Verse. 3223 (AR)

٢٧ - ٱلنَّمْل

27 - An-Naml (AR)

اَمَّنْ يَّبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيْدُہٗ وَمَنْ يَّرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَاۗءِ وَالْاَرْضِ۝۰ۭ ءَ اِلٰہٌ مَّعَ اؘ۝۰ۭ قُلْ ہَاتُوْا بُرْہَانَكُمْ اِنْ كُنْتُمْ صٰدِقِيْنَ۝۶۴
Amman yabdao alkhalqa thumma yuAAeeduhu waman yarzuqukum mina alssamai waalardi ailahun maAAa Allahi qul hatoo burhanakum in kuntum sadiqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أمَّن يبدأ الخلق» في الأرحام من نطفة «ثم يعيده» بعد الموت وإن لم تعترفوا بالإعادة لقيام البراهين عليها «ومن يرزقكم من السماء» بالمطر «والأرض» بالنبات «أَإِله مع الله» أي لا يفعل شيئاً مما ذكر إلا الله ولا إله معه «قل» يا محمد «هاتوا برهانكم» حجتكم «إن كنتم صادقين» أن معي إلهاً فعل شيئاً مما ذكر، وسألوه عن وقت قيام الساعة فنزل:

64

Tafseer

الرازي

تفسير : النوع الخامس ـ ما يتعلق بالحشر والنشر اعلم أنه تعالى لما عدد نعم الدنيا أتبع ذلك بنعم الآخرة بقوله: {أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ } لأن نعم الآخرة بالثواب لا تتم إلا بالإعادة بعد الابتداء والإبلاغ إلى حد التكليف فقد تضمن الكلام كل هذه النعم، ومعلوم أنها لا تتم إلا بالأرزاق فلذلك قال: {وَمَن يَرْزُقُكُم مّنَ ٱلسَّمَاء وٱلأَرْضِ }، ثم قال: {أإله مَّعَ ٱللهِ } منكراً لما هم عليه، ثم بين بقوله: {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } أن لا برهان لكم فإذن هم مبطلون، وهذا يدل على أنه لا بد في الدعوى من وعلى فساد التقليد، فإن قيل كيف قيل لهم: {أَم مَّنْ يبدؤ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } وهم منكرون للإعادة؟ جوابه: كانوا معترفين بالابتداء، ودلالة الابتداء على الإعادة دلالة ظاهرة قوية، فلما كان الكلام مقروناً بالدلالة الظاهرة صاروا كأنهم لم يبق لهم عذر في الإنكار، وههنا آخر الدلائل المذكورة على كمال قدرة الله تعالى.

ابن كثير

تفسير : أي: هو الذي بقدرته وسلطانه يبدأ الخلق ثم يعيده؛ كما قال تعالى في الآية الأخرى: {أية : إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ} تفسير : [البروج: 12 ــــ 13] وقال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} تفسير : [الروم: 27] {وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} أي: بما ينزل من مطر السماء، وينبت من بركات الأرض؛ كما قال تعالى: {أية : وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ } تفسير : [الطارق: 11 ــــ 12] وقال تعالى: {أية : يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} تفسير : [سبأ: 2] فهو تبارك وتعالى ينزل من السماء ماء مباركاً، فيسلكه ينابيع في الأرض، ثم يخرج به منها أنواع الزروع والثمار والأزاهير، وغير ذلك من ألوان شتى {أية : كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَـٰمَكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لأَيَـٰتٍ لأُِوْلِي ٱلنُّهَىٰ} تفسير : [طه: 54] ولهذا قال تعالى: {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللهِ} أي: فعل هذا، وعلى القول الآخر: بعد هذا؟ {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ} على صحة ما تدعونه من عبادة آلهة أخرى {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} في ذلك، وقد علم أنه لا حجة لهم ولا برهان؛ كما قال تعالى: {أية : وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا ءَاخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} تفسير : [المؤمنون: 117].

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ } في الأرحام من نطفة {ثُمَّ يُعِيدُهُ } بعد الموت؟ وإن لم تعترفوا بالإِعادة لقيام البراهين عليها {وَمَن يَرْزُقُكُم مّنَ ٱلسَّمَاء } بالمطر {وٱلأَرْضِ } بالنبات {أَءِلٰهٌ مَّعَ ٱلله } أي لا يفعل شيئاً مما ذكر إلا الله ولا إله معه {قُلْ } يا محمد صلى الله عليه وسلم {هَاتُواْ بُرْهَٰنَكُمْ } حجتكم {إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ } أن معي إلهاً فعل شيئاً مما ذكر.

الخازن

تفسير : النوع الخامس قوله تعالى: {أمن يبدأ الخلق} أي نطفاً في الأرحام {ثم يعيده} بعد الموت {ومن يرزقكم من السماء والأرض} أي من السماء بالمطر ومن الأرض بالنبات {أإله مع الله قل هاتوا برهانكم} أي حجتكم على قولكم إن مع الله إلهاً آخر {إن كنتم صادقين} قوله تعالى {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله} نزلت في المشركين حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الساعة. والمعنى أن الله هو الذي يعلم الغيب وحده ويعلم متى تقوم الساعة {ما يشعرون أيان يبعثون} يعني أن من في السموات وهم الملائكة ومن في الأرض وهم بنو آدم لا يعلمون متى يبعثون والله تعالى تفرد بعلم ذلك {بل ادارك علمهم} أي بلغ ولحق علمهم {في الآخرة} هو ما جهلوه في الدنيا وسقط عنهم علمه. وقيل بل علموا في الآخرة حين عاينوها ما شكوا فيه وعلموا عنه في الدنيا وهو قوله تعالى {بل هم في شك منها} أي هم اليوم في شك من الساعة {بل هم منها عمون} جمع عم وهو أعمى القلب وقيل معنى الآية أن الله أخبر عنهم إذا بعثوا يوم القيامة يستوي علمهم في الآخرة، وما وعدوا فيها من الثواب والعقاب وإن كانت علومهم مختلفة في الدنيا. قوله تعالى {وقال الذين كفروا} أي مشركو مكة {أإذا كنا تراباً وآباؤنا أإنا لمخرجون} أي من قبورنا أحياء {لقد وعدنا هذا} أي هذا البعث {نحن وآباؤنا من قبل} أي من قبل محمد صلى الله عليه سلم وليس ذلك بشيء {إن هذا} أي ما هذا {إلا أساطير الأولين} أي أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها {قيل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ولا تحزن عليهم} أي بتكذيبهم إياك وإعراضهم عنك. {ولا تكن في ضيق مما يمكرون} نزلت في المستهزئين الذي اقتسموا عقاب مكة {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل عسى أن يكون ردف} أي دنا وقرب {لكم} وقيل معناه ردفكم {بعض الذي تستعجلون} أي من العذاب فحل بهم ذلك يوم بدر. قوله عز وجل {وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم} أي تخفي {وما يعلنون} أي من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم {وما من غائبة} أي من جملة غائبة من مكتوم سر وخفي أمر وشيء غائب {في السماء والأرض إلا في كتاب مبين} يعني في اللوح المحفوظ {إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل} أي يبين لهم {أكثر الذين هم فيه يختلفون} أي من أمر الدين، وذلك أن أهل الكتاب اختلفوا فيما بينهم فصاروا أحزاباً يطعن بعضهم على بعض فنزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه {وإنه} يعني القرآن {لهدى ورحمة للمؤمنين إن ربك يقضي بينهم} أي يفصل بينهم ويحكم بين المختلفين في الدين يوم القيامة {بحكمة} أي الحق {هو العزيز} الممتنع الذي لا يرد له أمر {العليم} أي بأحوالهم فلا يخفى عليه شيء منها.

ابو السعود

تفسير : {أَم مَّنْ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أي بلْ أمن يبدأُ الخلقَ ثمَّ يُعيده بعد الموتِ بالبعثِ {وَمَن يَرْزُقُكُم مّنَ ٱلسَّمَاء وٱلأَرْضِ} أي بأسبابٍ سماويةٍ وأرضيةٍ قد رتبَّها على ترتيبٍ بديعٍ تقتضيهِ الحكمةُ التي عليها بُني أمرُ التكوينِ خيرٌ أمْ ما تشركونَه به في العبادةِ من جمادٍ لا يتوهم قدرتُه على شيءٍ ما أصلاً. {أَءِلَـٰهٌ} آخرُ موجودٌ {مَعَ ٱللَّهِ} حتَّى يجُعلَ شريكاً له في العبادةِ وقولُه تعالَى: {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ} أمرٌ له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بتبكيتِهم إثرَ تبكيتٍ أي هاتُوا بُرهاناً عقلياً أو نقلياً يدلُّ على أنَّ معه تعالى إلهاً لا على أنَّ غيرَه تعالى يقدُر على شيءٍ ممَّا ذُكر من أفعالِه تعالى كما قيلَ فإنَّهم لا يدعونَهُ صريحاً ولا يلتزمونَ كونَه من لوازمِ الألوهيةِ وإن كان منها في الحقيقةِ فمطالبتُهم بالبرهانِ عليه لا على صريحِ دعواهم ممَّا لا وجَه له وفي إضافةِ البرُهان إلى ضميرهم تهكمٌ بهم لما فيَها من إيهامٍ أنَّ لهم برهاناً وأنَّى لهُم ذلكَ {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أي في تلك الدَّعوى. {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} بعد ما حقق تفرده تعالى بالأُلوهيةِ ببـيانِ اختصاصِه بعلمِ الغيبِ تكميلاً لما قبله وتمهيداً لما بعدَه من أمرِ البعثِ. والاستثناءُ منقطعٌ ورفعُ المستثنى على اللُّغةِ التميمية للدِّلالةِ على استحالةِ علمِ الغيبِ من أهلِ السَّمواتِ والأرضِ بتعليقِه بكونِه سُبحانه وتعالَى منُهم كأنَّه قيلَ: إنْ كانَ الله تعالَى ممن فيهما ففيهم مَن يعلمُ الغيبَ، أو متصلٌ على أنَّ المرادَ بمن في السَّمواتِ والأَرضِ مَن تعلقَ علمُه بهما واطَّلع عليهما اطِّلاعَ الحاضرِ فيهما فإنَّ ذلكَ معنى مجازيٌّ عامٌّ له تعالَى ولأوُلي العلمِ من خلقِه، ومَن موصولةٌ أو موصوفةٌ {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} أي مَتَى يُنشرون من القبورِ مع كونِه ممَّا لا بُدَّ لهم منْهُ ومن أهم الأُمورِ عندهم. وأيَّان مركبةٌ مِنْ أيّ وآن. وقُرىء بكسرِ الهمزةِ. والضَّميرُ للكفرةِ وإنْ كانَ عدمُ الشُّعورِ بما ذُكر عامَّاً لئلاَّ يلزمَ التفكيكُ بـينَه وبـينَ ما سيأتي من الضَّمائِر الخاصَّةِ بهم قطعاً. وقيلَ الكُلُّ لمن، وإسنادُ خواصِّ الكفرةِ إلى الجميعِ من قبـيلِ قولِهم بنُو فُلانٍ فعلُوا كَذَا والفاعلُ بعضٌ منُهم. {بَلِ ٱدارَكَ عِلْمُهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ} لمَّا نفَى عنهم علمَ الغيبِ وأكَّد ذلكَ بنفِي شعورِهم بوقت ما هو مصيرُهم لا محالةَ بُولغَ في تأكيدِه وتقريرِه بأنْ أضربَ عنْهُ وبـيَّن أنَّهم في جهلٍ أفحشَ من جهلهِم بوقت بعثِهم حيثُ لا يعلمونَ أحوالَ الآخرةِ مُطلقاً معَ تعاضدِ أسبابِ معرفِتها على أنَّ معنى ادَّارك علمُهم في الآخرةِ تداركَ وتتابعَ علمُهم في شأنِ الآخرةِ التي ما ذُكر من البعثِ حالٌ مِن أحوالِها حتَّى انقطعَ ولم يبقَ لهم علمٌ بشيءٍ ممَّا سيكونُ فيها قطعاً لكن لا عَلى معنى أنَّه كانَ لهم علمٌ بذلكَ على الحقيقةِ ثمَّ انتفَى شيئاً فشيئاً بلْ على طريقةِ المجازِ بتنزيلِ أسبابِ العلمِ ومباديِه من الدَّلائلِ العقليةِ والسَّمعيةِ منزلةَ نفسِه وإجراءِ تساقطِها عن درجةِ اعتبارِهم كلَّما لاحظُوها مُجرى تتابعِها إلى الانقطاعِ ثمَّ أضربَ وانتقلَ عن بـيانِ عدمِ علمِهم بها إلى بـيانِ ما هُو أَسوأُ منه وهو حيرتُهم في ذلكَ حيثُ قيلَ: {أية : بَلْ هُمْ فِى شَكّ مّنْهَا }تفسير : [سورة النمل: الآية 66] أي في شكَ مُريبٍ من نفسِ الآخرةِ وتحققها كَمن تحيَّر في أمرٍ لا يجدُ عليه دليلاً فضلاً عن الأمورِ التي ستقعُ فيها ثمَّ أضربَ عن ذلكَ إلى بـيانِ أنَّ ما هُم فيه أشدُّ وأفظعُ من الشكِّ حيثُ قيلَ: {أية : بَلْ هُم مّنْهَا عَمُونَ}تفسير : [سورة النمل: الآية 66] بحيثُ لا يكادونَ يُدركون دلائلَها لاختلالِ بصائرِهم بالكُليَّة. وقُرىءَ بل أدّرك علمُهم بمعنى انتهى وفَنِيَ، وقد فسَّره الحسنُ البصريُّ باضمحلَّ علمُهم، وقيلَ: كلتَا الصِّيغتينِ على معناهُما الظاهرِ أي تكاملَ واستحكَم أو تمَّ أسبابُ علمِهم بأنها كائنةٌ لا محالةَ من آيات القيامةِ القاطعةِ والحُججِ السَّاطعةِ وتمكَّنُوا من المعرفِة فضلَ تمكنٍ وهم جاهلُون في ذلكَ وقولُه تعالَى: {بَلْ هُمْ فِى شَكّ مّنْهَا} إضرابٌ وانتقالٌ من وصفهم بمطلقِ الجهلِ إلى وصفِهم بالشكِّ. وقولُه تعالَى: {بَلْ هُم مّنْهَا عَمُونَ} إضرابٌ من وصفِهم بالشكِّ إلى وصفِهم بَما هُو أشدُّ منْهُ وأفظعُ من العَمَى، وأنتَ خبـيرٌ بأنَّ تنزيلَ أسبابِ العلمِ منزلةَ العلمِ سَننٌ مسلوكٌ لكنْ دلالةُ النَّظمِ الكريمِ على جهلِهم حينئذٍ ليستْ بواضحةٍ. وقيلَ: المرادُ بوصفِهم باستحكامِ العلمِ وتكاملِه التَّهكمُ بهم فيكونَ وصفاً لهُم بالجهل مُبالَغةً والإضرابانِ على ما ذُكر وأصلُ ادَّاركَ تَدَارك وبه قرأَ أُبَـيٌّ، فأُبدلتِ التَّاءُ دالاً وسُكِّنتْ فتعذَّرَ الابتداءُ فاجتُلِبتْ همزةُ الوصلِ فصارَ أدَّارك. وقُرىء بلِ ادَّرك وأصلُه افتعلَ، وبلْ أَأَدَّرك بهمزتينِ، وبلْ آأدْرَك بألفٍ بـينَهما، وبلْ دَرَك بالتَّخفيفِ والنَّقلِ، وبَلَ ادَّرك بفتحِ اللامِ وتشديدِ الدَّالِ، وأصلُه بلْ أدّركَ على الاستفهامِ، وبَلَى ادّركَ،، وبَلَى أَأَدْرك، وأمْ تَدَارك، وأمِ ادَّرك. فهذهِ ثِنْتا عشرةَ قراءةً فما فيهِ استفهامٌ صريحٌ أو مضمَّنٌ من ذلكَ فهُو إنكارٌ ونفيٌ وما فيهِ بَلَى فإثباتٌ لشعورِهم وتفسيرٌ له بالإدراكِ على وجهِ التَّهكمِ الذي هو أبلغُ وجوهِ النَّفي والإنْكارِ، وما بعدَهُ إضرابٌ عن التَّفسيرِ مبالغةً في النَّفي ودلالةً على أنَّ شعورَهم بها أنَّهم شاكُّون فيها بلْ إنَّهم منها عَمُون أو ردٌّ وإنْكارٌ لشعورِهم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ} [الآية: 64]. قال ابن عطاء رحمه الله: أبدأ الخلق بقدرته وإنفاذ المشيئة. قوله تعالى: {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} [الآية: 64]. قال ابن عطاء رحمه الله: صححوا برهانكم لتعلموا أن لا برهان لكم.

القشيري

تفسير : يُظِهرُ ما يُظْهِرُ بقدرته على مقتضى سابق حُكْمِه، ويخصص ما تعلقت به مشيئته وحقَّ فيه قولُه، وسَبَقَ به قضاؤه وقَدَرُه فإذا زال وانتفى وانعدم بعضُ ما يظهر ويخصص.. فَمَنْ الذي يعيده مثلما بدأه؟ ومن الذي يضيِّق الرزقَ ويُوَسِّعُه؟ ومن الذي يقبض في بعض الأوقات على بعض الأشخاص؟ وفي وقت آخر مَنْ الذي يبسط على قوم آخرين؟ هل في قدرة أحدٍ غيرِ اللَّهِ ذلك؟ إِنْ توهمتم شيئاً منذ لك فأَوْضِحُوا عنه حُجَّتَكم.. وإذ قد عجزتم.. فهلاَّ صَدَّقْتُم؟ وبالتوحيد أقررتم؟.

اسماعيل حقي

تفسير : {أم من يبدأ الخلق} اى يوجده اول مرة {ثم يعيده} بعد الموت بالبعث اى يوجده بعد اماتته وام ومن اعرابه كما تقدم. وفى الكواشفى وسألوا عن بدء خلقهم واعادتهم مع انكارهم البعث لتقدم البراهين الدالة على ذلك من انزال الماء وانبات النبات وجفافه ثم عوده مرة ثانية والعقل يحكم بامكان الاعادة بعد الابلاء وهم يعلمون انهم وجدوا بعد ان لم يكونوا فايجادهم بعد ان كانوا ايسر {ومن يرزقكم من السماء والارض} اى باسباب سماوية وارضية {أاله مع الله} يفعل ذلك {قل هاتوا}. قال الحريرى تقول العرب للواحد المذكر هات بكسر التاء وللجمع هاتوا وللمؤنث هاتى ولجماعة الاناث هاتين وللاثنين من المذكر والمؤنث هاتيا دون هاتا من غير ان فرقوا فى الامر لهما كما لم يفرقوا بينهما فى ضمير المثنى فى مثل قولك غلامهما وضربهما ولا فى علامة التثنية التى فى قولك الزيدان والهندان وكان الاصل فى هات آت المأخوذ من آتى اى اعطى فقلبت الهمزة هاء كما قلبت فى ارقت الماء وفى اياك فقيل هرقت وهياك. وفى ملح العرب ان رجلا قال لاعرابى هات فقال والله مااهتيك اى ما اعطيك: ومعنى هاتوا بالفارسية [بياريد] {برهانكم} عقليا او نقليا يدل على ان معه تعالى الها آخر والبرهان اوكد الادلة وهو الذى يقتضى الصدق ابدا {ان كنتم صادقين} اى فى تلك الدعوى ثم بين تعالى تفرده بعلم الغيب تكميلا لما قبله من اختصاصه بالقدرة التامة وتمهيدا لما بعده من امر البعث فقال {قل لا يعلم من فى السموات} من الملائكة {والارض} من الانس والجن {الغيب} وهو ماغاب عن العباد كالساعة ونحوها وسيجيىء بيانه {الا الله} اى لكن الله وحده يعلمه فالاستثناء منقطع والمستثنى مرفوع على انه بدل من كلمة من على اللغة التميمية واما الحجازيون فينصبونه {وما يشعرون} يعنى البشر اى لايعلمون {ايان يبعثون} متى ينشرون من القبور فايان مركبة من أى وآن فأى للاستفهام وآن بمعنى الزمان فلما ركبا وجعلا اسما واحدا بينا على الفتح كبعلبك وفى التأويلات النجمية يشير الى ان للغيب مراتب غيب هو غيب اهل الارض فى الارض وفى السماء وللانسان امكان تحصيل علمه وهو على نوعين. احدهما ماغاب عنك فى ارض الصورة وسمائها مثل غيبة شخص عنك او غيبة امر من الامور ولك امكان احضار الشخص والاطلاع على الامر الغائب وفى السماء مثل علم النجوم والهيئة ولك امكان تحصيله بالتعلم وان كان غائبا عنك. وثانيهما ماغاب عنك فى ارض المعنى وهو ارض النفس فان فيها مخبئات من الاوصاف والاخلاق مما هو غائب عنك كيفية وكمية ولك امكان الوقوف عليها بطريق المجاهدة والرياضة والذكر و الفكر وسماء المعنى وهو سماء القلب فان فيها مخبئات من العلوم والحكم والمعانى مما هو غائب عنك ولك امكان الوصول اليه بالسير عن مقامات النفس والسلوك فى مقامات القلب وغيب هو غيب اهل الارض فى الارض والسماء ايضا وليس للانسان امكان الوصول اليه الا بارادة الحق تعالى كما قال {أية : سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى انفسهم حتى يتبين لهم انه الحق}تفسير : وغيب وهو غيب اهل السماء فى السماء والارض ليس لهم امكان الوصول اليه الا بتعليم الحق تعالى مثل الاسماء كما {أية : انبئونى باسماء هؤلاء ان كنتم صادقين قالوا سبحانك لاعلم لنا الا ماعلمتنا} تفسير : ومن هنا تبين لك ان الله تعالى قد كرم آدم بكرامة لم يكرم بها الملائكة وهو اطلاعه على مغيبات لم يطلع عليها الملائكة وذلك بتعليمه علم الاسماء كلها وغيب هو مخصوص بالحضرة ولاسبيل لاهل السموات والارض الى علمه الا لمن ارتضى له كما قال {أية : فلا يظهر على غيبه احدا الا من ارتضى من رسول}تفسير : وبهذا استدل على فضيلة الرسل على الملائكة لان الله اختصهم باظهارهم على غيبه دون الملائكة ولهذا اسجدهم لآدم لانه كان مخصوصا باظهار الله اياه على غيبه ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ان الله خلق آدم فتجلى فيه"تفسير : وغيب استأثر الله بعلمه وهو علم قيام الساعة فلا يعلمه الا الله كما قال {ومايشعرون ايان يبعثون} انتهى قالت عائشة رضى الله عنها من زعم ان محمدا يعلم مافى غد فقد اعظم على الله الفرية. يقول الفقير واما ماقيل من ان من قال ان نبى الله لايعلم الغيب فقد اخطأ فيما اصاب فهو بالنسبة الى الاستثناء الوارد فى قوله تعالى {أية : فلا يظهر على غيبه احدا الا من ارتضى من رسول}تفسير : فان بعض الغيب قد اظهره الله على رسوله كما سبق من التأويلات. قال فى كشف الاسرار [منجمى دربيش حجاج رفت حجاج سنك ريزه دردست كرد وخود برشمرد آنكه منجم راكفت بكوتا دردست ومن سنك ريزه جندست منجم حسابى كه دانست بر كوفت وبكفت وصواب آمد حجاج آن بكذاشت ولختى ديكر سنك ريزه نامشرده دردست كرفت كفت اين جندست منجم هرجند حساب ميكرد جواب همه خطا مى آمد منجم كفت "ايها الامير اظنك لاتعرف مافى يدك" جنان ظن مى برم كه توعد آن نميدانى حجاج كفت جنين است نميدانم عدد آن وجه فرقست ميان اين وآن منجم كفت اول بارتو برشمردى واز حد غيب بدر آمد واكنون تو نميدانى وغيب است "ولايعلم الغيب الا الله" وفى كتاب كلستان منجمى بخانه خود در آمد مرد بيكانه را ديد بازن او بهم نشسته دشنام داد وسقط كفت وفتنه وآشوب برخاست صاحب دلى برين حال واقف شد وكفت] شعر : تو براوج فلك جه دانى جيست جوندانى كه در سراى توكيست

ابن عجيبة

تفسير : قلت: "من": إما فاعل بيعلم، و "الغيب": بدل منه، و "الله": مفعول، و"إلا الله": بدل على لغة تميم، أي: إبدال المنقطع، وإما مفعول بيعلم، و"الغيب" بدل منه و(الله): فاعل، والاستثناء: مفرغ. يقول الحق جل جلاله: {أمّن يبدأُ الخلقَ} أي: ينشىء الخلق {ثم يُعيده} بعد الموت بالبعث. وإنما قيل لهم: {ثم يُعيده} وهم منكرون للإعادة؛ لأنهم أزيحتْ شبهتهم بالتمكن من المعرفة، والإقرار، فلم يبقَ لهم عذرٌ في الإنكار. {ومن يرزقكم من السماء} بالمطر {والأرض} أي: ومن الأرض بالنبات، أي: يرزقكم بأسباب سماوية وأرضية، قد رتبها على ترتيب بديع، تقضيه الحكمة التي عليها بني أمر التكوين، {أإله مع الله} يفعل ذلك؟ {قل هاتُوا بُرهانَكم} أي: حجتكم، عقلية أو نقلية، على إشراككم، {إن كنتم صادقين} في دعواكم أن مع الله إلهاً آخر. {قل لا يعلم مَنْ في السماوات والأرضِ الغيبَ إلا الله}، بعد ما حقق سبحانه انفراده بالألوهية، ببيان اختصاصه بالقدرة الكاملة والرحمة الشاملة, عقَّب بذكر ما هو من لوازمه, وهو اختصاصه بعلم الغيب، تكميلاً لما قبله، وتمهيداً لما بعده من أمر البعث. قالت عائشة - رضي الله عنها -: (منْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ، فَقَدْ أعْظَمَ عَلَى اللهِ الفِرْيةَ، والله تعالى يقول: {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيبَ إلا الله} ). دخل على الحجاج مُنجِّم, فأخذ الحجاج حصياتٍ، قد عدَّها, فقال للمنجم: كم في يدي؟ فحسب، فأصاب، ثم اغتفله الحجاجُ، فأخذ حصيات لم يعدها، فقال للمنجم: كم في يدي؟ فحسب، فأخطأ، فقال: أيها الأمير أظنك لا تعرف عددها في يدك، فقال: ما الفرق بينهما؟ فقال: إن ذلك أحصيتَه فخرج من حَد الغيب, فحسبتُ فأصبتُ, وإن هذا لم تعرف عدته، فصار غيباً، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى. ومن جملة الغيب: قيام الساعة، ولذلك قال: {وما يشعرون أيّان يُبعثون} أي: متى ينتشرون من القبور، مع كونه مما لا بد لهم منه، ومن أهل الأمور عندهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: الرزق ثلاثة: رزق الأشباح، ورزق القلوب، ورزق الأرواح، فرزق الأشباح معلوم، ورزق القلوب: اليقين والطمأنينة، ورزق الأرواح: المشاهدة والمكالمة. قُل من يرزق قلوبكم وأرواحكم من سماء غيب القدرة وأرض الحكمة؟ فلا رازق سواه، ولا برهان على وجود ما سواه، ولا يعلم الغيب إلا الله. أو: من كان وجوده بالله قد غاب في نور الله، فَشَهِدَ الغيب بالله. والله تعالى أعلم. ولما نفى عنه علم الغيب، والشعور بمآلهم، أضرب عنه، وبيّن أن ما تناهى فيه أسباب العلم به، وهو مجيء يوم القيامة، لم يحصل لهم به يقين، فضلاً عن غيره، فقال: {بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ...}

اطفيش

تفسير : {أَمَّن يَبْدَؤُا الخَلْقَ} في الأرحام من نطفة. {ثُمَّ يُعِيدُهُ} يبعثه بعد الموت اعلم أن الكفار ولو أنكروا والبعث رأسا لكنهم قد مكنوا من أن يعرفوا البعث ويصدقوا به الحجج الدالة عليه حتى انه لا عذر لهم في الانكار فجعلوا كأنهم مقرون به فقيل لهم من يبدء الخلق ثم يعيده هذه الاعادة التي عرفتم أهو أم غيره. {وَمَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ} بالمطر والنبات. {أَءِلَهٌ مَّعَ اللهِ} يفعل ذلك والاستفهامات كلها انكارات وأم في ذلك كله للاضراب وابطال كون الأصنام خيرا وهي منقطعة فالمرفوع بعدها مبتدأ محذوف الخبر أي خير إلا الاولى فمتصلة عاطفة وقال القاضي {أية : أمن جعل الأرض قرارا} تفسير : بدل من أمن خلق السماوات، قال شيخ الاسلام نظرا الى ما تضمنته الجملتان من دلالتهما على اختصاصه تعالى بهذه الأفعال التي لا يقدر عليها غيره فانها دالة على التوحيد ونفي الضد اهـ. {قُلْ} يا محمد. {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} على أن غير الله سبحانه وتعالى يقدر معلى شيء من ذلك. {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} في أن مع الله إلها آخر وسأله المشركون عن قيام الساعة متى هو فنزل.

الالوسي

تفسير : {أمّن يَبدأُ ٱلْخَلْقِ } أي يوجده مبتدئاً له {ثُمَّ يُعِيدُهُ } يكرر إيجاده ويرجعه كما كان، وذلك بعد إهلاكه ضرورة أن الإعادة لا تعقل إلا بعده، والظاهر أن المراد بهذا ما يكون من الإعادة بالبعث بعد الموت، فأل في (الخلق) ليست للاستغراق لأن منه ما لا يعاد بالإجماع، ومنه ما في إعادته خلاف بين المسلمين، وتفصيله في محله. واستشكل الحمل على الإعادة بالبعث بأن الكلام مع المشركين وأكثرهم منكرون لذلك فكيف يحمل الكلام عليه ويخاطبون به خطاب المعترف؟ وأجيب بأن تلك الإعادة لوضوح براهينها جعلوا كأنهم معترفون بها لتمكنهم من معرفتها فلم يبق لهم عذر في الإنكار؛ وقيل: إن منهم من اعترف بها، والكلام بالنسبة إليه وليس بذاك، وأما تجويز كون أل للجنس وأن المراد بالبدء والإعادة ما يشاهد في عالم الكون والفساد من / إنشاء بعض الأشياء وإهلاكها، ثم إنشاء أمثالها وذلك مما لا ينكره المشركون المنكرون للإعادة بعد الموت فليس بشيء أصلاً كما لا يخفى. {وَمَن يَرْزُقُكُم مّنَ ٱلسَّمَاء وٱلأَرْضِ } أي بأسباب سماوية وأرضية قد رتبها على ترتيب بديع تقتضيه الحكمة التي عليها بني أمر التكوين {ءَإلٰهٌ} آخر موجود {مَعَ ٱللَّهِ } حتى يجعل شريكاً له سبحانه في العبادة. وقوله تعالى: {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ } أمر له عليه الصلاة والسلام بتبكيتهم إثر تبكيت أي هاتوا برهاناً عقلياً أو نقلياً يدل على أن معه عز وجل إلهاً، وقيل: أي هاتوا برهاناً على أن غيره تعالى يقدر على شيء مما ذكر من أفعاله عز وجل، وتعقب بأن المشركين لا يدعون ذلك صريحاً ولا يلتزمون كونه من لوازم الألوهية وإن كان منها في الحقيقة فمطالبتهم بالبرهان عليه لا على صريح دعواهم مما لا وجه له، وفي إضافة البرهان إلى ضميرهم تهكم بهم لما فيها من إيهام أن لهم برهاناً وأنى لهم ذلك، وقيل: إن الإضافة لزيادة التبكيت كأنه قيل: نحن نقنع منكم بما تعدونه أنتم أيها الخصوم برهاناً يدل على ذلك وإن لم نعده نحن ولا أحد من ذوي العقول كذلك، مع هذا أنتم عاجزون عن الإتيان به {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } أي في تلك الدعوى، واستدل به على أن الدعوى لا تقبل ما لم تنور بالبرهان. هذا وفي «الكشف» أن مبنى هذه الآيات الترقي لأن الكلام في إثبات أن لا خيرية في الأصنام مع أن كل خير منه تبارك وتعالى، فأجمل أولاً بذكر اسمه سبحانه الجامع في قوله تعالى: {أية : ءَآللَّهُ} تفسير : [النمل: 59] ثم أخذ في المفصل فجعل خلق السماوات والأرض تمهيداً لإنزال الماء وإنبات الحدائق لا بل للأخير، يدل عليه الالتفات هنالك والتأكيد بقوله تعالى: {أية : مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ } تفسير : [النمل: 60] كأنه يذكر سبحانه ما فيها من المنافع الكثيرة لوناً وطعماً ورائحة واسترواح ظل. ولما أثبت أنه فعله الخاص أنكر أن يكون له شريك وجعلهم عادلين عن منهج الصواب أو عادلين به سبحانه من لا يستحق، والأول أظهر، ثم ترقى منه إلى ما هو أكثر لهم خيراً وأظهر في نفعهم من جعل الأرض قراراً وما عقبه، فذكر جل وعلا ما لا يتم الإنبات المذكور إلا به مع منافع يتصاغر لديها منفعة الإنبات، وعقبه بجهلهم المطلق المنتج للعدول المذكور، وأسوأ منه وأسوأ، ثم بالغ في الترقي فذكر ما هو لصيق بهم دون واسطة من دفع أو نفع فخص إجابتهم عند الاضطرار، وعم بكشف السوء والمضار، هذا فيما يرجع إلى دفعه المحذور وإقامتهم خلفاء في الأرض ينتفعون بها وبما فيها كما أحبوا، وهذا أتم من الأولين وأعم وأجل موقعاً وأهم، ولهذا فصل بعدم التذكر وبولغ فيه تلك المبالغات، وأما ذكر الهداية في ظلمات البر والبحر وذكر إرسال الرياح المبشرة استطراداً لمناسبة حديث الرياح مع الهداية في البحر، فمن متممات الخلافة وإجابة المضطر وكشف السوء فافهم. ونبه على هذا بأنه فصل بقوله تعالى: {أية : تَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ }تفسير : [النمل: 63] ثم ختم ذلك كله بالإضراب عن هذا الأسلوب بتذكير نعمتي الإيجاد والإعادة، فكل نعمة دونهما لتوقف النعم الدنيوية والأخروية عليها، وعقبه بإجمال يتضمن جميع ما عدده أولاً وزيادة أعني رزقهم من السماء والأرض، وأدمج في تأخيره أنه دون النعمتين ولهذا بكتهم بطلب البرهان فيما ليس وسجل بكذبهم دلالة على تعلقه بالكل وأن هذه الخاتمة ختام مسكي، والمعرض عن تشام نفحاته مسكي، وعن هذا التقرير ظهر وجه الإبدال مكشوف النقاب والحمد لله تعالى المنعم الوهاب اهـ. وفي «غرة التنزيل» للراغب ما يؤيده، وقد لخصه الطيبـي في «شرح الكشاف»، والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.

ابن عاشور

تفسير : هذا انتقال إلى الاستدلال بتصرف الله تعالى بالحياة الأولى والثانية وبإعطاء المدد لدوام الحياة الأولى مدة مقدرة. وفيه تذكير بنعمة الإيجاد ونعمة الإمداد. والاستفهام تقريري لأنهم لا ينكرون أنه يبدأ الخلق وأنه يرزقهم. وأدمج في خلال الاستفهام قوله {ثم يعيده}لأن تسليم بدئه الخلق يلجئهم إلى فهم إمكان إعادة الخلق التي أحالوها. ولما كان إعادة الخلق محلّ جدل وكان إدماجها إيقاظاً وتذكيراً أعيد الاستفهام في الجملة التي عطفت عليه بقوله {ومن يرزقكم من السماء والأرض}ولأن الرزق مقارن لبدء الخلق فلو عطف على إعادة الخلق لتوهّم أنه يرزق الخلق بعد الإعادة فيحسبوا أن رزقهم في الدنيا من نعم آلهتهم. وإذ قد كانوا منكرين للبعث ذُيّلت الآية بأمر التعجيز بالإتيان ببرهان على عدم البعث. والبرهان: الحجة. وتقدم عند قوله تعالى {أية : يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربّكم}تفسير : في آخر سورة النساء (174). وإضافة البرهان إلى ضمير المخاطبين وهم المشركون مشير إلى أن البرهان المُعَجّزين عليه هو برهان عدم البعث، أي إن كنتم صادقين فهاتوه لأن الصادق هو الذي قوله مطابق للواقع. والشيء الواقع لا يعدم دليلاً عليه. وجُماع ما تقدم في هذه الآيات من قوله {أية : آلله خير أما تشركون}تفسير : [النمل: 59] أنها أجملت الاستدلال على أحقية الله تعالى بالإلهية وحده ثم فصّلت ذلك بآيات {أية : أمن خلق السماوات والأرض} تفسير : [النمل: 60] إلى قوله {أية : قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}تفسير : [النمل: 64] فابتدأت بدليل قريب من برهان المشاهدة وهو خلق السماوات والأرض وما يأتي منهما من خير للناس. ودليل كيفية خلق الكرة الأرضية وما على وجهها منها، وهذا ملحق بالمشاهدات. وانتقلت إلى استدلال من قبيل الأصول الموضوعة وهو ما تمالأ عليه الناس من اللجأ إلى الله تعالى عند الاضطرار. وانتقلت إلى الاستدلال عليهم بما مكّنهم من التصرف في الأرض إذ جعل البشر خلفاء في الأرض، وسخر لهم التصرّف بوجوه التصاريف المعينة على هذه الخلافة، وهي تكوين هدايتهم في البر والبحر. وذلك جامع لأصول تصرفات الخلافة المذكورة في الارتحال والتجارة والغزو. وختم ذلك بكلمة جامعة لنعمتي الإيجاد والإمداد وفي مطاويها جوامع التمكن في الأرض.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 64- بل اسألهم - أيها الرسول - عمن ينشئ الخلق ابتداء، ثم يوجده بعد فنائه كما كان؟ ومن الذى ينزل لكم الرزق من السماء ويخرجه من الأرض؟. ليس هناك إله مع الله يفعل ذلك. قل - أيها الرسول - موبخاً لهم ومنكراً عليهم: إن كان لكم إله سوى الله فأقيموا لنا حجة على ذلك إن كنتم تزعمون أنكم صادقون، ولن يتأتى لكم ذلك. 65- قل - أيها الرسول -: إن مَن تَفرَّد بفعل هذا كله قد تفرد - سبحانه - بعلم ما فى السموات والأرض من أمور الغيب، وهو الله - وحده - وما يعلم الناس أى وقت يبعثون فيه من قبورهم للحساب والجزاء. 66- تلاحق علمهم فى الآخرة من جهل بها إلى شك فيها، وهم فى عماية عن إدراك الحق فى أى شئ من أمرها لأن الغواية أفسدت إدراكهم. 67- وقال الكافرون منكرين للبعث: أئذا صرنا تراباً وبليت أجسامنا وأجسام آبائنا السابقين هل نعاد ونخرج إلى الحياة من جديد؟! 68- لقد وعدنا محمد بهذا البعث كما وعد الرسل السابقون آباءنا، ولو كان حقاً لحصل، وليس هذا إلا من أكاذيب السابقين. 69- قل لهم - أيها الرسول -: تجولوا فى الدنيا وانظروا آثار ما حل بالمكذبين من عذاب الله لعلكم تعتبرون بهذا، وتخشون ما وراءه من عذاب الآخرة.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَمَّن} {يَبْدَأُ} {أَإِلَـٰهٌ} {بُرْهَانَكُمْ} {صَادِقِينَ} (64) - وَاسْأَلْهُمْ هَلِ الذينَ تُشْرِكُونَهُمْ بالعِبَادَةِ مَعَ اللهِ خيرٌ أَمِ اللهُ الذي يَبْدَأُ الخَلْقَ، بِقُدْرَتِهِ وَسُلطَانِهِ، وَيَبتَدِعُهُ عَلى غيرِ مِثَالٍ سَبَقَ، ثُمَّ يُفْنِيهِ إِذا شَاءَ مَرَّةً أُخْرَى، وَهُوَ الذِي يَرزُقُكُمْ بِإِنزالِ المَطرِ مِنَ السَّماءِ فَيُخرِجُ لكُم منَ الأَرضِ زُرُوعاً وَثِمَاراً ونَبَاتَاتٍ، تَنْتَفِعُ بِها الأَنْعَامُ والمَخلُوقَاتُ والبَشَرُ، فَهلْ هُنَاك إٍِلهٌ آخرُ مَعَ اللهِ فَعَلَ هذا؟ أَمْ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ؟ فإِذا ادَّعيَتُمْ أَنَّ هُناكَ آلِهَةً أُخْرى فَهَاتُوا بُرْهَانَكُم عَلَى صِحَّةِ مَا تَقُولُونَ مِنْ وُجُودِ هذِهِ الآلِهَةِ الأُخْرَى التِي تَستَطيعُ أَنْ تَخلُقَ وَتَرْزُقَ؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : مسألة الخَلْق هذه لا يستطيعون إنكارها، وقد سألهم الله: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ..}تفسير : [الزخرف: 87]. وفي موضع آخر: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ..}تفسير : [لقمان: 25]. لأنهم لا يملَكون إنكارها، وإنْ أنكروها فالردّ جاهز: على مَنْ خلق أولاً أن يُرينا شيئاً جديداً من خَلْقه. ومعنى {يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ} [النمل: 64] يعني: الخلْق الأول من العدم {ثُمَّ يُعيدُهُ} [النمل: 64] لأن الذي خلقنا من عدم كتب علينا الموت، وأخبرنا بالغيب أننا سنُبعث يوم القيامة، وسيعاد هذا الخَلْق مرة أخرى، فالذين لم يملكوا إنكار الخلق أنكروا البعث، فقالوا كما حكى القرآن: {أية : قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ}تفسير : [ق: 1-3]. فاستبعدوا البعث بعد الموت، وتحلّل الأجساد في التراب. وهذه القضية خَاضَ فيها الفلاسفة بكلام طويل، وللردِّ عليهم نقول: أنتم في القوانين الوضعية تجعلون الثواب لمن أحسن، والعقوبة لمن قصَّر، وتُجرِّمون بعض الأعمال بعينها، وتضعون لها العقوبة المناسبة، وفي القانون: لا عقوبةَ إلا بتجريم، ولا تجريمَ إلا بنصٍّ، ولا نصَّ إلا بإعلام. ولم نَرَ في القانون الوضعي جريمة تُرِكت بلا عقوبة، فإذا كان البشر يضعون لمجتمعاتهم هذه القوانين التي تنظم حياتهم، أليس رب البشر أوْلَى بقانون الثواب والعقاب؟ وإذا كنتَ لا ترضي لنفسك أنْ يفلتَ المجرم من العقاب، فكيف ترضى ذلك لله؟ ثم ألا تعلم أن كثيراً من المجرمين يرتكبون جرائمهم في غفلة من القانون، أو يُعمُّون على العدالة ويهربون من العقاب، ويُفلِتون من القوانين الوضعية في الدنيا، ولو تركنا هؤلاء بلا عقاب أيضاً في الآخرة فهم إذن الفائزون، وسوف نشجع بذلك كل منحرف خارج عن القانون. أما إنْ علم أن له رباً قيوماً عليه، وإنْ عمَّى على قضاء الأرض فلن يُعمِّي على قضاء السماء، وإنْ أفلتَ من عقاب الدنيا فلن يُفلِتَ أبداً من عقاب الآخرة - إنْ علم ذلك استقام. لكن، ما وجه استبعادهم للبعث {أية : ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ}تفسير : [ق: 3]. يقولون: هَبْ إن إنساناً مات ودُفِن وتحلّل جسده إلى عناصر امتصتها الأرض، ثم غُرِسَت شجرة في هذا المكان وتغذْت على هذه العناصر، وأكل من ثمارها عدة أشخاص، وانتقلت جزئيات الميت إلى الثمار ثم إلى من أكل منها، فحين يُبعث الخَلْق يوم القيامة فلأيِّهما تكون هذه الجزئيات: للأول أم للثاني؟ إذا بعثتها للأول كانت نقصاً في الثاني، وإنْ بعثتها للثاني كانت نقصاً في الأول. وهذا الكلام منهم على سبيل أن الشخص مادة فقط، لكن التشخيصات مادة ومعنى. وهَبْ أن شخصاً بديناً يزن مثلاً مائة كيلو أصابه مرض أهزله حتى قَلَّ وزنه إلى خمسين كيلو مثلاً، ثم عُولج وتحسنت صحته حتى عاد كحالته الأولى. فهل الجزئيات التي نقصت من وزنه هي نفسها التي دخلتْ فيه بالصحة والتغذية؟ بالطبع لا، أتغيرتْ شخصيته بهذا النقص، أو بهذه الزيادة؟ لا، بل هو هو. إذن: للشخص جزئيات مختلفة التكوين، وله معنى وروح، ساعةَ تتجمع هذه الأشياء يأتي الشخص المراد. لذلك يقول تعالى رداً على هؤلاء المتفلسفين: {أية : قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ}تفسير : [ق: 4]. فلماذا تستبعدون الإعادة بعد الموت وقد أقررتُم بالخَلْق الأول واعترفتم بأن الله هو الخالق، وأليست الإعادة من موجود أهونَ من الخَلْق بدايةً من العدم؟ ثم إن الإعادة تحتاج إلى قدرة على الإبراز وإلى علم. أما العلم، فالحق - تبارك وتعالى - يقول: {أية : قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ}تفسير : [ق: 4] يعني: يعلم وزنك، ويعلم جزئياتك، لا يغيب منها ذرة واحدة. أما القدرة، فقد آمنتُم بها حين أقررتُم بقدرته تعالى على الخَلْق من عدم، والإعادة أهون من الإنشاء الأول {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ..}تفسير : [الروم: 27]. وإنْ كان الخالق - عز وجل - لا يُقَال في حقه هيِّن وأهْون، لكنها بعُرْفكم أنتم، وبما يُقرِّب المسألة إلى أذهانكم. وفي القدرة أيضاً يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ ..}تفسير : [ق: 15]. ثم يقول سبحانه: {وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وٱلأَرْضِ ..} [النمل: 64]. الرزق: كلُّ ما يُنتفع به، وهو إما من السماء وإما من الأرض، وإما من التقائهما حين ينزل الماء من السماء، ويختلط بتربة الأرض فيخرج النبات. {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ ..} [النمل: 64] يكرر نفس الاستفهام السابق لتأكيد أنه لا إله إلا الله يأتيكم بهذه النعم. {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [النمل: 64] أي: هاتوا الدليل على وجود إله آخر يقول: أنا الذي بدأتُ الخَلْق، وأنا الذي أرزق من السماء والأرض، فإذا لم يأْتِ مَنْ يقول هذا فقد ثبتتْ الدعوة لصاحبها حيث لم يَقُم معارضَ - ودَعْك من مسألة الإعادة هذه، يكفي أن يدعي الخَلْق؛ لأن القادر على الخَلْق قادر على الإعادة، فلا يستحيل على الذي خلق من عدم أنْ يُعيد من موجود. لكن، ما مناسبة الكلام عن الرزق من السماء والأرض بعد مسألة الإعادة؟ لا بُدَّ أن تكون هناك علاقة بينهما، فللرزق الذي يأتي عن طريق التقاء ماء السماء بتربة الأرض وهو النبات دورة مثل دورة الإنسان وإعادة كإعادته، حيث يتغذى الإنسان على نبات الأرض، ويأخذ منه حاجته من الطاقة والغذاء، وما تبقى منه يخرج على صورة فضلات تتحلل في الأرض، حتى ما تبقَّى منها في جسم الإنسان يتحلل بعد موته إلى عناصر الأرض. فالوردة مثلاً بعد نضارتها وطراوتها وجمالها حيث تُقطف تجفّ ويتبخر ماؤها، وكذلك اللون والرائحة في الأثير الجوي، وما تبقى منها من مادة جافة تتحلل في التربة، فإذا ما زرعنا وردة أخرى، فإنها تتغذى على ما في التربة من عناصر، وما في الأثير الجوي من لون ورائحة. إذن: فعناصر التكوين في الكون لم تَزِدْ ولم تنقص منذ خلق الله الخَلْق، ولدورة النبات في الطبيعة بدء ونهاية وإعادة أشبه ما تكون بخَلْق الإنسان، ثم موته، ثم إعادته يوم القيامة. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يعطينا الدليل على الإعادة بما نراه من دورة النبات، دليلاً بما نراه على الغيب الذي لا نراه. ثم يقول الحق سبحانه: {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَاواتِ ...}.

الجيلاني

تفسير : {أَمَّن يَبْدَؤُاْ} ويظهر {ٱلْخَلْقَ} أي: عموم المخلوقات والمكونات من كتم العجم بعدما لم يكن شيئاً مذكوراً برش نوره عليها، ومدّ ظله إليها بمقتضى لطفه وجماله {ثُمَّ} بعد إظهاره وإيجاده من {يُعيدُهُ} ويبعثه بعد إعدامه وإماتته بمقتضى قهره وجلاله {وَمَن يَرْزُقُكُم} ويقوم مزاجكم بأنواع الأغذية الحاصلة {مِّنَ} أسباب {ٱلسَّمَآءِ} قوابل {وٱلأَرْضِ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ} القادر المقتدر على إنشاء البدائع، وإبداء الغرائب والعجائب المكنونة في التراب؛ ليتكون غذاء لمن عليها من الحيوانات تثبتون وتشركون أيها الحمقى المسرفون، المشركون المكابرون، فإن أصروا على شركهم وكفرهم بعدما سمعوا قوارع الدلائل القاطعة، والشواهد الساطعة {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل إلزاماً عليهم وتبكيتاً: {هَاتُواْ} أيها الحمقى {بُرْهَانَكُمْ} على دعواكم ألوهية معبوداتكم {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [النمل: 64] في هذه الدعوى. وبعدما تم إلزامك عليهم، وتبكيتك إياهم {قُل} يا أكمل الرسل كلاماً ناشئاً عن محض التوحيد، خالياً عن وصمة الكثرة مطلقاً: {لاَّ يَعْلَمُ مَن} ظهر {فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ} أي: العلويات {و} من ظهر في {ٱلأَرْضِ} أي: السفليات من المظاهر المجبولة فيهما على فطرة الشعور والإدراك {ٱلْغَيْبَ} الذي غاب عن مداركهم وعقولهم وحواسهم {إِلاَّ ٱللَّهُ} المنزه عن الأماكن والأزمان، بل الكل في حيطة أسمائه وأوصافه، والمبرأ عن الاشتراك في جنس وعن الامتياز بفصل، فإنه واحد لا يشارك مع شيء عنه بشيء، بل وحدته لا كسائر الوحدات، ولا علمه كسائر العلوم، وكذا جميع صفاته وأسمائه، فإنه سبحانه يعلم بعلمه الحضوري جميع ما ظهر وبطن، وغاب وشهد بلا تفاوتٍ، بل الكل في ساحة عز حضوره على السواء بلا اختلافٍ من الخفاء والجلاء. {وَ} إن اجتهد أولئك الصالحون من أهل السماوات والأرضين {مَا يَشْعُرُونَ} ويدركون {أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل: 65] أي: متى يبعثون، وفي أي آن يحشرون من قبور تعيناتهم، وأجداث هوياتهم؛ للوقوف بين يدي الله؛ وإن وصلوا بعدما اجتهدوا بتوفيق الله وتيسيره، إن وقوفهم بين يديه للعرض والجزاء كائن لا محالة، لكنهم ما وصلوا إلى مرتبة يسع لهم تعيين وقت الحشر والنشر؛ إذ يعبتر وقت البعث من جملة الغيوب التي استأثر الله بها، ولم يطلع أحداً من الأنبياء وأوليائه عليها. {بَلِ ٱدَّارَكَ} أي: بلغ وتدارك، ووصل {عِلْمُهُمْ} أي: علم العلماء وأرباب الشعور والإدراك بعدما كوشفوا بإلهما الله وجذب من جانبه، و{فِي} تحقق النشأة {ٱلآخِرَةِ} وما فيها من المعتقدات المحققة من الحشر والنشر، والصراط والسؤال، والجنة والنار، والثواب والعقاب، وجميع الأمور التي نطقت بها ألسنة الكتب والرسل {بَلْ هُمْ} أي: بل أكثر الناس {فِي شَكٍّ} وتردد {مِّنْهَا} أي: من الآخرة ومن الأمور الكائنة فيها {بَلْ هُم} أي: بل أكثرهم {مِّنْهَا} ومن الأمور الموعودة فيها {عَمُونَ} [النمل: 66] غافلون منكرون، لا يعتقدون ولا يقبلون، بل ينكرونها أشد إنكار، ويكذبونها أبلغ تكذيب.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {أَمَّن يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ} [النمل: 64] بإدراجهم من العدم إلى الوجود {ثُمَّ يُعيدُهُ} بإفنائهم إلى عالم الوحدة {وَمَن يَرْزُقُكُم} أي: يرزق أرواحكم {مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} سماء الربوبية {وٱلأَرْضِ} أرض البشرية يشير إلى تربية الأرواح لاستكمال مقام الخلافة إنما يكون من الواردات الربانية واستمدادها من خواص الصفات الحيوانية {أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ} [النمل: 64] لتربية الأرواح {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} حجتكم على أن للأرواح مربياً غير الله {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} حينما ادعيت أن مع الله إلهاً آخر. ثم أخبر عن الغيب أنه لا يعلمه إلا بغير الريب بقوله تعالى: {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ} [النمل: 65]، والإشارة في تحقيق الآيات بقوله: {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} [النمل: 65] يشير إلى أن للغيب مراتب: غيب هو غيب أهل الأرض في الأرض وفي السماء، وللإنسان إمكان تحصيل علمه وهو على نوعين: أحدهما: ما غاب عنك في أرض الصورة وسمائها؛ ففي الأرض مثل غيبة شخص عنك أو غيبة أمر من الأمور وذلك إمكان إحضار الشخص والاطلاع على الأمر الغائب. وثانيهما: ما غاب عنك في أرض المعنى وهي أرض النفس، فإن فيها مخبئات من الأوصاف والأخلاق ما هو غائب عنك على الأمر الغائب، وفي السماء مثل علم النجوم والهيئة ومالك إمكان تحصيله بالتعلم، وإن كان غائباً عنك كيفية وكمية ولك وإمكان الوقوف عليها بطريقة المجاهدة والرياضة والذكر والفكر وسماء المعنى وهي سماء القلب، فإن فيها مخبئات من العلوم والحكم والمعاني ما هو غائب عنك ولك إمكان الوصول إليه بالسير على مقامات النفس والسلوك في مقامات القلب غيب هو غيب أهل الأرض في الأرض والسماء أيضاً، وليس الإنسان إمكان الوصول إليه إلا بأداة الحق تعالى، كما قال تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصلت: 53]، وغيب هو غيب أهل السماء في السماء والأرض ليس لهم إمكان الوصول إليه إلا بتعليم الحق تعالى مثل الأسماء، كما قال تعالى: {أية : أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ} تفسير : [البقرة: 31-32] ومن هنا يتبين لك أن الله تعالى قد كرم آدم بكرامة لم يكرم بها الملائكة وهي اطلاعه على مغيبات لم تطلع عليها الملائكة، وذلك بتعليمه علم الأسماء كلها، وغيب هو مخصوص بالحضرة ولا سبيل لأهل السماوات والأرض إلى علمه إلا من قضى الله، كما قال تعالى: {أية : فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ} تفسير : [الجن: 26-27]، وبهذا يستدل على فضيلة الرسل على الملائكة؛ لأن الله استخصهم بإظهارهم على غيبة دون الملائكة؛ ولهذا أٍجدهم لآدم لأنه كان مخصوصاً بإظهار الله إياه على غيبه، وذلك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله خلق آدم فتجلى فيه" تفسير : وغيب استأثر الله بعلمه وهو علم قيام الساعة فلا يعلمه إلا الله كما قال الله تعالى: {أية : وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} تفسير : [النحل: 21] بقوله: {وَمَا يَشْعُرُونَ} يُشير إلى أنهم كما لا يعلمون إلا عاجلاً لا يكون شعورهم به آجلاً {بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} أي: علمهم في الآخرة عند قيام الساعة. وبقوله: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ} يُشير إلى أنهم لا يتقون بقول الأنبياء وإخبارهم عن الساعة ولا بالقطع يجحدون، وهذه أمارة كل مريض القلب لا حياة لهم في الحقيقة ولا راحة ثم هم من البعث في شك، ومن الإحياء ثانياً في استبعاد ويقولون: {أية : لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا} تفسير : [المؤمنون: 83] ثم لم يكن تحقيق فما نحن إلا مثلهم وذلك معنى قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هَـٰذَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} [النمل: 67-68] وبقوله: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} [النمل: 69] يُشير إلى سير السائرين في أرض البشرية. {فَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ} [النمل: 69] أي: انظروا أرباب السير بدرك الحقائق المودعة في معنى الإنسان أنموذجات من الآخرة وما فيها، فمنها النفس المتمردة لأنها أنموذج من جهنم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: من هو الذي يبدأ الخلق وينشئ المخلوقات ويبتدئ خلقها، ثم يعيد الخلق يوم البعث والنشور؟ ومن يرزقكم من السماء والأرض بالمطر والنبات؟. { أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ } يفعل ذلك ويقدر عليه؟ { قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ } أي: حجتكم ودليلكم على ما قلتم { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } وإلا فبتقدير أنكم تقولون: إن الأصنام لها مشاركة له في شيء من ذلك فذلك مجرد دعوى صدقوها بالبرهان، وإلا فاعرفوا أنكم مبطلون لا حجة لكم، فارجعوا إلى الأدلة اليقينية والبراهين القطعية الدالة على أن الله هو المتفرد بجميع التصرفات وأنه المستحق أن تصرف له جميع أنواع العبادات.