمر رفضوا ذكر الأصنام، وذكروا الله وحده، وفى بعض الأحيان إذ أرادوا دخول السفينة قال لهم الملاح: أخلصوا، ولا ضعف فى هذا القول، لأن فيه مقابلة لهم بما شاهدوا مع علمهم، وعلم المسلمين أن الناس فى ذلك سواء، وأيضا الضمائر بعدلهم، وزعم بعض أن المضطر الملجأ الى الاستغفار من الذنب، وهو باطل، لأن المسلم لا مدخل لذكره هنا بالاستغفار، مع أن غير الله لا يعلم أن أجاب إلا قليلا بوحى، والمشرك كذلك فى كل ذلك، مع أنه لا يعتبر الذنب. {ويكْشِف السُّوء} بدفعه عن الوقوع، وإزالته بعد الوقوع والعطف، قيل عطف عام على خاص، على المضطر يختص بالوقوع فى الضر، وعندى لا يختص، فالعطف تفسير للاجابة، كما أنه تفسير إذا جعل أل نائبا عن ضمير المضطر، أى ويكشف سوءه، أى سوء المضطر، أو السوء عنه {ويْجعلُكم خُلفاء الأرْض} تقومون مقام من قبلكم فى ملك أموالهم بنحو الإرث، وبكونكم ملوكاً، والاضافة بمعنى فى أى متخلفين فى الأرض {أإلهٌ معَ اللهِ} يفعل ذلك أو بعضه، أو يعينه حاشاه {قليلا ما تذكَّرونَ} تتذكرون تذكراً قليلا، أو زماناً قليلاً تتذكرون فقليلاً مفعول مطلق، أو صرف زمان قدم للحصر، والفاصلة، وأكَّد القلة بما، وهى صلة للتأكيد، حتى أنه يجوز أن تكون القلة انتفاء لبطلانها، بالاشراك المصحوب لها، وحذف مفعول تذكرون للعلم به بأدنى توجه الى نعمه الظاهرة، وهو أولى أو السائر اليكم، او مضمون ما ذكر كذلك قيل، ويبحث فيه بأن التذكر علاج لا يوافق أدنى توجه إلا أن يراد بالتذكر مقابل النسيان، أو الغفلة.

الالوسي

تفسير : {أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ } وهو الذي أحوجته شدة من الشدائد وألجأته إلى اللجأ والضراعة إلى الله عز وجل، فهو اسم مفعول من الاضطرار الذي هو افتعال من الضرورة، ويرجع إلى هذا تفسير ابن عباس له بالمجهود، وتفسير السدي بالذي لا حول ولا قوة له، وقيل: المراد بذلك المذنب إذا استغفر، واللام فيه على ما قيل: للجنس لا للاستغراق حتى يلزم إجابة كل مضطر وكم من مضطر لا يجاب. وجوز حمله على الاستغراق لكن الإجابة مقيدة بالمشيئة كما وقع ذلك في قوله تعالى: {أية : فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء }تفسير : [الأنعام: 41] ومع هذا كره النبـي صلى الله عليه وسلم أن يقول الشخص: اللهم اغفر لي إن شئت؛ وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إنه سبحانه لا مكره له»تفسير : ، والمعتزلة يقيدونها بالعلم بالمصلحة لإيجابهم رعاية المصالح عليه جل وعلا، وقال صاحب «الفرائد»: ما من مضطر دعا إلا أجيب وأعيد نفع دعائه إليه إما في الدنيا وإما في الآخرة، وذلك أن الدعاء طلب شيء فإن لم يعط ذلك الشيء بعينه يعط ما هو أجل منه أو إن لم يعط هذا الوقت يعط بعده اهـ. وظاهره حمله على الاستغراق من دون تقييد للإجابة، ولا يخفى أنه إذا فسرت الإجابة بإعطاء السائل ما سأله حسبما سأل لا بقطع سؤاله سواء كان بالإعطاء المذكور أم بغيره لم يستقم ما ذكره، وقال العلامة الطيبـي: التعريف للعهد لأن سياق الكلام في المشركين يدل عليه الخطاب بقوله تعالى: {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء } والمراد التنبيه على أنهم عند اضطرارهم في نوازل الدهر وخطوب الزمان كانوا يلجأون إلى الله تعالى دون الشركاء والأصنام، ويدل على التنبيه قوله تعالى: {أَءِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} قال صاحب «المفتاح»: كانوا إذا حزبهم أمر دعوا الله تعالى دون أصنامهم، فالمعنى إذا حزبكم أمر أو قارعة من قوارع الدهر إلى أن تصيروا آيسين من الحياة من يجيبكم إلى كشفها ويجعلكم بعد ذلك تتصرفون في البلاد كالخلفاء {ءَإِله مع ٱللهِ} فلا يكون المضطر عاماً ولا الدعاء فإنه مخصوص بمثل قضية الفلك، وقد أجيبوا إليه في قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم } تفسير : [يونس: 22] الآية اهـ. وأنت تعلم أنه بعيد غاية البعد، ولعل الأولى الحمل على الجنس والتقييد بالمشيئة وهو سبحان لا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة، والدعاء بشيء من قبيل أحد الأسباب العادية له فافهم. {وَيَكْشِفُ ٱلسُّوء } أي يرفع عن الإنسان ما يعتريه من الأمر الذي يسوؤه، وقيل: الكشف أعم من الدفع والرفع، وعطف هذه الجملة على ما قبلها من قبيل عطف العام على الخاص، وقيل: المعنى ويكشف سوءه أي المضطر، أو ويكشف عنه السوء والعطف من قبيل عطف التفسير فإن إجابة المضطر هي كشف السوء عنه الذي صار مضطراً بسببه وهو كما ترى. {وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاء ٱلأَرْضِ } أي خلفاء من قبلكم من الأمم في الأرض بأن ورثكم سكناها والتصرف فيها بعدهم، وقيل: المراد بالخلافة الملك والتسلط، وقرأ الحسن (ونجعلكم) بنون العظمة. {ءَإِله مَعَ ٱللَّهِ } الذي هذه شؤونه ونعمه تعالى: {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } أي تذكراً قليلاً، أو زماناً قليلاً تتذكرون - فقليلا - نصب على المصدرية، أو على الظرفية لأنه صفة مصدر أو ظرف مقدر، و - ما - مزيدة على التقديرين لتأكيد معنى القلة التي أريد بها العدم، أو ما يجري مجراه في الحقارة وعدم الجدوى، ومفعول {تَذَكَّرُونَ } محذوف للفاصلة، فقيل: التقدير تذكرون نعمه، وقيل: تذكرون مضمون ما ذكر من الكلام، وقيل: تذكرون ما مر لكم من البلاء والسرور، ولعل الأولى نعمه المذكورة، وللإيذان بأن المتذكر في غاية الوضوح بحيث لا يتوقف إلا على التوجه إليه كان التذييل بنفي التذكر، وقرأ الحسن والأعمش وأبو عمرو - يذكرون - بياء الغيبة، وقرأ أبو حيوة - تتذكرون - بتاءين.

ابن عاشور

تفسير : ارتقى الاستدلال من التذكير بالتصرف الرباني في ذوات المخلوقات إلى التذكير بتصرفه في أحوال الناس التي لا يخلو عنها أحد في بعض شؤون الحياة وذلك حال الاضطرار إلى تحصيل الخير، وحال انتياب السوء، وحال التصرف في الأرض ومنافعها. فهذه ثلاثة الأنواع لأحوال البشر. وهي: حالة الاحتياج، وحالة البؤس، وحالة الانتفاع. فالأولى: هي المضمنة في قوله {أمن يجيب المضطر إذا دعاه}فالمضطر هو ذو الضرورة أي الحالة المحوجة إلى الأشياء العسرة الحصول، وهذه مرتبة الحاجيات فالمرء محتاج إلى أمور كثيرة بها قوام أوده ليست متصلة بذاته مثل الأقوات والنكاح والملابس اللازمة فالمرء يتطلبها بوجوه من المعاوضات، وقد يتعسر بعضها وهي تتعسر بقدر وفرة منافعها وعزة حصولها فيسأل الله أن يعطيها. والاضطرار: افتعال من الضرورة لا من الضر. وتقديره: أنه نالته الضرورة فطاوعها. وليس له فعل مجرد وإنما يقال: اضطره كذا إلى كذا. واللام في {المضطر}لتعريف الجنس المسمى بلام العهد الذهني، أي يجيب فرداً معهوداً في الذهن بحالة الاضطرار. والإجابة: إعطاء الأمر المسؤول. والمعنى: أن المضطر إذا دعا لتحصيل ما اضطر إليه فإنه لا يجيبه إلا الله بقطع النظر عن كونه يجيب بعضاً ويؤخر بعضاً. وحالة البؤس: هي المشار إليها بقوله {ويكشف السوء}. والكشف: أصله رفع الغشاء، فشبه السوء الذي يعتري المضرور بغشاء يحول دون المرء ودون الاهتداء إلى الخلاص تشبيه معقول بمحسوس. وَرُمز إلى المشبه به بالكشف الذي هو من روادف الغشاء. وهو أيضاً مستعار للإزالة بقرينة تعديته إلى السوء. والمعنى: من يزيل السوء. وهذه مرتبة الضروري فإن معظمها أو جميعها حفظ من تطرق السوء إلى مهم أحوال الناس مثل الكليات وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والمال، والعرض. والمعنى: إن الله يكشف السوء عن المسوء إذا دعاه أيضاً فحذف من الجملة المعطوفة لدلالة ما ذكر مع الجملة المعطوف عليها، أي يكشف السوء عن المستاء إذا دعاه. وظاهر التقييد بالظرف يقتضي ضمان الإجابة. والواقع أن الإجابة منوطة بإرادة الله تعالى بحسب ما يقتضيه حال الداعي وما يقتضيه معارضه من أصول أخرى، والله أعلم بذلك. وحالة الانتفاع: هي المشار إليها بقوله {ويجعلكم خلفاء الأرض}أي يجعلكم تعمرون الأرض وتجتنون منافعها، فضمن الخلفاء معنى المالكين فأضيف إلى الأرض على تقدير: مالكين لها، والملك يستلزم الانتفاع بما ينتفع به منها. وأفاد خلفاء بطريق الإلتزام معنى الوراثة لمن سبق، فكل حي هو خلف عن سلفه. والأمة خلف عن أمة كانت قبلها جيلاً بعد جيل. وهذا كقوله تعالى حكاية لقول نوح {أية : هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها}تفسير : [هود: 61]. وهذه مرتبة التحسيني. وقد جمعت الآية الإشارة إلى مراتب المناسب وهو ما يجلب نفعاً أو يدفع ضرراً وهو من مسالك العلة في أصول الفقه. ولما اقتضته الخلافة من تجدد الأبناء عقب الآباء والأجيال بعد الأجيال، وما اقتضته الاستجابة وكشف السوء من كثرة الداعين والمستائين عبر في أفعال الجعل التي تعلقت بها بصيغة المضارع الدال على التجدد بخلاف أفعال الجعل الأربعة التي في الآية قبلها. ثم استؤنف عقب هذا الاستدلال باستفهام إنكاري تكريراً لما تقدم عقب الأدلة السابقة زيادة في تعداد خطئهم بقوله {أإله مع الله قليلاً ما تذكرون}. وانتصب قليلاًعلى الحال من ضمير الخطاب في قوله {ويجعلكم خلفاء الأرض}أي فعل ذلك لكم وأنتم في حال قلة تذكركم، فتفيد الحال معنى التعجب من حالهم. والتذكر: من الذُّكر بضم الذال وهو ضد النسيان فهو استحضار المعلوم، أي قليلاً استحضاركم الافتقار إلى الله وما أنتم فيه من إنعامه فتهتدوا بأنه الحقيق بأن لا تشركوا معه غيره. فالمقصود من التذكر التذكر المفيد استدلالاً. و{ما} مصدرية والمصدر هو فاعل {قليلاً}. والقليل هنامكنّى به عن المعدوم لأن التذكر المقصود معدوم منهم، والكناية بالقليل عن المعدوم مستعملة في كلامهم. وهذه الكناية تلميح وتعريض، أي إن كنتم تذكرون فإن تذكركم قليل. وأصل {تذكرون} تتذكرون فأدغمت تاء التفعل في الذال لتقارب مخرجيهما تخفيفاً وهو إدغام سماعي. وقرأ الجمهور {تذكرون}بتاء الخطاب. وقرأه روح عن أبي عمرو وهشام عن ابن عامر بياء الغيبة على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، ففي قراءة الجمهور نكتة توجيه الخطاب إلى المشركين مكافحة لهم، وفي قراءة روح وهشام نكتة الإعراض عنهم لأنهم استأهلوا الإعراض بعد تذكرهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {أًَمْ مَنْ} {أَإِلَـٰهٌ} (62) - واسأَلهُم هَلِ الذِينَ تُشرِكُونَهُم في العِبَادَةِ مَعَ اللهِ خَيرٌ، وَهُمْ لا يَضُرُّونَ وَلا يَنفَعُونَ، أَمْ مَنْ يُجيبُ دَعوَةَ المُضْطَرِّ عِنْدَ الشِّدَّةِ إِذا دَعَاهُ لِيَكشِفَ عَنْهُ مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ، وَمَنْ يَجْعَلُ أُمَما في الأَرْضِ قَرْناً بَعْدَ قَرنٍ، وَجيلاً بَعْدَ جِيل، وَلو شَاءَ لخَلَقَهُمْ أَجمَعِين، ولَمْ يَجْعَلْ بعضَهُم مِنْ ذُرِّيَّةِ بعضٍ، ولو فَعَلَ ذَلِك لضَاقَتِ الأرضُ بالبَشَرِ، ولضَاقَتْ عَليهِم مَعَايِشُهُمْ وَأَرزَاقُهُمْ، ولكِنّ حِكمَتَهُ اقتَضَتْ أن يَخْلُقَهُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَأن يَجْعَلَهُمْ أُمماً يَخْلُفُ بَعْضُهُم بَعْضاً، حَتَّى يَنْقَضِيَ الأَجَلُ وَيَعُودَ النَّاسُ إِلى اللهِ تَعَالى يَومَ القِيامَةِ، وَمَنْ يَقْدِرُ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ غيرُ اللهِ تَعَالى؟ فَهَلْ هُنَاكَ إِلهٌ مَعَ اللهِ، وَهَلْ تَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلهاً غَيرَهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَفْعَلُهُ اللهُ؟ فَمَا أقَلَّ تَذَكُّرَكُمْ أنْعُمَ اللهِ عَلَيكُم التِي يُرشِدُكُم بِها إِلى الحَقِّ، وَيَهدِيكُمْ بِها إلى الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : (يجيب) الإجابة هي تحقيق المطلوب لداعيه، والمضطر: هو الذي استنفد الأسباب، وأخذ بها فلم تُجْدِ معه، فليس أمامه إلا أنْ يترك الأسباب إلى المسبِّب سبحانه فيلجأ إليه؛ ذلك لأن الخالق - عز وجل - قبل أنْ يخلق الإنسان خلق له مُقوِّمات حياته وضرورياتها وسخَّرها لخدمته. لذلك جاء في الحديث القدسي: "حديث : يا ابن آدم خلقت الأشياء كلها من أجلك، وخلقتك من أجلي فلا تنشغل بما هو لك عما أنت له ". تفسير : ثم خلق الله لك الطاقة التي تستطيع أن تُسخِّر بها هذه الأشياء وضمن لك القوت الضروري من ماء ونبات، فإنْ أردتَ أنْ تُرفِّه حياتك فتحرك في الحياة بالأسباب المخلوقة لله، وبالطاقة الفاعلة فيك، وفكِّر كيف ترتقي وتُثرِي حركة الحياة من حولك. فالماء الذي ينساب في داخل البيت حين تفتح الصنبور، والضوء الذي ينبعث بمجرد أن تضغط على زر الكهرباء، والسيارة التي تنقلك في بضع دقائق .. كلها ارتقاءات في حركة حياة الناس لما أعملوا عقولهم فيما أعطاهم الله من مادة وعقل وفكر وأسباب، وهذه كلها يد الله الممدودة لعباده، والتي لا ينبغي لنا ردّها. فإذا ما حاولتَ ولم تفلح، ولم تثمر معك الأسباب، فعليك أنْ تلجأ مباشرة إلى المسبِّب سبحانه، لأنه خالقك والمتكفِّل بك. واقرأ قوله تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً ..}تفسير : [يونس: 12] ويا ليته ساعةَ دعا ربه ولجأ إليه فاستجاب له يجعل له عند ربه رَجْعة، ويتوقع أنْ يصيبه الضُّر مرة أخرى؛ لكن إنْ كشف الله عنه سرعان ما يعود كما كان. {أية : فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [يونس: 12]. {أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ} [النمل: 62] فالمضطر إذن لابدَّ أنْ يُجيبه الله، فمَنْ قال: دعوتُ فلم يُستجب لي. فاعلم أنه غير مضطر، فليست كل ضائقة تمرُّ بالعبد تُعَدُّ من قبيل الاضطرار، كالذي يدعو الله أن يسكن في مسكن أفضل مما هو فيه، أو براتب ودَخْل أوفر مما يأخذه .. الخ، كلها مسائل لا اضطرارَ فيها، وربما علم الله أنها الأفضل لك، ولو زادك عن هذا القدر طغيتَ وتكبرتَ. كما قال الحق سبحانه وتعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ}تفسير : [العلق: 6-7]. فلقد طلبتَ الخير من وجهة نظرك، وربُّك يعلم أنه لا خيرَ فيه {أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً}تفسير : [الإسراء: 11]. فربُّك يُصحِّح لك هذا الخطأ في فهمك للمسائل فيقول لك: سأحقق لك الخير، لكن بطريقة أخرى أنسب من هذه، فلو أجبتُك إلى ما تريد لحدث مَا لا تُحمد عقباه، وكأن الله - عز وجل - وهو ربُّنا والمتولِّي أمرنا يجعل على دعائنا (كنترول) ولو كان الله سبحانه موظفاً يلبي لكل مِنّا طلبه ما استحق أن يكون إلهاً - حاشا لله. فالإنسان من طبيعته العجلة والتسرع، فلا بُدَّ للرب أن يتدخل في أقدار عبده بما يصلحه، وأنْ يختار له ما يناسبه؛ لأنه سبحانه الأعلم بعواقب الأشياء وبوقتها المناسب، ولكل شيء عنده تعالى موعد وميلاد. واقرأ قول الله تعالى: {أية : وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِٱلْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ..}تفسير : [يونس: 11]. أَلاَ ترى بعض الأمهات تحب الواحدة ولدها وتشفق عليه، فإنْ عصاها في شيء أو ضايقها تقول رافعةً يديها إلى السماء (إلهي أشرب نارك) أو (إلهي أعمى ولا أشوفك) فكيف لو أجاب الله هذه الحمقاء؟ إذن: من رحمته تعالى بنا أنْ يختار لنا ما يُصلِحنا من الدعاء، ويُعافينا من الحمق والعجلة. وقوله تعالى: {وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ} [النمل: 62] فكما أنه لا يجيب المضطر إلا الله لا يكشف السوء إلا الله، ولو كان هناك إله آخر يجيب المضطر ويكشف السوء لتوجَّه الناسُ إليه بالدعاء، لكن حينما يُصاب المرء لا يقول إلا يا رب، ولا يجد غير الله يلجأ إليه لأنه لن يغشَّ نفسه في حال الضائقة أو المصيبة التي ألمت به. وقد مثَّلنا لذلك - ولله المثل الأعلى - بحلاق الصحة في الماضي، وكان يقوم بعمل الطبيب الآن، فلما أنشئت كلية الطب وتخرَّج فيها أحد أبناء القرية اتجهتْ الأنظار إليه، فكان الحلاق يذمُّ في الطب والأطباء، وأنهم لا خبرةَ لديهم لتبقى له مكانته بين أهل القرية، لكن لما مرض ابن الحلاق ماذا فعل؟ إنْ غشَّ الناس فلن يغشَّ نفسه: أخذ الولد في ظلام الليل ولفّه في البطانية، وذهب به إلى (الدكتور) الجديد. لذلك يقول كل مضطر وكل مَنْ أصابه سوء: يا رب يا رب حتى غير المؤمن لا بُدَّ أن يقولها، ولا بُدَّ أنْ يتجه بعينه وقلبه إلى السماء إلى الإله الحق، فالوقت جِدّ لا مساومة فيه. ويقول تعالى بعدها: {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ ..} [النمل: 62] أي: يخلفُ بعضكم بعضاً فيها، كما قال: {أية : لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ..}تفسير : [النور: 55]. فهل يملك هذه المسائل إلا الله: {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ} [النمل: 62] والاستفهام هنا ينكر وجودَ إله غير الله يفعل هذا {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} [النمل: 62] يعني: لو تفكرتُم وتذكرتُم لعرفتم أنه لا إله إلا الله. ثم يقول الحق سبحانه: {أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: هل يجيب المضطرب الذي أقلقته الكروب وتعسر عليه المطلوب واضطر للخلاص مما هو فيه إلا الله وحده؟ ومن يكشف السوء أي: البلاء والشر والنقمة إلا الله وحده؟ ومن يجعلكم خلفاء الأرض يمكنكم منها ويمد لكم بالرزق ويوصل إليكم نعمه وتكونون خلفاء من قبلكم كما أنه سيميتكم ويأتي بقوم بعدكم أإله مع الله يفعل هذه الأفعال؟ لا أحد يفعل مع الله شيئا من ذلك حتى بإقراركم أيها المشركون، ولهذا كانوا إذا مسهم الضر دعوا الله مخلصين له الدين لعلمهم أنه وحده المقتدر على دفعه وإزالته، { قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ } أي: قليل تذكركم وتدبركم للأمور التي إذا تذكرتموها ادَّكرتم ورجعتم إلى الهدى، ولكن الغفلة والإعراض شامل لكم فلذلك ما ارعويتم ولا اهتديتم.